Assessment of the Qatari Legislator’s Approach in Considering Minor Harm as a Ground Precluding Criminal Liability

Abstract

The study focus on the assessment of the Qatari legislator's approach as a "minor harm" to prevent the criminal liability in the Penal Code, and the legal problems resulting from this trend, namely, that the criminal liability is related to the moral element of the crime, Criminal liability and when there is prevention to it, it does not rise basically, while in the case of minimal damage, the crime is complete and criminal responsibility exists.
 We divided this study in to three chapters, The first is “Contraindications of criminal liability in Qatari law” , while the second chapter was singled out to clarify the provisions of "negligent harm" as a denial of criminal responsibility. while the third was a place to discuss the problems resulting from the direction of the Qatari legislator to consider the harmlessness prevention of criminal liability, concluding the research anumber of recommendations we belong to the law of the country to take them.

Full Article

مشكلة البحث:

نظم المشرع القطري أحكام "تفاهة الضرر" تحت الباب الخامس من الكتاب الأول من قانون العقوبات القطري رقم 11 لسنة2004 والمخصص لموانع المسؤولية الجنائية، فقد اعتبر تفاهة الضرر مانعًا من موانع المسؤولية الجنائية إلى جانب الموانع الأخرى والتي اتفق الفقه الجنائي على تبنيها، كالموانع المتعلقة بفقد الإدراك كصغر السن أو الجنون أو الغيبوبة الناشئة عن تناول المواد المخدرة والمسكرة أو تلك المتعلقة بحرية الاختيار كالإكراه أو حالة الضرورة، وبهذا النهج فإن المشرع القطري قد اختط اتجاهًا مغايرًا لِما اختطته التشريعات الجزائية المقارنة، وشكل بذات الوقت خروجًا صريحًا عن قواعد وأحكام المسؤولية الجنائية وموانعها، فالثابت أن موانع المسؤولية الجنائية تتعلق بالركن المعنوي، وبالتالي حتى يُعتد بالمانع أو العارض يجب أن تتعلق بأحد العنصرين الإدراك أو الإرادة، بيد أن الحكم مختلف في حالة تفاهة الضرر، فالضرر أو تفاهته يتعلق بالركن المادي للجريمة وبالتالي اعتبار تفاهة الضرر مانعًا من موانع المسؤولية الجنائية يثير إشكالات قانونية جوهرية توجب بحثها ومعالجتها.

فرضيات البحث:

يحاول البحث الإجابة عن الفرضيات التالية:

أولًا: هل "تفاهة الضرر" من موانع المسؤولية الجنائية؟

ثانيًا: هل كان المشرع القطري موفقًّا في اعتبار تفاهة الضرر مانعًا من موانع المسؤولية الجنائية؟

ثالثًا: ما هي الإشكاليات الناجمة عن اعتبار المشرع القطري تفاهة الضرر مانعًا من موانع المسؤولية الجنائية؟

رابعًا: ما هو التكييف القانوني الصحيح لتفاهة الضرر في التشريعات المقارنة؟

أهمية البحث:

يشكِّلُ البحث إسهامة في معالجة الإشكالية الناجمة عن خطة المشرع القطري باعتبار تفاهة الضرر مانعًا من موانع المسؤولية الجنائية، وهو ما يصطدم مع المبادئ القانونية الأصيلة لنظرية المسؤولية الجنائية وموانعها، وبذات الوقت فإن البحث يحاول أن يقدم توصيات قانونية للمشرع القطري من أجل معالجة هذه الإشكالية.

منهجية البحث:

تعتمد الدراسة الأسلوب الوصفي التحليلي المقارن مع بعض القوانين العربية وذلك من خلال تقسيم البحث إلى مقدمة نتناول فيها بإيجاز الأساس القانوني لامتناع المسؤولية الجنائية، وفي المطلب الأول نستعرض موانع المسؤولية الجنائية في القانون القطري، وفي المطلب الثاني نتناول تفاهة الضرر كمانع للمسؤولية الجنائية في قانون العقوبات القطري، أمَّا المطلب الثالث فسوف يكون محلًّا للبحث في إشكاليات اعتبار تفاهة الضرر مانعًا من موانع المسؤولية الجنائية، مختتمين البحث بجملة من التوصيات.

المقدمة

تعرف المسؤولية الجنائية على أنها: "تحمل تبعة الجريمة والالتزام بالخضوع للجزاء الجنائي المقرر لها قانونًا"1وبهذا المعنى فإن المسؤولية الجنائية تنهض عندما يرتكب شخص فعلًا أو امتناع عن فعل جرَّمه القانون وقرر له جزاءً جنائيًّا.

تجدر الإشارة إلى أن أساس ومفهوم المسؤولية الجنائية مر بمراحل عدة عبر التاريخ، فنشأت أول عهدها في صورة مسؤولية مادية أو موضوعية ترتبط بالفعل دون الفاعل، ثم بدأ التحول في مفهومها إلى فكرة الإرادة وحرية الاختيار والتي تبنتها المدرسة التقليدية القديمة، بينما انكرت المدرسة الوضعية هذا الأساس وآمنت بحتمية السلوك؛ فأقامت المسؤولية على أساس فكرة الحتمية أو الجبرية ودعت إلى تبني التدابير الاحترازية عوضًا عن العقوبة2، أما القوانين الوضعية الحديثة فالأصل أنها أخذت بحرية الاختيار كأساس للمسؤولية الجنائية والاستثناء بالخطورة الإجرامية كأساس لها، وفرضت صورة أخرى للجزاء الجنائي إلى جانب العقوبة أطلق عليها التدابير الاحترازية.

لا يكفي لقيام المسؤولية الجنائية توافر الإسناد المادي؛ أي ارتكاب الجريمة ونسبتها إلى شخص أو أشخاص محددين، وإنما يتعين ثبوت أهليته لهذه المسؤولية، وتوافر علاقة آثمة تربط بينه وبين ماديات الجريمة، وهو ما يطلق عليه الإثم الجنائي أو الخطيئة، وتأخذ إحدى الصورتين العمد أو الخطأ غير العمدي3، بعبارة أخرى فإن المسؤولية الجنائية تستلزم حكمًا توافر الأهلية الجنائية لدى الشخص والتي تقوم على عنصرين هما: الإدراك والإرادة4، وتأسيسًا على ذلك؛ فإذا انتفى أي من هذين العنصرين ترتب على ذلك امتناع المسؤولية الجنائية، وإن الأسباب التي تنفي الإدراك أو حرية الاختيار يطلق عليها موانع المسؤولية الجنائية5، هذه الموانع أو العوارض منها ما يتعلق بالإدراك كصغر السن أو الجنون أو الغيبوبة الناشئة عن تناول المخدرات والمسكرات الاضطراري، ومنها ما يتعلق بحرية الاختيار كمانعي الإكراه أو حالة الضرورة.

