Securing sporting events against Hooliganism has become one of the major challenges to all states. To fulfill their responsibilities, states, in facing such a challenge, have enacted special laws that rely primarily on two different kinds of legal provisions, the first of which are of a preventive nature and aim to preclude any potential disruption to the public order during sporting events. The second kind of legal provisions are of a punitive nature and consist of legislative provisions that criminalize all sort of violence with relevance to sports events and deter their perpetrators.
The Qatari legislature however has not adopted a similar legal regime to combat hooliganism and opted instead to tackle this phenomenon with the already existing legal provisions in criminal and administrative law.
Therefore, this paper seeks to study and evaluate the Qatari legal regime on securing sporting events, in the light of comparative law experiences, especially the French experience.
يعد القانون الرياضي من أكثر القوانين الوضعية تعقيدًا، حيث دفعت طبيعة النشاط الرياضي البعض من الفقه إلى الادعاء بانتماء قواعد القانون الرياضي لفروع القانون الخاص بسبب تعلقها بتنظيم الجوانب القانونية لأنشطة فردية، وما يبرم من عقود ذات صلة بهذه الأنشطة. والواقع أن الحقيقة صارت على خلاف ذلك تمامًا. فالقانون الرياضي وإن اشتملت أحكامه على بعض من قواعد القانون الخاص، إلا أن غالبية قواعده صارت تنتمي لفروع القانون العام، بسبب ميل المشرعين الوطنين إلى إخضاع النشاط الرياضي إلى تنظيم قانوني موحد، والتعامل معه باعتباره مرفقًا عامًا إداريًا.1
ولعل من أهم مسائل القانون الرياضي التي تخضع لأحكام القانون العام، وتحديدًا القانون الإداري، تلك المتعلقة بتمويل النشاط الرياضي في الدولة، وتلك المتعلقة بالنظام القانوني للملاعب والأبنية الرياضية، وأيضًا تلك المتعلقة بتنظيم العلاقة بين الاتحادات الرياضية والدولة، وتلك المتعلقة بتنظيم بعض جوانب العلاقة بين الاتحادات الرياضية مع الأندية والممارسين للأنشطة الرياضية التي تقوم عليها.
كذلك يندرج في إطار أحكام القانون العام موضوع ورقتنا البحثية المتعلق بتأمين وسلامة الفعاليات الرياضية ضد ظاهرة شغب الملاعب، أحد أهم مكونات ما ظهر حديثًا وتعارف عليه الفقه بمسمى "النظام العام الرياضي." إذ لم تعد مسؤولية تأمين الفعاليات الرياضية ضد مخاطر شغب الملاعب مقصورة على منظمي الفعاليات أو الأندية التي تشهد ملاعبها أعمال عنف أو شغب، وإنما باتت إشكالية تأمين الفعاليات الرياضية تمثل أحد أهم التحديات التي تواجه الدول في إدارة المرفق الرياضي، بسبب التزايد المستمر في أعمال العنف والشغب التي تقع من المشجعين سواء أكانوا فرادى أو في شكل مجموعات وروابط.
وقد اعتمدت كثيرٌ من الأنظمة المقارنة في النهوض بمسؤوليتها الخاصة بتأمين الفعاليات الرياضية ضد ظاهرة شغب الملاعب على تنظيمات قانونية خاصة بالنشاط الرياضي، حيث تشتمل هذه التنظيمات بدورها على نوعين رئيسين من الأحكام القانونية المتباينة من حيث طبيعتها.2
فيتناول النوع الأول من الأحكام تدابير ذات طبيعة وقائية، تهدف في جوهرها إلى منع أي اضطرابات بعناصر النظام العام خلال الفعاليات الرياضية أو بمناسبتها، ولذا فإنها لا تعدو أن تكون إحدى صور الضبط الإداري الخاص الذي يخضع لنظام قانوني خاص، سواء من حيث هيئات الضبط المختصة به، أو من حيث مدى صلاحيتها. وتشكل هذه النوعية من التدابير أحد أهم وأخطر صور التدابير التي تبنتها الأنظمة القانونية لتأمين الفعاليات الرياضية في مواجهة ظاهرة شغب الملاعب، حيث قد تصل هذه التدابير في بعض الأحيان إلى حد المساس بعدد من الحقوق والحريات الأساسية للأفراد كالحق في التنقل والسفر وحريتي التعبير عن الرأي وتكوين الجمعيات، ولذا فإن انطباقها لابد أن يكون في إطار من المشروعية.
أما النوع الثاني من هذه الأحكام، فيتناول تدابير ذات طبيعة عقابية، وهي عبارة عن نصوص جنائية تنصب على آثار الجرائم المرتبطة بالفعاليات الرياضية وردع مرتكبيها بعد حدوثها.
إشكالية البحث:
إذا كانت فكرة التنظيم القانوني المتكامل لتأمين الفعاليات الرياضية في مواجهة ظاهرة شغب الملاعب، قد أخذت بها كثير من الأنظمة القانونية المقارنة - كما أسلفنا الإشارة – فإن القانون القطري قد خلا من أي تنظيم قانوني مماثل، مكتفيًا في معالجة هذه الإشكاليات بما هو موجود من نصوص قانونية عامة، سواء تلك المتعلقة بالضبط الإداري العام أم الواردة في قانون العقوبات القطري.
ونظرًا للمكانة العالية التي أصبحت تعتليها دولة قطر في عالم الرياضية بعد أن صارت تتمتع بسجل حافل في استضافة الفعاليات الرياضية الدولية، فإن الإشكالية الرئيسة التي يتناولها هذا البحث تتعلق بدراسة وتقييم مدى كفاية التنظيم القانوني القطري الحالي في تأمين الفعاليات الرياضية من مخاطر شغب الملاعب.
ويتفرع عن هذه الإشكالية الرئيسة، إشكاليتان فرعيتان تتعلق أولاهما بدراسة وتقييم مدى كفاية تدابير الضبط الإداري التي تبناها القانون القطري لتأمين الفعالية الرياضية ضد ظاهرة شغب الملاعب، أما ثانيهما، فتتعلق بدراسة وتقييم مدى كفاية التدابير العقابية في القانون القطري لتحقيق ذات الغرض.
نطاق البحث:
يتناول بحثنا دور الدولة في تأمين الفعاليات الرياضية ضد ظاهرة شغب الملاعب، وما نعنيه بشغب الملاعب - وفقًا لما سوف نعالجه تفصيلًا في ثنايا بحثنا - يشمل ما يقع من مجموعات المشجعين للفرق الرياضية من أعمال عدوانية أو تخريبية ضد الأشخاص والممتلكات، وكذلك أية تصرفات أو أقوال غير أخلاقية بالمخالفة للقوانين واللوائح المعمول بها، سواء وقعت هذه الأعمال والتصرفات والأقوال داخل الملاعب الرياضية أم خارجها، وسواء وقعت قبل أم في أثناء أو بعد الفعاليات الرياضية.
وبناء عليه يخرج من نطاق بحثنا غير ذلك من أنواع الشغب الرياضي، كشغب اللاعبين أو المدربين أو الحكام الرياضيين، أو ما قد يقع منهم من سباب أو عنف، وكذا ما اصطلح عليه اليوم بمفهوم شغب الإعلام الرياضي والذي تتبدى مظاهره فيما قد يسوقه بعض الإعلاميين من عبارات تحريضية أو مسيئة ضد بعض الفرق الرياضية.3
كما يخرج عن إطار بحثنا كذلك، كل ما يتعلق بمسؤولية منظمي الفعاليات الرياضية - كالاتحادات الرياضية والأندية - في تأمين الفعاليات الرياضية ضد ظاهرة شغب الملاعب، حيث يتعلق بحثنا فقط بدراسة دور الدولة ومسؤوليتها في مواجهة هذه الظاهرة، وذلك من خلال التدابير الوقائية والعقابية التي تتبناها الدول لتأمين الفعاليات الرياضية ضد مخاطر هذه الظاهرة.
أهمية البحث:
تتجلى أهمية موضوع بحثنا في البحث عن أفضل السبل أو التدابير الوقائية والعقابية التي يمكن تبنيها في دولة قطر لتأمين ما يدور على أراضيها من فعاليات رياضية ضد مخاطر شغب الملاعب، خاصة بعد أن أصبحت قطر تعتلي مكانة بارزة في عالم الرياضة بسبب استضافتها لكثير من البطولات العالمية، كُللت بشرف تنظيم كأس العالم لكرة القدم.
