In the State of Qatar, Law No. 21 of 2021 related to the establishment of the Investment and Trade Court was issued. The aim of this law was to found legal rules that meet the aspirations of both national and foreign investors. Through this law, the Qatari legislator was keen to advance the performance of the judiciary in the fields of finance and business. This is hopped to be achieved by means of facilitating procedures in commercial law cases that require speedy settlement, and by the presence of judges specialized in investment and trade disputes.
It is noted that this law expanded the jurisdiction of the court it has established to include a wide range of trade and investment issues. However, this expansion of the jurisdiction of mentioned court generated problems at the level of the case value and subject matter jurisdictions that court. In addition, it produced another problem related to the distribution of jurisdiction among the circuits. It also created problems at the level of the terminology used, which affects the rules of jurisdiction.
Therefore, this research addresses these issues through analysis and comparison with other legal systems.
إن حرص الدول على تطوير المناخ التشريعي في مجال المال والأعمال، وتيسير إجراءات التقاضي في القضايا التجارية التي تتطلب في العادة سرعة البت ووجود قضاة متخصصين ملمين بطبيعتها، يستلزم إنشاء قضاء متخصص في التصدي لأية نزاعات في مجال الاستثمار والتجارة بشكل يساهم في إيجاد ثوابت قضائية في القضايا المتعلقة بالمال والأعمال، وإيجاد منهج قانوني متخصص في هذه القضايا. وإدراكًا من المشرع القطري لأهمية وجود قضاء متخصص بقضايا الاستثمار والتجارة، صدر القانون رقم 21 لسنة 2021 المتعلق بإنشاء محكمة الاستثمار والتجارة، والذي يمكن اعتباره بمثابة استجابة تشريعية لرغبات المستثمرين الوطنيين والأجانب على السواء؛ فجاء هذا القانون ليعكس حرص المشرع القطري على تطوير الأداء القضائي في مجال المال والأعمال1، وذلك من خلال تيسير الإجراءات في القضايا التجارية التي تتطلب سرعة البت، ووجود قضاة متخصصين بقضايا الاستثمار والتجارة. إذ لا شك أن أطراف العلاقة الاستثمارية - سواء أكانوا مواطنين أم أجانب - هم بحاجة إلى قضاء متخصص يتميز بسرعة البت في نزاعاتهم المتعلقة بالاستثمار؛ ولذلك فإن إنشاء محكمة مختصة ومتخصصة يساهم في توفير مظلة قضائية تساهم بنسبة كبيرة في جذب الاستثمار.
إشكالية البحث
المأمول من إنشاء محكمة الاستثمار والتجارة أن تساعد في خلق بيئة جاذبة للاستثمار في دولة قطر، من خلال إيجاد مناخ محاط بالطمأنينة يتمثل بوجود طريق قضائي متخصص، سهل الوصول إليه والتعامل معه؛ ذلك أن النزاعات التي سوف تتولاها هذه المحكمة هي نزاعات ذات طبيعة مالية تؤثر بشكل مباشر في الحالة الاقتصادية لدولة قطر من خلال تحريك رؤوس الأموال المحلية والأجنبية؛ لذلك سوف نجد من خلال هذه الدراسة أن هذا القانون قد وسّع من اختصاص تلك المحكمة ليشمل طيفًا واسعًا من قضايا التجارة والاستثمار. لكن هذا الاتساع في اختصاص تلك المحكمة قد أوجد إشكاليات على مستوى الاختصاص النوعي، والقيمي، لتلك المحكمة، وإشكالية أخرى تتعلق بتوزيع الاختصاص بين الدوائر؛ حيث تبرز إشكالية على مستوى المصطلحات المستخدمة، الأمر الذي يؤثر على قواعد الاختصاص.
منهج البحث
إن الإشكاليات المشار إليها في الفقرة السابقة تستدعي منهجًا تحليليًّا لها، يقوم على تفكيك العناصر الأساسية للإشكاليات محل البحث، ودراستها بأسلوب متعمق؛ وذلك من أجل استنباط ما من شأنه أن يساعد في حل تلك الإشكاليات.
وتجدر الإشارة إلى أن تلك الإشكاليات لا تقتصر على القانون القطري محل الدراسة، فهي بشكل أو بآخر تتواجد لدى التشريعات الأخرى المماثلة في الدول الأخرى؛ لذلك فمن الطبيعي أن يكون منهج هذا البحث هو الدراسة التحليلية كمنهج أصيل، والمقارنة كمنهج رديف؛ لأننا لن نلجأ إلى المقارنة في كل التفاصيل؛ حيث سنستعين بالقانون الفرنسي وبعض القوانين العربية عندما يقتضي ذلك تحليل أحكام قانون إنشاء محكمة الاستثمار والتجارة القطري.
تقسيم البحث:
أخذًا بالاعتبار الإشكاليات التي يثيرها البحث والتي نوهنا إليها آنفًا، فإننا سنعالج تلك الإشكاليات من خلال مبحثين، نعرض في الأول منهما لإشكاليات الاختصاص النوعي لمحكمة الاستثمار والتجارة. وفي المبحث الثاني نعرض لإشكاليات الاختصاص القيمي لمحكمة الاستثمار والتجارة.
الاختصاص النوعي لمحكمة الاستثمار والتجارة القطرية وإشكالياته
عندما يكون القضاء عام الولاية فليس من الضروري أن يمنحه القانون اختصاصًا صراحةً، وإنما يكفي ألا يوجد قانون يسلبه منه، وذلك على عكس مفهوم القضاء المتخصص الذي لا يتولى إلا الدعاوى المحددة له بالنصوص الخاصة صراحة، إما بسبب طبيعة الدعوى، وإما بسبب خصوصية موضوعها، فصمت نصوص القانون بالنسبة له يعني استبعاد الاختصاص عنه2، وبما أن محكمة الاستثمار والتجارة إنما هي محكمة متخصصة؛ فهذا يعني أنها لا تختص إلا بنوع معين من النزاعات التي نصت عليها النصوص المكونة لهذا القانون الجديد، الأمر الذي يستدعي دراسة طبيعة الاختصاص النوعي لمحكمة الاستثمار والتجارة في المطلب الأول، ثم نحلل الإشكاليات القانونية التي تثيرها الطريقة الخاصة التي اتبعها قانون إنشاء محكمة الاستثمار والتجارة في تحديد اختصاص المحكمة نوعيًا في مطلب ثانٍ.
المطلب الأول
طبيعة الاختصاص النوعي لمحكمة الاستثمار والتجارة
الأصل في التخصص في القضاء أنه تخصص محاكم وليس تخصص قضاة؛3 لأن الاختصاص هو صلاحية المحكمة للنظر في الدعوى المرفوعة، استنادًا إلى القواعد التي حددها القانون. وكما أن الاختصاص النوعي للمحكمة الابتدائية الأصل فيه أنه يُنسب إلى المحكمة لا إلى دوائرها، كما أن إسناد دعاوى معينة إلى دوائر المحكمة المختلفة بقرار من جمعيتها العمومية يدخل في نطاق التنظيم الداخلي للمحكمة، ولا يتعلق بالاختصاص النوعي إلا إذا أفرد القانون بنص خاص دائرة من دوائر المحكمة الاختصاص بنظر مسائل معينة4، وهو ما يثير مسألة أثر تشكيل المحكمة على قواعد الاختصاص (الفرع الأول). وكما هو معلوم، فالاختصاص النوعي هو: مجموعة القواعد التي تحدد سلطة المحكمة في الفصل دعاوى معينة، وهو ما يبعد سواها من المحاكم عن هذا الاختصاص. ويكون تحديد الاختصاص النوعي في هذه الحالة مستندًا إلى موضوع الدعوى وطبيعة النزاع، وهو الأصل5، وهو ما يثير مسألة الدفع بعدم الاختصاص ووقت إثارة هكذا دفع (الفرع الثَّاني).
الفرع الأول
أثر تشكيل المحكمة على قواعد الاختصاص
إن المصطلح في القانون يعدُّ وعاء الفكرة، فإن انضبط المصطلح انضبطت الفكرة، وإن اختل اختلت الفكرة6، وقانون إنشاء محكمة الاستثمار والتجارة يعاني في بعض الحالات من أزمة مصطلح، ومن قبله قانون المحاكم الاقتصادية المصري؛ حيث يرى البعض7 وبحق - أن المشرع عندما استخدم تعبير دائرة في المحكمة الاقتصادية قد قصد المعنى الفني الدقيق لاصطلاح الدائرة؛ ذلك أن تشكيل الدائرة الابتدائية يختلف عن تشكيل الدائرة الاستئنافية، فالدائرة الابتدائية تتشكل من ثلاثة قضاة في المحاكم الابتدائية، بينما تتشكل الدائرة الاستئنافية من ثلاثة قضاة في محاكم الاستئناف.