تأسيسًا على ما سبق، فإنه لا يتصور وجود عارض أو مانع ضمن موانع المسؤولية الجنائية لا يتعلق بنفي أحد هذين العنصرين (الإدراك أو حرية الاختيار)؛ بيد أن اللافت في خطة المشرع القطري بشأن موانع المسؤولية الجنائية اعتبار تفاهة الضرر مانعًا من موانع المسؤولية الجنائية وهو لا يتعلق بأي من الطائفتين المشار إليهما آنفا، ومن هنا وجب البحث في هذه الإشكالية وذلك من خلال استعراض موجز لموانع المسؤولية الجنائية في القانون القطري وذلك في المطلب الأول، بينما يكون المطلب الثاني محلًّا للبحث بشكل تفصيلي بأحكام تفاهة الضرر في قانون العقوبات القطري، وفي المطلب الثالث نبحث في الإشكاليات الناجمة عن اعتبار تفاهة الضرر مانعًا من موانع المسؤولية الجنائية.

المطلب الأول

موانع المسؤولية الجنائية في القانون القطري

نظم المشرع القطري أحكام موانع المسؤولية الجنائية في الباب الخامس من الكتاب الأول من قانون العقوبات القطري رقم 11 لسنة 2004 في المواد من (53 إلى 56)، فمنها ما يعود إلى نفي عنصر الإدراك لدى الجاني، ومنها ما يعود إلى نفي عنصر حرية الاختيار، ومنها ما هو يتيم لا ينتمي إلى أيٍّ من الطائفتين وهو تفاهة الضرر والذي هو محور بحثنا هذا.

منهجية البحث العلمي تقتضي ابتداء أن نستعرض بإيجاز وعجالة موانع المسؤولية الجنائية في القانون القطري؛ للوصول إلى مانع تفاهة الضرر والذي يشكل محور البحث، وعليه يمكن تصنيف موانع المسؤولية الجنائية الواردة في قانون العقوبات القطري إلى طائفتين، منها ما يتعلق بفقد الإدراك، ومنها ما يتعلق بفقد حرية الاختيار.

الفرع الأول

موانع متعلقة بالإدراك

أورد المشرع القطري عددًا من الموانع التي تنفي الإدراك، فذكر مانع صغر السن، ومانع الجنون، ومانع الغيبوبة الناشئة عن التناول الاضطراري للمخدرات والمسكرات، ويمكن تسليط الضوء عليها بإيجاز شديد وهي على النحو التالي:

أولًا: صغر السن

تحرص التشريعات الجزائية على تحديد سن معينة تمتنع قبلها مسؤولية الصغير جنائيًّا؛ حيث تفترض أن قبل بلوغ هذه السن لا تكون الملكات الذهنية للصغير قد نمت بالقدر الذي يوفر له القدر من التمييز؛ فلا يكون أهلًا للتكليف بأحكام قانون العقوبات، وتختلف هذه السن من دولة إلى أخرى تبعًا لاختلاف ظروفها الحضارية وطبيعة مناخها وموقعها الجغرافي، وهي أمور تؤثر على الملكات الذهنية للصغير وتلعب دورًا كبيرًا في تحديد نموه العقلي والجسمي على السواء.6

المشرع القطري نص في المادة (53) من قانون العقوبات القطري النافذ على أنه: "لا يسأل جنائيًّا من لم يكن قد أتم السابعة من عمره وقت ارتكاب الجريمة. وتسري فقط التدابير المنصوص عليها في قانون الأحداث في شأن من ارتكب جناية أو جنحة، ويكون قد أتم السابعة من عمره ولم يبلغ أربع عشرة سنة"، ونرى أن المشرع القطري لم يكن موفقًّا في عجز المادة حين ذكر "وتسري فقط التدابير المنصوص عليها في قانون الأحداث في شأن من ارتكب جناية أو جنحة، ويكون قد أتم السابعة من عمره ولم يبلغ أربع عشرة سنة"؛ ذلك أن المشرع يفترض أنه منزَّه عن الإسراف أو اللغو فالمادة (53) تتناول صغر السن كمانع من موانع المسؤولية وفيه لا تنهض المسؤولية الجنائية أساسًا؛ وبالتالي فإن إدخال الفئة العمرية من سبع إلى أربع عشرة سنة في صلب المادة لا علاقة له بموانع المسؤولية الجنائية؛ فهذه الفئة مسؤوليتها الجنائية قائمة ولكنها ناقصة، ناهيك أن هذا الحكم وارد في المادة (8) من قانون الأحداث القطري رقم(1) لسنة 1994؛ وبالتالي لم يكن هناك موجب أو مبرر لِذكره في نص المادة المتعلقة بصغر السن كمانع من موانع المسؤولية الجنائية.

ثانيًا: الجنون أو عاهة العقل

لم يتفق شراح القانون الجنائي على تعريف جامع مانع للجنون وهو أمر مقبول؛ ذاك أن تحديد الجنون هو من اختصاص الأطباء المختصين، إلا أن بعض الفقهاء قدَّم تعريفًا له، فذهبوا إلى أنه: "اختلال عقلي يترتب عليه العجز عن التمييز بين الخطأ والصواب"7.

لقد أورد المشرع القطري - من جانبه - هذا المانع في المادة (54) من قانون العقوبات النافذ؛ حين نص على أنه: "لا يسأل جنائيًّا من كان وقت ارتكاب الجريمة فاقد الإدراك أو الإرادة لجنون أو عاهة في العقل، أو غيبوبة ناشئة عن عقاقير أو مواد مخدرة أو مسكرة أيا كان نوعها أعطيت له قسرًا، أو تناولها بغير علم منه، أو لأي سبب آخر يقرر العلم أنه يفقد الإدراك أو الإرادة، فإذا لم يترتب على الجنون أو العاهة العقلية أو العقاقير أو المواد المخدرة أو غيرها سوى نقص أو ضعف في الإدراك أو الإرادة وقت ارتكاب الجريمة عُدَّ ذلك عذرًا مخففًا، وإذا كان الجاني قد تسبب بإرادته في فقد أو نقص أو ضعف الإدراك بتناول عقاقير مخدرة أو مسكرة فيعاقب عن الجريمة التي وقعت ولو كانت تتطلب قصدًا جنائيًّا خاصًّا".

