The aim of this research is to show the limits of the independence of national sports federations, at both the internal and external levels, where this independence is presented at the internal level in the face of the state specifically, and in the face of international sports federations at the external level.
A comparative descriptive analytical approach was adopted in this research, and a set of results were derived. Most notably, the relative nature of the independence of national sports federations in the face of the state, where the state exercises multiple types of control over the operation of these federations in both France and Qatar which is normal, as sports in both countries were placed under the public utility, which required funding for sports activity from public money. Furthermore, the is no independence for national sports federations in the face of international federations, but the relationship is rather a dependent relationship, and perhaps the most important manifestation of dependence is the normative power, where the national federations are obligated to submit to the rules set by the international federations, along with the need to consider the prevailing legal system in the country within which these national federations operate.
A set of proposals was also reached, the most important of which is the creation of a clear legal framework for the supervision exercised by the state over the sports federations in the State of Qatar through the Ministry of Sports and Youth, with the need to adopt agreement of purposes between the federations and the state. This is to govern the financial aid provided to sports federations from public money, and to make control over it easier and more transparent. Additionally, there is the need for a clear legislative text stipulating the existence of a contractual relationship between the Qatari sports federations and their members, which facilitates the transfer of the rules set by the international sports federations and making them of a mandatory nature in the face of these members, while taking into account issues of public order in the State of Qatar.
مدى استقلال الاتحادات الرياضية الوطنية
طرح المشكلة:
إذا كانت الاتحادات الرياضية أشخاصا قانونية، ونشأت لأجل غاية محددة؛ إلا أنها لا يمكن أن تحقق هذه الغاية إلا ضمن مناخ من الاستقلال؛ لذلك فقد وضع المشرع الفرنسي حكما تشريعيا صريحا يتعلق بممارسة الاتحادات الرياضية لنشاطها بكل استقلال، وهو نفس الاتجاه الذي سار فيه المشرع القطري حين عرف الاتحادات الرياضية بأنها هيئات رياضية مستقلة. وأكد المشرع القطري على ذلك حين أكد في معرض تطبيق قانون الأندية الرياضية على ضرورة مراعاة مبادئ استقلالية الرياضة، وهو ما ينطبق على الاتحادات الرياضية بحكم تنظيم هذا القانون لبعض الأوضاع القانونية المتعلقة بالاتحادات.
ويطرح استقلال الاتحادات الرياضية على المستويين الداخلي والخارجي؛ حيث يفترض تمتع الاتحادات الرياضية بالاستقلال داخليا؛ مما يطرح بدوره استقلالها اتجاه الدولة، وحدود هذا الاستقلال، تلك الحدود التي تجعل من استقلال الاتحادات في مواجهة الدولة ذا طابع نسبي بالنظر إلى تدخل الدولة في مجال الرياضة، وعدم ترك هذا المجال للمبادرة الخاصة بشكل محض في كل من قطر وفرنسا، وقد اقتضى هذا التدخل طبع الأنشطة الرياضية بطابع المرفق العام؛ مما أدى بدوره إلى تمويل الأنشطة الرياضية من المال العام، وكان منطقيا من خلال ذلك وجود عدة أنماط من الرقابة التي تمارسها أجهزة الدولة على عمل الاتحادات الرياضية.
كما تطرح استقلال الاتحادات الرياضية مشكلة غاية في الأهمية هي تلك المتعلقة بعلاقة الاتحادات الوطنية مع الاتحادات الدولية، من أجل معرفة مدى استقلالها في مواجهة هذه الأخيرة، ومدى انعكاس العلاقة بين الطرفين بحيث تتحول من الاستقلال إلى التبعية، تلك التبعية التي تتجسد من خلال مظاهر شتى، ولكن أهمها على الإطلاق التبعية القاعدية، التي تقضي اتباع القواعد التي تضعها الاتحادات الرياضية الدولية من قبل الاتحادات الوطنية والمتعلقة بنشاط رياضي محدد، وفي هذه الحالة يثور إشكال مهم وهو العلاقة بين المنظومة القانونية الوطنية من جهة، والقواعد الصادرة عن الاتحادات الدولية من جهة أخرى، والتي من المفترض أن تلتزم الاتحادات الوطنية بتطبيقها، وذلك من حيث آليات استقطاب هذه القواعد ضمن المنظومة الوطنية، والحلول واجبة الاتباع في حال التنازع بين القواعد المسنونة من قبل الاتحادات الدولية من ناحية، وقواعد المنظومة القانونية الوطنية من ناحية أخرى.
الهدف من البحث:
ويهدف هذا البحث إلى بيان حدود استقلال الاتحادات الرياضية على المستوى الداخلي في مواجهة الدولة خصوصا، وعلى المستوى الدولي في مواجهة الاتحادات الدولية التي تتبع الاتحادات الوطنية لها، وبما يؤدي من حيث النتيجة إلى نفي الاستقلال المطلق لهذه الاتحادات ضمن كل من هذين المستويين.
أهمية البحث:
وترجع أهمية هذا البحث إلى تناوله لموضوع محوري ومهم في إطار القانون الرياضي الإداري، وهو المتعلق بحدود استقلال الاتحادات الرياضية، وهو موضوع لم تجر معالجته ربما من قبل الفقه بشكل معمق، ولا سيما في العالم العربي؛ حيث تصل الدراسات المتعلقة بهذا الموضوع إلى حد الانعدام على حد علمنا.
منهج البحث:
وقد اتبعنا في هذا البحث منهجا وصفيا تحليليا مقارنا، بحيث تشمل عينة المقارنة كل من القانون الفرنسي وقانون عربي هو القانون القطري، وقد آثرنا اختيار هذه العينة لأسباب تتعلق بعراقة القانون الرياضي وتطوره في فرنسا، والتطور المهم الذي تشهده الرياضة في دولة قطر، ولا سيما في إطار استضافة الفعاليات الرياضية الكبرى؛ مما يتطلب تطورا قانونيا موازيا، وذلك إضافة إلى الأسباب التاريخية التي تربط بين القوانين العربية بشكل عام مع النظام القانوني الفرنسي، ومما قد يؤدي إلى التوصل إلى نتائج قد تكون نافعة في إطار القوانين عينة المقارنة ولا سيما القانون القطري.
وسوف نتبع في هذا البحث التقسيم الثنائي؛ حيث نعالج في المبحث الأول حدود استقلال الاتحادات الرياضية على المستوى الداخلي (في مواجهة الدولة)، ثم نعالج في المبحث الثاني حدود استقلال الاتحادات الرياضية على المستوى الخارجي، (في مواجهة الاتحادات الدولية)، وذلك كما يلي:
الاستقلال الداخلي
نتطرق في هذا المبحث إلى استقلال الاتحادات الرياضية على المستوى الداخلي، وهو ما يؤطر من خلال علاقة الاتحادات مع الدولة والقطاع الخاص على حد سواء؛ حيث يتسم استقلال الاتحادات الرياضية في مواجهة الدولة بالطابع النسبي؛ حيث إن وجوده لا يحول دون وجود نمط من الرقابة يمارس من قبل الدولة على أنشطة الاتحادات الرياضية وأعمالها، ولا سيما مع توسع الإنفاق العام على الأنشطة الرياضية، واعتماد الاتحادات الرياضية في قسم مهم من ماليتها على المعونات العامة، وهو ما سوف نبحثه في كل من فرنسا وقطر من خلال المطلبين التاليين:
مدى استقلال الاتحادات الرياضية داخليا في فرنسا
سوف ندرس أولا في هذا المطلب مرتكزات استقلال الاتحادات الرياضية داخليا في القانون الفرنسي، وذلك من أجل بيان الأسس التي يقوم عليها هذا النمط من الاستقلال (الفرع الأول)، وبعد ذلك ندرس المظهر الرئيس لاستقلال الاتحادات الرياضية داخليا، والمتمثل في استقلالها عن الدولة (الفرع الثاني).
مرتكزات استقلال الاتحادات الرياضية داخليا في فرنسا
يتأثر استقلال الاتحادات الرياضية بنموذج تدخل الدولة في تنظيم النشاط الرياضي، وهو ما يعني طرح مسألة استقلال الاتحادات الرياضية داخليا في مواجهة الدولة بشكل رئيس، إلا أنها يمكن أن تطرح أيضا في مواجهة قوى القطاع الخاص، وسوف نناقش ذلك من خلال النبذتين التاليتين:
أولا: تأثر استقلال الاتحادات الرياضية بنمط تدخل الدولة في تنظيم النشاط الرياضي:
يعتمد نموذج تنظيم الرياضة بشكل عام في كل الدول على طبيعة تدخل الدولة في المجال الرياضي، ويوجد في هذا الخصوص نموذجان رئيسان، النموذج الأول يقوم على تدخل الدولة، في حين يقوم النموذج الثاني على التحررية من تدخلها، ويسود النموذج التحرري في عدد من الدول الأوروبية مثل: ألمانيا وبريطانيا وهولندا1؛ حيث تستفيد الرياضة من استقلال إداري وتنظيمي، وتتولى المبادرة الخاصة مسألة تطويرها وتنظيمها، وبشكل عام فإن تدخل الدولة يعد محدودا في مجال الرياضة، ويقتصر على تقديم المساعدات المالية للحركة الرياضية التي توزعها على مكوناتها المختلفة2. وهناك أيضا النموذج التدخلي والذي تندمج فيه الحركة الرياضية كليا في بنى الدولة، وساد هذا النموذج في الكتلة الشرقية السوفيتية السابقة3. وإلى جانب هذين النموذجين يوجد ما يسمى النموذج الثالث أو المختلط4، وهو يقع في مرتبة وسطى بين الخصخصة الكاملة للرياضة والتدخلية الكاملة من جانب الدولة والذي يسود في أوروبا الجنوبية 5، وتأخذ فرنسا في هذا الاتجاه؛ حيث تسود فيها تقاليد تتعلق بتوجيهية الدولة، فيما يتعلق بسلطة الاتحادات الرياضية6، على الرغم من بقاء الاتحادات الرياضية على الدوام ثمرة المبادرة الخاصة7، لذلك أدرج المشرع الفرنسي هذه الاتحادات في بيئة المرفق العام8. حيث جعل الدولة والاتحادات الرياضية شريكين في تحقيق غرض منفعة عامة مهم هو المساهمة في تطوير وترقية الأنشطة البدنية والرياضية، وضمان المساواة في الدخول إلى المنافسات الرياضية على إقليم الجمهورية، والوقاية ضد كل صيغ العنف والتمييز في إطار الأنشطة الرياضية، وتطوير رياضة المستوى العالي9.