منهج البحث:
في إطار سعينا لحل لإشكالية الرئيسة التي يتناولها البحث، سوف نتبع المنهجين الوصفي والتحليلي القائمين على تحليل النصوص القانونية والأحكام القضائية المتعلقة بالتدابير الوقائية والعقابية لتأمين الفعاليات الرياضية ضد خطر شغب الملاعب، والمنهج المقارن القائم على المقارنة والمقاربة بين النظامين القانونين الفرنسي والقطري حول إشكالية البحث، حيث وقع اختيارنا على النظام القانوني الفرنسي بسبب التطورات التي شهدها تقنين الرياضة الفرنسي خلال العقود الثلاثة المنصرمة في مجال تأمين الفعاليات الرياضية.
خطة البحث:
هديًا بما تقدم، فقد وجدنا أن دراسة الموضوع على نحو شامل ومتعمق يقتضي منا تقسيم هذه الدراسة إلى مطلب تمهيدي، ومبحثين رئيسين؛
فنتعرض من خلال المطلب التمهيدي للعلاقة بين ظاهرة شغب الملاعب والنظام العام. ونتناول فيه مفهوم فكرة الشغب في الملاعب الرياضية من ناحية أولى، ثم مفهوم النظام العام الرياضي من ناحية ثانية.
ونتناول في المبحث الأول التدابير الوقائية في القانونين الفرنسي والقطري لتأمين الفعاليات الرياضية ضد ظاهرة شغب الملاعب، فنعرض من ناحية أولى لتدابير الضبط الإداري - العام والخاص - التي تبناها المشرع الفرنسي، والضمانات القانونية التي قررها في هذا الخصوص من أجل ضمان انطباقها في إطار من المشروعية. ثم نستعرض من ناحية ثانية موقف المشرع القطري من التدابير الوقائية، مع تقييم التنظيم القانوني القائم بشأن تدابير الضبط الإداري المتعلقة بتأمين الفعاليات الرياضية ضد مخاطر ظاهرة شغب الملاعب.
أما المبحث الثاني، فنتناول فيه موقف القانونين القطري والفرنسي من التدابير العقابية في مجال تأمين الفعاليات الرياضية ضد ظاهرة شغب الملاعب، وذلك من خلال استعراض مختلف صور جرائم شغب الملاعب، والعقوبات الأصلية والتكميلية التي أفردها المشرع في قطر وفرنسا لكل من هذه الجرائم.
العلافة بين ظاهرة شغب الملاعب والنظام العام
بالرغم من قيام الرياضة على عدد من القيم والمثل الأخلاقية المتمثلة في الإخاء والصداقة والروح الرياضية والتنافس الشريف، إلا أن المخاطر المصاحبة للأحداث والفعاليات الرياضية والمتمثلة في ظاهرة شغب الملاعب صارت من أشد المخاطر المهددة لأمن الأفراد وأرواحهم وممتلكاتهم، وهو الأمر الذي اقتضى من الدول ضرورة التدخل للحد من هذه الظاهرة والقضاء عليها.
وبناء عليه، فسوف نقوم بتقسيم هذا المطلب إلى فرعين رئيسين، نتناول في أولهما مفهوم ظاهرة شغب الملاعب، وفي ثانيهما لمفهوم فكرة النظام العام الرياضي، وذلك على النحو التالي:
الفرع الأول: مفهوم ظاهرة شغب الملاعب
الفرع الثاني: مفهوم النظام العام الرياضي
الفرع الأول
مفهوم ظاهرة شغب الملاعب
تعد ظاهرة شغب الملاعب الرياضية أو ما يعرف ب Hooliganism من الظواهر الاجتماعية المتجددة والمتغيرة، فعلى عكس ما قد يظنه البعض، لا تعد هذه الظاهرة من الظواهر الحديثة، وإنما يرتد تاريخ ظهورها إلى عصور الدولة الرومانية. حيث تؤكد النصوص المنقوشة على بعض آثار تلك الحقبة أن عروض المصارعة المعروفة آنذاك كانت كثيرًا ما تفضي إلى خسائر في الأرواح والممتلكات بسبب أعمال العنف والشغب الواقعة من جمهور هذه العروض، وهو الأمر الذي دفع السلطات القائمة آنذاك بمنع العروض لفترات زمنية وصلت في بعض الأحوال إلى عشر سنوات.4
وظاهرة شغب الملاعب الرياضية لا تعدو أن تكون إحدى صور الشغب التي تجرمها التشريعات الجنائية، ويقصد بها ما يقع من مجموعات المشجعين للفرق الرياضية من أعمال عدوانية أو تخريبية ضد الأشخاص أو الممتلكات، وكذلك أية تصرفات أو أقوال غير أخلاقية بالمخالفة للقوانين واللوائح المعمول بها، سواء وقعت هذه الأعمال والتصرفات والأقوال داخل الملاعب الرياضية أم خارجها، وسواء وقعت قبل أم في ثناء أو بعد الفعاليات الرياضية. 5
وتتميز هذه الظاهرة بعدد من الخصائص التي تميزها عن غيرها من الظواهر المشابهة، فمن ناحية أولى، هي ظاهرة جماعية، لا ترتكب بشكل فردي، وإنما ترتكب من قبل مجموعات أو حشود جماهيرية.6 ومن ناحية ثانية، ترتبط ظاهرة شغب الملاعب بالمدن الكبرى، وبعنصر الشباب بصفة خاصة، حيث يشكل هذا العنصر الغالبية العظمى من الجماهير الرياضية.7 ومن ناحية ثالثة، لا تقتصر ظاهرة شغب الملاعب على أعمال العنف التي تقع بين مشجعي الفرق الرياضية المتنافسة، وإنما تشمل كذلك أعمال العنف المرتكبة ضد قوت الأمن المنوط بها حفظ الأمن والنظام، أو تلك التي تقع في مواجهة الحكام أو المدربين أو اللاعبين.8
وينقسم العنف أو الشغب في الملاعب الرياضية إلى ثلاثة أنواع، أولها العنف اللفظي والكتابي، ويشتمل هذا النوع من أنواع العنف على ما قد تحمله هتافات جماهير الفرق الرياضية أو لافتاتهم أو شعاراتهم من سباب، أو إساءات، أو ألفاظ، أو مصطلحات بذيئة أو جارحة ضد مشجعي الفرق المنافسة، أو اللاعبين، أو المدربين، أو الحكام أو المسؤولين بالأندية. أما ثاني أنواع شغب الملاعب فهو العنف البدني، ويشتمل على أعمال العنف والضرب الني قد تقع من مشجعي الفرق الرياضية ضد بعضهم البعض، أو ضد قوات حفظ النظام، أو اللاعبين أو المدربين أو الحكام. وأخيرًا، يتمثل النوع الثالث من شغب الملاعب في أعمال التخريب والتعدي على الممتلكات، حيث تشتمل هذه النوعية على ما قد يقع من أفعال وسلوكيات مادية من قبل الجماهير، وتكون ماسة بسلامة الممتلكات العامة أو الخاصة على حد سواء، ومنها على سبيل المثال أعمال الحرق، أو الكسر أو التدمير في الملاعب، أو المنشآت الرياضية، أو الأبنية والمحلات التجارية المحيطة بها، أو وسائل المواصلات.9
وتتباين أسباب العنف والشغب داخل الملاعب الرياضية، حيث يرجعها البعض إلى فكرة التعصب للفرق الرياضية التي لم تعد قاصرة على مجرد حب الفرق وإنما قد تصل إلى حد التضحية بل والموت في سبيل هذه الفرق.10 ويرجعها بعضًا ثانيًا إلى فكرة الانتقام، حيث قد يعمد المشجعون في بعض الأحيان للجوء إلى العنف بسبب تدابير وقائية تكون قد اتخذتها الدولة في مواجهة البعض من أقرانهم، أو كرد فعل على إهانات أو اعتداءات سابقة من مشجعي الفرق المنافسة.11 ويرجع بعضًا ثالثًا أسباب الشغب إلى عدد من الاعتبارات التي قد تحدث في أثناء سير الفعاليات الرياضية كأخطاء الحكام، أو استفزازات اللاعبين للجماهير، أو بسبب العبارات والألفاظ المستفزة المسموعة في هتافات الجماهير أو المكتوبة في شعاراتهم ولافتاتهم.12
الفرع الثاني
مفهوم النظام العام الرياضي
بالرغم من صعوبة إيجاد تعريف دقيق وموحد لفكرة النظام العام بسبب ما تتسم به من مرونة ونسبية، حيث يختلف مضمونها باختلاف الزمان والمكان، وباختلاف النظريات والمذاهب السياسية والاقتصادية والاجتماعية السائدة، فإن غالبية الفقه يرى أن القواعد المتعلقة بالنظام العام تمثل في حقيقتها مجموعة القواعد والمبادئ القانونية التي تنظم المصالح الأساسية للجماعة، سواء أكانت هذه المصالح سياسية، أم اقتصادية، أو اجتماعية، ولذا فإنه يتعين على الجميع، الدولة والأفراد على حد سواء - الانصياع لها وعدم مخالفتها.13
