تمهيد:
سوف نتناول التعليق على هذا الحكم من خلال التعرض لمرحلتين، المرحلة الأولى ونسميها بالمرحلة التحضيرية، ونتناول فيها الوقائع والإجراءات والادعاءات والمشكلة القانونية. بينما نتناول المرحلة الثانية والتي تُسمى المرحلة التحريرية في مبحثين متتاليين، المبحث الأول نعرض فيه ميعاد رفع دعوى الإلغاء وكيفية احتسابه في القانون القطري، ونعرض في المبحث الثاني لدراسة شخصية حول تقييم أسباب وحيثيات الحكم، وذلك كما يلي:
المرحلة التحضيرية
سوف نتناول في هذه المرحلة الوقائع والإجراءات والادعاءات والمشكلة القانونية، وذلك كما يلي:
أولًا: الوقائع:
تكمن وقائع الدعوى في أن المطعون ضده قد تقدم للالتحاق بكلية الشرطة وخضع للاختبارات والفحوصات الطبية واجتازها بنجاح؛ إلَّا أنه فُوجئ باستبعاده من كشوف المقبولين بالكلية بدون أسباب.
وبناء على ذلك أقام الدعوى رقم .... لسنة 2014 إداري أمام المحكمة الابتدائية بطلب الحكم بصفة مستعجلة بوقف نفاذ القرار المطعون عليه، وإلغاء القرار وإلزام الطاعنين بقيد نجله وتمكينه من الالتحاق بكلية الشرطة تأسيسًا على أن نجله قد اجتاز بنجاح الاختبارات والفحوصات الطبية المقررة للقبول في الكلية.
وقد حكمت محكمة - أول درجة - بقبول الدعوى شكلًا وفي الموضوع بإلغاء القرار المطعون فيه فيما تضمنه من تخطي نجل المطعون ضده في القبول بكلية الشرطة وما يترتب على ذلك من آثار.
وقد استأنف الطاعنون هذا الحكم بالاستئناف رقم ... لسنة 2015، وبتاريخ 28/11/2016 قضت المحكمة بتأييد الحكم المستأنف، بقبول الدعوى شكلًا وفي الموضوع بإلغاء القرار المطعون فيه فيما تضمنه من تخطي نجل المطعون ضده في القبول بكلية الشرطة وما يترتب على ذلك من آثار. طعن الطاعنون في هذا الحكم بطريق التمييز بالطعن رقم 3 لسنة 2017 استنادًا إلى أنَّ الحكم المطعون فيه جاء مخالفًا للقانون وأخطأ في تطبيقه؛ مما يستوجب تمييزه، وفي جلسة 7/3/2017 قضت المحكمة بتمييز الحكم.
تمهيد:
سوف نتناول التعليق على هذا الحكم من خلال التعرض لمرحلتين، المرحلة الأولى ونسميها بالمرحلة التحضيرية، ونتناول فيها الوقائع والإجراءات والادعاءات والمشكلة القانونية. بينما نتناول المرحلة الثانية والتي تُسمى المرحلة التحريرية في مبحثين متتاليين، المبحث الأول نعرض فيه ميعاد رفع دعوى الإلغاء وكيفية احتسابه في القانون القطري، ونعرض في المبحث الثاني لدراسة شخصية حول تقييم أسباب وحيثيات الحكم، وذلك كما يلي:
المرحلة التحضيرية
سوف نتناول في هذه المرحلة الوقائع والإجراءات والادعاءات والمشكلة القانونية، وذلك كما يلي:
أولًا: الوقائع:
تكمن وقائع الدعوى في أن المطعون ضده قد تقدم للالتحاق بكلية الشرطة وخضع للاختبارات والفحوصات الطبية واجتازها بنجاح؛ إلَّا أنه فُوجئ باستبعاده من كشوف المقبولين بالكلية بدون أسباب.
وبناء على ذلك أقام الدعوى رقم .... لسنة 2014 إداري أمام المحكمة الابتدائية بطلب الحكم بصفة مستعجلة بوقف نفاذ القرار المطعون عليه، وإلغاء القرار وإلزام الطاعنين بقيد نجله وتمكينه من الالتحاق بكلية الشرطة تأسيسًا على أن نجله قد اجتاز بنجاح الاختبارات والفحوصات الطبية المقررة للقبول في الكلية.
وقد حكمت محكمة - أول درجة - بقبول الدعوى شكلًا وفي الموضوع بإلغاء القرار المطعون فيه فيما تضمنه من تخطي نجل المطعون ضده في القبول بكلية الشرطة وما يترتب على ذلك من آثار.
وقد استأنف الطاعنون هذا الحكم بالاستئناف رقم ... لسنة 2015، وبتاريخ 28/11/2016 قضت المحكمة بتأييد الحكم المستأنف، بقبول الدعوى شكلًا وفي الموضوع بإلغاء القرار المطعون فيه فيما تضمنه من تخطي نجل المطعون ضده في القبول بكلية الشرطة وما يترتب على ذلك من آثار. طعن الطاعنون في هذا الحكم بطريق التمييز بالطعن رقم 3 لسنة 2017 استنادًا إلى أنَّ الحكم المطعون فيه جاء مخالفًا للقانون وأخطأ في تطبيقه؛ مما يستوجب تمييزه، وفي جلسة 7/3/2017 قضت المحكمة بتمييز الحكم.
ثانيًا: الإجراءات:
لما كانت الإجراءات هي مختلف المراحل القضائية التي مرّ بها النزاع عبر درجات التقاضي وحتى صدور الحكم محلّ التعليق؛ فيمكن إجمالها فيما يلي:
(أ)- أقام المطعون ضده في 16/12/2014 الدعوى رقم 235 لسنة 2014 وصدر حكم المحكمة الابتدائية في 28/5/2015 لصالحه؛ حيث قضى بقبول الدعوى شكلًا وفي الموضوع بإلغاء القرار المطعون فيه فيما تضمنه من تخطي نجل المطعون ضده في القبول بكلية الشرطة وما يترتب على ذلك من آثار.
(ب)- استأنف الطاعنون على هذا الحكم بالاستئناف رقم ... لسنة 2015، وبتاريخ 28/11/2016 قضت المحكمة بتأييد الحكم المستأنف.
(ج)- أقام الطاعنون الطعن رقم 3 لسنة 2017 أمام محكمة التمييز وبتاريخ 07-03-2017 قضت بتمييز الحكم لخطأ في تطبيق القانون.