ثانيا: استقلال الاتحادات الرياضية داخليا لا يقاس فقط بمدى تدخل الدولة، بل أيضا بمدى تدخل القطاع الخاص:
يعد استقلال الاتحاد الرياضي في مواجهة القطاع الخاص مهما جدا، بالنظر إلى القوة الاقتصادية التي يتمتع بها ذلك القطاع، والطبيعة الاقتصادية التي أصبحت تطبع الرياضة بطابعها بشكل عام. ويفترض هذا الاستقلال ممارسة الاتحاد الرياضي للاختصاصات الممنوحة له تشريعيا بنفسه، وألا يبرم علاقات تعاقدية من شأنها أن تخضعه إلى أي قوة اقتصادية تنتمي للقطاع الخاص؛ سواء أكانت شخصا طبيعيا أم اعتباريا، ومن ثم يطبق في هذا المجال المبدأ المهم السائد في إطار القانون الإداري، والذي يفترض ممارسة الاختصاص ذاتيا، وألا يتم التفويض بالاختصاص إلا بمقتضى القانون10. وقد جسد مجلس الدولة الفرنسي قاعدة استقلال الاتحادات الرياضية عن القطاع الخاص من خلال أحد أحكامه المهمة، وذلك في قضية تتلخص وقائعها بوجود اتحاد رياضي غير مقبول وهو اتحاد رياضة الجودو التقليدي وهي إحدى الرياضات القتالية، وقد تقدم هذا الاتحاد بطلب لأجل قبوله من قبل وزير الرياضة، والذي لم يصدر قرارا صريحا بشأن الطلب المذكور؛ مما أدى إلى وجود قرار ضمني برفض الطلب، وهو القرار الذي كان محل خصومة أمام مجلس الدولة، ويعود رفض الطلب إلى وجود عقد أبرمه الاتحاد نفسه مع إحدى الشركات محدودة المسؤولية، والتي تسمى الأكاديمية الأوروبية لممارسة رياضة الجو جيتسو (وهي إحدى الرياضات القتالية)، وعهد الاتحاد إلى الشركة بمقتضى العقد المذكور صلاحيات إنشاء لجان لأجل منح الألقاب الرياضية الخاصة باللعبة، ومنح الشهادات اللازمة، وتنظيم التدريبات، ومهام صلاحيات الدعم التعليمي، والرقابة الفنية على تعليم اللعبة، ووضع منهج ممارسة النشاط الرياضي الذي يختص الاتحاد أصلا بتنظيمه وإدارته، كما تضمن العقد المذكور التزاما مناطه دفع المساهمات المالية إلى الشركة بدلا من دفعها إلى الاتحاد، وهي المساهمات التي تدفع من جانب المنضمين إلى الاتحاد؛ سواء أكانوا أشخاصا طبيعية أم اعتبارية، وهي التي يفترض أن تدفع للاتحاد أساسا، وتشكل جزءا مهما من موارده. وكل ذلك يعني من حيث النتيجة تحويل معظم الاختصاصات التي يفترض أن يمارسها الاتحاد بنفسه إلى الأكاديمية وهي شركة تجارية11. في حين لا يجوز ممارسة هذه الاختصاصات إلا من قبل الاتحاد ذاته؛ لأنه لا يجوز التفويض في الاختصاصات الاتحادية إلا في حالة وحيدة أجازها المشرع الفرنسي12، وهي الحالة المتعلقة بتفويض الاتحادات المفوضة بعضا من اختصاصاتها إلى أشخاص قانونية محددة حصرا بنص قانوني صريح وهي الروابط الاحترافية13. وقد بسط مجلس الدولة الفرنسي رقابته على الأسباب الواقعية التي قام عليها قرار الوزير الضمني برفض القبول، وانتهى إلى رفض الدعوى، وصحة قرار الوزير، لعدم تحقق شرط الاستقلال اللازم لمنح الموافقة الوزارية14. ولكن على الرغم من ذلك يبقى تدخل الدولة في نشاط الاتحادات الرياضية هو الأهم لوزن مقدار استقلالها، وهو ما سوف نناقشه في الفرع التالي:
مدى استقلال الاتحادات الرياضية في مواجهة الدولة في فرنسا
أولا: رقابة الدولة على نشاط الاتحادات الرياضية: لقد ورد نص صريح في قانون الرياضة الفرنسي بوجود رقابة تمارسها الدولة في مواجهة الاتحادات الرياضية15، وهي تشمل جميع الاتحادات؛ سواء أكانت مقبولة أم مفوضة16، وقد فسر مجلس الدولة هذه الرقابة بمعنى الوصاية الإدارية17، وأنها ناتجة مباشرة عن الاعتراف بالرياضة بحسبانها مرفقا عاما إداريا، وأن وزير الرياضة هو من يختص بممارستها18، مع إقراره بغموض هذه الرابطة الوصائية، وتناقضها مع مبدأ الاستقلال الذي تبناه المشرع في تقنين الرياضة، وأنها ذات طابع مقيد إلى حد كبير؛ حيث أشار إليها المشرع بيد أنه لم يشر إلى أي من أساليب ممارستها، ولا سيما فيما يتعلق بنطاق هذه الوصاية في مواجهة الجزاءات التأديبية التي يمكن أن تفرضها الاتحادات، كما لا يستطيع الوزير وقف أو تعديل أي قرار صادر عن الاتحادات الرياضية، ولا يتمتع بسلطة وقف رئيس الاتحاد أو عزله، ولا يمكنه إعفاء أي من الأجهزة الإدارية الاتحادية من عملها، وكذلك لا يمكنه حل الاتحاد19. وهو ما دفع بعض الفقه الفرنسي إلى وصفها بأنها وصاية رمزية20، ومقيدة بشدة21.
وقد حدد المشرع الفرنسي مضمون هذه الرقابة في ضمان احترام القوانين والأنظمة من قبل الاتحادات الرياضية على مختلف أنواعها22، ومراعاة مهمة المرفق العام المسندة إليها، وذلك عن طريق النشاط الذي تقوم به إحدى الإدارات لدى وزارة الرياضة هي إدارة الرياضات23.
ولا يمارس وزير الرياضة الرقابة على كل الاتحادات الرياضية؛ حيث توضع الاتحادات الرياضية الجامعية والمدرسية تحت رقابة وزير التربية الوطنية24، وفي هذه الحالة تكون الرقابة أكثر اتساعا، نظرا للعلاقة المباشرة بين الوزير المذكور من جهة والاتحادات المدرسية والجامعية من جهة أخرى؛ حيث يعد الوزير رئيسا لها وفقا لما تنص عليه نظمها الأساسية، وهو الذي يسمي مدير الاتحاد بعد أخذ رأي مجلس إدارته25.
ثانيا: رقابة التحويل الوزاري: إلى جانب ما تقدم توجد رقابة ذات طابع خاص، أطلق عليها الفقه رقابة التحويل الوزاري26، وهي رقابة مشروعة27، وتمارس على القرارات التي تصدرها الاتحادات الرياضية المفوضة فقط؛ حيث تعد هذه القرارات من قبيل القرارات الإدارية28، وذلك بحسبان أن الاتحادات المفوضة هي من أشخاص القانون الخاص المكلفة بمهمة مرفق عام، وتمارس امتيازات سلطة عامة والتي تتجلى في احتكارها لاختصاصات محددة تتعلق بتنظيم المنافسات الرياضية29، وذلك كما ذهب مجلس الدولة الفرنسي من وقت طويل30. ومن ثم لا تخضع إلى رقابة التحويل الوزاري سوى القرارات الإدارية الصادرة عن الاتحادات المفوضة والتي يختص بها القضاء الإداري، وذلك دون القرارات الصادرة عن الاتحادات المقبولة فقط، والتي يختص بها القضاء العادي31.
ووفقا لإجراء التحويل الوزاري يمكن لوزير الرياضة أن يطرق باب المحكمة الإدارية المختصة مكانيا، من أجل إلغاء القرارات الإدارية الصادرة عن الاتحادات المفوضة، طالما قدر أنها مخالفة للمشروعية32، كما يمكن لأي شخص طبيعي أو اعتباري أن يطلب من الوزير رفع الدعوى ذاتها أمام المحكمة نفسها، وذلك إذا كان مضرورا من قرار فردي صادر عن اتحاد رياضي مفوض، وشريطة أن يقدم الطلب بذلك خلال شهر من تاريخ تبليغ القرار، وذلك كله مع عدم الإخلال بالدعوى المباشرة التي يمكن أن يرفعها في هذه الحالة33.
وتتماثل هذه الرقابة مع تلك التي يمارسها ممثل الدولة (المحافظ) على أشخاص اللامركزية المحلية في فرنسا؛ حيث يستطيع تحويل الأعمال الإدارية (العقود إدارية والقرارات إدارية) إلى المحكمة الإدارية المختصة مكانيا، وذلك إذا رأى أنها مخالفة للمشروعية، وذلك بعد إلغاء الوصاية بصيغتها التقليدية34، وعلى أساس المادة 72 من الدستور التي تنص على حق الجماعات المحلية في إدارة شؤونها بشكل حر35. ولكن إذا كانت كلتا الرقابتين متشابهتين في أساسهما القائم على رقابة المشروعية، وعلى ممارستهما من قبل القاضي الإداري، وعلى أساس تقدير المشروعية من قبل أحد أعضاء السلطة التنفيذية، بما يمثل استشارة من قبل الدولة في مواجهة الشخص القانوني المشمول بهذه الرقابة36. إلا أن هناك اختلافا واضحا بين الرقابتين؛ حيث أوجب المشرع الفرنسي في حالة رقابة التحويل المفروضة في مواجهة أشخاص اللامركزية الإدارية أن تقوم هذه الأشخاص الأخيرة بتحويل تصرفات قانونية محددة حصرا (عقود إدارية وقرارات إدارية محددة) إلى ممثل الدولة، وبحيث لا تصبح هذه التصرفات تنفيذية إلا بإتمام هذا التحويل37. ويختلف الأمر في حالة رقابة التحويل التي يمارسها وزير الرياضة على الاتحادات الرياضية المفوضة؛ حيث لم يلزم المشرع الاتحادات المفوضة بتحويل قراراتها الإدارية إلى الوزير، من أجل تقدير مشروعيتها؛ مما يجعل آلية هذه الرقابة متسمة في تقديرنا بقدر من الغموض؛ لأنها تفتقر لإحدى وسائلها الضرورية.
وعلى كل حال؛ فإنه يجوز للوزير أن يرفق مع طلب الإلغاء طلبا بوقف تنفيذ القرار الإداري الصادر عن الاتحاد المفوض38، وذلك في حال وجد وجها لعدم المشروعية يشوب هذا القرار الأخير، ويمكن للمحكمة الإدارية عندئذ أن تأمر بوقف تنفيذ القرار بوصفه شقا مستعجلا للدعوى، وذلك في حال بدا من خلال الدفوع المقدمة من الوزير وجود شك جدي في مشروعية القرار39. ويعد إرفاق طلب وقف التنفيذ بطلب الإلغاء في صحيفة دعوى واحدة تطبيقا للقواعد العامة التي أتى بها المشرع الفرنسي في هذا الشأن40، وبحيث يكون الطلب المستعجل المتعلق بوقف التنفيذ ملحقا في الطلب الموضوعي المتعلق بالإلغاء، ومن ثم فإن قبول الطلب التبعي يفترض وجود الطلب الأصلي41.
