The Legal Classification of Waqf Land Investment Contracts

Abstract

This study examines the legal framework governing contracts for the investment of waqf land under Qatari legislation by analyzing the relationship between the haikr (long-term lease) regime laid down in the Civil Code and the system of waqf development and investment introduced by the Waqf Law. The research departs from a central question: whether the Qatari legislator has preserved the traditional haikr system or moved beyond it toward a new contractual model that better aligns with contemporary requirements for waqf-based development.

The paper demonstrates that the evolution of waqf investment reflects a shift in legislative philosophy—from reliance on traditional, quasi-permanent contractual forms to the adoption of a modern investment approach based on flexibility, institutional oversight, and the sustainable management of endowed assets. It further shows that the Qatari legislator has reformulated the relationship between the waqf and the investor within a new regulatory framework grounded in administrative supervision and waqf governance, striking a balance between the preservation and the development of endowed property.

The study concludes that Qatari legislation has moved toward renewing the concept of waqf development by abandoning traditional systems rooted in haikr and embracing contemporary investment contracts that respect the specific nature of endowed assets and align with their legal, economic, and religious objectives. This shift reflects a clear legislative vision aimed at transforming the waqf into an effective instrument of sustainable development, thereby enhancing its role in supporting the State’s social and economic goals.

Keywords: Waqf Haikr Waqf investment Waqf development Qatari law

Full Article

المقدمة

ظهرت إلى جانب صور الإيجار التقليدي1 أنماط أخرى من الإيجارات الممتدة أو الدائمة التي عرفت منذ العصور القديمة في مختلف النظم القانونية. وقد وجدت هذه الإيجارات الطويلة ما يبررها من اعتبارات اقتصادية واجتماعية متشابكة. فعلى الصعيد الاقتصادي، جاءت استجابة لحاجة ملحة إلى تعمير الأراضي البور والمباني المتهدمة التي يعجز الملاك عن إصلاحها أو استغلالها بأنفسهم، فيلجؤون إلى تأجيرها لمن تتوفر لديه القدرة على الإعمار مقابل انتفاع طويل الأمد. ويحرص المستأجر عادة على أن تكون مدة الإيجار طويلة أو غير محددة حتى يطمئن إلى أن ما ينفقه من نفقات الإصلاح والتشييد سيعود عليه بعائد مجز على المدى البعيد.

أما من الناحية الاجتماعية؛ فقد لبت هذه الإيجارات رغبة الملاك في الحفاظ على ملكيتهم للأعيان وعدم التفريط فيها بالبيع، مع تمكين من هم أكثر كفاءة منهم من استثمارها واستغلالها؛ فتتحقق بذلك معادلة متوازنة تجمع بين بقاء الملكية الأصلية واستمرار المنفعة الاقتصادية والاجتماعية للعقار2.

وتتنوع صور الإيجارات طويلة المدة في القانون الفرنسي؛ إذ نشأت أغلبها على أساس العرف والعادات المحلية التي تختلف من إقليم إلى آخر. ويعد أهم هذه الأنظمة وأكثرها شيوعا عقد الأمفيتيوز (Emphytéose)، وهو نظام يقارب في جوهره عقد الحكر المعروف في الفقه الإسلامي، بل يقال إن فكرة الحكر استلهمت منه3. ويرجع أصل عقد الأمفيتيوز إلى القانون الروماني، حيث ظهر كوسيلة قانونية تهدف إلى تشجيع استصلاح الأراضي البور وإعمارها، وذلك بمنح المنتفع حقا طويل الأجل – وأحيانا دائما – في استغلال الأرض مقابل بدل سنوي ثابت4. وقد انتقل هذا النظام في العصور اللاحقة إلى القانون الفرنسي القديم، وظل معمولا به بوصفه أحد عقود الإيجار الدائمة التي قد تستمر مدى الحياة أو لأجيال متعاقبة. غير أن قانون 18 ديسمبر 1790 الصادر في أعقاب الثورة الفرنسية حدد الحد الأقصى لمدة هذا العقد، في إطار السعي لإلغاء الحقوق الإقطاعية ذات الطابع الأبدي. وبعد ذلك، أعيد تنظيم الأمفيتيوز تشريعيا بموجب قانون 25 يونيو 1902 الذي أدرج أحكامه ضمن التقنين الزراعي الفرنسي القديم (المواد 937 - 950)، ثم نقل لاحقا إلى الصيغة الحديثة في مدونة القانون الريفي والصيد البحري الفرنسي (Code rural et de la pêche maritime) ضمن المواد L. 451-1 إلى L. 451-13، وهي التي تنظمه حتى اليوم بوصفه حقا عينيا تتراوح مدته بين 18 و99 سنة.

أمّا في البيئة القانونية الإسلامية؛ فقد تبلورت فكرة الإيجارات الدائمة أو الممتدة عبر الزمن في ظل نظام الوقف. إذ كانت الأعيان الموقوفة، بحكم خروجها عن دائرة التداول، كثيرا ما تهمل وتترك دون استغلال، فتتحول مع مرور الزمن إلى أراض بور أو مبان آيلة للسقوط، بينما تقف إدارة الوقف عاجزة عن إصلاحها بسبب ضعف مواردها المالية. وقد فاقم من هذا الوضع ما قررته القواعد الفقهية التقليدية من قيود صارمة على تأجير الوقف، الأمر الذي نفر المستثمرين من الدخول في مثل هذه العقود، لعدم وجود ضمان يتيح لهم استرداد ما أنفقوه على الترميم والتعمير. وبما أن نظام الوقف لا يجيز بيع العين الموقوفة؛ فقد نشأت الحاجة إلى إيجاد صيغة قانونية تسمح بإعمار الأعيان الموقوفة مع الإبقاء على طابعها الوقفي. ومن هنا ظهرت الإيجارات طويلة المدة – ومن أهمها وأقدمها الحكر5 - كحل وسط يوازن بين مصلحتين: مصلحة الوقف في الحفاظ على ملكيته وعدم التفريط فيها، ومصلحة المستثمر في الحصول على حق استغلال طويل الأجل يتيح له تعويض نفقاته وتحقيق عائد مجز بمرور الوقت. وقد أثبتت هذه الإيجارات فعاليتها العملية؛ إذ مكنت الأوقاف من الحصول على دخل سنوي ثابت، ولو كان زهيدا، يضمن استمرار صلتها بالأعيان الموقوفة، وفي المقابل منحت المستأجرين فرصا واسعة لاستثمار تلك العقارات المتهالكة وإعادتها إلى الحياة الاقتصادية عبر الإعمار والتطوير6.

إشكالية البحث:

نظم المشرع القطري الإيجارات طويلة الأجل في موضعين: الأول، في المواد (1029 – 1042) من مدونة القانون المدني تحت عنوان حق الحكر، وذلك ضمن الحقوق العينية الأصلية المتفرعة عن حق الملكية7. وهي نصوص استلهمت في معظمها من المواد (999 – 1012) من التقنين المدني المصري، الذي استقاها بدوره من الشريعة الإسلامية ومن أحكام القضاء8. أما الموضع الثاني: ففي المواد 49 – 52 من قانون الوقف تحت عنوان عمارة الوقف واستثماره9. والمتأمل في مجموع هذه النصوص يجد صعوبة في فهم الطبيعة القانونية لهذا النوع من العقود؛ إذ يثير عقد الإيجار طويل الأجل إشكالا دقيقا في التنظيم القانوني بين ما ورد بشأنه في القانون المدني وما نص عليه قانون الوقف، وذلك لاختلاف النظامين في الأساس الذي يقوم عليه العقد، وفي طبيعته وآثاره ومدته، بل وحتى في التسمية التي أطلقها المشرع عليه. فبينما يعترف القانون المدني بالحكر كحق عيني أصلي ينشأ بعقد خاص يسمى عقد الحكر ويرتب لصاحبه سلطة مباشرة على عين موقوفة، نجد أن قانون الوقف يتجنب استخدام مصطلح الحكر صراحة، ويتعامل معه في نطاق أضيق من حيث المدة والآثار القانونية. ويترتب على هذا التباين اختلاف جوهري في تكييف العقد بين النظامين؛ سواء من حيث مصدر الحق أو طبيعته أو نتائجه العملية في إدارة الأعيان الموقوفة واستغلالها.

وانطلاقا من هذا التباين التشريعي، يسعى هذا البحث إلى الإجابة عن الإشكالية الآتية: ما التكييف القانوني لعقد استثمار أراضي الوقف في التشريع القطري؟

في هذا الإطار، يمكن النظر إلى الموضوع من زاويتين مختلفتين: الأولى، أن الحكر يعد حقا عينيا أصليا لا يكتسب إلا بعقد محدد هو عقد الحكر، وبالتالي يكون الأصل في تنظيمه هو نصوص القانون المدني المتعلقة بالحقوق العينية، مع إعمال نصوص قانون الوقف في الحدود التي وردت فيها أحكام خاصة، تطبيقا للقاعدة التي مؤداها أن النص الخاص يقيد العام. أما الزاوية الثانية، فهي أن المشرع في قانون الوقف قد وضع تنظيما مغايرا للحكر، يقوم على فلسفة مختلفة تراعي خصوصية المال الموقوف وغايته، ومن ثم يجب التعامل معه كعقد استثماري ذي طبيعة خاصة له أحكامه الذاتية، ويرجع فيما لم يرد به نص خاص إلى قواعد النظرية العامة للعقد في القانون المدني، لا إلى أحكام الحكر الواردة فيه.

منهج البحث:

يعتمد هذا البحث منهجا تحليليا مقارنا يسعى إلى استجلاء الطبيعة القانونية لعقد استثمار أراضي الوقف من خلال تحليل النصوص ذات الصلة في كل من القانون المدني وقانون الوقف القطري. حيث سيتم عرض وتحليل الأحكام التشريعية المنظمة للحكر وأحكام عمارة الوقف، وبيان أوجه الالتقاء والاختلاف بينهما من حيث الطبيعة والمدة والشروط والآثار، وذلك بالمقارنة مع التجربة التشريعية المصرية والفقه الإسلامي قصد تفسير الجذور التاريخية لهذا العقد وتحديد موقعه القانوني المعاصر.

أهمية البحث:

تأتي أهمية هذا البحث من كونه يفسر التداخل بين القانون المدني وقانون الوقف حول مسألة استثمار الأراضي الوقفية ويوضح مجالات الانسجام والتعارض بينهما، في موضوع يندر تناوله فقهيا. كما يفتح البحث آفاقا جديدة أمام الفاعلين في إدارة الأوقاف لفهم القواعد القانونية المنظمة للاستثمار الوقفي وتطبيقها بصورة أكثر وعيا. ويفيد صناع القرار من نتائج الدراسة في تعزيز الحوكمة الوقفية واستدامة تنمية الأصول. فضلا عن ذلك، يوفر للباحثين إطارا واضحا لإثراء الدراسات المستقبلية حول عقود الاستثمارات المتعلقة بالوقف.

خطة البحث:

بناء على ما تقدم، ستتم معالجة الموضوع وفق خطة بحث يقسم فيها العرض على النحو الآتي:

المطلب الأول: الحكر حق عيني أصلي يكتسب بعقد الحكر

المطلب الثاني: عقد عمارة الوقف واستثماره

المطلب الأول

الحكر حق عيني أصلي يكتسب بعقد الحكر

عرف المشرع القطري الحكر في المادة 1029 مدني بأنه: "عقد يكسب به المحتكر حقا عينيا على أرض وقف، يخول له الانتفاع بها بإقامة بناء عليها أو غراس أو لأي غرض آخر، في مقابل أجرة معينة"10.

