Criminal policy is based on the principle of legality that there is no crime or punishment except by a text. The law develops with time, what was acceptable and prevalent in a period of time becomes variable with the passage of time to find alternatives that achieve a balance between the idea of punishment and punishment and the rights of individuals to protect the public interest in society. Concepts have developed in the imposition of punishment and its purpose. In the modern era, alternatives to the application of criminal sanctions have appeared, represented by community service or electronic monitoring in various forms, instead of restricting the freedom of the convict by placing him in prison.
Taking into account the principle of legality, it was necessary to stipulate alternative punishments in the law, and this is what made the legislator contemporary laws in various countries are amended and by stipulating these alternatives. This study deals with the development of the concepts of punishment in legislation leading to contemporary legislation and what it saw as modern alternatives to punishment, at all stages of criminal justice, and the direction of the Qatari legislator in this regard.
مقدمة
باستقراء تاريخ العقوبات الجنائية، ومراحل تطورها، لم تعد عقوبة الحبس تتمتع اليوم بذات الخصائص شبه العلاجية، التي اعترف بها فقهاء العلوم الجنائية في القرن التاسع عشر، ما دفع بالمشرعين والقضاة نحو البحث عن بعض البدائل في الجزاءات الجنائية والتي نستعرضها في هذه الدراسة من خلال بيان الإشكالية والأهمية والمنهجية المتبعة فيها والبحث ضمن خطة دراسية وصولا إلى نتائج وتوصيات.
إشكالية الدراسة:
تتجلى إشكالية الدراسة في إثارة الشكوك بشأن عقوبة الحبس قصير المدى، ومدى تحقيقها أغراض العقوبة للوقاية من الجرائم والحد منها. لا سيما أن وظيفة السجن في إعادة الإصلاح والتأهيل، يصعب تحقيقها في الحبس عندما يكون قصير المدى، بالنظر لإثبات الدراسات جسامة الآثار السلبية للسجن؛ بما في ذلك من عزل المحكوم عليه عن بيئته الطبيعية وتأثره بمحيطه الإجرامي؛ وما يترتب على ذلك من تداعيات نفسية كالقلق والاكتئاب والحرمان الأسري، وتداعيات مجتمعية في العود للإجرام.
ومن هنا بدأت التشريعات الجنائية البحث عن عقوبات وتدابير بديلة ينص عليها المشرع صراحة؛ بحيث توكل للسلطة القضائية الحكم بها لمساسها بالحقوق والحريات، تطبيقا لمبدأ الشرعية "لا جريمة ولا عقوبة إلا بقانون"1 ومبدأ الشخصية، والقضائية. ما قد يثير إشكاليات أخرى لدى إسناد السلطة في اتخاذها لجهات غير قضائية، وما يستتبعه ذلك من البحث في مدى دستوريتها، من جهة، ومدى مساسها بمبدأ المساواة2 بالنظر للسلطة التقديرية الواسعة.
أهمية الدراسة:
تظهر أهمية الدراسة في القيام بمسح شامل للتشريعات القطرية ذات الصلة بالعقوبات والتدابير البديلة، ومدى مواكبتها للتشريعات المقارنة، لما تتمتع به تلك البدائل من مزايا تحقيق أغراض العقوبة بكلفة اقتصادية معقولة.
لذلك، كان من الضروري إنشاء وابتكار عقوبات جديدة حقيقية وتدابير بديلة ملموسة للحبس قصير المدى. وقد سعت السلطات العامة، مدفوعة بالأفكار المعاصرة حول العقوبة، إلى ابتكار عقوبات وتدابير بديلة جديدة وتطوير التقليدية منها وبالتالي توسيع نطاق السلطة التقديرية المتاحة للقضاة في التفريد العقابي.3
منهجية الدراسة:
اتبعت الباحثة في هذه الدراسة كل من: المنهج الوصفي والتحليلي والمقارن.
خطة البحث:
مبحث تمهيدي: تطور الجزاءات الجنائية نحو بدائل للعقوبات السالبة للحرية قصيرة المدى
مبحث أول: بدائل العقوبات السالبة للحرية قصيرة المدى في مرحلة تحديد العقوبة والحكم بها
مبحث ثان: بدائل العقوبات السالبة للحرية قصيرة المدى في المراحل السابقة واللاحقة للحكم
مبحث تمهيدي
تطور الجزاءات الجنائية نحو بدائل للعقوبات السالبة للحرية قصيرة المدى
مرت الجزاءات الجنائية بمراحل تاريخية حتى وصلت إلى ما هي عليه اليوم، بما فيها من إشكالات العقوبات السالبة للحرية، للبحث عن بدائل لها.
لذا يقسم هذا المبحث إلى مطلبين: التطور التاريخي نحو استحداث العقوبات والتدابير البديلة (مطلب أول)، إشكالات العقوبات السالبة للحرية وبدائلها (مطلب ثان).
المطلب الأول
التطور التاريخي نحو استحداث العقوبات والتدابير البديلة
تنطوي دراسة تاريخ العقوبات على قدر كبير من الأهمية، كي نفهم التطورات الموصلة لمفهوم العقوبات البديلة4. تعد مرحلة تقنين التشريعات الجنائية الوضعية في بداية القرن التاسع عشر مرحلة مفصلية ومنعطفا محوريا بين ما كانت عليه السياسة الجنائية "العقابية" السابقة للتقنين (فرع أول)، وما وصلت إليه السياسة الجنائية "الإصلاحية" اللاحقة له (فرع ثان).
الفرع الأول
السياسة الجنائية "العقابية" السابقة للتقنين
على الرغم من تداخل المراحل التاريخية السابقة للتقنين، إلا أنه يمكن رسم خطوطها العريضة؛ حيث مرت العدالة الجنائية ابتداء بمرحلة انحسار العدالة الخاصة (أولا) مرورا بمرحلة القانون القديم (ثانيا) متبوعة بمرحلة الغزوات الفكرية التشريعية (ثالثا) وصولا لقوانين نابليون (رابعا).
أولا: انحسار العدالة الخاصة:
في بداية البشرية، وقبل نشوء الدول، افتقرت القواعد القانونية العقابية للتنظيم، فلم يكن للجريمة معالم واضحة، ولم يكن هنالك تمييز بين السلوك الجنائي والمدني، ولم يكن للقصد الجنائي أهمية.
كانت العدالة الجنائية فردية فأسرية فقبلية؛ حيث كان الفرد يدافع عن نفسه بنفسه ضد المعتدي، ورب الأسرة يدافع عن أسرته، ومن ثم رئيس القبيلة يدافع عن أفراد قبيلته. وفي ذلك الوقت لم يكن الاقتصاص من الجاني المعتدي شخصيا، بل كان من كافة أفراد قبيلته، ما أدى لانتشار الأخذ بالثأر المتبادل بين القبائل.
وخشية من إبادة القبائل واندثارها، اتفقت القبائل على تنظيم تلك العدالة الخاصة، وذلك باتخاذ عقوبات شخصية على الجاني وحده؛ بحيث تقوم قبيلته بنفيه وتسليمه للقبيلة الأخرى لتقتص منه شخصيا. وبذلك أقرت القبائل إلى جانب النفي المشار إليه أعلاه، عقوبات وتدابير كالقصاص "العين بالعين والسن بالسن"، والدية، كغرامة مالية، وتحديد أماكن وأوقات حرم يحرم فيها الاقتتال والثأر أو الانتقام، وكانت تسمى بـ "الهدنة الإلهية". ومع ظهور الإسلام، ظهرت معه عقوبات وتدابير مستوحاة من الشريعة الإسلامية والتي كانت سباقة في تنظيم التشريع الجنائي الإسلامي في جرائم الحدود والقصاص وفق أحكام القرآن الكريم والسنة النبوية الشريفة5.
مع نشوء الدول وتنظيمها، والأنظمة الملكية في الدول اللاتينية، كانت العدالة تصدر باسم الملك وكانت أوامر الملك وحدها تتمتع بقوة القانون، والذي يتمتع وحده بسلطة التجريم والعقاب نيابة عن الأفراد6. وبذلك تراجعت العدالة شيئا فشيئا من العدالة الخاصة للأفراد نحو العدالة العامة للدولة7، وهذا ما يظهر في مرحلة القانون القديم.
ثانيا: القانون القديم:
تمتد فترة القانون القديم في أوروبا من القرن السادس عشر وحتى القرن الثامن عشر. كان الغرض من العقوبة التكفير عن الذنب، وتحقيق أكبر قدر من الردع، وإيقاع الألم البدني والنفسي بالمحكوم عليه. وقد اتسمت العدالة الجنائية في تلك الحقبة بخصيصتين رئيستين: التعسف وقسوة العقاب.
وكان التعسف في ذلك الوقت رئاسيا وقضائيا. فالتعسف الرئاسي في العصور المظلمة لأوروبا كان بسبب التقسيم الطبقي لتلك المجتمعات؛ حيث يقف على رأس الهرم الملك، يليه طبقة النبلاء ورجال الدين، والذين يتمتعون بامتيازات كبيرة لعدم منافسة الملك على الحكم، المتمتع بالتفويض الإلهي، لإقامة حكم الله على الأرض8. ويتمثل التعسف الرئاسي بالامتيازات الممنوحة للأمراء والنبلاء، من جهة، للأمر بمعاقبة شخص أو إخلاء سبيل آخر، إلى جانب سلطة رجال الدين في منح صكوك الغفران بمقابل. كما كان التعسف قضائيا من جهة أخرى بالنظر لسلطة القاضي التقديرية الواسعة في اختيار العقوبة المناسبة عرفا لتطبيقها على شخص دون آخر، والتي غالبا ما كانت تتسم بالقسوة.
فالعقوبات العرفية في ذلك الوقت، كانت جسدية تقع على جسم الإنسان، كعقوبة جز اللسان وجدع الأنف وصلم الأذن وبتر الأطراف، وتنوعت صور الإعدام والمترافقة غالبا بالتعذيب، كعقوبة الصلب والعجلة والتمزيق والحرق، وذلك كي يكفر الجاني عن خطيئته واستئصاله من المجتمع9.
أمام انتشار هذه العقوبات والتي غالبا ما كانت تطبق على المناوئين السياسيين دون محاكمة ما قد يمس الأبرياء، وسرية الإجراءات تجاه متهم يجهل التهمة والمفروض عليه الالتزام بالصمت، والتعذيب، تم انتقاد هذه الممارسات من قبل الفلاسفة والفقهاء والمفكرين في مرحلة الغزوات الفكرية التشريعية10.
ثالثا: الغزوات الفكرية التشريعية:
خلال القرن الثامن عشر اجتاحت أوروبا ثورة فكرية عارمة، ندد خلالها الفلاسفة والفقهاء بالوضع الذي كان سائدا في القانون القديم، من حيث التعسف والقسوة الدارجين في تلك المرحلة، وما فيها من تعذيب وتنكيل يلحق بالأشخاص دون ثبوت إدانتهم.
من أبرز الفقهاء المنددين، الفقيه الإيطالي (بيكاريا)، في كتابه "الجرائم والعقوبات"11، والذي نادى بحرية الاختيار وشرعية الجرائم والعقوبات ونفعية العقوبة. ونادى بالمساواة بين الأفراد بدلا من التعسف، وباعتدال العقوبة بدلا من القسوة.
وأنه من حق الأفراد أن يعرفوا مسبقا ماهية الأفعال المجرمة والعقوبات المترتبة على أفعالهم قبل ارتكابهم جريمة ومساءلتهم، ونادى بمبدأ الشرعية وضرورة صدور القوانين عن ممثلي الشعب بالنظر لمساسها بالحقوق والحريات. وأن المتهم بريء حتى تثبت إدانته وفق إجراء اتهامي علني وشفوي. هذه الغزوات التشريعية كان لها صدى كبير، وقامت الثورة الفرنسية، وما تلاها من تكريس في الشرعة العالمية12، وتقنين التشريعات الجنائية.
رابعا: تقنين التشريعات الجنائية:
بدأت عملية تقنين التشريعات الجنائية في الدول الأوروبية نهاية القرن الثامن عشر وبداية القرن التاسع عشر، تكللت بصدور قوانين نابليون بما فيها قانون العقوبات الفرنسي القديم لسنة 1810، والذي تم توسيع نطاق تطبيقه على البلدان المحتلة من قبل فرنسا، كبعض الدول الإفريقية وفي آسيا كلبنان وسوريا، والتي استلهمت منه العديد من البلدان المجاورة تشريعاتها الجنائية، كقانون الجزاء العثماني سنة 1858.
حاول قانون نابليون التوفيق بين أفكار الثورة الفرنسية وبين القانون القديم الذي ما زال متأصلا بين قرنين من التقاليد، فاتجه قانون العقوبات من جهة نحو الشدة في مواجهة الفوضى بعد الثورة، وتصاعد عمليات السلب والنهب وقطع الطرق والسطو المسلح ... كما احتفظ مبدأ المساواة بقوته13، وتطور نحو إلغاء الحد الواحد للعقوبة واضعا حدين أدنى وأعلى، وإمكان النزول بالعقوبة في الظروف المخففة، وأكد على مبدأ الشرعية. وبذلك بدأت التشريعات الجنائية التطور شيئا فشيئا من السياسة الجنائية "العقابية" السابقة للتقنين نحو السياسة الجنائية "الإصلاحية" اللاحقة له.
الفرع الثاني
السياسة الجنائية "الإصلاحية" اللاحقة للتقنين
بعد تقنين التشريعات الجنائية، المتأثرة بالقانون القديم من تعسف وقسوة من جهة، والاعتدال والمساواة من جهة أخرى، وفي محاولة منها مسك العصا من المنتصف، خففت التشريعات الجنائية من حدة العقوبات البدنية نحو العقوبات السالبة للحرية، محاولة المساواة بين الأفراد بالنص على حد واحد للعقوبة يطبق على الجميع، وتطورها بالتوسع في سلطات القاضي في اختيار العقوبة المناسبة، بين حدين، أعلى وأدنى وفقا لظروف الجريمة والجاني. ولكن كانت نتيجة تخفيف العقوبات انتشار الجرائم.
وعليه، انبرى فقهاء القانون الجنائي للبحث عن حل ملائم لمواجهة الجريمة والمجرم، واضعين نظريات ومذاهب فقهية أثرت جميعها على تطور القانون الجنائي الواحدة تلو الأخرى (أولا)، مسطرة تطورا في أغراض العقوبة (ثانيا)، وفي دور القاضي الجنائي (ثالثا) في الوضع الحالي للتشريعات الجنائية.
أولا: تأثير المذاهب الفقهية المتعاقبة:
أثرت على السياسة الجنائية ثلاثة مذاهب فقهية متعاقبة14: المذهب التقليدي (أ)، والمذهب الوضعي (ب)، ومذهب الدفاع الاجتماعي الجديد (ج).
أ) المذهب التقليدي:
سادت أفكاره في الفترة 1830-1870، وتتلخص أفكاره بقول (شهير لأورتولان) "لا أكثر مما هو عادل ولا أكثر مما هو نافع"15.
انطلاقا من أفكار (بيكاريا) والمناداة بالمساواة واعتدال العقاب، نادى فقهاء هذا المذهب بالاعتدال في العقاب، وأضاف التنوع في العقاب وفق المسؤولية المعنوية لكل مجرم، ومقدرته على مقاومة الدوافع الشريرة لارتكاب الجرائم، فحرية الاختيار تختلف باختلاف الأفراد؛ إذ قد تكون كاملة، أو ناقصة لدى أنصاف المجانين والشواذ، أو منعدمة.
بشكل عام، تبنى هذا المذهب نظرة تسامحية تجاه الجرائم السياسية، ونادى بمنح القاضي سلطات تقديرية واسعة، لتقدير الظروف الشخصية. كما تطور لينادي بتنويع طرق تنفيذ العقوبة، والسجن الانفرادي لتفادي مساوئ السجون، وتطبيق الأشغال الشاقة في الأراضي المحتلة من فرنسا لتحسين الإنسان بالأرض والأرض بالإنسان.
تقوم آراء هذا المذهب على مناهضة الإشراف القضائي على التنفيذ؛ إذ يرى أنصار هذا الاتجاه أن التنفيذ العقابي بمعناه التقليدي، لم يكن سوى إعمالا ماديا لحرفية منطوق الحكم، فدور القضاء ينتهي بمجرد النطق بالعقوبة، بحيث تختص الإدارة العقابية بما يتخذ من إجراءات التنفيذ العقابية، وذلك بالنظر لانتهاء الدعوى الجنائية بمجرد صدور الحكم البات؛ حيث ينتهي عندها العمل القضائي.
مع ذلك، لم ينكر هذا المذهب حق الإشراف على المؤسسات العقابية (للنيابة العامة والقضاء) بزيارتها للتحقق من مدى مطابقة الأعمال العقابية للقانون، وكتابة التقارير للإدارة المركزية16. انتقل تأثير هذا المذهب للقانون مباشرة؛ إذ تم التوسع في الظروف والأسباب المخففة، وإلغاء الإعدام في الجرائم السياسية، وتطبيق الأشغال الشاقة ما وراء البحار، واللجوء للسجن الانفرادي.
لكن، ولسوء الحظ، كشفت التجربة الواقعية عن إشكالية مدمرة، وذلك لكثرة انتشار الجرائم، ما أثبت فشل الترهيب، ومضاعفة العائدين المكررين، ما أثبت فشل الإصلاح. فاعتبرت العقوبات بالنتيجة غير فاعلة وغير مجدية، وكانت آراء هذا المذهب محل نقد، ما دعا لإجراء تغيير جذري، وفق ما اقترحه المذهب الوضعي.
ب) المذهب الوضعي:
تقوم آراء هذا المذهب على أساس مختلف عن سابقه، محدثا دويا هائلا، لقيامه على فكرة "القدر أو الجبرية"، المنكرة لحرية الاختيار. فارتكاب الجريمة لم يكن إلا نتيجة لعوامل داخلية أو خارجية، ما يستدعي إنكار المسؤولية الجنائية والعقوبة، بل لا بد من اتخاذ "التدابير الاحترازية" لمواجهة الخطورة الإجرامية لدى الجاني.