وقد خرج المشرع في هذا النص عن الأصل العام المقرر للقضاء المستعجل الخاص بوقف تنفيذ القرارات الإدارية؛ حيث لا يكفي لوقف تنفيذ القرار الإداري وجود شك جدي في مشروعية القرار محل الدعوى، بل يشترط وجود شرط آخر، وهو ذلك الخاص بحالة العجلة، والمتمثل في صعوبة معالجة وتدارك آثار القرار في حال تنفيذه42. وأوجب المشرع البت في طلب وقف التنفيذ في غضون مدة محددة أقصاها شهر، دون أن يحدد نقطة انطلاق هذه المدة، والأثر المترتب على تجاوز المدة المذكورة، ويعد ذلك خروجا عن القاعدة العامة التي وضعها المشرع نفسه للبت في وقف تنفيذ القرارات الإدارية؛ حيث لم يضع إطارا زمنيا لذلك، بل حث المحكمة المختصة على البت في الطلب في أقرب الآجال43.
وفي إطار تقييم هذه الرقابة التي تمارس عن طريق التحويل الوزاري، يرى جانب من الفقه الفرنسي أن هذا النمط من الرقابة يضمن استقلالا للاتحادات المفوضة أكثر من نظام الوصاية التقليدي44. بيد أننا لا نؤيد هذا الرأي؛ لأن نطاق هذه الرقابة ينصب فقط على قرارات الاتحادات المفوضة؛ مما يعني بقاء أنشطة الاتحادات المفوضة الأخرى خارج نطاق هذه الرقابة، وتظل مشمولة بالرقابة التي نص عليها المشرع الفرنسي والتي تمارس من قبل وزير الرياضة دون تحويل إلى القضاء، مع تحفظنا على نمط الرقابة الأخير، ليس لغموضه فقط، وعدم وضوح نطاقه وأساليبه، إنما بسبب شموله لكل الاتحادات الرياضية أيا كانت نظرا لإطلاق النص، ويشمل ذلك حتى الاتحادات غير المقبولة وغير المفوضة، وهو أمر محل نظر؛ لأنه لا توجد أساسا علاقة بين هذه الاتحادات الأخيرة والدولة، تلك العلاقة التي لا تقوم في درجتها الأولى إلا عن طريق منح القبول.
ثالثا: الرقابة المالية: ويضاف إلى الرقابة التي يمارسها وزير الرياضة تلك الرقابة التي تمارسها محكمة المحاسبات، وهذا طبيعي؛ حيث تتلقى الاتحادات الرياضية معونة مالية من الدولة45، وذلك سواء أكانت مقبولة أم مفوضة بالضرورة، بحكم أن كل اتحاد مفوض هو اتحاد مقبول أساسا46، وذلك على أرضية قانون الجمعيات الذي يبيح للأشخاص الاعتبارية العامة تقديم معونات للجمعيات المعترف لها بصفة النفع العام47، وبالطبع لا تعد هذه المساعدات إلزامية في مواجهة الدولة48. ومن أجل ضبط الرقابة على أموال هذه المعونة؛ فقد حدد المشرع أسلوبا قانونيا من أجل منحها، وتحت ضغط محكمة المحاسبات49، وتوخيا لتحقيق الضبط المالي للمساعدات المذكورة وضمان شفافية انفاقها50، وعلى هذا الأساس يبرم اتفاق أهداف (Une convention d’objectifs) بين الدولة والاتحاد51، وذلك وفقا للأصل العام المقرر في فرنسا والذي يفرض إبرام اتفاقيات عند منح المساعدات العامة52، وتعد هذه الاتفاقيات متعددة السنوات من حيث الأصل، وهي الأداة المحورية للشراكة المالية بين الدولة والاتحادات الرياضية، وتجسد من الناحية العملية سياسة رياضية تعاقدية وتشاركية53، وهي توقع أولا لمدة سنة واحدة فقط، وينص الاتفاق على تقدير مالي تقريبي لأجل السنوات التالية، احتراما لمبدأ سنوية الموازنة54. وواضح أن هذا الاتفاق يتضمن تقديم المساعدة من قبل الدولة مقابل تحقيق أغراض معينة تتعلق بالمصلحة الرياضية العامة55، وهو ما يمكن تكييفه على أنه من قبيل عقود المساعدة العامة (Les contrats de subvention public) بحسبان أن هذه العقود تتضمن دفع مساعدة مالية من شخص اعتباري عام إلى الغير؛ سواء أكان من أشخاص القانون العام أم الخاص، وعلى أساس مبررات تتعلق بالمصلحة العامة56، ولكن دون مقابل مباشر بالنسبة للشخص العام الذي يدفع المساعدة، بل يعد المقابل غير مباشر ويتجسد في وجه المصلحة العامة المتحقق57، ويجب أن يحدد في العقد المحل، والمدة، والنتيجة (الأهداف المطلوب تحقيقها) وأساليب الدفع وشروط الاستفادة من المساعدة المالية58، وعلى هذا الأساس لا يمكن في فرنسا منح مثل هذه المساعدات من المال العام إلا على أساس آلية تعاقدية؛ لأن هذه الآلية هي التي تثبت التزامات المستفيد من المعونة بشكل جدي، وهي التي تسهل التحقق من تحقيق الأغراض التي منحت المعونات لأجل تحقيقها، ويخضع المستفيد من اتفاق الأهداف إلى رقابة الجهات الرقابية المختلفة في فرنسا، وفي حال عدم تنفيذ الأهداف المحددة في الاتفاق أو إجراء تعديل جوهري عليها، أو التأخير في تنفيذها، يمكن للشخص العام المتعاقد ترتيب جزاءات خاصة بهذا النمط من التصرفات التعاقدية الإدارية تتمثل في استعادة ما تم دفعه من مساعدة كلا أو جزءا، ووقف المعونة أو تخفيضها59.
ولا تقتصر المساعدات المالية المقدمة للاتحادات المقبولة على الدولة، بل يمكن أن تقدم من قبل الوكالة الوطنية للرياضة60، والتي أنشئت حديثا في فرنسا61، وتنهض بتطوير الدخول إلى النشاط الرياضي من قبل الجميع ولأجل الجميع، وتعزيز الرياضة عالية الأداء، وكل أداء رياضي عالي المستوى، خصوصا في إطار الأنشطة الأولمبية، وفي إطار الاستراتيجية المطلوبة من قبل الدولة، والمحددة بموجب اتفاق أهداف يبرم بين الطرفين62. وتقدم الوكالة مساعدات إلى الجهات المعنية بالشأن الرياضي، ولا سيما الاتحادات الرياضية المقبولة63، وذلك من أجل تحقيق هذه الأهداف المتفق عليها في اتفاق الأهداف تبرمه مع الدولة، ويتم ذلك من خلال اتفاق أهداف أيضا، والذي قد يكون سنويا أو متعدد السنوات64. ومن ثم يمكن القول إن اتفاقيات الأهداف التي تبرم بين الوكالة والاتحادات الرياضية تعد تنفيذا لاتفاق الأغراض المبرم بين الوكالة والدولة، وهو ما يمكن تكييفه في تقديرنا أنه اتفاق أهداف من الباطن، بحسبان أن هذا الأخير ليس إلا لجوءا إلى الغير من أجل الاشتراك في تنفيذ عقد محدد65.
رابعا: الرقابة عن طريق الدخول الحر إلى الوثائق الإدارية: تفرض الدولة في فرنسا نمطا غير مباشر من الرقابة على أعمال الاتحادات الرياضية فيها، ويتم ذلك عن طريق القواعد المتعلقة بالدخول الحر إلى الوثائق الإدارية66؛ فقد عد مجلس الدولة الفرنسي وثائق الاتحادات من قبيل الوثائق الإدارية، والتي تخضع إلى قواعد الاتصال الحر بالوثائق الإدارية، كما حددها قانون العلاقة بين الشعب والإدارة، وعلى أساس الاتصال بين الاتحادات الرياضية ومهمة المرفق العام التي تضطلع بها هذه الاتحادات67، ووفقا لما قننه المشرع الفرنسي بشأن تحديد الوثائق التي تخضع لحرية الدخول، وبحيث تعد وثائق إدارية في هذا المجال تلك الوثائق الصادرة أو الواردة إلى أشخاص قانونية محددة على سبيل الحصر، ومن بينها أشخاص القانون الخاص المكلفة بمهمة مرفق عام68، ويدخل في إطار هذه الوثائق الملفات والتقارير والدراسات والحسابات والمحاضر والإحصائيات والتحقيقات والبلاغات والآراء والقرارات69. مهما كان تاريخها أو مضمونها أو صيغتها70، ولكن توجد حدود لذلك؛ حيث لا يجوز الدخول إلى الوثائق المتعلقة بانتخابات سلطة التقرير ضمن الاتحادات؛ لأنها تتعلق بالتسيير الداخلي لكيان من القانون الخاص71. كما لا يجوز الدخول إلى الوثائق الاتحادية التي تتضمن معطيات شخصية، وذلك استنادا إلى ما قرره المشرع بعدم جواز الدخول إلى الوثائق التي يمكن أن تمس الحياة الخاصة72.
مدى استقلال الاتحادات الرياضية داخليا في دولة قطر
أولا: رقابة وزارة الرياضة والشباب على نشاط الاتحادات الرياضية: لقد أخذ المشرع القطري في تقديرنا بالاتجاه الثالث، والذي لم يترك الرياضية للمبادرات الخاصة بشكل كامل كما لم يجعلها من اختصاص الدولة بشكل تام؛ حيث تعد الاتحادات الرياضية من أشخاص القانون الخاص73، وذلك ضمن مناخ من التزام دستوري وضعه المشرع على عاتق الدولة بتأمين المرفق العام الرياضي74.
وعلى أساس ما تقدم، يمكن القول إن استقلال الاتحادات الرياضية في مواجهة الدولة يتسم بالطبيعة النسبية؛ حيث أناط المشرع بوزارة الرياضة والشباب العديد من الاختصاصات، ومن بينها الإشراف العام على الجهات المختصة بالرياضة، ورعاية الشباب في الدولة، ودعمها ومتابعة أعمالها، والتنسيق بينها75، ومن ثم ينحصر دور الدولة ممثلة في وزارة الرياضة والشباب في الإشراف والتنسيق؛ مما يطرح إشكالا حول تحديد مضمون الإشراف الذي تبناه المشرع، والذي لا يمكن أن تنصرف دلالته إلى التنظيم أو الوصاية؛ حيث لا يمكن تفسير الإشراف بأنه من قبيل التنظيم (La régulation)؛ لأنه يعني وضع قواعد ناظمة للعمل في قطاع محدد من قبل السلطة الإدارية التي تشرف عليه، مع تمتع تلك الأخيرة بامتيازات تضمن التزام العاملين في هذا القطاع بتلك القواعد، مثل سلطة الأمر، والتوصية، وفرض الجزاءات، وغالبا ما تكون تلك السلطة التي تتولى التنظيم من قبيل السلطات الإدارية المستقلة، كما أن الأصل في القطاع محل التنظيم أن يكون من قبيل القطاعات الاقتصادية76، وكل ذلك لا يتحقق في حالة العلاقة بين وزارة الرياضة والاتحادات الرياضية؛ حيث لاتضع الوزارة القواعد التي تحكم سلوك الاتحادات الرياضية في القطاع الرياضي، كما لا تتمتع في مواجهتها بصلاحيتي الأمر والجزاء، وهما الصلاحيتان الرئيستان اللتان تتمتع بهما سلطة التنظيم، كما لا تنطبق على قطاع الرياضة بشكل عام مقومات القطاعات الاقتصادية التي تعد محلا للتنظيم، ولا سيما في إطار المنافسة في السوق77.