كذلك فإن هناك مسألة اختلاف عضوي في التشكيل؛ حيث يجب أن يتوفر خبرة معينة للقضاء، كما يجب أن يتوفر الاختصاص، فالمشرع عندما نص على اختصاص الدائرة الابتدائية في المنازعات والدعاوى التي تدخل في اختصاصها استخدم تعبير "اختصاصها دون غيرها"، وكذلك الأمر عندما تحدث عن اختصاص الدائرة الاستئنافية؛ وهذا يعني أن المشرع حدد لكل دائرة اختصاصًا قيميًّا لا تتجاوزه، ومن المسلم به أن الاختصاص القيمي من النظام العام. والأهم من ذلك أن الأحكام الصادرة من الدائرة الابتدائية تُستأنف أمام الدائرة الاستئنافية، فكيف يتصور على ضوء هذه النصوص القول بأننا أمام دوائر في محكمة واحدة؟
فلو صح هذا القول؛ فلا يجوز الدفع أمام الدائرة الاستئنافية بعدم الاختصاص، إذا نظرت دعوى تدخل في الاختصاص القيمي للدائرة الابتدائية، كما أن فصلها في هذه الدعوى يكون فصلًا صحيحًا، ويترتب على ذلك عدم إمكانيه الطعن في هذا الحكم بالاستئناف، الأمر الذي يترتب عليه الحرمان من درجة من درجات التقاضي. ولا يؤثر في ذلك القول بأنه يمكن الطعن بالنقض طبقًا لقانون المحاكم الاقتصادية على الحكم الصادر من الدائرة الاستئنافية في المحكمة الاقتصادية؛ ذلك أن الطعن بالاستئناف يطرح على المحكمة الدعوى من حيث الواقع8، وهذا عكس الطعن بالنقض الذي يبنى فقط على مخالفة الحكم المطعون فيه في القانون؛ لذلك يذهب الفقه وبحق إلى أن في هيكلية المحاكم الاقتصادية تقوم على محاكم ابتدائية اقتصادية، ومحاكم استئناف اقتصادية، وليس مجرد دوائر ضمن محكمة، فلو أنها دوائر، لصحت الأحكام الصادرة من إحدى دوائر المحكمة أمام دائرة أخرى بذات المحكمة باعتبارها جميعا تعتبر محكمة واحدة، ومن ثم فإنه يتعين فهم اصطلاح الدائرة على أنه محكمة، ويترتب على ذلك أنه لا يجوز لأي منهما تجاوز قواعد الاختصاص القيمي، وإلا تعين عليها أن تحكم من تلقاء نفسها بعدم الاختصاص والإحالة، حتى ولو لم يكن هناك دفع بذلك من أحد الخصوم، وهو ما قضت به محكمة القاهرة الاقتصادية9. ولذلك يمكن القول: إن عيبًا في هيكلية المحكمة يتولد عن المصطلحات التي استخدمها المشرع في تقسيمه وتسميته للمحاكم في القانون المصري، وهذا العيب بذاته قد انتقل إلى محكمة الاستثمار والتجارة في قطر.
ولعله من المفيد هنا الإشارة إلى الوضع قبل صدور قانون محكمة الاستثمار والتجارة، وفيما يمكن اعتباره خطوة أولى نحو إنشاء قضاء تجاري متخصص؛ فقد كان المجلس الأعلى للقضاء في دولة قطر بدأ بتطبيق قرار تخصيص دوائر متخصصة لنظر الدعاوى والمنازعات التجارية. ويأتي هذا القرار في طور الاستعدادات النهائية لتدشين محكمة الاستثمار والتجارة؛ لتكون تلك الدوائر المتخصصة النواة الأولى للمحكمة.
وكانت كل من الدوائر الكلية والجزئية بالمحكمة الابتدائية تختص بالفصل في المنازعات والدعاوى الناشئة بين التجار والمتعلقة بأعمالهم التجارية، وبين الشركاء أو المساهمين أو بين أي منهم والشركة في الشركات التجارية، والمنازعات المتعلقة بعمليات البنوك، والمنازعات المتعلقة بالإفلاس والصلح الواقي من الإفلاس، والمنازعات المتعلقة ببراءات الاختراع والعلامات التجارية والنماذج الصناعية والأسرار التجارية وحقوق الملكية الفكرية، والمنازعات المتعلقة بمنع الممارسات الاحتكارية والمنافسة والإغراق والممارسات الضارة بالمنتجات الوطنية. كما تم تخصيص دائرة بمحكمة الاستئناف لنظر الطعون المرفوعة على الأحكام المتعلقة بالمنازعات التجارية. وقد تم تخصيص (6) ست دوائر ابتدائية ودائرتي استئناف للنظر في النزاعات والدعاوى التجارية10.
الفرع الثاني
طبيعة الدفع بعدم الاختصاص أمام محكمة الاستثمار والتجارة
نصت المادة 12 من قانون إنشاء محكمة الاستثمار والتجارة على أن: "تُنشأ بمحكمة التمييز دائرة أو أكثر تسمى "دائرة المنازعات الاستثمارية والتجارية"، تختص بالفصل في الطعون في الأحكام الصادرة عن الدوائر الاستئنافية بالمحكمة، ويكون ميعاد الطعن بالتمييز في هذه الأحكام ثلاثين يومًا.
وإذا قضت محكمة التمييز بتمييز الحكم المطعون فيه حكمت في الموضوع"
ونستطيع من خلال النص أن نقطع بأننا أمام محكمة مختصة هي (محكمة الاستثمار والتجارة) تنتمي إلى القضاء العادي، وليست جهة قضاء إلى جانب جهة القضاء العادي، كما هو حال المحكمة المدنية والتجارية لمركز قطر للمال التي تعد جهة قضائية إلى جانب القضاء العادي، ومما يؤكد ما نراه أن رأس الهرم في الهيكل التنظيمي للمحكمة هو محكمة التمييز، بل ويمكن بموجب المادة 12 المشار إليها سابقًا أن تكون محكمة التمييز موضوع، أي درجة ثالثة عندما تحكم بتمييز الحكم المطعون فيه: ويترتب على ذلك:
أن الدائرة المرفوعة إليها الدعوى في محكمة الاستثمار والتجارة لو وجدت أنها غير مختصة وإنما الاختصاص يرجع إلى إحدى محاكم القضاء العادي فهي ستحكم بعدم الاختصاص، وتحيل إلى المحكمة المختصة، أما لو وجدت أنها غير مختصة وإنما الاختصاص يرجع إلى المحكمة المدنية والتجارية لمركز قطر للمال، فهي ستحكم بعدم الاختصاص الولائي دون أن تقوم بالإحالة11.
وعلى الرغم من أن نصوص قانون محكمة الاستثمار والتجارة أغفلت توضيح ما إذا كان اختصاص هذه المحكمة متعلقًا بالنظام العام أم لا، إلا أنه يمكن تحديد صلة اختصاصها بالنظام العام من خلال تفسير نصوص قانون المحكمة؛ فقد نصت المادة 29 من قانون محكمة الاستثمار والتجارة على أنه: "تفصل المحكمة من تلقاء نفسها أو بناءً علـى طلـب أحد أطراف الدعوى في المسائل المتعلقة بالاختصاص، وشروط قبول الدعوى، وكافة الدفوع الشكلية قبل الفصل في الموضوع، ويجوز لها اتخاذ التدابير التي تراها مناسبة كتكليف أطراف الدعوى بتقديم الإيضاحات اللازمة بشأن تلك المسائل، ولا يجوز للمحكمة أن تندب خبيرًا قبل الفصل في تلك المسائل"؛ فهذا النص جعل مسألة الاختصاص من النظام العام وذلك استنادًا إلى سلطة المحكمة في إثارة المسألة من تلقاء ذاتها.
والأمر نفسه في القانون المغربي الذي سكت عن توضيح مسألة طبيعة الاختصاص النوعي لمحاكم التجارة؛ مما جعل بعض الفقهاء يأخذون على المشرع سكوته، وينتقدون أسلوب صياغة مواد اختصاص المحاكم التجارية. وبالنتيجة أدى الأمر إلى اختلاف فقهي بين من اعتبرها متعلقة بالنظام العام، وآخر يراها غير متعلقة بالنظام العام12. وهو ما يدفع باتجاه الدراسة لبيان نوع الدفع الذي يمكن تقديمه في هذه الحال، ومن الذي يتمسك به، وما هو الوقت الذي يمكن التمسك به13.
ويبدو أن القانون المغربي قد ترك هذه المسألة لتحكمها القواعد العامة في المسطرة المدنية، والتي تجعل الدفع بعدم الاختصاص مسألة متعلقة بالنظام العام، حتى وإن كان الدفع بعدم الاختصاص النوعي؛ لأن الدفع بعدم الاختصاص الولائي أو النوعي أو القيمي كلها متعلقة بالنظام العام، على المحكمة القضاء به من تلقاء نفسها في أية حالة كانت عليها الدعوى، أما المشرع الفرنسي؛ فقد توجه صراحة إلى جعل هذا الدفع متعلقًا بالنظام العام، على المحكمة القضاء به من تلقاء نفسها، باعتبار أن محكمة التجارة هي قضاء استثنائي ينظر في منازعات خاصة حددتها المادة ل 721-3 من قانون التجارة على سبيل الحصر والاستثناء، الأمر الذي يوجب على المحكمة إثارة عدم اختصاصها من تلقاء نفسها14.