أبرز رواد هذا المذهب الطبيب الإيطالي (لومبرزو) في كتابه "الرجل المجرم"17، والذي وصف فيه صورة شهيرة للمجرم، مقسما المجرمين إلى فئتين: فئة تعامل بشدة؛ لأنه لا أمل من إصلاحهم كالمجرمين بالفطرة والاعتياد، وفئة تعامل باعتدال وتشمل المجرمين بالصدفة، غير الخطرين أو العاطفيين؛ بحيث لا تعاقب هذه الفئة الأخيرة بل تتخذ "تدابير احترازية" لمواجهة الخطورة الإجرامية، كالإدانة المشروطة، بحيث يوقف تنفيذ العقوبة طالما لم يعد لارتكاب الجريمة.
وعلى الرغم من المآخذ على هذه النظرية وخروجها نسبيا عن المبادئ القانونية، لمطالبتها تطبيق التدابير على الخطرين قبل ارتكاب الجريمة. إلا أنها تركت بصمتها في السياسة الجنائية بابتكار "التدابير الاحترازية" إلى جانب العقوبات. وتطبيقا لذلك نصت التشريعات الجنائية على عقوبات وتدابير مشددة للعائدين المكررين كالنفي ما وراء البحار، وتم إنشاء وقف تنفيذ العقوبة للمبتدئين، إضافة لتدابير مخففة للأحداث الجانحين.
هذا المذهب الذي وسع مظلة الجزاء الجنائي أكثر من مجرد العقوبات لتشمل أيضا التدابير الاحترازية، فتح المجال لآراء مذهب جديد يسمى مذهب الدفاع الاجتماعي، وسع فيها مجال الجزاء الجنائي أكثر فأكثر18.
ج) مذهب الدفاع الاجتماعي الجديد:
من أبرز رواده مارك آنسل، في كتابه "الدفاع الاجتماعي الجديد" سنة 1954. وشعاره "حقوق الإنسان"، إذ حرص هذا المذهب على وضع سياسة جنائية "إنسانية" حامية للإنسان ومحققة في الوقت ذاته الدفاع الاجتماعي19. وذلك من خلال تبنيه بعض آراء المذهب الوضعي ورفضه البعض الآخر.
كالمذهب الوضعي، أكد على أهمية الوقاية، وفائدة العقوبة، وتشخيصها، ليس للماضي بل للمستقبل، للبحث عن العلاج العقابي الأكثر ملاءمة. إذ تركز اهتمام السياسة العقابية، ليس للانتقام من جريمة ارتكبت في الماضي واستئصال المجرم من المجتمع، بل الاهتمام بالمستقبل ومعالجة الخطورة الإجرامية لدى الجاني، لإعادة إصلاحه وتأهيله كي يعود مواطنا صالحا في المجتمع. وبالتالي ينبغي أن تكون السجون مكانا لإعادة الإصلاح والتأهيل.
خلافا للمذهب الوضعي، لا يتبنى مذهب الدفاع الاجتماعي مبدأ الجبرية. بل يتحقق العلاج اللازم للدفاع عن المجتمع، بتمكين المجرم من العودة للمجتمع. كما أنه لا يهدف إلى إنكار أفضلية الإنسان لصالح المجتمع، فاحترام الشخص يظهر بالتمسك بمبدأ الشرعية وضرورة التدخل القضائي.
وفي التشريعات الشكلية، يطالب بإجراءات أكثر إنسانية، والحاجة لوجود قاض محايد مستقل بالتكامل مع الخبراء.
من مظاهر تأثير هذا المذهب على التشريعات الجنائية، تطبيق تدابير حماية ومساعدة على الأحداث؛ ومنح المحكوم عليه بعقوبة الحبس وقف تنفيذ للعقوبة، وبصور عديدة، وتبني وسائل لتنفيذ عقوبة الحبس لإعادة إدماجهم في المجتمع. كما ألغيت عقوبة نفي العائدين لعدم فقدان الأمل في إصلاحهم، والتوسع في تشخيص العقوبات.
مع تطور الظروف الاجتماعية والاقتصادية والأخلاقية، وتطور أغراض الجزاء الجنائي نحو الإصلاح والتأهيل، وما يتطلبه من أهمية تفريد العقاب. ظهرت اتجاهات تطالب بوضع بدائل للعقوبات السالبة للحبس قصير المدى، وتلك التي تنادي بالحد من التجريم، وفي ظلها ظهرت العقوبات المستحدثة والتدابير البديلة، بالنظر لتطور أغراض العقوبة20.
ثانيا: تطور أغراض العقوبة:
أثر مذهب الدفاع الاجتماعي الجديد على تطور أغراض العقوبة، من أغراض تقليدية (أ)، نحو أغراض مستحدثة (ب).
أ) أغراض العقوبة التقليدية:
تمثلت أغراض العقوبة في الماضي بالتكفير عن الذنب الخطير المرتكب في الماضي، ومعاقبة الجاني لتحقيق أكبر قدر من الردع، وإيقاع الألم البدني والنفسي بالمحكوم عليه لاستئصاله أو تحييده. لذا اقتصرت وظيفة المؤسسات العقابية نتيجة لذلك على منع المحكوم عليهم من الهرب بحراستهم، والوفاء بحاجاتهم الضرورية، وفرض القواعد التنظيمية بأساليب القسر والإجبار دون الاهتمام بأي دور إصلاحي أو تقويمي.
ب) أغراض العقوبة المستحدثة:
في ظل السياسة العقابية الحديثة، تغيرت النظرة للمجرم، وفق خطورة الجاني وظروف الجريمة المرتكبة، كما تغيرت فلسفة العقوبة، الرامية إلى إعادة إصلاح وتأهيل المحكوم عليه لإدماجه وإعادته للمجتمع سويا بالنظر للمستقبل. وتبعا لذلك؛ تغيرت وظيفة الإدارة العقابية لإصلاح المحكوم عليهم وتأهيلهم. لإعادة الإدماج، والوقاية، وتحقيق الردع العام والخاص، لمنع التكرار، واحترام حقوق الإنسان لكل من الجاني والمجني عليه.
وبذلك، فالمفهوم الحديث للجزاءات الجنائية، المتبلور في فقه الدفاع الاجتماعي21، يقوم بشكل أساسي على اعتبارها وسيلة "علاجية" لإعادة تأهيل وإدماج الجاني في المجتمع22. وما يتطلبه من تعديل للجزاء الجنائي والأخذ بنظام الجزاءات البديلة بما يحقق إعادة إصلاح وتأهيل المحكوم عليه وإدماجه. وما يستدعي بالنتيجة امتداد الاختصاص القضائي إلى مراقبة التنفيذ العقابي، بما يحقق هذه الغاية الإصلاحية للعقاب. بالنظر لمساس المعاملة العقابية بالمصالح المشروعة للمحكوم عليهم وحقوقهم الأساسية. ذلك أن الجزاء الجنائي ينبغي ألا يلغي كلية إنسانية المحكوم عليهم ومصالحهم المشروعة، من جهة، كالحق في الزيارة، ومصلحته في أن يفرج عنه تحت شرط، ولا حقوقهم الشخصية القانونية والدستورية والدولية من جهة أخرى، كحق السجين في المعاملة الإنسانية المنطوية على حظر التعذيب، وأهمية خضوع المخالفات المسلكية لرقابة قضائية نتيجة تطور دور القاضي الجنائي23.
إن وقف الإخلال بالنظام الاجتماعي، وإعادة الإدماج، والتعويض، هي الأهداف التي تسعى جميع السياسات الجزائية الآن إلى تحقيقها؛ سواء من خلال تدخلات النظام القضائي قبل فرض أي عقوبة أو من خلال هذه العقوبات البديلة الجديدة. ومن ثم فقد تطرق المشرع إلى الغرض الأساسي من العقوبة الذي يتجاوز الأغراض التقليدية المتمثلة في الترهيب والقمع، ويساهم إلى جانب وسائل أخرى في ضمان السلام الاجتماعي، أو حتى تسوية النزاع المدني الناجم عن الجرم.
ثالثا: تطور دور القاضي الجنائي:
انعكاسا للتطور الذي لحق بالجزاء الجنائي بشقيه وبالغرض الأساسي منه، ألا وهو إعادة إصلاح وتأهيل المحكوم عليه؛ مما لا يتحقق بمجرد النطق بالجزاء الجنائي، بل بتنفيذه. ما يتطلب الاعتراف بأهمية الرقابة القضائية، لكفالة الاستمرار في تحقيق أغراض الجزاء الجنائي.
يؤيد مذهب الدفاع الاجتماعي اليوم الإشراف القضائي على التنفيذ، كضمانة لحماية المحكوم عليهم وصيانتها، بالنظر إلى أن وظيفة القضاء لا تنتهي عند النطق بالحكم بالجزاء الجنائي، بل ينبغي أن تمتد إلى مرحلة التنفيذ حتى تأهيل المحكوم عليه والإفراج عنه، سيما وأن عملية تعديل التدابير الاحترازية بالإنقاص أو بالزيادة يعد عملا "قضائيا" من جهة، كما أن حكم الإدانة ينبغي ألا يلغي شخصية المحكوم عليه كلية من جهة أخرى. فالقانون يعترف للمحكوم عليه بعدة حقوق أساسية باعتباره "إنسانا"، كالحق – مثلا - في الرعاية الصحية والتعليم. وبالتالي فإن ترك هذه الأعمال للإدارة يعد افتئاتا على السلطة القضائية. فالقضاء هو الحارس الأمين للحقوق والحريات، وبالتالي، يعد إشراف القضاء على التنفيذ ضمانة شرعية24.
وعليه؛ فتنفيذ الجزاء الجنائي بمعناه الحديث يتمتع باستقلاله عن الجزاء المنطوق به في الحكم، فلم يعد يتمثل دائما في تنفيذ مادي لمنطوق الحكم، بل أصبح التنفيذ في صورته الحديثة يتناول العديد من الأعمال القضائية التي تمس حقوق وحريات المحكوم عليهم. وحيث إنها قد تحدث تعديلا جوهريا في الحكم المقضي به بالجزاءات الجنائية، من هنا تظهر أهمية الرقابة القضائية للإشراف على تنفيذها، بما يضمن الغرض التقويمي لتلك الجزاءات ويحول دون إهدار أي حق من حقوق المحكوم عليه خلال عملية التنفيذ.
وبناء عليه؛ تطور دور القاضي الجنائي، ولم يعد يقتصر على الفصل في النزاع المطروح، وتوقيع الجزاء على الجاني فحسب، بل امتدت مهمته لمواجهة الجزاء الجنائي، كأسلوب للوقاية من الجرائم ومكافحتها؛ بحيث يتابع المحكوم عليه لدى تنفيذ الجزاء الجنائي المحكوم به والاتصال المباشر به عن طريق "قاضي تطبيق العقوبات"، وإجراء أي تعديل يتطلبه التنفيذ، لتحقيق أغراض الجزاء الجنائي.
المطلب الثاني
إشكالات العقوبات السالبة للحرية وبدائلها
واجهت العقوبات السالبة للحرية إشكالات عديدة بعدة أبعاد؛ فقد أثبت التطبيق العملي للعقوبات السالبة للحرية معاناتها من إشكالات (فرع أول)، ما يظهر أهمية إدراج بدائل لها (فرع ثان).
الفرع الأول
إشكالات العقوبات السالبة للحرية
تظهر إشكالات العقوبات السالبة للحرية في مساوئ السجون (أولا) الدافعة للعقوبات والتدابير البديلة (ثانيا) والتي نبينها تباعا.
أولا: مساوئ السجون:
أظهر الواقع العملي في تطبيق العقوبات السالبة للحرية بالسجن آثارها الجانبية السلبية على المجتمع والأفراد من حيث تفكك الأسرة، وآثار اقتصادية، من حيث تعطل عجلة الإنتاج.
وتتجلى الآثار السلبية للسجون لا سيما مع اكتظاظها واختلاط المبتدئين مع المعتادين، فتنتقل بذلك عدوى الإجرام. الأمر الذي دعا المشرع الجنائي في العديد من الدول إلى إلغاء عقوبة الحبس في المخالفات25، وعدم اللجوء إلى هذه العقوبة إلا كحل نهائي في الجنح، بموجب حكم قضائي مسبب ما لم يكن مقترنا بوقف التنفيذ؛ وحيث إن إيلام المحكوم عليه لا يجوز أن يتحول إلى تعذيبه وامتهان كرامته، بل ينبغي أن يوجه نحو إعادة إصلاح وتأهيل المجرم لإعادته للمجتمع، ما يشير إلى أهمية الإشراف القضائي على تنفيذ تلك العقوبات، بالنظر إلى أن القاضي هو الحارس الطبيعي للحريات26.
ثانيا: البحث عن بدائل العقوبات السالبة للحرية قصيرة المدى:
بناء على ما تقدم؛ يتبين أن نظريات القرن الثامن عشر وما تلاه لم تعد صالحة لمواجهة الجريمة في القرن الحادي والعشرين؛ إذ لم تحقق الوقاية ومنع التكرار؛ فقد أكدت الدراسات نسبة العود المرتفعة، والأفراد ليسوا بحاجة للأرصاد الجوية لإعلامهم بأن الجو ماطر، وكذلك فإنهم ليسوا بحاجة لإحصاءات رسمية لإعلامهم بشأن تزايد ارتكاب الجرائم. وعليه، واكب ذلك الاتجاه الدعوة لتطوير نظام العدالة الجنائية، من خلال توجه التشريعات الجنائية المعاصرة نحو إيجاد بدائل العقوبات السالبة للحرية قصيرة المدى.
الفرع الثاني
بدائل العقوبات السالبة للحرية قصيرة المدى
في سعيها نحو تطوير نظام العدالة الجنائية، تتوجه التشريعات الجنائية المعاصرة نحو جملة من السياسات لإيجاد بدائل "عامة" للعقوبات السالبة للحرية خاصة قصيرة المدى (أولا)، والبحث عن عقوبات وتدابير بديلة "خاصة" بشأن العقوبات السالبة للحرية قصيرة المدى (ثانيا)، تحقيقا للعدالة الناجزة27.
أولا: البدائل "العامة" للعقوبات السالبة للحرية قصيرة المدى:
قد يبدو للوهلة الأولى، أن العمل على زيادة عدد السجون وسعتها الاستيعابية، حلا لازدحامها. ولكنها ليست استراتيجية فعالة، بل لا بد من البحث عن بدائل، وذلك في كافة المراحل التي تمر بها العقوبة، بدءا من العقوبة المنصوص عليها (أ)، ومن ثم العقوبة المحكوم بها (ب)، وصولا للعقوبة التي يتم تنفيذها.
أ) في العقوبات المنصوص عليها، يلاحظ مبالغة تشريعية في لجوء المشرع لعقوبة الحبس، لدى رغبته المعاقبة على أي سلوك لا اجتماعي، وذلك بالنص على أنه: "يعاقب بالحبس والغرامة أو إحدى هاتين العقوبتين ..."، فلجوء المشرع لعقوبة الحبس تلقائي، ما يؤدي إلى ظاهرة التضخم التشريعي. ومن الحلول المقترحة في هذا المجال لجوء المشرع إلى سياسة اللا عقاب، أو اللا تجريم.
1. سياسة اللا عقاب، وتتمثل في عدم المعاقبة على الجرائم البسيطة بالعقوبة السالبة للحرية قصيرة المدى، ومثال على ذلك؛ فقد أحسن المشرع القطري في هذا الشأن لدى اقتصاره في المعاقبة عن المخالفات بعقوبة الغرامة التي لا تزيد على ألف ريال28، إضافة لنصه على الأعذار المعفية من العقاب (موانع العقاب) في بعض الجرائم29.
2. سياسة اللا تجريم، وذلك بالاكتفاء على معاقبة سلوك معين بعقوبات غير جنائية، مستعملا السلاح الإداري بدلا من السلاح الجنائي، كما هو الشأن في بعض التشريعات التي تخرج "التسول"30 من الإطار الجنائي إلى الإطار الاجتماعي، وكذلك الحال في "السحر والشعوذة"، أو "السكر العلني"، وكما هو الشأن في المشرع الألماني الذي أخرج كافة المخالفات من إطار المجال الجنائي؛ بحيث أصبح يأخذ بالتقسيم الثنائي للجرائم، جرائم جسيمة وجرائم متوسطة الجسامة. أما المشرع الفرنسي، وإن كان قد أخرج عددا من المخالفات إلى خارج القانون الجنائي، إلا أنه خفف عقوبات بعض الجنح لتصبح مخالفات، ما يعني تمسكه بالتقسيم الثلاثي للجرائم، جنايات وجنح ومخالفات، مكتفيا في المعاقبة على المخالفات بالغرامة دون أي عقوبة سالبة للحرية.
ب) في العقوبات المحكوم بها، يلاحظ أيضا لجوء مبالغ فيه للعقوبات السالبة للحرية، فالقاضي والرأي العام لا يشعر بالعقاب إلا من خلال حكمه بحبس المجرم مرتكب الجريمة. وفي سبيل التخفيف من ازدحام السجون، تم اقتراح عدة استراتيجيات - إلى جانب سياسات الصلح (بين المتهم والضحية)31 والتصالح (بين المتهم والإدارة)32 المؤدية لانقضاء الدعوى الجنائية33 - تقوم على سياسة التحويل أي تحويل الإجراءات الجنائية، ومن ذلك التوجه نحو وسائل ودية لإنهاء النزاعات المدنية والجنائية واستبعاد الدعوى الجنائية من ساحة القضاء، من خلال توفير بدائل إجرائية للدعوى الجنائية تساهم بدورها في الحد من العقاب. ومن ذلك الوساطة الجنائية، والتسوية الجنائية، في سبيل علاج النزاع عن طريق الإصلاح بين أطراف القضية.
إلى جانب السياسات العامة المشار إليها أعلاه، تسعى التشريعات الجنائية المعاصرة للبحث عن عقوبات وتدابير بديلة خاصة بشأن العقوبات السالبة للحرية قصيرة المدى.
ثانيا: العقوبات والتدابير البديلة "الخاصة" بشأن العقوبات السالبة للحرية قصيرة المدى:
مما لا شك فيه، أن قاضي الموضوع، ينبغي عليه أن يغير نظرته للعقوبات السالبة للحرية قصيرة المدى. أي ينبغي عليه ألا يعتبرها عقوبة طبيعية يلجأ للحكم بها بشكل تلقائي. بل ينبغي عليه تجنب اللجوء غير المبرر إليها، وذلك بدراسة كل حالة على حدة، ليتفحص فيما إن كانت ضرورية لتحقيق أغراض العقوبة، أم أنه يوجد عقوبات بديلة أخرى، تحقق الأغراض ذاتها؟ فإذا تبين له أنها ضرورية، فيلجأ إليها حينئذ باقتضاب وبخل؛ أي ضمن الحد الأدنى الممكن لتحقيق تلك الأغراض.