ويلاحظ على هذا التعريف أمران: الأول: أنه جعل لمصطلح الحكر معنيين، أحدهما عقد الحكر، وهو الاتفاق الذي يبرم بين ناظر الوقف والمحتكر ويترتب عليه منح الأخير حقا على أرض موقوفة مقابل أجرة معينة، والآخر حق الحكر ذاته، وهو حق عيني أصلي متفرع عن حق الملكية، يخول المحتكر سلطة مباشرة في الانتفاع بالأرض الموقوفة واستغلالها على نحو مستمر11. ويستفاد من ذلك أن المصدر الوحيد لحق الحكر هو عقد الحكر ذاته؛ إذ لا قيام لهذا الحق إلا بوجود هذا العقد الذي ينشئه ويحدد نطاقه وآثاره12. ونعتقد – مع جانب من الفقه - بأن الصياغة التشريعية كان يمكن أن تكون أدق لو أن المشرع عرف الحكر بوصفه "حقا عينيا عقاريا ينشأ من عقد هو عقد الحكر"13. أما الأمر الثاني: فهو أن الحكر يختلف في جوهره عن الإيجار العادي؛ فحق الحكر لا يعتبر حقا شخصيا للمحتكر كعقد الإيجار وإنما يعتبر حقا عينيا يترتب لصاحبه على أرض موقوفة14. وعلى ذلك فهو "يخول للمحتكر الحق في الانتفاع بالأرض بكافة أوجه الانتفاع وله حق القرار فيها بالبناء أو الغراس، وللمحتكر أن يتصرف في حق الحكر بجميع أنواع التصرفات فله أن يبيعه أو يهبه، أو يرتب عليه حق انتفاع، وله أن يؤجره للغير، وينتقل عنه بالميراث، (... ) ولذلك فلا محل لقياس حالته على حالة المستأجر صاحب الحق الشخصي"15.

ويشترك كل من القانون المدني وقانون الوقف في الأسس الجوهرية التي يقوم عليها عقد الحكر رغم اختلاف منطلقاتهما التشريعية؛ إذ يلتقيان في عناصر أساسية تعبر عن وحدة الفلسفة القانونية الكامنة وراء هذا النظام. فالمحل في كلا التنظيمين واحد، وهو الأرض الموقوفة التي يراد إعمارها واستثمارها، كما أن الباعث واحد يتمثل في شرط الضرورة والمصلحة الذي يبرر التصرف في أعيان الوقف من أجل تعميرها وجعلها صالحة للاستغلال.

أولا: الحكر لا يرد إلا على أرض موقوفة:

تنص المادة 1031/1 مدني على أنه: "لا يجوز ترتيب حق حكر على أرض غير موقوفة ...". أما المادة 49 من قانون الوقف فتقضي بأنه: "إذا خرب الوقف، أو تعذر إنتاج ريعه، أو كان أرضا لا ريع لها، ولا يوجد ما يعمر به من ريع الوقف، فلناظر الوقف، بعد موافقة الإدارة المختصة، أن يأذن لمن يعمره من ماله، ببناء أو غرس ...".

ويتبين من هذين النصين أن العين المحتكرة لا بد أن تكون عينا موقوفة16، فلا يجوز إنشاء حق الحكر على عين غير موقوفة17. وهذا – بالمناسبة - خلاف ما تقضي به أحكام الشريعة الإسلامية، التي يجيز فقهاؤها تحكير الوقف وغير الوقف18. ومؤدى ذلك أن المشرع نظر إلى الحكر - رغم ما قد يحققه من مزايا - باعتباره نظاما استثنائيا لا يخلو من مساوئ، فهو "قيد خطير على حق الملكية، بل هو ملكية تقوم على الملكية الأصلية"19، لذلك حرص على تضييق نطاق تطبيقه وحصره في أضيق الحدود الممكنة20.

وإذا كان الحكر قد أبرم صحيحا على أرض موقوفة، ثم زالت صفة الوقف لاحقا؛ فإن الأصل - بحسب المادة 1039/3 مدني - هو انتهاء الحكر قبل أجله، إلا إذا كان زوال صفة الوقف ناشئا عن رجوع الواقف في وقفه أو إنقاصه لمدته؛ فهنا يبقى الحكر قائما إلى نهاية مدته حماية للمستحكر من تغير أحدثه الواقف بإرادته. فالواقف – في هاتين الحالتين - سعى في نقض ما تم من جهته فيرد عليه سعيه بأن يستمر الحكر على الأرض حتى ولو لم تعد أرضا موقوفة21. ومن هنا فإن الحظر الوارد في المادة 1031/1 بمنع ترتيب الحكر على غير أرض الوقف، لا يمس بحالة استمرار حكر قائم صحيح تحولت أرضه إلى غير موقوفة بسبب رجوع الواقف أو تقصير مدته؛ فيستمر الحكر إلى أجله. أما إذا زالت صفة الوقف لغير هذين السببين؛ فإن الحكر ينقضي فورا قبل أجله.

والأصل أن يرد حق الحكر على أرض فضاء موقوفة يقوم المحتكر بالبناء أو الغراس فيها لتعميرها أو استصلاحها، غير أنه قد يرد على أرض موقوفة عليها بناء قائم يحتاج إلى إصلاح، فيعتبر في هذه الحالة حكرا من نوع خاص يعرف بعقد الإجارتين. ويعد حق الإجارتين حقا عينيا كحق الحكر، غير أنه يتميز عنه من حيث المحل والغرض والمقابل؛ إذ يرد على بناء قائم يحتاج إلى إصلاح لا على أرض فضاء، ويهدف إلى ترميم البناء القائم لا إلى تعمير الأرض، ويلتزم صاحبه بدفع مقابلين هما ثمن البناء وأجرة سنوية للأرض تعادل أجرة المثل، ولذلك سمي بالإجارتين، في حين يقتصر الحكر العادي على دفع أجرة المثل فقط22. وقد نظم المشرع المصري عقد الإجارتين في المادة 1013 من القانون المدني تحت عنوان "بعض أنواع الحكر". أما المشرع القطري؛ فقد أغفل النص على هذا النوع من الحكر في القانون المدني، غير أن المادة 49 من قانون الوقف توسعت في نطاقها، فلم تقتصر – على خلاف ما ورد في القانون المدني - على ذكر الأرض الموقوفة فحسب، بل استخدمت تعبير "الوقف" بوجه عام؛ بما يفيد شمولها لجميع صور المال الموقوف؛ سواء أكان أرضا أم بناء أم غيرهما، وهو ما يفتح المجال لإدراج صورة عقد الإجارتين ضمن تطبيقات الحكر في التشريع القطري.

ثانيا: الحكر لا ينعقد إلا لضرورة أو مصلحة:

لا يكفي لقيام التحكير مجرد كون العين موقوفة، بل لا بد من توفر ضرورة أو مصلحة حقيقية تبرره؛ كأن تكون العين قد خربت أو أصبحت في حاجة إلى إصلاح جوهري، أو ألا يكون لها ريع كاف للإنفاق على تعميرها، أو ألا يوجد من يقبل استئجارها بطريق الإيجار العادي، بحيث يكون التحكير في هذه كل هذه الحالات الوسيلة الاستثنائية الوحيدة الممكنة لإعادة إعمار الوقف وتحقيق مصلحته23.

وتأكيدا لذلك؛ فقد نصت المادة 1030 من القانون المدني القطري على أن التحكير لا يجوز إلا لضرورة أو مصلحة. وقد جاءت المادة 49 من قانون الوقف لتقرر أن العقد يكون جائزا إذا خرب الوقف، أو تعذر الحصول على ريعه، أو كانت العين الموقوفة أرضا لا ريع لها، ولم يتوفر من ريع الوقف ما يعمر به. ويستفاد من ذلك أن المشرع في قانون الوقف قد فسر الشرط العام الوارد في القانون المدني، مبينا أن مشروعية التحكير ترتبط بوجود حاجة حقيقية تقتضي الحفاظ على المال الموقوف أو تعميره تحقيقا لمصلحته.

ويتضح من المقارنة بين هذين النصين أن جهة الاختصاص التي تتولى تقدير الضرورة أو المصلحة التي تبرر التحكير ليست واحدة؛ ففي حين أسند القانون المدني هذا التقدير إلى السلطة القضائية؛ إذ اشترط صدور الإذن بالتحكير من المحكمة المختصة التي تقع في دائرتها الأرض الموقوفة أو أكثرها قيمة؛ فإن قانون الوقف قد جعل الولاية التقديرية لناظر الوقف بعد أخذ موافقة الإدارة العامة للأوقاف. ولا شك أن موقف التقنين المدني المتشدد هو الأقرب للصواب، "فالحكر ليس حقا عينيا عاديا كحق المنفعة يزول حتما بموت المنتفع، بل هو حق طويل الأمد، ويصح أن يبقى ستين سنة. فهو إذن تصرف خطير، ومن ثم وجب إذن المحكمة في إنشائه"24. غير أن السؤال يثور حول صاحب الصفة في طلب الإذن بإنشاء الحكر؛ إذ لم يبين النص على وجه الدقة هل هو المحتكر أم جهة الوقف؟

إن التفسير المنطقي للنص يقضي بأن يملك ناظر الوقف وحده حق تقديم هذا الطلب إلى المحكمة المختصة، باعتباره المسؤول عن إدارة أموال الوقف وصيانتها25، وهو الذي يقع على عاتقه إثبات حاجة العين الموقوفة إلى التحكير؛ سواء كانت هذه الحاجة ناشئة عن ضرورة أم عن مصلحة معتبرة تقتضي تعميره واستثماره26. وبعد تقديم الطلب، تتولى المحكمة المختصة دراسة الوقائع، وتتمتع في ذلك بسلطة تقديرية كاملة تخولها إما منح الإذن أو رفضه وفقا لما تراه محققا لمصلحة الوقف27. أما المحتكر، فلا يجوز له أن يطلب الإذن بإنشاء الحكر من المحكمة؛ إذ إن منحه هذا الإذن من شأنه أن يؤدي إلى إجبار الوقف على الدخول في عقد التحكير، وهو ما يتعارض مع مصلحة الوقف ومقاصد الشريعة التي تقوم على حماية المال الموقوف28.

وإصلاح الأرض وتعميرها هو المسوغ الذي على أساسه أجاز المشرع تحكير الأرض الموقوفة29؛ لذلك أوجب المشرع على المحتكر أو من أذن له بتعمير الوقف أن يتخذ من الوسائل ما يلزم لجعل الأرض صالحة للاستعمال (المادة 50 وقف)، وللاستغلال (المادة 1038 مدني). ويتحقق ذلك بأن تكون الأعمال التي يجريها في الأرض من شأنها أن تؤدي إلى تحسينها، أو في القليل لا تؤدي إلى الإضرار بها30؛ "فيردمها إذا كانت منخفضة، ويرممها إذا كانت في حاجة إلى الترميم، ويعيد بناءها إذا كانت خربة، ويسوي سطحها لجعلها صالحة للزراعة إن كانت أرضا زراعية"31. ومؤدى ما سبق أن التزام المحتكر لا يقتصر على تعمير الأرض الموقوفة واستصلاحها أثناء مدة الحكر، بل يمتد أيضا إلى إعادتها عند انتهاء العقد إلى المحكر في حالة صالحة للاستغلال، بحيث تظل محتفظة بقيمتها وقدرتها الإنتاجية تحقيقا لمصلحة الوقف32.

