Sudan’s Criminal Procedures Code and Qatar’s Criminal Procedure Code grant the Public Prosecution authority in certain circumstances to discontinue criminal proceedings by notifying the court that it does not wish to continue the indictment or prosecution, even without stating the reasons for doing so.
This authority raises questions regarding the separation of powers and judicial independence, since it permits the termination of criminal proceedings after they have begun. The study examines the legal basis, justification, and implications of granting such authority to the Public Prosecutor, and analyzes whether it remains necessary under contemporary criminal justice systems.
The research concludes that staying criminal proceedings constitutes a judicial decision by nature and may conflict with constitutional principles safeguarding judicial independence. It recommends subjecting this authority to judicial oversight and limiting its use to exceptional circumstances of absolute necessity.
تمُر الدعوى الجِنائية بمَرحلتين هما: مرحلة التحقيق الابتدائي، ومرحلة المحاكمة، فكل جريمة تقع ينشأ عنها في الغالب حق للمجتمع في عقاب الجناة، حيثُ تُعدُّ الدعوى العامة أو العُمُوميِّة وسِيلة الدولة فِي مُمُارسة سُلطتِها بِفرض العِقاب على المُجرِمِين، فعِند وُقُوع الجريمة لا يتم توقِيع العُقوبة مُباشرة بواسطة المحكمة، بل يجِب أن يسبِق ذلك إجراء التحقيق بواسطة النيابة العامّة لتحدِيد مدى صلاحية الدّعوى لنظرِها أمام المحكمة، ولا يقتصِر دور النيابة العامة عند حد جمع الأدلَّة، بل تمتد وظِيفتِها لتشمل دورًا قضائِيًا تُقرر بمُوجُبه مصير الدعوى الجنائية بإصدار قرار منع المحاكمة؛ فإذا كان من المُسلّم به في التشريعات والقضاء المُقارَن أن تقُوم النيابة بإصدار أمر مُسببٍ بألَّا وجه لإقامة الدعوى الجنائية فإنَّ الأمر يبدو خلاف ذلك في قانون الإجراءات الجنائية السوداني وبعض المواد في قانون الإجراءات الجنائية القطري، حيثُ الواقِع العملي يشير إلى أن النيابة تصدر في بعض الأحيان كتابًا إلى القاضي تُقرر بِمُوجِبِه عدم رغبتها في الاستمرار في توجيه الاتهام أو الاستمرار في المحاكمة بدون إبداء الأسباب الداعية لذلك.
تناولت بعض تشريعات الإجراءات الجنائية قرار وقف الدعوى الجنائية وقد اختلفت التشريعات حول تسميته فيطلق عليه في القانون الإنجليزي (Nolle Prosequi)، وفي القانون القطري ترك الدعوى الجنائية، وفي القانون السوداني وقف الدعوى الجنائية، ومهما اختلفت التشريعات في التسمية التي تُطلق عليه؛ فإنّها تتفق في بيان الأثر الذي يُحدِثَه في اعتراض إجراءات سير الدعوى الجنائية والوقُوف بالإجراءات عند الحد الذي وصلت إليه.
أهمية البحث:
مُشكلة البحث:
تساؤلات البحث:
منهج البحث:
اتبعت في البحث المنهج التحليلي القائم على تحليل النصوص القانونية والأحكام القضائية وفِقًا للدراسة المقارنة.
حدود البحث
في هذه الورقة أتناول موضوع وقف الدعوى الجنائية من خلال إيراد النصوص وبعض القضايا القانونية التي فصلت فيها المحاكم من خلال تعليقاتها حول هذه السلطة في القانون السوداني والقطري، مبررات وحالات وقف الدعوى الجنائية في الشريعة الإسلامية، باعتبار كلا التشريعين نصا على استثناء جرائم الحدود والقصاص والحق الخاص من سلطة النائب العام.
خُطة البحث:
تمَّ تقسيم البحث إلى أربعة مباحث وعدة مطالب وذلك على النحو التالي:
المبحث الأول: مفهُوم وقف الدعوى الجنائية وتركها ومبرراته
المطلب الأول: مفهوم وقف الدعوى الجنائية وتركها
المطلب الثاني: أوجه الشبه والاختلاف بين وقف الدعوى والأمر بألَّا وجه لإقامتها
المطلب الثالث: مبررات وقف الدعوى الجنائية
المبحث الثاني: نظام وقف وترك الدعوى الجنائية في القانونين السوداني والقطري
المطلب الأول: وقف الدعوى الجنائية في القانون السوداني
المطلب الثاني: ترك الدعوى الجنائية في القانون القطري
المبحث الثالث: التكييف القضائي والقانوني لسلطة وقف الدعوى الجنائية
المطلب الأول: التكييف القضائي لسلطة وقف الدعوى الجنائية
المطلب الثاني: التكييف القانوني لسلطة وقف الدعوى الجنائية
المبحث الرابع: وقف الدعوى الجنائية في الشريعة الإسلامية
المطلب الأول: المساواة أمام النصوص الجنائية وإجراءاتها في الشريعة الإسلامية
المطلب الثاني: إقالة عثرات ذوي الهيئات
النتائج والتوصيات
مفهوم وقف الدعوى الجنائية وتركها ومبرراته
تمهيد:
تمُر الدعوى الجنائية بمرحلتين هُما: مرحلة التحقيق الابتدائي ومرحلة المُحاكَمة، فالقانون منح النائب العام سلطة إنهاء الدعوى الجنائية وعدم إحالتها للمحاكمة بإصدار قرار بألَّا وجه لإقامة الدعوى وفقًا للقانون القطري، وهي نفس السلطة الممنوحة للنيابة العامة بالسودان بشطب الدعوى الجنائية فكلتا الحالتين يتطلَّب القانون إبداء أسباب هذا القرار، إلَّا أنَّ كِلا القانونين وسَّعا من سلطة النيابة العامة، بأن منح النائب العام في السودان سلطة وقف الدعوى الجنائية أثناء التحقيق الابتدائي وأثناء المحاكمة، وكذا القانون القطري؛ حيث منح النائب العام سلطة إنهاء الدعوى الجنائية بالترك وذلك بعد إحالتها للمحكمة، نتناول في هذا المبحث مفهوم وقف الدعوى الجنائية في السودان، وترك الدعوى الجنائية في قطر، ومقارنتهما مع الأمر بألَّا وجه لإقامة الدعوى الجنائية ومبررات وقفها.
المطلب الأول
مفهوم وقف الدعوى الجنائية وتركها
أولًا: مفهوم وقف الدعوى الجنائية في السودان:
إنَّ مسالة وقف إجراءات الدعوى الجنائية تعُود تارِيخيًّا إلى عام 1940؛ حيث عُدِّل قانون الإجراءات الجنائية بالأمر التشريعي رقم 3 لسنة 1951، وبالقانون رقم 30 لسنة 1954، وبالقانون رقم 19 لسنة 1968، وبالقانون رقم 83 لسنة 1969 بإعادة تنظيم وزارة العدل، وهي المادة 231 من قانون الإجراءات الجنائية والمادة 58 من قانون الإجراءات الجنائية لسنة 1991، كما أنَّ لهذه المادة أصلها في تشريعات الدول الأخرى مثل بريطانيا والهند والعراق ونيجيريا وأوغندا(1.
هذه السلطة لها أصولها في القانون الإنجليزي والقانون الهندي؛ فهي ليست لها قوة الحكم، كما أنها لا تُعتبر عفوًا بِمعناه القانوني المعرُوف، كما أنَّها ليست براءة يُمِكن الدفع بها.
هذا المفهوم هو أساس سُلطة النائب العام بعدم مُواصلة إجراءات الاتهام فيما يتعلَّق بالقضية التي تم قيدها أمام القضاء، إذن وقف الإجراءات هُو إجراء يتخذه النائب العام مُوضِحًا فيه ألَّا يرغب في توجيه الاتهام أو الاستمرار فيه، أو المحاكمة بالنسبة لمُتهم بعينه أو لكل المُتهمين بالنسبة لتهمة معينة أو لكل التهم، ولا تتطلب مُوافقة المحكمة المُختصة فبمُجرد تقديم طلب وقف الإجراءات؛ فإن الإجراءات تنتهي عند هذا الحد.
ثانيا: مفهوم ترك الدعوى الجنائية في قطر:
باستقراء مواد قانون الإجراءات الجنائية القطري رقم 23 لسنة 2004 نجد أنَّ المُشرِّع قد نظَّم الأحكام الإجرائية لعمل النيابة العامة من حيثُ تحرِيكِها للدعوى الجنائية ومُباشرتِها للتحقيق الابتدائي بعد مرحلة جمع الاستدلالات والتصرُّف في الدعوى الجنائية؛ بالإضافة إلى ذلك قام المُشرِّع باستحداث نظام جديد يمنح النيابة العامة سُلطة أخرى تتمثل في ترك الدعوى الجنائية، وذلك إذا ما توافرت الشروط المحددة في نص المادة 155 من ذات القانون؛ حيث منح النائب العام سلطة إنهاء الدعوى الجنائية أثناء مرحلة المحاكمة حين تكون الدعوى منظورة أمام قضاء الحكم، ووفقًا للشروط المحددة التي نص عليها القانون عن طريق تقرير النائب العام، ونصت المادة 155 من قانون الإجراءات الجنائية على أنه: "فيما عدا جرائم الحدود، يجوز للنائب العام في أي وقت، بعد إحالة الدعوى الجنائية وقبل صدور حكم نهائي فيها، أن يقرر ترك الدعوى الجنائية، ويجب إعلان المجني عليه أو المضرور من الجريمة، إن وجد بتقرير الترك وفي هذه الحالة لا يجوز إثبات الترك إلاَّ بموافقته."(3)
ثالثًا: أوجه الشبه والاختلاف بين وقف الدعوى الجنائية وتركها:
المطلب الثاني
أوجه الشبه والاختلاف بين وقف الدعوى والأمر بألَّا وجه لإقامتها
أولا: الطبيعة القانونية للأمر بألَّا وجه لإقامة الدعوى الجنائية:
أجمع الفقه أنَّ الأمر بألَّا وجه لإقامة الدعوى الجنائية يتوقَّف على طبيعة المرحلة التي يصدُر فيها؛ فإذا كان التحقيق الابتدائي بطبيعته عملًا قضائيًا فإنَّ ختامه ونهايته ستكُون عملًا قضائيًا، ولذلك يُعتبر أمرًا قضائيًا لكونِه يأتي في خِتام مرحلة التحقيق الابتدائي، وقد اشترطت المادة 146 من قانون الإجراءات الجنائية القطري رقم 23 لسنة 2004 على وُجوب شُمُول الأمر بالأسباب التي بُنَي عليها(4).