ومن هنا تتبين أهمية التوسع بالسلطة التقديرية للقاضي، بالنص على جزاءات بديلة للعقوبة السالبة للحرية قصيرة المدى، والتي يمكن أن تكون أكثر فاعلية منها في تحقيق أغراض العقوبة؛ سواء في مرحلة تحديد العقوبة والحكم بها (مبحث أول)، أو المراحل السابقة أو اللاحقة للحكم (مبحث ثان).
المبحث الأول
بدائل العقوبات السالبة للحرية قصيرة المدى في مرحلة تحديد العقوبة والحكم بها
في مرحلة تحديد العقوبة والحكم بها، تسعى التشريعات الجنائية المعاصرة نحو التوسع في مدى السلطة التقديرية للقاضي، والبحث عن بدائل العقوبات السالبة للحرية قصيرة المدى، تحل محلها، بغرض تجنب استخدام أحكام الحبس القصيرة التي يتم التنديد بانتظام بضررها وعدم فعاليتها38.
ويقصد بالعقوبات البديلة بالمعنى الدقيق "جزاءات أخرى وضعها المشرع للقاضي بصفة موازية للعقوبات السالبة للحرية قصيرة المدى، وتستوجب لإيقاعها اتخاذ إجراءات جنائية وحكم محكمة مختصة، فيصدر بدلا من العقوبة السالبة للحرية عقوبة أخرى أو تدبير لا ينطوي على سلب أو حرمان من الحرية"39.
خلافا لمساوئ الحبس قصير المدى، تحقق العقوبات البديلة مزايا عديدة، شخصية؛ بتجنب وصم السجن، واجتماعية؛ كالمحافظة على الأسرة، واقتصادية؛ بتوفير الميزانية وتخفيف اكتظاظ السجون، إلى جانب امتيازها بالمرونة بالنظر لشخصية المحكوم عليه.
قد يؤكد المشرع أحيانا على أهمية اختصار الحبس، كما هو الشأن لدى خصمه مدة الحبس الاحتياطي من مدة الحبس الإجمالية، كما يحرص على إلزام القاضي بالحكم بالحد الأدنى للعقوبة، أو إلغائه كما هو الشأن بالمشرع الفرنسي، الذي ألغى الحد الأدنى للعقوبة، تاركا مدى تقدير النزول بالعقوبة سلطة تقديرية للقاضي دون حد. وحسنا فعل المشرع القطري حينما أجاز للقاضي لدى أخذه بالأعذار القانونية والظروف التقديرية في جرائم الجنح عدم التقيد بالحد الأدنى للعقوبة وفق المادة (93/1) من قانون العقوبات. ومع ذلك، تسعى التشريعات المعاصرة نحو إيجاد بدائل للعقوبات السالبة للحرية قصيرة المدى، ضمن ضوابط دولية ودستورية وقانونية، بما في ذلك، ينبغي أن تتوافر فيها الضوابط التالية:
وبناء على ما تقدم، في مرحلة تحديد العقوبة، قد يلجأ القاضي إلى تحديد عقوبة ماسة بالحرية وبدائل تنفيذها (مطلب أول)، أو تحديد عقوبات بديلة عن العقوبات الماسة بالحرية وبدائل تنفيذها (مطلب ثان).
المطلب الأول
تحديد عقوبة ماسة بالحرية وبدائل تنفيذها
عندما تتثبت المحكمة من إدانة المتهم في القضية المعروضة عليها والمعاقب عليها بالحبس قصير المدى، يمكن للقاضي أن يقرر؛ إما الحكم بالإدانة والتهديد بالعقوبة "السالبة" للحرية (فرع أول)، أو الحكم بالإدانة وعقوبة "مقيدة" للحرية (فرع ثان).
الفرع الأول
الحكم بالإدانة والتهديد بالعقوبة "السالبة" للحرية
لدى ثبوت إدانة المتهم، في الجرائم البسيطة، قد يرتئي القاضي مناسبة الحكم بالإدانة والحبس مع وقف التنفيذ (أولا)، أو الحكم بالإدانة وتعليق العقوبة (ثانيا).
أولا: الحكم بالإدانة والحبس مع وقف التنفيذ:
يهدف هذا النظام إلى إخضاع المحكوم عليه لمعاملة عقابية خارج الحبس، وله عدة صور40: وقف تنفيذ العقوبة البسيط (أ)، ووقف التنفيذ المقترن بالاختبار (ب)، ووقف التنفيذ المقترن بالخدمة المجتمعية.
أ) وقف تنفيذ العقوبة البسيط:
ويتمثل بوقف تنفيذ العقوبة للالتزام بحسن السيرة والسلوك. وقد أخذ المشرع القطري بهذه الصورة في المادة (79) من قانون العقوبات، لدى حكمه بعقوبة الحبس لمدة سنة41، سواء في الجنايات أو الجنح، ولدى استخدام القاضي الظروف المخففة وفق المادتين (92) و(93) من قانون العقوبات.
وقد تعرضت هذه الصورة للنقد، كونه سلبي، دون إلزام المحكوم عليه القيام بأي عمل إيجابي، إذ يقتصر على التحذير بعدم مخالفة القانون دون إشراف42. ما دفع التشريعات المعاصرة للنص على صورة جديدة لوقف التنفيذ، تتمثل بوقف التنفيذ المقترن بالاختبار.
ب) وقف تنفيذ العقوبة المقترن بالاختبار:
يعد وقف تنفيذ العقوبة المقترن بالاختبار تدبيرا اجتماعيا – جنائيا، ويسمى بوقف التنفيذ تحت شرط، أو تحت الاختبار القضائي، كاختبار المحكوم عليه بفترة تجربة، تحت مراقبة قضائية، تتولاها دائرة أو هيئة الاختبار، تقدم خلالها للقاضي تقارير تحقيق اجتماعي. ويأخذ المشرع الفرنسي بالاختبار القضائي بعدة صور، كما هو الشأن في صورة من صور التسوية الجنائية المشار إليها أعلاه، أو لوقف تنفيذ العقوبة كليا أو جزئيا، أو لتنفيذها في مؤسسة عقابية أقل صرامة.
في حالة انتهاء مدة الاختبار دون إلغائه؛ فإن الحكم بوقف التنفيذ المقترن بالوضع تحت الاختبار يصبح كأن لم يكن. أما في حال فشل الاختبار، لدى خرق المحكوم عليه الالتزامات المفروضة عليه، أو ارتكابه جريمة جديدة، ما يشير لفشل إصلاحه وتهذيبه وتقويمه، يلغى الاختبار وتنفذ عقوبة الحبس، ويجوز للقاضي الأمر بحضور المحكوم عليه وإحضاره عند اللزوم، وإخطار النيابة العامة للاستجواب، والأمر بحبسه تمهيدا للإلغاء43.
وينبغي التنويه إلى أن الاختبار القضائي لا يقتصر على هذه المرحلة، بل تمده التشريعات الجنائية المعاصرة لتستعين به في تطبيق البدائل تحت شرط، في كافة المراحل، المرافقة للحكم في العقوبة، أو السابقة أو اللاحقة لها، كما سنرى. وقد يتمثل الشرط بصورة الخدمة المجتمعية، فيسمى عندئذ بـ (وقف تنفيذ العقوبة المقترن بالخدمة المجتمعية).
ثانيا: الحكم بالإدانة وتعليق العقوبة:
يقصد بالحكم بالإدانة وتعليق العقوبة، قيام القاضي بالحكم بإدانة المحكوم عليه لدى ثبوتها، مع تأجيل النطق بالعقوبة بهدف الإعفاء منها44، كعقوبة أصلية، والعقوبات الإضافية من تكميلية وتبعية. وذلك وفق شروط قانونية، ترجح إعادة إدماج المحكوم عليه في المجتمع، دون حاجة إلى التنفيذ، لا سيما لدى تعويض الأضرار الناجمة عن الجريمة، وانتهاء الاضطراب المترتب عليها45.
ومن التشريعات التي أخذت بهذا النظام، التشريع الفرنسي46، بكافة صوره: البسيط، وتحت الاختبار، بالحكم بالإدانة وتعليق عقوبة الحبس على شرط؛ أي تأجيلها، على غرار تأجيل العقوبة المنصوص عليها عادة في قانون الأحداث. حيث ينص على تأجيل النطق بالعقوبة بصوره المختلفة: بسيط ومقترن بالوضع تحت الاختبار47، كالالتزام بتعويض الضحية أو الخضوع لالتزامات من نفس النوع الذي يتم مواجهته في سياق أحكام الحبس مع وقف التنفيذ المشروط بالوضع تحت الاختبار.
وهنا مرة أخرى، غالبًا ما يكون لجانب إصلاح الضرر الناجم الأولوية على أي اعتبار آخر. ويجوز للمحكمة، في حالة عدم الامتثال، أن تأمر بمواصلة تنفيذ هذه التدابير تلقائيا على نفقة المحكوم عليه.
إذا لم تكن هذه الأحكام من الناحية النظرية بدائل للحبس أو حتى العقوبة؛ فيجب الاعتراف بأنه في كثير من الحالات، ستعتبر المحكمة، بمجرد الوفاء بالالتزامات المقررة، أن الغرض الذي تسعى إليه النيابة العامة قد تم تحقيقه، وأن الإخلال بالنظام العام توقف، أو تم إصلاح الضرر الناجم، وبالتالي لن تصدر أحكاما من حيث المبدأ، أو قد تعفي من العقوبة.
وتجدر الإشارة إلى أن المشرع القطري لم ينص صراحة على هذه الصورة في قانون الإجراءات الجنائية، إلا أنه نص في المادة (8) من قانون الأحداث على أنه: "إذا ارتكب الحدث الذي لم يتجاوز أربع عشرة سنة جناية أو جنحة، فلا يجوز الحكم عليه بالعقوبات أو التدابير المقررة لتلك الجرائم، فيما عدا المصادرة أو إغلاق المحل، ويحكم عليه بأحد التدابير الآتية: هـ. الاختبار القضائي". دون أن يحدد حدا أعلى أو أدنى لمدة الاختبار48، ودون أن ينص صراحة على تأجيل النطق بالعقوبة، ودون أن يحدد ذلك بعقوبة الحبس. خلافا للمشرع الإماراتي الذي أجاز للقاضي "وقف النطق بحكم الإدانة" للأحداث، في الحالات التي يجوز الحكم فيها على الحدث بعقوبة الحبس49.
الفرع الثاني
الحكم بالإدانة وعقوبة مقيدة للحرية
في هذه الصورة لا يحكم القاضي بالإدانة والحبس مع وقف التنفيذ تحت الاختبار، بل يحكم مباشرة بالإدانة ووضع المحكوم عليه تحت الاختبار القضائي (فترة تجربة) المتمثل بالمراقبة القضائية (أولا)، أو الخدمة المجتمعية (ثانيا)، أو الوضع في الخارج للعمل وفق نظام "شبه-الحرية" (ثالثا)، أو الإقامة الجبرية في محل معين أو حظر الإقامة (رابعا)، و/ أو المراقبة الإلكترونية (خامسا).
أولا: الحكم بالإدانة والوضع تحت الاختبار:
يفترض الاختبار القضائي "تقييد" حرية المحكوم عليه بدلا من "سلبها" فترة زمنية. وكي لا يتحول الاختبار القضائي إلى استبداد أو انتهاك خطير بالحريات العامة، تؤكد التشريعات الجنائية المعاصرة على ضمانات الرقابة القضائية؛ أي صلة الموضوع تحت الاختبار بالسلطة القضائية كأن يكون تقريره من اختصاص القضاء، حماية للحقوق والحريات الأساسية.
في سلطته في تفريد العقوبة، ينبغي على القاضي مراعاة القيود المفروضة والأحكام المقررة قانونا. وعادة ما يتخذ القاضي شخصية المحكوم عليه أساسا للحكم بالاختبار القضائي، كما يتخذها أساسا لفرض الشروط والالتزامات المتعلقة بذلك الاختبار. وقد يتمثل الشرط في إصلاح الأضرار وتعويض الضحية، والتي لها أولوية في هذا الشأن50.
لدى صدور الحكم بوضع المحكوم عليه تحت الاختبار، وتحديد الالتزامات التي ينطوي عليها، يأتي دور قضاء التنفيذ والذي تعتبر الرقابة القضائية جانبا أساسيا من اختصاصه. إذ إن الاختبار القضائي لا ينشئ وضعا عقابيا مستقرا، بالنظر لتعرضه دائما للتعديل أو الإلغاء، كما سنرى. لم ينص المشرع القطري على هذا النظام فيما عدا المادة (8) من قانون الأحداث القطري المشار إليها أعلاه.
ثانيا: الخدمة المجتمعية (التشغيل الاجتماعي):
تم تأسيس هذه العقوبة، والتي تسمى بخدمة المجتمع أو الخدمة المجتمعية أو العمل للنفع العام51 أو التشغيل الاجتماعي، تأثرا بالأنظمة الغربية التي أخذت بها، بالنظر لأهمية نظام العمل في خدمة المجتمع في تأهيل الكثير من المحكوم عليهم، كعقوبة بديلة للحبس قصير المدى، كأمريكا في ولاية نيويورك وبريطانيا والبرازيل والعديد من الدول الأوروبية كالبرتغال وفرنسا52، والعديد من البلدان العربية.
وتنطوي هذه العقوبة على إلزام المحكوم عليه المدان القيام بأعمال معينة في خدمة المجتمع، خلال المدة التي تقررها المحكمة في الحدود المنصوص عليها قانونا. فهي تفرض على المحكوم عليه القيام بعمل غير مأجور، خلال عدد معين من الساعات، أو تنفيذ مهمة محددة للمصلحة العامة.
وتعتبر هذه العقوبة بديلا هاما لعقوبة الحبس قصير المدى، كونها تجنب المجرمين ممن لا تنطوي شخصيتهم على خطورة إجرامية كبيرة على المجتمع، ويتبين للمحكمة عدم ملاءمة الحكم عليهم بالحبس، بالنظر لمخاطر الاختلاط بالمحكوم عليهم الأشد خطورة داخل السجن، وأنه يكفي لإصلاحهم وتأهيلهم اجتماعيا مجرد تقييد حريتهم، بإلزامهم تأدية بعض الأعمال في خدمة المجتمع، وفرض مجموعة من تدابير الرقابة والإشراف عليهم، على أن ينحصر تطبيقه في الحالات التي لا تتعارض مع مقتضيات العدالة والردع العام.
المشرع القطري من جانبه أدرج هذه العقوبة سنة 2009 بموجب تعديل على كل من قانون العقوبات وقانون الإجراءات الجنائية تحت مسمى (التشغيل الاجتماعي)، فأضافها للعقوبات الأصلية الواردة في المادة (57) من قانون العقوبات، لتطبق في مجال الجنح، وعرفها في المادة (63) مكررا من القانون ذاته بأنها: "هي إلزام المحكوم عليه بأن يؤدي لمدة محددة، عملا من الأعمال المبينة في جدول الأعمال الاجتماعية المرفق بهذا القانون"، وجاءت المادة (63) مكرر 1 من القانون لتبين آلية التطبيق وجدول الأعمال الاجتماعية "كحفظ أو تحفيظ القرآن الكريم، محو الأمية، رعاية الأحداث، أو ذوي الاحتياجات، أو تنظيف الطرق أو المساجد أو المكتبات، أو الزراعة... إلخ. وبينت المادة (63) مكرر 2 منه أداء عقوبة التشغيل الاجتماعي من حيث مدة العمل اليومي وفقا للأسلوب وبالطريقة التي يصدر بتحديدها قرار من النائب العام، وأضيفت بموجب المادة (359) مكرر، ومكرر 1و2 إلى قانون الإجراءات الجنائية القطري لتنفيذ عقوبة التشغيل الاجتماعي.
