تبحث الدراسة الإطار الزمني لعقود الشراكة بين القطاعين العام والخاص، مع تحليل المادة (18) من القانون القطري رقم 12 لسنة 2020، ومقارنتها بالتشريعات الكويتية والإماراتية والسورية والمصرية والمغربية. كما تتناول الدراسة مدة عقد الشراكة، والاستثناءات الواردة عليها، وأسباب تمديد العقد، والسلطة المختصة بالموافقة على التمديد، وتنتهي بعدد من النتائج والتوصيات لتطوير التشريع القطري.
المقدمة
حظي مفهوم الشـراكة1 بين القطاعين العام والخاص باهتمام كبير من قبل الدول في مختلف أنحاء العالم، خاصة بعد انتهاء الحرب العالمية الثـانية؛ لذا سعت أغلب الدول إلى إشباع الحاجات العامـة والأساسية لمواطنيها عن طريق التوسع في مشروعات الأبنيـة الأساسية وتقديم الخدمات المرفقيـة بمستوى أفضل، ولكن واجهت العديد من الصعوبات والتحديات التي تعترض طريق التنميـة التي طمحت إلى تحقيقها، الأمر الذي دفع العديد من الدول سواء المتقدمة أم الناميـة إلى صناعة النظم المؤسسية والتشريعية بغرض وضع الأساس القانوني الذي يمهد التعامل مع القطاع الخاص في عملية التنميـة والتطور الاقتصادي2.
وتدور أهمية الشراكة بين القطاعين العام والخاص في تعزيز قدرات التنمية الاقتصادية والاجتماعية والسياسية، وما تنتجـه من فرص استثمارية حقيقية؛ مما تجعل الدولة المحتضنـة لها ضمن مصاف الدول المتطورة والداعمـة للاقتصاد، وذلك عن طريق إشراك القطاع الخاص بشكل مباشر أو غير مباشر في عملية التنمية المستدامـة دون الإخلال بدور القطاع العام3.
وبالاطلاع على التشريعات القطرية، نجد أنه حتى عام 2020م لم يكن نظام الشراكة بين القطاعين العام والخاص منظمًا بموجب القانون، وقد بدأ المشرع – حديثًا - بتنظيم العـلاقة بين القطاع العام والخاص بموجب القانون رقم 12 لسنة 2020م بشأن تنظيم الشـراكة بين القطاعين الحكومي والخاص؛ مما يكون قد تأخر نسبيًا مقارنـة بالقوانين المقارنـة – وهي القوانين محل الدراسة - كالقـانون الكويتي، والإماراتي، والسـوري، والمصري، والمغربي.
ولا شك أن في تبني التشريع القطري لنظام الشـراكة بين القطاعين العام والخاص ملاذًا آمنًا لجميع الأطراف في تمـويل مشاريع البنية الأساسية للمرافق العامـة عن طريق شـراكة تتسم بمدة طويلة المدى؛ مما سيجذب الكثير من المستثمرين – الفاعلين الاقتصاديين - في تمويل وإنشاء المشروعات وتشغيلها مقابل هامش ربح مُجزٍ، الأمر الذي يفضي معهُ إلى انخفاض الأعباء المالية التي كانت ستتحملها الدولة خلال مرحلة إنشاء الأصول العامـة وحتى بداية المشـروع محل عقد الشـراكة.
ولما كانت عقود الشراكة من العقود التي تستغرق زمنًا طويلًا للانتهاء منها؛ فقد أثارت تلك المسـألة إشكالية لدى الباحث حول الضوابط المتعلقـة بالإطار الزمني لعقود الشـراكة بين القطاعين العام والخاص، وعمّا إذا قام المشرع القطري بتحديد المدة المتعلقـة بعقود الشـراكة صراحة في القـانون من عدمـه، وعمّا إذا كانت هنـاك حدود دنيا أو عُليا لتلك المدة، وعمّا إذا تصدى المشـرع بنفسـه صراحة في تقنين الاستثناءات التي قد ترد على تلك المدة، ومناقشـة الأسلوب الأمثل في ضبط مسألة المدة في عقود الشـراكة، وذلك عن طريق الاطلاع والتحليل مع النصوص ذات العلاقة في القوانين المقارنة، وتقييم المسلك الأفضل بينهم.
وسوف تعتمد هذه الدراسة على المنهج التأصيلي التحليلي القائم على تحليل نص المـادة (18) من القانون رقم 12 لسنة 2020م بشأن تنظيم الشراكة بين القطاعين الحكومي والخاص، مع الاعتماد على أسلوب المقارنة مع القوانين الأخرى، وهي كُلٌّ من القانون الكويتي، والإماراتي، والسوري، والمصري، والمغربي.
ووجدنا من الملائم تقسيم الدراسـة إلى مبحثين على النحـو الآتي:
المبحث الأول
مدة عقـد الشراكة بين القطاعين العام والخاص
يعد عقد الشراكة4 من العقـود الزمنيـة5 (contrat successif) التي يجب أن تتناول بين بنـودها عنصر المـدة المحددة للعقد، وذلك نتيجة لارتباط العقد بمهام كبيـرة تتصل بالمرافق العامـة والخدمة العامـة6، وهو الأمر الذي دفع أغلب التشريعات في مختلف دول العالم إلى النص صراحـة في القانون على المدة المحددة لعقد الشـراكة باعتباره عنصرًا لازمًا في تكوين العقد.
وعليـه فإننا سنتطرق إلى بيـان مقتضيات تحديد مدة عقد الشراكة بين القطاعين العام والخاص (مطلب أول)، وموقف كُلٍّ من القانون القطري والقانون المقارن من تحديد المدة (مطلب ثانٍ).
المطلب الأول
مقتضيات تحديد مدة عقد الشراكة بين القطاعين العام والخاص
تتسم عقود الشراكة بالتعقيد وطول المدة الزمنيـة استنادًا إلى طبيعتها المركبـة، وذلك نتيجة ارتباط العقد بالمرافق العامـة – التي غالبًا ما تكون حيوية وذات أهمية بالمجتمع – الأمر الذي تعين معهُ ضرورة النص صراحة على الحدود الدنيـا والقصوى لها، وذلك بغرض الوصول إلى الغاية من تلك الشراكة التي تفترض التطوير والتنميـة والدعم الاقتصادي وتوزيع المخاطر بين الجهة الحكومية والقطاع الخاص، وكذلك بغرض إغلاق الأبواب أمام الفساد الإداري من جانب الدولة أو الاحتكار بقصد التربح من جانب الفاعل الاقتصادي.
وتتأتى أهمية تحديد المدة في عقد الشراكة لتشجيع الملتزم مع الجهة الحكومية ودفعه إلى تنفيذ الاتفاق على أكمل وجـه خلال المدة المتفق عليـها، ولما يترتب على مخالفة ذلك من تأخير في التنفيذ أو التسليم من غرامات وجزاءات تستحق الجهة الإدارية أن تلزمها المتعاقد؛ إذ لا يكاد يخلو أي عقد إداري من النص على تنظيم غرامة التأخير وتحديد مقدارها7.
ونرى بأن مقتضيات تحديد مدة عقد الشراكة تعود بشكل طبيعي إلى بعض الأسباب والدوافع التي دفعت الدولة إلى خلق نظام الشراكة بين القطاعين العام والخاص – باستثناء السبب الرئيس وهو توزيع المخاطر الناجمة عن إقامة المشاريع -، وسنتناول تلك الأسباب والدوافع فيما يأتي مع بيـان المقتضى من تحديد المدة:
أولًا: لجأت الدولة إلى نظام الشـراكة بسبب مشكلة عدم الكفاءة في أداء المرافق العامـة والبنية الأساسية؛ خاصة فيما يتعلق بالفاقد الكبير من المخرجات وعدم الاستخدام الأمثل للموظفين العموميين8؛ لذا كان من الواجب على المشرع النص صراحة على المدة المحددة لعقد الشراكة حتى لا تعتمد الجهة الحكومية على القطاع الخاص إلى الأبد؛ وإنما عليها مواجهة تلك المشكلة المتعلقة بعدم الكفاءة خلال مدة العقد، وذلك عن طريق معالجة نقص الأداء بالمرافق العامـة، وتطوير البنية الأساسية الخاصة بها – والتي ستكون جاهزة بعد انتهاء عقد الشراكة بطبيعة الحال -، وزيادة الخبرات الفنية المتخصصة بين الموظفين العموميين.
