This study aims to examine the issue of Israeli settlement expansion in the occupied Palestinian territories, particularly in light of the Israeli policy that has not ceased since the Palestinian Nakba of 1948. This policy creates new realities on Palestinian land through its continued construction of settlements, in clear and explicit violation of the rules of international law, particularly international humanitarian law. This is likely to alter the demographic and geographic composition of the occupied Palestinian territories, thereby impacting the elements of statehood and the future formation of a Palestinian state.
The study also focuses on clarifying the position of the United Nations and its various bodies, such as the General Assembly, the UN Security Council, and the International Court of Justice, on this issue. In addition, it reviews the positions of successive US administrations since 1953 regarding Israeli settlement in the occupied Palestinian territories.
The study includes several conclusions to limit this expansionist settlement policy, which threatens international peace and security and eliminates any opportunity for achieving peace in the Middle East and establishing a Palestinian state on Palestinian national soil with Jerusalem as its capital, in accordance with the rules of international law and relevant international legitimacy resolutions.
تعد المستوطنات الإسرائيلية المقامة على الأراضي الفلسطينية المحتلة إحدى أبرز التحديات السياسية والقانونية التي تواجه المجتمع الدولي منذ عقود؛ نظرا لما تمثله من انتهاك صارخ لمبادئ القانون الدولي والقانون الدولي الإنساني، وخاصة اتفاقية جنيف الرابعة لعام 1949؛ حيث تنص المادة (49) من الاتفاقية على أنه: "يحظر النقل الجبري الجماعي أو الفردي للأشخاص المحميين أو نفيهم من الأراضي المحتلة إلى أراضي دولة الاحتلال أو إلى أراضي أي دولة أخرى، محتلة أو غير محتلة، أيا كانت دواعيه"، إضافة إلى العديد من قرارات الأمم المتحدة التي أكدت على عدم شرعية هذه المستوطنات ووجوب تفكيكها. وعلى الرغم من الإجماع القانوني على عدم شرعية هذه المستوطنات، تواصل إسرائيل توسيع نشاطها الاستيطاني في الضفة الغربية والقدس الشرقية بوتيرة متسارعة؛ مما يعكس حالة من التحدي المباشر للشرعية الدولية ويثير تساؤلات عميقة حول فعالية القانون الدولي ووسائل الضغط الدولي في مواجهة هذه الانتهاكات.
وتشكل هذه السياسات الاستيطانية تهديدا حقيقيا لحل الدولتين، كما تسهم في تعقيد الصراع الفلسطيني الإسرائيلي عبر تغيير الواقع الديموغرافي والجغرافي في الأراضي المحتلة والتأثير في عناصر قيام وشكل دولة فلسطين وفق مفهوم القانون الدولي. وفي هذا السياق، تبرز أهمية دراسة الموقف الدولي من هذه السياسات، خاصة في ظل التباين الواضح بين المواقف الرسمية للجهات الدولية، من الأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي، إلى الولايات المتحدة الأمريكية والدول العربية والإسلامية؛ حيث تتراوح المواقف بين الإدانات اللفظية وعدم اتخاذ خطوات عملية، وبين الدعم الصريح أو الضمني.
إشكالية الدراسة:
تتمثل إشكالية الدراسة في تساؤل رئيس مفاده إلى أي مدى يعد الموقف الدولي من المستوطنات الإسرائيلية موقفا فاعلا ومؤثرا في الحد من السياسات الاستيطانية الإسرائيلية في الأراضي الفلسطينية المحتلة؟ وهل تخطى الموقف الدولي وموقف الولايات المتحدة الأمريكية حدود الإدانة؟ وهل هنالك آليات قانونية دولية تجبر إسرائيل بوصفها دولة احتلال على تنفيذ وقف الاستيطان في الأراضي الفلسطينية المحتلة؟
وينبثق عن هذه الإشكالية عدد من الأسئلة الفرعية، تتمثل في:
أهمية الدراسة:
تكتسب هذه الدراسة أهمية آنية باعتبار التصاعد غير المسبوق في النشاط الاستيطاني؛ خاصة بعد عملية "طوفان الأقصى" في السابع من أكتوبر عام 2023؛ مما يعزز الحاجة لفهم تداعيات هذا التصعيد على الأرض. كما تكتسي الدراسة أهمية قانونية؛ لأنها ستوضح التناقض الصارخ بين السياسات الاستيطانية الإسرائيلية وأحكام القانون الدولي، وهو ما يسهم في تعزيز المطالبة الدولية بالمساءلة القانونية. وتهدف كذلك إلى تحليل موقف منظمة الأمم المتحدة والإدارات المتعاقبة للولايات المتحدة من المستوطنات الإسرائيلية في الأراضي المحتلة من منظور قانوني وسياسي، وقدرتهم على التأثير في سياسات الاحتلال الاستيطانية. وأخيرا، من الناحية المعرفية، تضيف هذه الدراسة إلى الحقل الأكاديمي العربي تحليلا معاصرا لتطور المشروع الاستيطاني، وتوثيقا للتغيرات التي طرأت في الفترة ما بين 2023–2025.
أهداف الدراسة: تهدف هذه الدراسة إلى ما يلي:
منهجية الدراسة:
تعتمد هذه الدراسة على المنهج الوصفي التحليلي، من خلال تحليل النصوص القانونية والوثائق الدولية ذات الصلة، ومقارنة المواقف الرسمية للدول والمنظمات الدولية، وتفسيرها ضمن السياق السياسي العام. كما تستفيد الدراسة من أدوات المنهج التاريخي لتتبع تطور المستوطنات، وتغير المواقف الدولية تجاهها بمرور الوقت.
فروض الدراسة:
ولتفكيك الإشكالية المركزية والتساؤلات الفرعية المترتبة عنها، ستسعى هذه الدراسة إلى اختبار الفرضيتين التاليتين اللتين تحملان الطرح ونقيضه:
خطة الدراسة: تنقسم الدراسة إلى مبحثين رئيسين على النحو الآتي:
المبحث الأول: الإطار القانوني والسياسي والديمغرافي للمستوطنات الإسرائيلية
المطلب الأول: المستوطنات الإسرائيلية في الأراضي الفلسطينية المحتلة وأساسها القانوني
المطلب الثاني: أبعاد الاستيطان الإسرائيلي في الأراضي الفلسطينية المحتلة
المبحث الثاني: موقف منظمة الأمم المتحدة والإدارات الأمريكية المتعاقبة والحجج الإسرائيلية من الاستيطان في فلسطين
المطلب الأول: موقف المنظمات الدولية من الاستيطان في الأراضي الفلسطينية المحتلة
المطلب الثاني: الحجج الإسرائيلية وموقف الولايات المتحدة من الاستيطان عبر الإدارات المتعاقبة
خاتمة/ نتائج وتوصيات
المبحث الأول
الإطار القانوني والسياسي والديمغرافي للمستوطنات الإسرائيلية
يمثل الاستيطان الإسرائيلي في الأراضي الفلسطينية المحتلة تحديا أساسيا لإرساء السلام وتحقيقه في المنطقة؛ لتأثيره المباشر على إمكانيات إقامة دولة فلسطينية مستقلة وقابلة للحياة. ومنذ بداياته في أواخر القرن التاسع عشر وحتى الوقت الراهن يعد الاستيطان أداة إسرائيل المحورية في تنفيذ المشروع الصهيوني. نستعرض في هذا المبحث مفهوم الاستيطان والخلفية التاريخية، وتطوره بعد النكبة، ثم بعد احتلال عام 1967، مرورا بالتصعيد الحاصل بعد عملية "طوفان الأقصى" في عام 2023، وصولا إلى تحليل أبعاده القانونية والسياسية والديموغرافية الراهنة.
المطلب الأول
المستوطنات الإسرائيلية في الأراضي الفلسطينية المحتلة وأساسها القانوني
أولا: مفهوم المستوطنات الإسرائيلية في الأراضي الفلسطينية المحتلة:
المستوطنات هي عبارة عن تجمعات سكنية تقيمها قوات الاحتلال لمواطنيها في الأراضي التي احتلتها وهي مجرمة بقوة القانون الدولي. وتعد المستوطنات الإسرائيلية أكثر الأمثلة المعاصرة وربما الوحيدة الآن؛ حيث أقامت إسرائيل تجمعات سكنية في الأراضي الفلسطينية المحتلة بعد عام 1967، في الضفة الغربية، بما فيها القدس الشرقية، وقطاع غزة. ولا يمكن أن تصبغ هذه المستوطنات بالصفة القانونية بموجب القانون الدولي، وخصوصا اتفاقية جنيف الرابعة، التي تحظر على قوة الاحتلال نقل سكانها المدنيين إلى الأراضي التي تحتلها. وتعتبر المستوطنات من أبرز مظاهر السيطرة الإسرائيلية على الأراضي الفلسطينية، وتسهم في تقويض فرص إقامة دولة فلسطينية مستقلة بسبب تفتيت الأراضي وعزل المناطق الفلسطينية عن بعضها البعض.1
ثانيا: الخلفية التاريخية للاستيطان الإسرائيلي:
ينبغي علينا، عند التطرق إلى مسألة الاستيطان الإسرائيلي في الأراضي المحتلة بفلسطين، التفرقة أولا بين الاستعمار بمفهومه الكلاسيكي والذي يسيطر فيه المحتل على أرض دولة ما أو عدة دول بهدف الحصول على الموارد واستغلال المواد الخام دون أن ينوي الاستيطان (البقاء في الأرض)، وبين "الاستعمار الاستيطاني" والذي بموجبه فإن المستعمر جاء ليبقى ويبني مشروعه الاستعماري في البلد المحتل واضعا يده ومسيطرا على البلد بالكامل لتبديل معالمه، وعليه فإن السكان الأصليين يمثلون حجر عثره أمام تحقيق مشروعه، وعليه يكون التخلص منهم هدفه من خلال سياسات تقوم على محو السكان الأصليين وإلغاء وجودهم بدرجات وأساليب متعددة ومتنوعة".2 وعليه؛ يمكننا القول: إن الاستيطان الإسرائيلي هو مجمـوعة القرارات والخطوات والإجراءات والممارسات غير قانونية التي تتخذها إسرائيل ضد السكان الفلسطينيين بهدف طردهم، وعزلهم أو حتى إبادتهم ليحل محلهم سـكان يهـود جدد، وهو ما يمكن تسميته بالسياسة الاستيطانية الإحلالية3.
