The establishment of a specialized judiciary in matters of investment and trade contributes to finding judicial constants in cases related to these matters, by creating specialized courts in commercial matters of a special nature. It is important to know whether this characteristic will be only through its specialization in specific cases, or it will also be in its formation and its position within the Qatari judicial system. This is given that the qualitative and jurisdictional jurisdiction of this court may conflict with the jurisdictions of other courts that exist and operate within the Qatari judicial system. These are the most prominent problems that this research aims to address, through analysis and comparison.
أهمية الموضوع:
لما كانت التشريعات التي تتعلق بتنظيم الاستثمارات المحلية والأجنبية تهدف إلى طمأنة المستثمر إلى وجود وسائل قانونية وقضائية عادله لتسوية المنازعات التي تنشأ في الدولة التي يستثمر فيها؛ فإن ذلك يقتضي أن يكون هناك ثقة بالنظام القضائي لتلك الدولة، وهو ما يمكن أن يتحقق من خلال المحاكم المتخصصة في منازعات الاستثمار. لذلك فالكثير من الدول لجأت إلى تخصيص نوع من المحاكم للنظر في مثل هذه المنازعات لِما لها من طبيعة خاصه1، وأول التشريعات التي أنشأت مثل هذه المحاكم كان في الولايات المتحدة الأمريكية2، ثم تبعتها الدول الأخرى. ومن المهم معرفة ما إذا كانت هذه الخصوصية ستتجلى فقط من خلال تخصصها في دعاوى محددة، أم ستكون أيضًا في تشكيلها، وفي مكانها ضمن النظام والهيكل القضائي الموجود في دولة قطر.
إشكالية البحث:
إن دراسة نطاق الاختصاص الزماني لمحكمة الاستثمار والتجارة من جهة، بالإضافة إلى نطاق اختصاصها النوعي والولائي من جهة أخرى يتضمن عددًا من الإشكاليات، لكن أبرزها يتمثل في بيان الطبيعة القانونية لتلك المحكمة، وموقعها ضمن النظام القضائي القطري؛ وذلك على اعتبار أن الاختصاص النوعي والولائي لهذه المحكمة قد يتنازع مع أقضية أخرى موجودة وتعمل ضمن النظام القضائي القطري.
كما تثور إشكالية المصطلح في قانون إنشاء محكمة الاستثمار والتجارة، وذلك لمعرفة ما إذا كانت محكمة الاستثمار والتجارة تتشكل من دوائر أم من محاكم.
منهج البحث
بناءً على ما سبق؛ فإننا سنعتمد المنهج التحليلي في معالجة إشكاليات البحث كمنهج أصيل، والمنهج المقارن كمنهج رديف؛ حيث سنجري مقارنات مع كل من التشريع الفرنسي، والتشريع المصري، والتشريع المغربي؛ على اعتبار أن هذه التشريعات واجهت إشكاليات متصلة بموضوع البحث.
تقسيم البحث:
أخذًا بالاعتبار الإشكاليات التي يثيرها البحث، والتي نوهنا إليها آنفًا؛ فإننا سنعالج تلك الإشكاليات من خلال مبحثين، نعرض في الأول منهما لنطاق الاختصاص الزماني لمحكمة الاستثمار والتجارة، ونعرض في المبحث الثاني لنطاق الاختصاص النوعي والولائي للمحكمة، وفق الخطة التالية:
المبحث الأول: النطاق الزماني لاختصاص محكمة الاستثمار والتجارة
المطلب الأول: المبادئ العامة في مسائل التنازع الزماني للقاعدة القانونية الإجرائية
الفرع الأول: التطور التاريخي لمبدأ الأثر المباشر للقانون الجديد
الفرع الثاني: التطبيقات العملية لمبدأ الأثر المباشر للقانون الجديد
المطلب الثاني: منهج المشرع القطري في تحديد النطاق الزماني لاختصاص محكمة الاستثمار والتجارة
الفرع الأول: تمييز قواعد تنازع القوانين عن القوانين الانتقالية
الفرع الثاني: المعيار الذي اعتمده المشرع في سريان قانون محكمة الاستثمار والتجارة
المبحث الثاني: نطاق الاختصاص النوعي والولائي لمحكمة الاستثمار والتجارة
المطلب الأول: موقع محكمة الاستثمار والتجارة ضمن التنظيم القضائي القطري
الفرع الأول: التخصص القضائي قبل صدور قانون محكمة الاستثمار والتجارة
الفرع الثاني: أثر الهيكل القضائي والإداري لمحكمة الاستثمار والتجارة على طبيعتها
المطلب الثاني: تنازع الاختصاص بين محكمة الاستثمار والتجارة وبين الأقضية الأخرى
الفرع الأول: تنازع الاختصاص بين محكمة الاستثمار والتجارة، ومحاكم القضاء العادي الأخرى
الفرع الثاني: تنازع الاختصاص بين المحكمة المدنية والتجارية لمركز قطر للمال، ومحكمة الاستثمار والتجارة
الخاتمة: النتائج والتوصيات
النطاق الزماني لاختصاص محكمة الاستثمار والتجارة
إذا كان الأصل في الاختصاص أن تمارسه هذه المحكمة كأثر مباشر للنص الجديد الذي منحها الاختصاص؛ إلَّا أن هذا الأصل له استثناءات، وهذه الاستثناءات منها ما يعود لقواعد تطبيق قانون المرافعات من حيث الزمان واستثناءاتها، ومنها ما يكون نتيجة استثناءات خاصة جاء بها المشرع في القانون الجديد. وعلى ذلك فإننا سنقوم بدراسة النطاق الزمني لاختصاص محكمة الاستثمار والتجارة، من خلال مطلبين؛ نبين في الأول منهما القاعدة العامة في مسائل التنازع الزماني للقاعدة القانونية الإجرائية، ثم نحلل في المطلب الثاني القواعد الانتقالية الخاصة بالنطاق الزماني لاختصاص محكمة الاستثمار والتجارة.
المطلب الأول
المبادئ العامة في مسائل التنازع الزماني للقاعدة القانونية الإجرائية
إن المبادئ العامة في مسائل التنازع الزماني للقاعدة القانونية الإجرائية ترسمها العديد من القواعد القانونية التي تنتمي إلى العديد من التشريعات، وذلك لأن هذه المبادئ العامة لا تقتصر على القاعدة القانونية الإجرائية وإنما تشمل كل القواعد القانونية. والقاعدة العامة في الأنظمة ذات الاتجاه اللاتيني، أن القوانين الجديدة تسري فقط على الوقائع والمراكز القانونية التي تنشأ بعد تاريخ نفاذها، وتسري كذلك على ما يقع في ظلها من المراكز القانونية التي بدأت في التكوّن قبل العمل بها - أي في ظل القانون القديم - واستمرت بعد إلغائه وحلول غيره محله. وهذا ما يعبر عنه بالأثر الفوري للقانون الجديد، يكمله مبدأ آخر، هو عدم رجعية القوانين، ولكل من المبدأين استثناءات. ويشار إلى أن المشرع القطري في قانون المرافعات قد خرج عن القاعدة العامة ببعض الاستثناءات التي تخص الإجراءات. وقبل أن ندرس تلك المبادئ العامة ونحلل آثارها (الفرع الثاني)، نعرض للتطور التاريخي لتلك المبادئ (الفرع الأول)
الفرع الأول
التطور التاريخي لمبدأ الأثر المباشر للقانون الجديد
في البداية، كانت الفلسفة التي تقوم عليها مسألة الأثر المباشر للتشريع وعدم رجعيته3 ترتكز في بعض النظريات على أساس التمييز بين اكتساب الحق في ظل القانون القديم، وبين مجرد الأمل. هذه المسألة كان يحكمها في البداية قاعدة مفادها استمرار القانون القديم في التطبيق بمجرد اكتساب الحق، لكن مجرد الأمل لا يمنع من تطبيق القانون الجديد على الوقائع السابقة على نفاذه، ثم جاء العميد بول روبييه واقترح قراءة جديدة مفادها أن القانون الجديد ينطبق فورًا على الوقائع المستقبلية للأوضاع القانونية المستمرة وقت نفاذ القانون الجديد4. ومن أجل تنظيم أوضاع تنازع القوانين من حيث الزمان؛ فإن القضاء يستلهم من هاتين النظريتين تطبيقات يميز من خلالها ما بين المراكز القانونية الناشئة عن العقود من جهة، وتلك الناشئة عن غير العقود من جهة أخرى. فبالنسبة للأوضاع القانونية غير التعاقدية المستمرة وقت نفاذ القانون الجديد؛ فإنه ينطبق بأثر فوري على الآثار المستقبلية، أما الآثار السابقة على نفاده فتبقى خاضعة للقانون القديم. أما بالنسبة للعقود؛ فإن القانون الجديد لا ينطبق إلَّا على العقود التي تبرم بعد نفاده، أما تلك المبرمة قبل نفاده فتبقى خاضعة للقانون القديم، وهو ما يعرف في الفقه الفرنسي بمبدأ، بقاء القانون القديم في المسائل التعاقدية5.