وينفذ الالتزام بإصلاح الأرض وتعميرها طبقا لما اتفق عليه الطرفان في عقد الحكر مع مراعاة طبيعة الأرض والغرض الذي أعدت له، وقد أضاف نص المادة 1038 مدني وجوب التقيد أيضا بما يقضي به عرف الجهة.

ويثور التساؤل – في هذا الصدد – حول، ما الجزاء المترتب على إخلال المحتكر بهذا الالتزام؟

كان المشروع التمهيدي للقانون المدني المصري يتضمن نصا صريحا يقضي بأنه: "إذا وقع من المحتكر إهمال جسيم في القيام بما يجب عليه من تحسين الأرض، فللمحكر أن يطلب فسخ العقد"، غير أن هذا النص حذف في الصياغة النهائية؛ مما يعني أن القواعد العامة هي التي تطبق في هذه الحالة33. وعلى ذلك، يحق لمالك الأرض (ناظر الوقف أو المحكر) أن يطلب التنفيذ العيني لإلزام المحتكر بالقيام بالإصلاحات المطلوبة، أو أن يطلب فسخ العقد مع التعويض إن كان له مقتض، وذلك دون اشتراط الإهمال الجسيم كشرط خاص34.

المطلب الثاني

عقد عمارة الوقف واستثماره

عرفنا سابقا أن المشرع القطري لم يقتصر في تنظيمه لاستثمار أراضي الوقف على الأحكام الواردة في القانون المدني بشأن التحكير، بل أدخل من خلال قانون الوقف نظاما تعاقديا مستحدثا هو عقد عمارة الوقف واستثماره، الذي يهدف إلى تمكين الوقف من تعمير أعيانه وتنميتها. وهذا العقد الأخير، وإن كان يشترك مع عقد الحكر في المحل والغاية على التفصيل الذي ذكرناه، إلا أنه يختلف عنه في كيفية إبرامه، وفي مدته، وفي الأجرة المقررة له.

وبالنظر إلى هذا التباين، يمكن تفسير إدراج هذا العقد في قانون الوقف على أحد وجهين: فإما أنه يمثل تنظيما خاصا يقيد النصوص العامة الواردة في القانون المدني بشأن الحكر؛ بما يجعله مقدما في التطبيق عند التعارض؛ أو أنه يعكس اتجاها تشريعيا جديدا يرمي إلى العدول عن نظام الحكر التقليدي لصالح تنظيم حديث يستجيب لمتطلبات التنمية الوقفية الحديثة.

أولا: الإلغاء الضمني لبعض نصوص الحكر:

يمكن القول إن المشرع القطري قد ألغى ضمنيا بعض الأحكام المدنية المتعلقة بالحكر عند إقراره لعقد عمارة الوقف واستثماره، وهو ما يتضح من المقارنة بين النظامين في ثلاثة مواضع أساسية هي: التراضي على العقد، ومدة العقد، والأجرة، وهي الجوانب التي سنتناولها تفصيلا فيما يلي:

1. التراضي على العقد:

يجمع الفقه على أن عقد الحكر هو عقد شكلي، فلا ينعقد إلا إذا تم في شكل معين. فبعد أن تأذن المحكمة المختصة التي تقع في دائرتها الأرض الموقوفة كلها أو أكثرها قيمة بالتحكير، يلزم أن يحرر عقد بصيغة رسمية على يد رئيس المحكمة أو من ينيبه من القضاة أو الموثقين؛ إذ لا يكفي في هذا الشأن مجرد الكتابة العادية، بل يتعين صدور ورقة رسمية من المحكمة التي منحت الإذن؛ سواء كانت صادرة عن رئيسها مباشرة أم عن أحد القضاة أم الموثقين المنتدبين لذلك35.

ويجب – بعد ذلك - شهر عقد التحكير وفقا لأحكام التسجيل العقاري، تحقيقا للعلانية القانونية المقررة للحقوق العينية العقارية، وتمكينا للغير من العلم بوجوده. فلا ينشأ الحكر كحق عيني أصلي بين المتعاقدين ولا يكون نافذا في مواجهة الغير إلا بالتسجيل.

ويتضح من المقارنة بين عقد الحكر في القانون المدني وعقد عمارة الوقف واستثماره في قانون الوقف أن المشرع القطري قد انتقل من نظام شكلي صارم يقوم على الإذن القضائي والتوثيق الرسمي إلى نظام رضائي محض. ففي قانون الوقف يبرم العقد – دون اتباع شكل معين - بين الناظر ومن أذن له بالتعمير، ثم يحال لاعتماده من إدارة الأوقاف دون الحاجة إلى تدخل المحكمة أو إصدار ورقة رسمية. كما لم يشترط قانون الوقف تسجيل التصرف في السجل العقاري.

ويقود هذا الاختلاف إلى نتائج عملية غاية في الخطورة؛ إذ إن عدم مراعاة الشكلية المقررة في القانون المدني يؤدي إلى بطلان عقد الحكر لعدم استيفائه شروط الانعقاد36، في حين أن عقد عمارة الوقف واستثماره يبقى صحيحا ونافذا رغم خلوه من هذه الشكليات.

2. مدة العقد:

حدد المشرع - وفقا لنص المادة 1032 مدني - مدة التحكير بما لا يزيد على ستين سنة، فإذا تم الاتفاق على مدة أطول، أو لم تحدد المدة في العقد، عد الحكر معقودا لمدة ستين سنة فقط37. ولم يحدد المشرع حدا أدنى لمدة الحكر؛ مما يعني أنه من الممكن يعقد لأي مدة تقل عن ستين سنة38.

وقد عالجت المادة 1031/2 مدني وضع الأحكار القائمة، فنصت على أن: "تسري أحكام المواد التالية، بما في ذلك تعيين حد أقصى لمدة الحكر، على جميع الأحكار، حتى القائم منها وقت العمل بهذا القانون". ويستفاد من هذا النص أن المشرع القطري قد اتخذ موقفا واضحا بإلغاء نظام الأحكار المؤبدة المعروف في الفقه الإسلامي، حيث يجوز – وفق هذا الأخير - أن يكون الحكر دائما وغير محدد المدة39. فجعل المشرع الحد الأقصى لمدة الحكر – وهو ستون سنة – قاعدة عامة تسري على جميع الأحكار؛ سواء تلك التي أبرمت بعد نفاذ القانون أم القائمة قبله، وبذلك ألغى الأحكار المؤبدة بأثر رجعي لتخضع جميعها للنظام الجديد منذ بدء العمل بالقانون المدني سنة 200440.

أما في قانون الوقف؛ فقد جاء التنظيم أكثر تشددا؛ إذ نصت المادة 49/3 على أنه لا يجوز الإذن بتعمير الوقف لمدة تزيد على ثلاثين سنة، مع جواز تمديد المدة لمدة مماثلة أو أقل بموافقة الإدارة المختصة. ويستفاد من ذلك أن المشرع في قانون الوقف اختصر مدة العقد إلى النصف تقريبا مقارنة بالقانون المدني، وأخضع تمديدها لرقابة إدارية تضمن استمرار الإعمار دون الإخلال بديمومة الوقف أو المساس بحقوقه المستقبلية. ومن ثم، يظهر أن المشرع قد اتجه في قانون الوقف إلى تبني سياسة أكثر تحفظا في تحديد مدة العقد، فجعلها محدودة وقابلة للمراجعة، على خلاف القانون المدني الذي منح المحتكر مدة أطول وأكثر استقرارا.

ويلاحظ من صياغة قانون الوقف، أن المشرع جعل المدة عنصرا أساسيا في عقد عمارة الوقف واستثماره؛ إذ "لا يجوز الإذن بتعمير الوقف لمدة تزيد على ثلاثين سنة، ويجوز مدها لمدة مماثلة أو أقل بموافقة الإدارة المختصة". ويفهم من هذا أن تحديد المدة شرط لازم لقيام العقد ذاته، بحيث لا يتصور انعقاده دون تحديدها. أما صياغة القانون المدني فتوحي بأن المشرع لم يقرر بطلان العقد في حال إغفال تحديد المدة، وإنما اعتبره قائما حكما لمدة ستين سنة. وهذا يعني أن المدة ليست ركنا من أركان عقد الحكر، بل يمكن للقاضي أن يتدخل لتقديرها عند غياب إرادة المتعاقدين41.

ويثار التساؤل؛ عم إذا كان ذلك ينسحب أيضا على إغفال تحديد المدة في عقد الإيجار؟ حيث تنص المادة 588 مدني قطري (المقابلة لنص المادة 563 مدني مصري) على أنه: "1- إذا عقد الإيجار دون تحديد مدة، أو عقد لمدة غير معينة، أو تعذر إثبات مدته، اعتبر الإيجار منعقدا للمدة المحددة لدفع الأجرة. 2- وينتهي الإيجار بانقضاء هذه المدة إذا نبه أحد المتعاقدين على الآخر بالإخلاء قبل نصفها الأخير على ألا يزيد ميعاد التنبيه على ثلاثة أشهر".

عرضت هذه المسألة على محكمة النقض المصرية، وتباينت بشأنها أحكامها؛ فقضت في بعضها بأنه: "إذا كان الإيجار مؤبدا لم يكن باطلا، بل يبقى ساريا لمدة ستين سنة وذلك قياسا على الحكر الذي لا تزيد مدته القصوى على تلك المدة وفقا لنص المادة 999 من القانون المدني، أو إلى مدة أقل يحددها القاضي تبعا للظروف وملابسات العقد"42. وقضت في البعض الآخر بأنه: "لا محل للقول بوجوب تدخل القاضي لتحديد مدة العقد تبعا لظروف وملابسات التعاقد أو انتهاء العقد بانقضاء ستين عاما قياسا على حق الحكر؛ ذلك أن الأصل أنه يمتنع على القاضي إعمالا لنص المادة 147 من القانون المدني التدخل لتعديل إرادة المتعاقدين إلا لسبب يقره القانون، ولو ارتأى المشرع أن يتدخل القاضي لتحديد مدة العقد أو تحديد حد أقصى للمدة في عقد الإيجار كما هو في حق الحكر لنص على ذلك صراحة كما ورد في المادة 999 من ذات القانون، ومن ثم فلا محل للقياس أو الاجتهاد مع وجود المادة 563 سالفة البيان"43. وقد انتهى الأمر بالهيئة العامة للمواد المدنية والتجارية والأحوال الشخصية بالمحكمة إلى ترجيح المبدأ الأخير44، وحسنا فعلت؛ إذ يعد ذلك أكثر اتساقا مع القواعد العامة في نظرية العقد ومع فلسفة التقنين المدني في احترام إرادة المتعاقدين؛ إذ يقوم على مبدأ أصيل مفاده أن القاضي لا يجوز له تعديل العقد أو استكمال إرادتهما إلا بنص صريح من القانون. ومن ثم فإن تدخل القاضي لتحديد مدة العقد دون سند تشريعي يعد مساسا بمبدأ سلطان الإرادة الذي يعد من ركائز النظام التعاقدي. كما أن هذا الاتجاه يستند إلى فارق جوهري بين عقد الإيجار وحق الحكر، فالحكر - كما ذكرنا آنفا - حق عيني أصلي ينشأ على مال موقوف ويخضع لتنظيم خاص يبرر تدخل المشرع في تحديد مدته القصوى حماية لمصلحة الوقف، وهو ما عبرت عنه المادة 1032 مدني. أما الإيجار فهو عقد يقوم على إرادة الأطراف وحدها دون طبيعة عينية للحق، ومن ثم لا يجوز القياس على الحكر الذي تحكمه اعتبارات دينية واقتصادية واجتماعية مغايرة. ويؤيد هذا التوجه أيضا من زاوية المنطق التشريعي، أن المشرع لو أراد منح القاضي سلطة تحديد مدة الإيجار أو فرض حد أقصى لها، لنص على ذلك صراحة كما فعل في شأن الحكر، أما وقد خلا النص من مثل هذا الحكم؛ فإن التوسع في القياس يعد تجاوزا لنطاق النص وافتئاتا على سلطة المشرع. ولذلك فإن الحكم الذي انتهى إلى عدم جواز تدخل القاضي لتحديد المدة، وعدم القياس على الحكر، يعبر - في رأينا - عن التطبيق السليم للقانون، ويؤكد احترام القضاء لحدود سلطته في تفسير النصوص دون إنشاء أحكام جديدة لم يقررها المشرع.