لكن المشكلة في فرنسا كانت متعلقة بالولاية الاستثنائية للقضاء التجاري؛ حيث كانت المادة 631 من قانون التجارة الفرنسي القديم تعدد – على سبيل الحصر – المنازعات التي تختص بها المحاكم التجارية. لكن قانون 17 ديسمبر 1991 ألغى - بشكل غير مقصود - نص المادة 631، ثم في 15 مايو 2001 صدر نص جديد هو المادة L 411-4 من قانون التنظيم القضائي الذي يمنح من جديد الاختصاص للمحاكم التجارية. وبالنتيجة؛ فإنه بين عامي 1991 و2001، حكمت المحكمة التجارية عندما لم تكن هناك نصوص تنص على اختصاصها، وبالنظر إلى أن المحاكم التجارية ذات ولاية قضائية استثنائية؛ فإنه لا يمكن لها أن تختص إلا إذا كان هناك نص صريح على اختصاصها. وبالتالي؛ فإن جميع الأحكام الصادرة خلال هذه السنوات العشر كانت باطلة؛ ولذلك، استخدم المشرع الأثر الرجعي لإصلاح الأمر. وفي عام 2006 أعاد المشرع هذا الحكم إلى قانونه الأصلي، وتحديدًا في القانون التجاري في المادة ل 3-721 15.
إن كل ما سبق يقطع بأن الاختصاص النوعي إنما هو اختصاص متعلق بالنظام العام، وقد أكدت محكمة التمييز القطرية على هذه الخاصية، مبينة أن الدفع بعدم اختصاص المحكمة نوعيًا أو قيميًا إنما هو دفع يتعلق بالنظام العام، وللمحكمة القضاء به من تلقاء نفسها طبقًا لأحكام المادة 73 من قانون المرافعات المدنية والتجارية القطري16. ومن جانبه، يرى الفقه في فرنسا أنه بالنظر إلى أن المحكمة التجارية تعدُّ قضاءً استثنائيًّا متخصصًا؛ فإنه يجب على المحكمة التجارية أن تثير عدم اختصاصها من تلقاء نفسها17. وبالتالي واستنادًا إلى القواعد العامة يمكننا القول إنه:
وبالتالي فإنه بالنسبة لتوقيت التمسك بالدفع بعدم الاختصاص النوعي، يمكن القول إنه بموجب المادة 70 من قانون المرافعات المدنية والتجارية القطري فإن: "الدفع بعدم اختصاص المحكمة والدفع ببطلان أوراق التكليف بالحضور وسائر الدفوع المتعلقة بالإجراءات، يجب إبداؤها معًا قبل إبداء أي طلب أو دفاع في الدعوى، أو دفع بعدم القبول، وإلا سقط الحق فيما لم يبد منها. ويسقط حق الطاعن في هذه الدفوع إذا لم يبدها في صحيفة الطعن، يحكم في هذه الدفوع على استقلال قبل النظر في موضوع الدعوى ما لم تأمر المحكمة بضمها إلى الموضوع وعندئذ تبين المحكمة ما حكمت به في كل منها على حدة.
ويجب إبداء جميع الوجوه التي يبنى عليها الدفع المتعلق بالإجراءات معًا، وإلا سقط الحق فيما لم يبد منها."
وأما في القانون المغربي 53،95 المحدث للمحاكم التجارية19، فتنص المادة 8 منه على أنه: "استثناء من أحكام الفصل 17 من قانون المسطرة المدنية20، يجب على المحكمة التجارية أن تبت بحكم مستقل في الدفع بعدم الاختصاص النوعي المرفوع إليها وذلك داخل أجل ثمانية أيام، ويمكن استئناف الحكم المتعلق بالاختصاص خلال أجل عشرة أيام من تاريخ التبليغ، ويتعين على كتابة الضبط أن توجه الملف إلى محكمة الاستئناف التجارية في اليوم الموالي للاستئناف. وتبت المحكمة داخل أجل عشرة أيام تبتدئ من تاريخ توصل كتابه الضبط بالملف، وإذا بتت محكمة الاستئناف التجارية في الاختصاص أحالت الملف تلقائيًّا على المحكمة المختصة."
وبالمقارنة مع الفصل 17 المشار إليه والذي جاء فيه: "يجب على المحكمة التي أثير أمامها الدفع بعدم الاختصاص أن تبت فيه بموجب حكم مستقل، أو بإضافة الطلب العارض إلى الجوهر." نلاحظ الآتي:
وبناءً على ما سبق؛ فإن الوضع في القانون المغربي يثير تساؤلين:
الأول: ما حكم نص المادة 5 من قانون المحاكم التجارية المغربي، والتي جاء فيها: "يمكن الاتفاق بين التاجر وغير التاجر على إسناد الاختصاص للمحكمة التجارية، فيما قد ينشأ بينهما من نزاع بسبب عمل من أعمال التاجر".
الثاني: هل تنتظر المحكمة التجارية إصدار محكمة الاستئناف التجارية قرارها بشأن الدفع بعدم الاختصاص النوعي، أم أن من حقها الاستمرار في إجراءات الدعوى بالرغم من ذلك الاستئناف، إذا ما كان حكمها يقر باختصاصها النوعي؟
يبدو أن المشرع المغربي قد تخلى عن اعتبار مسألة الاختصاص النوعي متعلقة بالنظام العام، وذلك عندما سمح بالاتفاق بين التاجر وغير التاجر على إسناد الاختصاص للمحكمة التجارية فيما قد ينشأ بينهما من نزاع بسبب عمل من أعمال التاجر، هذا من جهة. ومن جهة أخرى فإن النص في المادة الثامنة على أنه: ".... يجب على المحكمة التجارية أن تبت بحكم مستقل في الدفع بعدم الاختصاص النوعي المرفوع إليها وذلك داخل أجل ثمانية أيام"؛ فإن هذا النص لم يشر إلى وجوب إثارة القاضي مسألة الاختصاص من تلقاء ذاته. وكأنما المشرع قد نقل القواعد المتعلقة بتحديد الاختصاص النوعي وتوزيعه بين المحكمة التجارية والمحكمة الابتدائية من مجموعة القواعد الآمرة إلى القواعد المكملة، وبالتالي لم يعد هذا التوزيع يتعلق بالنظام العام، لا سيما أنه سمح للأطراف بالاتفاق على نقل الاختصاص إلى المحكمة، حتى وإن كان هذا النقل يتعلق باتجاه واحد وليس بالاتجاهين؛ أي إنه لو كانت الدعوى تعود لاختصاص المحكمة التجارية لما تمكن الأطراف من الاتفاق على جعل هذا الاختصاص يعود للمحكمة الابتدائية وفق القواعد العامة.
وفي الإجابة على السؤال الثاني يمكننا القول: إن قانون المرافعات يعد الشريعة العامة لقانون المحاكم التجارية، وبالتالي وبما أن المشرع لم يفصل بهذه المسألة، فلا بد عندها من العودة إلى النصوص العامة؛ حيث ينص الفصل 17 المشار إليه سابقًا على أنه: "يجب على المحكمة التي أثير أمامها الدفع بعدم الاختصاص أن تبت فيه بموجب حكم مستقل أو بإضافة الطلب العارض إلى الجوهر"
المطلب الثاني
خصوصية الاختصاص النوعي لمحكمة الاستثمار والتجارة
بالنظر إلى أن محكمة الاستثمار والتجارة هي محكمة متخصصة؛ فإن لقواعد الاختصاص النوعي خصوصية تميزها عن القواعد العامة في قانون المرافعات المدنية والتجارية (الفرع الأول). وتتضح هذه الخصوصية من خلال مقارنة أسلوب المشرع القطري في تحديد الاختصاص النوعي لهذه المحكمة بالأسلوب العادي لقواعد الاختصاص النوعي (الفرع الثاني)، الأمر الذي يدفعنا لتلمس فلسفة المشرع القطري من وراء هذه الخصوصية القائمة على توسيع اختصاص تلك المحكمة؛ وذلك عن طريق تحليل طبيعة المنازعات التي تختص بها تلك المحكمة (الفرع الثالث).
الفرع الأول
تمييز قواعد الاختصاص النوعي لمحكمة الاستثمار والتجارة
عن القواعد العامة في قانون المرافعات المدنية والتجارية
نوضح هذه الخصوصية من خلال عرض سريع للقواعد العامة في الاختصاص النوعي، ثم نبين القواعد الخاصة بتوزيع الاختصاص داخل محكمة الاستثمار والتجارة التي تميزها عن القواعد العامة.