ثانيًا: لجأت الدولة إلى نظام الشراكة بسبب إعطاء مزيد من المصداقية للمشروعات المنفذة من خلال مشاركة القطاع الخاص فيها، وكذا إلى خلق بيئة عمل أكثر ديناميكية للحد من البيروقراطية الحكومية9؛ لذا نرى من الواجب تحديد مدة عقد الشراكة حتى لا يكون المشـروع محل التعاقد حكرًا لفترة طويلة من الزمن لأحد الفاعلين الاقتصاديين دون غيره، ذلك الاحتكار الذي قد ينشر ثقافة عدم الثقة بالجهة الحكومية أو المرفق العام بداخل المجتمع؛ مما سيؤثر حتمًا في عملية التنمية الاقتصادية – وهي غاية الشراكة -، وكذا سيؤدي تحديد المدة إلى خلق نوع من التنافس الشديد بين الفاعلين الاقتصاديين بغرض الحصول على العطاء محل التعاقد عند انتهاء مدة العقد. وفي الوقت نفسـه، سيدفع المتعاقد مع الجهة الحكومية إلى زيادة الحرص، والتركيز في التنفيذ، والاستمرار بنفس الجودة العالية بغرض الحصول على ثقة الجهة الحكومية والمجتمع والفوز بتمديد العقد أو تجديده مرة أخرى.
ثالثًا: لجأت الدولة إلى نظام الشراكة بغرض نقل التكنولوجيا المتقدمة من الخارج عن طريق المستثمرين الأجانب وهو ما سيؤدي إلى نقل أساليب وتقنيات الإدارة الحديثة إلى المرفق العام10؛ لذا نرى من الواجب تحديد مدة عقد الشراكـة بغرض تشجيع الفاعلين الاقتصاديين المحليين – الوطنيين - على تطوير أساليبهم وتقنياتهم خلال مدة العقد مع الفاعل الاقتصادي الأجنبي؛ إذ لا شك بأن تعاقد الجهة الحكومية مع الفاعل الاقتصادي المحلي – الوطني - ذي الكفاءة أكثر فائدة للدولة والتنمية والمجتمع من التعاقد مع الفاعل الاقتصادي الأجنبي؛ لأسباب عدة تتمثل في أن الفائدة المالية التي سيحصل عليها الفاعل الاقتصادي المحلي سوف يعيد تداولها مرة أخرى بداخل الدولة ليس خارجها؛ مما سيدفع بعجلة التنمية الاقتصادية، فضلًا عن أن الأخير أكثر دراية من الأجنبي بالبيئة الاجتماعيـة والقوانين الوطنية ومتطلبات السوق الداخلي.
وقد لجأ البعض إلى ضرورة تحديد مدة عقد الشراكة حسب الأسباب التي أدت إلى إبرام العقد بين الجهة الحكومية والقطاع الخاص؛ مما دفعهم إلى إنشاء مشروع يتعلق بالشـراكة والنص صراحة بأن: "تحدد مدة عقد الشراكة بين القطاعين العام والخاص، حسب الحالات مع الأخذ بعين الاعتبار، خصوصًا، استخماد الاستثمارات التي سيتم إنجازها وطرق التمويل المتبعة وطبيعة الخدمة"11.
كما لجأ البعض إلى ضرورة تحديد مدة عقد الشراكة حسب العقد المبرم بين الجهة الحكومية وشركة المشـروع، ويرى بأنه إذا كان محلـه عقد البـوت12 فيجب النص صراحة على المدة المحددة بغرض احترام شركة المشـروع للمدد المنصوص عليـها في العقد؛ مما يعد معهُ ترجمة فعلية للقاعدة الأصولية التي تحكم سير المرافق العام بنظام واضطراد13.
وفي رأينا، تتمحور ضرورة النص على المدة في عقود الشـراكة بين الجهة الحكومية وشركة المشـروع نظرًا لأهمية محل التعاقد الذي ينصب على المرفق العام أو الخدمـة التي يقدمها – وهي خدمات تلبي احتياجات الأفراد الضرورية -؛ مما ينتج عن التحديد من معرفة للجهة الإدارية حول مدة تنفيذ العقـد وتاريخ التسليم، بالإضافة إلى ضخامة تمويل هذه المشـاريع، الأمر الذي يتعين معهُ أن يكون الإطار الزمني واضحًا بالنسبـة لطرفي التعاقد.
وكذلك تتمحور ضرورة النص على المدة حول بداية مآل المنشآت وكافة المستلزمات إلى الدولة – أو الجهة الحكومية - صاحبة الرقبة في المشروع، وذلك دون مقابل أو تعويض ما لم يُتفق صراحة في عقد الشـراكة على خلاف ذلك، وهو ما نص عليـه المشـرع القطري صراحة في المادة (26) من قانون الشـراكة بين القطاعين الحكومي والخاص بأن: "تؤول إلى الدولة، عند انتهاء مدة عقد الشراكة، ملكية المشـروع ومنشآته وكافة مستلزماته، دون مقابل أو تعويض، ما لم يُتفق في عقد الشراكة على خلاف ذلك".
ونرى بأن النص القانوني - سالف الذكر - وإن كان هدفه تنظيم انتهاء عقد الشـراكة حول كيفية مآل المشروعات ومستلزماتها سواء بمقابل أم بدون مقابل؛ إلّا أن المشـرع القطري قد أخطأ في مفهوم عقد الشـراكة بما لجأ إليـه بعبارة "تؤول إلى الدولة، عند انتهاء مدة عقد الشـراكة، ملكية المشـروع.."؛ إذ لم تنتقل ملكية المشـروع لشركة المشـروع أو القطاع الخاص حتى تعود ملكيتها للدولة أو الجهة الحكومية عند انتهاء مدة العقد؛ مما يثير لدى القارئ وجود الالتباس عند المشرع بين مفهومي الشراكة والخصخصة14.
ومن أهم الاختلافات بين الشـراكة والخصخصة – إلى جانب الاختلاف المتعلق بنقل الملكية وغيره - هو ذلك الاختلاف المتعلق بالإطار الزمني؛ إذ تتميز الخصخصة بأنها ترتيب دائم ومستمر ما لم تلجأ الدولة إلى شراء أغلبية رأسمال المشروع مرة أخرى، بينما عقد الشـراكة بين القطاعين العام والخاص يكون لفترة زمنية محددة ومتفق عليـها، ذلك أن الشراكة بأنواعها هي علاقة تعاقديـة، ويكون العقد هو المحور للعلاقة بين القطاعين الحكومي والخاص ويتضمن كل واجبات والتزامات الطرفين والمدة المحددة للتنفيذ وغيرها من الشروط المحددة قانونًا15.
وترتيبًا على ما تقدم، تبين لنا أهمية وضرورة تحديد مدة عقد الشـراكة بين القطاعين العام والخاص لأسباب تصب في مصلحة كُلٍّ من المتعاقدين سواء بجانب الدولة أم الجهة الحكومية أو بجانب القطاع الخاص أو شركة المشـروع، وقد يثور التسـاؤل عن موقف كُلٍّ من القانون القطري والقانون المقارن (وهي حسب الدراسة محل التعليق: القانون الكويتي، والسوري، والإماراتي، والمصري، والمغربي) من تحديد المدة، وعمّا إذا لجأ كل منها إلى النص صراحة على المدة في عقد الشـراكة، وهو ما سنتناولهُ تحديدًا في المطلب الثـاني.
المطلب الثاني
موقف القانون القطري والقوانين المقارنة من تحديد المدة
نظرًا لأهمية تحديد مدة عقد الشـراكة – كما أسلفنا - يثور التسـاؤل عمّا إذا اشترطت القوانين ضرورة النص صراحة على شرط المدة المحددة في عقد الشـراكة (أولًا)، وعمّا إذا لجأت إلى تقنين الحدود الدنيا والعُليا لتلك المدة في القوانين المنظمة لعقود الشـراكة (ثانيًا).