ومن نافلة القول: "أنه إذا مضت مدة الاحتكار فإن الأرض تعود إلى مالكها، ولا يكون للمحتكر ولا لورثته حق البقاء أو إعادة البناء بل يسقط ما كان للمحتكر أو ورثته من حق البقاء والقرار، ولا يكون له إلا ثمن البناء أو الغراس، ذلك أن الفقرة الأولى من المادة 1010 من القانون المدني المصري (المطابقة لنص المادة 1041 مدني قطري) قد جرى نصها على أنه: "عند فسخ العقد أو انتهائه يكون للمحكر أن يطلب إما إزالة البناء والغراس أو استبقائهما مقابل دفع أقل قيمتيهما مستحقي الإزالة أو البقاء، وهذا كله ما لم يوجد اتفاق يقضي بغيره"45.

3. الأجرة:

يتعين أن يتم الحكر مقابل أجرة يلتزم المحتكر بأدائها للمحكر. وحرصا من المشرع على مصلحة الوقف الذي يقرر الحكر على أرضه، نص على أنه لا يجوز التحكير بأقل من أجرة المثل، (المادة 1033/1 مدني)، وهذا الحكم مأخوذ من الشريعة الإسلامية46، ويجب على المحكمة مراعاته عند إعطاء الإذن بالتحكير47.

ولما كان الحكر بطبيعته يدوم مدة طويلة قد تصل في أقصاها إلى ستين سنة، فمن الطبيعي أن يطرأ خلال هذه المدة تغير في أجرة المثل زيادة أو نقصانا؛ لذلك رأى المشرع ضرورة مراجعة أجرة الحكر عند حصول تغيير فاحش يتجاوز الخمس، على ألا تجرى هذه المراجعة إلا بعد مضي ثماني سنوات. (المادة 1033/2 مدني)48. وقد حدد المشرع العناصر والضوابط التي يرجع إليها في تقدير الزيادة أو النقص فيما يعرف بـ "تصقيع الحكر"، فنص على أن: "يرجع في تقدير الزيادة أو النقص في أجرة المثل إلى ما للأرض من قيمة إيجارية وقت التقدير، ويراعى في ذلك صقع الأرض ورغبات الناس فيها، بغض النظر عما يوجد فيها من بناء أو غراس، ودون اعتبار لما أحدثه المحتكر فيها من تحسين أو إتلاف في ذات الأرض أو في صقع الجهة، ودون تأثير بما للمحتكر على الأرض من حق القرار". (المادة 1034/1 مدني). وبذلك يؤكد المشرع أن تصقيع الحكر ينحصر في تقدير القيمة الإيجارية للأرض ذاتها وقت التقدير تبعا لموقعها وإقبال الناس عليها، دون نظر إلى البناء أو الغراس أو ما أدخله المحتكر من تحسينات49. وعلى أي حال، لا يسري التقدير الجديد للأجرة إلا من وقت اتفاق الطرفين عليه، فإن لم يتحقق الاتفاق، وجب اللجوء إلى القضاء، وفي هذه الحالة يسري التقدير الذي تحكم به المحكمة من يوم رفع الدعوى. (المادة 1034/2 مدني).

وتخضع الأجرة للقواعد العامة التي تسري على الأجر بصفة عامة من حيث أحكام الوفاء بها والتقادم، باعتبارها من الديون الدورية المتجددة50. غير أن القانون قد حدد ميعاد أداء الأجرة في الحكر، فنصت المادة 1037 على أن الأجرة تكون مستحقة الدفع في نهاية كل سنة ما لم ينص عقد التحكير على غير ذلك.

وإذا كان للمالك أن يطالب المحتكر بأداء الأجرة في الموعد المتفق عليه أو الذي يحدده القانون كما سلف؛ فإنه لا يجوز له أن يطلب فسخ عقد الحكر لعدم الوفاء بالأجرة إلا إذا تأخر المحتكر عن دفعها ثلاث سنوات متوالية51. فقد نصت المادة 1040 مدني على أنه: "يجوز للمحكر، إذا لم تدفع له الأجرة ثلاث سنين متوالية، أن يطلب فسخ العقد". ومن الواضح أن طلب الفسخ جوازي للمحكر، ولا يقبل إلا في حالة التخلف عن دفع الأجرة للمدة المحددة في النص52. ومع ذلك يظل للمالك الحق في أن يطلب التنفيذ بالأجرة المستحقة له على أموال المحتكر عن أي مدة يتأخر فيها هذا الأخير في السداد وفقا للقواعد العامة53. كما يجوز له أن يتخذ الإجراءات التي تكفل له استيفاء الأجرة54.

وهكذا، يتضح أن المشرع في القانون المدني قد تناول أجرة الحكر بتنظيم تفصيلي دقيق، محددا ميعاد استحقاقها، وضوابط تقديرها، وحالات مراجعتها، بل وحتى الجزاء المترتب على التأخر في سدادها. غير أنه بالمقارنة مع قانون الوقف، نلاحظ أن هذا الأخير قد خلا من أي تنظيم مباشر لمسألة الأجرة؛ إذ لم يتحدث عن مقدارها أو كيفية أدائها أو مواعيد استحقاقها، بل اكتفى بالنص في المادة 49/2 على أن العقد المبرم بين الناظر ومن أذن له بالتعمير يحدد حقوق والتزامات كل منهما. ويفهم من ذلك أن تحديد الأجرة يترك لتقدير الطرفين تحت إشراف إدارة الأوقاف، دون تدخل تشريعي مباشر يفرض معايير محددة كما هو الحال في القانون المدني.

ثانيا: الإلغاء الكلي لنظام الحكر:

في ضوء ما سبق من تحليل لأوجه التباين بين القانون المدني وقانون الوقف في تنظيم استثمار الأعيان الموقوفة، يبدو أن المشرع القطري قد اتجه إلى إلغاء نظام الحكر التقليدي وإحلال عقد عمارة الوقف واستثماره محله بوصفه الصيغة الحديثة الوحيدة لتعمير أموال الوقف. وعلى الرغم من أن هذا التوجه لم يعبر عنه في النصوص على نحو صريح، إلا أن مجموعة من القرائن تؤيد هذا الفهم وتكشف عن اتجاه المشرع نحوه.

ومن خلال تتبع النصوص واستقراء تطورها التشريعي، يمكن رسم معالم هذا العدول من خلال ثلاثة محاور رئيسة، تتناول على التوالي: التحول التشريعي من نظام الحكر إلى عقد عمارة الوقف واستثماره، والطبيعة القانونية المتميزة لهذا العقد، والفلسفة الجديدة التي انتهجها المشرع في إدارة واستثمار أموال الوقف.

1. التحول التشريعي من نظام الحكر إلى عقد عمارة الوقف واستثماره:

يتجلى أول مؤشرات هذا التحول في صمت قانون الوقف التام عن ذكر الحكر أو الإحالة إليه. فمع أن المشرع القطري عند صياغة قانون الوقف كان أمامه خيار الإبقاء على النظامين جنبا إلى جنب، إلا أنه آثر أن يتجنب حتى المصطلح ذاته، واستعاض عنه بتعبير جديد هو "عقد عمارة الوقف واستثماره". ولا شك أن هذا التغيير في اللغة التشريعية لا يمكن أن يعد محض مصادفة؛ إذ يعكس رغبة واعية في القطع مع المفهوم القديم للحكر الذي ارتبط بطابع شبه دائم للحق، والاستعاضة عنه بعقد استثماري يقوم على مبدأ الرقابة الدورية والإذن المؤقت القابل للتجديد؛ بما يضمن بقاء سلطة الإشراف على الوقف بيد الجهة المختصة.

ثم يأتي المؤشر الثاني ليظهر بوضوح تحولا جوهريا في كيفية إبرام العقد، حيث جعل قانون الوقف الإذن بالتعمير منوطا بناظر الوقف بعد موافقة الإدارة المختصة على خلاف ما كان مقررا في القانون المدني الذي اشترط إذن المحكمة المختصة وتحرير العقد بورقة رسمية وشهره في السجل العقاري. ويعد هذا التحول دليلا قويا على خروج العقد من نطاق الحقوق العينية الأصلية إلى نطاق الحقوق الشخصية التي تهدف إلى تحقيق مصلحة الوقف تحت إشراف الدولة، لا إلى إنشاء حق دائم أو شبه دائم للمحتكر.

أما المؤشر الثالث، فيتمثل في المدة الزمنية للعقد؛ إذ حدد القانون المدني مدة الحكر بستين سنة، بينما قيد قانون الوقف الإذن بالتعمير بمدة لا تتجاوز ثلاثين سنة قابلة للمد بموافقة الإدارة. ومن الواضح أن هذا التقليص للنصف، مقرونا بشرط الرقابة الإدارية عند التمديد، يدل على أن المشرع تعمد تأكيد الطبيعة المؤقتة للعلاقة التعاقدية، بحيث تبقى أعيان الوقف خاضعة للمراجعة الدورية في كيفية استغلالها؛ بما يتفق مع المصلحة الوقفية العامة ويحول دون نشوء حقوق دائمة أو شبه دائمة.

ويظهر المؤشر الرابع في غياب أي إشارة في قانون الوقف إلى أجرة المثل أو تصقيع الحكر أو مراجعة الأجرة دوريا، وهي عناصر جوهرية في نظام الحكر. فهذا الإغفال – كما نعتقد - لم يكن عرضيا، بل يعكس نية المشرع في تجاوز النظام القديم برمته لصالح نموذج أكثر تحررا من القيود الفقهية التقليدية. فالأجرة في عقد عمارة الوقف تحدد بالاتفاق بين الطرفين وتخضع لاعتماد الإدارة المختصة، الأمر الذي يضفي على العقد طابعا استثماريا مرنا يخضع لتقدير المصلحة الوقفية لا لقيود جامدة كتلك التي كانت تحكم نظام الحكر.