وبالنظر لأبعاد المقارنة الإيجابية في فهم أحكام هذه العقوبة والوقوف على أبعادها وشروط تطبيقها كعقوبة بديلة عن الحبس قصير المدى؛ فقد ارتئينا أهمية المقارنة بين التشريع القطري والتشريع الفرنسي من حيث / نطاق وضوابط تطبيقه/ والأحكام الإجرائية، وفق الجدول التالي:
|
أوجه الشبه والاختلاف |
التشريع القطري |
التشريع الفرنسي |
|
|
1 |
النص القانوني |
المواد (63 مكرر) ومكرر/1 و/2 من قانون العقوبات القطري53. |
المواد (131-8) من قانون العقوبات الفرنسي54. |
|
2 |
مجالها |
بديلة عن الجنح المعاقب عليها بالحبس مدة لا تجاوز سنة وبالغرامة التي تزيد على ألف ريال، أو بإحدى هاتين العقوبتين55؛ عقوبة بديلة ليس فقط بشأن عقوبة الحبس قصير المدى في شأن الجنح المعاقب عليها بالحبس مدة لا تجاوز سنة فحسب، بل جعلها بديلة أيضا عن عقوبة الحبس قصير المدى و/ أو الغرامة التي تزيد على ألف ريال. بمعنى أن هذه العقوبة يمكن الحكم بها الجرائم المعاقب عليها بالغرامة التي تزيد عن ألف ريال. |
بديلة عن الحبس الجنحي؛ بمعنى أن تكون الجريمة جنحة معاقبا عليها بالحبس، دون تحديد مدته. |
|
3 |
جمعها |
لا يجوز الحكم بها مجتمعة مع الحبس56، كما حظر أيضا الجمع بينها والعقوبات السالبة، أو المقيدة للحقوق، أو عقوبة الغرامة، أو الغرامة اليومية في حكم واحد57. |
|
|
4 |
تقدير الحكم بهذه العقوبة، وتحديد الأعمال التي يكلف بها المحكوم عليه |
للمحكمة بناء على طلب النيابة العامة، وفق ظروف الجريمة والمجرم58. ما قد يثير التساؤل في مدى سلطة القاضي الأمر بهذه العقوبة من تلقاء نفسه ودون طلب من النيابة العامة؟ |
جوازي للمحكمة وحدها. |
|
5 |
جهات الأعمال الاجتماعية |
حدد جهات الأعمال، حصرا بـ (16) جهة عامة59. |
لصالح شخص اعتباري من أشخاص القانون العام أو المؤسسات العامة. |
|
المسؤول عن تحديد الجهات التي تنفذ فيها الأحكام الصادرة بالتشغيل الاجتماعي والإشراف |
النائب العام هو المسؤول عن تحديد الجهات التي تنفذ فيها الأحكام الصادرة بالتشغيل الاجتماعي، وبالتنسيق مع تلك الجهات60، وفق ما يتاح لديها من شواغر، ما يضمن تفريد الحكم بناء على شخصية المحكوم عليه، من الناحية الإجرائية، والنيابة العامة هي التي تسهر على الإشراف61. |
قاضي تنفيذ العقوبات المختص62 ويختص قاضي تنفيذ العقوبات أيضا بالإشراف على تنفيذ العمل سواء بنفسه أو بواسطة ضابط الاختبار. |
|
|
6 |
الأجر |
دون أجر |
|
|
7 |
رضاء صاحب الشأن |
لم ينص عليه وإن كان نجاح العقوبة البديلة يعتمد على رضاء صاحب الشأن، لا سيما مع حظر القواعد الدولية للعمل الإلزامي. |
تطلب رضاء المحكوم عليه بالخضوع لنظام خدمة المجتمع، بدعوى عدم مخالفة المادة الرابعة من الاتفاقية الأوروبية لحقوق الإنسان والتي تقضي بعدم جواز إكراه شخص على القيام بعمل، إضافة إلى أن تنفيذ العمل يفترض حدا أدنى من التعاون من قبل المتهم مع السلطات المختصة بالإشراف عليه، ولن يتوافر هذا التعاون متى ما كان المتهم رافضا لهذا النظام. |
|
8 |
عدم التكرار |
لا يشترط في الجاني محل تطبيق هذه العقوبة أن يكون مبتدئا، بل يمكن تطبيقها على العائدين. |
لا يشترط. |
|
9 |
مدة التشغيل والجهة |
ينبغي ألا تزيد عن 6 ساعات في اليوم الواحد63، وذلك وفقا للأسلوب وبالطريقة التي يصدر بتحديدها قرار من النائب العام64، على أن يتم إنجازها في مدة أقصاها اثني عشر يوما65، وهي مدة قليلة نسبيا مقارنة مع بعض التشريعات المقارنة. دون إشارة للأحداث. |
حدد عدد ساعات العمل بحيث لا تقل عن 40 ساعة ولا تزيد عن 240، على المحكمة أن تحدد المدة التي يجب تنفيذ العمل خلالها؛ بحيث لا تجاوز ثمانية عشر شهرا66. دون تمييز بين البالغين والأحداث (16-18) سنة67. |
|
10 |
إيقاف التنفيذ |
نص68 |
نص69 |
|
استبدال |
إمكانية استبدال عقوبة التشغيل الاجتماعي بعقوبة الحبس الذي لا يجاوز اثني عشر يوما، أو بعقوبة الغرامة70! موسعا في ذلك السلطات التقديرية للقاضي في هذا الشأن، من جهة، مؤكدا على إمكانية وقف تنفيذها71 أو تأجيله72، من جهة أخرى73. |
||
|
11 |
تدابير الرقابة |
لم ينص |
يجب أن يخضع لتدابير رقابة.74 |
|
12 |
قانون العمل |
لم ينص |
يخضع العمل في خدمة المجتمع للأحكام القانونية والنظامية المتعلقة بالعمل ليلا، وتلك التي تحدد الشروط الصحية، وقواعد السلامة، وعمل النساء والأطفال. |
|
جمع العقوبة مع النشاط المهني للمدان |
لم ينص |
يجوز الجمع بين خدمة المجتمع ومزاولة النشاط المهني75. |
|
|
13 |
إتمام الأعمال الاجتماعية |
لم ينص |
عندما يتم المحكوم عليه العمل المفروض عليه؛ فإن ذلك يعد بمثابة تنفيذ للعقوبة، وتنتهي بالنتيجة تدابير الرقابة التي يخضع لها. |
|
14 |
الامتناع أو الإخلال بإتمام الأعمال الاجتماعية |
إذا امتنع المحكوم عليه عن تنفيذ عقوبة التشغيل الاجتماعي، تكون العقوبة الحبس لمدة أسبوع، عن كل يوم لم يتم تنفيذه76. ففي حالة الامتناع كليا أو جزئيا بإخلال المحكوم عليه بمقتضيات تنفيذ عقوبة التشغيل الاجتماعي، حدد المشرع آلية الحكم بعقوبة الحبس - أسبوع عن كل يوم، يجوز للنائب العام، من تلقاء نفسه، أو بناء على طلب الجهة التي ينفذ المحكوم عليه العقوبة لديها، أن يقرر تطبيق عقوبة الحبس أعلاه77. دون أن يشترط رفعه دعوى جديدة لخرق الالتزامات المترتبة عن عقوبة التشغيل الاجتماعي! |
التخلف عن أداء الالتزامات جريمة مستقلة يعاقب عليها وفقا للمادة 434-32) من قانون العقوبات والمعاقب عليها بالحبس مدة سنتين وبالغرامة البالغ مقدارها (30) ألف يورو، ما يعني رفع دعوى جديدة في هذا الشأن. |
|
15 |
التوسع في مجال فرضها |
توسع في التدابير السابقة على الحكم، كما في حال تأجيل العقوبة تحت الاختبار القضائي78، ووقف تنفيذ العقوبة المشروط الوضع تحت الاختبار في صورة القيام بخدمة المجتمع79، وهذه التدابير وإن كانت لا تندرج ضمن مفهوم العقوبة البديلة بالمعنى الدقيق للكلمة، إلا أنها تحقق الأغراض ذاتها لا سيما تجنب الحبس قصير المدى80. |
|
ثالثا: الوضع في الخارج للعمل وفق نظام (شبه الحرية):
نظام عقابي في وسط مفتوح، نهارا في مراكز المراودة النهارية، للعلاج من الإدمان81، مثلا، كما توجد بها برامج اجتماعية متنوعة (من إدارة العدوانية وحتى التأهيل المهني). وقد بينت الدراسات أن ردة فعل المجرمين لهذه البرامج إيجابية بالمقارنة مع الوضع في وسط مغلق82.
يقوم على إلحاق المحكوم عليه بعقوبة قصيرة بعمل أو دراسة خارج المؤسسة العقابية. وقد أخذ المشرع الفرنسي بهذا النظام، والذي يجيز للقاضي لدى حكمه بعقوبة الحبس لمدة سنة أو أقل، أن يقرر تنفيذ الحبس المحكوم به وفقا لنظام شبه الحرية، متى ما كان للمحكوم عليه ما يبرر ذلك، إما لممارسة نشاط مهني معين، أو لتلقي العلم أو تدريب مهني أو الاستمرار في تدريب أو عمل مؤقت، بقصد اندماجه في المجتمع أو لمشاركته الضرورية في حياته الأسرية، أو لخضوعه لعلاج طبيعي، بحيث يلتزم المحكوم عليه المستفيد من هذا النظام بالعودة إلى المؤسسة العقابية، وفقا للقواعد التي يحددها قاضي تطبيق العقوبة، مع مراعاة الأوقات الضرورية لممارسة النشاط أو تلقي العلم أو التدريب المهني أو المشاركة في حياة العائلة أو العلاج، والذي تقرر من أجله نظام شبه الحرية، كما يلتزم بالبقاء بالمؤسسة العقابية خلال الأيام التي تتوقف فيها التزاماته الخارجية لأي سبب.
تفعيل مثل هذا النظام يحتاج إلى استثمارات في مثل هذه البرامج، وأهمية حصول القاضي على معلومات من تلك المؤسسات بشأن البرامج المتوافرة لديها، ومواقعها، والأماكن المتاحة فيها، كما يحتاج إلى معلومات من جهة أخرى بشأن المجرم وحالته الصحية، وفق تقرير طبي نفسي، على غرار تقرير التحقيق الاجتماعي المشار إليه أعلاه.
من التشريعات العربية التي تأخذ بهذا النظام، التشريع الجزائري الذي نص صراحة على (الحرية النصفية)83. كما تنص التشريعات الخاصة بالأحداث على مجموعة من التدابير "المقيدة" للحرية، بما في ذلك الإلحاق بالتدريب المهني، وهذا ما نص عليه المشرع القطري في المادة (8/ج) من القانون رقم (1) لسنة 1994 بشأن الأحداث.
ونظرا لأهمية نظام شبه الحرية في تأهيل كثير من المحكوم عليهم؛ فقد وسع المشرع الفرنسي من نطاق تطبيقه، إذ يمكن تقرير هذا النظام سواء بواسطة قاضي الحكم أو قاضي تطبيق العقوبات.
أما في قطر: فإن التشريع القطري، يمكن معه تطويع بعض النصوص التشريعية القائمة، كما هو الشأن في المادة (25) من قانون تنظيم المؤسسات العقابية، والتي تنص على أن: "تحدد اللائحة التنفيذية لهذا القانون، أنواع وطبيعة الأعمال التي يقوم بها المحبوسون قضائيا، داخل المؤسسات أو خارجها"84. دون رقابة قضائية.
رابعا: الإقامة الجبرية في محل معين (الحبس بالموطن) أو حظر الإقامة في أماكن معينة:
نظام صارم نسبيا، ولكنه أخف وطأة من سلب الحرية؛ إذ يقوم على "تقييد" الحرية بدلا من "سلبها"، يتسع أو يضيق نطاقه بناء على "الثقة" الممنوحة للمجرم؛ فقد يمنع المجرم من السفر، أو يحظر دخوله أو مروره من أماكن أو مناطق معينة، أو يلزم بالإقامة في مدينة أو منطقة معينة، أو داخل المسكن. وقد يقترن بالمراقبة القضائية، و/ أو المراقبة الإلكترونية.
تتمثل المراقبة القضائية في مراقبة قاضي تطبيق العقوبات مدى امتثالهم في تنفيذ الالتزامات المفروضة عليهم85. ولتجنب المضاعفات، يمكن تحديد ساعات الإقامة، والإذن بالعمل، ما يقتضي الحصول على معلومات وافية، وفق التقارير الاجتماعية والطبية أعلاه، إلى جانب أهمية الرقابة القضائية والتي قد تقترن بالمراقبة الإلكترونية.
خامسا: المراقبة الإلكترونية:
أدى الاستخدام المتزايد للتكنولوجيا إلى توظيف الوسائل الإلكترونية، في نظام العدالة الجنائية. وتعرف المراقبة الإلكترونية بأنها: "استخدام أداة إلكترونية للتثبت من وجود المحكوم عليه في الزمان والمكان المتفق عليهما بين المحكوم عليه والسلطة القضائية"86. وتسمى بـ "الأساور" إنجلترا، وتطورت في كل من أمريكا87 كفلوريدا88؛ بريطانيا89؛ أوروبا كالسويد90 وفرنسا91.
وتنطوي المراقبة الإلكترونية على إلزام المجرم بالاتصال دوريا مع السلطات الرسمية، للتثبت من امتثاله من شروط الإقامة92. كما يمكن ربط جهاز كاشف للكحول، للكشف عن مدى امتثاله لحظر تناوله المشروبات الروحية على سبيل المثال. وقد تتمثل المراقبة الإلكترونية، في وضع المجرم جهازا إلكترونيا بشكل ساعة أو سوار يوضع في معصمه أو قدمه، لتتبع مدى امتثاله. وقد يتوسع المشرع في استخدام المراقبة الإلكترونية على المراحل السابقة أو اللاحقة لمرحلة تحديد العقوبة والحكم بها. كما هو الشأن في التشريع الفرنسي، والذي نص على نظام المراقبة الإلكترونية في المواد من (723-7) إلى (723-14) من قانون الإجراءات الجنائية، في الجرائم المعاقب عليها بالحبس سنة، أو ما يتبقى من المدة المحكوم بها سنة واحدة كحد أقصى. واستثنى من هذا النظام مرتكبي الجرائم الجنسية93.
وينبغي التنويه إلى أهمية رضاء المتهم؛ إذ "لا يجوز إصدار قرار الوضع تحت المراقبة الإلكترونية إلا بالاتفاق مع المتهم الذي تم إعلامه مسبقا بحقه في طلب محام، وإذا اقتضى الأمر يتم تعيين محام من قبل نقيب المحامين بناء على طلبه، قبل الاتفاق معه؛ وإذا تعلق الأمر بقاصر فلا يجوز إصدار هذا القرار إلا بالاتفاق مع من لهم الحق في ممارسة السلطة الأبوية".
الجهة المناط بها تختلف باختلاف الإجراء وباختلاف التشريعات94. في فرنسا تعد عقوبة بديلة، كما يجوز لقاضي تنفيذ العقوبة أن يأمر بها إما من تلقاء نفسه أو بناء على طلب النائب العام أو المحكوم عليه95. كما يجوز الأمر بها ضمن التشغيل الاجتماعي96. كما يجيز المشرع الفرنسي الأمر بها كتدبير97 كالإفراج الشرطي، على ألا تزيد المدة المتبقية من العقوبة عن سنة واحدة.
إلا أن تطبيق هذه الآلية قد يواجه بعض الإشكالات، كارتفاع تكلفتها نسبيا، وحاجتها لبنية تحتية وتوافر شبكة الإنترنت، إضافة لأهمية حظر التمييز بين المجرمين وعدم استبعادها عن الأجانب، كما أنها قد تحتاج إلى وجود هاتف لدى المجرم مما قد لا يكون متوافرا لديه في بعض الحالات. وعلى الرغم من زخم هذه الاعتبارات إلا أن التطبيقات الموجودة في الهواتف النقالة قد خففت من حدتها.
وتجدر الإشارة أخيرا إلى أن العقوبات "المقيدة" للحرية، تشمل أي شكل آخر من المعاملة في وسط مفتوح، ويجوز للقاضي الجمع بين كافة هذه التدابير وتلك غير الماسة بالحرية.
المطلب الثاني
تحديد عقوبات بديلة عن العقوبات الماسة بالحرية وبدائل تنفيذها
من العقوبات البديلة غير الماسة بالحرية المقترحة والمقبولة، بما يتوافق مع الكرامة الإنسانية ودولة القانون، نجد إلى جانب الجزاءات الشفوية كالتوبيخ والتنبيه والإنذار المنصوص عليها عادة في قانون الأحداث98، والتي تتسم بمزايا تأثيرها الفعال من الناحية العملية، وعدم تطلبها بنية تحتية إدارية، بالمقارنة مع بعض الجزاءات الأخرى؛ حيث استمرار الحرية قبل حكم المحكمة، وما قد يحتاج إليه من بنية إدارية لمراقبة الشروط، وقد تكلف الشرطة في هذا الشأن. ومن العقوبات البديلة غير الماسة بالحرية نجد العقوبات الماسة بالحقوق (فرع أول)، والعقوبات التكميلية كبديلة (فرع ثان)، والعقوبات الاقتصادية والمالية (فرع ثالث).
الفرع الأول
العقوبات الماسة بالحقوق
ويقصد بالعقوبات الماسة بالحقوق، هي تلك العقوبات التي يترتب عليها حرمان المحكوم عليه من بعض حقوقه المدنية والسياسية99، كالحق المتوقف على تصريح إداري (كرخصة الصيد أو رخصة حمل السلاح ورخصة القيادة)، أو الحرمان من الحق في المشاركة بالحقوق المدنية أو الأسرية (كالولاية أو الوصاية أو القوامة، أو الخبرة، أو الشهادة، أو ممارسة عمل قضائي، أو الترشح أو التصويت، أو تولي وظائف أو خدمات عامة، أو حمل أوسمة ...)، بالإضافة للحرمان من الحق في ممارسة نشاط مهني أو اجتماعي (ويقترب منه إغلاق المحل، والطرد من الأسواق العامة، ومنع إصدار شيكات أو استخدام بطاقة الدفع الإلكتروني). وبالنظر لمساسها بالحريات100 لا بد من إخضاعها لإشراف قضائي، أي بحكم قضائي101.
في المجال الجنحي، نص المشرع الفرنسي على العقوبات السالبة أو المقيدة للحقوق في المادة (131-6) من قانون العقوبات، كعقوبات رئيسة، وتشمل ما يلي:
هذه العقوبات السالبة أو المقيدة للحقوق تكون من ناحية، بديلة للحبس في مواد الجنح102، كما يمكن أيضا أن تحل محل عقوبة الغرامة في الجنح من ناحية أخرى103. ما يعني أن هذه العقوبات تكون بديلة للغرامة متى ما كانت تلك الغرامة هي العقوبة الأصلية الوحيدة للجنحة. أما بالنسبة للجنح المعاقب عليها بالحبس والغرامة معا، كما هو الأمر في غالب الأحوال، فيجوز للمحكمة عندئذ أن تقضي بدلا من الحبس بواحدة أو أكثر من العقوبات السالبة أو المقيدة للحقوق، وفي هذه الحالة ينبغي جمعها مع الغرامة في حكم واحد. وإذا كان المشرع الفرنسي يجيز الحكم على مجرم واحد بواحدة أو أكثر من العقوبات السالبة أو المقيدة للحقوق، إلا أنه لا يجيز الحكم بهذه العقوبات مجتمعة مع العمل في خدمة المجتمع.
إذا خالف المحكوم عليه الحظر الناجم عن العقوبات السالبة أو المقيدة للحقوق، فيعد عندئذ مرتكبا لجريمة جديدة، معاقب عليها بالحبس لمدة سنتين والغرامة التي يبلغ مقدارها (30) ألف يورو104.
المشرع القطري لم ينص من جانبه على ما يسمى بالعقوبات السالبة أو المقيدة للحقوق كعقوبات رئيسة أو بديلة في مجال الجنح، ولكنه نص على بعض صورها كعقوبات تكميلية في مجال الجنايات والجنح، بحيث يحكم بها القاضي إلى جانب العقوبات الرئيسة. كما لم ينص على إمكانية استخدام العقوبات التكميلية كعقوبات بديلة، خلافا للمشرع الفرنسي، الذي نص على ذلك، موسعا من سلطات القاضي التقديرية.