في القانون السوداني لا يُوجد مصطلح الأمر بألَّا وجه لإقامة الدعوى، وإنَّما يتم استخدام مُصطلح شطب الدعوى الجنائية؛ إذا أمعنا النظر في قانون الإجراءات الجنائية السوداني نجد أنَّ النيابة هي التي تقوم بتوجيه التحري ومُباشرتِه والإشراف عليه، وهي التي تقُوم بتوجِيه التُهمة، ومن سلطات وكيل النيابة أنَّه هو الذي يقوم بشطب الاتهام إن لم يكُن هنالك مقتضًى للسير في الإجراءات، وجاء نص قانون الإجراءات الجنائية السوداني بأنه: "يجُوز لوكيل النيابة في أيِّ وقت بعد توجِيه التُهمة إذا اتضح أنَّه لا تُوجد أسباب كافِية للسير في الدعوى الجنائية أن يُقرر شطبها ويُدوِّن بذلك قرارًا مُسببًا ويُصدر أمر بالإفراج عن أي مُتهم والتصرُف في أي محجُوزات وِفق أحكام القانون على أن يرفع قراره إلى وكيل النيابة الأعلى"(5، وبذلك يُشير القانون إلى أنَّه لا يتم شطب الدعوى الجنائية إلَّا لأسباب واضِحة منعًا للأسباب المبنِيّة على الهوى أو المصالِح الشخصية أو أي شُبهات يُمكِن إثارتَها حول قرار شطب التُهمة.
لم يرد في القانون القطري تعريف للأمر بألَّا وجه لإقامة الدعوى الجنائية، وهو يصدُر وِفقًا لسُلطة المُحقق بعد أن يكون قد باشر التحقيق الابتدائي ولا يفصل في موضُوع الدعوى، بل يقتصر أثرُه على الوقوف بها عند الحد الذي بلغته وقت صدُورِه إذا ما توافر أحد الأسباب القانونية التي تُبرر ذلك، وأنَّ هذا الأمر يحُوز حُجِّية ذات طبيعة خاصَّة، ويترتب على ذلك عدم إمكانية إحالة ذات الدعوى إلى الحكم إلَّا في حالة ظُهُور أدلَّة جديدة.(6)، فالأمر بألَّا وجه لإقامة الدعوى الجنائية يُعتبر أمرًا تُقرِر بِمُقتضاه سُلطة التحقيق عدم السير أو الاستمرار في الدعوى الجنائية وذلك لتوافُر سبب من الأسباب التي تحُول دُون ذلك(7)، أمَّا فيما يتعلَّق بالتسبيب الذي اشترطه القانون في الأمر بألَّا وجه لإقامة الدعوى؛ فهو إجراء جوهري ويكُون بالقدر الذي يقتضِيه المقام في الدعوى، وفي حدود وظيفة قضاء التحقيق بوصفه جِهة تحقيق لا قضاء حكم، بمعنى أنَّه لا يَلزَم أن يُبنَى القرار على أسباب مُفصّلة تفصِيلًا دقيقًا كالأسباب التي ينبغِي أن تُوضع بمعرِفة قضاء الحكم(8).
ثانيًا: المقارنة بين وقف الدعوى الجنائية وتركها والأمر بألَّا وجه لإقامتها:
الخلاصة:
النيابة في السودان وِفقًا للقانون الحالي (1991) تقُوم بكُل إجراءات ما قبل المُحاكمة وهذه السُلطات كان يُمارِسُها القُضاة سابِقًا وفقًا للقوانين الإجرائيِّة قبل 1991، إذن يملك النائب العام كثير مِن السُّلطات التي لم يكُن يملِكُها في السابق؛ فأصبح هُوَ صاحِب القرار في أن يُحِيل الدعوى الجنائية للمحكمة من عدمه، فبالتالي تكُون مُبرِرات وجُود سلطته في وقف الدعوى الجنائية قد انتفى(10.
أمَّا نظام ترك الدعوى الجنائية الذي منح فيه المشرع القطري الحق للنائب العام يختلف عن الأمر بألَّا وجه لإقامة الدعوى؛ إذ إنَّ الأخير يصدر بمعرفة النيابة في مرحلة التحقيق الابتدائي، ويترتب عليه عدم دخول الدعوى في حوزة المحكمة، في حين أنَّ ترك الدعوى الجنائية يكون بناء على طلب النائب العام بعد إحالة الدعوى إلي المحكمة؛ أي إنَّ البينات مُتوفِّرة للفصل في القضية أمام المحكمة، فالقول إنَّه يُمكن أن تُمنح النيابة هذه السلطة وأن تُصدر قرارها في إطار سلطتها بألَّا وجه لإقامة الدعوى وفي ظل عدم النص على أسباب واضحة لهذه السلطة يُمكن أن يكون ذلك مدخلًا لاستغلال سلطاتها، إلَّا أنّ الإشكالية تكُون قائمة بأنَّ قرار النيابة بترك الدعوى الجنائية نهائي ولا يُمكن الطعن فيه. فالباحث يضم صوته إلى أن يكون استخدام النائب العام لسلطته بترك الدعوى الجنائية عند الضرورة القصوى وفي أضيق الحالات.
المطلب الثالث
مبررات وقف الدعوى الجنائية
إنَّ سُلطة النائب العام في وقف الدعوى الجنائية ليست مُطلقة إذ إنَّه لا يجُوز له استخدامها في جرائم الحدود والقصاص أو الجرائم التي يجُوز فيها التنازُل الخاص عن الدعوى، إنَّ استخدام النائب العام سلطة وقف الإجراءات الجنائية برفضِه تدوين الدعوى في حالة الجرائم الواضِحة يتعارض ويُؤدِّي إلى خيبة الأمل تِجاه نظام العدالة الجنائية، ويُؤدِّي أيضًا للاعتقاد أنَّ تطبيق القانون ليس عادِلًا في حد ذاتِه، وفي بعض الأحيان يُمثِّل ذلك مظهرًا من مظاهِر الصراع الثَّقافي بين فرض هيبة الدولة بواسطة القانون والأنماط والقِيم المحليِّة، ويظهر ذلك بصُورة جليِّة وواضِحة خاصة في المناطق الريفية؛ حيث يُوجد ما يُسمي بالجرائم الشعبية Folk Crimes))؛ فهي تُعرَّف على أنَّها الأفعال التي تُوافِق التعريف القانونِي للجريمة، ولكنَّها مقبُولة في المُجتمع الذي تقع فيه ويتمّ التعامُل معها بصورة مُختلِفة، باعتبار أنَّها لا تضُر بالسلامة العامّة في المُجتمع الذي تقع فيه؛ فتكُون مقبُولة من أفراد المُجتمع المحلي بغض النظر عن نظرة القانون لها باعتبارها جرائم تستوجب العقُوبة.
وكمثال على ذلك في دراسة تم إعدادها في الولايات المتحدة الأمريكية(11 والمُتعلقة بالتقطير وتوزيع واستعمال الكحول المحرم - ونعني بمفهومنا هنا الخمور البلدية المخالفة للمواصفات فالخمر في حد ذاتها ليست محرمة لديهم - فهنالك نزاع بين قبول المُجتمعات الريفية له، وفي نفس الوقت معارضته للقانون؛ ونتيجة لذلك أصاب الإحباط رجال الشرطة في محاولاتهم لمُواجهة مثل هذه الظواهر، بعدم قدرتهم على منع سكان الريف من الصناعة والحصول على هذا الكحول لصعوبة الحُصُول على إفادة الشُهود؛ فهذه السُلُوكيات أظهرت كيف أنَّ صراع الثقافة قد يُؤدِّي في بعض الأحيان إلى تعطيل الإجراءات الجنائية أمام (المحاكم) هيئة المحلفين، وأيًا كانت المُبررات المُتعلِّقة بالمصلحة العامة والمُرتبِطة بمُلابسات مثل هذه القضية؛ فالنائب العام قد يُقدّم المعايير الشخصية والتي يُمكن أن تُؤثِّر على العدالة بألَّا يعتقد أنَّ الحالة المُوجه لها الاتهام لا تُشكِّل تهديدًا للمُجتمع بغض النظر عن قُوَّة البيِّنة المُقدَمة؛ فقد يرفُض توجِيه التُهمة ولا يقُوم باتخاذ إجراءات الاتهام بعد القبض على المُتهم؛ بسبب أنّه لا يرغب في توجيه أو مُواصلة الاتهام(12.