ثالثًا: الادعاءات:
يدعي الطاعنون – أمام محكمة التمييز- بأن الحكم المطعون فيه جاء مخالفًا للقانون وأخطأ في تطبيقه، ومن ثم يستوجب تمييزه؛ حيث أقاموا ادعاءهم على ما يلي:
(أ)- إن علم المطعون ضده بصفته بالقرار المطعون فيه قد تحقق من تاريخ بداية العام الدراسي بكلية الشرطة 2014، 2015 في 16/8/2014 وعلمه بأسماء المقبولين بكلية الشرطة، والذي يبدأ منه حساب ميعاد الستين يومًا للتظلم من هذا القرار أمام الجهة الإدارية أو الطعن عليه بدعوى الإلغاء أمام القضاء.
(ب)- أن المطعون ضده لم يختصم الطاعن الثالث - مدير عام كلية الشرطة - صاحب الصفة في الدعوى في تمثيل الجهة مُصدرة القرار أمام القضاء إلَّا بعد فوات الميعاد القانوني للطعن على القرار؛ مما تكون الدعوى غير مقبولة شكلًا، وإذ خالف الحكم المطعون فيه ذلك، وقضى برفض دعوى الإلغاء لرفعها بعد الميعاد؛ فإنه يكون معيبًا بما يستوجب تمييزه.
(ج)- أن لجنة الاختيار بكلية الشرطة تتمتع بسلطة تقديرية دون معقب عليها طالما خلا تقديرها من إساءة استعمال السلطة أو الانحراف بها، وأن سلطتها تجد حدها الطبيعي فيما نص عليه القانون من شروط للقبول وبينت اللائحة الداخلية أوضاعه وإجراءاته.
(د)- أن الحكم المطعون فيه يتعلق بمخالفة القانون والخطأ في تطبيقه لافتقاد نجل المطعون ضده أحد شروط القبول بكلية الشرطة؛ لكونه موظفًا عموميًا لدى الهيئة العامة للطيران المدني.
رابعًا: المشكلة القانونية:
تكتنف هذه الدعوى ثلاث مسائل أو إشكاليات قانونية، تتعلق المشكلة الأولى والأساسية؛ ببدء الميعاد في دعوى الإلغاء وكيفية احتسابه، وذلك طبقًا لنص المادة (6) من القانون رقم (7) لسنة 2007 بشأن الفصل في المنازعات الإدارية، وما استقر عليه القضاء.
بينما تتعلق المشكلة الثانية؛ بمسألة الصفة في الدعوى ولمن تثبت؟ ومتى يجب اختصامه؟ أو بعبارة أخرى مَن صاحب الصفة في الدعوى الذي يمثل الجهة مُصدرة القرار أمام القضاء؟ وما الموعد المعتبر لاختصامه في الدعوى؟
أما المشكلة الثالثة والأخيرة؛ فتتعلق بمدى أو حد السلطة التقديرية المخولة لجهة الإدارة في إصدار قراراتها الإدارية، وكذلك الأثر المترتب على نكول الجهة الإدارية عن تقديم مستندات بحوزتها في الدعوى.
المرحلة التحريرية:
تعد القرارات الإدارية من أهم مظاهر التعبير عن إرادة السلطة الإدارية لتحقيق المصلحة العامة، وتخضع هذه السلطة لمبدأ الشرعية الذي يجب عليها احترامه وإلَّا تعرضت قراراتها للإلغاء متى توافرت شروط محددة؛ منها أن ترفع الدعوى خلال مدة معينة، وأن تستوفي الصفة والمصلحة في الدعوى، وحتى يبدأ سريان ميعاد الطعن بالإلغاء فلا بدَّ من نشر القرار أو إعلانه أو علم ذي الشأن به علمًا يقينيًّا.
وفي قضيتنا الماثلة يُثار التساؤل حول تاريخ الاعتداد بالعلم اليقيني الذي يبدأ معه حساب مدة الستين يومًا التي يجب رفع الدعوى خلالها؛ فهل تحقق من تاريخ بداية العام الدراسي بكلية الشرطة 2014، 2015 في 16/8/2014 وعلم الطاعن بأسماء المقبولين بالكلية؟ ومن جهة أخرى؛ هل يعتد بتصحيح البطلان الشكلي - المتمثل في اختصام المطعون ضده لمدير عام كلية الشرطة صاحب الصفة في الدعوى وتمثيل الجهة مصدرة القرار أمام القضاء - طالما كان ذلك خلال مدة الستين يومًا التالية لميعاد رفض التظلم ضمنيًا؟ ومن جهة ثالثة هل تعد سلطة لجنة الاختيار بكلية الشرطة سلطة مُقيَّدة أم سلطة تقديريَّة؟ وما الأثر المترتب على نكول الجهة الإدارية عن تقديم مستندات بحوزتها في الدعوى؟ وفي ضوء ما تقدم يمكننا تقسيم خطة التعليق على الحكم من خلال مبحثين رئيسين، على النحو التالي:
المبحث الأول
ميعاد رفع دعوى الإلغاء وكيفية احتسابه في القانون القطري
نصت المادة (6) من القانون القطري رقم (7) لسنة 2007 بشأن الفصل في المنازعات الإدارية على أنه: "ميعاد رفع دعوى الإلغاء ستون يومًا من تاريخ نشر القرار الإداري المطعون فيه في الجريدة الرسمية، أو في النشرات التي تصدرها الجهات الإدارية، أو إعلان صاحب الشأن به، أو ثبوت علمه به علمًا يقينيًا".
والجدير بالذكر أن القواعد الإجرائية تسمح بمراعاة مجموعة من الاعتبارات القانونية والشخصية تخفف من قسوة الميعاد القصير لدعوى الإلغاء، والتي تتمثل في قواعد وقف الميعاد وامتداده وقطعه، وهي تجد مصدرها بصفة عامة في قانون المرافعات المدنية والتجارية القطري الصادر بالقانون رقم (13) لسنة 1990م؛ حيث تمثل قواعد المواعيد فيه أصلًا عامًّا في النظام القانوني في دولة قطر.
وقد حدد المشرع القطري ميعاد رفع الدعوى باشتراط رفعها أمام الدائرة الإدارية في ميعاد لا يجاوز ستين يومًا؛ فالدعوى تصبح غير مقبولة إذا رفعت بعد الميعاد، ويعتبر هذا الميعاد أو شرط الميعاد من النظام العام، فيمكن أن يثار في أية مرحلة تكون فيها الدعوى.
ولكي يبدأ سريان ميعاد الطعن بالإلغاء لا بدَّ من نشر القرار أو إعلانه أو علم ذي الشأن به علمًا يقينيًا؛ فوفقًا لنص المادة (6) سالف الذكر من القانون القطري رقم (7) لسنة 2007 بشأن الفصل في المنازعات الإدارية؛ فإن مناط بدء سريان ميعاد رفع دعوى الإلغاء إلى المحكمة المختصة هو واقعة نشر القرار المطعون فيه أو إعلان صاحب الشأن به، إلَّا أن المشرع القطري نص صراحة على الاعتداد بواقعة العلم اليقيني عند ثبوتها1.