أولًا- القاعدة العامة في توزيع الاختصاص بين المحكمة الكلية والمحكمة الجزئية:
في قانون المرافعات القطري - والذي يعتبر الشريعة العامة لقانون محكمة الاستثمار والتجارة - يوزع الاختصاص ما بين المحكمة الكلية والجزئية بناءً على قواعد الاختصاص النوعي كأساس أولي لتوزيع الاختصاص بين المحكمتين، وفي حال عدم وجود نص محدد للمحكمة المختصة نوعيًّا بدعوى من الدعاوى، عندها يتم الانتقال إلى قواعد الاختصاص القيمي كمعيار احتياطي. ومفاد ذلك أن قواعد الاختصاص النوعي هي الأصل، وفق جانب من الفقه21 وهو ما نراه، وأما قواعد الاختصاص القيمي فهي القواعد الاحتياطية؛ ذلك أن المشرع بعد أن خصص دعاوى معينة لتكون من اختصاص محكمة معينة؛ فإنه بعد ذلك حدد قواعد الاختصاص القيمي؛ حيث تكون الدعوى من اختصاص المحكمة الكلية إذا زادت قيمتها على 500 ألف ريال، وتكون من اختصاص المحكمة الجزئية في حال عدم الزيادة على ذلك النصاب. ولا يتم الاعتماد على قواعد الاختصاص القيمي إلا بعد التأكد من عدم وجود نص يجعل الدعوى من اختصاص محكمة بذاتها.
ثانيًا- القواعد الخاصة بتوزيع الاختصاص داخل محكمة الاستثمار والتجارة:
إذا انتقلنا إلى قواعد الاختصاص في قانون محكمة الاستثمار والتجارة، فسنجدها ذات خصوصية تميزها عن القواعد العامة:
سيكون أسلوب توزيع الاختصاص أسلوبًا خاصًا؛ حيث لن يكتفى بمعيار تسمية الدعوى فقط لتحديد المحكمة المختصة، بل سيعتمد على معيار إضافي وهو القيمة، فنستطيع القول: إنه سيكون معيارًا مزدوجًا يعتمد الجمع بين التسمية النوعية والقيمة؛ فإذا افتقدت الدعوى إلى أي من المعيارين الفرعيين، وهما التسمية من جهة والقيمة من جهة أخرى فسيبقى الاختصاص للمحكمة الثلاثية، وبالنتيجة سيكون اختصاص محكمة القاضي الفرد في الدعاوى والمنازعات المتعلقة بمسائل الاستثمار والتجارة معطلًا بدون قرار المجلس الأعلى للقضاء، ولا يمكن قبول أن تنظر المحكمة الفردية حاليًّا وقبل صدور القرار من المجلس الأعلى للقضاء، بالدعاوى التي لا تزيد قيمتها على عشرة ملايـين ريـال؛ لأن القيمة هي عنصر في معيار وليست معيارًا كاملًا.
والحقيقة أن لقرار المجلس الأعلى أثرًا يتجاوز الأثر الظاهر من النص، فيظن المطّلع على المادة 7 بأن قرار المجلس الأعلى سيكون بشأن تحديد الاختصاص بالنسبة للمحكمة الجزئية فقط، إلا أنه في الحقيقة سيكون له الكلمة الفصل فيما سيكون من اختصاص كل من المحكمتين، فقبل القرار لا نعرف ما الذي سيذهب إلى محكمة القاضي الفرد من الدعاوى والمنازعات، وما الذي سيبقى مستقرًّا للمحكمة الثلاثية، وهذا توجه غير مألوف من المشرع.
اختصاص المحكمة الفردية بإصدار أوامر الأداء:
- إضافة للمعيار المزدوج لتحديد اختصاص المحاكم ما بين المحكمة الفردية والثلاثية يمكن القول: إن اختصاص المحكمة الفردية بإصدار أوامر الأداء، أيًّا كانت قيمتها، والفصل في التظلمات الواردة عليها، يعد اختصاصًا نوعيًّا بالأسلوب المعمول به في قانون المرافعات المدنية والتجارية القطري. وهو ما جاء به نص المادة 8 في فقرتها الثانية: " .... كما تختص، دون غيرها، بإصدار أوامر الأداء، أيًّا كانت قيمتها، ودون الحاجة لتكليف المدين بالوفاء، ........"
الفرع الثاني
أساليب تحديد الاختصاص النوعي للمحكمة
في قانون إنشاء محكمة الاستثمار والتجارة والقانون المقارن
اختلفت التشريعات حول أسلوب تحديد المنازعات والدعاوى التي تختص بها هذه المحاكم المتخصصة، فمنها ما اعتمد معيار القانون الذي ينشأ عنه النزاع أو الدعوى، كما هو الحال في القانون المصري، أما الأسلوب المغربي والقطري فهو مختلف؛ فقد اعتمد المشرع القطري أسلوبًا خاصًّا في تحديد الدعاوى التي تختص بها المحكمة، إلى جانب أسلوب خاص في إسناد الاختصاص النوعي للمحاكم المشكلة للهيكل التنظيمي لمحكمة الاستثمار والتجارة. ونعرض فيما يلي تجارب المشرعين الآخرين في تحديد اختصاص المحاكم المماثلة، والأساليب المختلفة المتبعة، ثم نعرض أخيرًا لإشكالية تنازع الاختصاص بين الدائرة الإدارية والدائرة التجارية في المحكمة الابتدائية من جهة ومحكمة الاستثمار والتجارة من جهة أخرى.
أولًا- أسلوب المشرع المغربي في تحديد الاختصاص النوعي للمحاكم التجارية23: وهو أسلوب لم يخرج عن أسلوب قوانين المرافعات في تحديد الاختصاص النوعي، بناءً على نوع الدعوى أو النزاع؛ حيث نصت المادة 5 أنه: "تختص المحاكم التجارية بالنظر في:
1- الدعاوى المتعلقة بالعقود التجارية
2 -الدعاوى التي تنشأ بين التجار والمتعلقة بأعمالهم التجارية
3- الدعاوى المتعلقة بالأوراق التجارية ..............."
ثانيًا- الأسلوب المصري في تحديد الاختصاص النوعي للمحاكم الاقتصادية24: وهو الأسلوب المعتمد على تحديد القانون الذي ينظم الحقوق التي تقام الدعاوى بشأنها؛ حيث نصت المادة 6 من قانون المحاكم الاقتصادية المصري: "فيما عدا المنازعات والدعاوى التي يختص بها مجلس الدولة، تختص الدوائر الابتدائية بالمحاكم الاقتصادية، دون غيرها، بنظر المنازعات والدعاوى، التي لا تجاوز قيمتها عشرة ملايين جنيه، والتي تنشأ عن تطبيق القوانين الآتية:
1. قانون الشركات العاملة في مجال تلقِّي الأموال لاستثمارها.
2. قانون سوق رأس المال.
3. قانون تنظيم نشاطي التأجير التمويلي والتخصيم.
4. قانون حماية الاقتصاد القومي من الآثار الناجمة عن الممارسات الضارة في التجارة الدولية.
5. قانون التجارة في شأن نقل التكنولوجيا والوكالة التجارية وعمليات البنوك.
6. قانون التمويل العقاري ...................."
ثالثًا- أسلوب المشرع الفرنسي25: وهو أسلوب، يتم فيه تحديد الاختصاص بناء على نوع الدعوى أو النزاع؛ حيث نصت المادة ل 3-721:
"..... - المنازعات المتعلقة بالالتزامات بين التجار، بين مؤسسات الائتمان، بين شركات التمويل
- في المنازعات المتعلقة بالشركات التجارية
- النزاعات المتعلقة بالأعمال التجارية بين الأشخاص."
وبعد استعراض كل هذه الأساليب يبدو واضحًا أن أسلوب المشرع القطري كان أقرب لأسلوب المشرع الفرنسي والمشرع المغربي؛ حيث عددت المادة 7 من قانون محكمة الاستثمار والتجارة الدعاوى والمنازعات التي تختص بها المحكمة.
ونعتقد بأن أسلوب المشرع المصري هو الأفضل؛ وذلك لما يترتب عليه من سهولة ووضوح في تحديد المحكمة المختصة، بناء على معيار واضح وحاسم في مسألة الدعاوى التي تختص بها هذه المحكمة، وبالتالي لن يبذل القاضي أدنى جهد في اتخاذ قراره بشأن الاختصاص؛ أما القاضي القطري في محكمة الاستثمار والتجارة فهو على الرغم من تحديد الدعاوى التي تختص بها المحكمة إلا أن هذا التحديد الذي لم يبن على معيار محدد واضح، سيكون بيئة خصبة لإشكاليات متعددة في مسألة الاختصاص وهو ما سنتطرق إليه لاحقًا في هذا البحث.
رابعًا- مسائل يثيرها تنازع الاختصاص بين الدائرة الإدارية والدائرة التجارية في المحكمة الابتدائية من جهة، ومحكمة الاستثمار والتجارة من جهة أخرى:
إن المادة 7 من قانون إنشاء محكمة الاستثمار والتجارة تثير مسألتين متعلقتين بتنازع الاختصاص، الأولى تتعلق بمدى إمكانية نشوء تنازع اختصاص بين المحكمة المحدثة والدوائر التجارية، والثانية مدى إمكانية نشوء تنازع الاختصاص بين المحكمة المحدثة من جهة والدوائر الإدارية من جهة ثانية في المحكمة الابتدائية.