ويتفرع عن ذلك تعدد فكرة النظام العام في مختلف الفروع القانونية، وذلك باعتبارها قاسم مشترك بينها جميعًا، فتتمثل القواعد المتعلقة بالنظام العام في القانون الدستوري في مجموعة القواعد والأحكام المتعلقة بالنظام السياسي الذي تعتنقه الدولة والحقوق والحريات الأساسية، أما في القانون المدني، فتتمثل القواعد المتعلقة بالنظام العام في مجموعة القواعد والأحكام التي لا يجوز لأطراف العقد مخالفتها وإلا كان العقد موسومًا بالبطلان، وفي نطاق قانون المرافعات، تتمثل قواعد النظام العام في مجموعة الأحكام التي يترتب على مخالفتها جزاء البطلان. 14
وإذا كان أغلب فقه القانون العام صار متفقًا على أن فكرة النظام العام تحتوي على جانبين رئيسين، أحدهما الجانب المادي ويتكون من عناصر ثلاثة؛ الأمن العام، والصحة العامة، والسكينة، والآخر هو الجانب المعنوي ويشمل الأخلاق العامة والآداب العامة،15 فإن التطور الذي شهده مفهوم النظام العام، وتوسع الدولة في التدخل في أغلب المجالات والأنشطة الحياتية، قد أفضى إلى ظهور عناصر ومكونات أخرى عديدة للنظام العام ومنها "النظام العام الرياضي" الذي نُعنى به في مجال بحثنا.16
حيث بدأ تدخل الدولة في المجال الرياضي في أعقاب الحرب العالمية الثانية، ويرجع ذلك إلى عدة أسباب، يكمن أهمها في أن النشاط الرياضي لم يعد حكرًا على طبقة الأغنياء، وإنما صار نشاطًا اجتماعيًا وثقافيًا بامتياز، فأصبحت الدولة تتعامل معه باعتباره نشاطًا يستهدف تحقيق منفعة عامة. ومن ناحية ثانية، صار النشاط الرياضي في كل دولة رمزًا وطنيًا ومحل اهتمام واسع من جانب السياسيين، بسبب ما لهذا النشاط من ظهير جماهيري واسع.17
وتتجسد فكرة النظام العام الرياضي في تلك القواعد الآمرة المتعلقة بتنظيم بعض جوانب النشاط الرياضي من أجل تحقيق مصلحة عامة تعلو على مصالح الأفراد، ومن هذه القواعد على - سبيل المثال لا الحصر - تلك المتعلقة بمكافحة المنشطات الرياضية،18 وتلك المتعلقة بتحقيق المساواة وتكافؤ الفرص والمنافسة المشروعة،19 وتلك المتعلقة بحقوق البث الإذاعية، وحماية العلامة التجارية، وحقوق الملكية الفكرية.20
وتأتي القواعد المتعلقة بتأمين الفعاليات والأحداث الرياضية ضد ظاهرة شغب الملاعب على رأس قواعد القانون الرياضي المتعلقة بالنظام العام، بسبب ارتباط مفهوم أمن هذه الفعاليات بعنصر الأمن العام. حيث كثيرًا ما تفضي أعمال العنف والتخريب والتدمير المصاحبة لهذه الظاهرة إلى ضحايا بشرية وخسائر مادية.
وقد دفع ذلك كثيرًا من الأنظمة القانونية إلى تبني تشريعات رياضية متخصصة تنطوي على تدابير وقائية وأخرى عقابية من أجل الحد من هذه الظاهرة والقضاء عليها.21 وسوف نحاول من خلال المبحثين التاليين الوقوف على أهم صور التدبير الوقائية والعقابية لتأمين الفعاليات الرياضية في القانونين الفرنسي والقطري.
التدابير الوقائية في مجال تأمين الفعاليات الرياضية ضد ظاهرة شغب الملاعب
يقصد بالتدابير الوقائية التي نُعنى بها في مجال بحثنا تدابير الضبط الإداري التي تستعين بها الدولة في سبيل الحفاظ على النظام العام، فهذه التدابير تعد الأداة الرئيسة في يد الدولة لتنظيم مختلف أوجه النشاط الفردي ومنع كل ما من شأنه في أثناء ممارسة هذا النشاط المساس بعناصر النظام العام.22
وتتسم هذه التدابير بالطابع الوقائي حيث يتم اتخاذها بغرض توقي وقوع الجرائم والكوارث، أو كما عبر عن ذلك بعض الفقه من أجل "اتقاء أي إخلال بالنظام ظهرت بوادره وخفيت عواقبه"23، ولذا فإن لجوء الدول إليها غالبًا ما ينتج عنه المساس بحقوق الأفراد وحرياتهم، الأمر الذي يقتضي أن يكون انطباقها محاطًا بمجموعة من الضمانات والضوابط القانونية لضمان عدم تغول الدول على هذه الحقوق والحريات.
والنشاط الرياضي، شأنه في ذلك شأن أي نشاط فردي آخر، قد يصاحب ممارسته – كما بينا سلفًا - عددٌ من المخاطر المهددة للنظام العام، ولعل من أهم هذه المخاطر المصاحبة للنشاط الرياضي وأخطرها ظاهرة شغب الملاعب في الفعاليات الرياضية، وذلك بسبب ما قد تخلفه هذه الظاهرة من خسائر مادية وبشرية. وقد اقتضى ما تقدم من الدول ضرورة تدخلها من خلال تدابير الضبط الإداري لتأمين هذه الفعاليات ومنع كل ما من شأنه تكدير النظام العام خلالها.24
وسوف نحاول من خلال هذا المبحث استعراض التدابير الوقائية في القانونين الفرنسي والقطري لتأمين الفعاليات الرياضية ضد ظاهرة شغب الملاعب، وذلك في مطلبين متتاليين على النحو التالي:
المطلب الأول: التدابير الوقائية في القانون الفرنسي لتأمين الفعاليات الرياضية ضد ظاهرة شغب الملاعب
المطلب الثاني: التدابير الوقائية في القانون القطري لتأمين الفعاليات الرياضية ضد ظاهرة شغب الملاعب
المطلب الأول
التدابير الوقائية في القانون الفرنسي لتأمين الفعاليات الرياضية ضد ظاهرة شغب الملاعب
يتنوع الضبط الإداري إلى ضبط إداري عام وضبط إداري خاص. ويعد النوع الأول الأصل العام، حيث يقصد به تلك القيود والضوابط التي تفرضها السلطات الإدارية على كافة أنماط النشاط الفردي وفي سائر الأماكن بقصد الحفاظ على العناصر الأساسية للنظام العام أمن عام، وصحة عامة، وسكينة عامة. أما الضبط الإداري الخاص، فيفترض تحديد المشرع لنشاط معين من الأنشطة الفردية، وإخضاع هذا النشاط بموجب تشريع خاص لسلطة إدارية معينة، مبينًا مضمون هذه السلطة ونطاقها.25
وقد واجه المشرع الفرنسي ظاهرة شغب الملاعب في الفعاليات الرياضية من خلال الضبط الإداري بنوعيه، وسوف نقوم من خلال هذا المطلب بإلقاء الضوء على أهم تدابير الضبط الإداري العام والخاص في القانون الفرنسي لتأمين الفعاليات الرياضية ضد ظاهرة شغب الملاعب:
الفرع الأول: تدابير الضبط الإداري العام لتأمين الفعاليات الرياضية ضد ظاهرة شغب الملاعب
الفرع الثاني: تدابير الضبط الإداري الخاص لتأمين الفعاليات الرياضية ضد ظاهرة شغب الملاعب
الفرع الأول
تدابير الضبط الإداري العام لتأمين الفعاليات الرياضية ضد ظاهرة شغب الملاعب
إذا كان مفهوم الضبط الإداري العام ينصرف – كما بينا سلفًا – إلى تلك القيود والضوابط التي تفرضها السلطات الإدارية على مختلف أوجه النشاط الفردي وفي سائر الأماكن بقصد الحفاظ على النظام العام بمدلولاته المختلفة، فإن مفاد ذلك خضوع النشاط الرياضي – على غرار غيره من الأنشطة الفردية - والأماكن التي يمارس فيها هذا النشاط (كالملاعب وغيرها من المنشآت والأبنية الرياضية) لذات القيود والضوابط تحقيقًا لذات الغرض، ألا وهو حماية النظام العام.26
وتتعدد سلطات الضبط الإداري العام في فرنسا، حيث تتوزع بين ضبط عام قومي وضبط عام محلي. فيشمل الضبط العام القومي كامل إقليم الدولة، وتتركز هذه السلطة - بحسب القضاء والفقه الفرنسي - في يد الوزير الأول،27 كما يملك رئيس الدولة كذلك استنادًا إلى سلطته في تنظيم شؤون الدولة ممارسة سلطات الضبط الإداري.28