وتجدر الإشارة إلى أن الفقه والقضاء الإداري قد استقرا على أن ميعاد الستين يومًا ميعاد سقوط يجب أن يتم مباشرة هذا الإجراء خلالها؛ بحيث إذا انقضى الميعاد دون مباشرة الإجراء سقط الحق فيه.
المطلب الأول
سريان ميعاد الطعن بالإلغاء
أولًا: سريان الميعاد من تاريخ النشر أو الإعلان:
اتخذ المشرع القطري من واقعتي نشر وإعلان القرار الإداري مناطًا لبدء سريان مدة الطعن بالإلغاء، والنشر المقصود الذي يسري منه الميعاد المنصوص عليه في المادة - سالفة الذكر - هو النشر في الجريدة الرسمية أو في النشرات التي تصدرها الجهات والمصالح الإدارية2.
ومعنى هذا أن النشر إذا تم بوسيلة أخرى غير ذلك يقع باطلًا، فالنشر في صحيفة أو في الإذاعة المسموعة أو المرئية أو في ملصقات حائطية أو غير ذلك من مظاهر النشر، لا يكفي لكي يبدأ سريان الميعاد3.
ويبدأ سريان الميعاد من اليوم التالي لنشر القرار في الجريدة الرسمية، أما إذا نشر القرار في النشرات المصلحية؛ فإن الميعاد لا يبدأ سريانه إلَّا إذا تم توزيع هذه النشرات على المصالح الإدارية المختلفة المعنية بهذه القرارات، ووصولها إلى العاملين بها، حتى يتمكنوا من الاطلاع عليها والعلم بمضمونها.
وحتى يحقق النشر أثره في بدء سريان ميعاد الطعن بالإلغاء يجب أن يستجمع الشروط الآتية:
(أ)- أن يأتي النشر وافيًا؛ بحيث يحقق العلم بالقرار المنشور علمًا كافيًا نافيًا للجهالة، وذلك سواء أكان النشر بالجريدة الرسمية أم بالنشرات المصلحية، وهو أمر يخضع لتقدير المحكمة في كل حالة على حدة.
وعليه؛ فيجب أن تتوافر شروط معينة في النشر حتى يكون صحيحًا ويترتب عليه بدء سريان ميعاد الطعن، وذلك باعتبار أن النشر يقصد به إحاطة الكافة علمًا بالقرار الإداري، ومن ثم يجب أن يتضمن النشر فحوى القرار وعناصره بأن يتم نشره بأكمله، وأن يشمل ذلك ملحقاته إذا كانت تشكل جزءًا منه، مثل الجداول والرسومات. فإذا كان النشر منصبًّا على ملخص القرار؛ فيجب أن يكون ذلك مشتملًا على عناصر القرار الرئيسة؛ حتى يُحاط صاحب المصلحة بكل ما من شأنه المساس بمركزه القانوني.
وفى هذا الاتجاه تواترت أحكام محكمة التمييز القطرية؛ حيث قضت بأن الأصل أن يبدأ ميعاد رفع دعوى الإلغاء – في حالة التظلم - من تاريخ إعلان المتظلم بالقرار الصادر من جهة الإدارة برفض تظلمه ...4. وتجدر الإشارة إلى أن القضاء الإداري يفرِّق بين القرارات الإدارية التنظيمية وبين القرارات الفردية بشأن واقعة النشر.
فالنشر يعتبر الوسيلة الأساسية لكي يبدأ سريان ميعاد الطعن في القرارات التنظيمية أو اللائحيَّة، أما القرارات الفردية فالأصل بالنسبة لبدء سريان ميعاد الطعن فيها هو الإعلان، وإلى ذلك تشير المحكمة الإدارية العليا المصرية في أحد أحكامها بالقول بأن: "النشر يجري عادة بالنسبة للقرارات التنظيمية العامة أو اللائحيَّة، والإعلان بالنسبة إلى القرارات الفردية"5.
(ب)- كما يجب أن يكون النشر متبعًا الإجراءات التي يحددها القانون لصحته؛ حيث جعل المشرع مناط سريان ميعاد رفع الدعوى أمام القضاء الإداري هو واقعة نشر القرار الإداري المطعون فيه في الجريدة الرسمية، أو في النشرات التي تصدرها الجهات والمصالح الإدارية، أو إعلان صاحب الشأن.
أما بخصوص الإعلان فإنه يمكن القول: إن الإعلان هو إجراء بمقتضاه تقوم الإدارة بإخبار ذوي الشأن بالقرار الذي اتخذ بشؤونهم، والذي تترتب آثاره بالنسبة له أو لهم وحدهم دون غيرهم. ويعتبر الإعلان هو الوسيلة الأساسية التي يتحقق بها العلم بالقرارات الإدارية الفردية، فهذه القرارات تخاطب فردًا معينًا أو أفرادًا معينين بالذات، وبالتالي يكون من المتيسر على الإدارة أن تقوم بإبلاغ ذوي الشأن بها.
إلا أنه يتعين توافر مقومات الإعلان؛ فيتعين أن يظهر فيه اسم الجهة الصادر منهما سواء أكانت الدولة أم أحد الأشخاص العامة الأخرى، وأن يصدر من الموظف المختص، وأن يوجَّه إلى ذوي الشأن أو ذوي المصلحة شخصيًّا إذا كانوا كاملي الأهلية، وإلى من ينوب عنهم إذا كانوا ناقصي الأهلية.
ويجب أن يكون الإعلان من شأنه أن يؤدِّي إلى علم صاحب الشأن بالقرار بكل عناصره، ولا يكون الإعلان صحيحًا إذا كان منصبًّا على جزء من القرار دون الجزء الآخر، وذلك ضمانًا لحقوق الأفراد، وإذا حدث ذلك؛ فإن ميعاد الطعن فيه يظل مفتوحًا إلى أن يعلن صاحب الشأن بمحتوى القرار وعناصره كاملة.
وبناء على ما سبق؛ فالإعلان إجراء يستهدف إخطار من يعنيه القرار بمضمونه، ولم يستلزم المشرع اتباع وسيلة أو شكلية معينة في الإعلان – بيد أنه كي يتحقق الهدف منه ويكون منتجًا في بدء سريان ميعاد الطعن بالإلغاء – يتعين أن يراعي ما يلي من ضوابط:
1- أن يكون موجَّهًا إلى صاحب الشأن شخصيًّا أو وكيله الاتفاقي إذا كان كامل الأهلية، أو إلى من ينوب عنه قانونًا إذا كان ناقص الأهلية أو عديمها.
2- أن يأتي محققًا العلم التام بمحتويات القرار ومضمونه؛ بحيث يمكن لذي الشأن التعرف على اسم الجهة مُصدرة القرار ومضمونه بل وأسبابه – إذا كان واجب التسبيب – وتقدير ذلك جميعه متروك للمحكمة.