وبشكل عام تنطوي العقوبات الماسة بالحقوق على حرمان الجاني من ممارسة بعض الحقوق كتولي وظيفة عامة؛ بحيث يتصل حرمان الحق وظروف الجريمة قدر الإمكان؛ كحظر ممارسة المهنة على الطبيب المرتكب للخطأ المهني والحرمان من حمل السلاح في الاعتداء على الأشخاص أو الأموال وما إلى ذلك105.
قد تبدو هذه العقوبات للوهلة الأولى أقل تكلفة من تلك السالبة للحرية، ومع ذلك، يمكن أن تنطوي هذه العقوبات على تكاليف مخفية، كحظر العمل، والذي يمكن أن ينعكس سلبا على المجتمع، لا سيما لدى تعلقه بمهارة نادرة.
ينبغي التنويه في هذا المقام أن العقوبات السالبة والمقيدة للحقوق هنا، كعقوبة بديلة، تختلف عن العقوبات الإضافية التكميلية أو التبعية، والتي تطبق بالإضافة لعقوبة أصلية، إما بحكم القاضي أو بحكم القانون، وذلك لأن من شأن جمعها أن يؤدي لنتائج عكسية. وفي سبيل تجنب ذلك، تلجأ التشريعات الجنائية المعاصرة إلى استعمال العقوبات التكميلية كعقوبات بديلة.
الفرع الثاني
استخدام العقوبات التكميلية كعقوبات بديلة
تنص التشريعات الجنائية عادة على عقوبات تكميلية106 عديدة، ماسة بالحقوق، دون تقديم قائمة شاملة.
عادة ما تنص التشريعات الجنائية على العقوبات الماسة بالحقوق كعقوبات تكميلية؛ بحيث يكون توقيعها متوقفا على حكم القاضي بها107، وجوبيا أو جوازيا108. وتشمل العقوبات التكميلية في القانون القطري، الحرمان من كل أو بعض الحقوق والمزايا الآتية لمدة ثلاث سنوات من تاريخ الانتهاء من تنفيذ العقوبة أو سقوطها109: (1. تولي الوظائف العامة أو العمل كمتعهد لحساب الدولة؛ 2. تولي عضوية المجالس التشريعية والاستشارية والبلدية، ومجالس إدارة الهيئات والمؤسسات العامة والشركات المساهمة والجمعيات والمؤسسات الخاصة والجمعيات التعاونية، وكذلك تولي إدارة أي منها، والاشتراك في انتخاب أعضائها؛ 3. تولي الوصاية أو القوامة أو الوكالة عن القصر ومن في حكمهم؛ 4. حمل الأوسمة أو الأنواط أو الميداليات وطنية كانت أم أجنبية؛ 5. حمل الأسلحة). كما تشمل أيضا: (الحرمان من مزاولة المهنة؛ العزل من الوظائف العامة؛ إغلاق المكان أو المحل العام؛ الوضع تحت مراقبة الشرطة؛ المصادرة؛ وإبعاد الأجنبي عن البلاد)110.
أما المشرع الفرنسي؛ فقد نص في قانون العقوبات على بعض العقوبات التكميلية في شأن الجنايات والجنح، ومن أمثلتها: الحرمان من أو إسقاط أو سحب حق، وتوقيف أو مصادرة الأموال، وإغلاق المنشأة، ونشر الحكم الصادر بالإدانة، سواء بتعليقه على الجدران أو في الصحافة المكتوبة أو بأية وسيلة من وسائل الإعلام المرئية والمسموعة، وتطبيق واحدة أو أكثر من هذه العقوبات في الأحوال التي ينص عليها القانون، إلى جانب العقوبة الأصلية111. ولتحديد الأنواع المختلفة للعقوبات التكميلية، ينبغي الرجوع للقسم الخاص من قانون العقوبات؛ إذ أصبح المشرع الفرنسي ينص صراحة على هذه العقوبات في نص كل جريمة على حدة منذ 2005 في فقرة تالية للعقوبات الرئيسة المطبقة على الأشخاص العادية والاعتبارية.
وقد تطور المشرع الفرنسي في هذا الشأن حينما أجاز صراحة للمحاكم إمكانية فرض هذه العقوبات كعقوبات رئيسة، كبدائل محتملة لعقوبات الحبس أو الغرامة112. ويهدف هذا إلى التأكيد على الطبيعة البديلة لهذه العقوبات وتوسيع نطاق تطبيقها بشكل كبير113.
وينبغي أن يؤدي هذا التنوع في إمكانيات إصدار الأحكام المقدمة إلى المحاكم إلى تسهيل استخدام هذه العقوبات البديلة، ولا سيما لصالح استخدام عقوبات أخرى غير الحبس، وينبغي أن يسمح للمحاكم بتخصيص العقوبة بشكل أفضل، من خلال السماح لها بتكييف العقوبة بقدر ما يناسبها بناء على شخصية المحكوم عليه ومن حيث طبيعة الجريمة ذاتها.
وهكذا، على سبيل المثال، تبدو عقوبات الحظر من ممارسة النشاط المهني أو إغلاق المنشأة أو الاستبعاد من الأسواق العامة مناسبة بشكل خاص لأنواع معينة من الجرائم الاقتصادية والمالية. وينبغي لجميع هذه التدابير أن تسمح للمحاكم بتخصيص العقوبات بشكل أفضل من خلال مراعاة شخصية الجاني وطبيعة الجريمة المرتكبة. علما بأن العقوبات البديلة المستحدثة لا تستبعد العقوبات البديلة التقليدية.
الفرع الثالث
العقوبات الاقتصادية والمالية
من العقوبات البديلة الأكثر فاعلية في تحقيق أغراض العقوبة، والبديلة عن تلك السالبة للحرية، نجد العقوبات الاقتصادية والمالية، والتي تحتاج دون شك إلى دعم إداري، والمتمثلة في الغرامات والمصادرة (أولا) والرد للضحية أو تعويضه (ثانيا).
أولا: الغرامات والمصادرة:
من العقوبات البديلة التي تنص عليها التشريعات الجنائية المعاصرة، نجد الغرامة (أ)، والغرامة اليومية (ب) والمصادرة (ج).
أ) الغرامة:
تعد الغرامة من أقدم العقوبات؛ حيث ترجع في جذورها إلى نظام الدية، جامعة بين العقاب والتعويض. ثم تطورت مع مرور الزمن لتصبح عقوبة خالصة. وفي هذا الاتجاه عرف المشرع القطري الغرامة في المادة (63) من قانون العقوبات بأنها إلزام المحكوم عليه بأن يدفع للدولة المبلغ المحكوم به. إذا لم يوف المحكوم عليه مقدار الغرامة، أجاز المشرع القطري من جهة تقسيط الغرامة114، كما أجاز التنفيذ بالحبس، من جهة أخرى، شرط عدم تجاوز مدة ستة أشهر، بواقع يوم واحد حبس عن كل مائة ريال115.
وتعتبر عقوبة الغرامة من العقوبات الأصلية؛ بحيث ينص عليها المشرع وحيدة أو مع الحبس، بصورة وجوبية أو جوازية، وهي من العقوبات التكميلية في الجنايات.
وتنقسم الغرامة من حيث طريقة تحديد مقدارها إلى نوعين: غرامة عادية، وغرامة نسبية؛ فالغرامة العادية يكون مقدارها معلوما مقدما ومحددا بين حدين أدنى وأعلى ينص عليهما المشرع، أو يكتفى بالنص على الحد الأعلى فقط تاركا للقاضي حرية النزول وفق ما إذا كانت الجريمة جنحة أو مخالفة. حيث يتراوح مقدار الغرامة في الجنايات بين مائة ريال ومائة ألف ريال116، في حين تتراوح في الجنح بين مائة ريال وثلاثين ألف ريال، أما في المخالفات فالغرامة لا تبلغ ألف ريال.
الغرامة النسبية؛ هي التي يتحدد مقدارها بالقياس إلى عنصر محدد في الجريمة، كقيمة المال محل الجريمة أو عدد السلع، حجمها، وزنها، مساحة الأرض، أو أيام التأخير. وتعد الغرامة النسبية من قبيل العقوبات التكميلية، كما هو الشأن في جريمة الرشوة م (140) ق ع، م (115) جريمة إذاعة أخبار كاذبة عن الدولة بالخارج؛ كما تعد الغرامة النسبية، بمثابة تعويض مدني، كالغرامات الجمركية117، غرامة المصادرة118.
الغرامة كعقوبة بديلة؛ حيث أجاز المشرع القطري للمحكمة أن تحكم بدلا من الحبس غير المقيد بحد أدنى بالغرامة التي لا تزيد على خمسة آلاف ريال119.
في الواقع، كان مبدأ المساواة يقتضي أن تكون الغرامة "ثابتة" للجميع. وعلى الرغم من مساعدة الغرامة الثابتة في تحديد العقوبة المحكوم بها، إلا أن الدراسات أثبتت أنها تميز بين الفقراء والأغنياء، ففي الوقت الذي يتمكن فيه الأغنياء من دفع الغرامة المفروضة عليهم؛ فإن ذلك قد لا يتسنى للفقراء، لقلة الموارد. لذا، ينبغي على المشرع تجنب النص على غرامة ثابتة فيما عدا الجرائم البسيطة نسبيا؛ مما يفترض فيها توافر دخل يسمح بدفعها. أما بالنسبة للجرائم الأخرى، فيظل النص على حدين أعلى وأدنى، أو على غرامة نسبية، كتلك المترتبة على السرعة الزائدة، ويتناسب ارتفاعها طرديا وارتفاع السرعة. وفي جميع الأحوال ينبني حكم القاضي في الواقع بالنظر لخطورة الجريمة وليس وفقا لموارد الجاني، ما أدى لاستحداث الغرامة اليومية.
ب) الغرامة اليومية (Daily Fine System):
تحقيقا لمبادئ المساواة والعدالة، ينبغي ربط الغرامة المفروضة على المجرم وفقا لموارده وأعبائه المالية.
تأثرا بالتجارب الأجنبية كفنلندا120 والسويد121 والدانمارك وألمانيا والنمسا، تنص التشريعات الجنائية المعاصرة على هذه العقوبة، كالتشريع الفرنسي منذ سنة 1983122، مستثنيا من تطبيقها الأحداث123، وهذا ما أخذت به بعض التشريعات العربية كالمغرب.
تعرف عقوبة الغرامة اليومية بأنها "غرامة لأجل"، فإذا كانت الغرامة التقليدية تقتضي إلزام المحكوم عليه دفع مبلغ الغرامة المحدد من قبل المحكمة – في ضوء النص الذي يعاقب على الجريمة إلى الخزانة العامة، وذلك من تاريخ نفاذ الحكم؛ فإن الغرامة اليومية تعني بالمقابل قيام القاضي بفرض غرامة يومية خلال عدد معين من الأيام، آخذا بعين الاعتبار دخل المحكوم عليه وأعباءه، وجسامة الجريمة المرتكبة، محددا المبلغ الإجمالي للغرامة اليومية والذي يتكون من حاصل ضرب مبلغ كل يوم غرامة في عدد أيام الغرامة المحددة في الحكم، والذي لا يكون مستحقا إلا في نهاية مدة أيام الغرامة124.
لدى الحكم بهذه الغرامة، يحدد القاضي مقدار غرامة كل يوم، تحدد بناء على موارد المحكوم عليه وأعبائه، بحيث لا تتجاوز مقدارا محددا، ويحدد القاضي عدد أيام الغرامة بحيث لا تتجاوز 360 يوما، آخذا بعين الاعتبار ظروف الجريمة125. فإذا حكم مثلا على المتهم بثلاثين يورو غرامة يومية لمدة أربعين يوما، فينبغي على المحكوم عليه في نهاية المدة أن يدفع إلى الخزانة العامة ألف ومائتي يورو.
وتعد الغرامة اليومية عقوبة بديلة عن عقوبة الحبس، وفق ما أكد عليه المشرع الفرنسي في المادة (131-5) من قانون العقوبات، محددا نطاق توقيعها، وضوابط تطبيقها بقوله: "إذا كانت الجنحة معاقبا عليها بالحبس، يجوز للمحكمة أن تقضي بعقوبة الغرامة اليومية، بأن يدفع المحكوم عليه، المبلغ الإجمالي الذي يحدده القاضي للغرامة اليومية بناء على دخل المتهم وأعبائه، ولا يجوز أن يزيد على ألف يورو، كما يتحدد عدد أيام الغرامة بالنظر إلى ظروف الجريمة، ولا يجوز أن يزيد على ثلاثمائة وستين يوما". ويمكن أن تكون الغرامة اليومية عقوبة تكميلية لعقوبة الحبس، كما هو الشأن في الحبس مع وقف التنفيذ، أو الحبس غير الممكن نتيجة خصم مدة الحبس الاحتياطي.
وتحقيقا لمبدأ التناسب، حظر المشرع الفرنسي على القاضي الجمع بين الغرامة اليومية والغرامة العادية في حكم واحد126. وقد يوحي ذلك أن الغرامة اليومية ليست بديلة عن الحبس وحده، بل أيضا لعقوبة الغرامة، بيد أن اشتراط المشرع الفرنسي أن تكون الجنحة معاقبا عليها بالحبس لجواز الحكم بالغرامة اليومية، يفيد أنها ليست عقوبة بديلة في الجنح المعاقب عليها بالغرامة وحدها.
ولبيان الوقت الذي ينبغي فيه تنفيذ هذه العقوبة، أكد المشرع الفرنسي في المادة (131-25) في فقرتها الأولى من قانون العقوبات، على أنه في حالة الحكم بعقوبة الغرامة اليومية؛ فإن المبلغ الإجمالي للغرامة يكون مستحقا في نهاية المدة المتطابقة لعدد أيام الغرامة المحكوم بها. كما أجاز المشرع الفرنسي في المادة (132-28) من القانون ذاته للمحكمة التي أصدرت الحكم أن تقرر تنفيذ عقوبة الغرامة اليومية بالتقسيط؛ إذا دعت لذلك مبررات جدية ذات طابع طبي أو عائلي أو مهني أو اجتماعي.
الغرامة اليومية بديلة عن عقوبة الحبس127؛ فإذا كانت تتشابه مع الغرامة العادية في جواز تقسيطها، في كل من الغرامة العادية128 واليومية129. إلا أن الفارق يكمن بينهما في ميعاد الاستحقاق؛ حيث تستحق القيمة الإجمالية للغرامة اليومية لدى انتهاء مدة أيام الغرامة المحكوم بها130، خلافا للغرامة العادية التي تكون واجبة التنفيذ والمصاريف فور الحكم بها131، ولو مع حصول استئنافها132.
وتجدر الإشارة إلى أن الإخلال بدفع هذه الغرامة كليا أو جزئيا، يمكن أن يؤدي لحبس المدان مدة مساوية لنصف عدد الأيام غير المدفوعة غرامتها، بحيث تتم الإجراءات في سبيل ذلك، تماما كالإكراه الجبري133؛ فالإكراه الجبري134 ينطوي على حبس المدان، في الحالة التي لا يقوم فيها بدفع مقدار الغرامة المفروضة عليه، ولا يستطيع تبرير عدم الدفع بإعساره؛ وتحدد مدة الإكراه البدني وفقا لأهمية المبلغ المطلوب.
بعبارة أخرى، عدم الدفع الكلي أو الجزئي لمبلغ الغرامة اليومية يؤدي إلى حبس المحكوم عليه لمدة تساوي نصف عدد أيام الغرامة التي لم يتم دفعها. وينفذ كالإكراه الجبري، على أن يخضع الحبس في هذه الحالة لنظام عقوبة الحبس135، ويترتب على تنفيذ الحبس إبراء ذمة المحكوم عليه من دينه.
يبدو أن العقوبات المالية كالغرامات تتطلب وجود نظام إداري معقد نسبيا إلى جانب رقابة صارمة، وذلك لضمان استلام الغرامات المحكوم بها ودفعها للدولة. فالرقابة غير الكافية تشكل أرضا خصبة للفساد. كما تتطلب من جهة أخرى اعتماد وسيلة رسمية لتحديد الموارد، بناء على معطيات موثوقة، وإمكان استعمالها من قبل القاضي. وتواجه هذه الأمور صعوبات معتبرة في البلدان النامية ما قد يتطلب بذل مزيد من الجهود والمصاريف.
كما تتطلب الغرامات كعقوبة بديلة، عدم فرض الحبس تلقائيا، لدى تخلف المحكوم عليه عن الدفع، (م367) ق إ ج ق، من الحلول البديلة، "تقسيط" الغرامة، (م370) ق إ ج، كما تنص التشريعات المقارنة على وقف تنفيذها أو إمكان استبدالها بالخدمة المجتمعية دون أجر أو بأجر، ليتسنى للمحكوم عليه دفع الغرامة.
ج) المصادرة:
المصادرة كعقوبة جنائية يقصد بها نزع ملكية شيء ذي صلة بالجريمة جبرا عن مالكه أو حائزه بغير مقابل وتمليكه للدولة، بموجب حكم قضائي136، وقد عرفتها الاتفاقية العربية لمكافحة الفساد بأنها التجريد الدائم من الممتلكات بأمر صادر عن محكمة أو سلطة مختصة أخرى137، وفي الوقت الذي تمتنع فيه التشريعات الحديثة عن المصادرة "العامة" لكافة أملاك المحكوم عليه لإخلالها بمبدأ التناسب، وحظرها دستوريا، فلا يجوز الحكم إلا بالمصادرة الخاصة، لمال محدد، بصورة دائمة أو مؤقتة؛ بحيث تقتصر في هذه الصورة الأخيرة على حق الانتفاع فقط، كما هو الشأن في تجميد المركبة وعدم تحريكها. أما المصادرة الدائمة، فتتمثل في نزع ملكية المال من الشخص نهائيا، وهي الحالة المعبرة عن مفهوم المصادرة.
وقد تكون المصادرة جوازية أو وجوبية، وفق المادة (76) من قانون العقوبات القطري138، فالمصادرة الجوازية هي التي تمنح القاضي حق استخدام سلطته التقديرية في إيقاعها من عدمه، وتقع على الأشياء المتحصلة نتيجة جناية أو جنحة عمدية أو غير عمدية، أو التي استعملت في ارتكابها أو كان من شأنها أن تستعمل فيها أو كانت معدة لذلك، وذلك كله دون إخلال بحقوق الآخرين حسني النية؛ أما المصادرة الوجوبية فهي التي تحتم على القاضي أن يحكم بها لدى توافر شروطها القانونية، وترد عادة على الأشياء التي يعد صنعها أو اقتناؤها أو بيعها أو استعمالها غير مشروع كالمواد المخدرة والنقود المزيفة والأسلحة غير المرخصة والموازين المغشوشة. وتعتبر المصادرة من قبيل العقوبات المالية التكميلية139.