ويمكن رصد مؤشر خامس وأخير يتمثل في أن قانون الوقف لم يرتب على عقد العمارة أي أثر عيني، بل اكتفى بإسناد حقوق والتزامات الأطراف إلى نطاق العقد ذاته، دون أن ينص على إنشاء حق عيني على المال الموقوف. ويؤكد ذلك نص المادة 49/2 من قانون الوقف التي قضت بأن العقد المبرم بين الناظر ومن أذن له بالتعمير يحدد حقوق والتزامات كل منهما. ويفهم من ذلك أن العلاقة الناشئة بين الطرفين ذات طبيعة شخصية محضة، لا ترتب حقا عينيا أصليا كما هو الحال في الحكر.

ويعزز النظر إلى أحكام قانون الوقف القطري رقم 8 لسنة 1996 الملغى هذا التحليل المتقدم؛ إذ يتبين أن المشرع كان قد تبنى آنذاك نظاما يكاد يتطابق في مضمونه مع نظام الحكر المعروف في التقنين المدني. حيث نصت المادة 22 على أنه: "إذا خرب الوقف، أو تعذر إنتاج غلته، أو كان أرضا لا غلة لها (...) جاز لناظر الوقف أن يأذن لمن يعمره من ماله ببناء أو غرس، على أن يكون البناء أو الغرس ملكا للباني أو الغارس، يصح له التصرف فيه تصرف الملاك، ويورث عنه، على أن يجعل نظير الأرض الموقوفة أجرا للمستحقين". فهذه الصياغة تعكس بصورة دقيقة جوهر عقد الحكر، الذي يمنح المنتفع حقا عينيا على البناء أو الغراس، ويستقل بملكيته، وينتقل بالميراث، في مقابل أداء أجرة عن الأرض الموقوفة، وهي ذات الخصائص التي عرف بها المشرع الحكر باعتباره حقا متفرعا عن الملكية. كما نصت المادة 23 من قانون الوقف الملغى على اشتراط موافقة المحكمة المختصة قبل الإذن بالتعمير، وهو ذات الشرط الإجرائي الذي ورد في المادة 1030 من القانون المدني القطري بشأن التحكير55.

ومن ثم؛ فإن المقارنة بين قانون الوقف الملغى والحالي تؤدي إلى نتيجة واضحة مؤداها أن المشرع القطري تعمد في إصلاحه التشريعي اللاحق استبعاد جميع العناصر التي كانت تقارب نظام الحكر. فقد ألغى اشتراط الإذن القضائي المسبق، وحذف النصوص التي تقرر ملكية الباني أو الغارس لما يقيمه من إنشاءات، كما أغفل الإشارة إلى أي حق عيني أو إلى توريث، مكتفيا بعلاقة تعاقدية محددة المدة. وهكذا يمكن القول إن إلغاء أحكام قانون الوقف لسنة 1996 وما تضمنته من عناصر تحكيرية، يمثل تحولا تشريعيا نحو إنهاء نظام الحكر بصورة كاملة.

2. عقد عمارة الوقف واستثماره ذو طبيعة خاصة:

إن عقد عمارة الوقف واستثماره الذي استحدثه المشرع القطري في قانون الوقف يعد عقدا من طبيعة خاصة، يختلف جوهريا عن عقد الإيجار المنظم في القانون المدني. فالمشرع، وإن استخدم في بعض المواضع مصطلحات قريبة من لغة الإيجار، إلا أنه لم يدرج هذا العقد ضمن أحكام الإيجار المدني، بل وضع له نظاما مستقلا في قانون الوقف، يقوم على اعتبارات تتعلق بالمصلحة الوقفية العامة لا بمحض إرادة الأطراف.

ويؤكد هذا الاتجاه أن المشرع قد خصص في القانون المدني نصوصا مستقلة لتنظيم إيجار الوقف (المواد من 661 إلى 669)، تناولت ولاية الناظر في الإيجار، وحظر تأجير الوقف لأقارب الناظر، وضوابط المدة، وأحكام الغبن، والإذن القضائي المطلوب في بعض الحالات. فلو كان عقد عمارة الوقف واستثماره من قبيل الإيجار المدني لكان المشرع قد أدرجه ضمن هذه النصوص أو أحال إليه، لكنه لم يفعل، بل أفرده بتنظيم مستقل في قانون الوقف؛ مما يدل على استقلال طبيعته القانونية.

ومن ثم؛ فإن عقد عمارة الوقف لا يعد إيجارا بالمعنى الوارد في التقنين المدني؛ لأن هدفه ليس مجرد الانتفاع المؤقت بالعين الموقوفة مقابل أجر، بل تحقيق إعمارها واستثمارها في إطار من الإشراف الإداري والرقابة الوقفية. كما أن طرفي العقد ليسا متكافئين من حيث الإرادة التعاقدية؛ إذ تحدد حقوق والتزامات الطرفين في ضوء ما تقتضيه مصلحة الوقف. ولهذا السبب يعتبر عقد عمارة الوقف تصرفا ذا طبيعة وقفية خاصة، لا يخضع للقواعد العامة للإيجار، وإنما ينظم وفق فلسفة وقفية قائمة على حماية العين وتنميتها بما يحقق مقاصد الوقف الشرعية والاقتصادية.

3. من فلسفة الإعمار إلى فلسفة الاستثمار المستدام:

ويبدو من فلسفة قانون الوقف القطري أن المشرع لم يهدف فقط إلى إلغاء نظام الحكر، بل إلى إعادة صياغة مفهوم تعمير الوقف بما يجعله مشروعا استثماريا متجددا يخضع للتخطيط والرقابة المستمرة. فالمادة 51 من القانون نصت على تخصيص نسبة سنوية من ريع الوقف تودع في أحد المصارف الإسلامية لإعماره أو إعادة تعميره، وهو ما يعكس رؤية مؤسسية مستدامة لتطوير أموال الوقف بعيدا عن الاعتماد على الأفراد عبر علاقات طويلة الأمد كالتحكير. وعلى ذلك فيبدو أن الغاية من النظامين مختلفة جذريا؛ فالحكر، كما ورد في القانون المدني، وضع كحل استثنائي لمعالجة خراب الأرض الموقوفة أو عجز الوقف عن تعميرها، في حين أن عقد عمارة الوقف واستثماره صيغ كآلية دائمة للتنمية تهدف إلى استدامة الوقف وتحقيق عائد مستمر له من خلال أدوات الاستثمار الحديثة. وبذلك تحول المشرع من فلسفة الضرورة إلى فلسفة الاستثمار والإدارة الرشيدة.

وبناء على ما تقدم، يمكن القول إن قانون الوقف القطري يمثل مرحلة تشريعية متقدمة تتجاوز نظام الحكر التقليدي نحو صيغة أكثر توافقا مع متطلبات الإدارة الحديثة للأوقاف. فقد أعاد المشرع تعريف العلاقة بين ناظر الوقف والمستثمر بما يجعلها عقد استثمار يخضع للمراقبة الدورية، لا حقا عينيا. كما أن اختياره لمصطلحات جديدة (كالعمارة والاستثمار) بدلا من الحكر يعكس إرادة تشريعية في تجديد المفاهيم الوقفية وتحريرها من الإرث الفقهي القديم الذي كان يقيد استثمار الأوقاف ويحول دون تطويرها.

الخاتمة

سعى هذا البحث إلى استجلاء الطبيعة القانونية لعقد استثمار أراضي الوقف في القانون القطري، من خلال دراسة مقارنة بين نظام الحكر الوارد في القانون المدني ونظام عمارة الوقف واستثماره المنصوص عليه في قانون الوقف. فتناول نشأة فكرة الحكر في الفقه الإسلامي وصلتها بعقود الإيجار الطويلة في النظم القانونية المقارنة، ثم استعرض التنظيم التشريعي للحكر في القانون المدني القطري، مبينا شروطه ومدته وآثاره، قبل أن ينتقل إلى تحليل عقد عمارة الوقف واستثماره في ضوء قانون الوقف، باعتباره الصيغة الحديثة التي اعتمدها المشرع القطري لإدارة أموال الوقف واستثمارها.

وقد بين البحث أن المشرع القطري، شأنه شأن نظيره المصري، قد نظم الحكر كحق عيني أصلي ينشأ بعقد خاص هو عقد الحكر، يمنح المحتكر سلطة مباشرة على العين الموقوفة تمكنه من الانتفاع بها مقابل أجرة محددة. وأوضح أن المشرع ضيق من نطاق تطبيق هذا النظام، فحصره في الأراضي الوقفية دون سواها، واشترط لقيامه ضرورة أو مصلحة معتبرة، وألزم باستصدار إذن قضائي مسبق للتحكير، محددا له مدة أقصاها ستين سنة لا يجوز تجاوزها. كما تناول البحث تنظيم الأجرة وأحكام الوفاء بها وتصقيع الحكر، مؤكدا أن المشرع تعامل معه بوصفه نظاما استثنائيا يرتبط بظروف معينة، لا بوصفه وسيلة اعتيادية للاستثمار العقاري.

كما ركزت الدراسة على عقد عمارة الوقف واستثماره الوارد في قانون الوقف، الذي مثل نقلة نوعية في تنظيم العلاقة بين إدارة الوقف والمستثمر. فقد تبين أن هذا العقد، وإن تشابه مع الحكر في الهدف والمحل، إلا أنه يختلف عنه في طبيعته القانونية وأسلوب إبرامه ومدته وآثاره. فهو عقد رضائي يخضع لموافقة الإدارة المختصة بدلا من الإذن القضائي، ومدته محدودة لا تتجاوز ثلاثين سنة قابلة للتمديد بموافقة إدارية، ولا يرتب أي حق عيني على المال الموقوف، بل ينشئ حقوقا شخصية محضة تنقضي بانتهاء العقد. ومن ثم، يمكن القول إن المشرع القطري اتجه من خلال هذا التنظيم إلى العدول الضمني عن نظام الحكر وإحلال نظام استثماري حديث محله يخضع للرقابة الإدارية والحوكمة الوقفية.

ويبدو أن هذا التحول لم يكن مجرد تعديل شكلي أو تنظيمي، بل يعكس رؤية تشريعية جديدة تهدف إلى تحديث إدارة الأوقاف وتحويلها إلى أدوات استثمارية فعالة. فالمشرع لم يقف عند حد إلغاء نظام الحكر التقليدي، بل أسس فلسفة جديدة تقوم على مبدأ الاستثمار المستدام للوقف، من خلال آليات مؤسسية تحقق الموازنة بين المحافظة على المال الموقوف وتنمية عوائده بما يخدم المقاصد الشرعية والاجتماعية والاقتصادية للوقف.

ونستعرض فيما يلي جملة من النتائج والتوصيات التي خلص إليها البحث:

أولا: النتائج

  • إن قانون الوقف تضمن إلغاء ضمنيا لنظام الحكر عبر استبعاده تماما من نصوصه، واعتماد مفهوم أكثر مرونة بديلا عنه يركز على مبدأ الاستغلال المؤقت القابل للتجديد.
  • اختصر المشرع في قانون الوقف مدة العقد إلى ثلاثين سنة قابلة للمد، في حين حددها القانون المدني بستين سنة؛ مما يؤكد الطبيعة المؤقتة والاستثمارية للعقد الجديد.
  • انتقال سلطة الإذن بالتعمير من القضاء إلى الموافقة اللاحقة لإدارة الأوقاف يعبر عن تحول نحو إدارة مؤسسية للأوقاف تقوم على التخطيط والرقابة، بدلا من الرقابة القضائية السابقة التي كانت سائدة في نظام الحكر.
  • عقد عمارة الوقف واستثماره لا يعد إيجارا مدنيا؛ إذ لا يقوم على مبدأ المنفعة المؤقتة، بل على فلسفة الإعمار والاستثمار في إطار من الإشراف الوقفي.
  • غياب الأجرة المعيارية أو تصقيع الحكر في قانون الوقف يدل على تحرر النظام الوقفي من القيود الفقهية القديمة، واعتماده على تقدير المصلحة الاقتصادية للوقف.
  • يهدف النظام الجديد إلى تحقيق استدامة التنمية الوقفية؛ إذ نص المشرع على تخصيص نسبة من ريع الوقف لإعماره؛ بما يجعل من الاستثمار الوقفي نشاطا دائما ومنظما.
  • يعكس التحول التشريعي القطري توجها نحو التوفيق بين مقاصد الشريعة ومتطلبات الحوكمة الاقتصادية، وهو ما يجعل التجربة القطرية نموذجا في تحديث التشريع الوقفي في العالم العربي.