أما الضبط العام المحلي، فيوكل على مستوى البلديات إلى الإدارة المحلية المختصة والمتمثلة في العمدة، حيث ينظم عمل العمدة الضبطي نصوص صريحة في تقنين السلطات المحلية Code général des collectivités territoriales. ويعد كل عمدة في نطاق بلديته بموجب هذه النصوص، صاحب الولاية العامة في ممارسة سلطات الضبط الإداري العام بغرض الحفاظ على الأمن العام والصحة العامة والسكينة العامة،29
وكثيرًا ما ينبني على استخدام العمدة لسلطاته الضبطية أو امتناعه عن اتخاذه الإجراءات اللازمة إثارة مسؤولية السلطة الإدارية، وذلك في الأحوال التي يتحقق فيها الإخلال بعناصر النظام. ولكن مما تجدر الإشارة إليه في هذا السياق، أنه بالرغم من أن القضاء الفرنسي يقيم كقاعدة عامة مسؤولية الإدارة عن استخدام أو عدم استخدام سلطاتها الضبطية على أساس الخطأ، ويتطلب لثبوت تلك المسؤولية إثبات وجود الخطأ المرفقي، والضرر الناتج عنه،30 فإنه لا يتطلب إثبات وجود مثل هذه الخطأ في الأحوال التي ينشأ فيها هذا الضرر، ماديًا كان أم معنويًا، من جراء التجمعات أو الحشود في الفعاليات المرخص بها سواء أكانت رياضية أم غير رياضية، وإنما يقيم مسؤولية الدولة في هذه الأحوال على أساس المخاطر تطبيقًا لنص المادة L211-1 من تقنين الأمن الداخلي،31 ويتطلب القضاء لقيام هذه المسؤولية توافر الشروط الثلاثة التالية؛ 32
أولًا: أن يكون الضرر ناتجًا عن سلوك إجرامي، سواء أكان هذا السلوك جناية أم جنحة. ويضطلع القاضي الإداري في مثل هذه القضايا بذات الدور الذي يقوم به القاضي الجنائي من حيث تقدير توافر عناصر الجرم الجنائي في السلوك المطلوب التعويض عنه، أما إذا استحال تكييف هذا السلوك بأنه جريمة انتفت حينئذ مسؤولية الدولة.
وتطبيقًا لذلك، قضى مجلس الدولة الفرنسي بانتفاء جنحة تعطيل حركة المرور على أحد الطرق السريعة في حق جماهير إحدى الفعاليات، معللًا ذلك بأن تعطيل حركة المرور في هذه القضية كان بسبب وجود منافذ تحصيل الرسوم التي تؤدي إلى إبطاء حركة السير وأحيانًا إلى إيقافها، وأن جماهير هذه الفعالية قد استغلت فقط هذه الظروف للتعبير عن غضبها وشكواها، وبالتالي لا دخل لهم في تعطيل حركة المرور.33
كما قضى مجلس الدولة كذلك بانتفاء مسؤولية الدولة عن الضرر الناتج من جراء إضرام الحشود في إحدى الفعاليات للنيران في إطارات السيارات على الطريق العام، بسبب عدم توافر القصد الجنائي المتمثل في تدمير أو إسقاط أو تشويه أو إتلاف الأسوار الحديدية لأحد الأبنية الحكومية لدى هذه الحشود.34
ثانيًا: أن يقترن هذا السلوك الإجرامي باستخدام القوة المفتوحة la force ouverte (أي القوة التي لا يقابلها أي مقاومة من قبل الشرطة) أو العنف.
ثالثًا: أن يكون المتسبب في حدوث هذا الضرر حشد أو تجمع جماهيري un attroupement ou un rassemblement، ويقصد بهذه المصطلحات، بحسب غالبية الفقه الفرنسي، كل تجمع من قبل أشخاص يتصرفون على نحو واحد أو مماثل، سواء أكان هذا التجمع مسلحًا أم غير مسلح، وسواء أكان منظمًا أم غير منظم.35
وينبني على ما سبق انتفاء مسؤولية الدولة إذا أمكن نسبة السلوك الإجرامي المتسبب في حدوث الضرر إلى فرد بعينة أو مجموعة محددة من الأشخاص، وقد أكد القضاء الفرنسي ما تقدم عندما قضى مجلس الدولة الفرنسي بانتفاء مسؤولية الدولة عن الأضرار الناتجة عن الأعمال التخريبية التي قام بها عشرون شابًا بعد ساعات من تفريق حشد جماهيري أمام إحدى أقسام الشرطة بسبب مقتل أحد الأشخاص على يد قوات الشرطة. 36
الفرع الثاني
تدابير الضبط الإداري الخاص لتأمين الفعاليات الرياضية ضد ظاهرة شغب الملاعب
إلى جانب الضبط الإداري العام، تبنى المشرع الفرنسي عددًا من تدبير الضبط الإداري الخاص التي تتلاءم مع طبيعة النشاط الرياضي من أجل الحد قدر الإمكان من ظاهرة شغب الملاعب. وتتعدد وتتباين هذه التدابير لتشمل المنع الإداري من دخول الملاعب الرياضية، وحظر تنقل المشجعين أو سفرهم، وحل جمعيات وروابط المشجعين أو إيقاف أنشطتها.
وسوف نحاول من خلال هذه الفرع استعراض النظام القانوني لتدابير الضبط الإداري الخاص التي قررها المشرع الفرنسي، وتحديد السلطات المختصة باتخاذها، مع إلقاء الضوء على أهم الضمانات القانونية التي اشترطها المشرع لمشروعية هذه التدابير، وذلك في ثلاثة غصون متتالية على النحو التالي؛
الغصن الأول: الحرمان الإداري من دخول الملاعب.
الغصن الثاني: تقييد حرية مشجعي الفرق الرياضية في التنقل والسفر.
الغصن الثالث: حل جمعيات وروابط المشجعين وإيقاف أنشطتها.
الغصن الأول
الحرمان الإداري من دخول الملاعب الرياضية
تمثل صورة الحرمان الإداري من دخول الملاعب L’interdiction Administrative de Stade أحد أهم وأول صور تدابير الضبط الإداري الخاص المنصوص عليها في تقنين الرياضة الفرنسي بشأن تأمين الفعاليات الرياضية، حيث يهدف هذا التدبير في حقيقته إلى إبعاد من يتسم سلوكه من المشجعين الرياضيين بالعنف عن الملاعب والفعاليات الرياضية.37
وقد اعتمد المشرع الفرنسي هذه الصورة لأول مرة في مطلع عام 2006 بموجب القانون رقم 2006-64 والمسمى قانون ساركوزي La loi Sarkozy بسبب الزيادة المستمرة في أعمال شغب الملاعب.38 إذ خولت المادة 31 من هذا القانون لقادة الشرطة في الأقاليم الفرنسية استصدار قرارات فردية يحظر بموجبها على كل من يشكل سلوكه العام خلال فعاليات رياضية سابقة تهديدًا للنظام العام الدخول أو الاقتراب من مدرجات الملاعب أثناء إقامة الفعاليات الرياضية أو عند إعادة بثها للجمهور، على ألا تتجاوز مدة الحرمان ثلاثة أشهر. 39
ولاحقًا، عند صدور التقنين الرياضي، تم تقنين صورة الحرمان الإداري من دخول الملاعب بموجب المرسوم رقم 596-2006 المتعلق بالجزء التشريعي للتقنين الرياضي في المادة رقم L332-16 من هذا التقنين، وقد خضعت هذه المادة بدورها لعدد من التعديلات التشريعية خلال الأعوام اللاحقة،40 وكان آخر هذه التعديلات ما تضمنه القانون رقم 296-2022 في مارس 2022، حيث وسَّع المشرع بموجبها من نطاق سلطات الضبط الإداري في استصدار قرارات الحرمان الإداري من دخول الملاعب من زاويتين رئيستين.41
فمن زاوية أولى، وسع المشرع من نطاق الحالات التي يمكن الاستناد إليها لإصدار مثل هذه القرارات، فلم تعد قاصرة على الحالات التي يشكل فيها السلوك العام للأفراد خلال فعاليات سابقة تهديدًا للنظام العام، وإنما أجاز لسلطات الضبط إصدار مثل هذه الأوامر في الأحوال التي يتهدد فيها النظام العام بسبب سبق ارتكاب أحد المشجعين لفعل خطير خلال إحدى الفعاليات الرياضية، أو انتمائه إلى إحدى الجمعيات أو المجموعات التي تم حلها بالتطبيق لنص المادة 332-18 من تقنين الرياضة، أو اشتراكه في أنشطة إحدى الجمعيات التي صدر أمر بوقف أنشطتها تطبيقًا للمادة السالفة.