وعلى أية حال يُمكن تلخيص مُبررات تدخُل النائب العام لوقف الدعوى الجنائية أمام المحاكم في الحالات التالية:
أولًا: المبررات السياسية:
شكلّت المُحاولات الانقلابيِّة وحركات المُعارضة مساحات واسِعة في دُول العالم الثالث نسبة للتخلُّف الاقتصادي وانتشار الأُميّة والجهل؛ فقارعت حركات المُعارضة السُّلطة، وفي كثير من الأحيان يتم التوصُل إلى بعض المُصالَحات ولكن تقف الجوانب القانونية لما تمَّ اتخاذه من إجراءات جنائية حجر عثرة أمام بعض التسويات السياسية؛ فتكون سلطة النائب العام في وقف الإجراءات الجنائية للمُساعدة في إحلال السلام والعمل على عودة أبناء الوطن؛ فيجب ألَّا يكُون تدخُل النائب العام في هذه الحالة من أجل المُحاباة، أو التدخُّل بما يُخالِف أحكام الشريعة الإسلاميِّة(13.
ثانيًا: المصلحة الاجتماعية:
قد يطلب النائب العام وقف الدعوى الجنائية حفاظًا على بناء الأسرة نواة المجتمع، ومثال ذلك السرقة بين الأصول والفروع كما إذا سرق ابن من والده؛ فإنَّه يجُوز للنائب العام طلب وقف الإجراءات الجنائية أمام المحكمة الجنائية المُختصة بناء على طلب الوالد حِفاظًا على الأسرة كنواة للمُجتمع.
المصلحة الاقتصادية:
قد يتدخَّل النائب العام ويُطالِب بوقف الدعوى الجنائية حِفاظًا على المصلحة العامة الاقتصادية للدولة؛ حتى لا ينهار الاقتصاد الوطني، ومثال ذلك تدخُل النائب العام في بعض قضايا المصارف والجمارك.
المصلحة الأمنية:
السودان بلد مترامي الأطراف ومُتعدد الأعراق والديانات وتُحِيط بِه عِدّة دُول؛ فأوجدت هذه العوامِل في كثير من الأحيان أوضاعًا غير مُستقرّة؛ فتَحدُث مُنازعات قبلية وتُحسَم غالِبًا مِن خِلال مُؤتمرات الصُّلح وتهدِئة الخواطِر، وهذه الأمُور في غالِب الأحيان تُصاحِبها بعض التسويات التي تتطلَّب وقف الإجراءات الجنائية بواسطة النائب العام.
نظام وقف وترك الدعوى الجنائية في القانونين السوداني والقطري
المطلب الأول
وقف الدعوى الجنائية في القانون السوداني
للوقوف على ملامح هذه السلطة نتعرف بإيجاز على النصوص المُتعلِّقة بها في القانون السوداني، مع بيان ما طرأ عليها من تطور من خلال المحاور التالية:
ثالثًا: قانون الإجراءات الجنائية السوداني لسنة 1925- 1974م:
جاء وقف الدعوى الجنائية في القانونين المذكورين؛ حيثُ جاء النص في قانون 1925م باللغة الإنجليزية، والنص في قانون 1974م باللغة العربية تحت رقم المادة 231 أ؛ ففي القانون الأول وتم النص على المحامي العام Advocate general))، وفي القانون الثاني تمَّ النص على النائب العام Attorney general) )، وتُقرأ المادة كالآتي:
وجاء في التعليق على هذه المادة "يلاحظ أن للنائب العام أو من يفوضه في ذلك، الحق في ألَّا يواصل الاتهام في أي مرحلة من مراحل الدعوى قبل صدور حكم بالإدانة أو البراءة حتى ولو كان هو الذي حرك إجراءاتها على أن يخطر القاضي الذي ينظر الواقعة بقراره هذا، كما أن من حقه أيضًا وقف الإجراءات إذا كان قد حركها غيره؛ سواء كان شخصًا عاديًّا أم هيئة من الهيئات العامة، كذلك يجوز في أي وقت أثناء التحري أن يطلب النائب العام تقديم يومية التحري له أو وضعها أمام أي من مرؤوسيه من القانونيين، وقد أعطيت سلطة الأمر بعرض يومية التحري للنائب العام أيضًا؛ كي يتمكن من ممارسة سلطاته في الاتهام تطبيقًا لذلك، أو في وقف الإجراءات بعد انتهاء التحريات"(15.
وحكمت المحكمة العليا السودانية في ذات الإطار: "في حالة استمرار التحري يجُوز للنائب العام بمُوجِب قانون الإجراءات الجنائية أن يطلب تقديم يومية التحري له أو وضعها أمام أيِّ من مرؤوسيه من القانونيين، وأمَّا في حالة انتهاء التحري وإرسال اليومية إلى القاضي؛ فإنَّه ليس للنائب العام طلب إرسالها له إلَّا إذا رغب النائب العام في ممارسة سلطاته بوقف الإجراءات"(16 وجاء في أحكام المحكمة العليا: "أن أمر النائب العام بوقف الإجراءات قبل إكمال التحريات يخالف منطوق المادة 231 أ ويعتبر مجافيًا للقانون وباطلًا" (17)، وقضت كذلك المحكمة العليا السودانية أن أمر وقف الإجراءات الذي لا يوجهه إلى القاضي المختص لا يعتبر صادرًا وفقًا للمادة 231 أ إجراءات ويعتبر باطلًا ويمكن للقاضي تجاهله"(18، وقضت المحكمة العليا أن المادة 231 أ من قانون الإجراءات واضحة كل الوضوح، ولم يذكر المشرع إطلاقًا أن مُوافقة المحكمة مهمة في وقف الإجراءات، كما أن المشرع لم يطلب من النائب العام ذكر الأسباب التي يعتمد عليها، وحسب المادة يجب على القاضي المختص أو المحكمة وجوبيًا بعد تقديم طلب الإيقاف إطلاق سراح المتهم فورًا، ونحن نعتقد أن المشرع إذا قصد موافقة المحكمة أو تقديم طلب مسبب من النائب العام لوقف الإجراءات؛ فإنه كان من الأجدر تضمينه في المادة وبعد ذلك يصبح الموضوع خاضعًا لرأى المحكمة"(19.
الخلاصة:
هذه السلطة ممنوحة للنائب العام وهي اختصاص ذاتي وليس له أن يفوض فيه، ويكون وقف الإجراءات أو السير في الدعوى بناء على طلب المتهم أو أي شخص آخر ذي شأن، أو بناء على تقدير ذاتي من النائب العام ذاته(20.
رابعًا: قانون الإجراءات الجنائية لسنة 1983:
جاء النص على ذلك في المادة 215 من القانون أعلاه تحت عنوان وقف الإجراءات بناء على طلب النائب العام على النحو التالي:
تعليق الباحث:
يجد الباحث أن سلطة النائب العام في وقف الدعوى الجنائية لا تختلف في قوانين 1925 و 1974 وقانون 1983 إلَّا أنه في قانون 1983 تم استبعاد منح سلطة للنائب العام في وقف الدعوى الجنائية إذا كان قراره يتعارض مع أحكام الشريعة الإسلامية، علمًا بأنَّه قد صدر قانون للنائب العام 1981 ولكنه لم يَفصِل في سلطات النائب العام فيما يتعلق بالدعوى الجنائية، ويُعتبر ذلك نُقطة تحوُّل في القانون السوداني والذي يتجِه رُويدًا رُويدًا نحو الفلسفة اللاتينية.
خامسًا: قانون الإجراءات الجنائية لسنة 1991:(23
مؤخرًا في العام 2017(24 تمَّ فصل النيابة العامَّة عن وزارة العدل؛ حيثُ يعتبِرُها خُبراء قانون أنَّها الخطوة الصحيحة تجاه بناء قضاء مُستقِل خاصَّة وأنّ سلطات النائب العام كانت مُخوّلة لوزير العدل وبحكم الدستور يمثِّل محام الحكومة، وكان ذلك يجعل كثيرًا من القضايا التي تتداخل فيها اختصاصات المجتمع بالدولة معقده سيَّما أنَّ النظر فيها مِن قِبَل شخص واحد يُحسَب على منصِبِة السِّياسي في المقام الأول، ولا يستطيع أن يقُوم بِسلطاته كامِلة كحال النائب العام الذي يُماثل السلطة القضائية في الطرف الآخر مستقلًا عن أجهزة الدولة الحكومية؛ مما يُسهّل عليه البت في القضايا الشائكة التي يكُون فيها طرفا الصراع المجتمع ومؤسسات الدولة، وإنَّ ذلك يُعتَبر خُطوة نحو وضع الأُطر القانونية في نصابها الصحيح، ليس كما كان عليه وضع النِّيابة العامَّة قبل العام1972والذي تمَّ فيه دمج السُّلطتيَن لَدى وزير العدل(25.
وقد نص هذا القانون في المادة 37 تحت عنوان: (انقضاء الدعوى الجنائية)على الآتي:
تعليق الباحث:
في هذا القانون لأوَّل مرة يتم النص صراحة على أن وقف الدعوى الجنائية بناء على طلب النائب العام يُعتبر سببًا من أسباب انقضاء الدعوى الجنائية، وألزم القانون كذلك النائب العام أن يكون قراره مُسببًا، ونص القانون على أن قرار النائب العام بوقف الإجراءات يعتبر نهائيًا؛ لأنّه يُعتبر سبب من أسباب انقضاء الدعوى الجنائية.