سار المشرع القطري على نهج التشريعات الجنائية المقارنة باعتبار الجنون مانعًا من موانع المسؤولية الجنائية؛ بيد أن تلك التشريعات اختطت اتجاهين، الأول يأخذ بتدرج المسؤولية الجنائية؛ فميز بين امتناع المسؤولية الجنائية عند فقد الإدراك الناجم عن حالة الجنون، وبين المسؤولية الجنائية المخففة عندما لا يصل الجاني بسبب هذا العارض إلى مستوى فقد الإدراك بل ضعفه فقط، وقد انحاز المشرع القطري إلى هذا الاتجاه؛ فرتب على مجرد ضعف الإدراك مسؤولية جنائية مخففة، أما الاتجاه الثاني للتشريعات الجنائية كالتشريع المصري أو اللبناني؛ فإنه لم يقرر مسؤولية جنائية مخففة في حالة أدَّى عارض الجنون إلى ضعف الإدراك دون فقدانه، وترك ذلك للأحكام العامة من خلال استخدام القاضي سلطته التقديرية بتخفيف العقاب من خلال الصعود أو النزول بحدي العقوبة أو حتى وقف تنفيذها.

ثالثًا: الغيبوبة الناشئة عن المواد المخدرة أو المسكرة

إن الاضطرابات الناشئة عن السكر أو التخدير من شأنها أن تؤثر على الإدراك والاختيار؛ فتناول المسكر يُحدث تغيرات جسيمة في الحالة العقلية للإنسان؛ بحيث يُفقده القدرة على تفهم النتائج التي يمكن أن تترتب على أفعاله، كما يؤثر على الإرادة بتعطيل أو تقليل فاعلية الضبط النفسي للبواعث المختلفة8.

أشرنا أعلاه في معرض حديثنا عن مانع الجنون أن المشرع القطري قد أورد هذا المانع مع مانع الجنون ضمن نص المادة (54) من قانون العقوبات ولن نكرر ما أسلفناه؛ إلا أن المشرع القطري خص هذا العارض بأحكام خاصة، منها إذا كان الجاني قد تناول المخدرات أو المسكرات بإرادته؛ فإن الجاني يُعاقب عن الجريمة التي وقعت ولو كانت تتطلب قصدًا خاصًّا، تجدر الإشارة في هذا المقام إلى أن بعض التشريعات الجنائية العربية قد اعتبرت تناول المخدرات أو المسكرات عمدًا بقصد ارتكاب جريمة، ظرفًا مشددًا؛ فقد نص المشرع العراقي في المادة (61) من قانون العقوبات العراقي رقم 111 لسنة 1969 على أنه: "... فإذا كان قد تناول المسكر أو المخدر عمدًا بغية ارتكاب الجريمة التي وقعت منه عُدَّ ذلك ظرفًا مشددًا للعقوبة"؛ أمَّا المشرع القطري فلم يأخذ بهذا الحكم ضمن الأحكام العامة؛ وإن كان قد تبنى نفس الفكرة في المادة (313) من نفس القانون عندما ضاعف العقوبة في حال تسبب الجاني بخطئه بموت شخص أو سلامته؛ حيث نص على أنه: "تضاعف العقوبة المنصوص عليها في المادتين السابقتين ... أو كان تحت تأثير سكر أو مخدر ...".

الفرع الثاني

موانع متعلقة بالإرادة

نظم المشرع القطري موانع المسؤولية الجنائية المتعلقة بعنصر الإرادة في المادة (55) من قانون العقوبات النافذ بقوله: "لا يسأل جنائيًّا كل من: 1 – كان وقت ارتكاب الفعل فاقدًا حرية الاختيار لسبب لا دخل لإرادته فيه. 2 – ارتكب فعلًا دفعته إلى ارتكابه ضرورة وقاية نفسه أو غيره من خطر جسيم على وشك الوقوع يصيب النفس أو المال، إذا لم يكن لإرادته دخل في حلوله. ويشترط في هاتين الحالتين ألَّا يكون في استطاعة مرتكب الفعل دفع الخطر بوسيلة أخرى وأن يكون الفعل الذي ارتكبه بالقدر الضروري لدفع الخطر ومتناسبًا معه". عليه فإن موانع المسؤولية الجنائية المتعلقة بعنصر الإرادة وفقا للقانون القطري هي:

أولًا: الإكراه

الإكراه نوعان: إكراه مادي وإكراه معنوي، أما المادي فإن الفقه لم يتفق على تعريفٍ له، ولكن يمكن أن يعرف على أنه: "قوة إنسانية عنيفة مفاجئة أو غير مفاجئة تجعل من جسم الإنسان أداة لتحقيق حدث إجرامي معين دون أن يكون بين هذا الحدث وبين نفسية صاحب الجسم أي اتصال إرادي"9؛ أما إذا كان مصدر القوة المادية المكره الطبيعة أو الحيوان فيطلق عليه القوة القاهرة أو الغالبة10؛ أما الإكراه المعنوي فيمكن تعريفه بأنه: "ضغط شخص على إرادة آخر لحمله على ارتكاب جريمة لا يريد ارتكابها"11.

لم يكن المشرع القطري موفقًا عندما استخدم في الفقرة الأولى من المادة (55) عبارة "... فاقدًا حرية الاختيار ......"؛ ذاك أن الإكراه المعنوي سيخرج حكمًا من موانع المسؤولية الجنائية على أساس أن الإكراه المعنوي لا يترتب عليه فقد الاختيار، بل يعيبه فقط وهي نتيجة لا يمكن التسليم بها؛ لأن الإكراه المعنوي من أوضح صور موانع المسؤولية الجنائية؛ وبالتالي كنا نتمنى على المشرع القطري لو أنه حذا حذو العديد من التشريعات العقابية العربية الأخرى عندما استخدمت عبارة "كل من أكرهته على ارتكاب الجريمة قوة مادية أو معنوية"12.