وقد تبنّت محكمة النقض الفرنسية ذلك فقضت بأن آثار العقود المبرمة قبل القانون الجديد، حتى لو استمر حصولها بعد هذا القانون، تبقى خاضعة لأحكام القانون الذي أبرمت في ظله6. وتطبيقًا لذلك؛ فإن المرسوم الذي صدر في فرنسا بتاريخ 10 فبراير 2016 بشأن تعديل قانون العقود7، والذي نص على أنه لا ينطبق إلَّا على العقود المبرمة ابتداءً من نفاذه، قد كرَّس مبدأ بقاء القانون القديم في المسائل التعاقدية. لكن مع قيام استثناءين: يتعلق الأول بقانون جديد ينطبق على العقود المبرمة قبل نفاده، بدافع النظام العام8. أما الثاني فيتعلق بقانون جديد ينطبق على المراكز القانونية التي نشأت قبل نفاذه لكنها لم تتحقق بشكل نهائي9.
أما في التشريع القطري؛ فإن مبدأ الأثر الفوري للقانون الجديد يجري تطبيقه بمرونة بحسب المجال الذي يطبق فيه:
ففي القانون الدستوري: القاعد الأساسية في نفاذ القانون المنصوص عليها في المادة 142 من الدستور الدائم لدولة قطر10؛ حيث أراد المشرع أن تسري أحكام القوانين بأثر مباشر على الوقائع والمراكز القانونية القائمة وقت سريان أحكامه، على أن يكون نفاذ القانون بعد شهر من تاريخ نشره، ومع ذلك فتح المجال للنصوص المخالفة لهذا المبدأ سواء بإنقاص مدة الشهر المنصوص عليها أو بزيادتها، وذلك وفق المصلحة التي يراها المشرع. كما أن للأثر المباشر ذاته استثناءات تتعلق باعتماد الأثر الرجعي للقانون كما هو الحال في القانون الأصلح للمتهم في التشريعات الجزائية11.
أما في القانون المدني: فتنص المادة 3 منه المتعلقة بسريان القانون من حيث الزمان، على أنه:
"1- يسري القانون الجديد على كل ما يقع من تاريخ العمل به، ما لم يرد به نص يقضي بغير ذلك. 2- تبقى آثار التصرفات خاضعة للقانون المعمول به وقت إبرامها، وذلك ما لم تكن أحكام القانون الجديد متعلقة بالنظام العام فتسري على ما يترتب من هذه الآثار بعد العمل به."
وفي قانون المرافعات: تنص المادة 2 إصدار: "تسري قوانين المرافعات على ما لم يكن قد فصل فيه من الدعاوى، أو تم من الإجراءات قبل تاريخ العمل بها......" وقد أوضحت محكمة التمييز القطرية القاعدة العامة تلك بشأن قوانين المرافعات: "أن المشرع وضع قاعدة عامة تطبق في خصوص سريان قوانين المرافعات من حيث الزمان، بأن يسري القانون الجديد بأثر فوري على ما لم يكن قد فصل فيه من الدعاوى، أو ما لم يكن قد تم من إجراءات، واستثنى من ضمن ما استثناه القوانين المعدلة للاختصاص متى كان تاريخ نفادها تاليًا لإقفال باب المرافعة في الدعوى. وكان القانون الجديد المتعلق بالنظام العام يسري ويطبق بأثر مباشر على المراكز القانونية القائمة ولو كانت ناشئة في تاريخ سابق على نفاذه، وأن مقتضى الأثر الفوري للقانون أن يسري على كل واقعة تعرض فور نفاذه ولو كانت ناشئة عن مركز قانوني وجد قـبل هـذا التاريخ12"
ولمبدأ الأثر الفوري للقانون الجديد تطبيقات عملية تختلف باختلاف المجال الذي ترد عليه، وهو ما سنبينه في الفرع الآتي.
الفرع الثاني
التطبيقات العملية لمبدأ الأثر المباشر للقانون الجديد
تبيّن معنا مما سبق أن مبدأ الأثر المباشر للقانون الجديد – تاريخيًّا - لم يجرِ تطبيقه بصورة مطلقة، فالاستثناءات على القاعدة متعددة. وعلى الرغم من أن المبدأ العام يشكل أهمية بارزة؛ سواء في القانون الموضوعي أم في قانون المرافعات، نجد أنه كان للمشرع أسلوب خاص لحل التنازع في قوانين المرافعات.
ويتضمن هذا الأسلوب قاعدة واستثناءات أربعة، منصوص عليها في المادة 2 من مواد إصدار قانون المرافعات المدنية والتجارية والتي جاء فيها: "تسري قوانين المرافعات على ما لم يكن قد فصل فيه من الدعاوى أو تم من الإجراءات قبل تاريخ العمل بها، ويستثنى من ذلك: ......"
إلا أن المادة 2 - سالفة الذكر - لم تكن نهاية المطاف؛ لأن هناك أساليب إضافية يلجأ إليها المشرع للتأثير على المبدأ الأساسي في نفاذ القوانين المسماة/ الأثر المباشر للقانون، ومبدأ عدم الرجعية/، وهذه الأساليب:
أما مسألة تنازع القوانين من حيث الزمان في فرنسا؛ فهي - خارج الحالات الخاصة – منصوص عليها في المادة 2 من القانون المدني التي تنص على أن: "القانون لا يطبق إلَّا على المستقبل، وليس له أي أثر رجعي." فالقانون الجديد لا يمكن أن ينطبق على الوقائع التي حصلت قبل نفاذه؛ ومع ذلك يوجد عدد من الاستثناءات لمبدأ عدم رجعية القانون الجديد تختلف تبعًا لنوع القواعد القانونية بحسب ما إذا كانت قواعد موضوعية أم إجرائية.
أولًا- الاستثناءات على مبدأ عدم رجعية القواعد القانونية الموضوعية:
- في القانون المدني: إن مبدأ عدم رجعية القوانين الجديدة ليس له قيمة دستورية إلَّا في المسائل الجزائية14، فالمشرع يستطيع أن يتبنى قانونًا جديدًا ينطبق على أوضاع سابقة على نفاذه إذا نصَّ صراحة على أنه ينطبق بأثر رجعي، ويجري عادة تبرير هذا الخرق لمبدأ عدم رجعية القوانين الجديدة بدافع المصلحة العامة. لكن يجب فهم ذلك على أنه عندما يكون القانون الجنائي أصلح للمتهم فإنه يطبق بأثر رجعي؛ فالفقه في فرنسا يعتبر أن القوانين الجنائية الأصلح للمتهم ذات أثر رجعي بطبيعتها15، وأشهر مثال عليها في فرنسا القانون الصادر في 9 أكتوبر لسنة 1981 الذي ألغى عقوبة الإعدام واكتفى بالسجن المؤبد؛ حيث تم تطبيقه بأثر رجعي على الجرائم المرتكبة قبل نفاذه.
- القوانين التفسيرية: حيث تنطبق من تاريخ نفاذ القانون المراد تفسيره. مثل القانون الصادر 20 أبريل 2018 بشأن تصديق المرسوم الصادر في 2016؛ حيث تضمن بنفس الوقت تعديلات موضوعية وتعديلات تفسيرية. فالتعديلات الموضوعية لا تنطبق بأثر رجعي على العقود المبرمة قبل نفاذ القانون على خلاف التعديلات التفسيرية، حيث اعتبرت محكمة النقض الفرنسية أن المشرع عندما يعطي لنص معين طابعًا تفسيريًّا؛ فإنه يكون قد أعطى بالضرورة طابعًا رجعيًّا لأحكام هذا النص16.
- قوانين المصادقة: وهي القوانين التي تهدف إلى التصديق بأثر رجعي على الأعمال الإدارية التي يعتبرها القضاء غير قانونية17.
ثانيًا- الاستثناءات على مبدأ عدم رجعية القواعد القانونية الإجرائية:
نص قانون المرافعات المدنية والتجارية القطري على القاعدة والاستثناءات18، وذلك على النحو الآتي:
فبالنسبة للأحكام القانونية المتعلقة بالإجراءات؛ فإنه وفق المبادئ العامة للقانون الانتقالي – في حال عدم وجود أحكام خاصة في ذات التشريع الخاص – تطبق القوانين المتعلقة بالإجراءات وطرق التنفيذ فورًا. وتجدر الملاحظة أن محكمة النقض الفرنسية قضت بأنه إذا كانت القوانين الانتقالية تطبق على الدعاوى المنظورة؛ فإن ذلك لا يستتبع عدم إعطاء أثر للأعمال التي تكون قد تمت في ظل القانون القديم وفقًا للأصول19. فالتطبيق الفوري لقانون جديد لا يكون له أي أثر على صحة الأعمال الإجرائية المنجزة وفق القانون النافذ في حينه20. ومثل ذلك أيضًا قانون بادينتر الصادر 5 يوليو 1985 بشأن حوادث المرور21؛ حيث نص على أنه ينطبق على الحوادث التي حصلت في السنوات الثلاث السابقة على نشره؛ بحيث إن كل نزاع لم يفصل فيه القضاء بحكم نهائي خلال السنوات الثلاث فإنه سيخضع للقانون الجديد.
أما إذا كان القانون الجديد ينص صراحةً على أنه يحكم الآثار المستقبلية للأوضاع القانونية الموجودة قبل نفاذ القانون؛ فإنه يكون قد حدد زمان انطباقه. ومثاله القانون الصادر في 31 ديسمبر لسنة 1976 بشأن الملكيات الشائعة22؛ حيث نص على أنه ينطبق على حالات الشيوع القائمة وقت نفاذ القانون. لكن محكمة النقض الفرنسية اعتبرت أن ذلك النص لا يسمح بتجاهل الحقوق المكتسبة في وقت سابق23.