وفي تعليق لرئيس القضاء الأسبق جلال علي لطفي حول المادة المذكُورة أعلاه "نصَّت المادة 58 على إعطاء النائب العام سُلطة إيقاف الإجراءات الجنائية بعد أن يتخذ قرارًا مُسببًا بذلك يبعث به إلى المحكمة التي تنظر القضية، ونصَّت المادة كذلك على أن يكون قرار النائب العام نهائيًا، ولم تُوضِح المادة طبيعة القضايا التي يجوز للنائب العام أن يتدخل بإيقاف الإجراءات فيها، والمعلُوم أنَّها وحسب السوابق القضائية لا تخرج عن المسائل السياسيِّة والأمنيِّة والاجتماعيِّة؛ فلماذا ذكرت المادة أن يكون القرار مُسببًا إذا لم يكن خاضِعًا للنظر بواسطة المحكمة التي أمامها القضية؟ وكيف يكون قرار النائب العام نهائيًا وقد يتم وقف الإجراءات لأسباب لا تُطمئِن المُواطِن على سير العدالة؟ ثُمَّ إن عِبارة أن يكُون القرار نهائيًا في القوانين لا أثر لها من الناحية القانونية؛ إذ إنَّ ذلك لا يسلُب حق المحكمة العليا من مُمارسة سلطاتها الطبيعية في المُراجعة، وبالتالي فإنَّ قرار النائب العام أو قرار أيِّ جهة أو محكمة أدنى خاضِع لمُراجعة المحكمة العليا(26).
المطلب الثاني
ترك الدعوى الجنائية في القانون القطري
أولًا: نطاق تطبيق ترك الدعوى الجنائية:
وضع المشرع القطري قيدًا على نطاق تطبيق نظام ترك الدعوى الجنائية وذلك باستثناء جرائم الحدود؛ فإذا كانت الجريمة التي يحاكم من أجلها المتهم من جرائم الحدود، فلا يجوز بأي حال من الأحوال التقرير بتركها، ومعلوم أن جرائم الحدود هي من الجرائم التي لا يجوز الشفاعة فيها أو التنازل عنها؛ لأنها من حقوق الله تعالى، وهذا ما سوف نقوم ببيانه عند البحث حول ترك الدعوى الجنائية أو وقفها في الشريعة الإسلامية.
وقد نص المشرع القطري على تلك الجرائم في المادة 1/1 من قانون العقوبات القطري والتي تنص على: "تسري أحكام الشريعة الإسلامية في شأن الجرائم الآتية إذا كان المتهم أو المجني عليه مسلمًا 1. جرائم الحدود المتعلقة بالسرقة والحرابة والزنا والقذف وشرب الخمر والردة"، وبالرجوع إلى نص المادة 155 من القانون القطري نجد أن المشرع القطري قد وضع قيدًا على نطاق الجرائم التي يجوز فيها ترك الدعوى الجنائية، ووفقًا لذلك يشمل ذلك أيضًا استثناء جرائم القصاص والدية ولا ضرر إن كان الترك معلقًا على قبول المجني عليه أو المضرور من الجريمة.
ثانيًا: السلطة المختصة بالتقرير بترك الدعوى الجنائية:
منح المشرع القطري للنائب العام الحق في أن يترك الدعوى الجنائية وهي في حوزة قضاء الحكم، فالنائب العام هو الرئيس الأعلى لجهاز النيابة العامة وهو الأمين على الدعوى الجنائية، والقائم على كافة شؤونها أمام سائر المحاكم(27، وبالتالي يؤكد القانون أن النائب العام هو صاحب السلطة في ترك الدعوى الجنائية دون غيره من أعضاء النيابة العامة.
وفي ذلك قضت محكمة الاستئناف القطرية: "وبما أنَّ ترك الدعوى الجنائية من الصلاحيات التي منحها القانون للنائب العام وِفقًا للمادة 155 من قانون الإجراءات الجنائية القطري، وحيثُ إنَّ طلب ترك الدعوى الجنائية من قبل الجهة المسؤولة عن الحق العام عندما ترى أنَّ الامتناع عن مُلاحقة المُتهمِين فيه مصلحة عامة وهُوَ بمثابة النُزُول عن المُطالبة بإيقاع العُقُوبة سِيما وأنَّ الذين تُرِكت الدعوى فِي مُواجهتِهم قد أوضحوا في تحقيقات النيابة أنَّ سُلُوكهم كان خاطِئًا وأنَّ فهمهم الشرعي كان قاصرًا"(28).
وتطبيقًا لذلك، حول سلطة النائب العام بترك الدعوى الجنائية قبل صدور حكم نهائي حائز على حجية الشيء المقضي به بقولها: "لما كان ذلك، وكانت النيابة العامة قد قررت – بعد صدور الحكم المطعون فيه وقبل صدور الحكم في الطعن بالتمييز الماثل - بترك الدعوى الجنائية طبقًا لكتاب النائب العام، وكانت هذه المحكمة قد خلصت إلى تمييز الحكم المطعون فيه مما مفاده عودة القضية إلى محكمة ثاني درجة لتحكم فيها من جديد، ومن ثم تكون الدعوى خالية من حكم نهائي؛ مما يجوز للنائب العام التقرير بترك الدعوى الجنائية إعمالًا لنص المادة 155 من قانون الاجراءات الجنائية، ويجوز لمحكمة التمييز في هذه الحالة إعمال هذا النص"(29.
ثالثًا: إجراءات ترك الدعوى الجنائية:
جعل المشرع القطري إعلان المجني عليه أو المضرور شرطًا لتقرير النائب العام بترك الدعوى الجنائية، واشترط كذلك وجوب موافقة المضرور؛ حيث إن له مصلحة واضحة، وقضت محكمة الاستئناف القطرية بقولها: "ولما كانت مذكرة النائب العام قد أشارت إلى كتاب وزير العمل والشؤون الاجتماعية والذي تم بناء عليه ترك الدعوى؛ فقد تحققت الغاية التي أمر بها القانون بإعلان المضرور وهو وزارة العمل ولذا قررت المحكمة انقضاء الدعوى قبل المتهمين طبقًا لنص المادة 155 من قانون الإجراءات الجنائية القطري"(30.
الخلاصة:
استلزم المشرع القطري لإكمال إجراءات الترك توافُر عِدة شُرُوط، منها ما هُو مُتعلِّق بنطاق تطبيق الترك والذي استبعد منه جرائم الحدود، ومنها ما يتصل بالسُّلطة المُختصّة بإصدارِه؛ إذ إنَّه جعل التقرير بالترك منُوطًا بالنائب العام وحده دون باقِي أعضاء النيابة العامة، وقبل صدور حكم نهائي في الدعوى موضوع الترك، ومنها ما هو مُتصِل بإجراءاتها من ضرورة إعلان المجني عليه أو المضرُور من الجريمة ومُوافقته لإثبات هذا الترك.
رأى الباحث:
يقترح الباحث إعادة صياغة المادة 155 في القانون القطري الفقرة التالية في المادة: "ويجب إعلان المجني عليه أو المضرور من الجريمة، إن وجد بتقرير الترك، وفي هذه الحالة لا يجوز إثبات الترك إلَّا بموافقته" فيمكن اختصارها في جملة "فيما عدا جرائم الحدود والحق الخاص إلَّا بمُوافقة المضرور من الجريمة"، أمَّا مسألة الحكم النهائي فمِن خِلال صِياغة المادة أنَّه يُمكن للنائب العام اتخاذ قرار بترك الدعوى الجنائية بعد صُدُور الحكم الابتدائي وقبل انقضاء فترة الاستئناف.
التكييف القضائي والقانُوني لسُلطة وقف الدعوى الجنائية
مسألة التكييف القضائي والقانوني حول سلطة النائب العام في وقف الإجراءات عما إذا كان القرار قضائي أو شبه قضائي أم قرار إداري، قد استحوذت على الكثير من النقاش في المحاكم وغيرها، في هذا المبحث نستعرِض في المطلب الأول التكييف القضائي من خلال السوابق القضائية وما استقرَّ عليه القضاء من أحكام خاصَّة تفسير المحكمة العليا السودانية (الدائرة الدستورية) لتلك السلطة وبعض آراء فقهاء القانون، ونتناول في المطلب الثاني التكييف القانوني لهذه السلطة.
المطلب الأول
التكييف القضائي لسلطة وقف الدعوى الجنائية
أولًا: أحكام المحكمة العليا السودانية قبل قانون الإجراءات الجنائية 1991:
جاء ذلك في حكم المحكمة العليا في قضية زهراء آدم عمر وآخر(31 بأنَّ قرار النائب العام بوقف الدعوى قرار شبه قضائي يخضع لرقابة المحكمة العُليا، وقد تلخّصت الوقائع في أنّ قسم الشرطة بالشمالي أم درمان تلقَّى بلاغًا من الشاكية بأنَّ المشكُو ضِدّها ومعها أخرى تُتاجران في الفتيات القاصِرات بِغرض الدعارة، وقد أراد القاضي المُختص القبض على أحد الوزراء الأمر الذي استدعى تدخُل النائب العام وإصداره قرارًا بوقف الدعوى الجنائية قبل اكتمال التحرِّيات في البلاغ، لقد ذكرت المحكمة العُليا في هذِه القضيِّة أنَّ على النائب العام أن يلتزِم بشرُوط الشكل التي يضعها القانُون مِثل أن يكُون القرار بعد نِهاية التحرِّيات، وأن يكُون بالصيغة التي يتطلَّبها قانون الإجراءات الجنائية، وألغى قاضِي المحكمة العُليا قرار النائب العام؛ لأنَّه كان مُخالِفًا للشكل.