ثانيًا: حالة الضرورة

تعرف حالة الضرورة بأنها: "ظرف أو موقف يحيط بالإنسان ويجد فيه نفسه أو غيره مهددًا بخطر جسيم يوشك أن يقع ولا سبيل للخلاص منه إلا بارتكاب جريمة"13، وبهذا المعنى فإن هناك شروطًا يتوجب توافرها في الخطر المراد دفعه وشروطًا تتعلق بفعل الضرورة؛ أو ما يطلق عليه أحيانا جريمة الضرورة، فأما شروط الخطر فيشترط أن يكون هناك خطر وأن يكون هذا الخطر حال، وأن يكون جسيمًا، وألَّا يكون لإرادة الجاني دخل في حدوثه؛ أما شروط فعل الضرورة فهما شرطان: الأول شرط اللزوم؛ أما الثاني فشرط التناسب، وهذا ما تضمنته الفقرة الثانية من المادة (55) من قانون العقوبات القطري المشار اليها أعلاه.

بعد هذا الاستعراض الموجز لموانع المسؤولية الجنائية في القانون القطري فإن تساؤلًا مُهمًّا يثور حول ما إذا كانت هذه الموانع قد وردت في القانون القطري على سبيل الحصر أم على سبيل المثال؟ يمكننا الإجابة عن هذا التساؤل بأنها وردت على سبيل المثال لا الحصر، وسندنا في ذلك التالي:

أولًا: أسلفنا في المطلب الأول من هذا البحث أن الأحكام العامة للمسؤولية الجنائية تقتضي توافر الإدراك وحرية الاختيار؛ وبالتالي إذا ما انهار أحد هذين العنصرين انهارت - تبعًا لذلك - المسؤولية الجنائية، وعليه فإن القول بحصر موانع المسؤولية الجنائية سيصطدم مع هذا الأساس؛ ذاك أنه إذا توفر عامل أو سبب بفعل تطور العلم وأدى إلى انتفاء الإدراك أو الإرادة وليس من بين الموانع المذكورة في القانون؛ عندها ستنهض المسؤولية الجنائية قبل من توفر فيه هذا السبب، وهي نتيجة تصطدم حكمًا مع أساس وأحكام المسؤولية الجنائية، فالأصل الثابت أن المسؤولية الجنائية لا تنهض إذا تخلف أحد العنصرين الإدراك أو حرية الاختيار.

ثانيًا: حسم المشرع القطري الأمر بهذا الشأن في المادتين (54 - 55) من قانون العقوبات النافذ، ففي المادة (54) نص على عبارة: (.......، أو لأي سبب آخر يقرر العلم أنه يفقد الإدراك أو الإرادة)، أما المادة (55) فقد جاء فيها: ( لا يسأل جنائيًّا كل من : 1 – كان وقت ارتكاب الفعل فاقدًا حرية الاختيار لسبب لا دخل لإرادته فيه)، وعليه فإن المشرع القطري قد اعتد بأي سبب يترتب عليه فقد الإدراك أو الإرادة حتى ولو لم يكن من بين الموانع الوارد ذكرها في باب موانع المسؤولية الجنائية، وقد أحسن المشرع القطري صنعًا بهذا الاتجاه.

بعد أن انتهينا من استعراض موجز وسريع لموانع المسؤولية الجنائية في القانون القطري؛ سواء تلك المتعلقة بفقد الإدراك أو تلك المتعلقة بفقد حرية الاختيار، لم يتبقَّ إلَّا مانع تفاهة الضرر والذي لا ينتمي إلى أيٍّ من الطائفتين آنفتي الذكر، وهو بذات الوقت محور بحثنا، وعليه سوف نتناول هذا المانع بالتفصيل في المطلب التالي:

المطلب الثاني

تفاهة الضرر كمانع للمسؤولية الجنائية في قانون العقوبات القطري

نظم المشرع القطري "تفاهة الضرر" تحت الباب الخامس والمخصص لموانع المسؤولية الجنائية، فنص في المادة (56) من قانون العقوبات رقم 11 لسنة 2004 على أنه: "لا يسأل جنائيًّا من ارتكب جريمة، إذا كان الضرر الذي أحدثه أو كان من المحتمل أن يحدثه من التفاهة، بحيث لا يشكو منه الشخص العادي"، ويُستفاد من ذلك الأحكام التالية:

أولًا: تصدرت عبارة "لا يسأل جنائيًّا" نص المادة آنفة الذكر، وهو ما يعني أن المشرع القطري قد حسم موقفه من حيث اعتبار تفاهة الضرر مانعًا من موانع المسؤولية الجنائية؛ حيث إن التشريعات الجزائية تستخدم مصطلح "لا جريمة" للدلالة على أسباب الإباحة ومصطلح "لا يسأل جنائيًّا" لموانع المسؤولية، ومصطلح "لا عقاب" لموانع العقاب، والفارق كبير بينها كما هو ثابت ومعلوم، ففي أسباب الإباحة تنزع الصفة الجرمية عن الفعل وتحوله إلى فعل مباح؛ كاستعمال الحق، أو الدفاع الشرعي، أو أداء الواجب14؛ أما في موانع المسؤولية الجنائية فإن الصفة الجرمية تظل لصيقة بالفعل ولكن لا تنهض المسؤولية الجنائية لوجود عارض من عوارضها؛ أما في موانع العقاب فإن الفعل يبقى محتفظا بصفته الجرمية وتنهض والمسؤولية الجنائية، إلا أن المشرع ولدواعٍ أو مصلحة معينة يجد أن عدم العقاب على الفعل أولى من العقاب عليه، فيقرر امتناع العقاب كما هو الحال عند إعفاء الراشي أو الوسيط من العقاب إذا بادر بالاعتراف أو بإخبار السلطات بالجريمة15، ومن ذلك أيضًا كل من بادر من الجناة بإبلاغ السلطات المختصة بوجود اتفاق جنائي وبمن اشتركوا فيه قبل وقوع جناية أو جنحة16.

تجدر الإشارة في هذا المقام إلى أن قانون العقوبات القطري المُلغى رقم 14 لسنة 1971؛ قد أورد حكم تفاهة الضرر في المادة (22) منه؛ حيث نص على أنه: "لا جريمة في فعل إذا كان الضرر الذي أحدثه أو كان من المحتمل أن يحدثه، من التفاهة بحيث لا يشكو منه الشخص العادي التفكير والطباع"، ويتضح بجلاء من خلال المقارنة بين النصين الجديد والقديم أن المشرع القطري في قانون العقوبات القديم قد اعتبر تفاهة الضرر سببًا من أسباب الإباحة فذكر عبارة "لا جريمة"؛ أي إنه نزع الصفة الجرمية عن الفعل؛ أما في القانون الجديد، فكما أسلفنا فإن المشرع استخدم عبارة "لا يسال جنائيًّا" وهو ما يعني اعتباره مانعًا من موانع المسؤولية الجنائية.