كما لا يمكن تفسير الإشراف أنه من قبيل الوصاية؛ لأن للوصاية مضمونا يتجسد من خلال استخدام مجموعة من الوسائل القانونية من قبل سلطة إدارية محددة التي تمكنها من فرض وجهة نظرها على سلطة إدارية أخرى مشمولة بوصايتها، مثل اعتماد قرارات هذه الأخيرة بشكل مسبق، وإمكانية حلها من قبل سلطة الوصاية، أو الحلول محلها78. ولا يوجد كل ذلك في إطار العلاقة بين وزارة الرياضة في دولة قطر من جانب والاتحادات الرياضية من جانب آخر؛ حيث لا تتمتع الوزارة في مواجهة الاتحادات بأي من هذه الوسائل الوصائية.
وبناء على ما تقدم؛ لا يمكن مقاربة الإشراف الذي تتمتع به الوزارة في مواجهة الاتحادات إلا على أساس الرقابة الإدارية، وبشكل مشابه لما نص عليه المشرع الفرنسي بالنسبة لسلطة الوزارة في مواجهة الاتحادات الرياضية، والتي لا تصل إلى مستوى الوصاية، بيد أنها تنصب على مسائل المشروعية والملاءمة في آن معا؛ حيث لم يحصر المشرع المسائل الخاضعة للإشراف بتلك المتعلقة بالمشروعية دون الملاءمة، كما لم يحدد الأعمال المشمولة بهذا الإشراف، ومن ثم لا يتضح إذا كان ذلك متعلقا بجميع تصرفات الاتحادات القانونية؛ سواء أكانت عقودا أم قرارات، كما لم يحدد كيفية ممارسة الإشراف المذكور، ولا سيما من حيث تمتع الوزارة بامتياز المبادرة في ممارسة الرقابة بشكل واضح، وفي تحديد زمانها ومكانها، كما لم ينص المشرع على جزاءات يمكن أن تفرضها الوزارة في حال وجود مخالفات قانونية خصوصا في إطار نشاط الاتحادات الرياضية، لذلك يمكن القول إن الإشراف الذي تتمتع به الوزارة في مواجهة الاتحادات مجرد من المضمون والوسائل القانونية؛ مما يحتاج تدخلا تشريعيا لتداركه.
ويعد الوزير هو الجهة التي تتمتع بصلاحية الإشراف العام ضمن وزارة الرياضة؛ حيث تتولى إدارة الشؤون الرياضية لدى الوزارة ـــ بالاختصاص ـــ الإشراف العام على الجهات المعنية بالرياضة، ومتابعة أعمالها، ورفع التوصيات بشأنها79. ودون شك؛ فإن ذلك يعني رفع التوصيات إلى الوزير الذي يتخذ القرار بشأنها، مع مراعاة مبدأ الاستقلال الذي تتمتع به الاتحادات، وهو ما يعني من حيث النتيجة عدم مشروعية مبادرة الوزير من تلقاء نفسه في ممارسة تلك الرقابة، واتخاذ القرار بشأنها، بل لا بد من مراعاة الإجراء المتمثل في تدخل إدارة الشؤون الرياضية وإبداء توصياتها قبل اتخاذ القرار، وإلا كان قرار الوزير في هذا الشأن مشوبا بعيب الإجراءات.
ثانيا: الرقابة المالية المفروضة على الاتحادات الرياضية في دولة قطر: هناك وجه آخر للرقابة تمارسه الدولة في مواجهة الاتحادات الرياضية في دولة قطر، وهو ذلك المتعلق بالرقابة المالية؛ حيث أجاز المشرع القطري لوزارة الرياضة والشباب والجهات الحكومية الأخرى، مراجعة أوجه صرف الدعم المالي والإعانات الحكومية المقدمة للأندية والهيئات الرياضية، ومن أجل التأكد من صرف أموال الدعم في الأغراض والأوجه والمجالات المخصصة لها، وفقا للضوابط المحددة من قبل الوزارة في هذا الشأن، وعلى أن يتحدد نطاق هذه الرقابة والمسؤولية التي يمكن أن تنتج عنها في نطاق وجود الدعم والإعانات الحكومية المقدمة لها من قبل الدولة80. وبالطبع تعد الاتحادات الرياضية مشمولة بالنطاق الشخصي لهذه الأحكام التشريعية؛ لأن وصف الهيئة الرياضية يشمل كلا من اللجنة الأولمبية القطرية، والاتحادات الرياضية الوطنية81. وينصب النطاق الموضوعي لهذه الرقابة على أموال الاتحادات المتحصلة من أموال الدعم والإعانة المقدمة لها من الدولة فقط، دون باقي أموال الاتحادات التي تتحصل التي يمكن أن تتحصل من مصادر أخرى، وهذا طبيعي لأن أموال الإعانة هي التي أسبغ عليها المشرع القطري صفة المال العام دون غيرها من أموال الاتحادات82.
أما بالنسبة للجهات التي يمكن أن تمارس الرقابة المالية سالفة الذكر؛ فهي وزارة الشباب والرياضة أولا، وهو ما يمثل بالنسبة لها نمطا خاصا من أنماط الرقابة يضاف إلى الإشراف المذكور سابقا، والذي يمثل بدوره نمطا عاما من أنماط الرقابة، كما يمكن أن تمتد هذه الصلاحية الرقابية ثانيا إلى الجهات الحكومية الأخرى المختصة بهذا النمط من الرقابة المالية83، ويأتي ديوان المحاسبة في طليعة هذه الجهات، ولا تبسط رقابة الديوان من خلال النص السابق فقط، بل من خلال القانون المنظم لعمل الديوان أيضا؛ حيث منحه المشرع الاختصاص الرقابي على المنشآت الخاصة التي تقدم لها الدولة إعانات مالية، وعلى أن يقتصر نطاق الرقابة في حدود ما يقدم لها من دعم. وتعد الاتحادات الرياضية دون شك من قبيل هذه المنشآت الخاصة84، ويمارس الديوان في هذه الحالة رقابته على أموال وأعمال الاتحادات الرياضية فيما يتعلق بالدعم المقدم لها85. ويجب أن تتقيد الرقابة بغرضها المحدد لها وهو التأكد من صرف أموال الإعانة والدعم في الأغراض المخصصة لها، ومن ثم يمكن الاستنتاج أن هناك علاقة بين أموال الإعانة والدعم من جهة وأغراض محددة من جهة أخرى، تلك الأغراض التي لا بد أن تحققها الاتحادات التي حصلت على الأموال المذكورة؛ مما يمثل في تقديرنا عقد مساعدة عامة مماثلا لذلك الذي يبرم بين وزارة الرياضة والاتحادات في فرنسا، وبحيث تقوم الرابطة العقدية في هذه الحالة بمجرد منح المعونة من الوزارة (الإيجاب)، وقبولها من جانب الاتحاد، وبالطبع لا بد أن تكون الأغراض أهداف مصلحة عامة رياضية تتوخى الوزارة تحقيقها، وذلك من منطلق الارتباط بين المال العام والمصلحة العامة.
ولكن إذا كان هناك عقد مساعدة عامة على النحو سالف الذكر، فلا بد أن يكون هذا العقد محل تنظيم قانوني واضح من قبل المشرع القطري، وهو ما نقترح تداركه من خلال نص صريح يتضمن ضرورة إبرام عقد مساعدة عامة عند منح المعونة من قبل الدولة إلى الاتحادات، وأن يتضمن هذا النص مقومات هذا العقد من حيث المحل والمدة والتي يمكن أن تمتد إلى عدة سنوات، مع احترام مبدأ سنوية الموازنة، ومع عدم إغفال المؤيدات التي يمكن أن تترتب في حال عدم تنفيذ الأغراض المطلوبة، والتي منحت المعونة لأجلها، وذلك كله في سبيل ضمان الشفافية المالية للمساعدات العامة في المجال الرياضي86.
وكما هو الحال في فرنسا أصبح بالإمكان الحديث عن وجود نمط من الرقابة تفرضه الدولة بشكل غير مباشر عن طريق القواعد القانونية المتعلقة بالشفافية الإدارية، والحق في الدخول إلى المعلومات؛ فقد حدد المشرع القطري النطاق الشخصي للجهات التي تخضع لأحكام قانون تنظيم الحق في الحصول على المعلومات، وكانت الوزارات في طليعة الجهات الخاضعة لأحكامه، ومن بينها وزارة الرياضة87، لكنه لم يذكر الاتحادات الرياضية صراحة من بين الجهات التي تخضع لأحكام القانون المذكور؛ إلا أنه أخضع لأحكامه الجمعيات والمؤسسات الخاصة، وغيرها من الكيانات التي تباشر أعمالا ذات نفع عام88، وإذا لم تكن الاتحادات الرياضية من قبيل الجمعيات أو المؤسسات الخاصة؛ إلا أنها تعد من الكيانات التي تباشر أعمالا ذات نفع عام؛ لأنها تساهم في تنفيذ مرفق عام دستوري إلى جانب الدولة هو المرفق العام الرياضي، كما رأينا سابقا، ولهذا السبب تتلقى معونات من جانب الدولة؛ لذلك يمكن القول إنها تعد من قبيل الكيانات التي تباشر أعمالا ذات نفع عام وهي تخضع لذلك إلى أحكام قانون تنظيم حق الحصول على المعلومات، وعلى هذا الأساس، تلتزم الاتحادات الرياضية بتقديم البيانات والإحصاءات والوثائق المتاحة لديها بأي وسيلة، إلى (طالب المعلومات) وهو كل شخص طبيعي أو اعتباري يتقدم بطلب بخصوص ذلك89، وذلك باستثناء المعلومات التي تمس الحياة الخاصة، أو التي لا يجوز الإفصاح عنها بموجب اتفاق بين الاتحاد الرياضي والغير، أو التي تحتوي على أسرار تجارية أو مهنية لطرف آخر على علاقة مع الاتحاد، أو تلك التي تتعلق بسياسات أو قرارات أو اختبارات مازالت في مرحلة التحضير أو الإعداد90.