فهنا لن تطبق القواعد الأساسية في تنازع القوانين من حيث الزمان؛ لأن المادة 7 قد استبعدت اختصاص المحكمة المحدثة في هذه الدعاوى. وهذا الوضع مشابه تمامًا لما هو عليه الحال في قانون المحاكم الاقتصادية المصري؛ حيث نجد بعض الفقه المصري ينتقد ما توجه إليه القانون من إبقاء الاختصاص في هذه الدعاوى للقضاء الإداري؛ على أساس أنه إذا كان المشرع قد أجهد نفسه بإنشاء هذه المحاكم المتخصصة، فالأوفق هو أن تنظر هذه المحاكم وحدها تلك الدعاوى؛ حتى ولو كانت متعلقة بقرارات إدارية صادرة من جهات إدارية، وذلك ما يمنع تشتيت النزاع بين الجهات القضائية، ويجنب إمكانية حدوث تعارض في الأحكام26. ومع ذلك فقد أورد المشرع في نص المادة 7 وبالتحديد في التعداد 12 من الفقرة الأولى (المنازعات المتعلقة بعقود الشراكة بين القطاعين الحكومي والخاص) وهي منازعات لن تنجوا من اختصاص محكمة الاستثمار والتجارة وذلك بنص المادة 7 ، وإن كان جانب من الفقه يذهب إلى أنها تعود لاختصاص القضاء الإداري27.
الفرع الثالث
فلسفة المشرع في تحديد الاختصاص النوعي لمحكمة الاستثمار والتجارة
لعل المادة السابعة من قانون إنشاء محكمة الاستثمار والتجارة، والتي تحدد اختصاصات هذه المحكمة، هي من أهم مواد هذا القانون وأكثرها جدلية؛ ذلك أن المشرع القطري كان بالخيار بين أن يُحدد اختصاص هذه المحكمة استنادًا إلى المنازعات التي تتعلق بقانون معين أو أكثر يتعلق بالتجارة والاستثمار28، كما هو أسلوب المشرع المصري، أو أن يُسند لها اختصاص النظر في منازعات يختارها هو على سبيل التحديد والحصر. وقد اختار الأسلوب الثاني؛ حيث نصت المادة السابعة على مجموعة من المنازعات تتصل بعدد من القوانين النافذة.
والملاحظ أن المشرع قد تبنى مفهومًا خاصًا للتجارة،29 بقصد توسيع اختصاص هذه المحكمة؛ فقد أسند إليها اختصاص الحكم ابتدائيًّا في عدد كبير من المنازعات، بعضها يفتقر لصفة المنازعة التجارية، وبعضها الآخر يحتمل المنازعة المختلطة، المنازعة المدنية والمنازعة التجارية، وبعضها يعتبر منازعة إدارية، أما المشرع القطري؛ فقد اعتبر جميع هذه المنازعات الواردة في المادة 7 منازعات تجارية، تدخل في اختصاص المحكمة. وبالتالي؛ فإن نظرة تحليلية للمادة السابعة تستدعي تقرير الملاحظات الآتية:
- فيما يتعلق بالبند الأول من المادة السابعة؛ حيث تختص المحكمة بالفصل في المنازعات المتعلقة بالعقود التجارية، بما في ذلك عقود التمثيل التجاري والوكالات التجارية، والإشكالية التي تبرز هنا تتعلق بالوكيل التجاري؛ ذلك أنه بموجب تعريف قانون العمل القطري للعامل30، فإن الوكيل التجاري قد تربطه بالموكل علاقة عمل طالما ثبتت تبعية الوكيل التجاري للموكل وخضع لسلطته الإدارية وإشرافه؛ إذ العبرة في توصيف العلاقة بين الوكيل التجاري والموكل على أنها علاقة عمل ليست لطريقة حساب الأجر، بل لثبوت تبعية الوكيل التجاري لمن يعمل لحسابه والخضوع لرقابته وإشرافه؛ فإذا ثبت ذلك وصفت العلاقة بينهما على أنها علاقة عمل، وخرجت بالتالي من نطاق قانون التجارة فيما يتعلق بالمنازعة بينهما31.
- وفيما يتعلق بالبند الثالث؛ حيث تختص المحكمة بالفصل في المنازعات الناشئة بين الشركاء أو المساهمين في الشركات التجارية، أو بين أي منهم والشركة بحسب الأحوال، بما فيها شركات المساهمة العامة المدرجة أسهمها للتداول، ولكن بالتدقيق في هذا النص سنجد أن بعض هذه المنازعات تجارية، وبعضها غير تجارية. فعلى سبيل المثال، بيع الحصة في الشركة هو عمل مدني في الأصل؛ لأن تقديم الحصة في الشركة يعد عملًا مدنيًّا بطبيعته، على خلاف تأسيس الشركة، فالتأسيس عمل تجاري، والمنازعة مع المؤسسين بشأن الحصة التأسيسية منازعة تجارية.
- وفيما يتعلق بالبند الرابع؛ حيث تختص المحكمة بالفصل في المنازعات المتعلقة بالأصول التجارية، فالأصول التجارية هي المتاجر وليست كل منازعاتها تجارية، إلا إذا كان موضوع المنازعة عمل تجاري بهدف تحقيق الربح. فعلى سبيل المثال، فإن المنازعة المتعلقة بإيجار متجر هي منازعة مدنية، وسوف يثور التساؤل حول الجهة المختصة بالنظر فيها هل هي محكمة الاستثمار والتجارة32 أم لجنة فض المنازعات الإيجارية؟ وإن كان القانون في المادة 7 قد حسم الأمر بشأن ما تختص به واللجان ذات الاختصاص القضائية وتركها لتلك اللجنة، ومع ذلك نعتقد بأن هذه المشكلة ستثار أمام القضاء القطري وسيضطر القاضي لبحث هذه المسألة للحكم في مسألة الاختصاص.
- وفيما يتعلق بالبند السابع؛ حيث تختص المحكمة بالفصل في المنازعات المتعلقة بعمليات البنوك والأوراق التجارية وشركات التأمين وشركات التمويل والاستثمار؛ فإن التساؤل يثور بشأن منازعات شركات التأمين، فعلى الرغم من أن المادة الرابعة33 من المرسوم بقانون رقم (1) لسنة 1966 بالإشراف والرقابة على شركات ووكلاء التأمين تنص على أنه: "يُشترط لكي تزاول شركات التأمين القطرية أعمالها، أن تتخذ شكل شركات المساهمة"، إلا أن بعض هذه المنازعات ذات طبيعة مدنية، فالمنازعة بين المؤمن له غير التاجر وشركة التأمين هي منازعة مدنية، كالتأمين الإلزامي على المركبات34. فهنا الدعوى ستخضع للقانون التجاري كون المسألة هنا أصبحت من الأعمال التجارية المختلطة التي تخضع بالنتيجة للقانون التجاري.
- فيما يتعلق بالبند التاسع؛ يمكننا أن نؤكد أن الأصل منازعات حقوق الملكية الفكرية، أنها منازعات مدنية، تنظرها محاكم القضاء العادي35 وبالتالي يعد هذا البند الأكثر وضوحًا في التدليل على أن المشرع لم يكن مهتمًّا ما إذا كان النزاع تجاريًّا أو غير تجاريّ، وإنما أصبح من اختصاص المحكمة الجديدة بقوة القانون.
- وأخيرًا، فيما يتعلق بالبند الثاني عشر؛ حيث تختص المحكمة بالفصل في المنازعات المتعلقة بعقود الشراكة بين القطاعين الحكومي والخاص؛ فإن الشك يثور بقوة حول الصفة التجارية لهذه العقود؛ ذلك أنها تحتمل الصفة الإدارية كما تحتمل الصفة التجارية؛ لأن القانون رقم 12 لسنة 2022 بشأن الشراكة بين القطاع العام والقطاع الخاص لم يحدد طبيعة عقد الشراكة بينهما بشكل صريح، وكان من الأفضل لو فعل ذلك بنص تشريعي لتجنب الخلاف الفقهي بشأن تنازع الاختصاص36. كما أن الفقه من جانبه قد انقسم بشأن الفرع الذي تنتمي إليه هذه العقود، بين من يدخلها في القانون الخاص، ومن يدخلها في القانون العام، وما لذلك من أثر في تحديد الاختصاص القضائي37. ولما صدر قانون محكمة الاستثمار والتجارة القطري، وأسند إلى هذه المحكمة الاختصاص بنظر المنازعات المتعلقة بعقود الشراكة بين القطاعين الحكومي والخاص؛ فإن التساؤل الذي يطرح نفسه: هل اعتبر المشرع القطري تلك العقود ذات طبيعة تجارية حين أسند للمحكمة اختصاص النظر فيها، خاصةً وأنه في مطلع المادة السابعة نص على أنه: "تختص الدائرة الابتدائية المشكلة من ثلاثة قضاة، دون غيرها، بالحكم ابتدائيًّا في الدعاوى والمنازعات التجارية التالية..."