والإعلان إجراء ضروري بالنسبة للقرارات الفردية، كما هو الشأن بالنسبة للنشر الذي يعتبر ضروريًا بالنسبة للقرارات التنظيمية، فهذه الأخيرة بحكم عموميتها وتجريدها لا يتصور حصر الأشخاص الذين تنطبق عليهم؛ مما لا يكون معه الإعلان ممكنًا، ولذلك تُعفى الإدارة منه وتكتفي بالنشر بالطرق التي يحددها القانون، أما القرارات الفردية والتي تتعلق بأشخاص بذاتهم؛ فإن الإعلان يكون محتمًا.
ويُلاحظ أن ميعاد الطعن يبدأ في السريان من تاريخ وصول الإعلان إلى صاحب الشأن وليس من تاريخ إرساله، وذلك مراعاة لمصلحة المعلن إليه حتى لا يتحمل ما قد يحدث من تأخير في هذا الصدد، ويقع عبء إثبات حدوث الإعلان على عاتق الإدارة.
ثانيًا: سريان الميعاد من تاريخ ثبوت العلم اليقيني بالقرار6
يقصد بالعلم اليقيني في مجال دعوى الإلغاء علم صاحب الشأن بمضمون القرار الإداري علمًا يقينيًا رغم عدم إعلان أو نشر هذا القرار بالوسائل المحددة قانونًا لهذا الغرض، ولذا فإن ميعاد الطعن بالإلغاء يسري ابتداء من هذا العلم.
فالعلم اليقيني بالقرار المطعون فيه يُعدُّ إذنًا بمثابة وسيلة تقوم مقام الإعلان أو النشر فيما يتعلق ببدء ميعاد الطعن بالإلغاء. وهذا يتفق في الواقع والمنطق القانوني، ذلك أنه إذا كان الإعلان أو النشر - وهما وسيلتان لعلم صاحب الشأن بالقرار الإداري - يؤديان إلى بدء سريان ميعاد الطعن بالإلغاء؛ فإن تحقق هذا العلم بأية وسيلة أخرى يصلح كذلك كأساس لبدء سريان هذا الميعاد.
وقد نص المشرع القطري على وسيلة العلم اليقيني صراحة، والتي تقوم مقام الإعلان والنشر. فالعلم اليقيني الذى يقوم مقام النشر أو الإعلان والذي يبدأ من تاريخ ثبوته سريان ميعاد الطعن بالإلغاء يشترط فيه ما يلي:
الشرط الأول: أن يكون العلم يقينيًا لا صوريًّا.
الشرط الثاني: أن يكون منصبًّا على فحوى القرار وجميع عناصره.
وقد قضت محكمة التمييز القطرية في هذا الصدد بأنه: "يقوم العلم اليقيني - بالقرارات الإدارية التنظيمية أو الفردية - مقام نشر القرار اللائحي أو إعلان صاحب الشأن به إذا كان القرار فرديًا، ويشترط للعلم اليقيني أن يتوافر به أمران:
(أ)- أن يكون يقينيًا لا ظنيًا، وألَّا يكون افتراضيًا، فلا يكفي إذًا لبدء ميعاد رفع الدعوى الأخذ بالظن أو الافتراض بعلم صاحب الشأن بالقرار بل يجب في العلم الذي يقوم مقام النشر أو الإعلان أن يكون إيجابيًا ومؤكدًا لا مستنتجًا من قرائن تقبل العكس.
(ب)- أن يكون شاملًا لجميع عناصر القرار بما يمكن صاحب الشأن من تحديد مركزه القانوني بالنسبة لهذا القرار، ويستطيع أن يحدد على مقتضى ذلك طريقه في الطعن فيه؛ فإذا تخلف أحد هذين الأمرين فَقَدَ العلم المنتج أثره في بدء سريان ميعاد دعوى الإلغاء، ولا يعتبر من قبيل العلم اليقيني بالقرار الإداري قيام الجهة الإدارية – في حالة عدم نشره- بتنفيذ القرار دون أن يثبت إحاطة ذوي الشأن علمًا بهذا التنفيذ أو بالقرار وأسبابه، ويقع عبء الإثبات على من يدعيه."7.
هذا وقد قضت محكمة التمييز القطرية في حكم آخر بأن العلم اليقيني بالقرار الإداري الذي تبدأ به مواعيد التظلم أو الطعن عليه مَقصودُه علم صاحب الشأن بمضمون القرار وفحواه أيًّا كان مصدر علمه، وتقدير ذلك من سلطة محكمة الموضوع دون معقب شريطة أن تكون الاعتبارات التي اعتمدتها للتعرف على ثبوت هذا العلم مؤدية للنتيجة التي انتهت إليها8.
هذا وتجدر الإشارة إلى أنه يقع على الإدارة عبء إثبات توافر العلم اليقيني بالقرار في حق الطاعن بالإلغاء؛ حيث إنها هي التي تدَّعي تحقق هذا العلم حال دفعها بعدم قبول دعوى الإلغاء لرفعها بعد الميعاد. كما يلاحظ أن عدم استطاعة الإدارة نفي ما يدَّعيه المدعي من علمه بالقرار في تاريخ معين يؤدي إلى سريان ميعاد الطعن بالإلغاء من هذا التاريخ، وتكون دعواه مقبولة شكلًا متى لم يمضِ على علمه بالقرار ستون يومًا من التاريخ الذي يدَّعي علمه بالقرار فيه.
وحسبما استقر عليه القضاء الإداري؛ فإن علم الطاعن بصدور القرار الإداري يثبت في الحالات الآتية:
1- إقرار الطاعن بعلمه بالقرار:
نظرًا لأن إقرار الطاعن صراحة بعلمه بصدور القرار أمر من النادر حدوثه؛ فإنه يقوم مقام الإقرار الصحيح في مجال سريان ميعاد الطعن بالإلغاء العلم الضمني بصدور القرار، وذلك من خلال وقوع شواهد تؤكد حدوثه.
2- قرائن العلم اليقيني:
بصفة عامة؛ يمكن للمحكمة استنتاج قيام علم صاحب الشأن اليقيني بصدور القرار، ومن ثم يسري في حقه ميعاد الطعن بالإلغاء، وذلك من أية واقعة يستشف منها حدوثه.
3- تنفيذ القرار الإداري:
يثبت علم صاحب الشأن بالقرار الإداري بتنفيذه الفعلي؛ حيث يبدأ ميعاد الطعن بالإلغاء في السريان من تاريخ حدوث هذا التنفيذ. وتطبيقًا لذلك؛ فإذا قضى بأن القرار الصادر بتجنيد الطاعن – مثلًا – إذا تم تنفيذه بالفعل؛ فإنه يستفاد من ذلك علم الطاعن به، ومن ثم يبدأ سريان ميعاد الطعن بالإلغاء على قرار التجنيد من تاريخ تنفيذه في حق الطاعن.