وعلى الرغم مما تقدم، يلاحظ أن المشرع لا يقتصر على النص على المصادرة كعقوبة جنائية حصرا، بل قد ينص عليها كتدبير إداري، مجيزا للسلطات العامة مثلا مصادرة سلاح الجريمة أو ما تحصل عنها، ما يقتضي تفعيل الرقابة القضائية في هذا الشأن للتثبت من مصدرها غير المشروع، والتثبت من التناسب مع الجريمة المرتكبة.
ثانيا: الرد للضحية أو تعويضه:
تندرج أيضا ضمن العقوبات الاقتصادية، وتعد من قبيل الجزاءات البناءة اجتماعيا؛ لما تقدمه من فرص للإدماج. وينبغي في سبيل ذلك تحقيق التوازن وقدرة المجرم واستطاعته المالية. تلبي هذه العقوبة أغراضا مهمة، لاتصالها بالضحايا140.
تتمثل هذه العقوبة في إلزام الجاني بإصلاح الأضرار التي تسبب بها للضحايا وأسرهم، وذلك برد الأموال المسلوبة، وتعويض الأضرار اللاحقة والخسائر المتكبدة والمصاريف، والتي يقع عبء إثباتها على الضحايا.
تنطوي هذه العقوبة على مزايا عديدة، أبرزها تعويض الضحية وما يؤدي إليه ذلك من إنهاء الاضطراب في المجتمع جراء الجريمة. وتسطر هذه العقوبة تطورا ملموسا في التشريعات، فبعد أن كانت تأخذ بثنائية الخطأين الجنائي والمدني، المترتب عليهما دعويان، دعوى الحق العام للمعاقبة على الخطأ الجنائي أمام القاضي الجنائي، والدعوى المدنية عن الخطأ المدني؛ إما أمام القاضي المدني، أو بالتبعية أمام القاضي الجنائي لدى شكوى المضرور وادعائه مدنيا أمام القاضي الجنائي. وبذلك؛ فإن اعتماد الرد والتعويض كعقوبة بديلة من شأنه تعويض الضحايا دون حاجة لرفعهم دعوى مدنية.
ويبدو أن تفعيل هذه العقوبة البديلة يحتاج إلى رقابة قضائية في متابعة التعويض من جهة رسمية معتمدة في الدولة، كما هو الشأن في التشريعات الغربية التي تنشئ "صندوقا مستقلا لتعويض الضحايا". ولكن يخشى عدم تفعيله جديا في بعض البلدان النامية، بالنظر لاقتصار مساهمة الفقراء على مبالغ لا تذكر، إلى جانب المصاريف غير الواقعية141.
وبالنظر لمزايا هذه العقوبة تتوسع التشريعات في اعتمادها كتدبير لحل للقضية، ليس فقط في مرحلة تحديد العقوبة والحكم بها، بل أيضا في المراحل السابقة أو اللاحقة لها، كما سنرى.
من الجدير بالذكر أن القاضي غير ملزم بالحكم بعقوبة واحدة من تلك العقوبات غير الماسة بالحرية؛ حيث تمتد سلطته التقديرية للجمع بين كافة هذه التدابير وتلك الماسة بالحرية؛ فإذا أراد أن يضرب بيد من حديد، يمكنه الجمع بين العقوبات الرئيسة والإضافية كالتكميلية والتبعية، مع أهمية عدم المبالغة في ذلك تحقيقا لمبدأ التناسب، دون إفراط ولا تفريط.
إن جميع الجزاءات البديلة بالمعنى الدقيق تندرج تحت مظلة الجزاءات الجنائية، خلافا للتدابير البديلة السابقة واللاحقة للحكم بالعقوبات السالبة للحرية قصيرة المدى أو البديلة، التي وإن كانت لا تندرج ضمن مفهوم الجزاءات الجنائية، إلا أنها وجدت لتحقيق الغاية ذاتها المرجوة من الجزاءات البديلة، ألا وهو تجنب الحبس قصير المدى، وإدماج المحكوم عليه في المجتمع.
المبحث الثاني
بدائل العقوبات السالبة للحرية قصيرة المدى في المراحل السابقة واللاحقة للحكم
إن حرص المشرع الجنائي على تجنب عقوبة الحبس قصيرة المدى لا يقتصر على النص على عقوبات بديلة بالمعنى الدقيق كخدمة المجتمع والرقابة الإلكترونية والغرامة اليومية ووقف التنفيذ الإيجابي وفق ما تم بيانه أعلاه. بل يشمل أيضا إحاطة كافة المنظومة العقابية بتدابير سابقة أو لاحقة للحبس قصير المدى. فالمزايا العديدة للعقوبات البديلة، وتحقيقها لأغراض العقوبة في الإدماج ومنع التكرار بفاعلية أكبر من العقوبات السالبة للحرية قصيرة المدى، ما دعا التشريعات المعاصرة للتوسع من نطاقها لتشمل أيضا المراحل السابقة للحكم (مطلب أول)، واللاحقة له (مطلب ثان).
المطلب الأول
بدائل العقوبات السالبة للحرية قصيرة المدى في المراحل السابقة للحكم
تتمثل بدائل العقوبات السالبة للحرية قصيرة المدى في المراحل السابقة للحكم في تطبيقات بدائل الحبس الاحتياطي واعتباراته، ما يقتضي معالجة بدائل الحبس الاحتياطي (فرع أول)، واعتباراته (فرع ثان)، وتطبيقاته العملية (فرع ثالث).
الفرع الأول
بدائل الحبس الاحتياطي
لدى تحريك الدعوى الجنائية، يجيز المشرع للسلطات العامة، كقاضي التحقيق142 أو النيابة العامة في مرحلة التحقيق الابتدائي، أو للقاضي في مرحلة المحاكمة، اتخاذ قرار بحبس المتهم احتياطيا. وحيث إن المتهم قبل الحكم عليه ما زالت براءته مفترضة؛ فإن قرار حبسه ينطوي على اعتداء جسيم على حقه في الحرية. لذا لا يجيز المشرع اللجوء للحبس الاحتياطي إلا لمبررات وجيهة، كالخشية من هرب الجاني، أو ارتكابه جريمة، أو عرقلته سير العدالة بالتأثير على الشهود أو طمس الأدلة وما إلى ذلك، وهذا ما أكد عليه المشرع القطري في المادة (110) من قانون الإجراءات الجنائية.
وبناء على ما تقدم، ينبغي على السلطات الرسمية عدم اللجوء للحبس الاحتياطي إلا كملاذ أخير، وضمن الحد الأدنى الممكن لتحقيق تلك المبررات. فكلما كان التأخير غير مبرر كان الاعتداء على الحرية أكبر. ومن هنا تحرص التشريعات على تأكيد حق المحبوس احتياطيا باستئناف قرار حبسه احتياطيا لدى سلطة قضائية مستقلة مطالبا بالإفراج المؤقت143. فضلا عن أهمية المراجعة الدورية للقرار، وفق رقابة قضائية، تسمح لها باتخاذ تدابير "مقيدة للحرية" تحت الرقابة القضائية144. ومن ذلك الأمر بواحد أو أكثر من التدابير التالية: كأمر الحضور أمام المحكمة، أو الامتناع عن تعطيل مجرى العدالة، كالأمر بـ (القيام بعمل؛ حظر ارتياد المتهم أماكن محددة كمغادرة أماكن أو الذهاب إليها؛ الاقتراب من أو مقابلة أشخاص معينين؛ إلزام المتهم بعدم مبارحة مسكنه أو موطنه كالبقاء في عنوان محدد؛ إلزام المتهم بأن يقدم نفسه للسلطات الرسمية في أوقات محددة كالحضور يوميا في فترات معينة أمام المحكمة أو الشرطة أو أية سلطة أخرى؛ تسليم جواز السفر أو أية وثيقة أخرى؛ قبول الرقابة من أية جهة محددة من قبل المحكمة؛ الخضوع للمراقبة الإلكترونية؛ دفع كفالة أو رهن أموال أخرى كضمان للظهور أمام المحكمة أو أثناء الإجراء145؛ الرد. فإذا خالف المتهم الالتزامات جاز حبسه احتياطيا146. على الرغم من جواز الجمع بين التدابير، إلا أنه ينبغي تحقيق التناسب في هذا الشأن، ومراعاة اعتبارات مهمة.
الفرع الثاني
الاعتبارات المتعلقة ببدائل الحبس الاحتياطي
في حضور المتهم أمام المحكمة، ينبغي عدم المبالغة في استعمال هذا التدبير "المقيد" للحرية؛ إذ ينبغي من جهة أن يكون حضوره مفيدا للسير في القضية نحو الحكم، كما ينبغي من جهة أخرى، أن يكون وصوله للمحكمة متاحا، في أوقات معقولة، ما يتطلب وجود إدارة مختصة تعنى بتسجيل حضور موثوق.
في الكفالة المالية، يخشى أن يؤدي هذا التدبير للتمييز بين الفقراء والأغنياء، ليؤدي للإفراج المؤقت عن الأغنياء، وبقاء الفقراء في الحبس الاحتياطي لقلة الموارد، ما يشكل تناقضا مع الحكم أو القرار، وفق المادة (120) من قانون الإجراءات الجنائية القطري. وفي بعض البلدان النامية، قد يواجه إشكالية التحديد غير الواقعي للموارد. أما في حظر العمل؛ فإنه يخشى أن يؤدي إلى تفاقم ظاهرة البطالة، وعواقبها على الفرد وأسرته والمجتمع.
في تسليم الوثائق، على الرغم من كونها وسيلة فعالة في منع هرب الجاني؛ إلا أنها قد تؤدي لنتائج غير متوقعه، كاحتياج الوثيقة في العديد من المعاملات الإدارية، كفتح حساب بنكي، أو تسجيل جامعي، أو للعمل. ومن هنا قد تسمح بعض التشريعات بتسليم الوثائق للمحامي، ليأذن باستعمالها عند اللزوم. كما أن هذا التدبير يتطلب توافر إدارة حريصة للمحافظة على الوثائق بالحفظ والصون، وإعادتها.
في الرقابة القضائية المباشرة، قد يشعر بها البعض بأنها رقابة تطفلية، لما تنطوي عليه من اعتداء على الحياة الخاصة، إلى جانب ما تتطلبه من تكاليف مالية لإنشاء كيان رقابة. وكذلك الحال في الرقابة الإلكترونية، للتثبت من امتثال المتهم بالإقامة؛ فقد يشعر بها البعض بأنها تطفلية أيضا، وتتطلب مهارات لاستخدام وسائل تكنولوجية، وما تتطلبه من استثمارات وتكاليف مالية، وما يترتب على استعمالها من إشكالات قانونية، محل جدل، قد تخدم إلغاء الإفراج و"سلب" الحرية.
وتجدر الإشارة في هذا المقام، إلى أنه على الرغم من مزايا التدابير البديلة للحبس الاحتياطي، "المقيدة" للحرية بدلا من "السالبة"؛ إلا أن نقص الوعي بشأنها في بعض البلدان النامية، قد يوحي للعامة بأن الجاني "هرب من قبضة العدالة"، وقد يؤدي ذلك لنتائج عكسية، للانتقام والأخذ بالثأر، والفوضى، ومن هنا تأتي أهمية التوعية العامة تحقيقا لأمن وسلامة المجتمع.
الفرع الثالث
تطبيقات بدائل الحبس الاحتياطي
إن تطوير تقنيات الوساطة، خاصة في مجال الجرائم البسيطة في المناطق الحضرية أو مخالفات المرور، يهدف بشكل أساسي إلى تجنب اللجوء إلى المحاكمة الجنائية التقليدية للسماح للنظام القضائي بتكريس نفسه بشكل أفضل لمعالجة جرائم أشد جسامة. وقد تطورت هذه الأساليب في فرنسا على الأساس القانوني الوحيد المتمثل في سلطة تقدير مدى ملاءمة الملاحقات القضائية التي يملكها المدعي العام وعلى السلطة المترتبة عليها في قرار ألا وجه لإقامة الدعوى.
وقد استخدمت مكاتب المدعين بالفعل تقنيات الإنذار البسيط أو حتى رفض الإجراءات لفترة طويلة بشرط الحصول على تعويض مسبق للضحية في نزاعات مثل جرائم الشيكات، أو بعض حالات الإتلاف الطفيف. إنه توسيع لهذه الممارسة لتشمل العديد من المجالات الأخرى، وقبل كل شيء، تبسيط للإجراءات التي نشهدها تحت مصطلح الوساطة.
يهدف استخدام الوساطة في كثير من الأحيان إلى تعزيز الإصلاح الفوري للضرر الذي لحق بالضحية وتعويضه. ومن المؤكد أن هذه ليست سوى وسائل للتعويض المدني؛ مما يضع حدا للجانب المدني للنزاع، ولكن الدولة تتدخل فيه عن طريق المدعي العام من خلال التهديد بالملاحقة القضائية147.
يجب على المجتمع في كثير من الأحيان أن يظهر اهتماما أكبر برؤية مثل هذه النزاعات البسيطة، دون هجمات جوهرية على النظام العام، ولكن مع تداعيات اجتماعية كبيرة في بعض الأحيان، يتم حلها ببساطة وبسرعة بما يرضي الضحية، بدلا من التحرك نحو إجراء أكثر تقليدية ومرهق ومعقد، بل وحتى غير مؤكد. واستلهاما من بعض الأقوال القديمة، يمكننا القول بأن الجبر الجيد خير من العقوبة السيئة.
ومن بين الأمثلة المميزة للوساطة، تجدر الإشارة إلى التجارب التي أجرتها العديد من المحاكم في منطقة باريس فيما يتعلق بإتلاف وسائل النقل العام، أو الكتابة على الجدران في قطارات المترو. ويعرض على مرتكبي هذه الأضرار؛ سواء كانوا قاصرين أم بالغين، قبل أي محاكمة، المشاركة في أعمال إصلاح معدات النقل. إذا كانت هذه التجربة مستوحاة بشكل مباشر من العمل ذي المصلحة العامة؛ فإن الإطار القانوني يختلف بشكل كبير. من ناحية، نحن موجودون قبل أي ملاحقة، ومن ناحية أخرى يتم تنفيذ العمل مباشرة داخل وسائل النقل العام التي هي ضحية هذا الضرر. وقد تم إجراء تجارب أخرى من نفس النوع فيما يتعلق بالإعلانات الوحشية أو المنشورات المخالفة للأنظمة البيئية، مع تشجيع المسؤولين عن هذه المخالفات بشكل مباشر على إعادة تأهيل المواقع.
وفي أغلب الأحيان، تكون تقنيات الوساطة هذه جزءا من برامج أوسع لتحديث النظام القضائي. وهكذا فهي إحدى الأدوات الرئيسة للتدخل القضائي في الأحياء الحضرية الأكثر حرمانا من خلال إجراءات تهدف إلى عدم تركيز هذا التدخل داخل هذه الأحياء نفسها، على سبيل المثال داخل مراكز العدالة التي تم إنشاؤها مؤخرا في أحياء معينة.
إن بدائل الملاحقة القضائية هذه لا تشكل بأي حال من الأحوال عقوبات، بالمعنى القانوني للمصطلح. أولويتهم هي وضع حد للإخلال بالنظام العام وضمان التعويض عن الضرر. ويعتزم مكتب المدعي العام، بشكل عملي، تفضيل تحقيق هذه الأهداف الملموسة على الإجراءات الجنائية الافتراضية، التي تكون بعيدة أو حتى غير مؤكدة والتي تكون فعاليتها موضع شك في بعض الأحيان.
من الناحية النظرية، لا يمكن لمثل هذه التدخلات أن تلزم المدعي العام الذي يمكنه أن يقرر مباشرة الإجراءات بمبادرة منه. ومع ذلك، لا بد من الاعتراف بأن هذه التدابير الوقائية، من حيث روحها، وفي الغرض المنشود، وفي بعض الأحيان حتى في الالتزام المفروض على المتهم، لا يمكن تمييزها عن بعض العقوبات البديلة. وبمجرد اعتماد مبدأ الملاحقة القضائية، وحتى قبل تطبيق أي عقوبة، يظل من الممكن البحث عن تدابير بديلة. دون حاجة للتأكيد على الطبيعة التهذيبية البحتة لبعض الضوابط والرقابة القضائية التي قد يتم فرضها في سياق إجراءات الاستدلال148.
المطلب الثاني
بدائل العقوبات السالبة للحرية قصيرة المدى في المراحل اللاحقة للحكم
يرتبط التنفيذ العقابي أساسا بنوع المعاملة العقابية. وفي ظل السياسة الجنائية المعاصرة، وكانعكاس لتغير النظرة للمجرم والعقوبة، حظيت المعاملة العقابية للسجناء بتطورات كبيرة، لتتسم بطابع "إنساني" متنوع إلى حد كبير، في مختلف صورها وأساليبها149.
وقد بينا فيما تقدم سلطة قاضي الحكم لدى تحديده العقوبة المنطوق بها في الحكم، في تحديد المؤسسة العقابية للتنفيذ، بشأن طائفة معينة من المحكوم عليهم، كالمدمنين والمرضى نفسيا والعائدين. وفي غير ذلك، يسلم المحكوم عليهم بعد صدور الحكم الجنائي للمؤسسات العقابية المعنية؛ ليتم توزيعهم على المؤسسات العقابية وداخلها، وفق عملية يطلق عليها "بالتصنيف"150، على ضوء ما تسفر عنه دراسة حالة المحكوم عليه خلال فترة الملاحظة، ومعرفة شخصية المحكوم عليه، من خلال ما يتوافر عنه من معلومات وتقارير والفحوصات الخاصة بالمحكوم عليه، وكافة الملاحظات القضائية والعقابية151، والمقابلات الشخصية.