أما فيما عدا الملاحظات السابقة؛ فإن المنازعات الأخرى التي نصت عليها المادة السابعة تتمتع بالطبيعة التجارية بشكل لا لبث فيه، مثل: المنازعات المتعلقة بالعقود التجارية، والدعاوى الناشئة بين التجار المتعلقة بأعمالهم التجارية، وكذلك المنازعات المتعلقة بالبيوع البحرية، والمنازعات المتعلقة بعمليات البنوك والأوراق التجارية، والمنازعات المتعلقة بالإفلاس والصلح الواقي من الإفلاس، والمنازعات المتعلقة ببراءات الاختراع، والعلامات التجارية والنماذج الصناعية والأسرار التجارية، والمنازعات المتعلقة بحماية المنافسة ومنع الممارسات الاحتكارية، ومكافحة الممارسات الضارة بالمنتجات الوطنية في التجارة الدولية، والمنازعات المتعلقة بالتجارة الإلكترونية ومعاملاتها.
ومما سبق يتضح أن المشرع القطري تبنى مفهومًا واسعًا للمنازعات التجارية، وقامت فلسفته فيها على دمج ما هو تجاري مع ما هو استثماري؛ حتى ولو لم تكن الطبيعة التجارية واضحة في المنازعة. بل إنه أضاف منازعات غير تجارية ذات طبيعة استثمارية؛ مما يوحي بأن المشرع قد انطلق في هذا القانون من منطلق الاستثمار وليس من منطلق العمل التجاري فقط، فركز على منازعات بعينها ذكرتها المادة السابعة على سبيل الحصر، هذه المنازعات قد تكون تجارية أو غير تجارية، لكن التركيز واضح على الاستثمار، وهذه هي فلسفة المشرع في هذا القانون، وهي واضحة من خلال اسم المحكمة، ويجب النظر إلى مسألة اختصاص تلك المحكمة بناءً على تلك الفلسفة. وبالتالي، يمكن القول بأن المادة 7 لا تشتمل على كل المنازعات التجارية بمفهومها في قانون التجارة، فكل منازعة لم تنص عليها المادة السابعة تبقى من اختصاص المحاكم الابتدائية ودوائرها واللجان ذات الاختصاص القضائي.
ونرى تأثير فكرة الاستثمار على الاختصاص في بعض القوانين المقارنة أيضًا؛ فمثلًا قانون المحاكم الاقتصادية المصري المعّدل بموجب القانون 146لسنة 2019 حذف اختصاص المحاكم الاقتصادية بنظر دعاوى الإفلاس والصلح الواقي منه، إلا أن ذلك لم يمنع اختصاص تلك المحاكم بنظر تلك الدعاوى استنادًا إلى القانون رقم 11 لسنة 2018م، الصادر بشأن تنظيم إعادة الهيكلة والإفلاس، والصلح الواقي منه؛ حيث جاء في المادة 2 منه: "تختص الدوائر الابتدائية بالمحاكم الاقتصادية، التي يقع في دائرتها موطن تجاري للمدين، أو المركز الرئيسي للشركة، بنظر الدعاوى التي تنشأ عن تطبيق أحكام هذا القانون، فإذا كان هذا المركز خارج مصر، اختصت المحكمة التي يقع في دائرتها مركز الإدارة المحلي."
وهو ما يعني وجوب الانتباه إلى أن هناك منازعات تجارية بمفهومها التقليدي - والتي تتعلق بقانون التجارة - ستبقى ضمن اختصاص المحاكم واللجان الأخرى ذات الاختصاص القضائي.
ونستطيع القول: إن قانون إنشاء محكمة الاستثمار والتجارة الجديد جاء بمجموعة انتقائية من المنازعات نص على اختصاص هذه المحكمة بها. ونعتقد بأن المعيار هو الاستثمار وليس معيار الصفة التجارية للمنازعة.
إشكالية الاختصاص القيمي لمحكمة الاستثمار والتجارة القطرية
تختلف فكرة الاختصاص داخل ذات المحكمة عن فكرة توزيع الاختصاص بين المحاكم؛ لأن أغلب المحاكم تتشكل من عدة دوائر؛ لذلك فالطبيعي أن يتم توزيع العمل على الدوائر كل بحسب ما يجب عليها النظر فيه. ولما كانت أغلب المحاكم تتشكل من عدة دوائر، فمن الطبيعي أن يتم توزيع العمل على الدوائر كل بحسب ما يجب عليها النظر فيه، كالدوائر المدنية والمستعجلة والتجارية وهكذا38. والدوائر في المحكمة لا تعتبر محاكم مستقلة حتى ولو تم تخصيص دوائر بعينها بنظر منازعات معينة؛ فهو أمر يقصد به توزيع القضايا المتجانسة على دوائر المحكمة تيسيرًا للعمل ولسرعة الفصل فيها. ويترتب على ذلك نتيجة هامة تتمثل في عدم جواز الدفع أمام الدائرة بعدم الاختصاص النوعي أو القيمي، وإنما تحال الدعوى إداريًّا إلى المحكمة المختصة. وقد ذهبت محكمة النقض المصرية إلى عدم جواز هذا الدفع حتى ولو كان تخصيص الدائرة قد تم بنص القانون وهو ما يمكن أن يشار اليه بشأن دوائر المحاكم الاقتصادية39.
وعلى ذلك؛ فقد قسم قانون إنشاء محكمة الاستثمار والتجارة القطري الاختصاص القيمي بين المحكمة الثلاثية (الكلية) والمحكمة الفردية (الجزئية)؛ حيث نصت المادة الثامنة منه على أنه: "يجوز أن تتولى دائرة ابتدائية أو أكثر، مشكلة من قاضٍ فرد، الفصل في الدعاوى والمنازعات المتعلقة بمسائل الاستثمار والتجارة التي يُحددها المجلس، والتي لا تزيد قيمتها على عشرة ملايـين ريـال." وبالتالي سيكون الاختصاص القيمي للمحكمة الثلاثية متعلقًا بالدعاوى التي تزيد قيمتها على 10 مليون ريال.
وبناءً على ذلك، يمكننا تقسيم دراسة مسألة الاختصاص القيمي بين مطلبين:
المطلب الأول: الاختصاص القيمي بين محاكم الدرجة الأولى
المطلب الثاني: الاختصاص القيمي لمحكمة الاستئناف
المطلب الأول
الاختصاص القيمي بين محاكم الدرجة الأولى
إن الاختصاص القيمي لدوائر محكمة الاستثمار والتجارة لا يعتمد على القيمة كمعيار مستقل بذاته؛ فقد وزع المشرع الدعاوى بين المحكمة الابتدائية الثلاثية من جهة، والمحكمة الابتدائية الفردية من جهة ثانية، ويظهر أن المشرع قد اتبع في هذا المجال تطبيق قواعد تقدير قيمة الدعوى الواردة قانون المرافعات باعتباره يشكل الشريعة العامة للإجراءات أمام محكمة الاستثمار والتجارة، وذلك بموجب المادة الرابعة من مواد إصدار قانون محكمة الاستثمار والتجارة والتي جاء فيها: "تسري أحكام قانون المرافعات المدنية والتجارية وأحكام القانون رقم (12) لسنة 2005، المشار إليهما، وذلك فيما لم يرد بشأنه نص خاص في القانون المرفق"
على أن هذه النظرة الأولى للقانون التي توحي بأن المشرع قد اتبع الأسلوب العادي ذاته وقواعد الاختصاص النوعي والقيمي لمحاكم القضاء المدني، وأن الأصل يكون بتوزيع الاختصاص النوعي بالمنازعات المنصوص عليها في قانون إنشاء محكمة الاستثمار والتجارة، أن يكون للدائرة الابتدائية المشكلة من ثلاثة قضاة، وأن يكون هناك توزيعٌ للاختصاص قيميًّا، بين الدائرة الابتدائية المشكلة من ثلاثة قضاة وبين الدائرة الابتدائية المشكلة من قاضٍ فرد. إلا أنه في الحقيقة لم يترك المشرع الاختصاص القيمي مبنيًّا على معيار قيمة الدعوى وإنما أدخل على معيار القيمة عنصرًا آخر لاختصاص المحكمة وهو عنصر نوع الدعوى. وبالتالي سيكون التوزيع للاختصاص ما بين دائرتي المحكمة الابتدائية كما يلي:
أولًا- الدائرة الابتدائية المشكلة من ثلاثة قضاة، وهو اختصاص محدد وفق المادة 7 والتي جاء فيها: "فيما عدا الدعاوى والمنازعات التي تختص بالفصل فيها الدوائر الإدارية بالمحكمة الابتدائية واللجان ذات الاختصاص القضائي تختص الدائرة الابتدائية المشكلة من ثلاثة قضاة، دون غيرها، بالحكم ابتدائيًّا في الدعاوى والمنازعات التجارية التالية: ....."
ثانيًا- الدائرة الابتدائية، المشكلة من قاضٍ فرد وهو ما نصت عليه المادة 8: "يجوز أن تتولى دائرة ابتدائية أو أكثر، مشكلة من قاضٍ فرد، الفصل في الدعاوى والمنازعات المتعلقة بمسائل الاستثمار والتجارة التي يُحددها المجلس، والتي لا تزيد قيمتها على عشرة ملايـين ريـال."