ومن زاوية ثانية، وسع المشرع من النطاق الزمني لقرارات الحرمان الإداري من دخول الملاعب، فبعد أن كانت المدة الزمنية لهذه الأوامر محددة بثلاثة أشهر كحد أقصى، رفع المشرع هذه المدة بموجب آخر تعديل لتصل إلى أربعة وعشرين شهرًا، بل ويمكن زيادة المدة إلى ستة وثلاثين شهرًا إذا كان الشخص قد صدر بحقه أمرًا سابقًا بالحرمان الإداري من دخول الملاعب في السنوات الثلاثة السابقة.
تمييز قرارات الحرمان الإداري من دخول الملاعب عن قرارات الحرمان القضائي من دخول الملاعب:
مما تجدر الإشارة إليه في هذا السياق، أن قرارات الحرمان الإداري من دخول الملاعب وإن تشابهت في ظاهرها مع قرارات الحرمان القضائي الصادرة بالتطبيق لأحكام L332-11 من التقنين الرياضي، إلا أنها تختلف عنها من عدة نواحٍ.42 فمن ناحية أولى، يختلف القراران من حيث السلطة المختصة بتوقيعهما، إذ بينما ينعقد الاختصاص بتوقيع الثانية للمحاكم الجنائية، يختص بإصدار قرارات الحرمان الإداري قادة الشرطة في الأقاليم الفرنسية.
من ناحية ثانية، يختلفان من حيث النطاق الزمني، إذا بينما قد تصل مدة الحرمان القضائي إلى خمس سنوات، لا يمكن أن تتجاوز مدة الحرمان الإداري أربعة وعشرين شهرًا، أو ستة وثلاثين شهرًا على أقصى تقدير في حالة سبق توقيع هذا الحرمان خلال السنوات الثلاثة السابقة.
من ناحية ثالثة وأخيرة، يختلف كل منهما في الطبيعة القانونية، فتوقيع قرارات الحرمان القضائي مرهون بارتكاب إحدى الجرائم المنصوص عليها في تقنين الرياضة، وهي تعد بالتبعية صورة من صور العقوبات التكميلية التي ينطق بها القاضي الجنائي بالإضافة إلى العقوبة الأصلية في الجرائم المشار إليها، أما قرارات الحرمان الإداري من دخول الملاعب، فلا يشترط لمشروعيتها ارتكاب جريمة بعينها، بل هي وسيلة وقائية، على غرار غيرها من صور الضبط الإداري، هدفها الأساسي يكمن في المحافظة على النظام العام، ومنع كل ما من شأنه المساس أو الإخلال به.43
وتعد قرارات الحرمان الإداري من دخول الملاعب على حد تعبير البعض المحور الأساسي والأكثر فعالية للوقاية من مخاطر شغب الملاعب المحتملة، حيث بلغ عدد هذه الأوامر في فرنسا عام 2021 حوالي 500 أمر،44 ويرجع السبب الرئيس في ذلك إلى سهولة وضع هذه الأوامر موضع التنفيذ، خلافًا لقرارات الحرمان القضائي التي تتطلب لتوقيعها إثبات ارتكاب إحدى الجرائم المنصوص عليها من ناحية أولى، والمرور بسلسلة من الإجراءات القضائية الطويلة والمعقدة من ناحية ثانية.45
أما السبب الثاني الذي تستمد منه هذه الوسيلة فعاليتها، فيرجع إلى تشديد المشرع للجزاء المترتب على مخالفتها. حيث فرض المشرع عقوبة الحبس والغرامة التي تصل قيمتها إلى 3750 يورو.
ويكمن السبب الثالث والأخير في فعالية هذه الوسيلة، فيتمثل فيما قرره المشرع الفرنسي من تخويل قادة الشرطة سلطة إلزام الأشخاص الصادر بحقهم قرارات الحرمان الإداري من دخول الملاعب بالمثول لأي استدعاءات من قبل السلطات المختصة في أوقات الأحداث الرياضية الخاضعة للحظر، ويترتب على مخالفة هذا الالتزام والمعروف في القانون الفرنسي ب obligation de pointage الحبس لمدة عام وغرامة قدرها 3750 يورو.46 وتجدر الإشارة في هذا السياق إلى أن مجلس الدولة الفرنسي كان قد رفض سابقًا إحالة الدفع المثار أمامه بعدم دستورية هذا الالتزام إلى المجلس الدستوري بسبب عدم جديته، مبررًا قضاءه بأن هذا الالتزام الذي يكمل التدبير الخاص بالحرمان الإداري من دخول الملاعب والضامن في ذات الوقت لفاعليته يستجيب لمقتضيات الحفاظ على النظام، وأن ما يحمله هذا الالتزام من قيود على حرية الأشخاص في الذهاب والإياب جاءت محدودة ومتناسبة مع الهدف المنشود والمتمثل في تأمين الفعاليات الرياضية ضد ظاهرة شغب الملاعب.47
الضمانات ا لقانونية لمشروعية قرارات الحرمان الإداري من دخول الملاعب:
إن ما تقدم لا يعني أن سلطات الجهات الإدارية في توقيع قرارات الحرمان الإداري من دخول الملاعب هي سلطات مطلقة لا تحكمها أية قيود، إذا أحاط المشرع توقيع هذه القرارات بعدد من الضمانات الجوهرية خشية التعسف في استخدامها، وتتمثل هذه الضمانات فيما يلي:
وينبني على ما تقدم، عدم مشروعية قرارات الحرمان الإداري من دخول الملاعب إذا صدرت في غير الأحوال السالف الإشارة. وتطبيقًا لذلك، فقد انتهت المحكمة الإدارية الاستئنافية بـDouai حديثًا إلى عدم مشروعية قرار المنع الإداري الصادر في حق أحد الأشخاص بسبب ارتدائه لقميص منقوش عليه نقش استفزازي لهيئة الشرطة، إذ انتهت المحكمة أن ارتداء مثل هذه الملابس لا ينطوي في حد ذاته على أي تهديد للنظام العام.49
أما فيما يتعلق بالنطاق المكاني لهذه القرارات، فيتعين أن يتحدد نطاق تطبيق هذه الأوامر من حيث المكان بالحدود الإقليمية لدولة فرنسا.