ولا يوجد في دولة قطر نص أو موقف قضائي صريح بخصوص استقلال الاتحادات الرياضية في مواجهة القطاع الخاص، غير أن مبدأ استقلال الرياضة الذي أقره المشرع القطري صراحة يصلح أساسا لاستقلال الاتحادات الرياضية؛ لأنه يعني الاستقلال في مواجهة جميع الضغوط السياسية والاقتصادية والاجتماعية91؛ لذلك لا بد أن يسري في مواجهة قوى القطاع الخاص التجاري خصوصا92، وبحيث لا يجوز أن يتدخل هذا الأخير في ممارسة اختصاصات الاتحادات، أو الحلول محلها في ممارستها؛ فقد ورد هذا المبدأ مطلقا، والمطلق يسير على إطلاقه، ومن ثم فإنه يفرض مراعاة استقلال الاتحادات الرياضية في مواجهة كافة القوى، بل في تقديرنا إن استقلال الاتحادات الرياضية في مواجهة القطاع الخاص يجب أن يكون مطلقا لا نسبيا كما هو الحال بالنسبة لاستقلالها في مواجهة الدولة؛ حيث يبرر الاستقلال النسبي في مواجهة الدولة بطابع المصلحة العامة الذي تساهم الاتحادات الرياضية بشكل جوهري في تحقيقه، وتخصص الأموال العامة بشكل أساسي لأجل تمويله.
مدى استقلال الاتحادات الرياضية الوطنية خارجيا في مواجهة الاتحادات الدولية
نتناول هذا المبحث في مطلبين؛ حيث نتطرق في المطلب الأول إلى دراسة الماهية القانونية للاتحادات الرياضية الدولية من خلال البحث في تعريفها ووظائفها (الفرع الأول)، وهو الأساس الذي سننطلق منه لدراسة علاقة التبعية بين الاتحادات الرياضية الوطنية والاتحادات الرياضية الدولية مركزين على أهم مظاهرها، وهي التبعية القاعدية، والإشكال المرتبط بها، والمتمثل في أثرها على النظام القانوني الوطني (الفرع الثاني):
ماهية الاتحادات الرياضية الدولية من الناحية القانونية
سوف ندرس أولا في هذا المطلب الماهية القانونية للاتحادات الرياضية الدولية من خلال البحث في تعريف الاتحادات الرياضية الدولية (الفرع الأول)، وبعد ذلك ندرس وظائف الاتحادات الرياضية الدولية (الفرع الثاني).
تعريف الاتحادات الرياضية الدولية
سنبحث في هذا الفرع تعريف الاتحادات الرياضية الدولية، ثم ننتقل لدراسة وظائفها في الفرع الثاني، وذلك كأساس لدراسة مظاهر التبعية بينها وبين الاتحادات الرياضية الوطنية.
لم يعرف المشرع الفرنسي الاتحادات الرياضية الدولية، إلا أن بعض الفقه الفرنسي عرفها بأنها منظمات دولية غير حكومية تأسست بموجب مبادرة خاصة93، تدير رياضة محددة أو العديد من الرياضات على المستوى العالمي، والتي تضم في عضويتها منظمات تدير هذه الرياضة أو تلك الرياضات على المستوى الوطني94. وقد عرف المشرع القطري هذه الاتحادات بأنها جهات دولية غير حكومية تقوم بإدارة رياضة واحدة أو رياضات محددة على المستوى العالمي، وتتولى وضع القواعد واللوائح التي تعزز نزاهة هذه الرياضة أو الرياضات للمشاركين والمعنيين على المستوى الدولي، وتطوير اللاعبين المحتملين وتنظيم البطولات العالمية أو القارية95. ويتشابه هذا التعريف مع ذلك الذي قدمه جانب من الفقه الفرنسي، ولكن أضاف إليه المشرع القطري عناصر الدور الوظيفي الذي ينهض به الاتحاد الرياضي الدولي، بيد أن ما وضعه المشرع القطري بخصوص ذلك محل نظر، بسبب عدم اقتصار القواعد الموضوعة من قبل هذه الاتحادات على تعزيز نزاهة الرياضة التي تديرها، بل يتمثل جوهر دورها الوظيفي في وضع قواعد الألعاب الرياضية، كما أنه ليس واضحا المقصود بتطوير اللاعبين المحتملين؛ حيث كان يفضل أن تكون الصياغة متعلقة بتطوير الممارسة الرياضية للعبة رياضية محددة، واختصاص الاتحادات الدولية بتنظيم المنافسات العالمية، أما المنافسات القارية فهي من اختصاصات الاتحادات القارية، وهي لا ينطبق عليها وصف الاتحادات الدولية، وذلك لاقتصار نشاطها على قارة محددة96، ولا يمتد إلى المستوى العالمي كما ورد في تعريف المشرع القطري ذاته.
وقد تأسست الاتحادات الرياضية الدولية منذ نهاية القرن التاسع عشر؛ حيث تم إنشاء الاتحاد الدولي لسباقات اليخوت سنة 1875، والنادي الدولي لسباقات الخيل سنة 1878، والاتحاد الدولي للتجديف سنة 1892، والاتحاد الدولي لكرة القدم سنة 1904، والاتحاد الدولي للسباحة سنة 1908، والاتحاد الدولي للكرة الطائرة سنة 1947، وقد نشط تنظيم الألعاب الأولمبية منذ سنة 1896 حركة إنشاء الاتحادات الرياضية الدولية؛ فقد أسست تقريبا نصف الاتحادات الرياضية الدولية الموجودة حاليا في النصف الأول من القرن العشرين97.
وتعد الاتحادات الدولية من أشخاص القانون الخاص؛ حيث تأسس معظمها كجمعيات عادية98، لذلك لا تتمتع الاتحادات الدولية بأي مركز قانوني في إطار القانون الدولي العام، ولا تعد من قبيل المنظمات الدولية99، وإن نعتها جانب من الفقه بوصف الجمعيات الدولية100، ويقع مقر معظمها في سويسرا101، ولكن مع ذلك توجد بعض الاتحادات الرياضية الدولية التي يوجد مقرها خارج سويسرا مثل الاتحاد الدولي للسيارات الذي يقع مقره في باريس، كما توجد اتحادات لا تعد من قبيل الجمعيات مثل الاتحاد الدولي للتنس الذي يعد شركة تجارية102، ودون شك فإن مقر الاتحاد الدولي مهم؛ لأنه يتعلق بتحديد القانون الوطني الذي ينطبق على مركزه القانوني103. ولا تتمركز الاتحادات الدولية ضمن صنف واحد، بل لها عدة أصناف فهناك من جهة الاتحادات الدولية التي تدرج رياضاتها في الألعاب الأولمبية وهي تسمى الاتحادات الرياضية الدولية الأولمبية، ومن جهة ثانية هناك اتحادات دولية لا تدرج ألعابها في برنامج الألعاب الأولمبية، ولكن معترف بها من قبل اللجنة الأولمبية الدولية، وتسمى الاتحادات الرياضية الدولية غير الأولمبية104، وتوجد من جهة ثالثة الاتحادات الرياضية الدولية والتي لا يعترف بها من قبل اللجنة الأولمبية الدولية، وهي التي تمارس أنشطة رياضة جديدة غالبا105، ولكن على الرغم من هذه العلاقة التي تجمع بين اللجنة الأولمبية الدولية والاتحادات الدولية، يحتفظ كل اتحاد دولي باستقلاله في إدارة وتنظيم الرياضة التي ينهض بها106. والقاعدة أن يكون لكل لعبة رياضية اتحاد دولي واحد، ولكن مع ذلك يوجد أحيانا أكثر من اتحاد بالنسبة للعبة واحدة، كما هو حال الملاكمة الاحترافية107.
وظائف الاتحادات الرياضية الدولية
تمارس الاتحادات الدولية عدة أنماط من الوظائف؛ فهي تمارس وظيفة التنظيم بغاية إيجاد ممارسة على درجة من انسجام الأنشطة الرياضية التي تنهض بها على المستوى العالمي108، ومما يؤدي إلى وحدتها109؛ حيث إن هناك ارتباطا أكيدا يشهد عليه تاريخ الرياضة بين انطلاق الرياضة الحديثة من جهة وظاهرة تدويل المنافسات الرياضية من جهة أخرى110، وهو الأمر الذي يتم عن طريق تحديد قواعد اللعبة، وأصناف الممارسين وتصنيفهم والقواعد اللازمة للنشاط الرياضي ذي الصلة111، لذلك لا تتحقق وحدة النشاط الرياضي إلا بمقدار التزام الاتحادات الوطنية بقواعد اللعبة التي تضعها الاتحادات الدولية112، مع ملاحظة عدم اختصاص الاتحادات الدولية دوما في وضع قواعد اللعبة؛ فقد توضع من قبل منظمات أخرى غير الاتحادات الدولية وذلك استثناء من الأصل، وهو الأمر المطبق فعلا بالنسبة لكرة القدم، التي توضع قواعدها وتعدل من قبل منظمة خاصة هي اللجنة الدولية لكرة القدم (L’international football association Board)113، وتمارس الاتحادات الدولية أيضا وظيفة مكافحة المنشطات114، والوظيفة التأديبية في مواجهة الاتحادات الوطنية والأندية واللاعبين والإداريين، وكذلك وظيفة تنظيم المنافسات الدولية وتحديد القواعد المتعلقة بذلك، وإعداد سجل النتائج المرتبط بها115، مع مراعاة الفعاليات الرياضية الدولية التي تنظمها الاتحادات القارية وبالتنسيق مع الاتحادات الدولية وبتفويض منه، وكذلك مع مراعاة المنافسات الرياضية الدولية التي تقع ضمن نطاق الألعاب الأولمبية والتي تختص بها اللجنة الأولمبية الدولية116، وذلك بالإضافة إلى الوظيفة الإدارية، خصوصا الإدارة التجارية المتعلقة بحقوق بث المنافسات الرياضية117، وهو ما يطلق عليه بعض الفقه تسمية الوظيفة الاقتصادية الرياضية118.
تبعية الاتحادات الوطنية للاتحادات الدولية
ينصب هذا المطلب على دراسة مظاهر تبعية الاتحادات الوطنية للاتحادات الرياضية الدولية؛ مما يجعلها غير مستقلة عنها، بل خاضعة لها وفقا لمنطق التسلسل الهرمي (الفرع الأول)، ثم ننتقل لدراسة مظهر التبعية الأهم وهو التبعية القاعدية، وأثرها على النظام القانوني للدولة التي ينتمي إليها الاتحاد الوطني (الفرع الثاني)، وذلك من خلال ما يلي:
مظاهر التبعية
أولا: الأساس العضوي لتبعية الاتحادات الوطنية للاتحادات الدولية: يضم الاتحاد الدولي في عضويته اتحادات وطنية معتمدة من قبله، بحسبانها منظمات تنهض بذات النشاط الرياضي في دولها119؛ لذلك تمارس الاتحادات الوطنية نشاطها الرياضي ضمن نفوذ اتحاد دولي محدد120، والقاعدة هي عدم اعتراف الاتحاد الدولي سوى باتحاد وطني واحد في دولة محددة121، والذي يمكن أن يفوضه بصلاحية تنظيم المنافسات الرياضية الدولية على إقليمه الوطني122، ومن ثم فإن الاتحادات الدولية هي التي تمنح الاتحادات الوطنية احتكارا فعليا لإدارة وتنظيم نشاط رياضي محدد، ضمن دولة محددة123. وعلى هذا الأساس تعد الممارسة التنافسية ضمن نشاط رياضي محدد تابعة لبنية اتحادية دولية، فلا ينجز الاتحاد الرياضي الوطني لمهامه إلا من خلال انخراطه في اتحاد دولي، لذلك تخضع الاتحادات الوطنية إلى الاتحادات الدولية وترتبط معها برابطة التبعية124. مما يعد أحد المبادئ الرئيسة التي يقوم عليها تنظيم الرياضة125، وهو ما يدفع للتساؤل حول مدى هذه التبعية؟
ثانيا: مظاهر تبعية الاتحادات الوطنية للاتحادات الدولية: في الحقيقة إن لهذه التبعية مظاهر متعددة؛ حيث يتطلب انضمام الاتحاد الوطني إلى الاتحاد الدولي عدم وجود تعارض بين نظام الاتحاد الوطني الأساسي من جهة ونظام الاتحاد الدولي الأساسي ولوائحه من جهة أخرى، ويجب أن يستمر هذا التطابق، طالما كان الاتحاد الوطني عضوا في الاتحاد الدولي126، تحت طائلة الجزاء كما حدث حين تم إيقاف اتحاد غواتيمالا لكرة القدم من قبل الاتحاد الدولي لكرة القدم لأجل هذا السبب127.