وتثير هاتان المادتان العديد من الملاحظات:
- ليس من الواضح في النص أن الدائرة المشكلة من قاضٍ فرد المشار إليها في النص قد تم إنشاؤها، فهل تم ترك الإنشاء إلى المجلس الأعلى للقضاء؟
- إن النص الذي ابتدأ بعبارة: (يجوز أن تتولى دائرة ابتدائية أو أكثر، مشكلة من قاضٍ فرد) لم يتم التوضيح فيه من له السلطة في جعل هذه الدائرة تنظر هذه الدعوى التي لا تزيد قيمتها على 10 ملايين ريال؛ فالصيغة جاءت وكأنها تعلق وجود المحكمة، على تخصيص عدد من الدعاوى المنصوص عليها في المادة السابعة؛ لتكون من اختصاص الدائرة الفردية؛ وهذا ما يثير التساؤل عن الهدف من ترحيل مسألة البت بشأن هذه الدائرة من الناحية العملية، وكذلك استخدام مصطلح يجوز وعدم تحديد صاحب هذه السلطة الممنوحة في النص.
وبناءً على ذلك؛ فإنه من غير المستساغ أن تبدأ تلك المحكمة الفردية العمل بناء على اختصاص قيمي مزعوم، وهو اختصاصها بالدعاوى التي لا تزيد قيمتها على 10 ملايين ريال، فهذه القيمة ليست هي المعيار المعتمد من قبل المشرع لاختصاص هذه المحكمة، وبالتالي لا يمكن اعتماده كمعيار لاختصاص هذه المحكمة؛ وإنما المعيار المعتمد من المشرع هو معيار مزدوج مركب من عنصرين: عنصر نوعي وعنصر قيمي. فالمحكمة (الفردية) ستنظر في الدعاوى التي يحددها لها قرار المجلس الأعلى للقضاء، وتكون هذه الدعاوى مشروط فيها ألا تتجاوز قيمتها 10 مليون ريال.
ولذلك يجب عدم تأخر المجلس الأعلى للقضاء عن إصدار القرار الخاص بهذه القواعد؛ لأن الأمر لا يتعلق بسلطة تقديرية في إصدار أو عدم إصدار القرار الذي يتضمن تحديد الدعاوى التي يمكن أن تكون من اختصاص المحكمة الفردية، وإلا فسيكون ذلك معطلًا لسلطة هذه المحكمة أساسًا.
المطلب الثاني
الاختصاص القيمي لمحكمة الاستئناف
إن الباحث في مجال محكمة الاستثمار والتجارة والمحاكم المماثلة في التشريعات الأخرى، يجد أن مجموع التشريعات قد تعاملت بشأن محكمة الاستئناف بأساليب مختلفة من حيث الاختصاص، فمن التشريعات ما منحت محكمة الاستئناف اختصاصًا في النظر في الدعاوى المبتدأة، كما هو الحال في قانون المحاكم الاقتصادية المصري، ومن التشريعات ما منحت محكمة الاستئناف اختصاصًا في النظر في الطعون على الأحكام الصادرة في الدرجة الأولى كمحكمة استئناف، على أنه يمكننا أيضًا البحث في نطاق نظر محاكم الاستئناف في الدعوى كمحكمة درجة ثانية، من خلال حجب هذه المحكمة عن النظر في الدعاوى التي صدر فيها حكم وكانت ضمن النصاب الانتهائي، وبالتالي يمكننا تقسيم الدراسة لهذا المطلب إلى:
الفرع الأول
اختصاص محكمة الاستئناف في النظر في الدعاوى المبتدأة
لم يتجه المشرع القطري -خلافًا للمشرع المصري- إلى منح محكمة الاستئناف، اختصاصًا بدعوى مبتدأه؛ فقد نص في المادة 7 السالف ذكرها على أنه: "فيما عدا الدعاوى والمنازعات التي تختص بالفصل فيها الدوائر الابتدائية واللجان ذات الاختصاص القضائي، تختص دون غيرها، بالحكم ابتدائيًّا، في الدعاوى والمنازعات التجارية التالية: "......................" وترك للمجلس الأعلى للقضاء بشكل جوازي تحديد الدعاوى والمنازعات المتعلقة بمسائل الاستثمار والتجارة والتي لا تزيد قيمتها على عشرة ملايين ريال لتختص بها دائرة ابتدائية مشكلة من قاضٍ فرد، وكذلك تختص المحكمة الجزئية دون غيرها (اختصاصًا استئثاريًّا) بإصدار أوامر الأداء، أيًّا كانت قيمتها ودون الحاجة لتكليف المدين بالوفاء والفصل في التظلمات الواردة عليها. وبذلك يكون المشرع قد قسم الاختصاص القيمي في محكمة الاستثمار والتجارة بين المحكمة الثلاثية والمحكمة الفردية كما يلي:
ونستغرب من الصيغة التي جاء فيها نص المادة الثامنة من قانون محكمة الاستثمار والتجارة الذي بين اختصاص المحكمة الفردية، والذي جاء على النحو التالي: "يجوز أن تتولى دائرة ابتدائية أو أكثر، مشكلة من قاضٍ فرد، الفصل في الدعاوى والمنازعات المتعلقة بمسائل الاستثمار والتجارة التي يُحددها المجلس، والتي لا تزيد قيمتها على عشرة ملايـين ريـال." حيث بقي توزيع الاختصاص ما بين الكلية والجزئية بين المجلس الأعلى للقضاء، فنحن لا نعلم ما الذي سيختاره القرار ليكون من اختصاص الفردية وما الذي سيبقى ليكون من اختصاص الجزئية.
وبالمقارنة مع القانون المصري سنجد أن المشرع المصري قد قسم الاختصاص القيمي بين المحكمة الابتدائية ومحكمة الاستئناف، وهو ما تنص عليه المادة 6؛ إذ وزعت الاختصاص القيمي بين:
ونتبين من المقارنة بين القانون القطري والقانون المصري أنه:
فالتوزيع بناء على الاختصاص النوعي لم يعد نوعيًّا صافيًا ولا قيميًّا صافيًا، وإنما دخل الاختصاص القيمي كمعيار إضافي في هذا التوزيع؛ لذلك يمكن القول بأن اختصاص المحكمة بجزأيها الكلية والجزئية مبني على معيار مزدوج يجمع فيه قواعد الاختصاص النوعي والقيمي.
من الغريب أن يقوم المشرع المصري في قانون المحاكم الاقتصادية بتوزيع الاختصاص ما بين المحكمة الابتدائية ومحكمة الاستئناف؛ فقد تم توزيع الاختصاص القيمي على أساس أن الدوائر الابتدائية في المحاكم الاقتصادية، ستحتفظ دون غيرها بالمنازعات والدعاوى التي لا تجاوز قيمتها 10 ملايين جنيه، والتي تنشأ عن تطبيق القوانين المنصوص عليها في هذا القانون؛ أما الدوائر الاستئنافية في هذه المحاكم فهي ستنظر ابتداءً في جميع المنازعات والدعاوى المنصوص عليها في ذلك القانون عندما تجاوز قيمتها عشرة ملايين جنيه، أو كانت الدعوى غير مقدرة القيمة. وهنا نذهب مذهب بعض الفقه الذي يرى أن المصطلح هنا يتعلق بالدعاوى التي لا تقبل التقدير لقيمتها، وليس المعنى الآخر وهو أن المدعي لم يحدد قيمة هذه الدعوى40.
ومسلك المشرع المصري هنا محل نقد؛ ذلك أنه عندما وزع الاختصاص ما بين المحكمة الابتدائية والمحكمة الاستئنافية، وجعل هذه الأخيرة تختص ابتداء في جميع المنازعات والدعاوى والمنصوص عليها في هذا القانون إذا جاوزت قيمتها عشرة ملايين جنيه أو كانت غير مقدرة القيمة؛ فإنه بذلك قد حرم الأطراف درجة من درجات التقاضي في الدعاوى ذات القيمة الأكبر، وهو ما يخالف أحد أبرز المبادئ التي يقوم عليها القضاء في مصر وهو مبدأ التقاضي على درجتين.
وبنتيجة المقارنة ما بين قواعد توزيع الاختصاص في قانون محكمة الاستثمار والتجارة القطري وقانون المحاكم الاقتصادية المصري، سنجد أن كلا النصين قد اعتمد على معيار مزدوج لتوزيع الاختصاص ما بين المحاكم وهو دمج المعيار النوعي بالمعيار القيمي ليوزع الاختصاص بين المحاكم المختصة داخل المحكمة (المحكمة الاقتصادية أو محكمة الاستثمار والتجارة).
وإذا كان المشرع القطري يقترب من المشرع المصري إلى حد ما في هذا المسألة، إلا أنه يبتعد عنه فيما يلي:
والنتيجة الغريبة لهذا التنظيم هي أن الدعاوى ذات القيمة المرتفعة تنظر على درجة واحدة؛ أما الدعاوى التي لا تتجاوز قيمتها 10 ملايين جنيه، فتنظر على درجتين.