يرى البعض أن نقطة انطلاق الصراع الإسرائيلي الفلسطيني على الأرض قد تحددت بوضوح تام في عام ١٩١٧، عندما تبنت بريطانيا خطة لاستعمار فلسطين بناء على رغبات مجموعة من اليهود السياسيين الذين أطلقوا على أنفسهم اسم الصهاينة، أي مع إعلان (وعد بلفور). ومع ذلك، ترى هذه الدراسة اتفاقا مع بعض الباحثين بأن أصول الصراع تعود إلى ما قبل ذلك، وتحديدا إلى الهجرة الأولى لليهود الصهاينة إلى فلسطين، والتي بدأت عام 1882، وبداية المشروع الاستيطاني الإسرائيلي في نهايات القرن التاسع عشر، حين ظهرت الحركة الصهيونية كأيديولوجيا قومية تهدف إلى إنشاء وطن قومي لليهود في فلسطين. وقد بدأت أولى موجات الهجرة اليهودية إلى فلسطين العثمانية ما بين 1882 و1914؛ حيث أسست مستعمرات زراعية صغيرة بمساعدة مالية من أثرياء يهود في أوروبا، أبرزهم (البارون إدموند روتشيلد)؛ حيث اعتبر الاستيطان آنذاك أداة استراتيجية لتحقيق الحلم الصهيوني، لا مجرد مشروع اقتصادي أو سكني.4
2. الانتداب البريطاني ونكبة الاستيطان:
مع بداية الانتداب البريطاني عام 1920، دخل المشروع الاستيطاني مرحلة أكثر تنظيما بدعم من "الوكالة اليهودية" واستنادا إلى وعد بلفور، وخلال هذه الفترة تصاعد التوتر مع الفلسطينيين، خصوصا مع ثورة 1936-1939، نتيجة تسارع الاستيطان وانتزاع الأرض5 ، والتي تعد من أهم التغييرات التي أدخلها البريطانيون كي يسهلوا عملية إنشاء وطن قومي لليهود عن طريق قوانين الهجرة وملكية الأراضي، التي مكنت المهاجرين اليهود من الوصول إلى فلسطين بداية، من اقتناء الأراضي والاستيطان فيها.6
ثم جاءت مرحلة "النكبة" وإعلان قيام دولة إسرائيل في 1948؛ حيث استخدمت مساحات شاسعة من الأراضي المصادرة، وفق "قانون أملاك الغائبين"، لإقامة مئات المستوطنات على أنقاض القرى الفلسطينية المدمرة. وشكل هذا التحول إعادة ترسيم سكاني وجغرافي لصالح دولة الاحتلال؛ مما مهد لتوسع استيطاني متواصل خلال العقود التالية. ويستخدم مصطلح "النكبة" ليشير إلى الجولة الأولى من التهجير الجماعي للسكان الذي قامت به الحركة الصهيونية وإسرائيل في الفترة ما بين نوفمبر 1947 واتفاقيات وقف إطلاق النار مع الدول العربية عام 1949؛ حيث يصف التجربة الفلسطينية المستمرة للتهجير القسري، بالإضافة إلى سياسات وممارسات إسرائيل التي أدت إلى ظهور واحدة من أكبر وأقدم تجمعات اللاجئين والنازحين داخليا وعديمي الجنسية في العالم.7
3. الاستيطان بعد عام 1967 وتصعيد ما بعد "طوفان الأقصى" في السابع من أكتوبر 2023:
أعقب احتلال الضفة الغربية وقطاع غزة عام 1967 مرحلة جديدة من التوسع الاستيطاني، ركزت على تثبيت الوجود الإسرائيلي في الأراضي المحتلة، خصوصا في القدس الشرقية وغور الأردن؛ حيث تشير البيانات الرسمية إلى أن عدد المواقع الاستيطانية والقواعد العسكرية الإسرائيلية في الضفة الغربية قد بلغ مع نهاية عام 2022 نحو (483) موقعا، موزعة على النحو التالي:8
-(151) مستوطنة رسمية، (25) بؤرة استيطانية مأهولة تم تصنيفها كمناطق ملحقة بمستوطنات قائمة، (63) بؤرة استيطانية غير شرعية، (144) موقعا آخر مصنفة كمناطق صناعية، سياحية، خدماتية، بالإضافة إلى معسكرات تابعة لجيش الاحتلال. أما على صعيد التوزيع الديمغرافي للمستوطنين؛ فقد بلغ عدد المستوطنين في الضفة الغربية (745.467) مستوطنا بحلول نهاية عام 2022. وتظهر الإحصاءات أن النسبة الأكبر منهم تتركز في محافظة القدس، التي تضم (336.272) مستوطنا، أي ما نسبته 45.1٪ من إجمالي عدد المستوطنين.9
ومن بين هؤلاء، يقيم (246.990) مستوطنا في منطقة (ج) وهي جزء من محافظة القدس تم ضمه من قبل الاحتلال الإسرائيلي بشكل غير قانوني بعد عام 1967.10
تلي القدس محافظات: رام الله والبيرة (149.143) مستوطنا، بيت لحم (98.384) مستوطنا، سلفيت (53.455) مستوطنا، في حين تعد محافظة طوباس والأغوار الشمالية الأقل من حيث عدد المستوطنين، بواقع (2.717) مستوطنا. وبالنظر إلى النسبة العامة؛ فإن المستوطنين يشكلون حوالي (23) مستوطنا مقابل كل (100) فلسطيني في الضفة الغربية، بينما ترتفع هذه النسبة في محافظة القدس إلى نحو (69) مستوطنا مقابل كل (100) فلسطيني، ما يعكس واقعا ديموغرافيا حرجا.11
وقد شهد عام 2023 تصاعدا ملحوظا في النشاط الاستيطاني؛ حيث صادقت سلطات الاحتلال على مخططات هيكلية تهدف إلى بناء أكثر من (18 ألف) وحدة استيطانية جديدة في مختلف أنحاء الضفة الغربية، بما في ذلك القدس، في مؤشر واضح على استمرار إسرائيل في توسيع رقعة الاستيطان كخطة استراتيجية.12 كما صادرت السلطات الإسرائيلية بعد عملية "طوفان الأقصى" في السابع من أكتوبر 2023، أكثر من (24) ألف دونم، واعترفت بعشرات البؤر الاستيطانية العشوائية، وأعلنت عن مخططات لبناء آلاف الوحدات السكنية الجديدة.13 وبحلول عام 2024 تزايدت أعداد المستوطنين في الضفة تدريجيا حتى تجاوزت (750) ألفا.14
ومن بين التغيرات التي أجرتها حكومة نتنياهو في يونيو 2023 إلغاء الحاجة إلى موافقة وزير الدفاع على كل مرحلة من مراحل المضي قدما في خطط المستوطنات؛ حيث كان يتطلب أي إجراء في خطط بناء المستوطنات الحصول على موافقة مسبقة من وزير الدفاع، وفي السنوات الأخيرة قرر وزير الدفاع أن طرح خطط البناء في المستوطنات يتم طرحها (4) مرات في السنة، وعليه؛ فقد تم في كل اجتماع لمجلس التخطيط الأعلى الموافقة على آلاف الوحدات السكنية دفعة واحدة.15
أبعاد الاستيطان الإسرائيلي في الأراضي الفلسطينية المحتلة
أولا: البعد القانوني للاستيطان الإسرائيلي في الأراضي الفلسطينية المحتلة:
يعد الاستيطان الإسرائيلي في الأراضي الفلسطينية المحتلة غير قانوني وفقا للقانون الدولي، وبالأخص المادة 49 من اتفاقية جنيف الرابعة بشأن حماية الأشخاص المدنيين في وقت الحرب 1949. كذلك أكدت الجمعية العامة للأمم المتحدة في قرارها رقم (70/89) في 9 كانون الأول/ ديسمبر 2015 عدم قانونية المستوطنات الإسرائيلية في الأرض الفلسطينية المحتلة، بما فيها القدس الشرقية، وفي الجولان السوري المحتل، على النحو الذي قضت به محكمة العدل الدولية، وأكده مجلس الأمن والمفوض السامي لحقوق الإنسان، وأن هذه المستوطنات ترقى إلى عملية تهجير سكان دولة إلى الأرض التي تحتلها، وهو أمر محظور بموجب القانون الدولي الإنساني. وللوفاء بالتزاماتها القانونية الدولية، يجب على إسرائيل وقف بناء المستوطنات، وعدم القيام بأي نشاط لتنمية المستوطنات، وتقديم تعويضات كاملة، والتي تشمل الالتزام بإعادة الوضع المتضرر من الانتهاك، كما أن نقل سكان القوة المحتلة إلى الأرض التي تحتلها يرقى إلى جريمة حرب قد تؤدي إلى المسؤولية الجنائية الفردية للمسؤولين المعنيين.16
- بموجب القرار ES-10/14، الذي اعتمدته الجمعية العامة في 8 كانون الأول/ ديسمبر 2003 في دورتها الاستثنائية الطارئة العاشرة، قررت الجمعية العامة أن تطلب من محكمة العدل الدولية رأيا استشاريا بشأن مسألة بناء الجدار العازل والمستوطنات الإسرائيلية، وقد أكدت محكمة العدل الدولية في رأيها الاستشاري (2004) أن إقامة المستوطنات والجدار العازل هو "خرق للقانون الدولي"؛ حيث لاحظت المحكمة أن مسار الجدار يشمل نحو 80% من المستوطنين القاطنين في الأرض الفلسطينية المحتلة، مستشهدة ببيانات مجلس الأمن في هذا الشأن، ومتعلقة باتفاقية جنيف الرابعة، مذكرة بأن هذه المستوطنات أنشئت في انتهاك صريح للقانون الدولي، وبعد دراسة بعض المخاوف التي أعرب عنها من أن مسار الجدار سيمس بالحدود المستقبلية بين إسرائيل وفلسطين، لاحظت المحكمة أن بناء الجدار والنظام المرتبط به ينشئان "أمرا واقعا" على الأرض قد يصبح دائما، ويعادل بالتالي ضما بحكم الأمر الواقع، وأن المسار المختار للجدار يجسد في مكانه التدابير غير القانونية التي اتخذتها إسرائيل بشأن القدس والمستوطنات، ويؤدي إلى مزيد من التغييرات في التركيبة السكانية للأرض الفلسطينية المحتلة، وخلصت إلى أن بناء الجدار إلى جانب التدابير المتخذة سابقا، يعيق بشدة ممارسة الشعب الفلسطيني لحقه في تقرير المصير، ويشكل بالتالي خرقا لالتزام إسرائيل باحترام هذا الحق.17 بالإضافة إلى أن الاستيطان يخالف قرارات مجلس الأمن، لا سيما القرار 2334 لعام 2016 الذي أكد على أن إنشــاء إسرائيل للمســتوطنات في الأرض الفلســطينية المحتلة منذ عام 1967 بما فيها القدس الشرقية، لـيس لـه أي شـرعية قانونيـة ويشـكل انتـهاكا صارخا بموجب القانون الدولي وعقبة كبرى أمام تحقيق حل الدولتين وإحـلال السـلام العـادل والدائم والشامل، وطالب إسرائيل بـأن توقـف فـورا وعلـى نحـو كامـل جميـع الأنشـطة الاستيطانية في الأرض الفلسطينية المحتلـة، بمـا فيهـا القـدس الشـرقية، وأن تحتـرم جميـع التزاماتها القانونية في هذا الصدد احتراما كاملا.18