كما ينبغي أن يكون القرار مسببًا، وأن يتضمن هذا التسبيب للعناصر التي بُني عليها القرار بشكل تفصيلي وإلا فقد التسبيب كل معنى له. وتطبيقًا لذلك، قُضي بإلغاء قرار قائد الشرطة بحرمان أحد المشجعين من حضور مباراة كرة القدم بين فريقي نادي أولمبيك مرسيليا ونادي باستيا الرياضي بسبب ورود الأسباب التي بني عليها هذا القرار في صيغ مختصرة وغير دقيقة لا تقطع بسبق اشتراك هذا المشجع في أعمال الشغب الواقعة في تاريخ 9-8-2014.50
الغصن الثاني
تقييد حرية مشجعي الفرق الرياضية في التنقل والسفر
بالرغم من تكريس المجلس الدستوري الفرنسي لحرية التنقل منذ ما يزيد عن أربعين عامًا باعتبارها مكونًا أساسيًا من مكونات الحرية الفردية،51 إلا أنه أجاز في أكثر من مناسبة تقييد هذه الحرية لاعتبارات تتعلق بحماية النظام العام والأمن العام. 52
وقد دفع ما تقدم المشرع الفرنسي إلى أن يتبنى ضمن أساليب الضبط الإداري الخاص في المجال الرياضي بموجب القانون رقم 2011-267 والمسمى بقانون LOPPSI II التدبير الخاص بتقييد حرية مشجعي الفرق الرياضية في التنقل interdiction de déplacement des supporters.53 حيث أجازت المادة 332-16-1 من تقنين الرياضة الفرنسي لوزير الداخلية إصدار قرارات فردية أو جماعية يحظر بموجبها على مشجعي الفرق الرياضية أو من يتصرفون على هذا النحو السفر أو التنقل بغرض التواجد في أو بالقرب من محيط الأماكن التي تقام بها الفعاليات الرياضية، وذلك إذا كان من المحتمل أن يتسبب وجودهم في إخلال خطير بالنظام العام.54
ومنحت المادة 332-16-2 من ذات التقنين اختصاصًا مماثلًا لقادة الشرطة في الأقاليم الفرنسية، فخولتهم سلطة تقييد حرية الذهاب والإياب لمشجعي الفرق أو من يتصرفون على هذا النحو في محيط الأماكن التي تقام بها الفعاليات الرياضية. إذا كان من المحتمل أن يتسبب وجودهم في هذه الأماكن بإخلال خطير بالنظام العام. 55
وقد رتب المشرع على مخالفة قرارات تقييد حريتي السفر والتنقل السالفة جزاء الحبس لمدة 6 أشهر وغرامة تقدر بثلاثين ألف يورو، وذلك بالإضافة إلى توقيع عقوبة المنع من دخول الملاعب، كعقوبة مكملة للعقوبة الأصلية.56
وبالرغم مما قد تحمله هذه المواد من تعارض ظاهر مع حريتي الأفراد في التنقل والسفر، إذ يكفي لتطبيقها مجرد توافر صفة الانتماء أو التظاهر بالانتماء إلى روابط أو مجموعات مشجعي إحدى الفرق الرياضية - بمعنى آخر فإن هذه الصفة يمكن أن تشكل في حد ذاتها مساسًا بالنظام العام، حتى ولو لم يكن أصحابها لديهم النية في القيام بأية أعمال عدائية - فإنه منذ دخول النصوص السالفة حيز التنفيذ، جرت السلطات الإدارية على الاستناد في إصدار مثل هذه القرارات إلى سبق وجود أعمال عنف وشغب بين مشجعي الفرق الرياضية في لقاءاتهم السابقة.57
وقد سنحت الفرصة للمجلس الدستوري عام 2011 للفصل في مدى دستورية تدابير الضبط الإداري المتعلقة بتقييد حرية المشجعين في التنقل والسفر، وتلك المتعلقة بالحرمان الإداري من دخول الملاعب الرياضية، حيث قضى بدستورية هذه الأحكام مؤكدًا أنها تسعى إلى تحقيق التوفيق بين حرية الأشخاص في الذهاب والإياب وبين اعتبارات حماية النظام العام.58
ومن التطبيقات الحديثة لهذه القرارات الوزارية، قرار وزير الداخلية الصادر بتاريخ 30 سبتمبر 2021 بحظر سفر مشجعي نادي أولمبيك مرسيليا l'Olympique de Marseille خلال لقاء الأحد 3 أكتوبر 2021 الساعة 5 مساءً مع نادي ليل أولمبيك الرياضي Lille Olympique Sporting، حيث استند هذا القرار إلى اتسام العلاقة بين جمهور الفرقتين بالطابع العدائي، علاوة على سبق وجود أعمال عنف وشغب في لقاءاتهم السابقة مما اقتضى تدخل قوات الشرطة. 59
ومن التطبيقات الأخرى كذلك، قرار وزير الداخلية الصادر بتاريخ 30 ديسمبر 2021 بحظر سفر مشجعي نادي ليل أولمبيك الرياضي لكرة القدم خلال لقاء يوم الثلاثاء 4 يناير 2022 الساعة 9 مساءً مع راسينج كلوب دي لينس، وقد استند هذا القرار كذلك إلى اتسام العلاقة بين جمهور الفرقتين بالطابع العدائي لسنوات طويلة أفرز خلال لقاءات الفرقتين منذ عام 2020 عن إهانات واستفزازات وعرض لافتات مهينة واشتباكات مع قوات الشرطة. 60
الضمانات القانونية لمشروعية قرارات تقييد حرية مشجعي الفرق الرياضية في التنقل والسفر:
بالنظر لمساس هذا التدبير بحريتي التنقل والسفر، فقد أحاط المشرع الفرنسي قرارات تقييد حرية مشجعي الفرق الرياضية في التنقل والسفر بعدد من الضمانات القانونية لكفالة انطباقها في إطار من المشروعية، حيث اشترط في هذه القرارات ما يلي؛61
أولًا: تحديد النطاق الزماني للحظر، أي تحديد المدة الزمنية التي ينطبق فيها هذا الحظر.
ثانيًا: تحديد النطاق المكاني للحظر، أي تحديد الأماكن والمناطق التي ينطبق فيها هذا الحظر. وبالنسبة لقرارات حظر السفر الصادرة من وزير الداخلية فيجب أن تتضمن البلديات أو المقاطعات الممنوع السفر منها أو إليها.
ثالثًا: يتعين أن تكون هذه القرارات مسببة، حيث أوجب المشرع تحديد الظروف الواقعية والمكانية الدافعة لإصدار هذه القرارات، والتي تتمثل كما أسلفنا الإشارة عادة في سبق وجود أعمال عدائية أو عنيفة بين مشجعي الفرق الرياضية.62 وتطبيقًا لذلك انتهى مجلس الدولة الفرنسي إلى مشروعية القرار الصادر من وزير الداخلية بمنع مشجعي فريق نادي اوليمبك مرسيليا من دخول ملعب Ray أو التواجد في محيطه خلال مباراة كرة القدم التي جمعت فريق اوليمبك مرسيليا 'Olympique de Marseille مع فريق أو جي سي نيس OGC Nice يوم 31 مارس 2013 مبررًا قضاءه بأن مجرد السماح بتواجد مشجعي أولمبيك مرسيليا أو من يتصرفون على هذا النحو من شأنه أن يستفز جمهور الفريق المضاد والتهديد باضطرابات جدية بالنظام العام، وذلك بسبب ما شهدته اللقاءات السابقة بين الفريقين من أحداث عنف وشغب من قبل جمهور كل منهما.63
رابعًا: على غرار قرارات المنع الإداري من دخول الملاعب، تخضع هذه القرارات لرقابة القضاء الإداري سواء فيما يخص مشروعيتها أو ملاءمتها. وتجدر الإشارة في هذا السياق إلى أنه إذا كان وجود سبق وجود أعمال عدائية يعد سببًا كافيًا لتبرير مشروعية قرارات حظر تنقل المشجعين، إلا أن تقدير مدى كفاية هذه الأعمال لتبرير قرارات الحظر يظل خاضعًا لرقابة القضاء، وذلك باعتبار أن الحظر هنا يرد على أنشطة مشروعة بحسب الأصل، ألا وهي أنشطة التشجيع والمساندة في مجملها، وليس فقط على أعمال العنف أو الشغب.