جاء في حكم المحكمة العليا أنَّ سُلطة النائب العام في وقف الإجراءات التي خوَّلتها له المادة 231 أ من قانون الإجراءات الجنائية لسنة 1974 سُلطة مُطلقة يُمارِسُها من الناحِية الإدارية وليست خاضِعة للرَّقابة القضائيِّة، وذلك خِلاف لما أقرّته المحكمة العليا في سابِقة زهراء التي أشرنا إليها أعلاه، وجاء ذلك في معرِض تناوُلُها لهذِه القضية(32 بأنَّ سُلطة النائب العام بوقف الإجراءات في إنجلترا غير قابِلة للرّقابة القضائية في أيِّ محكمة مهما كانت، وعليه فإنَّ سُلطة المُدعِي العام في إنجلترا بوقف الإجراءات سُلطة مُطلقة ولا تحتاج إلى مُوافقة المحكمة وليس للمحكمة الأعلى رقابة قضائيِّة عليها، كما أنَّ القانون الهندي يعطي النائب العام الحق المُطلق في وقف الإجراءات الجنائية دون حاجة لمُوافقة المحكمة المُختصة، كما أنَّ النائب العام ليس مُلزَمًا حسب نص المادة 33 أ من القانون الهندي والمادة 231 أ من القانون السوداني بأن يذكر الأسباب التي يعتمد عليها في وقف الإجراءات.
"إنَّه لا خِلاف على أن قضيتي زهراء آدم عمر (1965م) وأحمد إسماعيل يوسف (1980م) لا تختلِفان فِيما انتهيتا إليه من نتِيجة في ضُوء الوقائِع المُتعلِّقة بكل منهما، غير أنَّ القضيتين تختلِفان اختلافًا جذرِيًّا، فبينما اتجهت إليه كل واحدة منهما لوضع قاعدة عامّة تتعلّق بالرقابة على قرارات النائب العام في شأن وقف الإجراءات الجنائية، فيما اتجهت قضية زهراء آدم إلى ضرُورة فرض رقابة قضائية على تلك القرارات لأسباب عددتها، تراجعت المحكمة العليا في قضية أحمد إسماعيل يوسف في هذا الاتجاه ورأت أنَّ سُلطة النائب العام مُطلقة ولا مجال للتعقيب عليها من أية جِهة قضائيّة، ولعلَّ هذا الاتجاه العام يُثيره من يستنِدُون إلى أي من الحُكمين لدعم وُجهة نظرِهم المُسبقة في أيِّ قرار يُصدِره النائب العام بوقف الإجراءات الجنائية، على أنَّه سواء صحَّ أم لم يصِح الاستدلال بِمِثل هذا الاتجاه العام - والذي قد لا يعدُو أن يكُون رأيًا ورد على سبيل الاستطراد -؛ فإنَّ الحُكمَين المُشار إليهِما وكُل الأحكام التي صدرت والآراء التي قِيلت في ظل قانون الإجراءات الجنائية لسنة 1925م أصبحت الآن في ذمة التاريخ، ولم يعد أي منها صالح للاسترشاد به لدعم وجهة النظر هذه أو تلك؛ ذلك لأنَّ قانون الإجراءات الجنائية الذي يُشكِّل مصدر سُلطة النائب العام محل النظر قد طرأت عليهِ تعديلات جوهريِّة."(33
ثانيًا: تفسير المحكمة العليا السودانية للمادة 58 من قانون الإجراءات الجنائية لسنة 1991:
استعرض النائب العام عددًا من السوابق القضائية، وكل سابقة من السوابق التي استعرضها تفصِل في نُقطة مُعيّنة من النِقاط وهي المطرُوحة أمام المحكمة التي أصدرت السابقة، بعضها يذهب إلى أنَّ قرار النائب العام لا يخضع لرقابة القضاء، والبعض الآخر يذهب إلى أنَّه يخضع لرقابة القضاء.
للإجابة على السؤال المُتعلق بتكييف سُلطة النائب العام في وقف الإجراءات الجنائية، هل هي سلطة إداريِّة أم قضائيِّة أم شبه قضائية؟ وهل هي سُلطة مُطلقة أم سُلطة مُقيَّدة؟ أتناول هذا الموضوع في ظل ما استقرَّت عليه أحكام المحاكم من أحكام بالتركيز على تفسير المحكمة العليا (الدائرة الدستورية) حول تفسير المادة 58 من قانون الإجراءات الجنائية لسنة 1991م.
يرى أن شرط تسبيب قرار النائب العام بوقف الدعوى الجنائية ليس شرطًا شكليًّا إنَّما استهدف هذا الشرط الإفصاح عن الأسباب بغَرض إتِاحة الفُرصة لمُراجعة مدى اتساقِها مع المصالِح التي شُرِّعت من أجلها السُلطة؛ فهي تتضمَّن شرطًا آخر، هو أن تكُون الأسباب ممَّا يُحقق مصلحة، وعليه فإنَّ تسبيب قرار النائب العام يخضع للرقابة الجنائية؛ فإن رأت أنَّ القرار مَعِيبًا فإنَّها تملِك أن تستمِر في إجراءات المحاكمة إلى أن يتقدَّم النائب العام بقرار مُسبب تسبيبًا صحيحًا في الوقت المُناسِب بما يكفِي لوقف الإجراءات وانقضاء الدعوى العمومية.
يري أنَّ قرار النائب العام بوقف الدعوى الجنائية هو قرار شِبه قضائِي يخضع للرَّقابة القضائيِّة إذا ما خالَف الشكل القانُونِي للمادة 58 (1) من قانون الإجراءات الجنائية لسنة 1991، وللاختصاص وِفقًا لنص المادة 188 من قانون الإجراءات الجنائية لسنة 1991، وأضاف أن وقف الدعوى الجنائية سُلطة تقديريِّة للنائب العام يجب مُمارستها وِفقًا للمصلحة العامة، وهي تخضع لرَقابة القضاء إذا ما استعمَلها جِزافا أو أساء استعمالها.(35
المطلب الثاني
التكييف القانوني لسلطة وقف الدعوى الجنائية
أثارت سُلطة النائب العام بعدم الرّغبة في مُواصلة الإجراءات الجنائية جدلًا واسِعًا؛ إذ إنَّها نفس السُلطة التي تُؤسس له في تولِي الإجراءات كمُمثل قانونِي للدولة، فالمُشكلة تتمحور في أنّه يُريد أن يُنهِي الدعوى الجنائية التي أقامها هُوَ في مرحلة التحقيق الابتدائي من دون إبداء أسباب؛ مما يعد تدخلًا في سلطة القضاء، وقد تناولنا في المطلب الأول تباين أحكام المحاكم في السودان؛ إذ إنها مطبقة فيه من فترة خمسينيات القرن الماضي، أما في القانون القطري فتعتبر حديثة؛ حيث تم النص عليها عام 2004م.
أولًا: السلطة التقديرية للنائب العام في وقف الدعوى الجنائية:
للنائب العام سلطته التقديرية المتأثرة بمجتمعه وغير المُؤيَّدة بالنظرة القانونيّة، فالمُدعِي قد يرفض أن يبحث عن اتهامات في مُواجهة المُتهم لسبب قانوني، مثل اعتقاده أنَّ البينة في مُواجهته ضعِيفة مِن أجل الحُصُول على الإدانة، أو أنَّ إجراءات الشُرطة لم تكُن كافِية ورُبما يترتّب على ذلك البراءة إذا تمَّ تحويل الدعوى للمحاكمة؛ فالمشاكل المُترتِبة على مُتابعة الاتهامات الجنائية رغم من أنَّها مُعقّدة من حيثُ عدم جواز المحاكمة مرتين؛ فإذا حاول النائب العام دفع الدعوى إلى المحكمة رغم الإجراءات المُتعلِّقة بالبينة حينئذٍ تُصبِح الدعوى غير مُناسبة للفصل فيها، ولذلك تكون السلطة التقديرية للنائب العام عاملًا ضروريًّا لنظام العدالة الجنائية، ولكن مثل كُل أشكال السلطة التقديرية التي تُمثّل فُرصة لإساءة الاستخدام فيما يتعلَّق بقرار النائب العام برفض توجِيه الاتهام كحالة وقف الدعوى الجنائية دُون إبداء الأسباب الداعِية لِذلك، ونادِرًا ما تظهر القضايا التي يُقرِّر فيها النائب العام رفض توجيه الاتهام والمُرتكِزة على عوامِل خارج نطاق القانون.
ولملاحظة الطبيعة الجدلية لهذه السلطة كتصرف حاسم للدعوى الجنائية، يُمكن أن يكون جدليًّا بسبب أنَّ هذا الإجراء يُؤدي إلى وقف الإدانة المُمكنة؛ إذا أخذنا بعين الاعتبار ما إذا كانت سلطة النائب العام في وقف الإجراءات غير مُحددة، ويتم استخدامها بصُورة غير معقُولة أو مُناسِبة، فالمحكمة هي التي يحِقُ لها أن تُحقق وتستوثِق أنَّ مُمارسة هذه السلطة من خلال النظر إليها ما إذا تمَّ الأخذ في الاعتبار أية مسألة غير لازمة أو لا يستحق أخذها في الاعتبار؛ فالمحكمة لا تستطيع أن تمنع السلطة الاستئنافية من تجاوز قرار النائب العام من مثل هذه الحالات، ولكن لها الحق كسلطة قضائية مهتمة بالنظر عمَّا إذا كان قرار النائب العام مُتناقِضًا مع القانون في تجاوُزه لسلطاته التي منحها له القانون(36.
ثانيًا: بعض الآراء حول سلطة النائب العام في وقف الدعوى الجنائية:
الدكتور محمد محي الدين عوض يرى بأنَّ سُلطة وزير العدل هي شبه قضائية، وذلك لتمكِين سُلطة الفحص وإعادة النظر من مُزاوَلة عَمَلِها من حيثُ الرَّقابة القضائيِّة، وبالتالي فهي تخضع لِرَقابة القضاء( (37.