ثانيا: البعد السياسي والديمغرافي للاستيطان الإسرائيلي في الأراضي الفلسطينية المحتلة:
ترتكز السياسية الإسرائيلية الاستيطانية على مجموعة من الأهداف، أهمها: تغيير الواقع الديموغرافي في الأراضي الفلسطينية المحتلة وخلق تجمعات (مستوطنات) يهودية كبيرة، وإحلال مستوطنين يهود مكان السكان الأصليين من أجل إحداث تغيير في التوزيع السكاني بالمناطق المحتلة، ويتزامن مع هذه السياسة؛ سياسة أخرى تتمثل في منع التواصل الجغرافي بين المدن الفلسطينية وذلك عبر إنشاء شبكة من المستوطنات والطرق الالتفافية والحواجز العسكرية؛ مما يجعل من الضفة الغربية منطقة معزولة (كانتونات) غير مترابطة، تجعل من إمكانية تنفيذ حل الدولتين معضلة حقيقية، مع واقع تقسيم الأرض الفلسطينية وإضعاف سيطرة الفلسطينيين على مواردهم وحدودهم.19
كما أظهرت سياسات الحكومة الإسرائيلية بعد عام 2023 رغبة واضحة في تكريس واقع الضم، ورفض صريح لفكرة الدولة الفلسطينية؛ مما أدى إلى انسداد كل طريق سياسي نحو إيجاد حل للقضية. وأصبح تصعيد العنف الإسرائيلي واقعا مفروضا على الجميع مهددا كل جهود سابقة نحو إرساء السلام في المنطقة. فالمشروع الصهيوني الاستيطاني يتجاوز الطابع الديموغرافي والعمراني لاعتباره أداة مركزية في ترسيخ السيادة الإسرائيلية على الأراضي المحتلة منذ عام 1967، وخصوصا في الضفة الغربية والقدس الشرقية. فالاستيطان ليس مجرد فعل استعماري ميداني، بل هو سياسة رسمية ممنهجة تتبناها الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة، بهدف فرض وقائع جيوسياسية جديدة على الأرض تقوض أي إمكانية مستقبلية لإقامة دولة فلسطينية مستقلة والسعي إلى تهويد القدس الشرقية وتغيير طابعها التاريخي والديني، والدفع نحو القبول ببدائل مثل: "الضم الجزئي أو الكامل" أو "الحكم الذاتي المحدود للفلسطينيين".20
لقد تبنت إسرائيل، عبر حكوماتها المتعاقبة، سياسات تهدف إلى تعزيز الهيمنة اليهودية على مجمل الأراضي التي تسيطر عليها، بما في ذلك الأراضي الفلسطينية المحتلة. ويتجلى هذا التوجه بشكل واضح في قانون "الدولة القومية للشعب اليهودي" الذي أقره الكنيست الإسرائيلي عام 2018، والذي يرسخ الطابع اليهودي للدولة، ويمنح حق تقرير المصير في البلاد حصريا لليهود، ويعلي من شأن الاستيطان اليهودي باعتباره "قيمة وطنية ينبغي تطويرها وتعزيزها".21 كما ركزت هذه السياسات والقرارات على تقليص الحضور الفلسطيني في المساحات الحيوية، عبر حصرهم في جيوب سكانية مكتظة، تفتقر إلى التخطيط والخدمات الأساسية، مع قيود صارمة على التوسع العمراني والوصول إلى الأراضي. في المقابل، يتم توجيه الموارد لتوسيع وتطوير المستوطنات اليهودية؛ مما يعمق من الفجوة بين التجمعات السكانية الفلسطينية والإسرائيلية، ويكرس واقعا من التمييز الهيكلي، وقمع الفلسطينيين، وتصعيد التمييز المجحف لفئة عرقية على حساب فئة عرقية أخرى؛ بقصد إدامة النظام الإسرائيلي المحتل مرتكبا جرائم تمثل انتهاكا لحقوق الإنسان؛ إضافة إلى جريمة الفصل العنصري (الأبرتهايد) على الفلسطينيين السكان الأصليين للأرض.22
ويمكن القول: إن إسرائيل لديها مشروع استيطاني مغلف بالنزعة الدينية تهدف إلى تحقيقه بكافة السبل دون الإنصات إلى أي أصوات معارضة، ففي 2023 قام الجيش الإسرائيلي بعد أحداث 7 أكتوبر 2023 بالاستيلاء خلال تسعة أشهر من جريمة الإبادة الجماعية التي ارتكبها في قطاع غزة على 26% من أراضي القطاع؛ حيث دمرت منازل الفلسطينيين، وجرفت الأراضي الزراعية، وأقيمت بنى تحتية عسكرية تشمل قواعد جديدة وطرقا استراتيجية.23 كذلك في يناير 2024 أعلنت إسرائيل عن عقد المؤتمر الأول للاستيطان؛ حيث دعا المشاركون في المؤتمر إلى إنشاء غزة جديدة كجزء من الرؤية الاستيطانية الموسعة في كل قطاع غزة بدعوة من حزب الليكود (اليميني المتطرف) إلى هذا المؤتمر، والذي يقوده رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو؛ إضافة إلى وزراء ونواب ونشطاء من أحزاب يمينية أخرى.24 كما أعلنت الحكومة الإسرائيلية في ( مايو 2025) عن إنشاء 22 مستوطنة جديدة في الضفة الغربية المحتلة، بما في ذلك البؤر الاستيطانية التي بنيت بالفعل دون تصريح حكومي وذلك بعد تصويت سري من مجلس الوزراء الأمني باقتراح من وزير الدفاع المتطرف إسرائيل كاتس (Israel Katz) ووزير المالية بتسلئيل سموتريتش (Bezalel Smotrich) الذي يسكن في مستوطنة كيدوميم بالضفة الغربية والتي تعتبر غير شرعية بموجب القانون الدولي.25
موقف منظمة الأمم المتحدة والإدارات الأمريكية المتعاقبة
والحجج الإسرائيلية من الاستيطان في فلسطين
تعد قضية المستوطنات الإسرائيلية في الأراضي الفلسطينية المحتلة منذ عام 1967 من أكثر القضايا تعقيدا في مسار الصراع الفلسطيني - الإسرائيلي؛ نظرا لما تمثله من انتهاك واضح وصارخ لقواعد القانون الدولي الإنساني، وكونها أحد العوامل الهيكلية التي تحول دون إقامة دولة فلسطينية مستقلة. وقد شكلت هذه المسألة محورا رئيسا في المداولات الدولية؛ حيث تنوعت مواقف الدول والمنظمات الإقليمية والدولية بين الرفض والإدانة الصريحة، والمواقف المواربة التي تعكس حسابات استراتيجية وسياسية معقدة. ويعد موقف الولايات المتحدة الأمريكية أحد أهم العوامل المؤثرة في هذه القضية المعقدة؛ فهي لا تعكس مدى الالتزام بالشرعية الدولية فقط، بل تعد مؤشرا مهما على التوازنات والتحالفات السياسية القائمة في النظام الدولي.
نستعرض خلال هذا الجزء من الدراسة مواقف المنظمات الدولية والولايات المتحدة الأمريكية تجاه المستوطنات الإسرائيلية في الأراضي الفلسطينية المحتلة، وتحديد أبرز الاتجاهات الرسمية التي تبنتها المنظمات الدولية، وكذا الإدارات المتعاقبة في الولايات المتحدة، مع رصد التغيرات التي طرأت على هذه المواقف، ومدى انعكاس ذلك على مستقبل القضية الفلسطينية، وإمكانية التوصل إلى تسوية عادلة تستند إلى قرارات الشرعية الدولية.
المطلب الأول
موقف منظمة الأمم المتحدة من الاستيطان في الأراضي الفلسطينية المحتلة
منذ اندلاع الصراع الفلسطيني - الإسرائيلي وتوسع الاحتلال الإسرائيلي في الأراضي الفلسطينية، برزت قضية الاستيطان كأحد المحاور الجوهرية التي تعرقل مسار التسوية بين الطرفين، وشكلت تحديا أمام الجهود الدولية الرامية لتحقيق السلام. فقد شهدت الضفة الغربية والقدس الشرقية توسعا ملحوظا في بناء المستوطنات الإسرائيلية؛ مما أثار جدلا واسعا على المستويين القانوني والسياسي، خاصة في ظل التأكيدات المتكررة من قبل المجتمع الدولي على عدم شرعية هذه الأنشطة الاستيطانية. ويستند هذا الموقف إلى قواعد القانون الدولي، خاصة المادة 49 من اتفاقية جنيف الرابعة (1949) التي تنص على أنه: "لا يجوز لدولة الاحتلال أن ترحل أو تنقل جزءا من سكانها المدنيين إلى الأراضي التي تحتلها."؛ كذلك أكدت العديد من قرارات مجلس الأمن والجمعية العامة للأمم المتحدة هذا المبدأ، كما تناولت أحكام محكمة العدل الدولية هذا الأمر معتبرة الاستيطان الإسرائيلي غير قانوني ويشكل عقبة أمام تحقيق السلام العادل والدائم، في هذا الجزء من الدراسة نستعرض المواقف لبعض لمنظمات والمؤسسات الدولية؛ سواء المؤيدة أم الرافضة لفكرة إقامة المستوطنات الإسرائيلية في الأراضي المحتلة بفلسطين والتي من أهمها:
أولا: موقف الأمم المتحدة وأجهزتها من المستوطنات الإسرائيلية في فلسطين:
تبنت الأمم المتحدة موقفا رافضا للاستيطان الإسرائيلي في الأراضي الفلسطينية المحتلة بما في ذلك القدس الشرقية؛ حيث اعتبرت الاستيطان انتهاكا لقواعد القانون الدولي وحجر عثرة أمام الوصول للسلام الدائم بين أطراف القضية.
كذلك أوضح تقرير الأمين العام - الذي يغطي الفترة ما بين الأول من حزيران/ يونيو 2023 و31 أيار/ مايو 2024 - تأكيد مجلس الأمن على أن سياسة الاستيطان الإسرائيلية تعد عائقا كبيرا أمام تحقيق حل الدولتين، وأشار أيضا إلى أن محكمة العدل الدولية أعلنت أن إسرائيل يجب أن توقف على الفور جميع أنشطة الاستيطان الجديدة.27، وأهم ما نص عليه التقرير يتلخص في:
ويمكن القول: إنه رغم عدم التزام إسرائيل بما ورد في القرار 2334/2016 إلا أن القرار أوضح حقيقة الاحتلال الإسرائيلي للمجتمع الدولي، وكان حاسما في تأكيده على عدم شرعية الاستيطان وإدانته، ولم يترك مجالا للتفاوض حول شرعية المستوطنات، وأنه أعاد التأكيد على أن الاستيطان الإسرائيلي في الأراضي الفلسطينية يشكل انتهاكا صارخا بموجب القانون الدولي، كما أظهر التعنت الإسرائيلي تجاه إيجاد حلول للقضية الفلسطينية، وأن دولة الاحتلال الإسرائيلي لا تهتم بموضوع الحل السلمي، وفي ذات الوقت أظهر مدى التزام الطرف الفلسطيني واحترامه لاعتبارات القانون الدولي ورغبته في إرساء حل سلمي.