ثالثًا: التظلم الوجوبي وقطع الميعاد في دعوى الإلغاء:
التظلم الوجوبي لجهة الإدارة إجراء إداري يؤدي إلى قطع الميعاد، وقد شُرع تشجيعًا للأفراد على اللجوء إلى الإدارة قبل الالتجاء إلى القضاء، وقد رتَّب المشرع صراحة على تقديم التظلم قطع ميعاد الطعن بالإلغاء، وهو ما نصت عليه صراحة المادة (6) من القانون القطري رقم (7) لسنة 2007 بشأن الفصل في المنازعات الإدارية في الفقرة الثانية على أنه: "... وينقطع سريان هذا الميعاد بالتظلم إلى الجهة الإدارية، ويجب أن يبت في التظلم خلال ستين يومًا من تاريخ تقديمه، وإذا صدر القرار بالرفض وجب أن يكون مسببًا."
وعلى ذلك إذا قدّم التظلم في الميعاد القانوني؛ فإنه يؤدي إلى قطع ميعاد رفع دعوى الإلغاء بحيث يبدأ حساب مدة جديدة، ستون يومًا، من اليوم التالي للرد الصريح على التظلم بالرفض. أما إذا التزمت الإدارة الصمت ولم تجب على التظلم، بالرفض أو بالقبول؛ فإن المشرع قد اعتبر مضى مدة ستين يومًا على تقديم التظلم دون رد بمثابة الرفض، ويكون ميعاد رفع الدعوى في هذه الحالة ستين يومًا من تاريخ انقضاء الستين يومًا المذكورة.
هذا وعلى المتظلم أن يُقدم دليلًا على تظلمه ولا يكفي في هذا الخصوص تقديم أوراق أو إيصالات غير واضحة الدلالة على تقديم التظلم وتاريخه. ويجب التظلم من القرار الإداري للهيئة الإدارية التي أصدرت القرار أو الهيئات الرئاسية خلال ستين يومًا من تاريخ نشر القرار في الجريدة الرسمية أو النشرات التي تصدرها المصلحة العامة أو إعلان صاحب الشأن به. فإذا انقضى هذا الميعاد، وهو ميعاد سقوط، دون هذا التظلم سقط الحق في التظلم وأصبح القرار الإداري قرارًا حصينًا.
والحالات التي يجب فيها التظلم الإداري حسب نص المادة (5) من القانون رقم 7 لسنة 2007 بشأن الفصل في المنازعات الإدارية هي:
1- الطلبات المقدَّمة من أشخاص ليست لهم فيها مصلحة شخصية مباشرة.
2- طلبات وقف التنفيذ غير المقترنة بطلب إلغاء القرار المطلوب وقف تنفيذه.
3- طلبات إلغاء القرارات الإدارية النهائية المبينة بالبند (2) من المادة (3) من هذا القانون.
كما نصت المادة (10) من القانون - سالف الذكر - على أنه: "تسري على المنازعات الإدارية التي يجوز الطعن عليها وفقًا لأحكام هذا القانون، إجراءات التظلم ومواعيده المنصوص عليها في القوانين السارية، ولا يكون القرار الإداري الصادر في هذه الأحوال نهائيًا جائز الطعن عليه بالإلغاء أو التعويض، إلَّا بعد استنفاد مراحل التظلم التي تحددها تلك القوانين".
والتظلم بهذه المثابة يشكل شرطًا من شروط قبول دعوى الإلغاء؛ فإذا لم يثبت قيام المدعي بهذا الإجراء التمهيدي - وقبل رفع الدعوى - كان للخصم الدفع بعدم قبول الدعوى؛ لعدم سبقها بالتظلم الإداري الوجوبي. هذا وقد حددت المادة (2) من قرار رئيس مجلس الوزراء رقم (5) لسنة 2008 الجهات التي يقدم إليها التظلم وحصرتها في جهتين؛ إمَّا الجهة الإدارية التي أصدرت القرار، أو السلطة الرئاسية لها.
حيث جرى نصها على ما يلي: "يقدم التظلم إلى الجهة الإدارية التي أصدرت القرار أو السلطة الرئاسية لها، بحسب الأحوال، بطلب يقدم لها أو يرسل إليها بكتاب مسجل مصحوب بعلم الوصول أو بأي وسيلة من الوسائل الاتصال الحديثة".
وبناء على ما تقدم؛ فإذا كان الثابت أن المطعون ضده قد تقدم بتظلمه في 22/10/2014 هو تاريخ تحقق علمه اليقيني به، وأنه طعن على هذا القرار في 16/12/2014 بدعوى إلغائه أمام المحكمة؛ فإن شرط الميعاد في دعوى الإلغاء يُعد محققًا وقائمًا؛ مما يتعين معه قبول دعوى الإلغاء شكلًا لرفعها في الميعاد، ومن ثم يُضحي الدفع برفع الدعوى بعد الميعاد قائمًا على غير أساس، وهذا ما قضت به محكمة التمييز.
وبالنسبة للوجه الثاني من السبب أو الدفع الأول؛ المتعلق بأن المطعون ضده لم يختصم الطاعن الثالث - مدير عام كلية الشرطة - صاحب الصفة في الدعوى في تمثيل الجهة مصدرة القرار أمام القضاء إلَّا بعد فوات الميعاد القانوني للطعن على القرار؛ مما تكون معه الدعوى غير مقبولة شكلًا؛ وإذ خالف الحكم المطعون فيه ذلك، وقضى برفض دعوى الإلغاء لرفعها بعد الميعاد؛ فإنه يكون معيبًا بما يستوجب تمييزه.
فالجدير بالذكر إنه متى ثبت أن التصحيح في اختصام المطعون ضده للطاعن الثالث صاحب الصفة في تمثيل الجهة الإدارية في الدعوى قد تم خلال مدة الستين يومًا التالية لميعاد رفض التظلم ضمنيًا؛ فإن ذلك يصحح البطلان الشكلي الذي يعتري صحيفة الدعوى.
المطلب الثاني
الصفة والمصلحة في دعوى الإلغاء
يشترط لقبول دعوى إلغاء القرارات الإدارية بجانب أن نكون بصدد قرارٍ إداريٍّ نهائيٍّ وليس عملًا ماديًّا، فضلًا عن شرط الميعاد الذي سبق أن تمَّ عرضه تفصيلًا في المبحث الأول، ضرورة توافر شرط المصلحة فلا دعوى بدون مصلحة للطاعن9.