ومن مظاهر هذه التبعية أيضا إبرام عقود التنظيم والتي تتضمن شروطا قاسية مفروضة من قبل الاتحاد الدولي على الاتحاد الوطني في حال تنظيم هذا الأخير لمنافسة دولية، بل يمكن أن تفرض مثل هذه الشروط حتى على الدول128، ومثال ذلك الاتفاق المبرم مع الاتحاد الفرنسي للدراجات عند ترشيح فرنسا لتنظيم بطولة العالم لسباقات الدراجات سنة 2023129. وتمتد مظاهر التبعية إلى درجة حظر تدخل سلطات الدولة السياسية في تعيين وإقالة أعضاء الاتحادات الرياضية الوطنية؛ حيث تم إنذار الاتحاد الفرنسي لكرة القدم بإمكانية فرض جزاء عليه في حال التدخل السياسي في تعيين أعضائه130، بل سبب ذلك فرض جزاء الوقف على بعض الاتحادات الوطنية من جانب الاتحاد الدولي لكرة القدم، مثل الاتحاد السلفادوري سنة 2010، والاتحادين العراقي والتشادي سنة 2006، والاتحاد الكاميروني سنة 2004، ولأجل نفس السبب فقد الاتحاد البنيني سنة 2016 والباكستاني سنة 2017 عضويتهما مؤقتا في الاتحاد الدولي لكرة القدم131.
ومن مظاهر التبعية أيضا تقيد الاتحاد الوطني بقواعد اللعبة الرياضية، وقواعد تنظيم المنافسات الأساسية، والتي يجب أن تكون انعكاسا لقواعد الاتحاد الدولي التي تعد الاتحادات الوطنية أعضاء فيه. وتخضع الاتحادات الوطنية كذلك لكل تعديل في هذه القواعد132، ولكن هذا لا يعني عدم تمتع الاتحادات الوطنية بأي هامش من الحرية ضمن التنظيم الوطني للنشاط الرياضي، ولكن شريطة أن تبرر هذه الخصوصيات الوطنية خارج نطاق القواعد الرئيسة العالمية، وضمن هذه الحدود يمكن للاتحادات الوطنية اعتماد قواعد التسيير الأفضل لنشاط رياضي محدد على الإقليم الوطني133، وهو ما يعطيها استقلالا نسبيا حسبما ذهب جانب من الفقه134.
وتتجلى تبعية الاتحاد الوطني للاتحاد الدولي في ناحية الرعايات التجارية للمسابقات الدولية المنظمة من قبل اتحاد وطني؛ حيث يحصل الاتحاد الدولي على رسم على تنظيم هذه المسابقات، وجزء من الدعاية الإعلانية، وحقوق البث التلفزيوني135. ولكن على الرغم من كل مظاهر التبعية سالفة الذكر، تبقى التبعية القاعدية هي المظهر الأهم للتبعية؛ مما يقتضي تخصيص دراسة مستقلة لها في الفرع التالي بالنظر إلى خصوصيتها والاشكاليات التي تثيرها.
التبعية القاعدية
تعد التبعية القاعدية أهم مظاهر التبعية على الإطلاق على المستوى التقني القانوني، وهي تعني خضوع الاتحادات الوطنية إلى القواعد التي تضعها الاتحادات الدولية؛ لأن هذه الأخيرة تتمتع بسلطة قاعدية واضحة في مجال الأنشطة الرياضية التي تديرها136، تلك السلطة القاعدية التي لا ترتبط بأي نظام قانوني وطني، وذلك لأجل تحاشي التبعية المتناقضة مع الشمول العالمي، وهو الأمر الذي لا يوجد بالنسبة لمنظمات دولية غير حكومية أخرى137، وهو ما يدفع للتساؤل حول مركز هذه القواعد الاتحادية الدولية في مواجهة المنظومة القانونية الوطنية، وفيما إذا كانت تصبح جزءا منها، وتتمتع بقوة إلزامية كما لو تم وضعها من قبل السلطة التشريعية الوطنية؟ سوف نناقش ذلك في إطار القانونين الفرنسي والقطري، ثم ننتقل لمناقشته على المستوى الفقهي والقضائي:
أولا: الموقف التشريعي من تبعية الاتحادات الرياضية الوطنية للاتحادات الدولية قاعديا: لقد فرض المشرع الفرنسي منذ سنة 1975 التزاما على عاتق الاتحادات الرياضية الوطنية مناطه احترام القواعد التقنية والأخلاقية الموضوعة من قبل الاتحادات الرياضية الدولية138، وقد سار المشرع ذاته على نفس الخطى في القانون اللاحق الصادر سنة 1984؛ حيث أوجب احترام الأنظمة والقواعد التقنية الدولية الخاصة بالنشاط الرياضي الذي يديره الاتحاد الوطني139. لكن تم بعد ذلك إلغاء هذه الإحالة إلى القواعد الصادرة عن الاتحادات الدولية منذ سنة 2000140. واستمر المشرع الفرنسي على هذا الموقف في تقنين الرياضة الحالي، ومن ثم يمكن القول بوجود صمت تشريعي حاليا حول مكانة القواعد الموضوعة من قبل الاتحادات الدولية141 بل يفسر ذلك كما رأى جانب من الفقه بعدم إمكانية الاحتجاج بهذه القواعد في القانون الداخلي، على الرغم من القوة الإلزامية الواقعية لهذه القواعد في إطار العلاقة بين الاتحادات الدولية والاتحادات الوطنية 142.
أما في دولة قطر؛ فقد أوجب المشرع (مراعاة واحترام استقلالية الرياضة والمعايير الدولية ذات الصلة، والتي تتضمن المبادئ والقواعد المقررة بالميثاق الأولمبي والنظم الأساسية للاتحادات الرياضية الوطنية والدولية، والمدونة العالمية لمكافحة المنشطات، والاتفاقية الدولية لمكافحة المنشطات)143، بيد أنه لا يمكن الاستنتاج من هذا النص التزاما واقعا على عاتق الاتحادات الوطنية بمراعاة القواعد التي تضعها الاتحادات الدولية، والمتعلقة بنشاط رياضي محدد، وذلك لأكثر من سبب، فمن الناحية الموضوعية لم يتضمن النص الإحالة إلى تلك القواعد، إنما أشار فقط إلى ضرورة احترام النظم الأساسية الخاصة بالاتحادات الدولية دون غيرها من القواعد التي تضعها هذه الأخيرة، أما من الناحية الشخصية، فيبدو من هذا النص أن المخاطب به هو الأندية الرياضية وليس الاتحادات الرياضية، وهو ما يجد سنده في خطاب النص ذاته الذي انصب على مراعاة النظم الأساسية (للاتحادات الرياضية الدولية والوطنية)، ودون شك، ليس من المعقول أن يلزم المشرع الاتحادات الوطنية بنظم أساسية قامت هي بوضعها، ومما يؤيد ذلك أن هذا النص ورد في القانون رقم 1 لسنة 2016 ـــ وهو قانون خاص ـــ أساسا بتنظيم الأندية الرياضية، كما أشار المشرع القطري إلى فكرة المعايير الدولية، وجعلها فكرة قانونية جامعة تتضمن القواعد المقررة في الميثاق الأولمبي والنظم الأساسية للاتحادات الرياضية الوطنية والدولية، والمدونة العالمية لمكافحة المنشطات، والاتفاقية الدولية لمكافحة المنشطات، وهو ما يدفعنا للتساؤل حول وجود مضمون قانوني محدد لمصطلح المعايير الدولية، إضافة إلى عدم وجود انسجام موضوعي بين القواعد التي أشار إليها المشرع وجعلها من متعلقات (المعايير الدولية)؛ حيث إن بعضها ما له قوة ملزمة على صعيد القانون الدولي، بحكم أن مصدره اتفاقية دولية ملزمة لأطرافها وهو ما ينطبق على الاتفاقية الدولية لمكافحة المنشطات، والمدونة العالمية لمكافحتها، وبعضها الآخر ليس له أي قوة إلزامية على مستوى القانون الدولي، وهو ما ينطبق على الميثاق الأولمبي والنظم الأساسية للاتحادات الدوليةإ حيث لا تعد هذه القواعد وليدة اتفاقيات دولية، بل هي قواعد موضوعة من قبل منظمات تعد من أشخاص القانون الخاص، وإن كان لها طابع دولي بحكم طبيعة نشاطها. كما أدخل المشرع النظم الأساسية للاتحادات الوطنية في إطار (المعايير الدولية)، مع أنها أعمال قاعدية غير موضوعة من قبل جهات رياضية دولية؟
لذلك يستنتج مما تقدم عدم وجود أي إشارة تشريعية في القانون القطري إلى الالتزام بتطبيق القواعد التي تضعها الاتحادات الدولية والمتعلقة بالأنشطة الرياضية المختلفة؛ مما يقرب الوضع حاليا في القانون القطري من ذلك الموجود في القانون الفرنسي إلى حد كبير، وهو ما يوجب البحث في الأساس القانوني للقوة الملزمة لهذه القواعد.
ثانيا: تقنيات اندماج القواعد الاتحادية في المنظومة القانونية الوطنية: من أجل معرفة أساس القوة الملزمة للقواعد الصادرة عن الاتحادات الدولية لا بد من التذكير بقيام النظام القانوني في كل دولة على عنصر الإكراه، وهو ما يعني فرض القاعدة ضد إرادة الفرد، وفي حال مقاومته، تفرض عليه بالقوة المادية، ومن ثم فإن النظام القانوني (L’ordre juridique) ليس إلا نظاما إكراهيا (Ordre de contrainte)، وهو ما يميزه عن الأنظمة الاجتماعية الأخرى، وطالما أن الدولة هي التي تحتكر الإكراه المادي على إقليمها؛ فتكون لذلك هي المؤهلة فقط لإنتاج نظم قانونية، ومن ثم لا تكون القاعدة قانونية إلا بمقدار ما تصدر عن الدولة، وعلى هذا الأساس فإن الدولة هي التي تسيطر على الظاهرة القانونية144.