أما بالنسبة للدعاوى؛ فإنه إذا كان قد صدر حكم في القضية فإن طرق المراجعة التي يخضع لها الحكم يرعاها القانون النافذ بتاريخ صدور هذا الحكم24.
وبشأن التعديل القانوني للاختصاص المكاني؛ فإن النصوص التي تعدل الاختصاص المكاني للمحاكم لا تطبق على الدعاوى التي صدر بشأنها حكم في الموضوع25.
وأخيرًا، فإن المشرع بإعلانه أن للنص طابعًا تفسيريًّا، يكون قد عبّر صراحة عن إرادته في أن يُخضع لهذه القاعدة المبيّنة على هذا النحو جميع المنازعات التي لم تُحلّ بعد بقرار مكتسب قوة القضية المحكوم بها26.
وهكذا، وبعد أن بيّنا المبادئ العامة وتطبيقاتها المختلفة التي تحكم مسائل التنازع الزماني للقاعدة القانونية الإجرائية، يمكن لنا بيان وتحليل المنهج الذي اتبعه المشرع القطري في قانون إنشاء محكمة الاستثمار والتجارة.
المطلب الثاني
منهج المشرع القطري في تحديد النطاق الزماني لاختصاص محكمة الاستثمار والتجارة
لقد رسم المشرع القطري – من خلال قانون إنشاء محكمة الاستثمار والتجارة - منظومة خاصة للمرحلة التي تقع ما بين زمان يطبق فيه القانون القديم، وزمان سيطبق فيه القانون الجديد، وهو ما يسمى بالقانون الانتقالي. وبناءً على ذلك؛ فإن دراسة هذا المنهج تقتضي، أولًا تمييز قواعد تنازع القوانين عن القوانين الانتقالية (الفرع الأول)، ثم بيان وتحليل المعيار الذي اعتمده المشرع في سريان قانون محكمة الاستثمار والتجارة (الفرع الثاني).
الفرع الأول
تمييز قواعد تنازع القوانين عن القوانين الانتقالية
إن قواعد تنازع القوانين - التي بيّناها في المطلب الأول - تعد قواعد عامة تتضمن حلولًا دائمة لكل تنازع قد يثور بين القانون القديم والقانون الجديد؛ إذ تُعنَى بحل الإشكاليات التي تثور بشأن سريان القانون القديم أو سريان القانون الجديد. أما القواعد الانتقالية فهي فقط الحلول الخاصة بتشريع معين بالذات؛ حيث يتم من خلال هذه القواعد إنشاء نظام انتقالي ينظم المسائل والإشكاليات التي يمكن أن تنشأ في الفترة الانتقالية ما بين تطبيق القانون القديم والقانون الجديد، فالقانون الانتقالي هو قانون يحل محل القانون القديم في انتظار تطبيق القانون الجديد. وبالتالي فإن فائدة القواعد الانتقالية تكمن في تفادي الصعوبات التي تثور عند تعاقب التشريعات27.
ولقد خرج المشرع في قانون إنشاء محكمة الاستثمار والتجارة على القواعد العامة بشأن تطبيق القانون من حيث الزمان - التي بحثناها في المطلب السابق -؛ سواء أكان ذلك القاعدة العامة في نفاذ التشريع أم كان بشأن الاستثناءات المنصوص عليها في قانون المرافعات، الخاصة بتطبيق القواعد الإجرائية من حيث الزمان، المنصوص عليها في المادة 2 من إصدار من قانون المرافعات؛ فقد نصت المادة 5 من القانون رقم 12 لسنة 2021 بإصدار قانون إنشاء محكمة الاستثمار والتجارة: ".... ويُعمل به بعد ستة أشهر من تاريخ نشره في الجريدة الرسمية." وبموجب هذا النص؛ فإن المشرع القطري لم يسمح بإحداث القانون الجديد لآثاره وفق القواعد المعمول بها، بل تم تأجيل تاريخ النفاذ للمستقبل بمقدار يساوي خمسة أشهر عن القاعدة الأساسية المنصوص عليها في المادة 142 من الدستور القطري. كما أنه لم يطبق المبدأ المنصوص عليه في المادة 3 من القانون المدني القطري، ولا الاستثناءات المنصوص عليها في المادة 2 إصدار من قانون المرافعات القطري. وبذلك فقد رسم المشرع القطري قواعد استثنائية لسريان قواعد الاختصاص في الزمان؛ حيث نصت المادة 2 إصدار من القانون رقم 12 لسنة 2021:
"تختص محكمة الاستثمار والتجارة بالفصل في الدعاوى والمنازعات التي أصبحت من اختصاصها بموجب أحكام القانون المرفق، والتي تُرفع أمامها اعتبارًا من تاريخ العمل بهذا القانون، وتستمر المحاكم الابتدائية في نظر الدعاوى والمنازعات المرفوعة أمامها قبل هذا التاريخ. وتستمر محكمة الاستئناف والدوائر الاستئنافية بالمحكمة الابتدائية في نظر الطعون المرفوعة أمامها قبل تاريخ العمل بهذا القانون في الأحكام الصادرة في الدعاوى والمنازعات التي أصبحت من اختصاص محكمة الاستثمار والتجارة. كما تنظر محكمة الاستئناف والدوائر الاستئنافية بالمحكمة الابتدائية في الطعون التي يتم رفعها بشأن الأحكام الصادرة في الدعاوى والمنازعات التي أقيمت أمام المحاكم الابتدائية قبل تاريخ العمل بهذا القانون".
ويبدو مما سبق أن المشرع القطري عندما خرج عن منظومة القواعد الناظمة لنفاذ القانون وتطبيقه في الزمان؛ فإنه قد رسم منظومة خاصة للمرحلة التي تقع ما بين زمان يطبق فيه القواعد السابقة وزمان سيطبق فيه القانون الجديد، وهو ما يسمى بالقانون الانتقالي.
ويرى الفقه في فرنسا أن القانون الانتقالي يُنظر إليه على أنه أكثر صعوبة في الإجراءات المدنية منه في فروع القانون الأخرى؛ حيث إن هنالك نقاشًا في الفقه لمعرفة ما إذا كان يوجد خصوصية للقانون الانتقالي في الإجراءات المدنية أم لا. وفي الوقت نفسه؛ فإن معظم النصوص الإجرائية المعاصرة في فرنسا تحتوي على أحكام انتقالية بحيث يكون تطبيقها عبر الزمان متوقعًا28.
الفرع الثاني
المعيار الذي اعتمده المشرع في سريان قانون محكمة الاستثمار والتجارة
عمد المشرع القطري إلى تأجيل نفاذ قانون إنشاء محكمة الاستثمار والتجارة لمدة ستة أشهر من تاريخ نشره في الجريدة الرسمية من خلال المادة 5 من مواد إصدار القانون. لكن كان هناك من الناحية العملية تأجيل لنفاذ القانون ومنعًا لتطبيقه جزئيًّا أيضًا؛ ذلك أن المادة 8 من قانون المحكمة منحت المجلس الأعلى للقضاء توزيع الاختصاص في المنازعات التي منحها المشرع بداية إلى المحكمة الكلية في محكمة الاستثمار والتجارة، الأمر الذي سينجم عنه امتدادٌ فعليٌّ لتأجيل نفاذ القانون. وعلى ذلك؛ فإننا سنحلل في الغصن الأول من هذا الفرع القواعد التي تبناها القانون في تحديد الاختصاص الزماني للمحكمة، وسنناقش في الغصن الثاني الامتداد الفعلي لتأجيل نفاذ قانون محكمة الاستثمار والتجارة.
الغصن الأول
القواعد التي تبناها القانون في تحديد الاختصاص الزماني للمحكمة
من جِماع ما سبق بيانه في الفرع الأول من هذا المطلب، يمكننا القول بأن المشرع القطري ابتدع مجموعة من القواعد المتعلقة بالنطاق الزماني لاختصاص محكمة الاستثمار والتجارة تتمثل في أن المشرع القطري قد اختص قانون إنشاء محكمة الاستثمار والتجارة بمعيار خاص تحكمي هو معيار المحكمة المختصة وقت رفع الدعوى. وهو ما يترتب عليه:
ونفصل ما سبق كما يلي:
- بالنسبة للمعيار الخاص التحكمي، نلاحظ أنه من خلال معيار سريان قانون إنشاء محكمة الاستثمار والتجارة؛ وهو المحكمة المختصة وقت رفع الدعوى؛ فإنه حتى يطبق القانون الجديد على الدعوى، وتكون محكمة الاستثمار والتجارة هي المختصة، لا بُـدَّ من توفر شرطين وهما: أن يكون الزمان تاليًا لتاريخ نفاذ القانون، وأن تُرفع الدعوى في هذا الزمان. ومن الواضح أن المشرع قد اختار الأسلوب الأمثل في شأن الاختصاص بالنسبة للدعاوى والطعون؛ حيث آثر اعتماد معيار المحكمة المختصة وقت رفع الدعوى، وبناءً على ذلك:
- إن محكمة الاستثمار والتجارة لن تختص بأية دعوى تم رفعها قبل نفاذ القانون الجديد.
- إن الدعوى المرفوعة قبل نفاذ القانون الجديد - وبتطبيق معيار المحكمة المختصة وقت رفع الدعوى دون تطبيق المعايير التقليدية29 - لن تخضع للقانون الجديد، بل سيترتب على ذلك تطبيق القانون القديم على الامتداد الإجرائي لإجراءات الدعوى، وسيمتد أيضًا إلى الطعون على الأحكام الصادرة في تلك الدعاوى حتى الوصول إلى الحكم البات بما في ذلك إجراءات التنفيذ لهذا الحكم.