ثانيًا: يتعلق هذا المانع بــ "الضرر" الناجم عن الجريمة، ويمكن تعريفه بأنه: "كل مساس بحق أو مصلحة يحميها القانون"17. قانون العقوبات القطري النافذ لم يقدم تعريفًا للضرر كما فعل سلفه القانون المُلغى رقم 14 لسنة 1971؛ حيث حدد المقصود بمصطلح الضرر؛ فنص على أنه: "كلمة ضرر تعني أي أذى يقع بالمخالفة للقانون ويصيب الشخص في جسمه أو عقله أو ماله أو سمعته"18، والظاهر أن المشرع القطري لم يحدد المقصود بالضرر في القانون الجديد على أساس أنه مفترض في كل الجرائم حتى بالنسبة للجرائم الشكلية أو ما يطلق عليها جرائم الخطر، وهذا ما أكدته محكمة التمييز القطرية بقولها: "الضرر عنصر ملحوظ في كل الجرائم سواء في القانون المُلغى أو الجديد" وذهبت المحكمة في حيثيات الحكم إلى أن: "الضرر ملحوظ في كل الجرائم وهو في الواقع علة التجريم؛ لأن المشرع لا يعاقب إلا على الأفعال أو التصرفات التي يقدر أنها ضارة بالمصلحة العامة او الخاصة"19.

ثالثًا: أن يتخذ "الضرر" صفة التفاهة حتى يتم إعمال النص وتمتنع المسؤولية الجنائية، وهنا يتوجب التمييز بين الضرر التافه وبين الضرر القليل، ويمكن توضيح ذلك على سبيل المثال، المحل في جريمة السرقة يتوجب أن يكون مالًا منقولًا؛ فالأصل لا عبرة بمقدار المسروق وقيمته فالقانون لا يوجب بيان مقدار الشيء المسروق، ولا أهمية لقيمته؛ فقد يكون هذا المال ثمينًا أو قليل القيمة ففي كلتا الحالتين يصلح أن يكون محلًا لجريمة السرقة، وتطبيقًا لذلك فقد عرضت على محكمة النقض المصرية واقعة اتهم فيها المتهم بأنه اختلس طوابع مستعملة كان قد انتزعها من على الأوراق الرسمية بعد تحقيق الغرض منها، ودفع المتهم بأن هذه الطوابع بعد لصقها على حوافظ تصدير البضائع المنزوعة منها فقد أصبحت عديمة القيمة؛ لأن الحوافظ وما عليها من الطوابع مصيرها الحرق، رفضت محكمة النقض هذا الدفع بقولها إن: "المنقول في هذا المقام هو كل ما له قيمة مالية ويمكن تملكه وحيازته ونقله بصرف النظر عن ضآلة قيمته ما دام ليس مجردًا من كل قيمة"؛ وبالمقابل فقد قضت محكمة النقض المصرية بأنه: "لا يعتبر سرقة اختلاس تقرير مرفوع من أعضاء لجان حزب إلى مدير إدارة هذه اللجان إذا ثبت أن هذا التقرير ليس بورقة جدية ذات حرمة ولا يمكن اعتبارها متاعًا للحزب يحرص عليه"، وقُضي أيضًا أن "اختلاس الحشيش النابت في الغيط لا يعد سرقة إذا كان عديم النفع وكان مقدار المسروق منه زهيدًا لا يستحق الذكر"؛ يُستفاد مِمَّا سبق من أحكام أنه يلزم على أي حال أن يكون للمنقول شيء من القيمة؛ فإن تجرد منها تمامًا خرج عن أن يكون محلًا للسرقة.20

رابعًا: اعتمد المشرع القطري معيارًا موضوعيًّا لتقدير تفاهة الضرر وهو معيار "الشخص العادي"؛ فإذا كان هذا الشخص العادي لا يشكو من الضرر الذي نتج عن الجريمة عُدَّ ذلك ضررًا تافهًا وامتنعت المسؤولية الجنائية، وتقدير الضرر يكون سلطة تقديرية لمحكمة الموضوع لا معقب عليها من محكمة التمييز بشرط سلامة الاستدلال.

تجدر الإشارة إلى أن قانون العقوبات المُلغى قد استرسل في معيار تحديد تفاهة الضرر؛ فنص على أن المعيار هو: "الشخص العادي التفكير والطباع"؛ أما في القانون الجديد أوجز المعيار فأصبح المعيار "الشخص العادي".

خامسًا: عند اكتساب "الضرر" صفة التفاهة، فإنه يستوي لامتناع المسؤولية الجنائية أن يكون هذا الضرر قد حدث، أو أنه من المحتمل أن يحدث، ويفهم ذلك أن المشرع القطري قصد بذلك الجريمة التامة التي يتحقق فيها الضرر التافه أو في حالة الشروع حيث لم يتحقق الضرر التافه.

تأسيسًا على ما سبق، نخلص إلى القول بأن المشرع القطري قد اختط نهجًا مُغايرًا عن بقية التشريعات الجزائية العربية، باعتبار تفاهة الضرر مانعًا من موانع المسؤولية الجنائية؛ فليس هناك من التشريعات الجزائية العربية مَنْ سار على هذا النهج، فمنها من اعتبرته عذرًا مخففًا للعقاب، ومنها من اعتبرته عذرًا معفيًّا من العقاب كما سيتم بيانه لاحقًا. إن اتجاه المشرع القطري بوضع تفاهة الضرر تحت باب موانع المسؤولية الجنائية نَجم عنه العديد من الإشكاليات القانونية الجوهرية التي يتوجب بحثها ومعالجتها، وهو ما سوف نتناوله في المطلب اللاحق.

المطلب الثالث

إشكاليات اعتبار تفاهة الضرر مانعًا للمسؤولية الجنائية

استنادًا إلى معيار الركن المادي قسَّم الفقه الجنائي21 الجرائم، إلى جرائم ضرر وجرائم خطر؛ أما جرائم الضرر فيقصد بها، تلك الجرائم التي لا تقع إلا إذا حدثت نتيجة مادية معينة؛ فجريمة القتل على سبيل المثال لا تقع إلا إذا زهقت روح المجني عليه؛ أما جرائم الخطر فيقصد بها جرائم النشاط؛ أي تلك التي تقع بارتكاب الجاني للنشاط فقط دون تطلب نتيجة مادية، كجريمة الرشوة فإنها تقع بمجرد طلب أو قبول الموظف العام الرشوة22، بيد أن المهم هو أنه حتى في النوع الأخير من الجرائم، وإن كان المشرع لم يتطلب نتيجة مادية لها إلا أنه افترض ابتداء لها نتيجة قانونية، تلك المتمثلة بالاعتداء على المصلحة التي أراد المشرع حمايتها؛ وبالتالي يمكن القول: إن جميع الجرائم يترتب عليها – حكمًا - ضرر، وهذا ما أكدته محكمة التمييز القطرية حين قررت أن: "الضرر ملحوظ في كل الجرائم وهو في الواقع علة التجريم؛ لأن المشرع لا يعاقب إلا على الأفعال أو التصرفات التي يقدر أنها ضارة بالمصلحة العامة أو الخاصة"23.