وإذا طبقنا ما سبق على القواعد الصادرة عن الاتحادات الرياضية الدولية، يمكن القول بعدم تمتع هذه القواعد بمقومات النظام القانوني؛ نظرا لعدم تمتعها باحتكار ممارسة الإكراه في مواجهة المخاطبين بهذه القواعد145.
وإذا كانت القاعدة هي احتكار الدولة للسلطة القاعدية على النحو المذكور أعلاه، فلا يمكن لقواعد غير صادرة عن الدولة أن تعد جزءا من نظامها القانوني إلا بشرط إدراجها في نظامها القانوني، ومن دون ذلك لا تصبح حاكمة للعلاقات القانونية الاجتماعية فيها، وهي في هذه الحالة فقط تصبح جزءا من نظام قانوني محدد؛ لذلك فهي لا تكتسب شرعيتها إلا من خلال هذا الإدراج، وإذا لم يتم ذلك تبقى القاعدة في إطار الوقائع البسيطة، وبذلك تقوم العلاقة بين النظم الخاصة (Les systèmes privés) ونظام الدولة القانوني على أساس خضوع الثانية للأولى، ويستنتج مما سبق لا يوجد سوى نظام قانوني واحد هو نظام الدولة، وهو فقط الذي يعترف بسيادته146. وطالما كان الأمر كذلك، فلا يمكن القول بشرعية القواعد الصادرة عن الاتحادات الرياضية الدولية، إلا في حال اندمجت في نظام الدولة القانوني، وهناك آليتان أساسيتان لذلك:
وقد تساءل جانب من الفقه الفرنسي حول مدى شرعية القواعد التي تضعها الاتحادات الدولية وفقا لهذا الأساس العقدي؛ لأنه من المفترض أن يكون العقد علاقة قانونية بين طرفين متساويين، وهو الأمر غير المحقق في إطار العلاقات بين أطراف الحركة الرياضية الدولية؛ حيث إن الرياضي أو الوكيل الرياضي أو النادي لا يتمتع حقيقة باختيار الخضوع إلى التنظيم الرياضي الدولي؛ لأن هذا الخضوع هو شرط للاشتراك في المنافسات الرياضية الدولية، ومن ثم فإن الرضا في هذه الحالة ليس له معنى إذا كان الشخص القانوني الذي يصدر عنه لا يتمتع بأي اختيار ممكن، ودون إمكانية القبول أو الرفض، بل إن الموافقة تأخذ هنا معنى التنازل، وتحت طائلة الاستبعاد من المنافسات، وهو ما يخفي علاقات سلطة موجودة في وسط التنظيم الاتحادي الدولي152، ومن ثم لا يعد كافيا فهم هذه العلاقات من منظور العقد؛ لأن الوضع في هذه الحالة ليس كما هو الحال في عقود الإذعان؛ لأن المتعاقد في عقود الإذعان يملك إمكانية قبول الشروط العقدية جملة أو رفضها جملة وهو ما ليس متحققا في إطار العلاقات العقدية التي تبرم بين أطراف الحركة الرياضية الدولية153، كما يزداد الأمر تعقيدا إذا علمنا أن الأشخاص الرئيسة الفاعلة ضمن الحركة الرياضية الدولية (اللاعبون والوكلاء الرياضيون والأندية ... إلخ) لا يعدون أعضاء في عضوية الاتحادات الدولية التي تضع هذه القواعد، كما أنهم ليسوا أطرافا في العلاقات العقدية الخاصة المشار إليها؛ مما يلقي ظلالا من الشك على مدى وجود رضا هؤلاء في إطار هذه العلاقات العقدية، ومن ثم صلاحية السند العقدي للقول بمشروعية القواعد الاتحادية الدولية ضمن كل دولة154.
وحتى لو افترضنا أن أساس شرعية القواعد الصادرة عن الاتحادات الدولية هي تلك العلاقات العقدية؛ إلا أن القواعد الناجمة عن هذه العلاقات العقدية تخضع إلى القواعد الآمرة الصادرة عن الدولة155؛ حيث لا يوجد عقد دون قانون دولة، وهو الأمر الذي يعطي لقانون الدولة دورا وظيفيا هو تنسيق قواعده مع القواعد الصادرة عن الاتحادات الرياضية الدولية، وليس ذلك إلا تعبيرا عن رغبة الدول المختلفة بفعالية نظمها القانونية في مواجهة العلاقات العقدية الخاصة156. ويترتب عن ذلك نتيجتان فمن جهة يتم تغليب القاعدة الداخلية الوطنية في حال تعارضها مع القاعدة الدولية الاتحادية ذات المصدر العقدي والتي وصفها بعض الفقه الفرنسي أنها من قواعد القانون الذاتي التي يجب أن تتوافق مع قانون الدولة التي تطبق فيها157، ومن جهة أخرى يؤدي ذلك إلى تقدير القاعدة الرياضية الدولية على أساس نظم قانونية مختلفة، بحكم اختلاف القواعد المتعلقة بالنظام العام من دولة إلى أخرى158، وهو ما يعني عدم تطبيق هذه القواعد بشكل عام، وعدم تطبيقها بشكل متساو على كافة أعضاء الحركة الرياضية الدولية؛ مما يفقدها أهم خصائص القاعدة القانونية.
2- إدراج قواعد الاتحادات الدولية في النظام القانوني الوطني بالتحويل عن طريق الاتحاد الوطني المفوض (حالة خاصة بفرنسا):
يعترف النظام القانوني الفرنسي للاتحادات الرياضية الوطنية المفوضة بسن قواعد عامة مجردة ذات طابع لائحي159، وذلك بحسبانها مفوضة بتنفيذ مرفق عام، ومن ثم فإنها تصدر اللوائح التنظيمية اللازمة لتسيير ذلك المرفق160، على عكس الاتحادات الدولية التي لا تعد مؤهلة لإنشاء مثل هذه القواعد161؛ حيث قرر مجلس الدولة الفرنسي بعدم تمتع القواعد الموضوعة من قبل هذه الاتحادات بأي بقوة تنفيذية ذاتية في النظام القانوني الداخلي162، وليس لها أي أثر مباشر في النظام القانوني الفرنسي163، ولا يمكن أن تنتج آثارا إلا في حال تم تبنيها من قبل الاتحادات الوطنية من خلال اللوائح الصادرة عنها164 وهو ما أقره مجلس الدولة أيضا165، ومن ثم تصبح السلطة اللائحية المعترف بها للاتحادات الرياضية المفوضة وسيطا بين القواعد الموضوعة من قبل الاتحادات الدولية من جهة والنظام القانوني الوطني الفرنسي من جهة أخرى؛ لذلك رفض مجلس الدولة الفرنسي الاعتراف بأي مكانة للقواعد الرياضية الدولية ضمن النظام القانوني الفرنسي إذا لم تحول عن طريق اتحاد وطني مفوض؛ حيث قرر صراحة أنه في حال التعارض بين أنظمة انتقال اللاعبين الصادرة عن الاتحاد الدولي لكرة القدم وتلك الصادرة عن الاتحاد الوطني لكرة القدم حول نفس الموضوع؛ فإن أنظمة الاتحاد الوطني هي القابلة للتطبيق في فرنسا166. كما قضى تطبيقا لذلك بعدم جواز معارضة الوكيل الرياضي لقاعدة لائحية صادرة عن الاتحاد الوطني لكرة القدم والمتعلقة بوجود موسم واحد لامتحان الحصول على ترخيص وكيل رياضي، على أساس أن ذلك يخالف أنظمة الاتحاد الدولي لكرة القدم، التي تنص على وجود موسمين لإجراء الامتحان المذكور167. وعلى هذا الأساس لا يأخذ مجلس الدولة الفرنسي بالحسبان سوى تلك القواعد اللائحية الصادرة عن الاتحادات الرياضية الوطنية المفوضة؛ مما يعني عدم الاعتراف بأي أثر مباشر للقواعد الاتحادية الدولية ضمن النظام القانوني الوطني168. ولكن إذا كان لا يمكن تطبيق القاعدة الاتحادية الدولية إلا عن طريق تحويلها من خلال اللوائح الصادرة عن الاتحادات المفوضة؛ فإنه لا بد من تحقق ثلاثة شروط في هذه الحالة: وأول هذه الشروط أن تصدر القرارات اللائحية التي تتوخى التحويل في إطار ممارسة الاتحاد المفوض لامتيازات السلطة العامة169، تلك الامتيازات التي تمنح للاتحاد المفوض في سبيل إنجاز مهمة المرفق العام المعهودة إليه170، وترجع هذه الامتيازات إلى الاحتكار الممنوح إلى الاتحادات المفوضة؛ مما يجعلها ذات نفوذ لا يمكن الفكاك منه في مواجهة من تربطهم معها علاقات قانونية ذات طابع رياضي171، أما ثاني هذه الشروط؛ فهي أن تدرج القاعدة الاتحادية الدولية في إطار مهمة المرفق العام المذكورة172، وهو ما يتحقق طالما كانت استعادة القاعدة الاتحادية الدولية تتصل بالاختصاصات المعترف بها قانونا للاتحادات الرياضية المفوضة، مثل سن قواعد اللعبة، والقواعد المتعلقة بالتصنيف الوطني، وقواعد تنظيم المنافسات الرياضية، والقواعد المتعلقة باشتراك الرياضيين في المنافسات173.
أما ثالث الشروط؛ فهو خضوع القاعدة الاتحادية الدولية محل التحويل إلى القواعد الوطنية الأعلى، فعندما تحول القاعدة الاتحادية الدولية عن طريق لائحة اتحادية وطنية؛ فإن اللائحة التي تم من خلالها التحويل تعد قرارا إداريا، وعندئذ يجب أن تكون متطابقة مع المنظومة القانونية الداخلية بعناصرها المختلفة والمتمثلة في المعاهدات الدولية والدستور والقانون والمبادئ العامة للقانون، وهذا يعني أنه في حال كان هناك تعارض بين مضمون القاعدة التي تم تحويلها لائحيا من جهة وأي من عناصر المنظومة القانونية من جهة أخرى، فستكون مشوبة بالبطلان174، ونستنتج من ذلك؛ أنه إذا كان التحويل عن طريق اللوائح الاتحادية الوطنية وسيلة لاكتساب القاعدة الدولية قيمة تشريعية ضمن النظام القانوني الفرنسي؛ إلا أنه لا يجوز أن يكون هذا التحويل وسيلة لمخالفة الشرعية175، بيد أن القضاء الإداري الفرنسي لا يطبق ذلك على إطلاقه؛ حيث يراقب تطابق القواعد الدولية الاتحادية المحولة مع القواعد القانونية النافذة في الدولة، مع احترام الخصوصيات الرياضية أحيانا، وهو ما تمثل في قضية بت فيها مجلس الدولة بقواعد اتحادية دولية محولة بموجب لائحة صادرة عن اتحاد وطني مفوض، والتي تضمنت معايير تشكيل منتخب وطني وعلى أساس أن يتم تشكيله من قبل ثمانية لاعبين على الأقل المتمتعين بالجنسية الفرنسية، والمرخصين من الاتحاد منذ خمس مواسم رياضية على الأقل، والذين اشتركوا بشكل فعال في منافسات منظمة من هذا الاتحاد خلال هذه المواسم الخمسة، فقضى المجلس بعدم مشروعية هذا النص؛ لأنه يؤدي إلى حظر اشتراك لاعبين فرنسيين موجودين في الخارج في المنافسات، ممن لم يوجدوا في فرنسا خلال الأعوام الخمسة الأخيرة، ومن ثم فإن ذلك يخالف مبدأ الدخول الحر إلى المنافسات الرياضية، ومبدأ المساواة، وهي القواعد الأعلى في هذه الحالة، وأبدى المجلس بعض المرونة في هذه القضية؛ حيث رأى أنه يمكن أن تخالف القاعدة الاتحادية الدولية المحولة القانون الوطني إذا كانت هذه المخالفة متناسبة مع الهدف المتوخى، ولكن لم ير المجلس في هذه القضية أن مخالفة مبدأ الدخول الحر إلى الأنشطة الرياضية ومبدأ المساواة، يفوق في أهميته الغرض المتمثل في تبني ودعم اللاعبين المكونين في فرنسا176؛ مما يعد تطبيقا لمبدأ التناسب177.