ثانيا: التوصيات:

  • نوصي بضرورة تحديد الطبيعة القانونية لعقد عمارة الوقف بصورة قاطعة، وذلك من خلال مقارنة عناصره الجوهرية بعقود الحكر والإيجار، واقتراح معيار تشريعي يفصل بين الحقوق العينية والشخصية في سياق العقود الوقفية.
  • نقترح إضافة نص تشريعي في قانون الوقف يعنى حصرا بتنظيم عقد عمارة الوقف واستثماره، يتضمن تعريفا دقيقا للعقد، وبيان أحكامه الأساسية، والجهة المختصة بالتنفيذ والرقابة؛ بما يجعله بديلا صريحا على نظام الحكر التقليدي أو يقيده عند التعارض.
  • نوصي بسن قانون تفسيري يوضح آلية ترجيح نصوص الوقف باعتبارها النص الخاص عند التداخل مع القانون المدني، منعا لاضطراب التطبيقات القضائية وتعدد التأويلات.
  • نوصي بأن يعالج المشرع صراحة وضع عقد الإجارتين ضمن منظومة الوقف؛ سواء من خلال نص مستقل أم بإلحاقه بعقد العمارة والاستثمار؛ تجنبا لغياب الأساس القانوني لهذا النوع من العقود واستجابة لحاجات الواقع العملي.
  • نوصي بتعزيز الرقابة الإدارية والمالية على عقود استثمار الوقف من خلال لجان فنية وقانونية متخصصة تقيم العقود بشكل دوري. وكذلك تعزيز الشفافية في إدارة الأوقاف من خلال نشر تقارير سنوية عن أنشطة الاستثمار والعوائد المحققة؛ مما يعزز ثقة المجتمع في نظام الوقف ويشجع على الإسهام في تنميته.
  • نوصي بتشجيع الشراكات الوقفية الاستثمارية مع القطاع الخاص وفق صيغ مالية شرعية معتمدة.
  • نوصي بضرورة تطوير قاعدة بيانات إلكترونية مركزية للأوقاف تسجل فيها العقود والأنشطة الاستثمارية لتسهيل المتابعة والمساءلة.
  • نوصي بتفعيل الدور القضائي المتخصص في المنازعات الوقفية، من خلال إنشاء دوائر قضائية مختصة بقضايا الأوقاف والعقود الاستثمارية المرتبطة بها، بما يضمن سرعة الفصل في المنازعات وتحقيق العدالة.
  • نوصي بوضع معايير فنية واقتصادية لتقييم مشروعات الاستثمار الوقفي، بحيث تراعي الجدوى الاقتصادية والمصلحة الشرعية والاجتماعية للوقف، ويشترط اعتمادها من جهة رقابية مختصة.
  • نوصي بإطلاق برامج تدريب وتأهيل للمشرفين على إدارة الأوقاف في المجالات القانونية والمالية والاستثمارية؛ لضمان كفاءة تطبيق أحكام القانون وتوحيد الممارسات الإدارية في مختلف الجهات الوقفية.
  • ندعو أخيرا، إلى إجراء دراسات مقارنة أوسع بين التجربة القطرية في تنظيم عقد العمارة والاستثمار وتجارب الدول الإسلامية الأخرى، من أجل بناء نموذج تشريعي متكامل يجمع بين الأصالة الفقهية والحداثة القانونية.

قائمة المراجع

أولا: الكتب والرسائل والأبحاث

  • أحمد إبراهيم الحياري، شرح أحكام الحقوق العينية، دار الثقافة، عمان، 2021.
  • أيمن سعد سليم، الحكر في القانون المدني المصري والتشريعات اللاحقة عليه ومدى مشروعية قرار وزير الأوقاف رقم 202 لسنة 2009 بإنهائه، مجلة كلية الحقوق للبحوث القانونية والاقتصادية، كلية الحقوق جامعة الإسكندرية، العدد 1، 2011.
  • السيد محمد السيد عمران، الملكية في القانون المصري، مكتبة ومطبعة الإشعاع الفنية، الإسكندرية، 1993.
  • توفيق حسن فرج، الحقوق العينية الأصلية، مؤسسة الثقافة الجامعية، الإسكندرية، 1986.
  • حسن حسين البراوي، دروس في الحقوق العينية الأصلية في القانون المدني المصري، الجزء الثاني، دار النهضة العربية، القاهرة، 2026.
  • حسن كيرة، الموجز في أحكام القانون المدني – الحقوق العينية الأصلية، منشأة المعارف، الإسكندرية، ط 4، 1995.
  • دليلة محمد براف، استثمار الأراضي الوقفية بعقد الحكر "عقد التطوير"، مجلة الشريعة والدراسات الإسلامية، مجلس النشر العلمي، جامعة الكويت، المجلد 31، العدد 107، ديسمبر 2016.
  • صالح بن سليمان بن حمد الحويس، أحكام الحكر في الفقه الإسلامي مقارنا بما عليه العمل في المملكة العربية السعودية، أطروحة دكتوراه، كلية الشريعة والدراسات الإسلامية، جامعة أم القرى، 1427–1428هـ.
  • عبد الرزاق السنهوري، الوسيط في شرح القانون المدني، الجزء السادس، المجلد الثاني، دار إحياء التراث العربي، بيروت، [د.ت].
  • عبد السلام ذهني بك، في الأموال، مطبعة الاعتماد، [د.م]، 1344هـ – 1926م.
  • عبد العزيز فهمي، مدونة جستنيان في الفقه الروماني، دار الكاتب المصري، القاهرة، 1946.
  • عبد المنعم البدراوي، الحقوق العينية الأصلية، مكتبة سيد عبد الله وهبه، [د.م]، ط 3، 1968.
  • عبد المنعم فرج الصدة، الحقوق العينية الأصلية، دار النهضة العربية، بيروت، [د.ت].
  • علي هادي العبيدي، الوجيز في شرح القانون المدني – الحقوق العينية، دار الثقافة، عمان، 1999.
  • عثمان بك فهمي، الحكر في مصر، مطبعة ملجأ الأيتام الماسوني، [د.م]، 1950.
  • كايد يوسف قرعوش، حق التحكير (تحكير الأراضي الوقفية)، مجلة دراسات علوم الشريعة والقانون، المجلد 33، العدد 1، 2006.
  • محمد أبو زهرة، الحكر، مجلة القانون والاقتصاد، كلية الحقوق، جامعة القاهرة، المجلد 10، العدد 5–6، يناير 1940.
  • محمد بن عثمان بن محمد السنوسي، مطلع الدراري بتوجيه النظر الشرعي على القانون العقاري، المطبعة الرسمية، تونس، 1302هـ – 1848م.
  • محمد حسين منصور، الحقوق العينية الأصلية، دار الجامعة الجديدة، الإسكندرية، 2003.
  • محمد عمار تركمانية غزال وفاروق الأباصيري، الحقوق العينية الأصلية في القانون المدني القطري، منشورات كلية القانون، جامعة قطر، 2015.
  • محمد قدري باشا، قانون العدل والإنصاف للقضاء على مشكلات الأوقاف، مؤسسة الريان للطباعة والنشر والتوزيع، بيروت، 2007.
  • محمد كامل مرسي بك، الأموال، مطبعة فتح الله إلياس، [د.م]، 1937.
  • محمد وحيد الدين سوار، شرح القانون المدني – الحقوق العينية الأصلية، الجزء الثاني، دار الثقافة، عمان، 1999.
  • محمود جمال الدين زكي، دروس في الحقوق العينية الأصلية، مطبعة جامعة القاهرة والكتاب الجامعي، 1976.
  • محمود السيد عبد المعطي خيال، الحقوق العينية الأصلية في القانون المدني القطري، دار النهضة العربية، القاهرة، 2015.
  • محمود خيال ونور الدين لعرج وعبد الرؤوف اللومي، الحقوق العينية الأصلية في القانون المدني القطري، منشورات كلية الشرطة، الدوحة، 2018.
  • مصطفى أحمد الزرقا، أحكام الأوقاف، منشورات وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية بدولة قطر، دار القلم، دمشق، 2022.
  • مهند مختار نوح، الحقوق العينية الإدارية، المجلة الدولية للقانون، العدد 1، يناير 2016.
  • نبيل إبراهيم سعد، الحقوق العينية الأصلية، دار الجامعة الجديدة، الإسكندرية، 2015.
  • نرجس محمد سلطان سلطاني، الحقوق المترتبة على العقارات الموقوفة في الفقه الإسلامي والتشريعات الأردنية والعراقية، المجلة القانونية، جامعة القاهرة فرع الخرطوم، العدد 3، مايو 2018.
  • يوسف محمد عبيدات، الحقوق العينية الأصلية والتبعية، دار المسيرة للنشر والتوزيع، عمان، 2011.

ثانيا: الأحكام القضائية:

  • نقض مدني مصري رقم 382/29 ق، جلسة 16/4/1964، السنة 15، العدد 2.
  • نقض مدني مصري رقم 442/35 ق، جلسة 27/1/1970، السنة 21، العدد 1.
  • نقض مدني مصري رقم 469/35 ق، جلسة 8/1/1970، السنة 21، العدد 1.
  • تمييز أحوال شخصية كويتي رقم 14/1986 ق، جلسة 29/12/1986، السنة 14.
  • نقض مدني مصري رقم 645/54 ق، جلسة 25/5/1988، السنة 39، العدد 2.
  • نقض مدني مصري رقم 1090/55 ق، جلسة 28/2/1990، السنة 41، العدد 1.
  • نقض مدني مصري رقم 766/56 ق، جلسة 23/2/1993، السنة 39، العدد 2.
  • نقض مدني مصري رقم 871/60 ق، جلسة 23/11/1994، السنة 45، العدد 2.
  • المحكمة الدستورية العليا المصرية، القضية رقم 73/19 ق، جلسة 7/2/1998، السنة 8، العدد 1.
  • نقض مدني مصري رقم 6993/77 ق، جلسة 3/12/2009، السنة 60.
  • نقض مدني مصري رقم 1085/73 ق، جلسة 20/5/2017، السنة 68.
  • نقض مدني مصري رقم 5472/81 ق، جلسة 13/6/2012، السنة 63.
  • نقض مدني مصري رقم 15885/80 ق، جلسة 4/12/2022، السنة 73.

ثالثا: القوانين

  • القانون المدني القطري.
  • القانون المدني الأردني.
  • القانون المدني المصري وأعماله التحضيرية.
  • قانون الوقف القطري رقم 8 لسنة 1996. (الملغى).
  • قانون الوقف القطري رقم 9 لسنة 2021.
  • قانون الأوقاف الجزائري رقم 6 لسنة 2015.