لم يختلف موقف الجمعية العامة للأمم المتحدة عن موقف مجلس الأمن من بناء المستوطنات الإسرائيلية في الأراضي الفلسطينية المحتلة؛ ففي 18 سبتمبر 2024 خلال الدورة الاستثنائية الطارئة العاشرة للجمعية العامة للأمم المتحدة حول فلسطين، صوتت الجمعية العامة للأمم المتحدة لصالح القرار الذي جاء بعد الرأي الاستشاري لمحكمة العدل الدولية في يوليو 2024 الذي وصف استمرار الاحتلال الإسرائيلي للأراضي الفلسطينية بأنه غير قانوني؛ حيث طالب هذا القرار إسرائيل بإنهاء احتلالها للأراضي الفلسطينية، بما في ذلك القدس الشرقية وتفكيك المستوطنات32.
عبرت محكمة العدل الدولية عن موقفها بشكل رسمي في الفتوى الاستشارية الصادرة في 9 يوليو 2004 بشأن "الآثار القانونية لبناء جدار في الأرض الفلسطينية المحتلة"؛ حيث قضت بأن: "إن إقامة إسرائيل للمستوطنات في الأراضي الفلسطينية المحتلة (بما فيها القدس الشرقية) تمثل خرقا للقانون الدولي.33
غير أن إسرائيل رفضت الرأي الاستشاري بالكامل، واعتبرته منحازا سياسيا وغير متوازن، وأن محكمة العدل الدولية لم تأخذ بعين الاعتبار الاعتبارات الأمنية المرتبطة بالجدار، وأن المستوطنات مسألة قانونية وسياسية يجب أن تحسم في المفاوضات، لا في المحاكم الدولية واستمرت في بناء الجدار وتوسيع المستوطنات بعد صدور الفتوى. ويمكن القول: إنه على الرغم من أن الرأي الاستشاري لمحكمة العدل الدولية يبدو في ظاهرة داعما للموقف الفلسطيني إلا أنه بنظرة فاحصة سنجد أنه قد أضر بالقضية الفلسطينية؛ حيث إن محكمة العدل الدولية في حيثيات قرارها هذا، أعطت إسرائيل الحق في بناء الجدار داخل حدودها (حدود الرابع من يناير/ حزيران 1967)، وهو ما يعد سابقة قانونية جسيمة، تمثلت باعتراف القانون الدولي ولأول مرة، بأن تلك الحدود، هي حدود دولة إسرائيل، وليست تلك التي حددها قرار التقسيم 29/11/1947، والذي بموجبه حظيت إسرائيل على شرعية وجودها الدولية، وإليه استندت في إعلان دولتها.34
ومن ثم؛ فقد بحثت المحكمة في اختصاصها في إبداء الرأي في هاتين المسألتين ورأت المحكمة أنهما مسائل قانونية، وفي ضوء ما تقدم، خلصت المحكمة إلى أن الطلب قد قدم وفقا لأحكام الميثاق والنظام الأساسي للمحكمة، وبالتالي؛ فإن لها اختصاص إصدار الفتوى المطلوبة.37 ومن الملاحظات التي لاحظتها المحكمة في طلب الفتوى الذي اعتمدته الجمعية العامة في 30 كانون الأول/ ديسمبر 2022، أنه تناول سياسات وممارسات إسرائيل "المستمرة" أو "المتواصلة". وبالتالي؛ فإن المحكمة رأت أن السياسات والممارسات المتوخاة في طلب الجمعية العامة لا تشمل سلوك إسرائيل في قطاع غزة ردا على الهجوم الذي نفذته حماس والجماعات المسلحة الأخرى ضدها في 7 تشرين الأول/ أكتوبر 2023، كما أشارت المحكمة إلى أن تأثير هذه الممارسات والسلوكيات قد يؤدي إلى تغير الأوضاع القانونية، وأوضحت أنها "ستدرس النتائج القانونية المترتبة على هذه النتائج بالنسبة إلى إسرائيل والدول الأخرى والأمم المتحدة". وخلصت المحكمة في رأيها إلى عدم قانونية استمرار الوجود الإسرائيلي في الأراضي الفلسطينية المحتلة، وأن هذا الوجود هو عمل غير مشروع يترتب عليه مسؤوليتها الدولية وإنهائها لوجودها في الأراضي الفلسطينية بأسرع ما يمكن.38
كذلك؛ فهي ملزمة بوضع حد للأعمال غير القانونية، ووقف جميع الأنشطة الاستيطانية الجديدة على الفور، وإلغاء جميع التشريعات التي تنشئ أو تحافظ على هذا الوضع غير القانوني، بما في ذلك تلك التي تميز ضد الفلسطينيين في الأرض الفلسطينية المحتلة وجميع التدابير التي تهدف إلى إحداث تغييرات ديموغرافية في الأرض الفلسطينية المحتلة، كما وجدت المحكمة أن دولة إسرائيل ملزمة بتقديم تعويضات عن الأضرار التي لحقت بجميع الأشخاص الطبيعيين أو الاعتباريين المعنيين في الأرض الفلسطينية المحتلة، وأن جميع الدول ملزمة بعدم الاعتراف بالوجود القانوني لدولة إسرائيل في الأرض الفلسطينية المحتلة، وعدم تقديم المساعدة لدولة إسرائيل في الأرض الفلسطينية المحتلة39.
جدير بالذكر، أن قرارات محكمة العدل الدولية ملزمة ونهائية فيما يتعلق بالدول ويمكن التقدم باستئناف ضدها وفقا للمادة 94-1 من الميثاق، والمادة 60 من النظام الأساسي، ولمجلس الأمن السلطة، بناء على طلب الدولة المتضررة، لتنفيذ تدابير خاصة لإنفاذ الحكم الصادر من محكمة العدل الدولية وفقا لما جاء بالمادة 94-2 من الميثاق، أما بالنسبة لآرائها الاستشارية فهي غير ملزمة، ورغم ذلك؛ فإن لها أهمية كبرى؛ حيث تعبر عن تفسير رسمي للقواعد القانونية وتساهم في توجيه السياسات الدولية.40
الحجج الإسرائيلية وموقف الولايات المتحدة من الاستيطان عبر الإدارات المتعاقبة
أولا: الحجج الإسرائيلية بشأن شرعية المستوطنات:
تطرح إسرائيل مجموعة من الحجج القانونية والسياسية والدينية لتبرير استمرارها في بناء وتوسيع المستوطنات في الأراضي الفلسطينية المحتلة. وأولى هذه الحجج؛ هي أن الضفة الغربية تعد - وفق الرؤية الإسرائيلية الرسمية – "أراض متنازع عليها" وليست "محتلة"، لغياب سيادة قانونية معترف بها عليها قبل عام 1967، وهو ما ينفي – حسب الرواية الإسرائيلية المزيفة – انطباق صفة الاحتلال بمفهوم القانون الدولي الإنساني41.
كما ترى إسرائيل أن الاستيطان على الأراضي الفلسطينية المحتلة مستمد من الانتداب على فلسطين عام ١٩٢٢، وأن مطالبة إسرائيل بهذه الأراضي وبناء المستوطنات علیها هو حق لن تتنازل عنه إسرائيل؛ وذلك لطالما أن هذا الحق مستمد من وجود الیهود على هذه البقعة على مر الزمان. إلا أن محكمة العدل الدولية وجدت أن هذه الرواية التاريخية ما هي إلا عنوان مثير للجدل إلى حد كبير، ولا يمكن لتلك الرواية أن تنشئ حقا، مع الأخذ بعين الاعتبار العديد من المتغيرات المهمة الأخرى في الواقع والقانون.42
كما تشير إسرائيل إلى أن اتفاقيات أوسلو (1993–1995) لم تحظر صراحة بناء المستوطنات، بل أجلت بحث مصيرها إلى مفاوضات الوضع النهائي، ما يفهم منه ضمنا أن النشاط الاستيطاني غير مقيد قانونيا في هذه المرحلة.43 كما تضيف السردية الإسرائيلية أن بعض المستوطنات تقع في مواقع استراتيجية تخدم الأمن القومي الإسرائيلي، ولا سيما في غور الأردن والمرتفعات، والتي ترى فيها إسرائيل خطوط دفاع متقدمة ضد التهديدات المحتملة، إلى جانب ذلك، تسوق جهات دينية – قومية حجة الارتباط التاريخي والديني بالمكان، وتعتبر مناطق مثل 'يهودا والسامرة' امتدادا للحق التاريخي لليهود في الإقامة بهذه الأرض.44
ولم تكتف إسرائيل بهذه الحجج، بل حرفت الاتفاقيات الدولية عندما ادعت أنه من الزاوية القانونية؛ فإن المادة 49(6) من اتفاقية جنيف الرابعة لا تحظر الهجرة الطوعية لمواطني الدولة المحتلة إلى المناطق المحتلة، بل تقصد التهجير القسري، وبالتالي لا تنطبق على الوضع في الضفة الغربية؛ لذا ترى أن نقل أفراد مدنيين يهود للسكن في الضفة الغربية لا يخالف القانون الدولي.45
إضافة إلى ما سبق من حجج؛ فإن الرؤية الإسرائيلية غير المعلنة هي أن "إسرائيل" تعتقد أن التوسع في بناء المستوطنات في الأراضي الفلسطينية المحتلــة؛ يجعــل موقفهــا أكثــر قــوة وصلابـة في أي مفاوضـات سـلام مسـتقبلية لحـل الـصراع العـربي "الإسرائيلي"، ويعطيهـا أفضليـة في حسـم المفاوضــات لصالحهــا وتسريــع حركــة التطبيــع العــربي معهــا؛ لــذا فــإن "إسرائيل" تــرى في المســتوطنات المنتـشرة عـلى طـول الحـدود مـع الـدول العربيـة المجـاورة وسـيلة فعالـة في حفـظ أمنهـا الداخـلي، وتضعـف من الطموحـات الفلسـطينية في الحصـول عـلى أراض أكـبر في أي مفاوضـات سـلام ممكنـة، وتجعلهـم يرضخـون للأمـر الواقـع، كـما أن المسـتوطنات "الإسرائيليـة" تعمـل عـلى تفتيـت النسـيج الاجتماعـي والجغـرافي للمناطـق الفلســطينية، وتــؤدي إلى تغيــير التركيبــة الديموغرافيــة لتلــك المناطــق.46
وعلى الرغم من تعدد هذه الحجج، إلا أن معظم الهيئات القانونية الدولية – بما في ذلك مجلس الأمن ومحكمة العدل الدولية – ترفضها، وتعتبر الأنشطة الاستيطانية خرقا صريحا للقانون الدولي ومانعا رئيسا أمام تحقيق السلام الدائم.