تأسيسًا على ما تقدم، ولما كان الضرر يتعلق بالركن المادي للجريمة، فإن تفاهته تتعلق حكمًا بهذا الركن، ولا تمتُّ بصلة إلى الركن المعنوي، عليه فإن وجود "تفاهة الضرر" بين موانع المسؤولية الجنائية، شكل شذوذًا عن الأحكام العامة، ونجم عن ذلك إشكاليات قانونية جوهرية تمثلت بالتالي:

أولًا: موانع المسؤولية الجنائية تتعلق بالركن المعنوي وليس بالركن المادي، فأساس المسؤولية الجنائية هو عنصرا الإدراك وحرية الاختيار؛ فإذا انتفى أحد هذين العنصرين تخلفت تبعًا لذلك المسؤولية الجنائية، فمانع الجنون أو الغيبوبة الناشئة عن المواد المخدرة والمسكرة أو صغر السن تتعلق بالعنصر الأول وهو الإدراك، ومانع الإكراه أو حالة الضرورة يتعلقان بحرية الاختيار، وبعبارة أخرى فإن موانع المسؤولية الجنائية تتعلق بالجانب الشخصي للجاني وليس بماديات الجريمة؛ وبالتالي فإن إقحام تفاهة الضرر ضمن موانع المسؤولية الجنائية في القانون القطري لم يكن موفقًا إطلاقًا، ولا يشفع للمشرع القطري القول إن موانع المسؤولية الجنائية ترد في القوانين الجزائية على سبيل المثال لا الحصر؛ إذ إن ذلك لا يعني إدخال عوامل لا تتعلق بأساس المسؤولية الجنائية أو أساس امتناعها، بل يمكن إدخال عوامل أو عوارض أخرى يترتب عليها فقد الإدراك أو حرية الاختيار، نخلص إلى أن تفاهة الضرر لا تتعلق بالركن المعنوي ولا تتعلق بأساس امتناع المسؤولية الجنائية، وإن وجودها ضمن الموانع حكم غير مقبول قانونًا ومنطقًا.

ثانيًا: تقتضي الأحكام العامة عند توفر عارض أو مانع من موانع المسؤولية الجنائية عدم قيام المسؤولية الجنائية من حيث الأساس تبعًا لذلك المانع مع احتفاظ الفعل بصفته الجرمية، وهو ما لا ينطبق على تفاهة الضرر، ففي هذه الحال الجريمة مكتملة الأركان والمسؤولية الجنائية قائمة بشكل كامل، وأن تفاهة الضرر لا تغير من الوصف الجرمي للفعل ولا تؤثر على قيام المسؤولية الجنائية، فالجريمة قائمة والمسؤولية الجنائية كذلك؛ وبالتالي اعتبار تفاهة الضرر مانعًا من موانع المسؤولية الجنائية يصطدم مع الأحكام العامة لموانع المسؤولية الجنائية.

ثالثًا: اعتمد المشرع القطري المعيار الموضوعي لتقدير تفاهة الضرر؛ حيث نُصَّ في المادة (56) من قانون العقوبات القطري على أنه: "لا يسأل جنائيًّا من ارتكب جريمة إذا كان الضرر الذي أحدثه أو كان من المحتمل أن يحدثه من التفاهة بحيث لا يشكو منه الشخص العادي" ويقصد بالشخص العادي أو ما يطلق عليه أحيانًا الرجل المعتاد، الشخص العادي الذي يمثل جمهور الناس؛ فلا هو خارق الذكاء شديد اليقظة، ولا هو محدود الفطنة خامل الهمة، وعادة ما يعتمد المشرع الجنائي هذا المعيار؛ حيث يراعي في أحكامه مستوى العاديين من الناس، على اعتبار أنهم يشكلون غالبية الناس من بين الذين توجه إليهم أحكام القانون24.

من الصعوبة بمكان تطبيق هذا المعيار في حالة تفاهة الضرر للأسباب التالية:

أ: لا يمكن من الناحية العملية أن نقيس مستوى شكوى الرجل العادي للضرر من عدمها.

ب: الشكوى هي أمر نفسي داخلي وليس ردود أفعال خارجية يأتيها الرجل المعتاد؛ إذا ما وضع بموضع الجاني؛ وبالتالي سيختلط المعيار الموضوعي مع المعيار الشخصي.

ج: هذا المعيار لن يميز بين الضرر التافه وبين الضرر القليل أو الضئيل، والحد الفاصل بينهما دقيق جدًّا، فكما أسلفنا في موضع سابق من البحث أن التطبيقات القضائية ميزت بين الضرر التافه وبين الضرر القليل.

رابعًا: الإشكالية الأخرى الناجمة عن نص المادة (56) هي، الغموض الذي اكتنف النص فهل المقصود جرائم الضرر دون جرائم الخطر أم كلاهما؟ وإذا كان المقصود بكليهما على أساس أن محكمة التمييز القطرية قد حسمت الأمر بقولها إن: "الضرر ملحوظ في كل الجرائم وهو في الواقع علة التجريم؛ لأن المشرع لا يعاقب إلا على الأفعال أو التصرفات التي يقدر أنها ضارة بالمصلحة العامة أو الخاصة"25؛ فإذا كان الحال كذلك، فكيف يمكن لنا أن نقيس تفاهة الضرر لا سيما وأنه في جرائم الخطر أو ما يطلق عليه (جرائم السلوك المجرد) التي تفترض ألَّا ينجم عنها ضرر أصلًا، فكيف يتم تطبيق معيار الشخص العادي26؛ إنها لا تصيب شخصًا بعينه وأن النتيجة والضرر مفترض بحكم القانون؛ وبالتالي كيف سنقيس تفاهة الضرر؟ وكيف نطبق معيار الشخص العادي؟