وبتحليل هذا المعيار؛ نرى أن المشرع القطري لم يطبق القاعدة الأساسية الواردة في المادة 3 من القانون المدني القطري المتعلقة بسريان القانون من حيث الزمان التي ذكرناها في المطلب الأول30، وبالتالي، فبتطبيق مفهوم المخالفة للفقرة 1 من المادة 3 من القانون المدني؛ ينتج أن النزاعات التي وقعت في ظل القانون السابق ستخضع للقانون السابق، وسوف تستمر المحاكم الابتدائية في نظر الدعاوى المرفوعة أمامها قبل تاريخ العمل بالقانون، وهو ما يفترض الاستمرار بالاختصاص حتى تاريخ العمل بالقانون الجديد. ولكن المشرع في القانون الجديد لم يسمح بتطبيق الاستثناء الخاص بنفاذ القانون الجديد – في قانون المرافعات - عندما يكون قبل قفل باب المرافعة، فهو قد نص على أنه: "وتستمر المحاكم الابتدائية في نظر الدعاوى والمنازعات المرفوعة أمامها قبل هذا التاريخ" وبالتالي، لن تختص المحكمة الجديدة إلَّا بالدعاوى والمنازعات التي ستُرفع أمامها اعتبارا من تاريخ نفاذ القانون. وكذلك الحال بالنسبة لمحكمة الاستئناف والدوائر الاستئنافية في المحكمة الابتدائية، فسوف تستمر بالنظر في الطعون المرفوعة أمامها بشأن الأحكام الصادرة في الدعاوى والمنازعات التي أُقيمت أمام المحاكم الابتدائية قبل تاريخ العمل بالقانون الجديد31.
ونعتقد أن المشرع القطري كان أكثر مرونة من المشرع المغربي؛ حيث إن المشرع القطري أبقى الاختصاص بنظر الطعون للمحاكم المختصة بها بموجب النصوص السابقة. أما المشرع المغربي فقد أبقى الطعون للمحكمة السابقة بشرط أن تكون تلك الطعون قد تم تسجيلها أمام المحكمة قبل دخول القانون حيز التنفيذ32.
والخلاصة، أن المشرع في قانون محكمة الاستثمار والتجارة امتنع عن تطبيق القواعد العامة في تحديد النطاق الزماني لاختصاص محكمة الاستثمار والتجارة؛ وذلك لأنه:
ومع ذلك، فإن سؤالًا مهمًّا ممكن أن يثور في مسألتين:
الأولى: لو نشأ الحق بالدعوى قبل نفاذ القانون، فهل يجوز رفع الدعوى أمام محكمة الاستثمار بعد نفاذه؟
والثانية: لو تم رفع الدعوى أمام المحكمة قبل نفاذ القانون وكان الحكم برد الدعوى شكلًا ثم نفذ القانون، فأمام أي محكمة سترفع الدعوى؟
وتبدو دقة هذه المسألة من خلال القواعد الخاصة جدًّا التي اعتمدها قانون الاستثمار والتجارة في تطبيق هذا القانون من حيث تطبيق القانون في الزمان، وهو ما يتولد عنه مشكلات غير تقليدية من المسائل المتضمنة في السؤالين السابقين. والإجابة يحددها قانون المرافعات في المدنية والتجارية؛ حيث يمكننا القول إنه إذا كان القانون الموضوعي يعتمد على تاريخ الواقعة أو التصرف كمعيار لتطبيق القانون؛ فإن القانون الإجرائي لا يعتمد على تاريخ الواقعة أو التصرف كمعيار لتطبيق القانون، وإنما معيار ذلك هو تاريخ الإجراء (رفع الدعوى)، لذلك عندما يبيّن القانون القواعد المتعلقة بتطبيق القانون الإجرائي من حيث الزمان نجده يعتمد معيار الإجراءات دون النظر إلى المسائل الموضوعية (تاريخ الواقعة أو التصرف). وقد جاء في حكم لمحكمة التمييز القطرية بشأن القواعد المعدلة للاختصاص أن قوانين المرافعات تسري بأثر فوري على ما لم يكن قد تم من إجراءات، ما لم يكن تاريخ نفادها تاليًا لإقفال باب المرافعة في الدعوى34. وبالتالي يمكننا الإجابة على السؤالين السابقين كما يلي:
أ- بالنسبة للسؤال الأول: بما أن المعيار الإجرائي في تطبيق القانون من حيث الزمان لا يعتمد على تاريخ الواقعة أو التصرف كمعيار لتطبيق القانون، وإنما معيار ذلك هو تاريخ الإجراء (رفع الدعوى) فإن المدعي يمكنه رفع الدعوى أمام أي محكمة؛ سواء أمام المحكمة المختصة قبل نفاذ القانون، أم أمام المحكمة المختصة بعد نفاذ القانون. على أنه يحب الانتباه إلى أنه بعد نفاذ القانون لم تعد المحكمة السابقة مختصة بهذه الدعوى طالما أنه لم تكن الدعوى قد رفعت في ظل تلك القواعد الملغاة.
ب- بالنسبة للسؤال الثاني: فإن رفع الدعوى وردها شكلًا لا يمنح المدعي أي حق مكتسب بشأن اختصاص المحكمة السابقة، ولا يربط النزاع المرفوع بشأنه الدعوى بأي رابط مع المحكمة التي حكمت برد الدعوى شكلًا، وهو ما يعني أنه بعد نفاذ القانون لا يمكنه رفع الدعوى إلَّا أمام المحكمة المختصة بموجب القانون الجديد، وهو ما ينسجم مع الفلسفة التشريعية لهذا القانون الذي يريد للمحكمة الجديدة أن تختص بالدعوى منذ المرحلة الأولى دون اشتراك المحكمتين القديمة والجديدة في الاختصاص بالدعوى ذاتها. وبناءً على ذلك، فلا بُدَّ من النظر إلى المحكمة السابقة على أنها لم تعد موجودة بالنسبة للدعاوى المراد تسجيلها بعد نفاذ القانون. وبالتالي لا يُمكن القول بوجود تنازع على الاختصاص ما بين المحكمة السابقة والمحكمة اللاحقة الجديدة.
وهنا وبسبب السياسة التشريعية التي انطلق منها المشرع في قانون محكمة الاستثمار والتجارة، لن نحتاج إلى الدخول في البحث حول معنى مصطلح "قفل باب المرافعة" التي اختُلف في تفسيره؛ حيث صدر عن محكمة النقض المصرية حكم بتفسير معنى قفل باب المرافعة بمعنًى مختلف عما هو متفق عليه في الفقه والقضاء؛ فالقوانين المعدلة للاختصاص تطبق بأثر فوري شأنها في ذلك شأن قوانين الإجراءات. فإذا عَدَّل القانون من اختصاص محكمة قائمة بنقـل بعـض ما كانت مختصة بنظره من القضايا طبقًا للقانون القديم إلى محكمة أخرى؛ فإن هذه الجهة الأخيرة تُصبح مختصة، ولا يكون للمحكمة التي عدّل اختصاصها عملٌ بعد نفـاذ القانون الجديد، ولو كانت الدعوى قد رفعت إليها بالفعل، طالما أنها لم تنتهِ بحكم بات. وذلك كله ما لم ينص الشارع على أحكام وقتية تنظم مرحلة الانتقال. وأن طرق الطعن في الأحكام الجنائية ينظمها القانون القائم وقت صدور الحكم محل الطعن. فالمقصود بالدعوى المحكوم فيها أو المؤجلة للنطق بالحكم في هذه الفقرة هي الدعوى المحكوم فيها بحكم بات لاستنفاد طرق الطعن فيه أو فوات مواعيدها أو الدعاوى المحجوزة للحكم أمام محكمة آخر درجة35.
وأخيرًا، وفي سياق البحث في أهمية تحديد النطاق الزماني لاختصاص المحكمة، من المفيد التنويه إلى أن عدم مراعاة قواعد النطاق الزماني للاختصاص المعتمدة من قبل المشرع في قانون إنشاء المحكمة سينجم عنه بطلان الأحكام، وهو ما حدث في فرنسا بشأن المحاكم التجارية؛ حيث كانت المادة 631 من قانون التجارة الفرنسي السابق تعدد المنازعات التي تختص بها المحاكم التجارية، لكن قانون 17 ديسمبر 1991 ألغى هذا النص. ومع ذلك، في عام 2000 عندما تم تقنين القانون التجاري، لم يتم الانتباه إلى ذلك. واستمر هذا الوضع حتى تاريخ 15 مايو 2001؛ حيث صدر نصٌ جديد ينص، مرة أخرى، على اختصاص المحاكم التجارية في المادة L 411-4 من قانون التنظيم القضائي. فأصبحت المشكلة أنه بين عامي 1991 و2001، حكمت المحاكم التجارية في الوقت الذي لم تكن هناك نصوص قانونية تنص على اختصاصها، في حين أن ولاية المحاكم التجارية هي ولاية قضائية استثنائية، وبالتالي لا يمكن لها أن تختص إلَّا إذا كان هناك نص ينص صراحة على اختصاصها. وبالتالي؛ فإن جميع الأحكام الصادرة خلال هذه السنوات العشر كانت باطلة. الأمر الذي اضطر المشرع الفرنسي لأن يستخدم الأثر الرجعي لتصحيح الأحكام الباطلة36. ثم بعد ذلك وفي عام 2006، أعاد المشرع هذا الحكم إلى قانونه الأصلي، وتحديدًا في القانون التجاري في المادة L 721-3.