في ظل التعقيدات التي تمر بها القضية الفلسطينية - بوجه عام، ومسألة الاستمرار ببناء المستوطنات في الأراضي الفلسطينية المحتلة بشكل خاص - تباينت المواقف المعلنة للولايات المتحدة من هذه القضية تبعا لمصالحها الجيوسياسية وتحالفاتها الإقليمية. ففي حين أعلنت بعض الإدارات رفضها الواضح للاستيطان واعتبرته انتهاكا للشرعية الدولية، اكتفت إدارات أخرى بمواقف ضبابية أو صمتت تماما، بل وصل الأمر أن أعلنت الإدارة الأخيرة للحكم في الولايات المتحدة دعمها استمرار بناء المستوطنات الإسرائيلية بل للاحتلال بشكل عام، وعليه سيتم استعراض هذه المواقف لفهم طبيعة التوازنات السياسية العالمية وتأثيرها على القضية الفلسطينية.
ثانيا: موقف الولايات المتحدة الأمريكية من الاستيطان في فلسطين:
أثار موقف الولايات المتحدة - أبرز الفاعلين الدوليين في النزاع الإسرائيلي - الفلسطيني – تجاه الاستيطان الإسرائيلي في فلسطين الكثير من الجدل نظرا لتداخل مصالحها الاستراتيجية مع إسرائيل من جهة، وإعلانها الدائم التزامها بالاستمرار بعملية السلام. وعند تحليل السياسة الأمريكية التي تبنتها الإدارات المتعاقبة سنجد تذبذبا واضحا بين الدعم الصريح والدعم الضمني للاستيطان.
لقد حافظت هذه الإدارات على سياسة دعم "إسرائيل"، حتى النهاية، وقدمت إدارة جونسون دعما عسكريا مباشرا لها؛ ما عزز من قوة "إسرائيل" في الشرق الأوسط، كما لم تعارض الولايات المتحدة الأمريكية بعد حرب الأيام الستة، الاحتلال الإسرائيلي للأراضي الفلسطينية، وبدأت علاقتها بـ "إسرائيل" تأخذ منحى استراتيجيا أكثر وضوحا. غير أن برنامج الاستيطان كان آنذاك في بداياته خلال رئاسة "ليندون جونسون" والذي أعلن - قبل مغادرته منصبه بفترة وجيزة في 10 سبتمبر 1968 - أنه يجب على الحكومات العربية إقناع إسرائيل والمجتمع الدولي بأنها تخلت عن فكرة تدمير إسرائيل، ولكن بالمثل يجب على إسرائيل إقناع جيرانها العرب والمجتمع الدولي أن إسرائيل ليس لديها خطط توسعية على أراضيهم.47
ويمكن القول: إنه خلال مراجعة مواقف الإدارات الأمريكية خلال الفترة التي سبقت الإشارة إليها، أنها كانت داعمة وبشكل واضح لإسرائيل من مختلف النواحي، وأنها كانت تقدم الدعم لإسرائيل للاستمرار في مخططاتها الاستيطانية.
شهدت العلاقات مع "إسرائيل" خلال هذه الفترة تعزيزا من ناحية الدعم العسكري؛ إذ زودت إسرائيل بأحدث الأسلحة الأمريكية، ومع ذلك، طرحت الولايات المتحدة في هذه الفترة فكرة حل الدولتين، لكن لم يترجم ذلك إلى مبادرات ملموسة لدعم إقامة دولة فلسطينية. حيث وصف نائب المستشار القانوني لوزارة الخارجية الأمريكية آنذاك "جورش إتش الدرتش" في أبريل 1973 إسرائيل بصفتها محتلة للأراضي التي استولت عليها خلال القتال في 1967 إنها ملزمة باتفاقية جنيف الرابعة التي تحمي المدنيين، غير أن إسرائيل ترفض تطبيق الاتفاقية.
وفي جلسة مجلس الأمن بشأن القرار 298 سبتمبر 1971 عبر الممثل الدائم للولايات المتحدة لدى الأمم المتحدة عن أسف الولايات المتحدة لفشل إسرائيل في الاعتراف بالتزاماتها بموجب اتفاقية جنيف الرابعة، وكذلك أفعالها التي تتعارض مع نص وروح هذه الاتفاقية، ووضح اعتراض الولايات المتحدة على مصادرة الأراضي وبناء المساكن عليها وهدم المباني أو مصادرتها وتطبيق القانون الإسرائيلي على الأجزاء المحتلة من المدينة وأنها كلها أمور تضر بالمصالح المشتركة بينهم.48
تميزت إدارة جيمي كارتر بحدث مهم وهو نجاح الولايات المتحدة في التوسط لاتفاقية كامب ديفيد بين مصر و"إسرائيل"، وكانت المرة الأولى التي تطرح صراحة فكرة إقامة دولة فلسطينية، وكثيرا ما أعلنت إدارة الرئيس جيمي كارتر أن العقبة الرئيسة أمام حل الدولتين القابل للتطبيق تتمثل في استمرار وجود وتوسع المستوطنات والبؤر الاستيطانية الإسرائيلية في الضفة الغربية، بما فيها القدس الشرقية. حيث أنشأت إسرائيل بنية تحتية دائمة في الضفة الغربية، تتميز بشبكة من الطرق المخصصة للمستوطنين فقط، ونقاط التفتيش، والجدار الفاصل لجعل تلك المناطق ومناطق أخرى مغلقة أمام الفلسطينيين؛ بحيث تعزل شبكة المستوطنات التجمعات الفلسطينية عن بعضها البعض، وهو ما كان له أثر مدمر على الحياة الاجتماعية والاقتصادية للفلسطينيين في الضفة الغربية.49 غير أنه من المفارقات أن هذه الفترة شهدت أيضا رفض الولايات المتحدة قرار الأمم المتحدة رقم (446) الذي يدين المستوطنات الإسرائيلية، وهو ما يؤكد أن الذي يحرك الولايات المتحدة في اتخاذها أي قرارات هي مصالحها الخاصة وليس شيئا آخر.
يمكن اعتبار إدارة ريغان، أنها الإدارة التي بدأت تنظر إلى إسرائيل كقوة استراتيجية في المقام الأول خلال الحرب الباردة؛ حيث اتفقت الولايات المتحدة وإسرائيل على مذكرة تفاهم بشأن التعاون الاستراتيجي "لردع جميع التهديدات من الاتحاد السوفيتي للمنطقة"، كما تراجع الرئيس ريغان ووزير الخارجية ألكسندر هيغ عن جهود إدارة كارتر لبدء محادثات حول الحكم الذاتي الفلسطيني، ورفض ريغان معارضة سلفه للمستوطنات الإسرائيلية. وقال ريغان في مؤتمر صحفي عقد في فبراير/ شباط 1981: "أما فيما يتعلق بالضفة الغربية والمستوطنات فيها، فأنا أختلف مع الإدارة السابقة التي وصفتها بأنها غير قانونية. إنها ليست غير قانونية - ليست كذلك بموجب قرارات الأمم المتحدة التي تجعل الضفة الغربية مفتوحة للجميع، عربا وإسرائيليين على حد سواء".50
ورغم أن هذه الإدارة تبنت موقفا أقل حدة فلم تعلن الولايات المتحدة في البدء صراحة عدم قانونية المستوطنات الإسرائيلية في فلسطين، لكنها في ذات الوقت اعتبرتها غير مفيدة لعملية السلام، ويشكل موقف إدارة ريجان تحولا مهما في الموقف الأمريكي؛ إذ بدأت واشنطن تتراجع عن وصف الاستيطان بأنه غير قانوني، مفسحة المجال لخطاب أكثر مرونة تجاه السياسات الإسرائيلية؛ حيث صرح وزير الخارجية "جورج شولتز" في بيان أمام لجنة الشؤون الخارجية (مجلس النواب)، في 10 سبتمبر 1982 أنه: "يجب تحديد وضع المستوطنات الإسرائيلية في سياق مفاوضات الوضع النهائي، وأنه لن يتم تدعيم استمرارها كبؤر استيطانية خارج الحدود الإقليمية، ولكن لن يتم أيضا تدعيم الجهود المبذولة لحرمان اليهود من فرصة العيش في الضفة الغربية وغزة تحت السلطة الحكومية المشكلة هناك، كما يعيش العرب في إسرائيل".51 كما صرحت إدارة ريغان، في 1 سبتمبر 1982 أن: "الولايات المتحدة لن تدعم استخدام أي أرض إضافية لغرض المستوطنات خلال الفترة الانتقالية واعتبرت أن التبني الفوري لتجميد المستوطنات من قبل إسرائيل، أكثر من أي إجراء آخر، يمكن أن يخلق الثقة اللازمة لمشاركة أوسع في هذه المحادثات وأن المزيد من النشاط الاستيطاني ليس ضروريا بأي حال من الأحوال لأمن إسرائيل، بل إنه يقلل فقط من ثقة العرب في إمكانية التوصل إلى نتيجة نهائية عن طريق التفاوض الحر والعادل.52
5. موقف إدارة جورج بوش (الأب) 1989- 1993 تجاه الاستيطان الإسرائيلي:
رغم الانتقادات التي وجهت لسياسات جورج بوش (الأب والابن) تجاه الدول العربية إلا أن إدارة جورج بوش (الأب) اتخذت موقفا حازما ضد التوسع الاستيطاني في الأراضي الفلسطينية المحتلة، ودعمت قرارات مجلس الأمن (681، 726، 799) والتي أشارت جميعها إلى انطباق اتفاقية جنيف الرابعة على الأراضي الفلسطينية المحتلة من قبل إسرائيل53. كما أنه دعا إلى تجميد البناء والعودة إلى حدود عام 1967 كأساس لمفاوضات السلام، ورغم أن إدارة بوش (الأب) لم تتمكن من وقف نمو المستوطنات بشكل كامل؛ إلا أنها مارست ضغوطا دبلوماسية وعارضت باستمرار مثل هذه الإجراءات باعتبارها عائقا أمام السلام، ولأول مرة تطالب الولايات المتحدة بتجميد النشاط الاستيطاني، في عام 1991، عندما أصر الرئيس، جورج بوش (الأب)، على تجميد المستوطنات كشرط لمنح ضمان قرض إسكان قيمته (10) مليارات دولار إلى إسرائيل، لاستيعاب اليهود السوفييت بسبب التوسع الاستيطاني الإسرائيلي، لكن هذا الموقف جوبه بالرفض من قبل أعضاء الكونغرس، بمن فيهم جميع المرشحين للرئاسة من الديمقراطيين، الذين هاجموا الرئيس بوش ودعوه إلى منح ضمان القروض من دون شروط، وفي نهاية المطاف أذعن الرئيس بوش لمطالبهم نتيجة ضغط اللوبي الصهيوني في الولايات المتحدة الأمريكية من جهة، وأعضاء الكونغرس الأمريكي الداعمين وبقوة للسياسات الإسرائيلية من جهة ثانية.54