تجدر الإشارة في هذا المقام إلى أن التشريعات الجزائية العربية منها من أخذ بفكرة تفاهة الضرر أو على وجه الدقة ضآلة الضرر دون ذكرها صراحة في جرائم معينة واعتبرها من الأعذار القانونية المخففة للعقوبة، كالتشريع الجزائي المصري؛ حيث نص في المادة 118 مكرر من قانون العقوبات على أنه: "إذا كان المال موضوع الجريمة أو الضرر الناجم عنها لا تجاوز قيمته خمسمائة جنيه أن تقضي فيها بدلًا من العقوبات المقررة لها بعقوبة الحبس أو بواحدة أو أكثر من التدابير المنصوص عليها في المادة السابقة"؛ أما التشريعات الجزائية التي أخذت بتفاهة الضرر صراحة فمنها من اعتبر تفاهة الضرر عذرًا قانونيًّا مخففًا للعقوبة كالتشريع الجزائي السوري؛ حيث قرر خفض العقوبة إلى النصف أو الربع حسب الأحوال في حالة تفاهة الضرر في جرائم جنحيّة معينة27، ومنها من اعتبر تفاهة الضرر عذرًا قانونيًّا معفيًّا من العقاب كالتشريع الجزائي الكويتي؛ حيث نص على أنه: "إذا اتهم شخص بجريمة تستوجب الحكم بالحبس، جاز للمحكمة، إذا رأت من أخلاقه أو ماضيه أو سنه أو الظروف التي ارتكب فيها جريمته أو تفاهة هذه الجريمة ما يبعث على الاعتقاد بأنه لن يعود إلى الإجرام، أن تقرر الامتناع عن النطق بالعقاب..."28.

الخاتمة

التوصيات:

نخلص من كل ما تقدم، أن المشرع القطري لم يكن موفقًا في اعتبار "تفاهة الضرر مانعًا من موانع المسؤولية الجنائية، ويمثل نهجه في هذا الشأن خروجًا عن القواعد العامة لها، والتي تفترض أن يكون المانع أو العارض يمس الركن المعنوي بأحد عنصريه (الإدراك أو الإرادة)، وما عدا ذلك، لا يمكن الاعتداد به كمانع من موانع المسؤولية الجنائية. وعليه نتمنى على المشرع القطري المحترم أن يعالج الإشكالية الناجمة عن اعتبار تفاهة الضرر مانعًا من موانع المسؤولية الجنائية وأن يراعي التوصيات التالية:

أولًا: إلغاء حكم المادة (56) من قانون العقوبات القطري رقم 11 لسنة 2004، القاضي باعتبار "تفاهة الضرر" أحد موانع المسؤولية الجنائية.

ثانيًا: إقرار نص قانوني جديد تحت الباب السابع من الكتاب الأول من قانون العقوبات رقم 11 لسنة 2004 والخاص "بالأعذار القانونية والظروف التقديرية"؛ يقضي باعتبار "تفاهة الضرر" عذرًا قانونيًّا إمَّا مخففًا للعقوبة أو معفيًّا لها حسب المصلحة التي يرتئيها المشرع.

ثالثًا: أن يحدد المشرع الجرائم المشمولة بهذا العذر، ونفضل أن يحصر بجرائم الضرر دون جرائم الخطر، على أساس أن في النوع الأخير لا توجد نتيجة مادية معينة يمكن من خلالها تطبيق المعيار، والأهم من ذلك أن فلسفة جرائم الخطر تقوم على التشدد بالسياسة العقابية لا التساهل فيها؛ بينما على النقيض من ذلك فإن فلسفة اعتبار تفاهة الضرر عذرًا قانونيًّا مخففًا أو معفيًّا من العقاب تقوم على أساس التساهل في السياسة العقابية.

رابعًا: أن يتبنى المشرع القطري معيارًا أكثر انضباطًا لقياس تفاهة الضرر من عدمها؛ حتى لا يختلط تفاهة الضرر مع الضرر القليل.

المراجع:

1) حسني، محمود نجيب، شرح قانون العقوبات اللبناني – القسم العام، دار النقري، ط2، بيروت، لبنان، 1975.

2) القهوجي، علي عبد القادر، شرح قانون العقوبات - القسم العام، منشورات الحلبي، بيروت، لبنان، 2002.

3) سالم، عمر، شرح قانون العقوبات – القسم العام- دار النهضة العربية، القاهرة، جمهورية مصر العربية، 2010.

4) الحسيني، عمر الفاروق، الوجيز في شرح قانون العقوبات – القسم العام، دار النهضة العربية، القاهرة، جمهورية مصر العربية، 2010.

5) الشاذلي، فتوح عبد الله، شرح قانون العقوبات – القسم العام، الكتاب الثاني، دار المطبوعات الجامعية، الإسكندرية، جمهورية مصر العربية، 2001.

6) رمضان، عمر السعيد، شرح قانون العقوبات – القسم العام، دار النهضة العربية، القاهرة، جمهورية مصر العربية.

7) الزلمي، مصطفى إبراهيم، موانع المسؤولية الجنائية في الشريعة الإسلامية والتشريعات العربية، دار وائل، عمان- الأردن، 2005،.

8) سلامة، مأمون، قانون العقوبات – القسم العام، دار الفكر العربي، الطبعة الثالثة، القاهرة، جمهورية مصر العربية، 1882.

9) السعيد، كامل، شرح الأحكام العامة في قانون العقوبات، دار الثقافة، المملكة الأردنية الهاشمية، 2011.

10) مصطفى، محمود محمود، شرح قانون العقوبات – القسم العام، دار النهضة العربية، القاهرة، مصر، 1983.

11) الأعظمي، سعد إبراهيم الأعظمي، موسوعة مصطلحات القانون الجنائي ، دار الشؤون الثقافية العامة، الطبعة الأولى، بغداد، العراق، 2002.

12) محمد، عوض، جرائم الأشخاص والأموال، دار المطبوعات الجامعية، الإسكندرية، جمهورية مصر العربية، 1985.

13) شمس الدين، أشرف توفيق، شرح قانون العقوبات القطري - القسم العام، ط1، مطبوعات جامعة قطر، الدوحة، قطر، 2010.

14) غنام، محمد غنام، شرح قانون العقوبات القطري – القسم العام، إصدارات كلية القانون، جامعة قطر، الدوحة، قطر، 2017.

15) السبعاوي، مجيد خضر أحمد، نظرية السببية في القانون الجنائي، ط1، المركز القومي للإصدارات القانونية، القاهرة، جمهورية مصر العربية، 2014.