الخلاصة:
يُعتبر قرار النائب العام بوقف الدعوى الجنائية هُوَ قرار إدارِي يَخضَع لِرَقابة المحكمة الإداريِّة؛ إلاَّ أنَّ البعض الآخر يرى بأنَّ سُلطة النائب في وقف الدعوى الجنائية هي سُلطة مُطلقة وليست خاضعة للرقابة القضائية، والباحث مع هذا الرأي؛ ذلك لأنَّ المادة 58 حسمت هذا الجدل وأمَّنت على أنَّ قرار النائب العام بوقف الإجراءات الجنائية هو قرار نهائي ولا يجُوز الطعن فيه أمام أيَّ جِهة؛ فهو قرار مُحصَّن من الاستئنافات والنقض والفحص والطُّعُون الإداريِّة والمُراجعة؛ حيثُ تنتهِي بِهِ الدعوى الجنائية بِصُورة نهائيِّة، فلا يستطِيع أحد أن يطعن فِيهِ أمام أيَّ محكمة أعلى، ولا يستطِيع نائب عام آخر لاحِق بأن يأمُر بإعادة السير في الإجراءات التي أوقفها نائب عام سابِق، ولا تستطِيع أيَّ جِهة أُخرى تحرِيك الدعوى الجنائية بناء على نفس الوقائع؛ ذلك لأنَّ قرار النائب العام المُسبب والقاضِي بوقف الدعوى الجنائية هُوَ أحد الأسباب التي تَنقضِي بِها الدعوى الجِنائية.
المبحث الرابع
وقف الدعوى الجنائية في الشريعة الإسلامية
تمهيد وتقسيم:
جاء نص القانون القطري حول ترك الدعوى الجنائية بأنَّه فيما عدا جرائم الحدود، وأمَّا ما نص عليه من وجوب إعلان المجني عليه أو المضرُور وأخذ مُوافقته فمفهوم من النص وإن لم يُنَص صراحة على القصاص والذي هو مُتعلِّق بالحق الخاص؛ فهذا من غير شك إعمال للشريعة الإسلامية، وأمَّا القانون السوداني فقد تحوَّل إلى الشريعة الاسلامية كما أسلفنا في المبحث السابق، ولهذا جاء هذا المبحث لإثراء البحث حول موقِف الشريعة الإسلامية من وقف الدعوى الجنائية في القانون السوداني أو تركها، وفي القانون القطري، أو الإجراءات المُشابهة لهما، وذلك على التفصيل التالي: المطلب الأول: المساواة أمام النصوص الجنائية وإجراءات التحقيق في الشريعة الإسلامية.
المطلب الثاني: إقالة عثرات ذوي الهيئات.
المطلب الأول
المساواة أمام النصوص الجنائية وإجراءات التحقيق في الشريعة الإسلامية
أولًا: المساواة أمام النصوص الجنائية في الشريعة الإسلامية:
ألغى الإسلام جميع أنواع التفرقة بين الناس وساوى بينهم في الحقوق والواجبات، وليست السلطة للتحكُم؛ فقد قرر الإسلام في مواضع كثيرة أنَّ الناس مُتساوون أمام أحكام الله - سبحانه وتعالى - لا فرق بين ذلك في الأحكام الدنيوية والأخروية، وفي قوله تعالى عندما أمر قُريشًا بالمساواة: "ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ"(38)، وقوله تعالى: "يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَىٰ وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا ۚ إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ"(39)
وفي خطبة الوداع جاء عنه - صلى الله عليه وسلم -: "أيَّها الناس إن ربكم واحد، وأن أباكم واحد كُلكم لآدم وآدم من تراب، إن أكرمكم عند الله أتقاكم، ليس لعربي على أعجمي فضل إلَّا بالتقوي."(40)
وخطب أبو بكر يوم السقيفة في المساواة بين الناس والحاكم والمحكُوم "إنِّي قد وُلِيت عليكم ولست بخيرِكم؛ فإن رأيتموني على حق فأعينوني، وإن رأيتموني على باطل فسددوني، أطِيعُوني ما أطَعتُ الله فِيكُم، فإن عصيتُه فلا طاعة لي عليكم، ألَا إنَّ أقواكم عِندِي الضعيف حتى آخُذ الحقُ لهُ، وأضعفُكم عِندي القوي حتى آخُذ الحق منه."(41) يقول الله تعالى: "يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَىٰ أَنفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ"(42)
منع الشفاعة في الحدود:
أجمع العلماء على تحريم الشفاعة في الحد بعد بلوغه الإمام، عن عائشة أن قُريشًا أهمهم شأن المرأة المخزُوميِّة التي سرقت؛ فقالو: من يُكلم فيها رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فقالوا: ومن يجترئ عليه إلَّا أسامة حِبِ رسُول الله، فكلمه أسامة فقال رُسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "أتشفعُ في حدٍّ من حُدود الله، ثُمَّ قال: أيَّها الناس إنَّما أهلك الذين من قبلكم أنَّهم كانوا إذا سرق فيهم الشريف تركُوه وإذا سرق فيهم الضعيف أقاموا عليه الحد، وأيم الله لو أنَّ فاطِمة بنت محمد سرقت لقطعتُ يدها."
أمَّا قبل بلوغ الحد للإمام يجوز الشفاعة فيه:
عن عبد الله بن عمرو بن العاص أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم – قال: "تعافوا الحدود فيما بينكم، فما بلغني من حدٍ فقد وجب."، ومما جاء في ذلك أيضًا: (أنَّ صفوان بن أمُيّة قيل له أنَّه إذا لم يُهاجِر هلك، فقدِمَ صفوان المدينة فقام في المسجد وتوسَّد رِداءه فجاءَه ســارِق فأخذ رِداءه فأخذ صفـوان السـارق فجاء به إلى رسل الله - صلى الله عليه وسلم -، فأمر به رسول الله أن تُقطع يده فقال له صفوان: إنِّي لم أرد هذا يا رسول الله، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فهلَّا قبل أن تأتيني به."، ومما جاء كذلك أنَّ الزُبير بن العوام لقى رجلًا قد أخذ سارقًا وهو يُريد أن يذهب به إلى السلطان فشفع له الزبير ألَّا يُرسله، فقال: لا حتى أبلغ به السلطان فقال الزبير: إذا بلغت به السلطان فلعن الله الشافِع والمُشفِع".
وبناء على ذلك؛ فإنَّ الحد قبل بلوغه السلطان أجاز فيه الشفاعة أكثر العلماء إذا لم يكن المشفُوع فيه صاحب شر وأذى للناس، وأمَّا المعاصي التي لا حد فيها وواجبها التعزير فيجوز الشفاعة والتشفيع فيها سواء بلغت الإمام أم لا؛ لأنَّها أهون، ثَّم الشفاعة فيها مُستحبة إذا لم يكن المشفوع فيه صاحب أذى ونحوه.
ثانيًا: التحري والتحقيق في الشريعة الإسلامية:
تمَّ التأكيد على ذلك في الرسالة العظيمة التي بعث بها عمر بن الخطاب إلى أبي مُوسى الأشعري؛ حيثُ يقُول: (فإنَّ الله تعالى تولى من العباد السرائر وستر عليهم الحدود إلَّا بالبينات والأيمان)(43)، وتُشير هذه الرسالة إلى اهتمام الشريعة الإسلامية بمرحلة التحري والتحقيق كمرحلة سابِقة تأخُذ بِها التشريعات الجنائية قبل مرحلة المحاكمة؛ فإنَّ ستر الله للعباد وتوليه جل جلاله للسرائر يعني أنَّ ما لم ينكشِف للظاهِر بالبينة لا يجُوز البِناء عليه لاتخاذ أيَّ إجراء جنائي بمُوجِبه، ولا يعني ذلك أنَّه فقط قد اهتمت الشريعة بالحدود، بل يشمل ذلك أيضًا القصاص والتعازِير(44) ويقُول الماوَردِي: (الجرائم محظُورات شرعيِّة زَجَر الله تعالى عنها بحدٍ أو تعزير ولها عند التُهمة حال استبراء تقتضِيه السياسة الدينية، ولها عند ثُبُوتها حال استيفاء توجِيه الأحكام الشرعية)(45)، وأشار الماوردي أيضًا فيما يُفعل بالمُتهم في مرحلة ما قبل المُحاكَمة من الأمير والشرطة والنيابة الجنائية بحسب اختصاص كُلٌ منهم، والذي يفِيد أنَّ التُهمة لا تأثير بها عنده، فمثلًا يقع على الاتهام في الزنا أن يذكُر المرأة التي زنا بها ويصِف ما فعل بها بما يكُون زنا مُوجِب للحد، أو أن يُقِر المُتهم نفسه بالزنا، ولكن في حال الإنكار لا بُدَّ من بينة يُسمِيها عليه، ومثل ذلك في حقوق الله تعالى، أمَّا في حُقُوق الآدميين؛ فإنَّه في حالة عدم البينة وإنكار المُتهم فإنَّه يُحلِّفه بطلب الخصم اليمين(46).
الخلاصة:
من الضروري وجوب ارتكاز التُهمة المنسوبة للمتهم إلى نوع من البينات؛ وإلَّا كان التصرُف السليم بالنسبة للدعوى الجنائية شطبها، أمَّا إذا قويَت البينة تمَّ توجِيه التُهمة للمُتهم وتكُون الدعوى صالِحة للفصل فيها أمام القضاء، ويجب على الاتهام ألَّا يقف في صف مُضاد للمُتهم، ولكن يجب أن ينصرِف إلى واجِبه الأساسي في جمع كافة الأدلة التي تكشِف عن الحقيقة؛ سواء كانت ضد المتهم أم في صالحه.(47)
المطلب الثاني
إقالة عثرات ذوي الهيئات
أولًا: مفهوم إقالة عثرات ذوي الهيئات:
في اللغة ذو الهيئة أي صاحِب الهيئة، والهيئة تعني صُورة الشَّيء وشكله حالته، وحقيقتُه أن يرضى بحالة واحِدة ويختارُها دائِمًا، وهي أَيضًا الحالة الظَّاهرة للمُتهيِّئِ للشّيء، والمُراد أنّهم ذوُو الهيئات الحسنة الذيِن يلزمُون هيئةً واحدة وسمتًا واحدًا، ولا تختلف حالاتُهم بالتنقُّل من هيئة إلى هيئة(48). قال ابنُ الأَثِير: هُمُ الذين لا يُعرَفُون بالشَّر، فيَزِلُّ أحَدُهم الزَّلة(49).