الغصن الثالث
حل جمعيات وروابط المشجعين وإيقاف أنشطتها
أما الضلع الثالث في منظومة الضبط الإداري الرياضي الخاص بتأمين الفعاليات الرياضية ضد ظاهرة شغب الملاعب في القانون الفرنسي، فيكمن في السلطات التي خولها تقنين الرياضة بالمادة 332-18 للوزير الأول الفرنسي تجاه جمعيات وروابط المشجعين، حيث يملك الوزير الأول بموجب هذه المادة سلطتين خطيرتين، تتمثل أولاهما في سلطة حل جمعيات وروابط المشجعين، أما ثانيهما فتتمثل في سلطة إيقاف أنشطة هذه الجمعيات أو الروابط لمدة اثني عشر شهرًا أو أكثر.64
وقد تم إضافة هذه الوسيلة بموجب القانون الخاص بمنع العنف في أثناء الأحداث الرياضية La loi relative à la prévention des violences lors des manifestations sportives والصادر بتاريخ 5 يوليو 2006،65 وكان السبب الرئيس في صدور هذا القانون ما لاحظته السلطات العامة في فرنسا من تزايد مستمر في أعمال العنف والشغب التي تقع من مشجعي الأندية ممن ينتمون إلى جمعيات أو روابط بعينها مثل ألتراس Ultras أو باد بويز Bad Boys، حيث وصل الأمر في بعض الأحيان إلى استخدام بعض هذه الروابط والجمعيات لشعارات وهتافات تحض على العنصرية وعلى كراهية الأجانب، كما اعتادت بعض هذه المجموعات والروابط إلى اللجوء للعنف سواء في مواجهة جماهير الفرق الرياضية المنافسة أو في مواجهة قوات الشرطة.66
ولضمان فعالية هذه الوسيلة، فقد فرض المشرع الفرنسي عقوبة الحبس لمدة عامين وغرامة قدرها 30 ألف يورو لكل من عمل على استمرار أو إعادة تكوين أي من الجمعيات أو روابط المشجعين التي صدر قرار بحلها، وذات العقوبة لكل من نظم أي نشاط من الأنشطة التي تم وقفها لإحدى الجمعيات أو روابط المشجعين بموجب قرار من الوزير الأول. وتخفف العقوبة في حالة المشاركة في الأفعال السابقة إلى الحبس لمدة سنة واحدة وغرامة قدرها 15 ألف يورو.67
وتعد هذه الوسيلة من أخطر وسائل الضبط الإداري التي تبناها المشرع في هذا السياق، وذلك بسبب مساسها بحريتي التعبير عن الرأي وتكوين الجمعيات واللتان تعدهما فرنسا من ركائز المجتمع الديمقراطي الأساسية،68 ومن أشهر تطبيقات قرارات الحل القرار الصادر عام 2008 بحل جمعية “Boulogne Boys” التي يشجع أعضاؤها فريق باريس سان جيرمان بسبب استخدام أعضائها للافتات محرضة على الكراهية والتمييز في نهائي كأس فرنسا لكرة القدم بين فريقي باريس سان جيرمان PSG وآر سي لانس RC Lens.69
وحول مدى دستورية هذه الوسيلة، فقد رفض مجلس الدولة الفرنسي إحالة الدفع بعدم دستورية تدابير حل وإيقاف روابط المشجعين إلى المجلس الدستوري على سند من عدم جدية هذا الدفع، مبينًا أن تدابير الحل والإيقاف لا تعدو أن تكون تدابير للضبط الإداري استهدف المشرع من ورائها حماية النظام العام من المخاطر التي تتهدده بسبب أنشطة أعضاء جمعيات وروابط المشجعين، ومؤكدًا أن هذه النوعية من التدابير لا تشكل بالتبعيَّة تقييدًا غير مبرر على حرية تكوين الجمعيات.70
وبالمثل، أكدت المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان عدم تعارض تدابير حل وإيقاف روابط وجمعيات المشجعين مع أحكام الاتفاقية الأوروبية لحقوق الإنسان، استنادًا إلى كونها صادرة بموجب قانون من ناحية أولى، وابتغائها هدفًا مشروعًا يتمثل في حماية النظام العام ومنع الجرائم من ناحية ثانية.71
وعلى غرار قرارات الضبط السالفة، تخضع قرارات حل الجمعيات وروابط المشجعين أو إيقاف أنشطتها إلى رقابة القضاء الإداري سواء فيما يخص مشروعيتها أو ملاءمتها. وقد تطلب المشرع لمشروعية قرارات حل الجمعيات أو روابط المشجعين ووقف نشاطها مجموعة من الضوابط والاشتراطات القانونية، بعضها ذات طابع موضوعي، وبعضها الآخر ذات طابع شكلي:
أولًا: شروط موضوعية
اشترط المشرع مجموعة من الشروط الموضوعية التي يتعين توافرها مجتمعة في شأن الفعل أو الأفعال المبررة لاستصدار قرارات الحل أو وقف النشاط، وتتمثل في:72
ثانيًا، شروط شكلية
أما بالنسبة للشروط الشكلية، فقد اشترط المشرع لمشروعية قرارات الحل أو إيقاف أنشطة جمعيات وروابط المشجعين ما يلي:75
ويراقب القضاء الإداري مدى التناسب بين أسباب القرار وموضوعه، فيقضي بإلغاء قرارات الحل أو وقف أنشطة جمعيات وروابط المشجعين في الأحوال التي يخلص فيها إلى عدم صحة الأسباب أو عدم كفايتها، أو رفض الدعوى في الأحوال التي يخلص فيها إلى عكس ذلك. وتطبيقًا لذلك، قضى مجلس الدولة الفرنسي أن القرار الصادر بوقف إحدى جمعيات المشجعين لمدة أربعة أشهر لا ينطوي على اعتداء غير مبرر على حرية تكوين الجمعيات، ولا يشكل بالتبيعة إجراءً غير متناسبٍ مع الهدف المنشود منه، بالنظر لحجم التهديدات الجدية التي تشكلها أفعال أعضاء هذه الجماعة على الأرواح أو الممتلكات.77
المطلب الثاني
التدابير الوقائية في القانون القطري لتأمين الفعاليات الرياضية ضد ظاهرة شغب الملاعب
بعد أن تناولنا التنظيم القانوني للضبط الإداري بنوعيه في مجال تأمين الفعاليات الرياضية ضد ظاهرة شغب الملاعب في القانون الفرنسي، نستعرض من خلال هذا المطلب الملامح الرئيسة للتنظيم القانوني القطري بشأن تدابير الضبط الإداري المتعلقة بتأمين الفعاليات الرياضية ضد ظاهرة شغب الملاعب من ناحية أولى، ثم تقييم هذا التنظيم القانوني في ضوء أحكام التنظيم القانوني الفرنسي من ناحية ثانية، وذلك في فرعين رئيسين على النحو التالي:
الفرع الأول: التنظيم القانوني القطري للضبط الإداري في مجال تأمين الفعاليات الرياضية ضد ظاهرة شغب الملاعب
الفرع الثاني: تقييم التنظيم القانوني القطري للضبط الإداري في مجال تأمين الفعاليات الرياضية ضد ظاهرة شغب الملاعب
الفرع الأول
التنظيم القانوني القطري للضبط الإداري في مجال تأمين الفعاليات الرياضية
ضد ظاهرة شغب الملاعب
خلافًا لموقف القانون الفرنسي، لم تأخذ التشريعات الرياضية في قطر بفكرة الضبط الإداري الخاص في مجال تأمين الفعاليات الرياضية ضد مخاطر ظاهرة شغب الملاعب،78 وهو ما يمكن أن نستخلص معه اعتماد التنظيم القانوني القطري بوجه عام على الضبط الإداري العام في مواجهة أي إخلال محتمل بسلامة وتأمين الفعاليات الرياضية، حيث إن الحفاظ على أمن وسلامة الفعالية الرياضية من مخاطر شغب الملاعب هو مما يدخل في أغراض الضبط الإداري العام، وهو ما يخول السلطات الإدارية صلاحيات الضبط العام في مجال تأمين الفعاليات الرياضية بسبب الصلة القوية بين أهداف الضبط الخاص في هذا المجال وبين أهداف الضبط العام.79
ويتبنى التنظيم القانوني القطري كقاعدة عامة فكرة الضبط الإداري القومي، حيث تتوزع سلطات الضبط بين عدد من الهيئات على مستوى الحكومة المركزية.
ويأتي على رأس سلطات الضبط الإداري في دولة قطر أمير الدولة، حيث يملك صلاحية إصدار لوائح الضبط الإداري في الظروف الاستثنائية استنادًا إلى عدد من النصوص الدستورية التي تخوله صلاحية إعلان الأحكام العرفية واتخاذ ما يلزم من إجراءات لمواجهة الأخطار التي تتهدد سلامة الدولة أو وحدة أراضيها،80 و تلك التي تمنحه سلطة إصدار مراسيم بقوانين في الأحوال التي تتطلب اتخاذ تدابير لا تحتمل التأجيل عند غيبة مجلس الشورى.81
وتتمثل ثاني سلطات الضبط الإداري في مجلس الوزراء القطري، حيث يملك المجلس الاختصاص الأصيل بوضع لوائح الضبط في الظروف العادية وذلك بموجب المادة 121(7) من الدستور القطري رسم القواعد العامة الكفيلة باستتباب الأمن الداخلي، والمحافظة على النظام في أرجاء الدولة وفقًا للقانون82 شريطة أن ترفع هذه القرارات للأمير للتصديق عليها وإصدارها تطبيقًا لأحكام قرار أميري رقم (29) لسنة 1996 بشأن قرارات مجلس الوزراء التي ترفع للأمير للتصديق عليها وإصدارها.83
أما ثالث هيئات الضبط الإداري في القانون القطري، فتتمثل في قوات الشرطة التابعة لوزارة الداخلية، ويرأسها وزير الداخلية. وتعد قوات الشرطة هي الجهة الأصلية ذات الاختصاص القومي العام في مجال حماية النظام العام بمدلولاته المختلفة أمن عام، وصحة عامة، وسكينة عامة، ويؤكد ذلك ما نصت عليه المادة الخامسة من القانون رقم 23 لسنة 1993 والتي تنص على "تختص قوة الشرطة بالمحافظة على الأمن العام والنظام العام والآداب العامة وحماية الأرواح والأعراض والأموال ومنع الجرائم وضبطها والتحقيق فيها وكفالة الطمأنينة والأمن للمواطنين في جميع المجالات، وتنفيذ ما تفرضه عليها القوانين واللوائح من واجبات."84
ويتضح من النص السابق، اقتصار سلطات قوات الشرطة على القرارات الضبطية الفردية، حيث إن لوائح الضبط في الظروف العادية تقع في نطاق الاختصاص الحصري لمجلس الوزراء، كما يندرج في اختصاص قوات الشرطة سلطة اتخاذ الإجراءات التنفيذية وإجراءات التنفيذ الجبري لنصوص القوانين واللوائح الضبطية والقرارات الفردية بواسطة ضباط وأفراد الشرطة.