ولعل هذا بالضبط ما يمكن الحديث عنه بشأن محكمة الاستثمار والتجارة بخصوص فيما لو مارست محكمة القاضي الفرد (المحكمة الجزئية) لاختصاصها قبل صدور قرار المجلس الأعلى للقضاء. وبالتالي فإن اعتماد المحكمة الجزئية على النص الناقص، وهو المادة 8 من القانون رقم (21) لسنة 2021 بإنشاء محكمة الاستثمار والتجارة، لتمارس اختصاصها ربما يقود – في هذا الفرض- إلى بطلان الأحكام التي ستصدر عنها؛ لأنها تكون بذلك قد مارست هذا الاختصاص على الرغم من النص الناقص بخصوص اختصاص المحكمة.
الغصن الثاني
الامتداد الفعلي لتأجيل نفاذ قانون محكمة الاستثمار والتجارة
منحت المادة 8 من قانون الاستثمار والتجارة المجلس الأعلى للقضاء صلاحية توزيع الاختصاص في المنازعات التي منحها المشرع بداية إلى المحكمة الكلية؛ حيث نصت: "يجوز أن تتولى دائرة ابتدائية أو أكثر، مُشكَّلة من قاضٍ فرد، الفصل في الدعاوى والمنازعات المتعلقة بمسائل الاستثمار والتجارة التي يُحددها المجلس، والتي لا تزيد قيمتها على عشرة ملايـين ريـال.
كما تختص، دون غيرها، بإصدار أوامر الأداء، أيًّا كانت قيمتها، ودون الحاجة لتكليف المدين بالوفاء، والفصل في التظلمات الواردة عليها."
وبناءً على هذا النص؛ يمكننا القول بأن المشرع عندما علَّق وجود المحكمة الجزئية (دائرة فرد) على قرار المجلس الأعلى للقضاء، وكذلك تحديد المنازعات التي تختص بها؛ فإن ذلك قد يؤدي إلى تعطيل المحكمة الجزئية طيلة المدة التي لم يتم خلالها إصدار النص بتحديد اختصاصاتها من قبل المجلس الأعلى للقضاء. وبالتالي؛ فإن المحكمة الجزئية المؤلفة من قاضٍ فرد لن تكون موجودة فعليًّا إلَّا بعد أن يُصدر عن المجلس الأعلى للقضاء قرارًا بتحديد المنازعات التي سوف تنظرها المحكمة الجزئية. ونحن نرى أن صيغة نص هذه المادة تعني أن إحداث المحكمة الجزئية سيكون رهنًا بصدور قرار المجلس الأعلى للقضاء بتحديد اختصاصها37. ونستطيع أن نعضد رأينا هذا بربطه بالمادة 12 من القانون رقم (10) لسنة 2003 بإصدار قانون السلطة القضائية؛ إذ تتضمن هذه المادة سلطة المجلس الأعلى للقضاء بإحداث المحكمة الجزئية كقاعدة عامة، وقد جاء في هذا النص: "ينشئ المجلس بناءً على اقتراح رئيس المحكمة الابتدائية دائرة أو أكثر، تصدر أحكامها من قاضٍ فرد للفصل في القضايا التي يحددها القانون".
وبما أن نص المادة 8 من قانون إنشاء محكمة الاستثمار والتجارة، سيكون هو الأساس الذي ستستند إليه هذه المحكمة في ممارسه اختصاصاتها، فلذلك يمكننا أن نتصور أن المحكمة الجزئية لو نظرت الدعاوى بناء على قيمة الدعوى فقط - قبل صدور قرار المجلس الأعلى للقضاء بتوزيع الاختصاص -؛ فسيترتب على ذلك بطلان الإجراءات أمامها. ولربما سنكون في وضع شبيه بما ذكرناه سابقًا بشأن قرارات المحكمة التجارية في فرنسا التي صدرت عنها دون أن تكون مختصة.
ومن المفيد الإشارة إلى أن المشرع القطري - ومن خلال القانون الانتقالي الذي تضمن القواعد الخاصة بالمرحلة الانتقالية -؛ فإنه قد منع تطبيق القانون الجديد على بعض المسائل التي كان القانون الجديد سيطالها ويحكمها لولا القانون الانتقالي الذي اعتمده المشرع في تطبيق القانون الجديد من حيث الزمان، الذي قد حال دون ذلك، ونتلمس ذلك من خلال المادة رقم 2 إصدار التي جاء فيها: "تختص محكمة الاستثمار والتجارة بالفصل في الدعاوى والمنازعات التي أصبحت من اختصاصها بموجب أحكام القانون المرفق، والتي تُرفع أمامها اعتبارًا من تاريخ العمل بهذا القانون، وتستمر المحاكم الابتدائية في نظر الدعاوى والمنازعات المرفوعة أمامها قبل هذا التاريخ.
وتستمر محكمة الاستئناف والدوائر الاستئنافية بالمحكمة الابتدائية، في نظر الطعون المرفوعة أمامها قبل تاريخ العمل بهذا القانون في الأحكام الصادرة في الدعاوى والمنازعات التي أصبحت من اختصاص محكمة الاستثمار والتجارة.
كما تنظر محكمة الاستئناف والدوائر الاستئنافية بالمحكمة الابتدائية في الطعون التي يتم رفعها بشأن الأحكام الصادرة في الدعاوى والمنازعات التي أقيمت أمام المحاكم الابتدائية قبل تاريخ العمل بهذا القانون".
نطاق الاختصاص النوعي والولائي لمحكمة الاستثمار والتجارة
إن دراسة الاختصاص النوعي والولائي لمحكمة الاستثمار والتجارة تقتضي بيان الطبيعة القانونية لتلك المحكمة وموقعها ضمن النظام القضائي القطري؛ وذلك على اعتبار أن الاختصاص النوعي والولائي لهذه المحكمة قد يُتنازع مع أقضية أخرى موجودة وتعمل ضمن النظام القضائي القطري. وبناءً على ما سبق، سوف نوضح الطبيعة القانونية لمحكمة الاستثمار والتجارة من خلال تحليل النصوص القانونية ذات الصلة بالتنظيم الهيكلي للمحكمة (المطلب الأول)، ثم نتناول بالتحليل تنازع الاختصاص بين المحكمة وغيرها من الأقضية (المطلب الثاني).
المطلب الأول
موقع محكمة الاستثمار والتجارة ضمن التنظيم القضائي القطري
قبل بيان الهيكل القضائي والإداري لمحكمة الاستثمار والتجارة وأثره على طبيعة المحكمة (الفرع الثاني)؛ فإنه من المناسب إيضاح واقع القضاء في المنازعات التجارية قبل نشوء محكمة الاستثمار والتجارة (الفرع الأول):
الفرع الأول
التخصص القضائي قبل صدور قانون محكمة الاستثمار والتجارة
يقوم التخصص القضائي عادةً على ثلاثة أركان وهي: المحاكم المتخصصة بنظر دعاوى بعينها، وكذلك تحديد إجراءات خاصة يجب اتباعها أمام تلك المحاكم، وكذلك وجود قضاة متخصصين بنظر تلك المنازعات38. ولأنه لم تعد المحاكم التجارية الصغيرة، تلبي احتياجات تحديث العدالة الاقتصادية39. وأصبح الأمر يتعلق بالانتقال من التجارة إلى الاقتصاد، وإنشاء محاكم تجارية ذات اختصاص اقتصادي40. لذلك فإنه في دولة قطر وقبل صدور قانون محكمة الاستثمار والتجارة، وفيما يمكن اعتباره خطوةً أولى نحو إنشاء قضاء تجاري متخصص؛ فقد بدأ المجلس الأعلى للقضاء في دولة قطر بتطبيق قرار تخصيص دوائر متخصصة لنظر الدعاوى والمنازعات التجارية. ويأتي هذا القرار في طور الاستعدادات لإنشاء محكمة الاستثمار والتجارة؛ لتكون تلك الدوائر المتخصصة النواة الأولى للمحكمة41. وقد كانت كل من الدوائر الكلية والجزئية بالمحكمة الابتدائية تختص بالفصل في المنازعات والدعاوى الناشئة بين التجار والمتعلقة بأعمالهم التجارية، وبين الشركاء أو المساهمين أو بين أي منهم والشركة في الشركات التجارية، وكذلك المنازعات المتعلقة بعمليات البنوك، إضافة إلى المنازعات المتعلقة بالإفلاس والصلح الواقي من الإفلاس، يُضاف إليها المنازعات المتعلقة ببراءات الاختراع والعلامات التجارية والنماذج الصناعية والأسرار التجارية وحقوق الملكية الفكرية، والمنازعات المتعلقة بمنع الممارسات الاحتكارية والمنافسة والإغراق والممارسات الضارة بالمنتجات الوطنية. كما تم تخصيص دائرة بمحكمة الاستئناف لنظر الطعون المرفوعة على الأحكام المتعلقة بالمنازعات التجارية. وقد تم تخصيص 6 دوائر ابتدائية ودائرتي استئناف للنظر في النزاعات والدعاوى التجارية42.