تبايَنَت ألفاظ الفُقَهَاء في تحدِيد المَقْصُود بذَوِي الهَيئَاتِ:
قال ابن القيّم: ليس ما ذكرهُ بالبيّن؛ فإنّ النّبي يُعبِّر عن أهل التّقوَى والطَّاعة والعبادة بأنّهم ذوُو الهيئات، ولا عهد بهذه العبارة في كلام الله ورسُوله للمُطِيعِين المُتّقين، والظَّاهر أنّهُم ذوُو الأقدار بين النّاس، من الجاه والشّرف والسُّؤدد؛ فإنَّ اللهَ تعالى خصّهم بنوع التّكريم وتفضيل على بنِي جِنسهم، فمن كان منهُم مستُورًا مشهُورًا بالخير حتّى كَبَا بِهِ جوَادُهُ، ونَبَا عَصَبُ صَبرِهِ، وأدِيْلَ عليه شيطانُه، فلا تُسَارِع إلى تأنِيبِه وعُقوبتِه، بل تُقالُ عثرَتُهُ، ما لم يكُن حدًّا من حُدُود الله؛ فإنّهُ يتعَيّنُ استِيفاؤُهُ من الشّرِيف كما يتعيّنُ أَخذُه من الوضِيع(53).
كلمة "إقالَة" من الفعل "أَقالَ"، يُقال: أَقالهُ يُقِيلُهُ إقالة، فسخهُ، وفي البيع وافقهُ على نقضِ البيعِ وأَجابه إليه، وتقايلَا إذا فسخا البيع، وعادَ المَبيعُ إلى مالكِه والثمنُ إلى المُشتري، إذا كان قد ندِم أحدُهما أَو كِلاهما، وتكُون الإِقالَةُ في البيعَةِ والعهد (54).
والعثرَة: اسم مَرَّةٍ من "عَثِرَ وعَثَرَ"، وهي: الزّلة، والهفوَة، والمحنَة، ويُقال: عثر بهِ فرسُهُ فسَقَطَ، وعثرَةُ اللِّسان: سقطتُهُ، وتعَثّر لسانُهُ: تلعثَم، ويُقال: حجر عثرة، أَي عائِق، أو عقَبَة، ومنه قولُهُم: وقفَ عثرَةً في سبِيلِهِ: أي كان مانِعًا وحائِلًا(55).
فالإِقالة مقصود بها هنا، أَي "اتركُوا عُقوبَةَ من لم يُعرَف بغشَيان الشّر، كما يترُكُ المُقِيلُ بيع من أَقالَهُ، وذلِك صيَانَةً لهُم وأناةً، لعَلَّهُم يُرَاجِعُون ما عُرِفُوا به من عدم إتيان الشَّر، وفي التعبِيرِ بالعثَرَات إشارة إلى أنّ الّذي صدر عنهُم إنَّما هُو على طَرِيق الكبوة والعثرة، لا على جهة الوُلُوع بالشّر(56). فيصبحُ معنى "إقالة العثرة: الصفحُ والتجاوُزُ عنه، وإخراجُهُ من أَزمتِه، أَو محنَتِه) والمُرَاد بِإقالَة عَثرَات ذَوِي الهيئات، أَي العفُوُ عن ذوي المُرُوءَات والمُتَجَمَّلِين والتّجَاوُز عن زلَّاتِهم(57).
والراجح ما ذهب إليه ابن القيِّم؛ لأنّ المعنى المقصُود في إقالة عثرَة ذوِي الهيئات موجُود أيضًا في أهل الأقدار بين النَّاس، من الجاه والشَّرف والسُّؤدد، وفيه تحقِيق لمعاني الإسلام في إكرام أهل القدر، وتثبِيت لهم على جادَّة الصّواب، وترغيب في التّوبة والأوبة؛ لأنَّ اشتِهار ذي الهيئَة بالخَير وبُعدِه عن الشَّر أصوَن للمُجتمع، وأثبتُ لأَفرَادِه على الخير. قال ابن القيِّم: وهذا باب عظِيم من أبواب محاسِن هذه الشَّريعة الكاملة وسياستِها للعالم وانتِظامِها لمصالِحِ العِباد في المعاش والمعاد(58).
ثانيًا: الأدلّةُ الوارِدة في إِقالة عثرَات ذوِي الهيئَات:
وردت أحاديث عدّة عن النّبِيّ - صلى الله عليه وسلم - تدُلُّ على إِقالة عثرات ذوِي الهيئات، وإكرامِهِم من غير تجاوُز على حُدُود الله ومنها:
ففي هذه الأحادِيث توجِيه صرِيح من النّبي بالصّفح عن هفوة ذي الهيئة وصاحب القدر والفضل، والتّجاوُز عن زلّتِه ما لم يتجاوز الحُدُود؛ فإذا استحقّ إقَامة الحد عليه وبَلغَ الحاكِم أمرُه، أقِيمَ عليهِ الحدّ ولم يُتجاوز عنهُ بِشيء.
ثالثًا: الحكمةُ من إقالَة عثرَات ذوِي الْهيئات:
أجمع العلماء على: "أنّ من اطّلع على عيب أو ذنب أو فُجُور لمُؤمِن من ذَوِي الهيئات أو نَحوِهم ممّن لم يُعرَف بالشّر والأذى ولم يشتهِر بالفسَاد، ولم يكُن داعِيًا إليه. مُتخوِّفًا مُتخفِّيًا غيرَ مُتهَتّك ولَا مُجاهِر: يُندبُ له أن يستُرَه، ولا يكشِفَه للعامة أو الخاصّة ولا للحاكِم أو غير الحاكِمِ وتحرُمُ غيبَتُهم؛ لأنّ من أظهر مساوئ أخِيه لم يستُرهُ قولُهُ: «ستَرَهُ اللهُ يوم القِيامة".(63)
ومن أبرز الْحِكم في إقالة عثراتِهِم:
رابعًا: الذي لا تجُوز فيه إقالةُ عثرة ذوِي الهيئات:
من القواعد الشرعية أنّ كُل من ارتكب مُنكرًا أو آذى غيره بغير حق، بقول أو فعل أو إشارة، يلزمُه الحَد أو التعزِير، ويُستَثنَى من ذلِك ما ورد في الأحادِيث السّابقة، ومنها: «تجَاوَزُوا للسّخِيِّ عن ذنبِهِ؛ فإنّ الله عزَّ وجَلّ يأخُذ بيَدِه عند عثرَتِه."(67) واتّفَق الفُقَهاء على أنّ إقَالَة عثرة ذوِي الهَيئاتِ جائزة ما لم يكُن حدًّا من حُدُود الله إذا بلغ السُّلطان؛ فإنّه يتعَيّن استِيفَاؤه من الجمِيعِ، مهما كانت منزِلَتُه وحَاله، بدلالة قولِه - صلى الله عليه وسلم -: «أَقِيلُوا ذوِي الهيئَات عثرَاتِهِم إلَّا الحُدُود»، فاستثنى ما كانت عُقُوبته حدّا، حتّى قال مُقَرّرًا هذا المبدأ: «.. وايْمُ الله لو أنّ فاطمة بنت محَمَّدٍ سَرَقَتْ لَقَطَعتُ يَدَهَا» (68). قال محمد بن رُشد: "..التّجافِي عن ذوِي المُرُوءَةِ والصّلاحِ إنّما يكُونُ إلى الِإمام فيما لا يتعلَّقُ به حقّ لمخلُوق، ولَم يبلُغ أن يكُون حدًّا؛ لِأنّه إذا بلغَ أن يكُون حدًّا فقد خرج به فاعِلُه عن أن يكُون من أهل الصّلاح إلى أن يكُون من أهل الفسق"(69).
الخلاصة:
موضوع ذوِي الهيئات وإقالة عثراتهم من الموضُوعات المُهمّة التي لم تأخذ حقها من البحث والدراسة مع أهميتها، وغفل الناس عنها، فإقالةُ عثرَات ذوِي الهَيئات باب عظيم من أبواب محاسن هذه الشريعة الكاملة وسياسَتِها للعالم وانتِظامها لمصالح العباد في المعاش والمعاد، وأنّ في إقالة عثرة ذوِي الهَيئات حكَما كثِيرة، وثمرات عظِيمة تعُود على الفرد والمجتمع؛ فدين الإسلام هو دين العدل، والمُساواة ليست دائِما من العدل، لكِنّها إذا كانت عدلًا أمر بها الإِسلام، وبالتالي؛ فإنّ إقالة عثرة ذوِي الهيئات جائزة ما لم تكُن حدًّا من حدُود الله وإلَّا فترُفع إلى السّلطان، والذي يتعيّن استيفَاؤه من الجميع، مهما كانت منزِلتُه وحالُه، فأحكام ذوِي الهيئات لا زالت بحاجة إلى العديد من الأبحاث والدّراسات، لاتّساع دلالاتها، وكثرة تفاصيلها مع قلَّة ما كُتب عنها.