فتحديد أساليب التنفيذ ينبغي أن تتم "بمعرفة قضاء التنفيذ في الحكم ذاته أو تحت رقابته، وماهية أساليب التنفيذ التي يتولى القاضي اختيار واحد منها، كما يجب أن يتم تبليغ كل التقارير السابقة على الحكم، والمتعلقة بشخص المتهم، إلى سلطة التنفيذ المكلفة بالملاحظة والمعاملة، كي تكون تحت تصرف قضاء التنفيذ في تحديده لأساليب التنفيذ، إذا كان ذلك داخلا في اختصاصه، أو ليتمكن من إجراء الرقابة على ذلك"152.
وعليه، أصبحت عملية تصنيف المجرمين في التشريعات الحديثة تتطلب اعتبارها عملا قضائيا بعد أن كانت عملا إداريا محضا، بالنظر للسلطة التقديرية الواسعة في تفريد تنفيذ الجزاء الجنائي، والنظرة الحديثة لامتداد وظيفة القضاء الجنائي إلى مرحلة التنفيذ، ضمانا لحقوق المحكوم عليهم ومنعا للتعسف153، ما يؤثر في المراكز القانونية للمحكوم عليهم154.
وبالتالي؛ ينبغي في الأنظمة العقابية الحديثة ألا تقف المعاملة العقابية عند نمط واحد، بعزل المحكوم عليه عن المجتمع في مؤسسة مغلقة، بل لا بد من تطبيق النظام التدريجي، لإدماجه في المجتمع، ما يحقق استمرارية التنفيذ155، بهدف تجنب الانتقال المفاجئ للمحكوم عليه من الوسط المغلق إلى الوسط الحر، بإعادة اتصاله تدريجيا بالمجتمع وتنمية قدراته.
من بين أنظمة التفريد العقابي في مرحلة التنفيذ، نجد أن من أبرز التدابير البديلة للعقوبات السالبة للحرية قصيرة المدى في المراحل اللاحقة للحكم الإفراج المبكر في مختلف صوره (فرع أول)، والإعفاء من العقوبة أو تخفيضها (فرع ثان).
الفرع الأول
صور الإفراج المبكر
يعرف الإفراج المبكر بأنه وقف تنفيذ العقوبة أثناء تنفيذها. وينطوي على تخفيف نظام الحبس بإتاحة وصول محدد للمجتمع الحر. وتختلف التشريعات الجنائية في مدى نصها على الإفراج المبكر، إذ تقتصر بعض التشريعات على صورة الإفراج المبكر دون شرط كالمشرع القطري156، في حين تتوسع التشريعات المعاصرة في صوره لتضيف الإفراج المبكر تحت شرط.
يعد الإفراج المبكر تحت شرط بديلا حقيقيا للانتقال تدريجيا من "سلب" الحرية مرورا "بتقييدها"157. وقد يفسر عدم أخذ بعض البلدان النامية بنظام الإفراج الشرطي لقلة الموارد وخطر التعسف من قبل الإدارة العقابية، بالنظر لأهمية تدخل السلطة القضائية في هذا الشأن؛ لما في الإفراج عن المحكوم عليه قبل انتهاء المدة المقررة في الحكم بقوة الحكم الصادر من السلطة القضائية. وبالتالي؛ إذا تم الإفراج بمعرفة الإدارة، فيعد ذلك خروجا عن اختصاصها، بما يتعارض مع مبدأ الفصل بين السلطات، وافتئاتا على اختصاص القضاء، ما يستوجب تدخل السلطة القضائية لتقرر في مدى ملاءمة الإفراج عن المحكوم عليه قبل انتهاء المدة المحددة في الحكم.
أما التشريعات المعاصرة فقد أبحرت بالتدابير التدريجية بتبنيها عدة تدابير بديلة، كلها تسير باتجاه الغرض المرجو منها، وتنطوي على تعديل طرق تنفيذ العقوبة، بـ "تقييد" الحرية بدلا من "سلبها"، كما هو الشأن في أنظمة شبه الحرية (أولا)، وتكسير العقوبة (ثانيا)، والوسط المفتوح (ثالثا).
أولا: نظام شبه الحرية:
تتنوع الصور الفرعية لنظام شبه الحرية، ومن ذلك تصاريح الخروج والوضع في مركز إعادة تأهيل (أ)، والإفراج للعمل أو الدراسة والوضع في مركز إعادة تأهيل (ب) والإفراج تحت شرط (ج).
أ) نظام تصاريح الخروج:
بالنظر لمساوئ لنظام "سلب" الحرية التام، وتأثيره السلبي في المساهمة بفقد الروابط الاجتماعية، وانعكاس آثاره السيئة على محاولة إصلاح المحكوم عليه، تسمح التشريعات العقابية المعاصرة لقاضي تطبيق العقوبات، كما في فرنسا مثلا158، بمكافأة المحكوم عليهم، بمنحهم تصاريح للاستفادة من نظام شبه الحرية، وذلك بالتغيب عن المؤسسة العقابية فترة معينة من الزمن، تحتسب من مدة العقوبة، أملا في المحافظة على الروابط الاجتماعية وصلة المحكوم عليهم بالمجتمع الخارجي، مع مراعاة خضوع المحكوم عليه خلال مدة التصريح لنظام الحرية المراقبة قضائيا159.
تمنح هذه التصاريح لدواعي أسرية مهنية طبية، كظرف عائلي. وحالات منح التصاريح هذه على الرغم من تحديدها على سبيل الحصر، إلا أنها من الاتساع بمكان ما يسمح للقاضي بمواجهة كافة الاحتمالات بفاعلية، وإمكان رفض تصريح الخروج في غير الحالات المنصوص عليها.
من التشريعات العربية التي نصت على هذا النظام، التشريع الجزائري، الذي خول قاضي تنفيذ العقوبات، سلطة اتخاذ قرار منح إجازة الخروج من المؤسسة العقابية للمحبوس بعقوبة سالبة للحرية لا تتجاوز ثلاث سنوات، وذلك بعد استشارة لجنة تطبيق العقوبات160. وتقتصر معظم التشريعات العربية في النص عليه بشأن الأحداث كالأعياد.
ب) الإفراج للعمل أو الدراسة في الخارج والوضع في مركز إعادة تأهيل/ النقل للخارج بغرض العمل:
نظرا لأهمية نظام شبه الحرية في تأهيل كثير من المحكوم عليهم؛ فقد وسع المشرع الفرنسي من نطاق تطبيقه، إذ لم يقتصر في تقريره هذا النظام بواسطة قاضي الحكم فحسب، بل مد نطاقه لقاضي تطبيق العقوبات كما سنرى.
ويقصد به ممارسة القاضي سلطته التقديرية في الإذن للمحكوم عليه بالخروج من الحبس لساعات يحددها لغايات العمل، أو العلاج، أو التدريب، أو المشاركة في الحياة الأسرية، مع احتساب هذه المهلة ضمن مدة حبسه. وذلك بناء على الثقة في المحكوم عليه وتطور شخصيته161.
مركز المراودة النهارية في بريطانيا/ استغلال إيجابي لوقت الفراغ؛ بحيث يلزم بالدوام لدى بعض المراكز المهنية أو الفنية أو الرياضية، وحضور محاضرات لاندماجه في المجتمع، وذلك في ساعات محددة لمدة معينة لا تتجاوز السنة162. وعليه، يقوم على إلحاق المحكوم عليه بعقوبة قصيرة بعمل أو دراسة خارج المؤسسة العقابية.
وقد أخذ المشرع الفرنسي بهذا النظام، والذي يجيز للقاضي تطبيق العقوبات، متى ما كانت العقوبة المتبقية للحبس مدة سنة أو أقل، أن يقرر تنفيذ المدة المتبقية من الحبس المحكوم به وفقا لنظام شبه الحرية، متى ما كان للمحكوم عليه ما يبرر ذلك؛ إما لممارسة نشاط مهني معين، أو لتلقي العلم أو تدريب مهني أو الاستمرار في تدريب أو عمل مؤقت، بقصد اندماجه في المجتمع أو لمشاركته الضرورية في حياته الأسرية أو لخضوعه لعلاج طبيعي؛ بحيث يلتزم المحكوم عليه المستفيد من هذا النظام بالعودة إلى المؤسسة العقابية، وفقا للقواعد التي يحددها قاضي تطبيق العقوبة، مع مراعاة الأوقات الضرورية لممارسة النشاط أو تلقي العلم أو التدريب المهني أو المشاركة في حياة العائلة أو العلاج، والذي تقرر من أجله نظام شبه الحرية، كما يلتزم بالبقاء بالمؤسسة العقابية خلال الأيام التي تتوقف فيها التزاماته الخارجية لأي سبب163. ومن التشريعات العربية التي أخذت بهذا النظام التشريع الجزائري، تحت مسمى (الحرية النصفية) 164، مشروط باحترام التزامات، كما تنص تشريعات الأحداث على تدبير الإلحاق بالتدريب المهني؛ بحيث إذا أخل المحكوم عليه، يتم إلغاء أو وقف النظام والعودة إلى المؤسسة العقابية.
ج) الإفراج تحت شرط:
يقصد بالإفراج تحت شرط، إطلاق سراح المحكوم عليه بعقوبة سالبة للحرية قبل انتهاء المدة المحكوم بها، واستبدال ما تبقى منها بتقييد حريته ببعض الالتزامات التي يترتب على تنفيذها تحوله إلى إفراج نهائي، وعلى الإخلال بها عودة المستفيد منه إلى السجن لتنفيذ ما تبقى له من مدة العقوبة. يتضح من خلال هذا التعريف أن الإفراج الشرطي يمثل مرحلة من مراحل تنفيذ العقوبة وليس إنهاء لها. فهو نظام يسمح بإطلاق سراح المحكوم عليه قبل انقضاء المدة المحكوم بها.
نظرا لأن قرار الإفراج الشرطي يمس أحكام محكمة ذات درجة عليا، فلا بد من صدوره من قاض مختص في محكمة من الدرجة ذاتها. وفي فرنسا، للقاضي سلطة منح أو إلغاء الإفراج الشرطي في حدود معينة، بعد استطلاع رأي لجنة تطبيق العقوبات165، كهيئة مستقلة، لمراقبة التدابير السالبة للحرية والبديلة، وضمان التطبيق السليم لمبدأ تفريد العقوبة. ينفذ الإفراج الشرطي خارج المؤسسة العقابية المغلقة، كمكافأة لحسن سلوك المحكوم عليه. وله عدة صور: بسيط، تحت شرط، المقترن بالخدمة المجتمعية:
1. الإفراج تحت شرط البسيط:
كالحبس بالموطن، نص المشرع القطري على الإفراج تحت شرط بصورته البسيطة، في المواد (360-361) من قانون الإجراءات الجنائية، والمادة (71) من قانون تنظيم المؤسسات العقابية والإصلاحية166، والمادة (28) من اللائحة التنفيذية لقانون تنظيم المؤسسات العقابية والإصلاحية.
ويتعلق الإفراج الشرطي بأسلوب من أساليب تنفيذ عقوبة الحبس قصير المدى وتحويلها من عقوبة سالبة للحرية إلى عقوبة مقيدة لها، وذلك بإطلاق سراح المحكوم عليه قبل انقضاء المدة المحكوم بها، لدى ثبوت حسن السيرة والسلوك لديه.
من الناحية العملية، تقدير هذا الإجراء يعود للنائب العام بناء على طلب وزير الداخلية أو من ينيبه، وذلك لدى توفر شروط الإفراج الشرطي المنصوص عليها قانونا. بمعنى أن الإفراج الشرطي لا يعد حقا للمحكوم عليه، بل هو سلطة تقديرية جوازية؛ بحيث يصدر بأمر من النائب العام بناء على طلب وزير الداخلية أو من ينيبه167، دون أن يشرك المحكوم عليه في هذا الطلب.
يتعلق الإفراج الشرطي بالعقوبات السالبة للحرية، مؤقتة كانت أو مؤبدة، فلا يقتصر الأمر على عقوبة الحبس قصير المدى، بل يتعلق بقضاء المحكوم عليه (3/4) ثلاثة أرباع مدة العقوبة المحكوم بها (حبس مؤقت)، على أن تقل عن تسعة أشهر، أو قضاء (20) سنة على الأقل (الحبس المؤبد) 168.
يشترط للإفراج الشرطي بالإضافة لقضاء مدة الحبس أعلاه، أن يتبين أن سلوك المحكوم عليه أثناء وجوده في المؤسسة العقابية يدعو إلى الثقة في تقويم نفسه - على ألا يكون في الإفراج عنه خطر على الأمن العام –169، وفقا لما يكشف عنه سلوكه داخل المؤسسة العقابية170، لا سيما لدى أدائه الالتزامات المالية المحكوم بها عليه أو ثبوت استحالة وفائه بها171. مدة الإفراج الشرطي هي المدة المتبقية للعقوبة المحكوم بها، أي (1/4) الحبس المؤقت، أو (5) سنوات للحبس المؤبد172.
الالتزامات الواجبة على المحكوم خلال الإفراج الشرطي حددها المشرع القطري بقائمة مكونة من سبعة بنود173، بما يلي:
بالتزام المحكوم عليه بهذه الالتزامات – المقيدة للحرية – حتى التاريخ الذي كان مقررا لانتهاء مدة العقوبة المحكوم بها في (الحبس المؤقت)، أو بمضي خمس سنوات من تاريخ الإفراج في (الحبس المؤبد) يتحول الإفراج الشرطي من مؤقت إلى نهائي174.
أما مخالفة المحكوم عليه الشروط والواجبات المشار إليها أعلاه، أو لدى ارتكابه جناية أو جنحة عمدية معاقبا عليها بالحبس قانونا، جاز إلغاء الإفراج الشرطي وإعادة المفرج عنه إلى المؤسسة العقابية، ليستوفي المدة الباقية من عقوبته من يوم الإفراج عنه175. مقتربا بذلك من الإفراج المقترن بالاختبار.
2. الإفراج المقترن بالاختبار (بشرط إيجابي):
تذهب بعض التشريعات الجنائية المعاصرة إلى الإفراج عن المحكوم عليه تحت شرط، بوضع المفرج عنه تحت نوع من الإشراف والرقابة والرعاية، ما يسبغ على النظام قيمة تربوية وتهذيبية. تستهدف المساعدة، من جهة، إمداد المحكوم عليه بالإمكانيات المادية والمعنوية، المعينة لانتهاجه الطريق السوي القانوني، والنأي به عن الانحراف، ومراعاة الشروط المفروضة عليه.
أما المراقبة القضائية فتستهدف من جهة أخرى إشراف السلطة القضائية على سلوك المفرج عنه ومدى تقيده بالالتزامات المفروضة عليه، وتعديل تلك المعاملة تبعا لذلك، وصولا إلى إلغائها لدى ثبوت عدم جدارته بالإفراج. بمعنى أن إلغاء الإفراج، لا يعد الجزاء الوحيد للمخالفة، بل يمكن أن تسبقه جزاءات أخرى يمكن اللجوء إليها176.
الرقابة في معظم التشريعات العربية ذات طابع إداري، ويفضل تخويل سلطة المراقبة هذه للسلطة القضائية، كما هو الشأن في التشريع الفرنسي والجزائري؛ حيث يصدر قرار الإفراج الشرطي من قاضي تطبيق العقوبات، متى ما كانت مدة العقوبة المتبقية لا تتجاوز ثلاث سنوات، في حين أنها إذا تجاوزت تلك المدة فيصدر القرار حينئذ من وزير العدل بناء على تنسيب قاضي تطبيق العقوبات، بعد أخذ رأي لجنة المؤسسة العقابية الموضوع فيها السجين.
يعد التشريع الفرنسي من التشريعات المعاصرة التي وضعت تنظيما للرقابة القضائية، لقضاء التنفيذ خارج المؤسسات العقابية، للرقابة على المفرج عنهم تحت شرط، وذلك بتخويل لجنة المفرج عنهم سلطة الإشراف عليهم منذ تقرير الإفراج الشرطي؛ بحيث يتلقى قاضي تطبيق العقوبات تقارير دورية بشأن سلوك المفرج عنه تحت شرط. والتنسيب لتعديل تلك الالتزامات لقاضي تطبيق العقوبات أو وزير العدل، وفق الأحوال، وذلك بعد استشارة لجنة المفرج عنهم.
لدى عدم استجابة المفرج عنه تحت شرط لاستدعاء قاضي تطبيق العقوبات، كمخالفة الالتزامات بشأن الإقامة في مكان محدد، أو مخالفة الشروط والالتزامات الخاصة؛ فيمكن عندئذ إعادته للمؤسسة العقابية، لتنفيذ عقوبته المتبقية كليا أو جزئيا، وفقا لدرجة الإخلال بالالتزامات.
بناء على ما تقدم، يتبين بأن الإفراج الشرطي لا يعتبر إنهاء للعقوبة، بل مغير لطبيعتها ومضمونها، بتحويلها من عقوبة "سالبة" للحرية تنفذ داخل المؤسسات المغلقة، إلى عقوبة "مقيدة" لها، تنفذ خارج تلك المؤسسات.
أما إلغاء الإفراج الشرطي؛ فيترتب عليه تغيير في طبيعة العقوبة من "مقيدة" للحرية، تنفذ خارج المؤسسات العقابية، إلى "سالبة" للحرية تنفذ داخلها، ما يعدل من المركز القانوني المكتسب الخاص بالمحكوم عليه، مجيزا له حق الطعن قضائيا في مثل هذا القرار، سواء من قبل المحكوم عليه أو من قبل النائب العام.
3. الإفراج المقترن بالخدمة المجتمعية أو المراقبة الإلكترونية177:
هذه الصورة من الإفراج لا تختلف عما سبق، وتندرج ضمن صورة الاختبار الذي يأخذ إما صورة الخدمة المجتمعية كما تم بيانه، أو المراقبة الإلكترونية، ومنعا للتكرار نحبذ الاكتفاء بما ذكر.
ثانيا: نظام (تكسير العقوبة) أو تجزئة التنفيذ:
ويعبر عنها بصورة الحبس نهاية الأسبوع. ويتمثل نظام تكسير العقوبة أو تجزئة التنفيذ، بتقسيم تنفيذ العقوبة، أو ما تبقى منها، على دفعات، كأن تنفذ مثلا أيام العطلات الأسبوعية والإجازات السنوية؛ بحيث تفرض على الخاضع لهذا النظام "قيود" والتزامات. وفي حال عدم الامتثال لها، وعدم احترامها، يمكن عندئذ أن يكون المحكوم عليه محل عقوبات، بما في ذلك إمكان التنفيذ الفوري والكامل لمدة العقوبة "السالبة" للحرية المحكوم بها178.