Footnotes

  1. 1 ) بلال، أحمد عوض1988، الإثم الجنائي - دراسة مقارنة، الطبعة الأولى، دار النهضة العربية، القاهرة، جمهورية مصر العربية ص 143.
  2. 2 ) القهوجي، علي عبد القادر، شرح قانون العقوبات - القسم العام، منشورات الحلبي، بيروت، لبنان،2002، ص 583، وما بعدها.
  3. 3 ) سالم، عمر، شرح قانون العقوبات – القسم العام، دار النهضة العربية، القاهرة، جمهورية مصر العربية، 2010، ص 523.
  4. 4 ) الحسيني، عمر الفاروق، الوجيز في شرح قانون العقوبات – القسم العام، دار النهضة العربية، القاهرة، جمهورية مصر العربية، 2010، ص 105.
  5. 5 ) الشاذلي، فتوح عبد الله، شرح قانون العقوبات – القسم العام، دار المطبوعات الجامعية، الإسكندرية، جمهورية مصر العربية، الكتاب الثاني، 2001، ص 71.
  6. 6 ) رمضان، عمر السعيد، شرح قانون العقوبات – القسم العام، دار النهضة العربية، القاهرة، جمهورية مصر العربية، ص 219.
  7. 7 ) الزلمي، مصطفى إبراهيم، موانع المسؤولية الجنائية في الشريعة الإسلامية والتشريعات العربية، دار وائل، عمان - الأردن، 2005، ص 53.
  8. 8 ) سلامة، مأمون، قانون العقوبات –القسم العام، دار الفكر العربي، الطبعة الثالثة، القاهرة، جمهورية مصر العربية،1882، ص 315.
  9. 9 ) السعيد، كامل، شرح الأحكام العامة في قانون العقوبات، دار الثقافة، المملكة الأردنية الهاشمية، 2011، ص 450.
  10. 10 ) مصطفى، محمود محمود، شرح قانون العقوبات – القسم العام، دار النهضة العربية، القاهرة، مصر، 1983، ص 494.
  11. 11 ) سالم، عمر، شرح قانون العقوبات المصري – القسم العام، دار النهضة العربية، القاهرة مصر، 2010، ص 558.
  12. 12 ) انظر: المادة (62) من قانون العقوبات العراقي رقم111 لسنة 1969؛ حيث نصت على أنه: "لا يسأل جزائيًّا كل من أكرهته على ارتكاب الجريمة قوة مادية أو معنوية لم يستطع دفعها".
  13. 13 ) القهوجي، علي عبد القادر، شرح قانون العقوبات – القسم العام، منشورات الحلبي الحقوقية، بيروت - لبنان، 2002، ص 711.
  14. 14 ) انظر: المواد 47 و48 و49 من قانون العقوبات القطري رقم 11 لسنة 2004.
  15. 15 ) المادة 141 من قانون العقوبات القطري رقم 11 لسنة 2004.
  16. 16 ) المادة 46 من قانون العقوبات القطري رقم 11 لسنة 2004.
  17. 17 ) الأعظمي، سعد إبراهيم الأعظمي، موسوعة مصطلحات القانون الجنائي، دار الشؤون الثقافية العامة، بغداد، الطبعة الاولى، ص ١٩٩.
  18. 18 ) المادة الثالثة من قانون العقوبات القطري المُلغى رقم 14 لسنة 1971.
  19. 19 ) الطعن رقم 57 لسنة 2006، مجموعة الأحكام الصادرة من الدائرة الجنائية بمحكمة التمييز القطرية، السنة الثانية، 2006، ص 259.
  20. 20 ) محمد، عوض، جرائم الأشخاص والأموال، دار المطبوعات الجامعية، الإسكندرية، جمهورية مصر العربية، 1985، ص 256.
  21. 21 ) انظر: مصطفى، محمود محمود، شرح قانون العقوبات - القسم العام، دار النهضة العربية، الطبعة الثالثة، القاهرة، مصر، 1983، ص 280، كذلك القهوجي، علي عبد القادر، مرجع سابق، ص 320 وما بعدها، كذلك انظر: سلامة، مأمون محمد، مرجع سابق، ص 120.
  22. 22 ) غنام، محمد غنام، شرح قانون العقوبات القطري – القسم العام، إصدارات كلية القانون، جامعة قطر، الدوحة، 2017، ص 108.
  23. 23 ) الطعن رقم 57 لسنة 2006، مجموعة الأحكام الصادرة من الدائرة الجنائية بمحكمة التمييز القطرية، السنة الثانية، 2006، ص 259.
  24. 24 ) السبعاوي، مجيد خضر أحمد، نظرية السببية في القانون الجنائي، المركز القومي للإصدارات القانونية، ط 1، القاهرة، جمهورية مصر العربية، 2014، ص 155.
  25. 25 ) الطعن رقم 57 لسنة 2006، مجموعة الأحكام الصادرة من الدائرة الجنائية بمحكمة التمييز القطرية، السنة الثانية، 2006، ص 259.
  26. 26 ) شمس الدين، أشرف توفيق، شرح قانون العقوبات القطري -القسم العام، ط1، مطبوعات جامعة قطر، الدوحة، قطر، 2010، ص 486.
  27. 27 ) نصت المادة 662 من قانون العقوبات السوري النافذ على أنه: "تخفض إلى النصف العقوبات الجنحيّة المعينة في المواد التي تؤلف الفصل الأول والثاني والثالث إذا كان الضرر الناتج عنها أو النفع الذي قصد الفاعل اجتلابه منها تافهين أو إذا كان الضرر قد أزيل كله قبل إحالة الدعوى إلى المحكمة 2 ـ أما إذا حصل الرد أو أزيل الضرر أثناء الدعوى ولكن قبل أي حكم بالأساس ولو غير مبرم فيخفض ربع القيمة".
  28. 28 ) المادة 81 من قانون الجزاء الكويتي رقم 16 لسنة 1960.

Usage Statistics

Views
PDF Views

Author's Info

Dr. Eyad Haroun Al-Douri — College of Law, Qatar University.

Assistant Professor of Criminal Law at the College of Law, Qatar University.

How to Cite

How to Cite

Assessment of the Qatari Legislator’s Approach in Considering Minor Harm as a Ground Precluding Criminal Liability. (2021). The Legal & Judicial Journal, 15(2), 31. https://ljj.qa/ojs/index.php/MOJ/article/view/114

Views

2

Downloads

0

Citations

0

Authors

1
December 2021
Pages 31

Issue

2

Year

2021