وبقي هذا الوضع هو المعمول به إلى أن صدر في عام 2021 قانون إنشاء محكمة الاستثمار والتجارة الذي نص في مادته الثانية على أنه: "تُنشأ محكمة تُسمى (محكمة الاستثمار والتجارة)، يُندب لرئاستها قاضٍ لا تقل درجته عن نائب رئيس بمحكمة الاستئناف بقرار من المجلـس، بناءً على اقتراح رئيس المجلس، ويكون عضوًا بالمجلس......." ثم فصّلت هذه المادة في شكل التنظيم القضائي لها، فنصت على أن يكون لرئيس المحكمة نائب أو أكثر، يُندب بقرار من المجلس، بناءً على اقتراح رئيس المحكمة، لا تقل درجته عن نائب رئيس بمحكمة الاستئناف.
أما على الصعيد الهيكلي للمحكمة؛ فإن المحكمة - بموجب المادة الرابعة من نفس القانون - تتألف من دوائر ابتدائية وأخرى استئنافية، ويكون قضاتها من بين قضاة المحكمة الابتدائية ومحكمة الاستئناف يختارهم المجلس، ويصدر بتوزيع الأعضاء على الدوائر قرار من رئيس المحكمة بناءً على اقتراح الجمعية العامة للمحكمة.
وتُشكل كل دائرة من الدوائر الابتدائية من ثلاثة قضاة بالمحكمة، ويرأس كل دائرة أقدم أعضائها، وللمجلس ندب من يراه من قضاة محكمة الاستئناف لرئاسة إحدى الدوائر الابتدائية بالمحكمة لمدة سنة قابلة للتجديد لمدة أو لمدد أخرى مماثلة.
كما تُشكل كل دائرة من الدوائر الاستئنافية بالمحكمة من ثلاثة قضاة من محكمة الاستئناف، ويرأس كل دائرة أقدم أعضائها، وللمجلس ندب من يراه من قضاة محكمة التمييز لرئاسة إحدى الدوائر الاستئنافية بالمحكمة لمدة سنة قابلة للتجديد لمدة أو لمدد أخرى مماثلة (المادة 5 من نفس القانون).
وكذلك أجاز المشرع أن تتولى دائرة ابتدائية أو أكثر، مُشكَّلة من قاضٍ فرد، الفصل في الدعاوى والمنازعات المتعلقة بمسائل الاستثمار والتجارة التي يُحددها المجلس، والتي لا تزيد قيمتها على عشرة ملايـين ريـال. كما تختص، دون غيرها، بإصدار أوامر الأداء، أيًّا كانت قيمتها، ودون الحاجة لتكليف المدين بالوفاء، والفصل في التظلمات الواردة عليها (المادة 8) وإلى جانب المحكمة الابتدائية الثلاثية.
أما على صعيد التنظيم الإداري للمحكمة؛ فإنه – بموجب الفقرة الثالثة من المادة الثانية من القانون ذاته - يكون لها مدير إداري يصدر بتعيينه قرار من رئيس المجلس. كما يُلحق بالمحكمة عدد كافٍ من الموظفين الإداريين والكتبة والمترجمين.
الفرع الثاني
أثر الهيكل القضائي والإداري لمحكمة الاستثمار والتجارة على طبيعتها
من خلال ما سبق بيانه في الفرع السابق؛ فإننا نستطيع أن نقطع بأننا أمام محكمة مختصة، تنتمي إلى القضاء العادي، وليست جهة قضاء إلى جانب جهة القضاء العادي - كما هو حال المحكمة المدنية والتجارية لمركز قطر للمال التي تُعد جهة قضائية إلى جانب القضاء العادي -، ومما يؤكد ما نراه أن رأس الهرم في الهيكل التنظيمي للمحكمة هي محكمة التمييز، بل ويمكن بموجب المادة 12 من قانون محكمة الاستثمار والتجارة أن تكون محكمة التمييز محكمة موضوع43؛ أي درجة ثالثة عندما تحكم بتمييز الحكم المطعون فيه. ويترتب على ذلك: أن الدائرة المرفوعة إليها الدعوى في محكمة الاستثمار والتجارة - لو وجدت أنها غير مختصة وأن الاختصاص يرجع إلى إحدى محاكم القضاء العادي - ستحكم بعدم الاختصاص، وتحيل إلى المحكمة المختصة. أما لو وجدت أنها غير مختصة، وأن الاختصاص يرجع إلى المحكمة المدنية والتجارية لمركز قطر للمال؛ فهي ستحكم بعدم الاختصاص الولائي دون أن تقوم بالإحالة44.
وفي هذا الصدد تثور إشكالية المصطلح في قانون إنشاء محكمة الاستثمار والتجارة، (تتشكل المحكمة من دوائر أم محاكم)؛ حيث يرى البعض45 - وبحق - أنه في كل مرَّة يتم تعديل قانون مرافعات سيكون هناك مظهرٌ أو أكثر من مظاهر أزمة المصطلح. وقد ظهرت تلك الأزمة بصدد قانون إنشاء محكمة الاستثمار والتجارة، كما كان الوضع بشأن قانون المحاكم الاقتصادية في مصر، وذلك فيما يتعلق بتسمية المحاكم بذاتها وفي تقسيم اختصاص المحاكم الجديدة على أساس فكرة الدوائر، ما بين الدائرة الابتدائية والدائرة الاستئنافية، هو أمر أثار خلافًا فقهيًّا؛ ذلك أن التشكيلات التي تتكون منها المحكمة أطلق عليها تسمية دائرة؛ مما يوحي بأننا أمام توزيع داخلي بين دوائر متعددة لمحكمة واحدة، وليس أمام توزيع الاختصاص، وذلك انطلاقًا من القاعدة التي تُقرر أن الاختصاص عندما يثبت فإنه يكون للمحكمة ككل وليس للدائرة، وهو ما ذهبت إليه محكمة التمييز القطرية من أن: "الاختصاص النوعي للمحكمة الابتدائية الأصل أنه يُنسب إلى المحكمة لا إلى دوائرها46.
ويترتب على اختلاف تفسير مصطلح الدائرة - المستخدم هنا - ما بين المعنى المستقر عليه في قانون المرافعات لمصطلح الدائرة ومعنى آخر لمصطلح الدائرة، النتائج الآتية:
وأما في فرنسا؛ فإن تشكيل المحكمة التجارية يقوم على ثلاث قضاه يتولون المنصب القضائي، وهم ليسوا من القضاة العاديين، وإنما هم من التجار أو الصناع الذين يتم انتخابهم من أقرانهم في الدائرة التي ينتمون إليها51. ومن نتائج الاعتماد على الانتخاب من فئة معينة لتكوين محكمة سوف تكون تجارية وستنظر نزاعات تجارية، أن يكون للأعراف التجارية اليد الطولي في هذا القضاء؛ لذلك تم انتخاب القضاة من قبل التجار والصناع52.
والمحاكم التجارية في شكلها الحالي في فرنسا هي محاكم من الدرجة الأولى وتتألف من قضاة منتخبين؛ حيث يجري انتخابات "القضاة القنصليين"، وهو الاسم الذي يُطلق على قضاة المحكمة التجارية، تحت إشراف قاضٍ محترف يُعينه الرئيس الأول لمحكمة الاستئناف للولاية القضائية، ويتم وضع القوائم الانتخابية تحت إشراف هذا القاضي. وتضم الهيئة الانتخابية مندوبين قنصليين وأعضاء حاليين وأعضاء سابقين في المحاكم التجارية وغرف التجارة والصناعة53. وقد احتفظ المرسوم رقم 2019-1333 لعام 2019 بالخصائص الرئيسة للإجراءات المطبقة أمام المحاكم الابتدائية، لكن مع تبسيطها؛ حيث وحّد طرق الإحالة إلى المحكمة القضائية والمحكمة التجارية حول الاستدعاء والطلب، وهو أمر ممكن في الإجراءات الشفوية للمطالبات التي تقل عن 5000 يورو. مع ذلك؛ يمكن للمدعي من غير التجار أن يلجأ أيضًا إلى هذه المحاكم التجارية في النزاع بينه وبين التاجر، كما في حوالة الحق بين تاجر وغير تاجر؛ حيث قضت الغرفة التجارية لمحكمة النقض الفرنسية بأن النزاع المتعلق بحوالة الحق بين الطرفين في صك تحويل حصص الأسهم في شركة تجارية يقع ضمن اختصاص المحكمة التجارية وفقًا للمادة L721-3 2 من القانون التجاري54.
وأيًّا كانت طبيعة تلك المحكمة في النظام القانوني؛ فإن السؤال المحوري يبقى هو مكان التنظيم القضائي في الحياة الاقتصادية، وبالتالي ما هو نوع العدالة الاقتصادية التي نريدها في سياق تطوير التنظيم القانوني، واحترام قواعد المنافسة وتدويل التجارة؟ هل يجب أن تفلت العدالة الاقتصادية من إطار القضاء العادي؟ صحيح أن العدالة التجارية لها أصول أساسية، وهي معرفتها بواقع عالم الأعمال والاستثمار، لكن الجدل حول المزيج بين القضاة المحترفين والقضاة المتطوعين والمنتخبين سيعود ليطرح نفسه؛ فإذا كان من الممكن تطوير هذا النموذج؛ فإنه يشكل نموذجًا أوليًا لأنواع أخرى من التقاضي؛ إذ إن مشاركة غير القضاة - من المواطنين- في وظيفة القضاء، وفقًا لأنماط مختلفة جدًّا موروثة من التاريخ (محاكم الجنايات، والمحاكم الصناعية، ومحاكم الأحداث، وما إلى ذلك) تجعل من الممكن تنفيذ نظام قضائي أكثر ديمقراطية وانفتاحًا55.