من التشريعات العقابية المعاصرة التي أخذت بهذا النظام، التشريع الفرنسي، والذي أخذ بنظام تجزئة العقوبة السالبة للحرية في مواد الجنح، متى ما كانت المدة، المحكوم بها أو المتبقية، لا تزيد على سنة واحدة، لتطبيقها على فترات متقطعة لا تقل كل منها عن يومين، وذلك في مدة أقصاها ثلاث سنوات. لدى توافر دواعي جسيمة، ذات طابع طبي أو عائلي أو مهني أو اجتماعي.
يصدر قرار تكسير العقوبة، في فرنسا، بمعرفة قاضي تطبيق العقوبات، والذي يوجد المحكوم عليه في دائرة اختصاصه، بعد استشارة محامي المتهم والنيابة العامة. أما إن كان تنفيذ العقوبة ينبغي أن ينقطع لأكثر من ثلاثة أشهر، فيصدر قرار تكسير العقوبة عندئذ بمعرفة محكمة الجنح أو محكمة البوليس في غرفة المشورة، بناء على تنسيب قاضي تطبيق العقوبات179. الحبس المتقطع، يطبق على من يعانون ظروفا عائلية أو مشاكل صحية، مع إفراج تحت شرط فاشل، وعادة ما يكون بناء على طلب المحكوم عليه.
نص المشرع الفرنسي على هذا النظام في الجنح، مجيزا للمحكمة لأسباب طبية، أو عائلية، أو مهنية، أو اجتماعية، أن تقرر تنفيذ الحبس الصادر لمدة سنتين، أو إذا كان الشخص في حالة عود جنائي تساوي أو أقل من سنة على الأكثر، خلال فترة لا تتعدى أربع سنوات، على أجزاء لا تقل كل منها عن يومين". كما أخذت بلجيكا أيضا بالحبس نهاية الأسبوع؛ بحيث يقتصر على حبس المحكوم عليه داخل المؤسسة العقابية في عطلة نهاية الأسبوع إضافة لأيام العطل والإجازات.
ثالثا: نظام الوسط المفتوح:
على غرار مرحلة تحديد العقوبة، لدى صدور الحكم بوضع المحكوم عليه تحت الاختبار، وتحديد الالتزامات التي ينطوي عليها، أو الحكم بالحبس مع وقف التنفيذ المقترن بالوضع تحت الاختبار، وكافة حالات الاختبار، يأتي دور قضاء التنفيذ بعد ذلك؛ حيث تعتبر الرقابة القضائية جانبا أساسيا من اختصاصه. وتشمل الرقابة القضائية على تطبيق الاختبار بإشراف قاضي تطبيق العقوبات على إدارة أعمال الاختبار، واتخاذ القرارات اللازمة لتنفيذه180.
وتسند التشريعات المعاصرة هذه المهام أيضا لقاضي تطبيق العقوبات الذي يرأس لجنة الاختبار، وما فيها من مساعد للقاضي يسمى بضابط الاختبار؛ ليكون بمثابة همزة وصل بينه وبين المحكوم عليه تحت الاختبار، يقدم له تقارير بشأن المعلومات التي يقف من خلالها بشأن سلوك المحكوم عليه. والتي يقرر على إثرها إما إنهاء الوضع تحت الاختبار (أ)، أو تعديله (ب) أو إلغائه (ج).
أ) إنهاء الوضع تحت الاختبار:
إذا رأى قاضي تطبيق العقوبات تحقق تقويم المحكوم عليه الخاضع للاختبار، فله التنسيب لإنهاء الاختبار، دون حاجة لانتظار انقضاء كامل المدة المحددة في الحكم، شرط تنفيذه في مدة معقولة، كمرور نصف المدة المحكوم بها بما لا يقل عن سنتين. ويعتبر الإنهاء من صلاحية قاضي الحكم، تحقيقا لمبدأ العلانية، وذلك عن طريق إحالة القضية من قبل قاضي تطبيق العقوبات، لإنهاء الاختبار، والتثبت من نجاح فترة الاختبار.
ب) تعديل الوضع تحت الاختبار:
كما لو تبين عدم كفاية الالتزامات، أو أن التزامات أخرى أكثر ملاءمة في تحقيق الغرض المطلوب، أو لدى تجاوز الالتزامات المفروضة الاحتياجات الفعلية للمعاملة المطلوبة. وعليه، لا يشترط في التعديل مخالفة المحكوم عليه شروط الاختبار، بل على العكس؛ إذ يمكن أن يكون ناجما عن تطور شخصية المحكوم عليه، المثبت في التقارير الدورية المقدمة لقاضي تطبيق العقوبات. وبالتالي؛ يجوز لقاضي تطبيق العقوبات، تعديل الشروط المطلوبة أو تغييرها أو إلغاءها، بشأن الالتزامات الخاصة بالاختبار القضائي – لا العامة - وفق الأحوال، إما من تلقاء نفسه، أو بناء على طلب من المحكوم عليه أو النيابة العامة. وبيان الأساس القانوني لهذا الإجراء، وأسبابه. وعليه، لا ينشئ الاختبار القضائي وضعا عقابيا مستقرا، بالنظر لتعرضه دائما للتعديل أو الإلغاء.
ج) إلغاء الوضع تحت الاختبار:
يتمتع قاضي تطبيق العقوبات بسلطة تقديرية في إلغاء الوضع تحت الاختبار لدى فشل الموضوع تحت الاختبار، لدى ثبوت خرقه الالتزامات المفروضة عليه، أو ارتكابه جريمة جديدة، ما يشير إلى أن التهذيب الأخلاقي والتقويم والعلاج لم يفلح في إصلاحه.
وكي لا يتملص المحكوم عليه من الالتزامات المفروضة عليه، تؤكد بعض التشريعات الجنائية المعاصرة على أهمية تبليغ المحكوم عليه، في جلسة النطق بالحكم أو القرار، بضرورة تحديد عنوانه ومحل إقامته، وتثبيته وكافة التعليمات الخاصة بالالتزامات المفروضة عليه، في نموذج من صورتين، تسلم إحداهما له، ورفع الثانية لقاضي تطبيق العقوبات. فإذا غير المحكوم عليه مكان إقامته المسجل في ملف الدعوى، يجوز لقاضي تطبيق العقوبات اعتبار ذلك بمثابة عرقلة لتدابير الرقابة، مطالبا بإلغاء الاختبار القضائي غيابيا، كي لا يسري الاختبار خلال فترة البحث عن المحكوم عليه، لا سيما إن لم تسفر عن ضبطه181.
خول المشرع الفرنسي قاضي تطبيق العقوبات قدرا من السلطة لحمل المحكوم عليه الخاضع للاختبار على احترام تلك الالتزامات، قبل إصدار قرار إلغاء الاختبار، والعودة إلى تنفيذ العقوبة السالبة للحرية، بالنظر لاعتبار الإلغاء جزاء ثقيلا بالمقارنة بالمخالفة المرتكبة. فقد يكلف المحكوم عليه - الموضوع تحت الاختبار - بإلزامه بتحديد مكان ثابت لإقامته خلال الاختبار، أو مكان قاضي تطبيق العقوبات في دائرة محكمة الموضوع؛ بحيث يتعين عليه إخطار مأمور الاختبار حال تغييره مكان الإقامة. كما يمكن تكليفه بالرد على استدعاءات قاضي تطبيق العقوبات، ولدى امتناعه عن الحضور يمكنه الأمر بإحضاره. بل قد يمتد الأمر في الحالات الجسيمة، ليصل الأمر للاستجواب والأمر بالحبس تمهيدا للإلغاء، وذلك بعد إخطار النيابة العامة، والتي ينبغي عليها حينئذ إحالة الأمر للمحكمة عقب إصدار أمر القبض دون انتظار الضبط.
الفرع الثاني
الإعفاء من العقوبة أو تخفيضها
نصل لمرحلة متقدمة من تطبيق العقوبة ويتمثل ذلك في العفو الرئاسي (أولا)، أو العفو القضائي (ثانيا).
أولا: العفو الرئاسي:
عادة ما يكون منحة من رئيس الدولة، ويتخذ صورة (العفو الخاص) عن المحكوم عليه مؤديا لانقضاء العقوبة أو تخفيضها. والذي يقترب نسبيا وبشكل جزئي من صورة (العفو العام أو الشامل) بقانون عن الجريمة والعقوبة والذي يصدر عن السلطة التشريعية، يمحو عن الفعل صفته الجنائية182.
والعفو الرئاسي في حقيقته هو إفراج نهائي مبكر. وقد تطورت التشريعات الجنائية المعاصرة نحو استحداث صور جديدة للعفو الرئاسي لاقترانه تحت شرط، كإلزام المفرج عنه الخضوع لبرامج تأهيلية. بمعنى أن العفو الرئاسي ليس بالضرورة أن يؤدي لإفراج نهائي، بل يمكن أن يضع المحكوم عليه تحت الرقابة، كما هو الشأن في صور الإفراج الشرطي المشار إليها أعلاه.
ثانيا: العفو القضائي:
في الواقع، يتجه الفكر العقابي الحديث نحو إسباغ مكانة مهمة للسلطة القضائية في استخدام نظام العفو، كصورة من صور التفريد العقابي في مرحلة التنفيذ. ويعود ذلك لاعتبارات عديدة، بالنظر لقربها بشكل أكبر للمحكوم عليه من رئيس الدولة، وعلمها بفرص إصلاحه183. وذلك بتبني مفهوم العفو القضائي (أ) بمختلف أنواعه (ب).
أ) مفهوم العفو القضائي:
إلى جانب سلطة القاضي في مرحلة تحديد العقوبة والحكم بها، الحكم بالإدانة وتعليق العقوبة (تأجيلها)، المشار إليه أعلاه، وسعت التشريعات المعاصرة من السلطات التقديرية للقاضي في مرحلة تنفيذ العقوبة، بإقرار سلطته في الإعفاء من العقوبة تحت شرط، أو تخفيضها.
ويتمثل هذا النظام، في قيام القاضي بإصدار قرار بإعفاء المحكوم عليه المدان من العقوبة أو ما تبقى منها، وفق الشروط المحددة قانونا، كنوع الجريمة ومدة العقوبة المتبقية والسن وغياب السوابق القضائية. وينطوي العفو القضائي على حكمة مزدوجة؛ إذ يعد من جهة وسيلة لتهيئة الصلح بين الطرفين، كما في الاعتداء المتبادل، كما يعد من جهة أخرى، تدبيرا تهذيبيا، يصلح للمبتدئين، على غرار تدابير الأحداث، ممن يخشى فسادهم لدى "سلب" حريتهم لمدة قصيرة المدى والزج بهم في السجون. وفي جميع الأحوال، يعد العفو القضائي، دون شك، تدبيرا فعالا لتجنب الحبس قصير المدة، والتخفيف من ضغط ازدحام السجون.
ب) أنواع العفو القضائي:
ينطوي العفو القضائي على أربعة أنواع رئيسة، كالعفو القضائي الكلي أو الجزئي (1)، والعفو القضائي المطلق أو المشروط (2).
من التشريعات التي نصت صراحة على العفو القضائي، التشريع الفرنسي، محددا شروط نظام الإعفاء من العقوبة، والتي تتلخص في ترجيح إعادة تأهيل وإدماج المحكوم عليه في المجتمع، دون حاجة إلى التنفيذ، لا سيما لدى تعويض الأضرار الناجمة عن الجريمة، وانتهاء الاضطراب المترتب عليها184.
تجيز التشريعات الجنائية المعاصرة للقاضي لدى مراجعته تنفيذ العقوبة وتحقق أغراضها، أن يقرر الإفراج النهائي عن المحكوم عليه قبل انتهاء العقوبة، دون شرط أو تحت شرط، إما تلقائيا أو متوقفة على حسن السلوك؛ بحيث يجوز له إلغاؤها كليا أو جزئيا.
الخاتمة
بالنظر لمساوئ الحبس الجسيمة، ومخالفته للقواعد الدولية في احترام حقوق الإنسان الأساسية. تحرص التشريعات الجنائية المعاصرة على استعمال العقوبات البديلة غير السالبة للحرية بدلا من عقوبة الحبس، للتخفيف من وطأة ازدحام السجون وتكدس السجناء وللمضار التي بيناها في هذا البحث.
ينبغي على القاضي ابتداء تجنب اللجوء لعقوبة الحبس إلا كملاذ أخير، واستعمالها باقتضاب قدر الإمكان؛ فالعقوبات البديلة للحبس، نجحت غالبا، وبفعالية أكبر من تلك السالبة للحرية في تحقيق أغراض العقوبة، لدى إنشائها بشكل جيد، وتطبيقها بشكل صحيح، يمكنها حينئذ تحقيق احترام أفضل لحقوق الإنسان، بتكلفة أقل، على المدى القصير والطويل.
ركزت هذه الدراسة بعد استعراض الأبعاد التاريخية على بدائل الحبس في كافة مستويات العدالة الجنائية المتوافقة والقواعد الدولية، ضمن أبعاد استراتيجية.
تمثلت الاستراتيجية الأولى بالعمل على الإبعاد البحت والبسيط للمساجين خارج نطاق العدالة الجنائية، عن طريق تبني سياسات اللا تجريم، واللا عقاب، والتحويل الإجرائي. فالأفعال غير الاجتماعية، لا يشترط اعتبارها بالضرورة جرائم جنائية، ولا معالجتها من خلال العدالة الجنائية؛ وتعرف سياسة اللا تجريم قانونا بسلوك كان سابقا يعد جريمة بطريقة لم يعد فيها كذلك؛ كما تتمثل سياسة اللا عقاب بالتوسع في حالات موانع العقاب، كما تتمثل سياسة التحويل أيضا بتوجيه المجرمين نحو برامج علاجية أو غيرها بدلا من إخضاعهم لآليات العدالة الجنائية.
تناولت الدراسة وصف أغلب البدائل المتاحة للحبس قصير المدى، في خطوطها العريضة، في كافة مستويات العدالة الجنائية، وقت تحديد العقوبة الجنائية؛ والتدابير السابقة واللاحقة لها. والبنى التحتية الضرورية لجعلها خيارا واقعيا، يمكن تطبيقها بشكل ملموس.
في مستوى الإدانة، افترضت الدراسة إجراء دراسة دقيقة لكل حالة على حدة، لتحديد فيما إن كانت عقوبة الحبس ضرورية في حد ذاتها. فإن كانت كذلك؛ فينبغي أن يكون الحبس ضمن حده الأدنى بما يتلاءم مع أغراض فرضه.
أما الاستراتيجية الثانية؛ فقد حللت الدراسة بعمق عددا من بدائل الحبس، دون حصر، كالجزاءات الشفوية، وقف تنفيذ العقوبة بصوره المستحدثة كالمقترن بالوضع تحت الاختبار أو بالتشغيل الاجتماعي، إضافة للعقوبات "المقيدة" للحرية، والتشغيل الاجتماعي والرقابة الإلكترونية، والعقوبات الماسة بالحقوق، واستخدام العقوبات التكميلية كعقوبات بديلة، والعقوبات المالية كالغرامة اليومية، والرد للضحية وتعويضه.
وإذا كانت العقوبات البديلة عن الحبس قصير المدى على قدر كبير من الأهمية في مرحلة تحديد العقوبة؛ فإنها ذات أهمية أكبر في المرحلة السابقة على الحكم كاستراتيجية ثالثة، من باب أولى؛ حيث يعد حبس أشخاص براءتهم مفترضة بمثابة اعتداء جسيم بشكل خاص على حقهم في الحرية؛ لذلك، لا يبرر مثل هذا الحبس إلا لاعتبارات محددة حصرا.
وقدمت هذه الدراسة أمثلة لبعض بدائل الحبس الاحتياطي، والتي ترد في الوقت ذاته على المخاوف بشأن السلامة العامة وحقوق الإنسان. ومن الخيارات المدروسة ما يتضمن الإفراج عن المشتبه به تحت شرط الاختبار، وأمره بتنفيذ أو اجتناب بعض النشاطات. ويمكن أن تتضمن هذه الأوامر فرض التزامات كالحضور مثلا أمام المحكمة في يوم معين، أو المكوث في عنوان محدد، وما إلى ذلك.
والاستراتيجية الرابعة تتعلق في المرحلة اللاحقة للحكم، للإفراج المبكر أيضا أهمية معتبرة لتخفيف عدد المحبوسين، ويؤدي لاستخدام الحبس باعتدال قدر الإمكان. وقد بينت هذه الدراسة مختلف البدائل، بما في ذلك مختلف صور الإفراج الشرطي، والإعفاء من العقوبة أو تخفيضها، والتوسع في صور العفو الرئاسي والقضائي ليشمل أيضا الوضع تحت شرط الاختبار، بما في ذلك السماح بالخروج، والوضع في مكان لإعادة الإدماج وما إلى ذلك.
وقد توصلت الدراسة أخيرا إلى أن التفعيل الصحيح للجزاءات الجنائية البديلة يتطلب إنشاء بنية تحتية متمثلة بوجود جهاز للرقابة القضائية للتثبت من تحقيق أغراضها، وذلك بإشراف قضائي لغايات تطبيق العقوبات، تحت رقابة قاض مخول قانونا بمتابعة تنفيذ العقوبات السالبة للحرية والجزاءات البديلة الأخرى، وتحديد أساليب العلاج العقابي وتعديلها لدى الاقتضاء، في المؤسسات العقابية أو خارجها على حد سواء، بما يضمن إعادة الإدماج في المجتمع، ما يساهم في سرعة البت في الأمور، والمساعدة في تصويب السلوكيات وحفظ حقوق الأفراد وصيانة حرياتهم، وقد توصلت الدراسة إلى مجموعة من النتائج والتوصيات كما هو مبين تاليا.
أولا: النتائج:
ثانيا: التوصيات:
المراجع
أولا: المراجع العربية:
ب. المواثيق الدولية والمؤتمرات والتشريعات الوطنية:
(Décr. no 59-322 du 23 févr. 1959)
ثانيا: المراجع الفرنسية:
ثالثا: المواقع الإلكترونية:
Professor of Criminal Law, College of Law, Qatar University.
Views
Downloads
Citations
Authors
Issue
Year