تجدر الإشارة إلى أنه لتفادي السير في إجراءات مهددة بالزوال والبطلان، يكون من المصلحة العامة أن تحكم المحكمة من تلقاء نفسها بعدم قبول الدعوى التي يرفعها مَن ليست له صفة في مباشرتها، أو أن ترفع من ذي صفة وتكون على أشخاص تنتفي الصفة في حقهم، وذلك حتى لا تشغل بقضايا مهددة بالزوال، أو لا يفيد منها أحد.
وقد نصت المادة (71) من قانون المرافعات المدنية والتجارية القطري الصادر بالقانون رقم (13) لسنة 1990م على أن: «الدفع بعدم قبول الدعوى لانعدام الصفة أو الأهلية أو المصلحة أو لأي سبب آخر، يجوز إبداؤه في أي حالة تكون عليها الدعوى.
وإذا رأت محكمة الدرجة الأولى أن الدفع بعدم قبول الدعوى لانتفاء صفة المدعى عليه قائم على أساس، أجَّلت الدعوى لإعلان ذي الصفة».
وتجدر الإشارة إلى أن المادة (71) من قانون المرافعات المدنية والتجارية القطري عُدِّلت بالقانون رقم 3 لسنة 2019 وأصبح نصها بعد التعديل على أنه: «الدفع بعدم قبول الدعوى لانعدام الصفة أو الأهلية أو المصلحة أو لأي سبب آخر، يجوز إبداؤه في أي حالة تكون عليها الدعوى.
وإذا رأت محكمة الدرجة الأولى أن الدفع بعدم قبول الدعوى لانتفاء صفة المدعى عليه قائم على أساس، أجَّلت الدعوى لإعلان ذي الصفة.
وإذا تعلّق الأمر بإحدى الوزارات أو الأجهزة الحكومية أو الهيئات أو المؤسسات العامة أو بشخص معنوي خاص، فيكفي في تحديد الصفة أن يذكر اسم الجهة المدعى عليها في صحيفة الدعوى».
ومفاد هذا النص المتقدم أن الطعن في الأحكام الإدارية - وإن كان حقًا - إلَّا أن استعماله لا يمكن أن يكون طليقًا من كل قيد؛ حيث إن استعمال هذا الحق مرتبط بشرط موضوعي يتمثل في ضرورة توافر الصفة في الطاعن والمطعون عليه على حد سواء. بيد أنه متى تعلّق الأمر بإحدى الوزارات أو الأجهزة الحكومية أو الهيئات أو المؤسسات العامة - طبقا للتعديل الوارد - فيكفي في تحديد الصفة أن يذكر اسم الجهة المدعى عليها في صحيفة الدعوى.
وفضلًا عما تقدم تجدر الإشارة إلى أن المادة السادسة من القرار الأميري رقم 161/ 2013 بإنشاء وتنظيم كلية الشرطة نصت على أن: "يمثل المدير العام الكلية أمام القضاء وفي علاقتها مع الغير"، ومن ثم تنتفي أي صفة لوزير الداخلية في الطعن.
المبحث الثاني
دراسة شخصية في تقييم أسباب وحيثيات الحكم
نعرض لهذا المبحث من الدراسة من خلال تناول مدى تحقق شرطي الميعاد والصفة في الطعن الماثل (أولًا)، ثم مدى تحقق شروط القبول بكلية الشرطة لدى الطاعن (ثانيًا)، السلطة التقديرية لجهة الإدارة في إصدار قراراتها الإدارية وأثر نكولها عن تقديم ما لديها من مستندات (ثالثًا)، وذلك في ثلاثة مطالب كما يلي:
المطلب الأول
مدى تحقق شرطي الميعاد والصفة في الطعن الماثل
إذا كان الحكم الابتدائي المؤيد بحكم محكمة الاستئناف المطعون فيه قد أقام قضاءه برفض الدفع بعدم قبول الدعوى لرفعها بعد الميعاد على ما استخلصه من الأوراق من أن القرار المطعون فيه قد صدر في 16/8/2014 - وفقًا لما أفادت به الجهة الإدارية - وهو تاريخ بدء العام الدراسي 2014، 2015 للطلبة المقبولين بكلية الشرطة وأن أوراق الدعوى قد خلت مما يفيد إخطار المطعون ضده به أو علمه اليقيني بهذا القرار بمضمونه وفحواه وأسبابه علمًا نافيًا لكل جهالة بحالته مقارنة بحالة سائر أقران نجله من زملائه المقبولين بكلية الشرطة لكي يتبين مركزه القانوني منه وتحديد موقفه إزاء هذا القرار، وأن تاريخ تقديم تظلمه في 22/10/2014 هو تاريخ تحقق علمه اليقيني به، وأن طعنه على هذا القرار في 16/12/2014 بدعوى إلغائه أمام المحكمة خلال مدة ستين يومًا من تاريخ رفض تظلمه حكمًا اعتبارًا من 22/12/2014، ورتب على ذلك قضاءه بقبول دعوى الإلغاء شكلًا لرفعها في الميعاد، وكان هذا الذي خلص إليه الحكم سائغًا وله معينه من الأوراق وكافيًا بذاته لحمل قضائه ويؤدي إلى ما انتهى إليه من نتيجة وفيه الرد الضمني المسقط لما يخالفه؛ فإن النعي إذ يدور في جوهره حول تعييب هذا الاستخلاص لا يعدو أن يكون جدلًا فيما لمحكمة الموضوع من سلطة فهم الواقع في الدعوى وتقدير الأدلة والقرائن فيها لا تجوز إثارته أمام هذه المحكمة، لما كان ذلك؛ فإن النعي بهذا السبب في اعتقادنا يكون قائمًا على غير أساس مما يتعين رفضه، وهو ما قضت به المحكمة في حكمها الراهن، وبناء على ما تقدم نرى أن ما قضت به محكمة التمييز القطرية في حكمها السابق قد جاء متفقًا وبحق مع صحيح القانون.
وبالنسبة للوجه الثاني من السبب أو الدفع الأول المتعلق بأن المطعون ضده لم يختصم الطاعن الثالث - مدير عام كلية الشرطة - صاحب الصفة في الدعوى في تمثيل الجهة مصدرة القرار أمام القضاء إلَّا بعد فوات الميعاد القانوني للطعن على القرار مما تكون الدعوى غير مقبولة شكلًا، وإذ خالف الحكم المطعون فيه ذلك، وقضى برفض دعوى الإلغاء لرفعها بعد الميعاد؛ فإنه يكون معيبًا بما يستوجب تمييزه.
ويرى الباحث؛ أنه من الجدير بالذكر أنه متى ثبت أن التصحيح في اختصام المطعون ضده للطاعن الثالث صاحب الصفة في تمثيل الجهة الإدارية في الدعوى قد تم خلال مدة الستين يومًا التالية لميعاد رفض التظلم ضمنيًا؛ فإن ذلك يصحح البطلان الشكلي الذي يعتري صحيفة الدعوى.