Footnotes

  1. 1 نقصد هنا الإيجار الذي يحدد له المشرع حدا أقصى قصير نسبيا، من ذلك ما نصت عليه المادة 589 من القانون المدني القطري من أنه: "لا يجوز أن تتجاوز مدة الإيجار خمسا وعشرين سنة. فإن كان عقد الإيجار لمدة أطول أو كان مؤبدا ردت مدته إلى هذا القدر، ما لم يكن الإيجار معقودا لمدة حياة المؤجر أو المستأجر، فيستمر العقد لهذه المدة ولو زادت على خمس وعشرين سنة".
  2. 2 عبد الرزاق السنهوري، الوسيط في شرح القانون المدني، الجزء السادس، المجلد الثاني، دار إحياء التراث العربي، بيروت، [د.ت]، ص 1433-1434ه.
  3. 3 تشير بعض المؤلفات القديمة إلى ما يؤيد هذا الافتراض. انظر على سبيل المثال: محمد بن عثمان بن محمد السنوسي، مطلع الدراري بتوجيه النظر الشرعي على القانون العقاري، المطبعة الرسمية، تونس، 1302ه– 1848م، ص 152. الذي أفرد بابا عنونه بـ "الأمفيتيوز أو الحكر". وانظر أيضا: عبد السلام ذهني بك، في الأموال، مطبعة الاعتماد، 1344ه– 1926م، ص 391. الذي أطلق على الأمفيتيوز تسمية "الحكر الفرنسي". ويرى البعض - خلافا لذلك - أن الفقه الإسلامي لم يستمد نظام الحكر من الأمفيتيوز لعدم وجود أدلة على ذلك. محمد أبو زهرة، الحكر، مجلة القانون والاقتصاد، كلية الحقوق، جامعة القاهرة، المجلد 10، العدد 5 - 6، يناير 1940، ص 122. أو لاختلاف عدد من الأحكام بينهما كالأجرة والمدة وغيرهما. محمد كامل مرسي بك، الأموال، مطبعة فتح الله إلياس، 1937، ص 247. ويضيف البعض بأنه: "لا خلاف بيننا على أن عقد الحكر هو من وضع علماء الشريعة الإسلامية، وأن النصوص التي يجب تطبيقها عليه هي النصوص التي وضعها الفقهاء لهذا العقد. أما الخلاف فقائم على ما عدا ذلك مما يتعلق بهذا العقد: فقائم على حقيقة العقد ونوعه، وعلى من وضعه من علماء الشريعة، وفي أي زمن كان ذلك، وعلى الأسس التي بني عليها العقد ولأي مصلحة أنشئ، وكذلك على الحقوق والالتزامات الناشئة عنه". عثمان بك فهمي، الحكر في مصر، مطبعة ملجأ الأيتام الماسوني، 1950، ص 86 - 87.
  4. 4 مدونة جستنيان في الفقه الروماني، ترجمة عبد العزيز فهمي، دار الكاتب المصري، القاهرة، 1946، ص 230.
  5. 5 "ولعل الحكر أقدم ما نعرف من الحقوق العينية المنشأة على الأوقاف". مصطفى أحمد الزرقا، أحكام الأوقاف، منشورات وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية بدولة قطر، دار القلم، دمشق، 2022، ص 339 - 340.
  6. 6 عثمان بك فهمي، مرجع سبق ذكره، ص 2.
  7. 7 القانون رقم 22 لسنة 2004 بإصدار القانون المدني. الجريدة الرسمية، 8/8/2004، العدد 11، ص 364.
  8. 8 فعلى الرغم من عدم النص على الحكر في التقنين المدني القديم؛ فإن القضاء كان يعترف به ويرجع إلى الشريعة الإسلامية للفصل في الدعاوى المتعلقة به. وقد قضت محكمة النقض المصرية تأكيدا لذلك بأنه: "لما كان القانون المدني القديم لم يقنن أحكام حق الحكر، وكان منشأ هذا العقد الشريعة الإسلامية فقد استقر الرأي على الأخذ بأحكامها". نقض مدني مصري رقم 469/35 ق، جلسة 8/1/1970، السنة 21، العدد 1، ص 51.
  9. 9 القانون رقم 9 لسنة 2021 بشأن الوقف. الجريدة الرسمية، 8/8/2021، العدد 10، ص 68. وتجدر الإشارة إلى أن هذا القانون قد ألغى القانون رقم 8 لسنة 1996 بشأن الوقف. الجريدة الرسمية، 25/5/1996، العدد 6، ص 72. والذي كان قد تضمن نصوصا بعضها يتشابه وبعضها يختلف مع القانون الجديد.
  10. 10 قارن المادة 1249 من القانون المدني الأردني. والمادة 73 من قانون الأوقاف الجزائري رقم 6 لسنة 2015. وقد عرفه محمد قدري باشا في المادة 331 من قانون العدل والإنصاف بأنه: "عقد إجارة يقصد به استيفاء الأرض الموقوفة، مقررة للبناء والتعلي، أو للغراس، أو لأحدهما". محمد قدري باشا، قانون العدل والإنصاف للقضاء على مشكلات الأوقاف، مؤسسة الريان للطباعة والنشر والتوزيع، بيروت، 2007، ص 201. أما محكمة النقض المصرية فعرفته بأنه: "عقد إيجار يبيح للمحتكر الانتفاع بالأرض المحكرة إلى أجل غير محدد، أو إلى أجل طويل معين مقابل دفع أجر المثل المقرر على الأرض خالية". نقض مدني مصري رقم 1090/55 ق، جلسة 28/2/1990، السنة 41، العدد 1، ص 673.
  11. 11 والمعنى الأول هو الأكثر شيوعا عند إطلاق لفظ الحكر أو التحكير أو الاستحكار. انظر: كايد يوسف قرعوش، حق التحكير (تحكير الأراضي الوقفية)، مجلة دراسات علوم الشريعة والقانون، المجلد 33، العدد 1، 2006، ص 18.
  12. 12 علي هادي العبيدي، الوجيز في شرح القانون المدني، الحقوق العينية، دار الثقافة، عمان، 1999، ص 275. أحمد إبراهيم الحياري، شرح أحكام الحقوق العينية، دار الثقافة، عمان، 2021، ص 303.
  13. 13 يوسف محمد عبيدات، الحقوق العينية الأصلية والتبعية، دار المسيرة للنشر والتوزيع، عمان، 2011، ص 225.
  14. 14 حسن حسين البراوي، دروس في الحقوق العينية الأصلية في القانون المدني المصري، الجزء الثاني، دار النهضة العربية، القاهرة، 2026، ص 292. محمود خيال ونورد الدين لعرج وعبد الرؤوف اللومي، الحو العينية الأصلية في القانون المدني القطري، منشورات كلية الشرطة، الدوحة، 2018، ص 302.
  15. 15 نقض مدني مصري رقم 1090/55 ق، سبق ذكره. وقد قضت محكمة التمييز الكويتية في ذات المعنى بأن: "عقد الحكر يشبه عقد الإيجار إلا أن له خصائص معينة لا توجد في الإيجار منها طول فترة الحكر وحق البناء والغرس والتصرف فيما يقيمه المحتكر والتوارث فيه على اعتباره ملكا خاصا له واعتبار الحق عينيا ويكون في مقابل التزام المحتكر ومن يتلمس الحق عنه بدفع أجرة للمتولي على الوقف هي أشبه شيء بالإيرادات المرتبة، ويختلف الحكر عن الإيجار في أنه (أي الحكر)، يخول للمحتكر حقا عينيا متفرعا عن حق الملكية تتحمله العين في يد كل حائز لها في حين أن الإيجار لا يخول المستأجر إلا حقا شخصيا. والحكر مدته طويلة في حين أن مدة الإيجار يغلب فيها أن تكون قصيرة. والحكر يخول للمحتكر ملكية المنشآت التي يقيمها على الأرض المحكرة، ويجوز له التصرف فيها مستقلة عن الأرض بالبيع أو الهبة أو الوقف، ويورث عنه في حين أن الأصل في الإيجار أنه لا يجوز له ذلك". تمييز أحوال شخصية كويتي رقم 14/1986 ق، جلسة 29/12/1986، السنة 14، ص 346.
  16. 16 ولا يمتد نظام الحكر إلى الأموال العامة التي خصصت للمنفعة العامة وتدار لحساب الدولة أو الأشخاص الاعتبارية العامة. فهذه الأموال، بحكم طبيعتها، تخرج عن نطاق التعامل القانوني؛ إذ لا يجوز التصرف فيها أو إنشاء حقوق عينية أصلية عليها وفقا لنص المادة 57 من القانون المدني. انظر: مهند مختار نوح، الحقوق العينية الإدارية، المجلة الدولية للقانون، العدد 1، يناير 2016، ص 28.
  17. 17 كان المشروع التمهيدي للتقنين المدني المصري يختلف في مضمونه عما استقر عليه النص النهائي؛ إذ كانت الفقرة الأولى من المادة (1257) من ذلك المشروع تنص على ما يلي: "يجوز ترتيب الحكر على عين موقوفة أو على عين غير موقوفة". غير أن لجنة المراجعة حذفت هذا النص بعد أن رأت قصر الحكر على الأراضي الموقوفة فقط. مجموعة الأعمال التحضيرية للقانون المدني المصري، الجزء السادس، ص 571 وما بعدها.
  18. 18 محمد أبو زهرة، مرجع سبق ذكره، ص 95.
  19. 19 مجموعة الأعمال التحضيرية للقانون المدني المصري، مرجع سبق ذكره، ص 565 – 567.
  20. 20 محمود جمال الدين زكي، دروس في الحقوق العينية الأصلية، مطبعة جامعة القاهرة والكتاب الجامعي، 1976، ص 611. محمد حسين منصور، الحقوق العينية الأصلية، دار الجامعة الجديدة، الإسكندرية، 2003، ص 211. وانظر أيضا: نقض مدني مصري رقم 871/60 ق، جلسة 23/11/1994، السنة 45، العدد 2، ص 1462. وقد قضت المحكمة الدستورية العليا في مصر بـ: "أن القواعد القانونية التي صاغها القانون المدني في شأن الأحكار، لم تكن إلا تعبيرا عن السياسة التشريعية التي اختطها للحد منها أو إنهاء وجودها". المحكمة الدستورية العليا، القضية رقم 73/19 ق، جلسة 7/2/1998، السنة 8، العدد 1، ص 1098. وقد تبنت بعض التشريعات العربية، كالتشريع العراقي، موقفا متقدما تمثل في الإلغاء الكامل لنظام الحكر؛ إذ رأت في هذا النظام عبئا يقيد حركة الأوقاف ويحول دون استثمار أراضيها على نحو فعال. لمزيد من التفاصيل، انظر: نرجس محمد سلطان سلطاني، الحقوق المترتبة على العقارات الموقوفة في الفقه الإسلامي والتشريعات الأردنية والعراقية، المجلة القانونية، جامعة القاهرة فرع الخرطوم، العدد 3، مايو 2018، ص 329 وما بعدها.
  21. 21 محمد عمار تركمانية غزال وفاروق الأباصيري، الحقوق العينية الأصلية في القانون المدني القطري، منشورات كلية القانون جامعة قطر، 2015، ص 169.