إن المحاكم التجارية الفرنسية هي سلطات قضائية متجذرة في خصوصيتها الموروثة من تاريخ طويل. ومن أجل أن يتمكن التجار من تسوية نزاعاتهم بأنفسهم بسرعة، وبالتالي؛ الإفلات من بطء وتكلفة نظام القضاء العادي؛ فقد تم في عام 1563 إنشاء محاكم تجارية56. وبالتالي؛ فهو قضاء التجار الذي تأسس تاريخيًا، والذي أُعيد صياغته جزئيًّا في عام 1809؛ حيث أصبح وجود القضاة القنصليين مقبولًا57. لكن بعد فترة وجيزة لم تعد المحاكم التجارية الصغيرة - التي تدين بوجودها فقط للتراث التاريخي - تلبي احتياجات تحديث العدالة الاقتصادية58. وأصبح الأمر يتعلق بالانتقال من التجارة إلى الاقتصاد، وإنشاء محاكم تجارية ذات اختصاص اقتصادي؛ بحيث يتمتع القضاة والوكلاء القنصليين - الذين اعتادوا دائمًا على تسوية شؤونهم في إطار شبكات العلاقات والنفوذ - بسلطات كبيرة في العالم الاقتصادي والسياسي59. فتم تحسين القضاء التجاري بشكل ملحوظ، فالقضاة القنصليين هم مسؤولون منتخبون أو قادة أعمال أو كبار المديرين. وقد استلزم الأمر تفويض قضاة محترفين من المحاكم الابتدائية للمشاركة في عمل المحاكم التجارية، واقتراح تعيين قضاة محترفين من ذوي الخبرة القضائية لرئاسة تشكيلات المحاكم التي يتعين عليها النظر في المنازعات المتعلقة بالنظام الاقتصادي والنزاعات المتخصصة مثل تلك المتعلقة بالملكية الفكرية والأسواق المالية والقطاع المصرفي. فنشأت الحاجة إلى فتح المحاكم التجارية أمام قضاة محترفين مستعينين بخبرة القضاة القناصل بشأن واقع الحياة الاقتصادية. وإذا كان بإمكان القضاة القنصليين قبول وصول قاضٍ محترف لاستكمال الولاية القضائية، إلَّا أن فقدانهم لرئاسة الجلسات بدا لهم أنه أمر غير مقبول، وكانت هذه أهم الصراعات بينهم60.
وبالعودة إلى محكمة الاستثمار والتجارة القطرية، يمكننا الإجابة على السؤال الذي يُطرح بشأن طبيعة تلك المحكمة، لمعرفة ما إذا كانت تُعدُّ جزءًا من القضاء العادي أم أنها جهة قضاء مستقلة؟
يتجه الفقه إلى أن هذه المحاكم هي محاكم متخصصة اختصاصًا نوعيًّا61، وهذا التنظيم الشامل والخاص لعملها لا يُخرجها من مظلة القضاء العادي. وذلك على وضع مختلف لِما عليه بالنسبة للمحكمة المدنية والتجارية لمركز قطر للمال كما سنرى في المطلب الثاني من هذا المبحث.
وبناءً على ما سبق، فإنَّنا يمكننا أن نبين الخصائص التي يتميز بها اختصاص محكمة الاستثمار والتجارة القطرية:
المطلب الثاني
تنازع الاختصاص بين محكمة الاستثمار والتجارة وبين الأقضية الأخرى
من الطبيعي أن تنشأ حالات تنازع على الاختصاص بين المحكمة محل الدراسة وغيرها من المحاكم؛ سواء أكانت تلك المحاكم تابعة للجهة القضائية ذاتها، أم كانت تتبع لجهات قضائية أخرى، وهو ما يمكن أن نعرض له من خلال الفرعين الآتيين:
الفرع الأول: تنازع الاختصاص بين محكمة الاستثمار والتجارة، ومحاكم القضاء العادي الأخرى
الفرع الثاني: تنازع الاختصاص بين المحكمة المدنية والتجارية لمركز قطر للمال ومحكمة الاستثمار
الفرع الأول
تنازع الاختصاص بين محكمة الاستثمار والتجارة، ومحاكم القضاء العادي الأخرى
تنص المادة 29 من قانون محكمة الاستثمار والتجارة على أن: "تفصل المحكمة من تلقاء نفسها أو بناءً علـى طلـب أحد أطراف الدعوى في المسائل المتعلقة بالاختصاص وشروط قبول الدعوى وكافة الدفوع الشكلية قبل الفصل في الموضوع، ويجوز لها اتخاذ التدابير التي تراها مناسبة كتكليف أطراف الدعوى بتقديم الإيضاحات اللازمة بشأن تلك المسائل، ولا يجوز للمحكمة أن تندب خبيرًا قبل الفصل في تلك المسائل".
ونلاحظ أن المشرع في هذه المادة، لم يخرج عن القواعد العامة بشأن طبيعة اختصاص المحكمة؛ فهو وإن لم ينص صراحة على طبيعة الدفع الذي يمكن أن يتم التقدم به أمام المحكمة بشأن عدم الاختصاص، لكنه نص على أن: "تفصل المحكمة من تلقاء نفسها أو بناءً علـى طلـب أحد أطراف الدعوى في المسائل المتعلقة بالاختصاص ..."، وحيث إننا نبحث في تنازع الاختصاص داخل جهة القضاء العادي ولخصوصية اختصاص محكمة التجارة والاستثمار القائم على نوع النزاع كعنصر أساسي؛ فإننا نبدأ بتعريف الاختصاص النوعي ثم نقوم بتحليله.
فالاختصاص النوعي: هو تحديد المنازعات التي تختص بها كل محكمة داخل الجهة القضائية؛ فهو يبين على وجه التحديد نصيب كل طبقة من طبقات المحاكم التابعة لجهة قضائية واحدة من المنازعات التي منحها المشرع حق استقلال الفصل فيها دون غيرها من سائر المنازعات64.
وبما أن المشرع القطري قد تصدى لمسألة النزاع حول مسألة الاختصاص النوعي من خلال نص المادة 29 من قانون محكمة الاستثمار والتجارة السابق ذكرها؛ فإن ذلك يعني أن هنالك إمكانية نشوء تنازع على اختصاص المحكمة مع المحاكم الأخرى داخل جهة القضاء العادي؛ وذلك وفق المعطيات الآتية:
وعلى الرغم من أن محكمة الاستثمار والتجارة تختص بناء على معيار مختلط؛ إلَّا أن الحقيقة هو أن نوع الدعوى هو الجانب الطاغي على هذا المعيار لتحديد اختصاص هذه المحكمة؛ وبالتالي فإن نزاعًا على الاختصاص يمكن أن ينشأ ما بين هذه المحكمة والمحاكم الأخرى التي تنتمي إلى جهة القضاء العادي؛ سواء أكانت الدوائر المدنية، أم الدوائر التجارية التي كان المجلس الأعلى للقضاء في دولة قطر قد أنشأها بموجب قرار تخصيص دوائر متخصصة لنظر الدعاوى والمنازعات التجارية، لتكون تلك الدوائر المتخصصة النواة الأولى للمحكمة (من الناحية العملية لرفع خبرات القضاة).66
أما بشأن طبيعة الدفع المتعلق بالاختصاص النوعي المتنازع عليه بين هذه المحاكم محل الدراسة وباقي المحاكم المنتمية إلى جهة القضاء العادي؛ فإنه من الدفوع الشكلية المتعلقة بالنظام العام. والقاعدة في الدفوع الشكلية أنها إذا تعلقت بالنظام العام فيكون على المحكمة إثارتها من تلقاء ذاتها، ويجوز أن تُثار في أي مرحلة من مراحل التقاضي ولو لأول مرة أمام محكمة التمييز، ولا يجوز الاتفاق على ما يخالف قواعد الاختصاص هذه؛ سواء تعلق الأمر بالاختصاص الولائي أم النوعي أم القيمي. وإلى هذا أشارت محكمة التمييز القطرية؛ فقررت أن الدفع بعدم الاختصاص الولائي أو النوعي أو القيمي يتعلق بالنظام العام، وللمحكمة القضاء به من تلقاء نفسها في أية حالة كانت عليها الدعوى67. فالقواعد الخاصة بأصول نظام التقاضي وإجراءاته إنما تتعلق جميعها بالنظام العام الذي يُوجب على محكمة التمييز أن تتأكد من مراعاتها؛ وذلك حتى لا يكون جهل الخصوم بها، أو تقصيرهم في الطعن على مخالفتها، أو حتى اتفاقهم على غير ما تستوجبه، ما يحول دون فرضها على الخصـومة المعروضة، تأكـيدًا لعموم تطبيقها على الكافة مجردة مما ينال منها أو ينتقص من تمامها.68
وقد تولت المادة 29 من قانون محكمة الاستثمار والتجارة القطري مسألة الفصل فيما يتعلق بالاختصاص، ولكن كنا نتمنى أن تكون كالمادة التي تقابلها من القانون المغربي - قانون 53.95 - والتي تنص على أنه: "على المحاكم التجارية البت بحكم مستقل داخل أجل ثمانية أيام من تاريخ رفعه إليها". وهو استثناء على الأصل المنصوص عليه في المادة 17 من قانون المسطرة المدنية الذي يعطي إمكانية ضم الدفع بعدم الاختصاص النوعي إلى الجوهر.