وعلى الرغم من ردود الفعل العنيفة من إسرائيل واللوبي الأمريكي المؤيد لإسرائيل، حسم بوش النزاع في النهاية، في مؤتمر مدريد عام 1991 الذي عقد بهدف إحلال السلام بين الدول العربية وإسرائيل؛ حيث شهد جلوس الطرفين إلى طاولة المفاوضات للمرة الأولى منذ مؤتمر جنيف 1973 وطرح فيه لأول مرة مصطلح "الأرض مقابل السلام"، واعتبرت الولايات المتحدة أن مبدأ "مناطق في مقابل السلام" هو جوهر قرار مجلس الأمن 142 وكذلك جوهر العملية السلمية وهو ما أعلنه الرئيس جورج بوش أمام الكونجرس وأمام الجمعية العامة التابعة للأمم المتحدة في سبتمبر 1991.55 غير أن إسرائيل رفضت هذا التفسير وأصرت على أن القرار يتحدث عن بعض المناطق المحتلة وليس كلها في مقابل السلام وأنها بالفعل نفذت ذلك بانسحابها من سيناء، وهي ليست ملزمة بموجب القرار بالانسحاب من الضفة الغربية وقطاع غزة والجولان، وأنها لا تنوي أن تفعل ذلك مطلقا، وهو ما اعترضت عليه الولايات المتحدة، غير أنه في النهاية استجابت الولايات المتحدة جزئيا للمطالب الإسرائيلية، ومنها الموافقة على أن هناك تفسيرات مختلفة لقرار مجلس الأمن (1242)، وأن تلك التفسيرات ستطرح خلال المفاوضات.56 وعلى الرغم من المحاولات الأمريكية في مسألة حصول إسرائيل على ضمانات القرض؛ فإنها لم تنجح في الحصول على موافقة إسرائيل على تجميد الاستيطان، وكانت النتيجة أنها قبلت ببدء المفاوضات مع استمرارا الاستيطان وأرغمت الفلسطينيين والعرب بقبول ذلك مع وعود باستمرار الضغط على إسرائيل من أجل إيقاف الاستيطان بعد بدء المفاوضات، بل وصل الأمر بإسرائيل أن تطلب من الولايات المتحدة ضمانات بعدم التدخل في المفاوضات الثنائية المباشرة بينها وبين الدول العربية والفلسطينيين وهو ما رفضته الولايات المتحدة.57
6- موقف إدارتي: بيل كلينتون (1993-2001)، وجورج دبليو بوش(الابن) (2001-2009) تجاه الاستيطان الإسرائيلي:
تميزت فترة الرئيس بيل كلينتون بتوقيع اتفاق أوسلو في 13 سبتمبر 1993 في البيت الأبيض بحضور كل من الرئيس الفلسطيني ياسر عرفات ورئيس الوزراء الإسرائيلي إسحاق رابين، وبناء على هذا الاتفاق تم إنهاء النزاع المسلح بين منظمة التحرير وإسرائيل، وتم الترتيب لإقامة سلطة وطنية فلسطينية في الضفة الغربية وغزة، كما نص الاتفاق على تأجيل المفاوضات بشأن الوضع النهائي لمدينة القدس وقضية اللاجئين والمستوطنات والحدود والمياه إلى المرحلة الثالثة والأخيرة، غير أن إسرائيل أعلنت بعدها في أغسطس/ آب 1994 أن القدس الموحدة ستبقى عاصمة إسرائيل الأبدية وذلك بموافقة الكنيست الإسرائيلي بالأغلبية، وهو ما يعتبر أول إخفاق واجهته إدارة كلينتون فيما يتعلق باتفاق أسلو، فبينما لعبت إدارة الرئيس بيل كلينتون دورا محدودا في إبرام اتفاق أوسلو، إلا أنها استثمرت قدرا هائلا من الوقت والموارد لمساعدة إسرائيل والفلسطينيين على تنفيذه، إلا أنه مع مغادرة كلينتون منصبه، كانت عملية السلام قد تعثرت، وبدأت جولة جديدة من العنف الإسرائيلي - الفلسطيني.58
كما تم التمييز خلال فترة رئاسة كل من الرئيسين (كلينتون) و(جورج دبليو بوش) (الابن) بين المستوطنات التي ستصبح في نهاية المطاف أراض إسرائيلية ذات سيادة في أي اتفاق تفاوضي (أي الكتل الاستيطانية الكبيرة المتاخمة لخطوط ما قبل عام 1967) والمستوطنات النائية الواقعة بعيدا عن الخط الأخضر، وأقر كلاهما مبدئيا بأن أي اتفاق تفاوضي لحل الدولتين بين الإسرائيليين والفلسطينيين سيتضمن ضم إسرائيل لبعض المستوطنات، نظرا للوقائع على الأرض.59
وقد اعترف كلينتون بهذا الأمر في مبادئه التوجيهية لعام 2000 بشأن مفاوضات الوضع الدائم بين إسرائيل والفلسطينيين (المعروفة باسم معايير كلينتون)، بينما كتب بوش في رسالة عام 2004 إلى رئيس الوزراء الإسرائيلي أرييل شارون أنه: "في ضوء الحقائق الجديدة على الأرض، بما في ذلك المراكز السكانية الإسرائيلية الكبرى القائمة بالفعل، فمن غير الواقعي أن نتوقع أن تكون نتيجة مفاوضات الوضع النهائي عودة كاملة وشاملة إلى خطوط الهدنة لعام 1949".60
وفي 26 مايو عام 2005، تحدث بوش (الابن) مع الرئيس الفلسطيني محمود عباس مصرحا بأنه لا ينبغي لإسرائيل القيام بأي نشاط يخالف التزامات خارطة الطريق أو يخل بمفاوضات الوضع النهائي المتعلقة بغزة والضفة الغربية والقدس. ومثل كل رؤساء الولايات المتحدة، انتقد كلينتون وبوش المستوطنات الإسرائيلية باعتبارها عائقا أمام السلام، ومع ذلك؛ فقد ميزت الإدارتان تمييزا سياسيا واضحا بين المستوطنات "المقبولة" التي ستصبح في نهاية المطاف جزءا من إسرائيل، وباقي المستوطنات الأخرى.61 ويمكن القول: إنه في حين اتسمت فترة الرئيس كلينتون بالمحاولات لجعل الولايات المتحدة تبدو متوازنة في إدارتها للقضية الفلسطينية، رسخت سياسات إدارة الرئيس جورج بوش (الابن) لسياسة الاستيعاب الإسرائيلي للأراضي الفلسطينية؛ حيث واصلت إسرائيل مخططاتها الاستيطانية وتشييد الجدار العازل دون مراعاة لحدود 1967، ولم تقم بإزالة المستوطنات التي أنشئت في الأراضي الفلسطينية من قبل المستوطنين والتي أشارت إليها إسرائيل على أنها بؤر استيطانية غير مرخصة مع استمرار تقيد حركة الفلسطينيين في جميع أنحاء الأراضي الفلسطينية المحتلة، وضاعفت من صعوبة الحياة عليهم وخاصة بعد فشل خارطة الطريق للسلام.62
لقد أظهرت سياسة إدارة الرئيس الأميركي جورج بوش الابن (2001–2009) تجاه المستوطنات الإسرائيلية ميلا واضحا نحو تغليب "الواقع السياسي"، مقارنة بالإدارات السابقة التي تمسكت علنا بعدم شرعية الاستيطان وفق القانون الدولي، فعلى الرغم من إعلان التزامه بمبدأ "حل الدولتين" ودعمه الرسمي لخطة "خارطة الطريق"63؛ فقد تضمنت سياساته توجها يتيح القبول الضمني ببقاء بعض الكتل الاستيطانية الكبرى في الضفة الغربية في إطار أي اتفاق نهائي، وهو ما ظهر جليا وبوضوح في الرسالة التي بعث بها بوش إلى رئيس الوزراء الإسرائيلي أرييل شارون في 14 نيسان/ أبريل 2004، والتي نصت على أنه: "من غير الواقعي توقع أن تكون نتيجة المفاوضات النهائية هي العودة الكاملة إلى خطوط الهدنة لعام 1949".64 علاوة على ذلك، أيدت إدارة بوش خطة "فك الارتباط" التي طرحها شارون في عام 2005، بسبب تكثيف المقاومة الفلسطينية نتيجة الحصار المفروض على غزة والضفة الغربية؛ مما أدى إلى تدهور المستوى المعيشي للفلسطينيين بمرور الوقت؛ حيث تضمنت خطة "فك الارتباط" انسحاب إسرائيل من قطاع غزة وتفكيك عدد محدود من المستوطنات في شمال الضفة الغربية، في حين تم تجاهل مسألة التوسع الاستيطاني المتواصل في بقية أنحاء الضفة، وقد اعتبر هذا الموقف محاولة لتقليل الضغط الدولي عن إسرائيل، لا سيما مع السياق السياسي لما بعد الانتفاضة الثانية، وموجة الحرب على الإرهاب، والتركيز الأمريكي على ملفات إقليمية أخرى، كالحرب على أفغانستان والعراق.65 ويمكن القول: إن إدارة الرئيس بوش (الابن) مثلت تحولا نوعيا في الموقف الأمريكي الرسمي؛ إذ تضمنت تلك الرسالة اعترافا غير مباشر بشرعية بعض "الحقائق على الأرض"، أي الكتل الاستيطانية الكبرى، الأمر الذي اعتبر سابقة في السياسة الأمريكية الرسمية.