وبعد ذلك بعدة سنوات تغير اتجاه مجلس الدولة الفرنسي؛ حيث ظهر توجه نحو إخضاع المؤسسات الرياضية إلى قانون الدولة بشكل مطلق، وتطبيق تسلسل القواعد بشكل دقيق، والعدول عن مبدأ التناسب178، بل أقر المجلس صراحة عدم إضفاء المشروعية على لائحة صادرة عن اتحاد وطني لمجرد أنها استندت إلى معيار مطبق من قبل اتحاد رياضي دولي179؛ حيث ألغى لائحة صادرة عن الاتحاد الوطني لكرة السلة، يتعلق بأهلية بعض اللاعبين في المشاركة في المنافسات الوطنية، تلك القاعدة التي كان مصدرها متطلبات موضوعة من قبل الاتحاد الدولي لكرة السلة، وبموجب هذه اللائحة تمت معاملة اللاعبين الفرنسيين الذين اكتسبوا الجنسية الفرنسية قبل أقل من ثلاث سنوات معاملة اللاعبين الأجانب، بالنسبة للاشتراك في المنافسات الرياضية التي ينظمها الاتحاد المذكور، فألغى المجلس هذه اللائحة بسبب مخالفتها لقانون الجنسية الفرنسي والذي يحظر إجراء تمييز بين المواطنين وفقا لتاريخ اكتسابهم لجنسيتهم، وما يعد بدوره مخالفا لمبدأ المساواة 180.
وتؤدي هذه المعطيات الاجتهادية إلى معضلة قانونية، كما يرى جانب من الفقه الفرنسي؛ لأن الاتحاد الرياضي الوطني يكون أمام أمرين أحلاهما مر في حال كانت القواعد الاتحادية الدولية مخالفة للقواعد القانونية الداخلية؛ فإن تبناها عن طريق إصدار قرار لائحي يتضمن هذا المعنى وقع في مطب مخالفة الشرعية، وإذا رفضها لمخالفتها للشرعية القانونية الداخلية، ربما تعرض لجزاءات مفروضة من قبل الاتحاد الدولي، وربما يزداد الأمر تعقيدا بالنسبة لكل من الاتحاد الوطني المفوض والاتحاد الدولي فيما إذا كان عدم تطبيق القاعدة عائدا إلى إلغاء قرار الاتحاد المفوض الذي تبنى القاعدة اللائحية الدولية من قبل القضاء الإداري181.
وإذا كان الأمر كذلك بالنسبة للقواعد العامة الصادرة عن الاتحادات الدولية، فما هو الحال بالنسبة للقرارات الفردية الصادرة عن هذه الاتحادات، ويكون المطلوب تنفيذها في الإقليم الفرنسي، من خلال قرارات تصدر عن الاتحادات الوطنية؟ حيث يثور ذلك خصوصا بالنسبة للقرارات الاتحادية الدولية التي تتضمن فرض جزاءات تأديبية، بمناسبة منافسات أقيمت في الخارج. في هذه الحالة لم يدخل مجلس الدولة هذه القرارات الصادرة عن الاتحادات الوطنية في عداد القرارات الإدارية؛ حيث لا يتصرف الاتحاد الرياضي الوطني المفوض في هذه الحالة ضمن مهمة المرفق العام الممنوحة له182. ولكن يعد مثل هذا القرار إداريا إذا تم تأسيس القرار على أساس النظم الداخلية للاتحاد الوطني، وإن كان الاتحاد الدولي هو المبادر في فرض الجزاء183. ولكن إذا كان القرار إداريا في هذه الحالة فيجب أن يأخذ الاتحاد الوطني في الحسبان وجود الوقائع المبررة للجزاء وتناسب الجزاء المفروض معها، ومن ثم لا يجوز التسليم بتقدير وجود الوقائع وتناسبها مع الجزاء كما قام بها الاتحاد الدولي الذي بادر في فرض الجزاء، على أساس أنه السلطة السيادية التي تنفرد في تقدير ذلك؛ لأن ذلك يؤدي إلى الحد من حقوق الدفاع184، وهو ما ينتج عنه فرض رقابة كاملة من قبل القضاء الإداري الوطني على الجزاء الرياضي المفروض من قبل اتحاد دولي، وذلك إذا تبناه الاتحاد الوطني، وفرضه بناء على أنظمته؛ ففي هذه الحالة يعد القرار إداريا، ولا يعد مشروعا إلا إذا كان متوافقا مع متطلبات النظام التأديبي الخاص بالاتحاد الوطني، والموضوع بدوره كما رأينا سابقا على أساس النظام التأديبي النموذجي المفروض من قبل الدولة على الاتحادات الرياضية بصريح نص القانون185، ونحن نرى أن هذه الآلية هي وسيلة ابتدعها القضاء الإداري الفرنسي من أجل بسط رقابته بشكل غير مباشر على القرارات الاتحادية الدولية الفردية التي تتضمن فرض جزاءات تأديبية.
وإذا كان الأساس القانوني للقوة الإلزامية للقواعد الاتحادية الدولية يتجسد من خلال تبنيها من قبل الاتحادات المفوضة من خلال لوائح صادرة عنها؛ فإن ذلك لا يعد أساسا قانونيا لتلك القوة الإلزامية للقواعد الاتحادية الدولية في دولة قطر، وذلك لأن القانون القطري لا يعرف نظام الاتحادات الرياضية المفوضة بمهمة مرفق عام، ومن ثم لا تتمتع الاتحادات الرياضية بصلاحية إصدار قرارات إدارية لائحية كنظيرتها الاتحادات المفوضة في فرنسا، وهو ما يحول بدوره دون استقطاب القواعد الاتحادية الدولية من خلال قرارات لائحية صادرة عن الاتحادات الرياضية الوطنية.
ولكن هل يمكن تفسير هذه القوة الإلزامية للقواعد الاتحادية الدولية على أساس الإحالة المباشرة من قبل المشرع، ومن خلال نص قانوني صريح يضفي عليها مثل هذه القوة الإلزامية؛ وبحيث يصبح لها قيمة مثل القواعد التشريعية النافذة؟ في الحقيقة لا يمكن القول بذلك وذلك لعدة أسباب: فمن جهة أولى؛ لأن ذلك يتضمن إقرارا بوضع قاعدة تشريعية من قبل الاتحادات الدولية، والتي تعد من أشخاص القانون الخاص؛ مما لا ينسجم مع أحكام الدستور القطري التي لا تقر إمكانية صدور قاعدة تشريعية من قبل أشخاص القانون الخاص؛ حيث لا يمكن أن تصدر سوى عن سلطات الدولة فقط؛ سواء أكانت قانونية أم لائحية، ومن جهة ثانية يعد ذلك تفويضا من المشرع من أجل إصدار قواعد تشريعية ملزمة لها قوة النفاذ في النظام القانوني الوطني؛ مما يمكن أن يعد تفويضا تشريعيا في حين أن الدستور القطري لا يعرف نظام التفويض التشريعي بأي شكل كان، كما أن ذلك يخالف الأصول العامة للتفويض التشريعي التي تقتضي أن تنتقل سلطة التشريع من السلطة التشريعية إلى السلطة التنفيذية؛ أي بين سلطتين من سلطات الدولة186، وليس من السلطة التشريعية إلى شخص من أشخاص القانون الخاص، والذي يعد شخصا أجنبيا؟ وكذلك الحال لا تعد القواعد الاتحادية الدولية ثمرة معاهدات دولية؛ مما يحول دون اندماجها في النظام القانوني القطري على هذا الأساس؛ لذلك يمكن القول إن ما نص عليه المشرع القطري بشأن الالتزام بالنظم الأساسية للاتحادات الدولية ليس من شأنه أن يفسر القوة الإلزامية لهذه النظم، وليس من شأنه أن يحولها إلى قواعد تشريعية ملزمة ضمن النظام القانوني الداخلي في دولة قطر.
لذلك؛ فإنا نرى أن الأساس الذي يمكن أن تقوم عليه القوة الملزمة للقواعد الاتحادية الدولية في دولة قطر هو الأساس التعاقدي؛ حيث تلتزم الاتحادات الوطنية القطرية بالقواعد التي تضعها الاتحادات الدولية من خلال عقد الجمعية الذي يجمعهما، وذلك من خلال انضمام الأولى إلى الثانية واكتسابها لعضويتها، ولكن هذا الأساس التعاقدي يبقى قاصرا في تفسير تلك القوة الإلزامية في إطار العلاقة التي تجمع الاتحادات الرياضية الوطنية مع أعضائها، وذلك لأن هؤلاء الأعضاء ليسوا أعضاء في الاتحادات الدولية، ولعدم تمتع الاتحادات الرياضية القطرية بوصف الجمعيات، ومن ثم لا يمكن إلزام أعضاء الاتحادات بالقواعد الدولية الاتحادية من خلال عقد الجمعية، ومن هنا نقترح على المشرع القطري أن يتبنى نظاما عقديا واضحا من شأنه أن يؤدي إلى نقل هذه القواعد الاتحادية الدولية في مواجهة أعضاء الاتحادات الرياضية القطرية وذلك كله مع تأكيدنا على ضرورة أن تكون القواعد الاتحادية الدولية متوافقة مع النظام العام في دولة قطر، بحكم أن العلاقة العقدية التي يمكن أن تجمع بين الاتحاد الرياضي الوطني القطري وأعضائه هي علاقة عقدية تخضع للقانون القطري.
توصلنا في هذا البحث إلى مجموعة من النتائج والتوصيات، نجملها فيما يلي:
يتبين لنا بعد الانتهاء من هذا البحث وجوب عمل الاتحادات الرياضية ضمن مناخ من الاستقلال، بيد أن درجات هذا الاستقلال تتراوح حسب العلاقات القانونية التي تجمع الاتحادات الرياضية مع الأشخاص القانونية الأخرى.
أولا: النتائج:
ثانيا: التوصيات:
Bibliographie
Professor of Public Law - College of Law - Qatar University.
Views
Downloads
Citations
Authors
Issue
Year