  22. 22 حسن كيرة، الموجز في أحكام القانون المدني، الحقوق العينية الأصلية، منشأة المعارف، الإسكندرية، ط 4، 1995، ص 288. نبيل إبراهيم سعد، الحقوق العينية الأصلية، دار الجامعة الجديدة، الإسكندرية، 2015، ص 216. يضاف إلى ذلك أن البناء والشجر في الحكر ملك للمستحكر؛ لأنهما أنشئا بماله الخاص بعد أن دفع إلى جانب الوقف ما يقارب قيمة الأرض المحكرة باسم أجرة معجلة. أما في عقد الإجارتين؛ فإن البناء والأرض ملك للوقف؛ لأن عقدها إنما يرد على عقار مبني متوهن يجدد تعميره بالأجرة المعجلة نفسها التي استحقها الوقف. مصطفى أحمد الزرقا، مرجع سبق ذكره، ص 341.
  23. 23 انظر: المادة 332 من قانون العدل والإنصاف لمحمد قدري باشا، مرجع سبق ذكره، ص 201.
  24. 24 عبد الرزاق السنهوري، مرجع سبق ذكره، ص 1454.
  25. 25 محمود السيد عبد المعطي خيال، الحقوق العينية الأصلية في القانون المدني القطري، دار النهضة العربية، القاهرة، 2015، ص 305.
  26. 26 توفيق حسن فرج، الحقوق العينية الأصلية، مؤسسة الثقافة الجامعية، الإسكندرية، 1986، ص 363. نبيل إبراهيم سعد، مرجع سبق ذكره، ص 216.
  27. 27 عبد المنعم البدراوي، الحقوق العينية الأصلية، مكتبة سيد عبد الله وهبه، [د.م]، ط 3، 1968، ص 315.
  28. 28 أيمن سعد سليم، الحكر في القانون المدني المصري والتشريعات اللاحقة عليه ومدى مشروعية قرار وزير الأوقاف رقم 202 لسنة 2009 بإنهائه، مجلة كلية الحقوق للبحوث القانونية والاقتصادية، كلية الحقوق جامعة الإسكندرية، العدد 1، 2011، ص 317 - 318.
  29. 29 كايد يوسف قرعوش، مرجع سبق ذكره، ص 23. علي هادي العبيدي، مرجع سبق ذكره، ص 277.
  30. 30 محمود جمال الدين زكي، مرجع سبق ذكره، ص 620.
  31. 31 عبد الرزاق السنهوري، مرجع سبق ذكره، ص 620.
  32. 32 أيمن سعد سليم، مرجع سبق ذكره، ص 342.
  33. 33 مجموعة الأعمال التحضيرية للقانون المدني المصري، مرجع سبق ذكره، ص 593.
  34. 34 عبد الرزاق السنهوري، مرجع سبق ذكره، ص 1481.
  35. 35 جاء في الأعمال التحضيرية للقانون المدني المصري: "يكون الحكر بورقة رسمية إشعارا بخطره، والرسمية شرط للانعقاد. فإن كانت العين موقوفة، وهو الغالب، فلا تكفي الرسمية العادية، بل يجب أن يستصدر ناظر الوقف من المحكمة (...) التي تقع في دائرتها الأرض الموقوفة حجة شرعية؛ لأن الحكر ضرب من ضروب التصرف، ولا يجوز التصرف في الوقف إلا بإذن من القاضي. ويجب أن يقدم الناظر مبررا للتحكير، بأن يثبت أن إنشاء الحكر أمر تقتضيه المحافظة على العين الموقوفة، ويكون ذلك عادة بإثبات أن الوقف مخرب ولا يكفي ريعه لإصلاحه، فيحكر حتى يستصلحه المحتكر". مجموعة الأعمال التحضيرية للقانون المدني المصري، مرجع سبق ذكره، ص 572.
  36. 36 عبد المنعم البدراوي، مرجع سبق ذكره، ص 315.
  37. 37 ويتطابق ذلك مع ذات المدة المحددة في المادة 999 مدني مصري. في حين حدد المشرع الأردني – في المادة 1251 مدني – الحد الأقصى لمدة الحكر بخمسين سنة. وهذه التقديرات وغيرها تقوم على نظرة مصلحية ولا دليل عليها من الشريعة الإسلامية. انظر: كايد يوسف قرعوش، مرجع سبق ذكره، ص 22.
  38. 38 أيمن سعد سليم، مرجع سبق ذكره، ص 331.
  39. 39 صالح بن سليمان بن حمد الحويس، أحكام الحكر في الفقه الإسلامي مقارنا بما عليه العمل في المملكة العربية السعودية، أطروحة دكتوراه، كلية الشريعة والدراسات الإسلامية، جامعة أم القرى، 1427-1428ه، ص 139-140. دليلة محمد براف، استثمار الأراضي الوقفية بعقد الحكر "عقد التطوير"، مجلة الشريعة والدراسات الإسلامية، مجلس النشر العلمي، جامعة الكويت، المجلد 31، العدد 107، ديسمبر 2016، ص 348.
  40. 40 ويلاحظ أن هذا الاتجاه يختلف عن مسلك المشرع المصري، الأمر الذي أثار جدلا فقهيا بين من يرى أن تحديد الحد الأقصى لمدة الحكر يشمل أيضا الأحكار القائمة وقت نفاذ القانون المدني المصري. محمود جمال الدين زكي، مرجع سبق ذكره، ص 615 – 616. حسن كيرة، مرجع سبق ذكره، هامش 1، ص 289. وبين من يرى أن التحكير الذي انعقد قبل صدور القانون المدني المصري يظل خاضعا للقواعد التي كانت تحكمه. عبد الرزاق السنهوري، مرجع سبق ذكره، ص 1453 وما بعدها. عبد المنعم فرج الصدة، الحقوق العينية الأصلية، دار النهضة العربية، بيروت، [د.ت]، ص 1020. توفيق حسن فرج، مرجع سبق ذكره، ص 366. وحري بالإشارة أن مشروع القانون المدني المصري كان قد تضمن نصا يتعلق بتحديد المدة في الأحكار القائمة وقت العمل بالقانون، ولكن انتهى الأمر في لجنة الشيوخ إلى حذف ما ورد في هذا الشأن، "حتى لا تقطع بالرأي في مسألة تعارضت فيها المصالح والحقوق تعارضا يستعصي على التوفيق، ويحسن أن تترك هذه الحقوق والمصالح على حالها إلى أن يصدر في شأنها تشريع خاص". مجموعة الأعمال التحضيرية للقانون المدني المصري، مرجع سبق ذكره، ص 605-606. وقد قضت محكمة النقض المصرية تأكيدا لذلك: "لما كان البين من الأعمال التحضيرية للقانون المدني الحالي أن النص في المادة 999 منه على توقيت الحكر وتحديد مدته إنما يسرى على الأحكار الجديدة التي تنشأ في ظل العمل به اعتبارا من 15/10/1949 أما الأحكار السابقة على هذا التاريخ فلم ينص على كيفية انتهائها وتركها إلى أن يصدر في شأنها تشريع خاص بعد أن تعارضت مصالح وحقوق المحكرين والمحتكرين تعارضا استعصى على التوفيق وبذلك تبقى هذه الأحكار خاضعة لقواعد الشريعة الإسلامية التي كانت تحكمها وقت إنشائها". نقض مدني مصري رقم 645/54 ق، جلسة 25/5/1988، السنة 39، العدد 2، ص 977.
  41. 41 علي هادي العبيدي، مرجع سبق ذكره، ص 276. يوسف محمد عبيدات، مرجع سبق ذكره، ص 228.
  42. 42 نقض مدني مصري رقم 6993/77 ق، جلسة 3/12/2009، السنة 60، ص 885. نقض مدني مصري رقم 5472/81 ق، جلسة 13/6/2012، السنة 63، ص 901.
  43. 43 نقض مدني مصري رقم 766/56 ق، جلسة 23/2/1993، السنة 39، العدد 2، ص 866.
  44. 44 نقض مدني مصري رقم 15885/80 ق، جلسة 4/12/2022، السنة 73، ص 1137.
  45. 45 نقض مدني مصري رقم 1085/73 ق، جلسة 20/5/2017، السنة 68، ص 657.
  46. 46 انظر: المواد 332 و337 و339 من قانون العدل والإنصاف لمحمد قدري باشا، مرجع سبق ذكره، ص 201 وما بعدها.
  47. 47 عبد الرزاق السنهوري، مرجع سبق ذكره، ص 1458.
  48. 48 وما يشترطه هذا النص (المقابل لنص المادة 1004 من القانون المدني المصري) لقبول تعديل أجرة الحكر من مضى ثماني سنوات على آخر تقدير "هو حكم مستحدث وليس في أحكام الشريعة الإسلامية ولا في القواعد التي قررها الفقه والقضاء قبل صدور القانون المدني المصري ما كان يقيد طلب تصقيع الحكر بوجوب مضى مدة معينة على آخر تقدير، بل إن ما تقضي به أحكام الشريعة هو أن المحتكر تلزمه الزيادة كلما زادت أجرة المثل زيادة فاحشة". نقض مدني مصري رقم 382/29 ق، جلسة 16/4/1964، السنة 15، العدد 2، ص 556.
  49. 49 نقض مدني مصري رقم 442/35 ق، جلسة 27/1/1970، السنة 21، العدد 1، ص 202.
  50. 50 السيد محمد السيد عمران، الملكية في القانون المصري، مكتبة ومطبعة الإشعاع الفنية، الإسكندرية، 1993، ص 223.
  51. 51 "ذلك أن الحكر يختلف عن الإجارة العادية في أنه حق عيني يكلف المحتكر نفقات كثيرة ، ومن ثم فلا يصح أن يهدد بالفسخ إلا بعد هذه الفترة الملائمة من الزمن". مجموعة الأعمال التحضيرية للقانون المدني المصري، مرجع سبق ذكره، ص 598.
  52. 52 حسن كيرة، مرجع سبق ذكره، ص 291.
  53. 53 عبد المنعم فرج الصدة، مرجع سبق ذكره، ص 1027. نبيل إبراهيم سعد، مرجع سبق ذكره، ص 219.
  54. 54 محمد وحيد الدين سوار، شرح القانون المدني، الحقوق العينية الأصلية، الجزء الثاني، دار الثقافة، عمان، 1999، ص 423. عبد المنعم البدراوي، مرجع سبق ذكره، ص 318.
  55. 55 فيما يتعلق بمدة تعمير الوقف؛ فقد أبقى المشرع في القانون الجديد على الحد الأقصى ذاته المنصوص عليه في المادة 24 من قانون الوقف الملغى، وهو ثلاثون سنة. كما أعاد المشرع في القانون الجديد تضمين الأحكام الواردة في المادة 25 من القانون الملغى، المتعلقة بالتزامات من يعمر الوقف؛ إذ نص على وجوب أن يتخذ الوسائل الكفيلة بجعل الأرض صالحة للاستعمال، مع مراعاة طبيعتها والغرض المخصص لها والشروط المتفق عليها.

Usage Statistics

Views
PDF Views

How to Cite

How to Cite

The Legal Classification of Waqf Land Investment Contracts. (2025). The Legal & Judicial Journal, 19(3), 166-201. https://ljj.qa/ojs/index.php/MOJ/article/view/41

Views

31

Downloads

14

Citations

0

Authors

1
December 2025
Pages 166-201

Issue

3

Year

2025