7 - موقف إدارة باراك أوباما (2009–2017) تجاه الاستيطان الإسرائيلي:
بدأ الرئيس أوباما فترة ولايته بداية قوية فيما يتعلق بصنع السلام بين الإسرائيليين والفلسطينيين، ودعا إلى إنهاء بناء المستوطنات الإسرائيلية، وتبنت إدارته موقفا نقديا تجاه الاستيطان الإسرائيلي، معتبرة إياه عقبة أمام حل الدولتين، وأظهر معارضة لمشروع الاستيطان في (يهودا والسامرة) في بداية ولايته. وتجلى ذلك في عدد من جولات المحادثات مع إسرائيل حول هذه القضية الفلسطينية ومحاولاته لإعادة الطرفين مرة أخرى إلى طاولة المفاوضات غير أن الأمور تدهورت مرة أخرى لأسباب تعود بالأساس لقضية المستوطنات؛ الأمر الذي ترتب عليه انسحابه عمليا من القضية.66
ورغم ذلك، وفي عام 2011، استخدمت الولايات المتحدة حق النقض (الفيتو) ضد قرار في مجلس الأمن يدين المستوطنات، رغم معارضتها – ظاهريا - لها. كما قامت الولايات المتحدة الأمريكية في ديسمبر 2016، بالامتناع عن التصويت على قرار مجلس الأمن رقم 2334، الذي أدان المستوطنات واعتبرها "انتهاكا صارخا للقانون الدولي"؛ مما سمح بتمريره.67 وتتجلى أهمية هذا القرار في أنه يعد أول قرار لمجلس الأمن منذ عام 1980 (القرار 465) الذي يركز على المستوطنات، وتأكيده على نفس الاستنتاجات القانونية القديمة، رغم التغييرات الكبيرة على أرض الواقع في ضوء التوسع الهائل للمستوطنات على مدى العقود الأربعة الماضية. ويوضح القرار مجددا وجهة نظر مجلس الأمن القائلة بأن أي انحراف عن حدود عام 1967 لا يمكن الاتفاق عليه إلا في مفاوضات الوضع النهائي بين الطرفين الفلسطيني والإسرائيلي، ولا يسمح المجلس بأي افتراضات حول مستقبل الكتل الاستيطانية الكبيرة، التي جادلت إسرائيل بوجوب بقائها تحت سيطرتها في أي اتفاق مستقبلي.68 رغم هذه المواقف، استمرت إسرائيل في التوسع في بناء المستوطنات خلال فترة أوباما؛ حيث أظهرت بيانات إسرائيلية زيادة في البناء الاستيطاني مقارنة بفترة إدارة بوش؛ مما يعكس محدودية تأثير الضغوط الأمريكية فيما يتعلق بمسألة الاستيطان69
8 - موقف إدارة دونالد ترامب الأولى (2017–2021) تجاه الاستيطان الإسرائيلي:
اتخذت إدارة ترامب موقفا داعما للمستوطنات الإسرائيلية؛ حيث أعلن وزير الخارجية مايك بومبيو في نوفمبر 2019 أن الولايات المتحدة لم تعد تعتبر المستوطنات "مخالفة للقانون الدولي"، متراجعا عن سياسة استمرت لأكثر من أربعة عقود.70 وفي يناير 2020، كشف ترامب عن خطته للسلام، التي تضمنت ضم إسرائيل لمستوطنات في الضفة الغربية وعدم إزالتها ومنح الفلسطينيين دولة منزوعة السلاح بدون سيطرة على حدودها أو مجالها الجوي. كما تضمنت خطة ترامب سيطرة إسرائيل على القدس الموحدة وفتح سفارة للولايات المتحدة في القدس، الأمر الذي أثار غضب الفلسطينيين والعرب والمسلمين ولاقى انتقادا عالميا واسعا.71
من ناحية أخرى، أوقفت إدارة ترامب التمويل لوكالة الأمم المتحدة لإغاثة وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (الأونروا)ـ وقلصت المساعدات المباشرة للسلطة الفلسطينية؛ مما أثر سلبا على الخدمات الأساسية في الأراضي الفلسطينية.72
9 - موقف إدارة جو بايدن (2021–2025) تجاه الاستيطان الإسرائيلي:
اتجهت سياسة إدارة بايدن - منذ بداية ولايته - إلى محاولة استعادة الموقف الأمريكي التقليدي تجاه المستوطنات الإسرائيلية في الأراضي المحتلة والذي يعتبر التوسع الاستيطاني "غير متسق مع القانون الدولي ومعيقا لعملية للسلام"، وهو ما يمثل تحولا عن سياسة إدارة ترامب التي تخلت عن هذا الاتجاه وكانت داعمه ومؤيدة للاستيطان الإسرائيلي، ولم تعد تعتبر المستوطنات الإسرائيلية على أراضي الضفة الغربية التي احتلتها في حرب عام 1967 "مخالفة للقانون الدولي"، في تراجع عن أربعة عقود من السياسة الأمريكية.73
تميزت إدارة بايدن بالمعارضة القوية للتوسع الاستيطاني معتبر أنه يضعف ولا يعزز أمن إسرائيل ويقوض آفاق حل الدولتين، بل وصل الأمر إلى فرض العقوبات على المستوطنين المتطرفين المسؤولين عن أعمال العنف ضد الفلسطينيين بما في ذلك تجميد الأصول وحظر التعاملات المالية، ومنع السفر ومنح التأشيرات على مجموعات من المستوطنين المتطرفين في الضفة الغربية المحتلة، والذين يهاجمون الفلسطينيين وممتلكاتهم، وكذلك فرض عقوبات على شخصيات بارزة في المستوطنات بسبب دعمها للعنف والاستيطان غير القانوني.74
كما فرضت وزارة الخزانة الأمريكية عقوبات على منظمة "أمانا" والتي تعد أكبر منظمة متورطة في الاستيطان وتطوير بؤر الاستيطان غير القانونية في الضفة الغربية، وكذلك فرضت العقوبات على شركة "بنياني بار أمانا المحدودة" التابعة للمنظمة والتي تقوم بتطوير وبناء وبيع المنازل في المستوطنات في الضفة الغربية.75 لطالما اعترضت الولايات المتحدة على خطة الاستيطان، محذرين الإدارات الإسرائيلية المتعاقبة من المضي قدما في المشروع. وعلى الرغم من هذه الاعتراضات استمرت إسرائيل في سياساتها الاستيطانية التوسعية، وهو ما تسبب في توجيه العديد من الانتقادات الدولية لإدارة بايدن لحماية سياسة الاستيطان الإسرائيلية؛ حيث أعلنت في شهر مايو 2023 - ذات الشهر الذي أصدرت تصريحا بالاعتراض على سياسات إسرائيل الاستيطانية - أنها ستعارض قرارا يدين المستوطنات الإسرائيلية في مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة.76
10 - المواقف والإجراءات خلال الولاية الثانية للرئيس دونالد ترامب (2025– إلى تاريخه) تجاه الاستيطان الإسرائيلي:
لم تختلف سياسة ترامب الداعمة لإسرائيل خلال فترته الثانية والتي بدأت في عام 2025، فبالإضافة للإجراءات الداعمة لإسرائيل، كاعترافه بالقدس عاصمة لإسرائيل ونقله السفارة الأمريكية من تل أبيب إلى القدس، ضاربا عرض الحائط بكل الاعتراضات الدولية والعربية وكذلك القانون الدولي والشرعية الدولية؛ قدم ترامب في بداية ولايته اقتراحه بتهجير سكان قطاع غزة إلى دول أخرى مع تحويل غزة إلى منطقة حرة - منتجع سياحي - تحت إشراف أمريكي، وهو الاقتراح الذي قوبل بالرفض من الدول العربية والإسلامية، وكذلك الدول الأوروبية والمجتمع الدولي.77
ومن ناحية أخرى؛ قام ترامب بتعيين جوني مور رئيسا لمؤسسة المساعدات الإنسانية المقدمة لغزة - ومن المعروف أن مور كان له دور في قرار نقل السفارة الأمريكية إلى القدس -؛ مما أثار مخاوف بشأن حيادية المؤسسة وارتباطها بالسياسيات الأمريكية.78 بالإضافة إلى ذلك، ألغى ترامب العقوبات التي فرضتها إدارة بايدن على مستوطنين يهود متطرفين في الضفة الغربية؛ حتى في ظل تصاعد الهجمات على القرى الفلسطينية في الضفة الغربية. كما أعاد فرض العقوبات على المحكمة الجنائية الدولية بعد إصدارها مذكرات توقيف بحق مسؤولين إسرائيليين نتيجة جريمة الإبادة الجماعية على غزة.79 كذلك، لم يستبعد ترامب إمكانية نشر قوات أمريكية لدعم إعادة إعمار غزة، مشيرا إلى أن الولايات المتحدة قد تتولى "ملكية طويلة الأمد" للمنطقة وهو ما أثار قلق الحلفاء الإقليمين.80 إن فترة ولاية ترامب الثانية تعد الأسوأ للجانب الفلسطيني فيما تعلق بقضية المستوطنات؛ حيث شهدت منذ بدايتها حتى الآن (لم يكمل سنة في الحكم) دعوات بالتهجير لم تكن مطروحة علنا من قبل، وتسارعا غير مسبوق في التوسع الاستيطاني؛ إذ أعلنت الحكومة الإسرائيلية عن بناء 22 مستوطنة جديدة في مايو 2025، في الضفة الغربية، وهو ما قوبل بإدانة دولية واسعة، بما في ذلك من الأمم المتحدة والمملكة المتحدة والعديد من دول العالم، التي اعتبرت هذه الخطوة انتهاكا صارخا للقانون الدولي.81
وأخيرا يمكن القول: إن سياسة الولايات المتحدة الأمريكية المتعاقبة فيما يتعلق بالاستيطان الإسرائيلي في الضفة الغربية لا تستند إلى القانون الدولي وقرارات الشرعية الدولية، بل تحاول الوصول إلى تسوية الصراع الفلسطيني الإسرائيلي من خلال المفاوضات، من أجل الوصول إلى تسوية للقضية الفلسطينية، لكن المفارقة الواضحة أن الولايات المتحدة طيلة سنوات التفاوض، لم تتمكن من اتخاذ موقف حازم تجاه القرارات الإسرائيلية الأحادية الجانب؛ خاصة فيما يتعلق بالاستيطان الإسرائيلي الذي من شأنه خلق وقائع جديدة على الأرض الفلسطينية، والتي تتعارض مع قرارات الشرعية الدولية، وتشكل انتهاكا لقواعد القانون الدولي والقانون الدولي الإنساني، وإنما كان موقفها يقتصر على الاعتراض على استمرار الاستيطان الإسرائيلي باعتباره يشكل عقبة أمام تحقيق السلام، وأن حل مسألة الاستيطان الإسرائيلي يأتي من خلال المفاوضات بين الجانبين الفلسطيني والإسرائيلي. هذا، بالإضافة إلى أن الولايات المتحدة الأمريكية استخدمت حق النقض "الفيتو" ضد العديد من مشروعات القرارات في مجلس الأمن الدولي، والتي كانت تهدف لدعوة إسرائيل لوقف سياستها الاستيطانية وإدانة هذه السياسات؛ أي إنها توفر الدعم لإسرائيل للاستمرار في الاستيطان غير الشرعي في الضفة الغربية.
إن القضية الفلسطينية لا تقتصر على كونها أزمة استيطان فقط، بل تتجاوز ذلك لتلامس أبعادا أكثر عمقا تتعلق بمحاولة ممنهجة لتغيير الطابع الديموغرافي للأرض الفلسطينية، في مسار يرقى إلى التصفية العرقية التدريجية. وتستمر هذه السياسات رغم الإدانات الدولية المتكررة. ففي فبراير 2023، تبنى مجلس الأمن قرارا رئاسيا (البيان الرئاسي رقم S/PRST/2023/1) أدان فيه التوسع الاستيطاني الإسرائيلي في الأراضي الفلسطينية المحتلة، وأكد عدم شرعية هذه الأنشطة وفق القانون الدولي، وطالب بوقفها فورا.82 ومع ذلك، لم يكن لهذا القرار أثر رادع، نتيجة امتناع الولايات المتحدة عن دعم أي مشروع قرار ملزم قانونيا، واكتفائها ببيان رئاسي لا يتمتع بقوة الإنفاذ. هذا الفيتو الضمني ساهم في استمرار إسرائيل بممارساتها الاستيطانية والعنيفة دون عقاب دولي حقيقي؛ ما يشير إلى خلل بنيوي في آليات العدالة الدولية حينما تتقاطع مع مصالح قوى كبرى.