أما بالنسبة للوجه الثالث من السبب الأول على الحكم المطعون فيه مخالفة القانون والخطأ في تطبيقه المتعلق برفض الدفع بعدم قبول الدعوى لرفعها على غير ذي صفة بالنسبة للطاعن الأول - وزير الداخلية -، على الرغم من أن مدير عام الكلية هو صاحب الصفة في تمثيل كلية الشرطة أمام جهات القضاء؛ مما يعيب الحكم ويستوجب تمييزه؛ فالملاحظ أن الدفع بانتفاء الصفة يتعلق بالنظام العام؛ لأن الحكم الصادر في موضوع الدعوى قد يصدر على الخصم الذي لم يمثل تمثيلًا قانونيًا صحيحًا، فيتمسك بعدم جواز الاحتجاج به في مواجهته على اعتبار أنه لم يكن طرفًا في الخصومة التي صدر فيها، هذا إذا لم ترفع الخصومة باسمه، أو يتنصل مما قام به من تولي السير في الخصومة فتبطل ويبطل الحكم الصادر فيها.
وفيما يتصل بهذا الدفع بمخالفة القانون والخطأ في تطبيقه المتمثل برفض الدفع بعدم قبول الدعوى لرفعها على غير ذي صفة بالنسبة للطاعن الأول - وزير الداخلية - فإن هذا الدفع يتفق وصحيح القانون؛ حيث أوجبت المادة السادسة من القرار الأميري رقم 161/ 2013 بإنشاء وتنظيم كلية الشرطة أن يمثل المدير العام الكلية أمام القضاء وفي علاقتها مع الغير، ومفاد ذلك أن المدير العام لكلية الشرطة هو الممثل القانوني للكلية أمام القضاء دون غيره ولا يكون لوزير الداخلية - الطاعن الأول - أية صفة في تمثيلها؛ مما يتعين عدم قبول الدعوى بالنسبة له لرفعها على غير ذي صفة، وإذا قضت محكمة التمييز بقبول هذا الدفع مخالفة في ذلك الحكم الابتدائي المؤيد بالحكم المطعون فيه هذا النظر؛ فإنها تكون قد أصابت صحيح القانون ويكون حكمها في هذا الشأن بعدم قبول الدعوى بالنسبة للطاعن الأول لرفعه على غير ذي صفة سديدًا فيما قضى به.
المطلب الثاني
مدى تحقق شروط القبول بكلية الشرطة لدى الطاعن
يرى الباحث؛ أنه بالنسبة للدفع المتعلق بمخالفة الحكم المطعون فيه القانون والخطأ في تطبيقه لافتقاد نجل المطعون ضده أحد شروط القبول بكلية الشرطة لكونه موظفًا عموميًا لدى الهيئة العامة للطيران المدني؛ فإذا كان الثابت هو انتفاء صحة هذا الادعاء وذلك يتجلى من خلال صورة كتاب الهيئة العامة للطيران الذي يفيد أن نجل المطعون ضده ليس موظفًا عموميًّا بالهيئة وإنما هو طالب مبتعث للخارج لدراسة هندسة المطارات فلا مجال إذًا لتطبيق الحظر الوارد في الفقرة الثامنة من اللائحة الداخلية لكلية الشرطة؛ مما يُضحي رفض محكمة التمييز لهذا الدفع في محله، ومن ثم يكون النعي على غير أساس.
كما يرى الباحث؛ أنه بالنسبة للدفع المتعلق بمخالفة الحكم المطعون فيه القانون والخطأ في تطبيقه لتخلف شروط القبول لدى المرشح بكلية الشرطة والتي تطلبها القرار الأميري رقم 161/ 2013 بإنشاء كلية الشرطة، واللائحة الداخلية لشؤون الطلاب لعدم توافر معايير ثلاثة مجتمعة فيه وهي، المستوى الطبي المطلوب، وفحص اللياقة البدنية، والنسبة المئوية لمجموع درجات النجاح لحملة الشهادة الثانوية العامة؛ فإن هذا الدفع يكون متفقًا وصحيح حكم القانون؛ حيث تطلبت المادة (23) من القرار الأميري رقم 161 لسنة 2013 بإنشاء وتنظيم كلية الشرطة ضرورة توافر ثلاثة شروط مجتمعة لقبول المرشح، فإن انتفى أحدها بات المرشح غير مقبول، فالجدير بالذكر أن المادة (23) من القرار الأميري رقم 161 لسنة 2013 بإنشاء وتنظيم كلية الشرطة قد نصت على أنه: "يراعي المجلس الأعلى عند تحديد شروط القبول وأسس اختيار الطلاب للالتحاق بالكلية ما يلي:
(1) المستوى الطبي المطلوب بحسب درجات التصنيف الطبي لمستوى اللياقة الطبية المعمول بها في الكلية.
(2) عناصر اختيار فحص اللياقة البدنية، وطريقة ومكان الفحص والمستويات المطلوبة لاستيفاء شروط القبول بالنسبة للياقة البدنية.
(3) النسبة المئوية لمجموع درجات النجاح لحملة الشهادة الثانوية العامة أو ما يعادلها".
وكان الثابت من المستندات النسبة المئوية لمجموع درجات النجاح لنجل المطعون ضده؛ حيث حصل على نسبة مئوية في التقييم النهائي تقدر بـ 56,27%، في حين حصول أحد أقرانه من زملائه المسترشد بهم وهو آخر المقبولين بكلية الشرطة على نسبة مئوية تقدر بـ 59,42%؛ فإن مخالفة الحكم المطعون فيه ذلك وقضى بأحقية نجل المطعون ضده في القبول بكلية الشرطة؛ فإنه يكون معيبًا بما يستوجب تمييزه، باعتبار أن معيار النسبة المئوية لمجموع درجات النجاح لحملة الشهادة الثانوية العامة تدخل ضمن المعايير المعول عليها للقبول وهو ما يتوافق مع المنطق العقلي السليم في الاختيار وتطبيقًا للعدالة؛ خصوصًا إذا ما اجتاز المرشحون المستوى الطبي المطلوب بحسب درجات التصنيف الطبي لمستوى اللياقة الطبية والبدنية، وعليه فقد جاء الحكم في محله.