الفرع الثاني
اختصاص محكمة الاستئناف بالنظر في الدعاوى في الدرجة الثانية
على الرغم من أن الاختصاص الأصيل لمحكمة الاستئناف هو النظر في الدعاوى التي صدر فيها حكم ليكون للاستئناف الأثر الناقل للدعوى والناشر لها، إلا أن هذا الاختصاص مقيد بشرط سلبي وهو ألا يكون الحكم قد صدر ضمن النصاب الانتهائي.
والقاعد الأساسية قد نصت عليها المادة 10 من قانون إنشاء محكمة الاستثمار والتجارة، هي: "تختص الدوائر الاستئنافية بالمحكمة بالفصل في الاستئنافات التي تُرفع إليها بشأن الأحكام وأوامر الأداء الصادرة من الدوائر الابتدائية" لكن المشرع لم يشر إلى الأحكام التي لا يجوز الطعن عليها إذا ما كانت قيمتها قد بلغت حدًّا معينًا.
إن للاختصاص القيمي أهمية كبيرة؛ فهو يوزع الدعاوى بين المحاكم المشكلة للمحكمة الابتدائية، فهذه القيمة هي معيار لتحديد المحكمة المختصة بالدعوى. كما أن للقيمة أهمية أيضًا عندما تعد معيارًا لبيان مدى قابلية الحكم للطعن أمام محكمة الاستئناف42 وهو ما لم ينص عليه المشرع في قانون محكمة الاستثمار والتجارة، فالمشرع لم يبين متى يكون الحكم غير قابل للطعن أمام قضاء الدرجة الثانية استنادًا إلى القيمة. لكن القواعد العامة في قانون المرافعات القطري أشارت إلى ذلك في المواد 22 و24؛ حيث نصت المادة 22 معدل: "تختص المحكمة الابتدائية مشكلة من قاضٍ فرد ويشار إليها بـ "المحكمة الجزئية........... ويكون حكمها غير قابل للطعن إذا كانت قيمة الدعوى لا تزيد على ثلاثين ألف ريال." كما نصت المادة 24 معدل: "تختص المحكمة الابتدائية مشكلة من ثلاثة قضاة، ويشار إليها بـ (المحكمة الكلية) بالحكم ............. ويكون حكمها غير قابل للطعن إذا كانت قيمة الدعوى لا تزيد على خمسين ألف ريال، وفي ....."
ويمكن أن نطرح هنا السؤال التالي:
لو أن أحكامًا صدرت عن المحكمة في دائرتيها الجزئية أو الكلية، فكان الحكم الصادر عن الجزئية في دعوى لا تتجاوز قيمتها 30 ألف ريال، أو كان الحكم صادرًا عن الكلية في دعوى لا تتجاوز قيمتها 50 ألف، فهل يمكن الطعن على هذه الأحكام أم لا؟
مبدئيًّا يمكننا القول: إن قانون المرافعات يعد الشريعة العامة لهذا القانون محل دراسة؛ لذلك يثور التساؤل حول مدى إمكانية تطبيق قواعد النصاب الانتهائي المنصوص عليها في قانون المرافعات القطري وذلك استنادًا إلى نص المادة 4 إصدار من قانون محكمة الاستثمار والتجارة43. لكن هنالك أسباب تدعو إلى عدم اعتماد الشريعة العامة في هذه المسألة تتمثل في:
يبدو أن قانون المحاكم الاقتصادية المصري قد انتهج نهجًا مماثلًا، للقانون القطري، فالمشرع المصري لم يحدد للدوائر الابتدائية في المحاكم الاقتصادية نصابًا انتهائيًّا وفق المادة 6 من قانون المحاكم الاقتصادية، فالحكم يقبل الطعن في الاستئناف أمام الدائرة الاستئنافية بالمحكمة الاقتصادية أيًّا كانت قيمة الدعوى45، مع عدم جواز الطعن بالنقض في الحكم الصادر في الاستئناف46. وهو ما يخالف القواعد العامة في قانون المرافعات المصري؛ حيث يكون حكم المحكمة الابتدائية نهائيًّا إذا صدر في دعوى لا تزيد قيمتها على 40,000، وأجاز استئناف الحكم إذا زادت قيمة الدعوى محل الاستئناف على ذلك. كما يجوز الطعن بالنقض بعد ذلك إذا زادت قيمة الدعوى محل حكم الاستئناف عن 100,000 في الأحكام الصادرة من محاكم الاستئناف نصابًا يتعين مراعاته لقبول الطعن بالنقض47.
نخلص مما سبق، إلى أن المعيار القيمي لم يكن إلا معيارًا مساعدًا للمعيار النوعي الذي تختص من خلاله المحكمة بدعاوى معينة عند توزيع الاختصاص بين المحكمة الفردية والمحكمة الثلاثية.
بعد أن درسنا في هذا البحث – بالتحليل والمقارنة - جانبًا من قانون إنشاء محكمة الاستثمار والتجارة، وهو مسألة الدعاوى والمنازعات التي تختص بها محكمة الاستثمار والتجارة، خلصنا إلى أن المشرع لم يعتمد معيار التجارية في انتقاء الدعاوى والمنازعات التي منح الاختصاص بها إلى هذه المحكمة، وإنما كان لديه معيارٌ آخر يبدو أنه معيار الاستثمار؛ بحيث كان من الواضح أنه قد جمع العديد من المنازعات التي تنتمي إلى القانون المدني أو الإداري أو التجاري؛ مما يُحَمِّلُ القاضي عبئًا ثقيلًا عندما يقرر بشأن الاختصاص. ثم بَيّنّا أسلوب توزيع الاختصاص ما بين المحكمة الكلية والمحكمة الجزئية، وكيف أنه اعتمد معيارًا مزدوجًا يقوم على عنصري النوع والقيمة. ووضحنا الإشكاليات التي ستطرح بسبب هذا الأسلوب، وبَيّنّا عدم فعالية أسلوب المشرع في ترحيل مسألة توزيع الاختصاص داخل المحكمة بين المحكمة الجزئية والمحكمة الكلية، بأن تركها لقرار المجلس الأعلى للقضاء ليكون له القول الفصل في توزيع الاختصاص بين هاتين المحكمتين، شارحين أثر قرار المجلس الأعلى للقضاء بشأن تحديد الاختصاص بالنسبة للمحكمة الجزئية الذي يتجاوز أثره الظاهر، ومبيّنين أن قرار المجلس سيكون له الكلمة الفصل في توزيع الاختصاص بين كل من المحكمتين. كما أننا بيّنا الآثار السلبية المترتبة على تأخر المجلس الأعلى للقضاء في إصداره لقراره، وبالتالي التأخر في تحديد الاختصاص بين للمحكمتين الجزئية والكلية.
وقد توصلنا إلى مجموعة من النتائج من خلال هذا البحث واردفناها ببعض التوصيات وفق الآتي:
نتائج البحث:
التوصيات:
الكتب:
رسائل جامعية:
- أيمن محمد علي أحمد ملحم: أحكام الاختصاص القضائي الولائي في قانون أصول المحاكمات المدنية الأردني، رسالة دكتوراه جامعة العلوم الإسلامية العالمية، كلية الدراسات العليا، عمَّان، 2014.
- Abdulmehsen FETAIS, Partenariats public-privé: la loi Qatarie n 12/2020, un alignement sur les standarts internationaux? Révue international de droit comparé. 74ème année. Avril-juin 2022. N°2. P 430.
الأبحاث:
- أحماد، آيت لمهاوض. "الدفع بعدم الاختصاص النوعي أمام المحاكم التجارية. "المجلة المغربية للدراسات القانونية والقضائية، (ع 8)، 2012، 183 - 200. مسترجع من: 514112/Record/com.mandumah.search://htt
file:///C:/Users/iq19700/AppData/Local/Temp/1307-005-010-002-1.pdf
- خالد أبو الوفا، المستحدث في تعديلات قانون المحاكم الاقتصادية بموجب القانون رقم 146 لسنة 2019، مجلة الدراسات القانونية، جامعة بيروت العربية، Vol. 2019 (2020).
http://search.mandumah.com/Record/144741
http//:search.mandumah.com/Record/8
http://search.mandumah.com/Record/967556
http//:search.mandumah.com/Record/2
http//:search.mandumah.com/Record/4
http//:search.mandumah.com/Record/8
- La compétence légale, https://www.doc-du-juriste.com.
تاريخ الزيارة 23/8/2022.
التشريعات:
قانون رقم (21) لسنة 2021 بإصدار قانون إنشاء محكمة الاستثمار والتجارة (القطري).
قانون رقم (13) لسنة 1990 بإصدار قانون المرافعات المدنية والتجارية (القطري).
قانون رقم 120 لسنة 2008 بإصدار قانون بإنشاء المحاكم الاقتصادية (المصري).
قانون رقم 95.53 يقضي بإحداث محاكم تجارية الصادر بتنفيذه الظهير الشريف رقم 65.97.1 صادر في 4 شوال 1417 (1997 فبراير 12) (المغربي).
- Le Code de commerce du 2007 et ses modifications.
Associate Professor of Private Law, College of Law, Qatar University
أستاذ القانون الخاص المشارك، كلية القانون، جامعة قطر
Views
Downloads
Citations
Authors
Issue
Year