أولًا: موقف القانون القطري والقانون المقارن حول شرط المدة في عقد الشراكة بين القطاعين العام والخاص:
نص المشرع القطري صراحة في المادة (17/ بند 10) من قانون الشراكة بين القطاعين الحكومي والخاص على مجموعة من الأحكام الموضوعية التي يجب أن يتناولها عقد الشراكة، ومن بينها شرط المدة بما تناوله بأن: "يجب أن يتضمن عقد الشراكة بصفة خاصة: ما يلي: .............. 10- مدة العقد، وحالات الإنهاء المبكر أو الجزئي، وحقوق الأطراف المرتبطـــة".
وقد نص المشرع الكويتي صراحـة في المادة (35/ بند 10) من القانون رقم 116 لسنة 2014م بشأن الشراكة بين القطاعين العام والخاص بعنوان (عقد الشراكة النموذجي) على ضرورة تضمين عقد الشراكة بالمدة المحددة للعقد بما تناوله في أن: "يجب أن يتضمن عقد الشراكة بصفة خاصة ما يأتي: ........... 10- مدة العقد ومدة الاستثمار ومدة البناء والتجهيز أو إتمام أعمال التطوير".
وقد نص المشـرع السـوري صراحة في المادة (46/ بند ر) من القانون رقم 5 لسنة 2016م بشأن التشاركية بين القطاعين العام والخاص على وضع قائمة بالحد الأدنى من الشروط فيما تناوله بأن: "يتضمن عقد التشاركية القدر اللازم من الأحكام والشروط التي يرى كلا الطرفين ضرورة لها على أن تتضمن كحد أدنى.. ر- مدة عقد التشاركية وحقوق وواجبات كل من الطرفين عند انتهائه أو إنهائه".
وقد نص المشـرع الإماراتي في المادة (26/ بند 10) من القانون رقم 22 لسنة 2015م بشأن تنظيم الشراكة بين القطاعين العام والخاص في إمارة دبي على وجوب تضمين المدة في عقد الشـراكة باعتبارها من الأحكام الأساسية التي تنظم الشـراكة، وذلك بما تناوله صراحة بأن: "يجب أن يتضمن عقد الشراكة الأحكام الأساسية التي تنظم الشراكة، والالتزامات المتبادلة بين أطرافه، ومن أهمها ما يلي: ......... 10- مدة العقد وحالات الإنهاء المبكر له بشكل كلي أو جزئي، وبيان حقوق والتزامات أطرافه".
وكذا لجأ المشـرع المصري إلى النص صـراحة في المـادة (34/ بند 10) من القانون رقم 67 لسنة 2010م بشأن تنظيم مشاركة القطاع الخاص في مشروعات البينة الأساسية والخدمات والمرافق العامـة على مجموعة من الأحكام التي يجب أن يتضمنها عقد المشـاركة ومن بينها: "مدة العقد، وحالات الإنهاء المبكر أو الجزئي وحقوق الأطراف المرتبطة".
وكذلك لجأ المشرع المغربي إلى النص صراحة في المادة رقم (12/ بند 2) من القانون رقم 86.12 لسنة 2014م بشأن عقود الشـراكة بين القطاعين العام والخاص إلى بيـان البنود والبيـانات الإلزامية التي يجب أن يتضمنها عقد الشـراكة، وقد أفصح عن شرط المدة فيما تناوله بأن: "يحدد عقد الشراكة بين القطاعين العام والخاص حقوق الأطراف المتعاقدة والتزاماتها ويضمن لزومًا وعلى وجـه الخصوص البنود والبيـانات التالية: .... 2- مدة عقد الشراكة بين القطاعين العام والخاص".
وترتيبًا على ما تقدم، يتضح جليًّا بأن القانون القطري وغيره من القوانين المقارنة قد أفصحت صراحة – كما أسلفنا - على ضرورة تضمين عقد الشـراكة بين القطاعين العام والخاص على شرط المـدة، بل جعلت شرط المدة ضمن الأحكام اللازمـة والبيـانات الضرورية التي يجب أن يتضمنها عقد الشـراكة؛ وإلّا كان مصير العقد في حالة عدم تضمينه هو البطـلان؛ لمخالفته الشـرط المقرر بموجب القانون.
ثانيًا: موقف القانون القطري والقـانون المقارن من تحديد الحدود الدنيا والعُليا لمدة عقد الشـراكة بين القطاعين العام والخاص:
من الملاحظ بأنه لم يكتف كُلٌّ من القانون القطري والقانون المقارن على ضرورة النص صراحة على مدة عقد الشـراكة بين القطاعين العام والخاص، وإنما لجآ إلى بيـان الحدود القانونية لمدة عقد الشـراكة، وذلك لأهمية العقد واتصـاله بالمرافق العامـة، لذا رَأَيَا أهمية بيـان الحدود الزمنيـة في القانون نفسـه، وهذا لا يقطع سلطة الملاءمة والتقدير بجانب الجهة الإدارية في تحديد المدة؛ بل تملك تحديد المدة المناسبة بشرط عدم تجاوز الحدود المقررة قانونًا.
ومن هذا المنطلق، نص المشـرع القطري صراحة في المادة (18) من قانون الشراكة بين القطاعين الحكومي والخاص على حدود مدة عقد الشـراكة، ويُلاحظ بأنه لم يتبنَّ سقفًا أدنى لتلك المدة واكتفى بتحديد السقف الأعلى فيما تناوله بأن: "تُحدد مدة عقد الشراكة باتفاق الطرفين بما لا يجاوز ثلاثين عامًا......"، ونتفق مع اتجاه المشـرع القطري في عدم تحديد الحد الأدنى لمدة الشـراكة، وذلك لمنح الجهة الإدارية قسط من الحرية في إبرام عقود الشـراكة وإن لم يكن المشروع يحتاج إلى مدة طويلة، وكذا هناك العديد من الشركات المتطورة التي تستطيع تنفيذ العقد خلال مدة قصيرة الأجل، ونرى كذلك – مهما اختلفت وجهات النظر في هذه المسألة - بأن إيجابيات عدم تحديد الحد الأدنى لمدة الشـراكة أكثر بكثير من تحديدها صراحة في القانون.
وفي ذات الاتجاه، نص المشـرع الكويتي في المادة (18/ فقرة 1-2) من قانون الشراكة بين القطاعين العام والخاص على حدود مدة عقد الشـراكة، وكان مشابهًا للقانون القطري في عدم تحديد الحد الأدنى لمدة عقد الشـراكة فقط، ويختلف عنهُ في المدة المحددة للعقد وكذا توضيح بداية سريان المدة، وذلك فيما تناوله بأن: "تحدد مدة الاستثمار لمشروعات الشراكة التي تطرح وفقًا لهذا القانون في وثائق الطرح بما يتفق مع طبيعة المشروع ومتطلباته. ولا يجوز أن تزيد مدة الاستثمار التي تطرح وفقًا لهذا القانون على خمسين سنة تبدأ من التاريخ المحدد في العقد لاكتمال أعمال البناء والتجهيز أو لإتمام أعمال التطوير".
وكذلك نص المشرع الإماراتي صراحة في المادة (27/ بند أ) من قانون تنظيم الشراكة بين القطاعين العام والخاص في إمارة دبي على أنهُ: "تُحدد مدة عقد الشراكة وفقًا لما يتم الاتفاق عليـه بين الجهة الحكومية وشركة المشـروع، شريطة ألّا تزيد هذه المدة على (30) ثلاثين عامًا، تبدأ من تاريخ توقيع العقد، أو التاريخ الذي تحددهُ لجنة الشـراكة".
ويُلاحظ أن بعض القوانين المقارنة لم تتفق مع الاتجاه القطري والكويتي والإماراتي في عدم تحديد الحد الأدنى لمدة عقد الشـراكة، بل نظرت إلى أهمية ذلك الحد بجانب الحد الأعلى، ولجأت إلى النص صراحـة على الحد الأدنى ليكون سيفًا قاطعًا مناطهُ عدم جواز إبرام عقد الشـراكة بين القطاعين لمدة تقل عن المدة المحددة قانونًا، وهذا الاتجاه يجمع كل من القـانون المصري والمغربي.