المطلب الثالث
السلطة التقديرية لجهة الإدارة في إصدار قراراتها الإدارية
وأثر نكولها عن تقديم ما لديها من مستندات
القاعدة أن الإدارة تتمتع بسلطة تقديرية حينما يترك لها المشرع حرية تقدير الظروف الواقعية التي تبرر اتخاذ قرار معين؛ حيث تقرر بمحض إرادتها مدى ملاءمة إصدارها أو اتخاذها لهذا القرار، والواقع أن السلطة التقديرية التي تمنح للإدارة في بعض المجالات تحقيقًا للمصلحة العامة، لا تمثل اعتداء على حقوق الأفراد أو انتقاصًا من حقوقهم، فهذه السلطة ليس معناها السماح للإدارة بالتعسف والاستبداد، وإنما تظل الإدارة خاضعة لمبدأ الشرعية ويستطيع القضاء أن يراقب تصرفاتها وأعمالها للتحقق من مدى اتفاقها مع أحكام القانون وعدم انطوائها على إساءة استعمال السلطة، ومن هنا؛ كان من الضروري منح الإدارة سلطة تقديرية تُمارسها في بعض الحالات حتى تتمكن من إصدار القرار المناسب في ضوء الواقع والظروف والملابسات المحيطة بها.
وتجدر الإشارة إلى أن تقدير لجنة اختيار الطلاب لمدى استيفاء الطالب لمقومات الهيئة واتزان الشخصية هو مما تترخص فيه بما لها من سلطة تقديرية بلا معقب عليها في ذلك طالما خلا تقديرها من إساءة استعمال السلطة أو الانحراف بها متى كان قائمًا على أسباب تبرره صدقًا وحقًا ومستخلصًا استخلاصًا سائغًا من أصول تنتجه واقعًا وقانونًا ووفقًا للعدد المحدد والمطلوب اختياره من الطلبة الذين اجتازوا جميع الاختبارات وهو ما التزم به قرار لجنة الاختيار المطعون عليه باستبعاد قبول نجل المطعون ضده بكلية الشرطة يكون قد قام على سببه الصحيح المبرر له، وقد جاء متفقًا وصحيح الواقع والقانون، وإذ خالف الحكم المطعون فيه هذا النظر؛ فإنه يكون معيبًا بالخطأ في تطبيق القانون بما يوجب تمييزه وهذا ما قضت به محكمة التمييز.
إلا أنه تبقى ملاحظة تتعلق بحكم محكمة أول درجة والتي تتمثل في أنه لئن كان عبء الإثبات يقع على عاتق المدعى استنادًا إلى القاعدة الأصولية التي تقضي بأن البيِّنة على من أدعى، إلَّا أن الأخذ بهذا الأصل على إطلاقه في مجال المنازعات الإدارية لا يستقيم مع واقع الحال وطبيعة النظام الإداري ومن ثم تحتفظ الإدارة طبقًا لمقتضيات النظام العام الإداري بجميع الوثائق والملفات المتعلقة بالأعمال التي تقوم بها أو بصورة رسمية منها، وهي الأوراق ذات الأمر الحاسم في المنازعة الإدارية - وتحقيقًا لمبدأ سيادة القانون ومباشرة الرقابة على مشروعية تصرفات وقرارات الجهات الإدارية -؛ فإنه يتعين على هذه الجهات أن تقدم - للقضاء القطري - سائر الأوراق والمستندات المتعلقة بموضوع النزاع والمفيدة في إظهار وجه الحق فيه إثباتًا ونفيًا متى طُلب إليها ذلك.
ومن ثم فإذا نكلت تلك الجهة عن تقديم الأوراق المتعلقة بموضوع النزاع وكان المدعي يعتمد في تعييب قرارها على ما تضمنته المستندات التي تحتفظ بها وامتنعت عن تقديمها انهارت قرينة الصحة التي تتمتع بها القرارات الإدارية؛ مما يترتب عليه أن تقوم لصالح المدعي قرينة جديدة على صحة ادعاءاته أمام القضاء وسلامة ما قدمه من مستندات وإلقاء عبء الإثبات من جديد على عاتق الإدارة؛ حيث قضت المحكمة بأنه: "... وكانت المحكمة قد طلبت من الجهة الإدارية المدعى عليها تقديم ملفات الطلبة المستشهد بهم وملف المدعي دون جدوى وعلى النحو المبين بمحاضر الجلسات، وكانت جهة الإدارة بعد قفل باب المرافعة على نحو ما تقدم قد تقدمت بطلب فتح باب المرافعة مكتفية بتقديم مستند وحيد يبين نسبة مئوية لأحد المتقدمين تفوق نسبة ابن المدعي ولم تقدم ما يفيد نسب سالفي الذكر وهم ...، ...، ...، ... الأمر الذي يقيم معه قرينة لصالح المدعي بصدق دعواه وصحة سنده".
الخاتمة
يرى الباحث في ختام هذا التعليق؛ أنه بالنسبة للدفع المتعلق بأن الدعوى قد رفعت بعد الميعاد، إذا كان الثابت أن المطعون ضده قد تقدم بتظلمه في 22/10/2014 وهو تاريخ تحقق علمه اليقيني به، وأنه طعن على هذا القرار في 16/12/2014 بدعوى إلغائه أمام المحكمة؛ فإن شرط الميعاد في دعوى الإلغاء يعد محققًا وقائمًا؛ مما يتعين معه قبول دعوى الإلغاء شكلًا لرفعها في الميعاد، وذلك طبقًا لما نصت عليه المادة (6) من القانون القطري رقم (7) لسنة 2007 بشأن الفصل في المنازعات الإدارية ومن ثم يُضحي الدفع برفع الدعوى بعد الميعاد قائمًا على غير أساس، وهذا ما قضت به محكمة التمييز.
كما يلاحظ من ناحية ثانية؛ أنه إذا كان الثابت من صحيفة التصحيح محل الواقعة أن اختصام المطعون ضده للطاعن الثالث صاحب الصفة في تمثيل الجهة الإدارية في الدعوى قد تم بتاريخ 28/1/2015؛ أي خلال مدة الستين يومًا التالية لميعاد رفض التظلم ضمنيًا في 22/12/2014 فإنه يكون متفقًا وصحيح القانون، ومن ثم يُضحي النعي برمته على غير أساس، وهو ما ذهبت إليه محكمة التمييز في قضائها.
كما يرى الباحث وبحق؛ أن شروط القبول لدى المرشح بكلية الشرطة والتي تطلبها القرار الأميري رقم 161/2013 بإنشاء كلية الشرطة، واللائحة الداخلية لشؤون الطلاب تتطلب ضرورة توافر معايير ثلاثة مجتمعة فيه وهي، المستوى الطبي المطلوب، وفحص اللياقة البدنية، والنسبة المئوية لمجموع درجات النجاح لحملة الشهادة الثانوية العامة، وتخلف هذا الشرط الأخير في حد ذاته كفيل باستبعاد المرشح طالما كان قرار لجنة الاختيار في هذا الصدد - وبما لها من سلطة تقديرية - خاليًا من أي وجه لإساءة استخدام السلطة أو الانحراف بها.
Faculty Member at the Police College, State of Qatar.
Views
Downloads
Citations
Authors
Issue
Year

This work is licensed under a Creative Commons Attribution-NonCommercial 4.0 International License.