ورغم تحرك مجلس الأمن وإصدار البيان الرئاسي رقم S/PRST/2023/1 الصادر في فبراير 2023 والذي أكد فيه على عدم شرعية الأنشطة الاستيطانية الإسرائيلية في الأراضي الفلسطينية المحتلة؛ إلا أن تأثيره القانوني ظل محدودا، كونه لا يحمل صفة الإلزام التي تتمتع بها قرارات المجلس الصادرة بموجب الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة. فالمجلس اكتفى ببيان رئاسي بدلا من تمرير مشروع قرار ملزم، نتيجة الضغط الأمريكي الذي أعاق اعتماد نص أقوى؛ ما يعكس الفجوة بين المبادئ المعلنة والممارسات الفعلية داخل مجلس الأمن. وبغياب أدوات إنفاذ أو عقوبات، ظل البيان الرئاسي مجرد إعلان نوايا، لم يمنع إسرائيل من المضي قدما في سياسات الضم والتوسع الاستيطاني، وتكريس واقع على الأرض يقوض إمكانية قيام دولة فلسطينية متصلة جغرافيا. وبالتالي؛ فإن هذا الموقف الدولي المتردد يضعف مكانة القانون الدولي، ويكرس حالة من الإفلات من العقاب تفقد المنظومة الأممية مصداقيتها لدى الشعوب المتضررة.
لقد كشف فشل مجلس الأمن في اتخاذ إجراءات ملزمة تجاه الانتهاكات الإسرائيلية - وخصوصا التوسع الاستيطاني المدان دوليا - عن محدودية فاعلية النظام الجماعي للأمن الدولي حينما تعرقله مصالح القوى الكبرى. وفي ظل هذا العجز الدبلوماسي، تبرز الحاجة الماسة لتفعيل أدوات المساءلة الدولية البديلة، وفي مقدمتها المحكمة الجنائية الدولية. إذ تنص المادة 8 من نظام روما الأساسي على أن نقل القوة القائمة بالاحتلال لجزء من سكانها المدنيين إلى الأرض المحتلة يعد جريمة حرب. وبناء عليه؛ فإن السياسات الاستيطانية الإسرائيلية تقع ضمن اختصاص المحكمة، التي سبق وفتحت تحقيقا أوليا بهذا الشأن منذ عام 2021.83؛ أي إن تعزيز دور القضاء الدولي المستقل، بعيدا عن ضغوط التوازنات السياسية في مجلس الأمن، يعد خطوة أساسية لحماية القانون الدولي من التآكل، وضمان عدم إفلات الجناة من العقاب، بما يفتح الباب أمام تحقيق العدالة للضحايا الفلسطينيين.
خاتمة
مما لا شك فيه أن الاستيطان الإسرائيلي في الأراضي الفلسطينية المحتلة يعتبر انتهاكا واضحا للقانون الدولي، وهذا ما أكدت عليه منظمة الأمم المتحدة؛ سواء في القرارات الصادرة عن الجمعية العامة والتي دعت إسرائيل إلى وقف أنشطتها الاستيطانية، أم قرارات مجلس الأمن الدولي وخاصة القرار رقم (2334)، وكذلك اعتبرت محكمة العدل الدولية أن الاستيطان الإسرائيلي غير قانوني.
كما أن السياسات الأمريكية تجاه المستوطنات الإسرائيلية في الأراضي الفلسطينية المحتلة تعكس اتجاها يغلب الاعتبارات السياسية على الاعتبارات القانونية الدولية. فعلى الرغم من التزام الإدارات الأمريكية المتعاقبة - في الخطاب السياسي على الأقل - بدعم "حل الدولتين" ومعارضة "الأنشطة الأحادية" التي تعوق السلام؛ فإن الواقع العملي يظهر أن الولايات المتحدة نادرا ما مارست ضغطا ملموسا على إسرائيل لوقف نشاطها الاستيطاني التوسعي، بل إن بعض الإدارات، وعلى رأسها إدارة ترامب (2017–2021، وابتداء من 2025)، اتخذت خطوات غير مسبوقة في دعم الاستيطان من خلال الاعتراف بشرعية المستوطنات ورفع العقوبات عن مستوطنين متطرفين، بل ومهاجمة الهيئات الدولية - المحكمة الجنائية الدولية - التي تسعى لمساءلتهم. وبينما أبدت إدارات أخرى، مثل إدارة أوباما، مواقف أكثر تحفظا، تمثلت في الامتناع عن استخدام حق النقض (الفيتو)؛ فإن هذه المواقف لم تترجم إلى تغييرات عملية على أرض الواقع. كما أن العقوبات الرمزية التي فرضتها إدارة بايدن على بعض المستوطنين المتورطين في العنف لم تصمد طويلا؛ حيث ألغيت سريعا مع عودة ترامب إلى رئاسة الولايات المتحدة الأمريكية.
في ضوء ذلك، يمكن القول: إن السياسة الأمريكية تجاه الاستيطان لم تكن عاملا لوقف التوسع الاستيطاني الإسرائيلي بل شكلت - في كثير من مراحلها - مظلة حماية دبلوماسية وسياسية، أسهمت في ترسيخ واقع يقوض فرص تحقيق تسوية دائمة قائمة على قرارات الشرعية الدولية. مما يجعلنا ننظر في إعادة تقييم دور الولايات المتحدة بوصفها "وسيطا نزيها" في الصراع الفلسطيني - الإسرائيلي، في ظل انكشاف انحيازها الواضح في مواقفها تجاه مسألة المستوطنات موضوع الدراسة.
الاستنتاجات:
التوصيات:
بعد تحليل أبعاد الاستيطان الإسرائيلي في الأراضي الفلسطينية المحتلة، وما يترتب عليه من آثار قانونية وسياسية وإنسانية، يتبين أن هذه الممارسات تشكل انتهاكا صارخا للقانون الدولي وتهديدا حقيقيا لفرص تحقيق السلام العادل والدائم والشامل. وعليه، توصي الدراسة بمجموعة من الإجراءات المقترحة التي من شأنها الإسهام في تعزيز الموقف الفلسطيني ومواجهة التوسع الاستيطاني والتي تتمثل في:
المصادر
أولا: الوثائق:
https://digitallibrary.un.org/record
https://www.palquest.org/ar/historictext/
https://webtv.un.org/ar/asset/k1y/k1ygfwnn93
www. efaidnbmnnnibpcajpcglclefindmkaj/https://www.palestine-studies.org
https://www.aalco.int/Deportation
ثانيا: الكتب:
ثالثا: الدوريات:
www.palestine-studies.org/sites
https://badil.org/ar/publications/haq-al-awda/issues
رابعا: التقارير:
https://www.aalco.int/Deportation
https://peacenow.org.il/en
www.amnesty.org/es/wp
https://ar.guide-humanitarian-law.org/content/page/about
خامسا: المواقع الإلكترونية:
https://www.wafa.ps/pages/details/92666
https://www.aljazeera.net/encyclopedia/2016/12/24/
https://www.almasryalyoum.com/news/details/3388290
https://arabic.cnn.com/specials/mideast-conflict
https://www.skynewsarabia.com/middle-east/
https://www.wafa.ps/pages/details/92666?utm_source=chatgpt.com
https://www.gov.il/BlobFolder/policy/entrysystemforpalestiniancitizenstoisrael/ar/
https://yaf.ps/page-1454-ar.html?utm_source=chatgpt.com
https://www.palquest.org/ar/historictext/
https://www.palquest.org/ar/overallchronology?synopses=&nid=277
English Sources
Documents:
https://www.eeas.europa.eu/eeas/israel-statement-spokesperson-latest-settlement-announcements_en
chrome-extension://efaidnbmnnnibpcajpcglclefindmkaj/https://researchbriefings.files.parliament.uk/documents/CBP-10131/CBP-10131.pdf
https://www.icj-cij.org/sites/default/files/case-related/186/186-20240719-adv-01-00-en.pdf
https://www.icc-cpi.int/palestine
chrome-extension://efaidnbmnnnibpcajpcglclefindmkaj/https://documents.un.org/doc/undoc/gen/n24/402/83/pdf/n2440283.pdf
chrome-extension://efaidnbmnnnibpcajpcglclefindmkaj/https://documents.un.org/doc/undoc/gen/n23/052/50/pdf/n2305250.pdf
https://2001-2009.state.gov/r/pa/ho/frus/johnsonlb/xx/2667.htm
https://www.un.org/unispal/document/auto-insert-180015/
https://press.un.org/en/2004/icj616.doc.htm
https://history.state.gov/milestones/1993-2000/oslo
Books:
Chromeextension://efaidnbmnnnibpcajpcglclefindmkaj/https://www.ohchr.org/sites/default/files/Documents/Issues/Housing/SubmissionsCFIhousingdiscrimin/BADIL-LandConfiscation.pdf
Reports:
https://www.eccpalestine.org/eu-approves-labeling-of-settlement-products/
Chromeextension://efaidnbmnnnibpcajpcglclefindmkaj/https://www.ohchr.org/sites/default/files/Documents/Countries/PS/SG_Report_on_Israeli_A.71.355.pdf
https://www.icj-cij.org/case/131
Articles
https://apnews.com/article/trump-netanyahu-washington-ceasefire-1c8deec4dd46177e08e07d669d595ed3
https://www.nytimes.com/2020/01/28/world/middleeast/peace-plan.html
https://www.middleeasteye.net/news/biden-administration-warns-israel-reports-settlement-expansion
https://www.imra.org.il/story.php?id=6594
https://www.theguardian.com/world/2024/feb/23/blinken-oppose-new-israeli-settlements
https://www.ft.com/content/f66432d0-16b8-4c6c-bab3-f571943c85dc?utm_source=chatgpt.com
Papers:
file:///C:/Users/pc/OneDrive/Desktop/SettlementStatements.pdf
https://www.eccpalestine.org/eu-approves-labeling-of-settlement-products/
https://carnegieendowment.org/posts/2006/08/apocalypse-now-bushs-failed-israel-strategy?lang=en
https://scholarship.law.vanderbilt.edu/vjtl/vol17/iss2/1
https://www.bakerinstitute.org/research/israeli-settlements-legal-status-political-reality
Websites:
https://www.lawfaremedia.org/article/unscr-2334-israeli-settlements
https://peacenow.org.il/855-hu
https://www.theguardian.com/world/2011/feb/19/us-veto-israel-settlement
https://www.cartercenter.org/countries/israel_and_palestine.html
https://www.btselem.org/publications/summaries/200205_land_grab
https://georgewbush-whitehouse.archives.gov/news/releases/2004/04/20040414-4.html
https://2001-2009.state.gov/r/pa/ei/rls/22520.htm?safe=1
https://www.oikoumene.org/news/eu-asked-to-honour-its-position-on-israeli-settlements
College of Law, Lusail University
College of Law, Lusail University
Views
Downloads
Citations
Authors
Issue
Year