ويشير الفقه إلى أن الغاية من البحث في الدفع بعدم الاختصاص النوعي بحكم مستقل يكمن في تسريع الإجراءات، وإنهاء الخصومة التجارية التي تتعلق بالتجارة التي تتصف بالسرعة والائتمان69. ولكن يبدو أن المشرع القطري، عندما نص في المادة 29، على أن الفصل في الاختصاص يجب أن يكون قبل الفصل في الموضوع، وعدم جواز ضم الدفع بعدم الاختصاص النوعي إلى الموضوع، قد وصل إلى النتيجة المرادة، وهي تسريع الإجراءات.
ومن المفترض أن يكون اختصاص محكمة الاستثمار والتجارة اختصاصًا جاذبًا؛ بمعنى أنه إذا كانت محكمة الاستثمار والتجارة مختصة في نزاع له جانب لا تختص به نوعيًّا، ففي هذه الحال لا بُدَّ من اختصاص محكمة الاستثمار والتجارة بذلك الجانب أيضا، أي تجذب اليها الجانب الذي لا تختص به أصلا 70، وهو ما عليه الوضع في القانون المغربي؛ حيث تنص المادة 9 من قانون 53.95 القاضي بإحداث محاكم تجارية على أن: "تختص المحكمة التجارية بالنظر في مجموع النزاع التجاري الذي يتضمن جانبًا مدنيًّا"؛ فهنا يمكننا الحديث عن اختصاص جاذب لهذه المحكمة؛ إذ يمكن القول بأن هناك تنازعًا على الاختصاص ما بين المحكمة التجارية والمحكمة المدنية؛ إلَّا أن المشرع أراد أن تُنظر الدعوى أمام المحكمة التجارية باعتبار هذه المحكمة ذات اختصاص جاذب بحيث أعطاها الأولوية على المحكمة المدنية. ولعل ذلك ما يصب في نطاق الهدف الذي أراده المشرع من إحداثه لهذه المحكمة المتخصصة.
ولعل مِمَّا يعضد رأينا مضمون المادة 5 من قانون 53.95 القاضي بإحداث محاكم تجارية؛ حيث منح المشرع أطراف النزاع - في المنازعات المختلطة بين التاجر وغير التاجر – الحق بأن يتفقوا على أن يكون الاختصاص في هذا النزاع للمحكمة التجارية71. ونحن نرى في هذا النص إرادة المشرع على تأكيد فكرة الاختصاص الجاذب، ولا يمكن أن يفسر هذا النص على أنه، إذا كان الطرفان قادرين على جعل هذه المحكمة مختصة فهو يعني أن الاختصاص النوعي لا يتعلق بالنظام العام، وذلك لأن الاتفاق يتعلق بجذب نزاع لاختصاص المحكمة وليس لإخراجه من اختصاصها.
كما أنه يمكننا ملاحظة فكرة الاختصاص الجاذب في التشريع الفرنسي؛ حيث يمكن للمدعي من غير التجار أن يلجأ أيضًا إلى هذه المحاكم التجارية في النزاع بينه وبين التاجر، كما في حوالة الحق بين تاجر وغير تاجر؛ حيث قضت الغرفة التجارية لمحكمة النقض الفرنسية بأن النزاع المتعلق بحوالة الحق بين الطرفين في صك تحويل حصص الأسهم في شركة تجارية يقع ضمن اختصاص المحكمة التجارية وفقًا للمادة L721-3 2 من القانون التجاري72.
الفرع الثاني
تنازع الاختصاص بين المحكمة المدنية والتجارية لمركز قطر للمال، ومحكمة الاستثمار والتجارة
تختص المحكمة المدنية والتجارية لمركز قطر للمال نوعيًّا بمسائل محددة؛ حيث تختص الدائرة الابتدائية بالمحكمة دون غيرها بالفصل في جميع الدعاوى والمنازعات المدنية والتجارية التي يكون أحد أطرافها شركة من الشركات المرخصة من قبل هيئة مركز قطر للمال، بينما تختص الدائرة الاستئنافية بالمحكمة بالفصل في الطعون المقامة أمامها، في الأحكام الصادرة عن الدائرة الابتدائية.73 تكون أحكام الدائرة الاستئنافية نهائية وغير قابلة للطعن فيها بأي طريق من طرق الطعن74. وهو ما يجعلنا ننظر إلى هذه المحكمة كجهة قضائية لا تدخل في عباءة القضاء العادي الذي تحتل محكمة التمييز قمة هرمه.
ولكن قبل ذلك؛ لا بُدَّ من الانتباه إلى أن من خصائص اختصاص المحكمة المدنية والتجارية لمركز قطر للمال أن اختصاصها مرتبط بدائرة اختصاص شخصي لها؛ وذلك بحسبان أن المواد التي تحدد اختصاص المحكمة تتضمن شرطًا إلى جانب النص الذي يحدد الاختصاص النوعي وهذا الشرط هو أن يكون هذا النزاع خاص بأشخاص الكيانات المؤسسة فيه؛ حيث المعيار الشخصي يُعد الأساس في تحديد الاختصاص للمحكمة؛ وهو ما نراه في المادة 8 ف 3 ج من القانون رقم (7) لسنة 2005 بإصدار قانون مركز قطر للمال؛ حيث يتكرر المعيار الشخصي؛ فقد استعمل المشرع في كل الحالات المصطلحات التي تشير إلى اعتماده لهذا المعيار (الشخصي) محددًا اختصاصها بالنزاعات القائمة بين الكيانات المؤسسة فيه، بين هيئات أو أجهزة المركز من جهة، والكيانات المؤسسة فيه، بين الكيانات المؤسسة في المركز والمقاولين المتعاقدين معها والعاملين لديها، تتم بين كيانات مؤسسة في المركز من جهة، وأشخاص يقيمون في الدولة أو كيانات مؤسسة فيها خارج المركز من جهة أخرى.
ويبدو أنه يكفي في مجال الاختصاص أن ننظر إلى وجود المعيار الشخصي للدفع بعدم اختصاص المحكمة، لذلك؛ وبناء على المعيار المزدوج - لا سيما الجانب الشخصي منه - يمكننا أن ننظر إلى اختصاص المحكمة من منظار قواعد الاختصاص الولائي وليس النوعي فقط.
ويُقصد بالاختصاص الشــخصي للمحكمة تحديد الأشخاص الذين يحق لهم المثول والتقاضي أمام المحكمة؛ حيث إن جميع الاتفاقيات الدولية وفي إطار تحديد نطاق اختصاصها تبين الأشخاص المخاطبين بأحكامها.75
ويجب التمييز بين الدفع بعدم تحقق الاختصاص الشخصي للمحكمة من جهة، والدفع بعدم قبول الدعوى لرفعها من غير ذي صفة من جهة أخرى. فعلى الرغم من أنه يجب على المحاكم في كلتا الحالتين أن تثير المسألة من تلقاء ذاتها لتعلقها بالنظام العام؛ إلَّا أن الاختصاص الشخصي يقع في إطار الاختصاص الولائي للمحكمة؛ حيث يتم تحديد سلطتها في نظر النزاع المثار بين الأشخاص الذين يجوز لهم رفع الدعوى أمام هذه المحكمة؛ فإن تخلفت الصفة المعول عليها لاختصاص المحكمة - الكيانات المؤسسة فيه - في الطرفين؛ فلا يكون للمحكمة اختصاص ولائي بنظر النزاع. أما الدفع بعدم قبول الدعوى لافتقار رافعها إلى الصفة؛ فيكون ذلك كمسألة تالية لمسألة أولية، وهي أن تكون المحكمة المرفوعة أمامها الدعوى مختصة أصلًا في الدعوى؛ فاذا تخلفت الصفة؛ فسيكون الحكم بعدم القبول76.
وبالتالي فعندما نبحث مسألة اختصاص المحكمة المدنية والتجارية لمركز قطر للمال، ومدى إمكانية وقوع تنازع اختصاص بينها وبين الأقضية الأخرى؛ فإن دراسة المسألة لا بُدَّ أن تكون من منطلق الاختصاص الولائي وليس الاختصاص النوعي77؛ فإذا رُفعت دعوى تختص بها إحدى المحكمتين أمام الأخرى - المحكمة المدنية والتجارية لمركز قطر للمال من جهة ومحكمة التجارة والاستثمار من جهة أخرى -؛ فسيكون بحث المسألة من خلال تنازع اختصاص الولائي بين هاتين المحكمتين، وستكون المحكمة الدستورية العليا هي المختصة في الفصل في تنازع الاختصاص78.
خلصنا من هذه الدراسة إلى النتائج الآتية:
التوصيات:
أوَّلًا: الكتب
ثانيًا: الأبحاث
http//:search.mandumah.com/Record/7
http//:search.mandumah.com/Record/2
214633/Record/com.mandumah.search://h
418838/Record/com.mandumah.search://h
http//:search.mandumah.com/Record/1306365
ثالثًا: المقالات الصحفية:
https://mohamoon-qa.com/Default.aspx?action=DisplayNews&ID=22753
رابعًا: التشريعات:
خامسًا: أحكام محكمة التمييز:
سادسًا: المراجع الفرنسية:
OUVRAGE:
ARTICLES ET RAPPORTS:
https://fiches-droit.com/conflit-de-lois-dans-le-temps
https://www.doc-du-juriste.com
LEGISLATIONS:
JURISPRUDENCES
Assistant Professor of Private Law, College of Law, Qatar University
Associate Professor of Private Law, College of Law, Qatar University.
Views
Downloads
Citations
Authors
Issue
Year