فقد نص المشـرع المصري صراحة في المادة الثانية من قانون تنظيم مشاركة القطاع الخاص في مشروعات الأبنية الأساسية والخدمات والمرافق العامـة بأنهُ: "للجهات الإدارية أن تبرم عقود مشاركة تعهد بمقتضاها إلى شركة المشروع تمويل وإنشاء وتجهيز مشروعات البنية الأساسية والمرافق العامـة وإتاحة خدماتها أو تمويل وتطوير هذه المرافق، ..... ولا يجوز أن تقل مدة العقد عن خمس سنوات ولا تزيد على ثلاثين سنة من تاريخ اكتمال أعمال البناء والتجهيز أو إتمام أعمال التطوير..".
وكذلك نص المشـرع المغربي صراحـة في المادة (13) من قانون عقود الشراكة بين القطاعين العام والخاص على أنهُ: "تُحدد مدة عقد الشراكة بين القطاعين العام والخاص، مع الأخذ بعين الاعتبار حسب الحالة، خصوصًا، استخماد الاستثمارات التي سيتم إنجازها وكيفيات التمويل المعتمدة وطبيعة الخدمات المتقدمـة. وتتراوح هذه المدة ما بين خمس سنوات وثلاثين سنة....".
وعلى عكس ما سبق، يُلاحظ أن المشرع السـوري وإن اشترط ضرورة تضمين عقد الشـراكة للمدة المحددة16 إلّا أنهُ لم يتطرق إلى بيـان الحدود المقررة لتلك المدة، واكتفى بوجوب ارتباط المدة المحددة للعقد بتنفيذ المشروع وتشغيله بشكل واضح فقط، وذلك فيما تناوله صراحة في المادة (47/ بند أ) من قانون التشاركية بين القطاعين العام والخاص بأن: "يُحدد عقد التشاركية بشكل واضح المدة اللازمـة لتنفيذ المشـروع وتشغيله وانتهاء مدته".
ولا شك بأننا نختلف مع الاتجاه السـوري حول عدم بيان الحدود المقررة لمدة الشـراكة، ونرى بأن ما تطرق إليـه المشرع ابتداء في ضرورة تضمين عقد الشـراكة بالمدة المحددة جاء مناقضًا لما انتهى إليه في المادة سالفة الذكر؛ إذ إن في ترك العقد دون حدود حسب الاتفاق بين الجهة الحكومية وشركة المشـروع سلبيات عديدة؛ وأهمها بزوغ شمس الفسـاد الإداري وزيادة المجاملات على حساب المرافق والأموال العـامة، وكذا إزهاق روح المنافسـة بين الفاعلين الاقتصاديين الذين ينتظرون انتهاء المدة بشغف للتعاقد مع الجهة الحكومية؛ لذا نهيب بالمشرع السـوري تعديل القانون – في هذا الخصوص - وإضفاء التعديل الذي يلامس الحدود التي يراها مناسبة – وفق تقديره الخاص - لمدة الشـراكة المناسبة بين القطاعين العام والخاص.
وترتيبًا على ما تقدم، يتبين أن المشرع القطـري وغيره من المشرعين في القوانين المقارنـة – عدا المشرع السوري الذي جعل المدة مفتوحـة حسب اتفاق الطرفين دون سقف - قد حرصوا على تقنين مدة عقود الشـراكة نتيجة شعورهم لأهمية تلك الحدود، وإن كانت تلك المدد التي لجأوا إلى تقنينها تعتبر طويلة نسبيـًا وتتراوح ما بين (30) سنـة، و (50) سنـة، الأمر الذي جعل بعض الفقـه ينتقد هذا الاتجاه باعتبار أن طيلة مدة عقود الشراكـة تعد نزولًا من الدولة عن سلطتها الأصيلة التي تتمثل في إدارة وتنظيم المرفق العام وهو ما لا يجوز، بالإضافة إلى اصطدام تلك المدة الطويلة باعتبارات السيادة الوطنية وخاصة بعد الانطلاقات السريعة التي شهدتها حركات الاستقلال في بلاد عدة، وتعد سطوًا على حقوق الأجيال التي تقيدها تلك المدة لتصبح قيدًا بدون مبرر لأجيال بعدها أجيال17.
وهنا قد يثور التسـاؤل عمّا إذا كانت تلك المدد المحددة لعقود الشـراكة بين القطاعين العام والخاص جامدة لا يجوز الاتفاق على مخالفتها البتـة، أم توجد بعض الاستثناءات التي تجيز تمديدها أو الاتفاق على مخالفتها وفق مبررات أو مقتضيات محددة، وهذا ما سنتناوله في المبحث الثاني.
المبحث الثاني
الاستثناءات الواردة على مدة عقد الشـراكة بين القطاعين العام والخاص
لاشك أن القانون بجمـوده لا يمكن أن ينظم كل المسائل التي قد تواجه الإدارة في القيام بمهامها – لا سيما المتعلقة بالمشاركة مع القطاع الخاص في تنظيم الاقتصاد الوطني -، ويجب أن تمنح الإدارة نتيجة لذلك هامشًا تتصرف فيه بما تراه مناسبًا نظرًا لقربها من الواقع، إضافة لسـرعة وفعالية وسائل تدخلها18، في حين أن عدم وجود سلطة تقديرية للإدارة في مثل هذه الحالات سيؤدي حتمًا إلى غياب الغاية التي أرادها الشارع من تنظيم الشـراكة؛ لذا حرص كُلٌّ من القانون القطري والقوانين المقارنـة على تقنين بعض الاستثناءات الواردة على مدة عقود الشـراكة بين القطاعين العام والخاص، وتلك الاستثناءات ليست مطلقة وإنما متعلقة بشرطين رئيسين، وهما: شـرط متعلق بسبب التمديد (مطلب أول)، وشرط متعلق بموافقـة السلطة المختصـة (مطلب ثانٍ).
المطلب الأول
الشرط المتعلق بسبب التمديد
من الملاحظ أن القوانين لم تتفق حول الأسباب التي تجيز تمديد عقد الشـراكة بين القطاعين العام والخاص، فمنهم من ذهب إلى جواز التمديد لاعتبارات متعلقة بالمصلحـة العامـة (أولًا)، ومنهم من ذهب إلى جواز التمديد لاعتبارات متعلقة بطبيعة المشـروع أو مناسبة التمديد لمقابل الاستثمار (ثانيًا)، وذلك على عكس المشرع الكويتي الذي رفض التمديد تحت أي سبب أو عذر (ثالثًا).
أولًا: جواز التمديد لاعتبارات متعلقة بالمصلحـة العامـة
نص المشـرع القطري صراحـة في المادة (18) من قانون الشراكة بين القطاعين الحكومي والخاص على أنهُ: ".... واستثناءً من ذلك يجوز إبرام عقود لمدة تزيد على ذلك، أو تمديد العقود القائمة، وفقًا لمقتضيات المصلحـة العامـة ...". ويتضح من ذلك بأن المشرع لم يجز تمديد عقود الشـراكة المبرمـة ابتداءً تحت سقف المدة المحددة سلفًا فقط – وهي بما لا يجاوز ثلاثين عامًا - بل أجاز كذلك إبرام عقد الشـراكة لمدة تزيد عن المدة المحددة قانونًا طالما كان السبب راجعًا لمقتضيات المصلحة العامـة.
وهنا قد يثور التسـاؤل، عمّا إذا كان يجوز ابتداءً للجهة الإدارية إبرام عقد الشـراكة مع القطاع الخاص لمدة (100) سنـة تحت باب مقتضيات المصلحة العامـة، الجواب نعم، يجوز ذلك طالما لم يحدد المشـرع سقفًا يمنع فيه الجهة الإدارية عن تجاوز مدة معينـة تحت أي باب أو مبرر، وهو الأمر الذي يتعين معهُ تدارك ذلك الخطأ الجسيم والمعيار السقيم في ترك باب المدة مفتوحـًا تحت هواء الجهة الإدارية، ونهيب بالمشـرع إضافة عبـارة: "وفي جميع الأحوال، لا يجوز أن تزيد مدة العقد عن مدة أربعين سنة"، وهي مدة مناسبة ونتفق مع تواجدها في القانون.