ممَّا تقدَّم نجد أنَّ الشريعة الإسلامية قد حددت شُرُوط وقف الدعوى الجنائية في نوع مُعيَّن من الجرائم، وبالنسبة لفئة محددة من الأشخاص، على العكس من القوانين الوضعية والتي تعرضنا لنصوصها في التشريعين السوداني والقطري، إلَّا أنَّ المُشرعين قد أحسنا باستبعادِهم الجرائم التي تتعارض مع أحكام الشريعة الإسلامية من مُمارسة النائب العام سُلطته في وقف أو ترك الدعوى الجنائية.
النتائج والتوصيات:
أولًا: النتائج:
ثانيًا: التوصيات:
أولًا: الكتب باللغة العربية:
أحمد فتحي سرور، الوسيط في قانون الإجراءات الجنائية، دار النهضة العربية، القاهرة، طبعة 1986.
محمد محي الدين عوض، قانون الإجراءات الجنائية السوداني معلقًا عليه، 1980، مطبعة جامعة القاهرة والكتاب الجامعي، 1979.
محمد محي الدين عوض، القانون الجنائي وإجراءاته في التشريعين المصري والسوداني، 1969 المطبعة العالمية، القاهرة، الجزء الأول.
يسن عمر يوسف، شرح قانون الإجراءات الجنائية لسنة 1991.
رؤوف عبيد، ضوابط تسبيب الأحكام الجنائية وأوامر التصرف في التحقيق، ط 3، دار الفكر العربي، 1986.
مأمون محمد سلامة، قانون الإجراءات الجنائية في التشريع المصري، دار النهضة العربية، القاهرة، الجزء الأول، 2000.
مأمون محمد سلامة، قانون الإجراءات الجنائية معلقًا عليه بالفقه وأحكام محكمة النقض، دار الفكر العربي، القاهرة، الطبعة الأولى، 1980.
عبد الفتاح بيومي حجازي، سلطة النيابة في حفظ الأوراق والأمر بأن لا وجه لإقامة الدعوى الجنائية دراسة مقارنة، مطبعة السلام التجارية، القاهرة، الطبعة الأولى، 1993.
عبد المعطي عبد الخالق، الأمر بألا وجه لإقامة الدعوى الجنائية (علمًا وعملًا)، دار النهضة العربية، القاهرة، الطبعة الثانية، 2007.
محمد عبد الحميد مكي، حجية الأمر بألا وجه لإقامة الدعوى الجنائية دراسة مقارنة، دار النهضة العربية، القاهرة، طبعة 1991.
حسن صادق المرصفاوي، أصول الإجراءات الجنائية، منشأة المعارف، الإسكندرية، طبعة 1996.
منصور محمد منصور، الشبهات وأثرها في العقوبة الجنائية في الفقه الإسلامي مقارنًا بالقانون، طبعة 1986، مطبعة الأمانة، مصر.
ثانيًا: مراجع الشريعة الإسلامية:
البيان والتحصــــــــيل والشرح والتوجيه والتعليل لمسائل المستخرجة، أبو الوليد محمد بن أحمد بن رشد القرطــــــبي (ت: 520هـ)، حققه: د. محمد حجي وآخرون، الطبعة الثانية، دار الغرب الإسلامي، بيروت، 1408هـ - 1988م.
جامع العلوم والحكم في شرح خمسين حديثًا من جوامع الكلم، لزين الدين عبد الرحمن بن أحمد بن رجب بن الحسن، السَلامي، البغدادي، ثم الدمشقي، الحنبلي (ت: 795هـ)، تحقيق: شعيب الأرناؤوط - إبراهيم باجس، الطبعة السابعة، مؤسسة الرسالة – بيروت، 1422هـ - 2001م.
فتح القدير، كمال الدين بن عبد الواحد (ابن الهمام)، الطبعة الثانية، دار الفكر، بيروت.
تبصرة الحكام في أصول الأقضية ومناهج الأحكام، إبراهيم بن علي بن محمد، ابن فرحون، برهان الدين (ت: 799هـ)، الطبعة الأولى، مكتبة الكليات الأزهرية، 1406هـ - 1986م.
سبل السلام شرح بلوغ المرام من أدلة الأحكام، محمد بن إسماعيل الصنعاني (852- 773هـ)، تحقيق: محمد عبد العزيز الخولي، الطبعة الرابعة، دار إحياء التراث العربي، بيروت، 1379ه.
شرح سنن أبي داود، أبو محمد محمود بن أحمد الغيتابي الحنفي بدر الدين العيني (ت: 855هـ)، المحقق: أبو المنذر خالد بن إبراهيم المصري، الطبعة الأولى، مكتبة الرشد – الرياض، 1420هـ -1999م. الحدود: باب في الحد يشفع فيه.
مسند إسحاق بن راهويه، لأبي يعقوب إسحاق بن إبراهيم بن مخلد المروزي المعروف بـ ابن راهويه (ت: 238هـ)، المحقق: عبد الغفور بن عبد الحق البلوشي، الطبعة الأولى، مكتبة الإيمان - المدينة المنورة، 1412ه.
مكارم الأخلاق، لأبي بكر عبد الله بن محمد بن عبيد بن سفيان بن قيس البغدادي الأموي المعروف بابن أبي الدنيا (ت: 281هـ)، المحقق: مجدي السيد إبراهيم، مكتبة القرآن- القاهرة.
شرح مشكل الآثار، لأبي جعفر أحمد بن محمد بن سلامة الأزدي الحجري المعروف بالطحاوي (ت:321هـ)، تحقيق: شعيب الأرنؤوط، طبعة أولى، مؤسسة الرسالة، 1415هـ، 1994م.
فتح الباري شرح صحيح البخاري، أحمد بن علي بن حجر أبو الفضل العسقلاني الشافعي، (773 ـ852)، تحقيق: محب الدين الخطيب، دار المعرفة، بيروت، 2001م.
تبصرة الحكام في أصول الأقضية ومناهج الأحكام، إبراهيم بن علي بن محمد، ابن فرحون، برهان الدين (ت: 799هـ)، الطبعة الأولى، مكتبة الكليات الأزهرية، 1406هـ - 1986م.
مُوْسُوعَة القَواعِدُ الفِقْهِيَّة، لمحمد صدقي بن أحمد بن محمد آل بورنو أبو الحارث الغزي، الطبعة الأولى، مؤسسة الرسالة، بيروت – لبنان، 1424هـ - 2003م.
بدائع الفوائد، لمحمد بن أبي بكر بن أيوب بن سعد شمس الدين ابن قيم الجوزية (ت: 751هـ)، دار الكتاب العربي، لبنان -بيروت (3/139). الحديث في: (صحيح مسلم بشرح النووي. أبو زكريا يحيى بن شرف بن مري النووي، الطبعة الثانية، دار إحياء التراث العربي، بيروت.
البيان والتحصــــــــيل والشرح والتوجيه والتعليل لمسائل المستخرجة، أبو الوليد محمد بن أحمد بن رشد القرطــــــبي (ت: 520هـ)، حققه: د. محمد حجي وآخرون، الطبعة الثانية. دار الغر.
علي بن محمد حبيب البصري الماوردي، الأحكام السلطانية والولايات الدينية، أبو عمر أحمد بن عبد ربه الأندلسي، العقد الفريد، دار الكتاب العربي، بيروت، الطبعة الأولى، 1991.
ثالثًا: معاجم اللغة:
لسان العرب، محمد بن مكرم بن منظور الأفريقي المصري، (630-711هـ)، الطبعة الأولى، دار صادر، بيروت.
المعجم الأوسط، أبو القاسم سليمان بن أحمد الطبراني، (260. 360)، طارق بن عوض الله بن محمد، عبد المحسن بن إبراهيم الحسيني، دار الحرمين، القاهرة.
رابعًا: المجلات القضائية:
مجلة الأحكام القضائية السودانية 1978.
بوابة الميزان القطرية.
خامسًا: المجلات العلمية:
مجلة اليراع (مجلة ثقافية ربع سنوية تصدرها الإدارة الثقافية القانونية بمعهد التدريب والإصلاح القانوني)، العدد يونيو 1997، لقاء مع السيد جلال علي لطفي عن استقلال القضاء وقانون الإجراءات الجنائية 1991.
عبد الجليل حسين محمود، وقف الإجراءات بواسطة النائب العام، مجلة العدل، وزارة العدل جمهورية السودان، العدد الأول، أكتوبر 1999.
عماد الدين خليل، حول المعارضة والسلطة، مجلة المسلم المعاصر، مجلة فصلية فكرية السنة الحادية عشرة، العدد الحادي والأربعون، 1985، إصدار مؤسسة المسلم المعاصر، بيروت - لبنان.
سادسا: القوانين:
مشروع قانون الإجراءات الجنائية لسنة 1983.
قانون الإجراءات الجنائية لسنة 1991.
قانون الإجراءات الجنائية القطري رقم 23 لسنة 2004.
قانون النيابة العامة 2017م.
سابعًا: المراجع باللغة الإنجليزية:
Republic of Kenya. in the hight court of Kenya at nairobi. criminal revision NO 680.2003 the official law report (Kenyalaw.org).
The laws of sudan Vol. 9 criminal procedure 1925 (stay of proceedings advocate general.
Adams, K, and custshall C R (1987) Refusing to prosecute minor offences the relative influence of legal and extralegal factors. Justice quarterly 4,595,609.DX.DOI.ORG.
Neubauer D W. and Fradella H.F (2001) Americas courts and the criminal justice system (10 th ED) Belmont C A Washington publishing.
Blacks Law Dictionary.by Henry Campbell Black, M. A. ST. Paul , MINN.WEST Publishing CO.1969.
Associate Professor of Law and Police Sciences, Police College, Qatar.
Views
Downloads
Citations
Authors
Issue
Year