وعلى ذات النهج، أجاز المشـرع الإماراتي إبرام عقـود الشـراكة لمدة تزيد عن المدة المحددة قانونًا – وهي مدة ثلاثين عامًا كحد أقصى - إذا ما توفرت مقتضيات المصلحة العامـة، وهو ما تناولهُ صراحة في المادة (27/ بند ب) من قانون تنظيم الشراكة بين القطاعين العام والخاص في إمارة دبي بأنهُ: "ب- على الرغم مما ورد في الفقرة (أ) من هذه المادة، يجوز للجنـة العليا وفقًا لمقتضيات المصلحة العامـة وبناءً على توصية لجنـة الشـراكة الموافقـة على إبرام عقود شراكة لمدة تزيد على (30) ثلاثيـن عامًا".
وكذلك كان اتجاه التشريع المصري مشابهًا لما انتهى إليـه كُلٌّ من التشريعين القطري والإماراتي بخصوص كسر حاجز السقف الأعلى لمدة عقود الشـراكة، وذلك عن طريق استخدام سلاح المصلحة العامـة كسبب في عدم التقيد في المدة المحددة قانونًا؛ إلّا أنه اشترط بأن تكون المصلحة العامـة "جوهرية" وذلك فيما تناوله في المادة (2) من قانون تنظيم مشاركة القطاع الخاص في مشروعات البنية الأساسية والخدمات والمرافق العامـة بأن: "... ومع ذلك يجوز لمجلس الوزراء بناء على توصية اللجنة العليـا لشئون المشاركة المنصوص عليها في المادة (14) من هذا القانون، الموافقـة على إبرام عقد المشـاركة لمدة تزيد على ثلاثين سنة إذا اقتضت ذلك مصلحة عامة جوهرية ...".
وهنا قد يثور التساؤل عن الفرق بين المصلحة العامـة الجوهرية وغير الجوهرية، وعمّا إذا كان هناك معيارٌ لقياس مدى جوهرية المصلحة العامـة محل التمديد، ونرى بأن عبارة "جوهرية" ليست لها غاية سوى محاولة لتلميع السبب المتعلق بالمصلحة العامـة، وكذا محاولة لتجنب المنتقدين الذين لا يجدون في المصلحة العامـة سببًا رئيسًا أو مبررًا جيدًا لتمديد مدة عقود الشـراكة بين القطاعين العام والخاص عن الحدود المقررة قانونًا.
وترتيبًا على ما تقدم، وكان البيـن بأن كل من القانون القطـري والإماراتي والمصري قد اشترط في سبب تمديد مدة عقود الشـراكة بين القطاعين العام والخاص توفر شرط "المصلحة العامـة"، ذلك الشرط الذي لم نجد لهُ تعريفًا واضحًا في القوانين سالفة الذكر؛ مما يكون المفهوم مبهمًا وغامضًا غير محددٍ في التشريعات، الأمر الذي يتعين معهُ الاستعانـة بالفقه في بيـان مفهوم المصلحة العامـة، وهل يوجد تعريفٌ جامعٌ مانعٌ للمصلحة العامـة؟
وقبل الخوض في بيـان مفهوم المصلحة العامـة، فمن المسلمات في فقه القانون الإداري أن الإدارة – أو الجهة الحكومية - لا تهدف من وراء تصرفاتها وأعمالها سوى تحقيق هدف واحد فقط لا يتغير وهـو المصلحة العامـة، وفي سبيل ذلك فإن القرار الإداري – على سبيل المثال - يُفترض فيه تحقيق أهداف القانون في المجتمع عن طريق العدالة والمصالح العامـة للجماعة، بمعنى أن تكون غاية القرار هي تحقيق المصلحة العامـة، ولن تتحقق تلك المصلحة سوى بتطبيق طابعي الواقعية والموضوعية، واستنادًا لذلك أصبح معيار المصلحة العامة هو المقياس في مدى مشروعية العمل الإداري19.
والمصلحة العامـة تعرف لغةً بأنها مصلحة الجميع، سواء الأجيال الحاضرة أم المقبلة في المجتمع، وذلك بمقابلة مصلحة الفرد في حد ذاته بصرف النظر عن غيره، وما دام كل من القانون والدولة مرتبطين بفكرة المجتمع ذاتها فإن غاية كل من القانون والدولة هي الغاية التي يتوخاها المجتمع والمتمثلة في المصلحة العامـة، أما كلمة (العامـة) فهي من الفعل (عُمم)، ومنهُ يقال: شيء عميم؛ أي تام، وجارية عميمه، وعماء؛ أي طويلة تامة القوام والخلق، والعامـة خلاف الخاصة20.
والمصلحة العامـة تعرف اصطلاحًا بأنها: "المصلحة المعتبرة التي تمس عددًا كبيرًا من المتعاملين مع الإدارة، والتي لا يمكنهم أو لا يريدون إشباعها بوسائلهم الخاصة، ومنها المصلحة في إقرار الضبط والمصلحة في إقرار السياسة الاقتصادية أو الاجتماعية أو الثقافية أو التعليمية"21.
ويرى أحد الفقـه، أن مصطلح المصلحة العامـة غير واضح التحديد، كما أنه يختلف باختلاف الزمان والمكان، ويرى بأن لفكرة المصلحة العامـة معنيين رئيسين، أولهما سياسي وهو عبارة عن تحكيم بين مصالح خاصة متعارضة، وثانيهما قانوني وهو الذي يتطلب ابتداءً تحديد ركائز هذه المصلحة من قبل السلطة المختصة كأن تكـون واردة في الدستور على سبيل المثال22، وآخر يرى بأن المعيار القانوني للمصحة العامـة يقوم على تصرف الإدارة المتعلق بتحقيق النفع لعمـوم الأفراد أو فئة معينة على نحـو العموم والتجريد23.
ويرى الدكتور سليمان الطماوي، أن المصلحة العامـة هي غاية العمل الإداري، وحول هذه الفكرة تدور مشروعية أو عدم مشروعية تصرفات الإدارة بصورة عامـة والقرارات الإدارية بصورة خاصة، وبالتالي فإن المصالح العامـة التي توجب إلغاء القرار المتعارض معها تأتي من دوافع عديدة، أهمها المحافظة على الصحة العامـة والسكينة العامـة وسير المرفق العام بانتظام، الأمر الذي يتطلب معهُ انصياع الإدارة – أو الجهة الحكومية - بمراعاة حدود هذه المصلحة بدقة وإلّا ترتب على مخالفتها عدم مشروعية القرار24.
ويرى بعض الفقـه، أن الوصول إلى مفهوم المصلحة العامـة أمرٌ فائق الصعوبة ما لم يكن مستحيلًا البتـة، وهو ما قررهُ الدكتور رأفت فودة بأنه: "لكي نتعرف على أبعاد ومعاني هذه الفكرة فإنه يجب علينا اختراق ضمير المشرع؛ حيث يقدر وينص على تحقيق المصلحة العامـة، أو الاشتراك في المداولات القضائية للتعرف على ضمير القضاة حين يقضون بوجود مصلحة عامة في نشاط إداري معين، وتحقيق كل ذلك من الصعب إن لم يكن مستحيلًا"25، ولهذا السبب نجد أحد الفقهاء ينادي بأهمية التركيز بالوظيفة التي تقوم عليها المصلحة العامـة، بغض النظر عن تعريف المصلحة وتحديد مفهومها؛ فالقضاء الإداري يستخدمها دون أن يعرفها، ولهذا يُقال إنها تُلاحظ ولا تُعرف26.
ولم يكتفِ الفقـه في محاولة وضع تعريف جامع مانع للمصلحة العامـة، بل لجأ إلى محاولة بيـان خصائص المصلحة العامـة، وذلك كما أشار إليها الدكتور مهند نوح مختار، بأن من أهم خصائص المصلحة العامـة أن تكون ذات طابع أخلاقي، لكونها تنطوي على إرساء الحياة السليمة لأفراد المجتمع؛ لذلك كانت العدالة من العناصر الجوهرية لفكرة المصلحة العامـة27، وأشار آخر إلى أن من أهم خصائص المصلحة العامـة هو وجوب انصياعها لحاجات الأفراد في المجتمع، شريطة أن تكون موزعة بينهم؛ بحيث تعينهم على تحسين أحوالهم المعيشية28.
وحيث إنه وترتيبًا على ما تقدم، يتضح بأن للمصلحة العامـة مدلولًا واسعًا وغير محدد بشكل دقيق؛ فهي فكرة تحتمل أكثر من تعريف، فضلًا عن اختلاف معناها ومفهومها باختلاف ظروف الزمان والمكان، وكان يتوجب على المشـرع القطري وغيره من المشرعين في القانون المقارن – كالمشرع الإماراتي والمصري - تحديد شرط واضح ودقيق كسبب في تمديد عقود الشراكة بدلًا من وضع عبارة "المصلحة العامة" التي لا تتصف سوى بالعمومية والغموض، ونرى استبدالها بإضافة عبارة "يجوز تمديد العقود القائمة إذا لم ينفذ المشروع لأسباب تعود لظروف طارئة أو قوة قاهرة أو أسباب أخرى تعود لطبيعة العقد المبرم" على أن يكون التمديد لمرة واحد فقط ولا يتجاوز (10) عشر سنوات من تاريخ التمديد كحد أقصى بغض النظر عن الأسباب التي قد تثور بعد ذلك.
ثانيًا: جواز التمديد لاعتبارات متعلقة بطبيعة المشروع أو تناسبـه لمقابل الاستثمار
نص المشرع السوري صراحة في المادة (47/ بندي ب-ج) من قانون التشاركية بين القطاعين العام والخاص على جواز تمديد عقد الشـراكة لمدة إضافيـة – دون سقف في بعضها - لأسباب عدة، وقد عرض بعض الأمثلة – ليست على سبيل الحصر - التي يجوز التمديد استنادًا إليها، وذلك فيما تناوله بأن: "ب- يجوز لأطراف العقد تمديد مدة عقد التشاركية لمدة إضافية إذا اقتضت الضرورة ذلك مثل تعويض الشريك الخاص عن التضخم أو لأسباب أخرى تظهر بعد إبرام عقد التشاركية.
ج- يجوز للجهة العامة المتعاقدة بموافقة المجلس تمديد مدة عقد التشاركية بما يتناسب ومقابل الاستثمار في عدد من الحالات منها:
وعلى النهج ذاته، لجأ المشرع المغربي إلى النص صراحة في المادة (13/ فقرة 2) من قانون الشراكة بين القطاعين العام والخاص على جواز تمديد مدة عقد الشـراكة المنصوص عليها قانونًا – وهي مدة لا تجاوز ثلاثين سنة- استنادًا للطبيعة المعقدة للمشروع وخصوصياته، وذلك فيما تناوله بأن: "وتتراوح هذه المدة ما بين خمس سنوات وثلاثين سنة، ويمكن تمديدها، بصفة استثنائية، إلى خمسين سنة وذلك حسب الطبيعة المعقدة للمشروع وخصوصياته التقنية والاقتصادية والمحاسباتية والمالية".
وترتيبًا على ما تقدم، فإنّ كلا المشرعين السوري والمغربي لم يضفيا أسبابًا حقيقية ودقيقة تجيز معها تمديد عقد الشراكة الذي يتصف ابتداءً بطول مدتـه، فضلًا عن قيام العذر أو السبب الذي يجيز تمديد تلك المدة الطويلة، وإن كان المشرع السوري أكثر تدبرًا من غيره من المشرعين في القوانين المقارنة، وذلك استنادًا للأمثلة التي تناولها في القانون – على النحـو السالف بيانه - وكذا خلق بعض الأسقف الزمنية لبعض التمديدات التي لا يجوز تجاوزها، وإن كان قد أخطأ بالعبارة التي تناولها في البند (ب) – آنف الذكر - بعبارة "... أو لأسباب أخرى تظهر بعد إبرام عقد التشاركية"، فلم يربط تلك الأسباب بمصلحة محددة سواء مصلحة المشروع أم التناسب أم طبيعة العقد، وبالتالي فإن فتح باب الأسباب على عواهنه قد يعطي مجالًا للفساد الإداري.
ثالثًا: اتجاه المشرع الكويتي في رفض التمديد تحت أي سبب كان
من الملاحظ أن المشرع الكويتي قد انفرد لوحده في عدم جواز تمديد عقد الشراكة بين القطاعين العام والخـاص تحت أي سبب، واكتفى بأن تكون مدة العقد لمدة لا تجاوز (50) خمسين سنة فقط، كما لم يكتفِ بذلك بل لجأ إلى تقنين الجزاء المترتب على مخالفة ذلك بالبطلان المطلق – وهو البطلان المتعلق بالنظام العام -، وذلك فيما تناوله صراحة في المادة (18) من قانون الشراكة بين القطاعين العام والخاص بأن: "تحدد مدة الاستثمار لمشروعات الشراكة التي تطرح وفقًا لهذا القانون في وثائق الطرح بما يتفق مع طبيعة المشروع ومتطلباته. ولا يجوز أن تزيد مدة الاستثمار التي تطرح وفقًا لهذا القانون على خمسين سنة تبدأ من التاريخ المحدد في العقد لاكتمال أعمال البناء والتجهيز أو لإتمام أعمال التطوير. ويجب إذا كان المشروع مقامًا على أرض تملكها الدولة أن تحدد مدة سنوات التعاقد وقيمة ومدة حق الانتفاع بالأرض موازية لمدة الاستثمار وفي هذه الحالة تقدر قيمة حق الانتفاع حسب طبيعة المشروع واستخداماته وجدواه الاقتصادية ..... ويقع باطلًا بطلانًا مطلقًا كل اتفاق على خلاف هذه المادة، كما يبطل كل ما يترتب على ذلك من آثار".
وجاءت المذكرة الإيضاحية للقانون الكويتي – آنف الذكر - في سبيل توضيح المادة (18) سالفة البيـان ونصت على أن: "حددت المادة الثامنة عشرة والتاسعة عشرة سقفًا أعلى لمدة التعاقد بخمسين سنة ونظمت أيلولة المشروع إلى الدولة في نهاية المشروع".
وفي السياق ذاته، نصت المذكرة (اللائحة التنفيذية) للقانون الكويتي – آنف الذكر - بموجب المرسوم رقم 78 لسنة 2015م على تعريف لمدة الاستثمار في المادة الأولى منها على أنها: "المدة المحددة في عقد الشراكة، والتي تبدأ من تاريخ اكتمال أعمال البناء والتجهيز أو من تاريخ إتمام أعمال التطوير كُليًا أو جُزئيًا، وفقًا لما هو منصوص عليه في وثائق طرح المشروع وبما لا يجاوز (50) خمسين عامًا.
كما تميز المشـرع الكويتي في وضع مجموعة من المعايير التي تقع على عاتق طرفي عقد الشراكة عند تحديد مدة العقد؛ أي لم يترك الأمر مفتوحًا تحت تقدير الجهة الإدارية وشركة المشـروع في تحديد المدة، وإنما حدد بعض الأسس عند تحديد مدة العقد وإن كانت المدة ضمن المدة المحددة قانونًا – أي ضمن الخمسين سنة المحددة كحد أقصى لمدة عقد الشراكة -، وذلك فيما أوضحتهُ المادة (12) من اللائحة التنفيذية - آنفة الذكر - تحت مسمى (مدة المشروع وأسس حسابها) وجاءت مفصلة بأن: "... يراعى عند تحديد مدة عقد الشراكة الأسس التالية:
وترتيبًا على ما تقدم، نجد أن المشرع الكويتي قد تميز عن بقية المشرعين في القوانين المقارنة في عدم الأخذ بجواز تمديد عقد الشراكة تحت أي سبب أو عذر، واكتفى بمدة الخمسين سنة كحد أقصى لعقود الشـراكة، تلك المدة وإن كانت طويلة نسبيًا – من وجهة نظرنا - إلّا أنها تتميز بعدم التمديد أو التجاوز، على عكس التشريعات الأخرى التي أجازت التمديد أو التعاقد لمدد قد تصل إلى عدة قرون دون سقف، كما لم يكتفِ بذلك التميز بل حرص على وضع مجموعة من المعايير والأسس عند تحديد مدة عقد الشراكة، واشترط مراعاتها والأخذ بها جميعها عند تقدير المدة، ونرى بأن في ذلك مصلحة كبيرة تعود للدولة والتنمية الاقتصادية، وتعد سيفًا قاطعًا لأي طرف أراد الفساد بأي شكل.
وبعد الانتهاء على النحـو المار بيـانه من مناقشة الشرط المتعلق بسبب التمديد، يثور التسـاؤل عمّا إذا نص كُلٌّ من القانون القطري والقوانين المقارنة على إجراءات محددة قبل اللجوء إلى تمديد عقد الشراكة، وعمّا إذا كان الشرط متعلق باستيفاء القبول من إحدى الجهات بالدولة، وهو ما سنتناوله في المطلب الثاني.
المطلب الثاني
الشرط المتعلق بموافقـة السلطة المختصة
من الملاحظ بأن أغلب التشريعات لم تكتفِ بتوفر الشرط المتعلق بسبب التمديد حتى يتم التمديد "أوتوماتيكيًا" لعقود الشـراكة بين القطاعين العام والخاص، وإنما اشترطت إلى جانب ذلك الشرط ضرورة توفر الشكل المتعلق بموافقـة الجهة المختصة، ومن ثم تعين توفر كلا الشرطين معًا قبل البدء في هدم السقف الأعلى للمدة المحددة قانونًا في عقود الشراكة.
ومن جهة أخرى، نرى بأن هناك بعض التشريعات التي لم تشترط توفر الشكل المتعلق بموافقـة جهة معينـة، بل أجازت مباشرة التمديد بمجرد توفر السبب فقط، أو لم تشترط لكونها لم تجز التمديد أساسًا كمبدأ عام كالمشرع الكويتي؛ لذا وجب تقسيم المطلب محل الدراسة إلى التشريعات التي اشترطت توفر الشكل المتعلق بموافقـة الجهة المختصة (أولًا)، والتشريعات التي لم تشترط توفر الشكل المتعلق بموافقة الجهة المختصة (ثانيًا).
أولًا: التشريعات التي اشترطت توفر الشكل المتعلق بموافقـة الجهة المختصة
اشترط المشرع القطري صراحـة على ضرورة توفر الشكل المتعلق بموافقـة رئيس مجلس الوزراء بعد أخذ التوصيـة أو الاقتراح من الوزير29 المختص قبل إبرام عقود الشـراكة لمدة تزيد عن المدة المحددة قانونًا – وهي ثلاثون عامًا - أو تمديدها، حتى وإن توفر الشرط المتعلق بسبب التمديد – وهو مقتضيات المصلحة العامـة - وذلك فيما تناوله في المادة (18) من قانون الشراكة بين القطاعين العام والخاص بأنه: "واستثناءً من ذلك يجوز إبرام عقود لمدة تزيد على ذلك، أو تمديد العقود القائمـة، وفقًا لمقتضيات المصلحة العامـة، بعد موافقـة رئيس مجلس الوزراء، بناءً على اقتراح الوزير".
وفي السياق ذاته، نص المشرع الإماراتي صراحة على ضرورة الشكل المتعلق بموافقـة اللجنة العليـا30 بعد أخذ التوصية من لجنة الشراكـة31 قبل التوجـه إلى زيادة المدة المحددة قانونًا – وهي ثلاثون عامًا - وذلك فيما تناوله في المادة (27/ فقرة ب) من قانون تنظيم الشراكة بين القطاعين العام والخاص في إمارة دبي بأنه: "... ب- على الرغم مما ورد في الفقرة (أ) من هذه المادة، يجوز للجنة العليا وفقًا لمقتضيات المصلحة العامـة وبناءً على توصية لجنة الشـراكة الموافقـة على إبرام عقود شراكة لمدة تزيد على (30) ثلاثين عامًا".
وكذلك اشترط المشرع السوري ضرورة الحصول على موافقـة المجلس32 قبل مباشرة تمديد عقـود الشـراكة – رغم أنه لم ينص من حيث المبدأ على المدة المحددة لعقود الشراكة -، وذلك فيما تناوله في المادة (47/ بند ج) من قانون التشاركية بين القطاعين العام والخاص بأنه: "يجوز للجهة العامة المتعاقدة بموافقـة المجلس تمديد مدة عقد التشاركية بما يتناسب ومقابل الاستثمار ..."، ويُلاحظ أن المشرع السوري لم يشترط بأن تكون الموافقـة الصادرة من المجلس مبنية على توصية أو اقتراح من جهة ما، بل أجاز تمديد عقد الشراكة بين القطاعين العام والخاص بمجرد موافقـة المجلس مباشرة بعد توفر الأسباب التي بُني عليها التمديد.
ولجأ المشـرع المصري إلى تقنين النهج ذاته بشأن ضرورة توفر الشكل المتعلق بموافقـة الجهة المختصة وهي موافقـة مجلس الوزراء المبنيـة على توصية اللجنة العليا لشؤون الشـراكة، وذلك فيما تناوله صراحة في المادة (2) من قانون تنظيم مشاركة القطاع الخاص في مشروعات البنية الأساسية والخدمات والمرافق العامـة بأنه: "... ومع ذلك يجوز لمجلس الوزراء بناء على توصية اللجنة العليا لشئون المشاركة33 المنصوص عليها في المادة (14) من هذا القانون، الموافقة على إبرام عقد المشاركة لمدة تزيد على ثلاثين سنة إذا اقتضت ذلك مصلحة عامـة جوهرية، ...".
وترتيبًا على ما تقدم، يتضح جليًا بأن كُلًّا من المشـرعين القطري، والإماراتي، والسوري، والمصري اشترطوا صراحـة بضرورة توفر الشرط المتعلق بالشكل الذي مناطهُ موافقـة الجهة المختصة قبل مباشرة تمديد مدة عقـود الشـراكة، وذلك على الرغم من عدم اتفاقهم حول الجهة صاحبة الاختصاص بمنح الموافقـة؛ إذ نجد بأن المشرع القطري قد اشترط أن تكون الموافقـة من اختصاص "رئيس مجلس الوزراء، بناءً على اقتراح الوزير"، ونجد بأن المشرع الإماراتي جعلها تحت يد "اللجنة العليا بعد أخذ التوصية من لجنة الشـراكة"، وذهب المشرع السـوري إلى الاكتفاء بموافقـة "المجلس" دون التقيد بتوصية أو اقتراح من جهة أخرى، ونلاحظ كذلك بأن المشرع المصري اشترط بأن تكون الموافقـة من اختصاص "مجلس الوزراء بعد توصية اللجنة العليا لشئون الشراكة".
وهنا يثير التساؤل حول مسألتين مهمتين ومتعلقتين بالنص القانوني القطري محل التعليق، أولهما يتعلق بمدى جواز قيام رئيس مجلس الوزراء – صاحب الاختصاص بالموافقـة على تمديد عقود الشراكة - بتفويض أحد الوزراء بمنح قرار الموافقـة، وثانيهما يتعلق بمدى جواز الموافقـة الصادرة من رئيس مجلس الوزراء متى بُنيت على اقتراح وزير آخر – أي ليس وزير التجارة والصناعة حسب القانون محل التعليق-.
وللإجابة عن التساؤل الأول، لا بد في البداية أن نبين علة اختيار القانون لأحد الأشخاص في اتخاذ التصرف القانوني لوحده، أو بمعنى آخر سبب منح أحد الأشخاص اختصاص القيام بالتصرف القانوني – كالموافقـة في القانون محل التعليق -، والبّين بأن القانون عندما يوسد السلطة لشخص فهو يفترض ويقيم قرينة على أنهُ الأكفأ في ممارستها وافتراض كفاءة صاحب الاختصاص ورشد تصديه لاختصاصه، قرينة يفترض قيامها دائمًا في جميع الحالات مستعجلة كانت أم غير مستعجلة، ولا يجوز أيضًا أن يتركهُ لا للجهة التي تمارس تجاهه سلطة رئاسية أو سلطة وصاية ولا لزميله ومرؤوسيه34، وهذا ما أكدتهُ المحكمـة الإدارية العليا في مصر في الكثير من الأحكام35.
والجدير بالذكر، بأن القاعدة العامة تتمثل في ممارسة الموظف لاختصاصه بنفسـه، إلا أن هذه القاعدة ليست جامدة، بل خاضعة إلى استثناء يقتضي توفر الشروط التي ينبغي مراعاتها لتحاشي إلغاء التصرفات الناجمـة عنهُ وحتى يكون التفويض منتجًا، ومن أهم تلك الشروط هو أن (لا تفويض إلّا بنص)، بمعنى أن يوجد نص تشريعي أو تنظيمي صريح يجيز ذلك التفويض36، وهو الذي صرح فيه مجلس الدولة الفرنسي بأنه لا يجوز بغير نص لوزير أن يفوض اختصاصه إلى محافظ37.
وعلى السياق ذاته، استقر القضاء الإداري المصري على وجوب استناد التفويض إلى نص يأذن به، وذلك بما تناولتهُ في حكمها صراحة بأن: "القاعدة التي أخذ بها الفقه والقضاء أنه إذا ما نيط بسلطة من السلطات الإدارية اختصاص معين بمقتضى المبادئ الدستورية أو القانونية أو اللوائح، فلا يجوز لها أن تنزل عنهُ أو تفوض فيه إلى سلطة أو جهة أخرى، لأن مباشرة الاختصاص عندئذ يكون واجبًا قانونيًا عليها وليس حقًا لها يجوز أن تعهد به لسواها، إلا أنه يستثنى من ذلك ما إذا كان القانون يتضمن تفويضًا في الاختصاص، حيث يكون مباشرة الاختصاص في هذه الحالة من الجهة المفوض إليها ومستمدًا من القانون"38.
وترتيبًا على ما تقدم، وعن التساؤل الأول يتضح بأنه لا يجوز لرئيس مجلس الوزراء تفويض غيره في إصدار القرار الإداري المتمثل في الموافقـة على جواز تمديد عقود المشاركة بين القطاعين العام والخاص، ذلك أن القانون لم ينص صراحة على جواز قيام رئيس مجلس الوزراء بتفويض غيره في إصدار الموافقـة، فمن ثم إذا ما قام الأخير – على سبيل المثال - بتفويض أحد الوزراء بإصدار الموافقـة المتمثلة في تمديد عقود الشـراكة؛ فإن تلك الموافقـة باطلة لكونها مستمدة من تفويض باطل لا أساس لهُ في القانون، وبالتالي يتعين صدور الموافقـة من رئيس مجلس الوزراء بنفسـه فقط.
أما فيما يتعلق بالتساؤل الثاني، والمتعلق بمدى جواز الموافقـة الصادرة من رئيس مجلس الوزراء متى بُنيت على اقتراح وزير آخر – غير وزير التجارة والصناعة -، فإننا نرى بأنه لا اجتهاد إزاء صراحة النص القانوني واجب التطبيق، ومتى كانت عبارات القانون واضحة لا لبس فيها فإنه لا يجوز اللجوء نحو التفسير والتأويل، ولما كان القانون قد اشترط بأن الموافقـة التي تصدر من رئيس مجلس الوزراء أن تكون مبنية على اقتراح وزير التجارة والصناعة؛ فمن ثم لا يجوز لأي وزير آخر اقتراح مسألة تمديد عقود الشراكة على رئيس مجلس الوزراء، بل وإن حصل ذلك الاقتراح فعلًا فإنه لا يجوز لرئيس مجلس الوزراء إصدار موافقـته استنادًا لتلك الاقتراحات متى كانت مبنية من غير الوزير المختص صاحب الصفة القانونية في الاقتراح.
ثانيًا: التشريعات التي لم تشترط توفر الشكل المتعلق بموافقـة الجهة المختصة
من الملاحظ بأن القوانين المقارنـة لم تتفق جميعها حول ضرورة توفر الشـكل المتعلق بموافقـة الجهة المختصـة، بل إن عدم اتفاقهم لم يكن موحدًا حول معيار عدم الأخذ به، وكانت الأسباب متنوعـة ومنقسمـة إلى اتجاهين؛ إما بسبب اكتفائها بشرط سبب التمديد فقط (كالمشرع المغربي)، أو بسبب رفضها لفكرة التمديد أساسًا تحت أي شرط أو عذر (كالمشرع الكويتي).
وعلى ذلك، نجد بأن المشرع المغربي لم يربط جواز تمديد عقود الشـراكة بضرورة توفر الموافقـة من جهة ما، بل اكتفى بتوفر الشـرط المتعلق بسبب التمديد فقط، وذلك فيما تناوله صراحة بنص المـادة (13/ فقرة 2) من قانون عقود الشراكة بين القطاعين العام والخاص بأن: "وتتراوح هذه المدة ما بين خمس سنوات وثلاثين سنة ويمكن تمديدها، بصفة استثنائية، إلى خمسين سنة وذلك حسب الطبيعة المعقدة للمشروع وخصوصياته التقنية والاقتصادية والمحاسباتية والمالية".
ونرى بأنه قد تثير مشكلة بالنسبـة إلى النص المغربي حول الجهة صاحبة الاختصاص في نظر ما إذا كان العقد ذا طبيعة معقدة من عدمـه، وبمعنى آخر من هو صاحب القرار في تقدير طبيعة العقد واحتياجـه؟ وعما إذا كان يحتاج إلى مدة أكثر من المدة المحددة قانونًا، تلك المشكلة التي لم يعالجها المشرع المغربي. بيد أن هذه الإشكالية ليست متوفرة لدى التشريعات التي اتجهت إلى ضرورة توفر الشكل المتعلق بموافقـة الجهة المختصة، إذ إن الجهة المختصة – مهما كانت طبيعتها - هي صاحبة الاختصاص بطبيعة الحال في تقدير توفر سبب التمديد من عدمه.
وكذلك نجد بأن المشرع الكويتي متمسكًا في مبدأه المتعلق بعدم جواز تمديد عقود الشـراكة بين القطاعين العام والخاص تحت أي عذر أو شرط؛ فمن ثم يكون القانون الوحيد من بين القوانين المقارنـة في هذه الدراسـة رافضًا لفكرة تمديد مدة عقـود الشـراكة مهما كانت الأسباب، وذلك لم يتطرق إلى بيـان فكرة التمديد أو الشروط المتعلقة بها – كسائر التشريعات المقارنـة -، واكتفى بأن تكون المدة المحددة لعقود الشـراكة – التي لا تجاوز خمسين سنة - هي المدة الكافية والنهائية لعقود الشـراكة بين القطاعين العام والخاص، فضلًا عن تدخله المحمود في المذكرة الإيضاحية وبيـان كيفية تقدير المدة المقررة – ضمن المدة المحددة قانونًا - للعقـود.
النتائج والتوصيات
خلصت الدراسة إلى مجموعة من النتائج والتوصيات المترتبة عليـها، وذلك على النحـو التالي:
أولًا: النتائج:
ثانيًا: التوصيات:
بعد أن تطرقنا إلى بيان النتائج – سالفة البيـان - فإننا نخلص إلى عدد من التوصيات التي نتوجه بها إلى المشرع القطري بغرض تعديل المـادة (18) من قانون الشـراكة بين القطاعين الحكومي والخاص – محل التعليق -، ويُمكننا إجمالها وبيانها في البنود التالية:
وترتيبًا على ما تقدم، نقترح بأن يكون نص المادة (18) من قانون الشراكة بين القطاعين الحكومي والخاص –محل الدراسة - على النحـو التالي:
"تُحدد مدة عقد الشراكة باتفاق الطرفين بما لا يجاوز ثلاثين عامًا، واستثناء من ذلك يجوز إبرام عقود لمدة تزيد على ذلك، أو تمديد العقود القائمة، إذا لم يُنفذ المشروع لأسباب تعود لظروف طارئة أو قوة قاهرة أو لأسباب أخرى تعود لطبيعة العقد المبرم، بعد موافقة رئيس مجلس الوزراء، بناءً على اقتراح الوزير".
قائمة المراجع
Judge at the Court of First Instance and PhD Researcher in Public Law at Qatar University.
Views
Downloads
Citations
Authors
Issue
Year

This work is licensed under a Creative Commons Attribution-NonCommercial 4.0 International License.