وتجدر الإشارة في نهاية حديثنا عن تدبير الضبط الإداري في دولة قطر، إلى أن المشرع القطري وإن لم يتبنَّ تدابير مماثلة لتلك التي تضمنها القانون الفرنسي في شأن تأمين الملاعب الرياضية ضد ظاهرة شغب الملاعب،85 إلا أنه قد اعتنق صورة أخرى من تدابير الضبط الإداري الخاص خلال فترة بطولة كأس العالم لكرة القدم 2022 من أجل ضمان أمن وسلامة البطولة،86 حيث عهد المشرع بموجب القانون رقم 10 لسنة 2021بشأن تدابير استضافة كأس العالم فيفا قطر 2022 إلى رئيس اللجنة الأمنية،87 بعد التنسيق مع الجهات المختصة، بصلاحية "إصدار القرارات والتعليمات والإرشادات الخاصة بالإجراءات الأمنية اللازمة خلال الفترة الزمنية للبطولة...." 88 وتأتي الخصوصية التي يتميز بها الضبط الإداري هنا نتيجة تحديد المشرع للهيئة (رئيس اللجنة الأمنية) المنوط بها ممارسة سلطات الضبط، وتحديد النطاق الزماني المسموح خلاله بممارسة اللجنة لسلطات الضبط.
وبمقتضى النص السالف يكون المشرع قد اعترف لرئيس اللجنة الأمنية بممارسة سلطات الضبط الإداري العام خلال مدى زمني محدد، ألا وهو فترة بطولة كأس العالم، كما وسع المشرع من سلطة رئيس للجنة الأمنية في إصدار قرارات الضبط لتشمل ليس فقط سلطة إصدار قرارات الضبط الفردية التي تتضمن تطبيق قوانين ولوائح الضبط، وإنما تشمل كذلك – كما يتبين من إطلاق النص – سلطة إصدار قرارات لائحيَّة تتضمن قواعد عامة مجردة لتقييد النشاط الفردي لغايات حماية النظام العام.
الفرع الثاني
تقييم التنظيم القانوني القطري للضبط الإداري في مجال تأمين الفعاليات الرياضية
ضد ظاهرة شغب الملاعب
بعد أن عرضنا في الفرع المتقدم لأحكام التنظيم القانوني القطري بشأن تدابير الضبط الإداري في تأمين الفعاليات الرياضية ضد ظاهرة شغب الملاعب، فإنه يثار التساؤل بشأن مدى كفاية أو فاعلية هذا التنظيم القانوني في تحقيق الغرض المنشود، وهل هناك حاجة فعلًا لتبني المشرع القطري لتدابير ضبطية خاصة مماثلة لتلك التي تضمنها القانون الفرنسي؟ وتزداد أهمية الإجابة على هذه التساؤلات بعد أن صارت دولة قطر تتمتع بوجود قوي، وحضور بارز في المحافل الرياضية الدولية بسبب استضافتها وتنظيمها لكثير من البطولات العالمية، كُللت بشرف تنظيم كأس العالم لكرة القدم 2022.
وفي إجابتنا على هذه التساؤلات، نرى أن الملاعب القطرية وإن لم تعرف ظاهرة شغب الملاعب بحدتها المتعارف عليها عالميًا حتى يومنا هذا، فإنها ليست بمأمن كلي منها، حيث تزداد احتمالات ظهور هذه الظاهرة، بل واستفحالها في كل مرة تستضيف فيها دولة قطر لفعالية رياضية جديدة، ولذا فإنه بات من الضروري لدولة قطر حتى تحافظ على المكانة التي وصلت إليها في الأوساط والمحافل الرياضية الدولية من ناحية، وتأمين ما يدور على أراضيها من فعاليات وأحداث عالمية من ناحية أخرى، أن تعيد النظر في سياساتها المعتمدة على الضبط الإداري العام وحده في مواجهة جرائم شغب الملاعب، وأن تتبنى من خلال تشريعات خاصة، تدابير وقائية، على غرار تدابير الضبط الإداري الخاص التي تبنتها دولة فرنسا للحفاظ على النظام العام من مخاطر شغب الملاعب.89 ونستند في إجابتنا على عدد من الحجج، نوردها فيما يلي:
أولًا: تجاوز مخاطر شغب الملاعب لحدود الملاعب الرياضية وتهديدها لأمن المجتمع بأسره، حيث لم يعد حدوث هذه الظاهرة مقصورًا على الملاعب الرياضية أو في محيطها، وإنما صارت تحدث بمعزل عن السياق الرياضي، وكثيرًا ما ينجم عنها تعريض حياة الِأشخاص وممتلكاتهم إلى الأذى الذي يصل في أحيان كثيرة إلى حد ازهاق الأرواح وتدمير الممتلكات.
وينبني على ما تقدم ارتباط أمن الملاعب بمفهوم الأمن العام والأمن القومي للدولة، بل ومرتبط كذلك بالحفاظ على سمعة الدولة على المستوى العالمي، حيث – كما لاحظ وبحق بعض الفقه – أن فشل الدولة في تحقيق هذا المفهوم للأمن قد يفضي إلى ضياع هيبة الدولة، والتأثير على سمعتها ومقدرتها السياسية والاقتصادية والثقافية، بل وقد ينتهي بها المطاف إلى حد إدراجها على قوائم الدول غير الآمنة على الرعايا الأجانب.90
وتقتضي هذه الخطورة مواجهتها بتنظيم قانوني خاص – إلى جانب الضبط الإداري العام - أكثر تشددًا يتلاءم فنياَ مع طبيعة النشاط الرياضي، وذلك من أجل تدارك تلك الاضطرابات الخطيرة بالنظام العام التي قد تفضي إليها ظاهرة الشغب في الملاعب الرياضية. 91 ويتفق ذلك مع الهدف الرئيس من نظام الضبط الذي هو في الأساس نظام وقائي مانع يستدرك الحوادث المخلة بالأمن والنظام العام.92
ثانيًا: أن الضبط الإداري العام الذي تملكه سلطات وهيئات الضبط الإداري القطرية لا يخولها سلطة تبني أو توقيع تدابير مماثلة لتلك التي تبناها المشرع الفرنسي بغرض تأمين الفعاليات الرياضية ضد مخاطر شغب الملاعب، والتي كان لها أثر كبير في ضبط ظاهرة شغب الملاعب.
ويكمن سبب ذلك فيما تنطوي عليه هذه التدابير من مساس بعدد من الحريات الدستورية كالحرية الشخصية93 وحرية التنقل94 وحرية التجمع95 وحرية تكون الجمعيات96 ، ومن ثم فإن تقييدها على نحو مماثل للقانون الفرنسي يقتضي أن يكون بموجب تدخل تشريعي وإلا كان غير مشروع، حيث إن التزام سلطات الضبط بمبدأ المشروعية يفرض عليها من ناحية أولى احترام مبادئ وأحكام الدستور لاسيما تلك التي تكفل الحريات العامة وتحميها، فلا يجوز لسلطات الضبط إصدار اللوائح التي تقيد هذه الحريات تقييدًا شديدًا أو تنتقص من جوهرها، حيث إن تنظيم هذه الحريات موكول بموجب الدستور القطري إلى المشرع العادي وليس المشرع اللائحي. ومن ناحية ثانية، لا يجوز لسلطات الضبط أن تصدر قرارات ضبطية فردية تقيد بها هذه الحريات دون الاستناد إلى قواعد عامة مجردة، وإلا أضحت غير مشروعة ومستوجبة للإلغاء.
ثالثًا: أن تبني تدابير ضبطية مماثلة لتلك التي تبناها القانون الفرنسي في مجال تأمين الفعاليات الرياضية ضد شغب الملاعب يقتضي من المشرع القطري إحاطتها على غرار المشرع الفرنسي بضمانات وشروط تكفل ممارستها في إطار من المشروعية، وتحميها من أي تغول من جانب السلطات العامة على حقوق الأفراد وحرياتهم، وذلك بالنظر لأهمية وقيمة الحقوق والحريات التي تمسها هذه التدابير.
التدابير العقابية لتأمين الفعاليات الرياضية ضد ظاهرة شغب الملاعب
بالرغم من أهمية تدابير الضبط الإداري في الحفاظ على النظام العام الرياضي، إلا أن الاعتماد عليها وحدها ليس كافيًا لإنهاء ظاهرة شغب الملاعب بالكلية، حيث لازالت كثير من الدول تعاني من بعض مظاهرها حتى يومنا هذا، وهو الأمر الذي اقتصى تكملة النظام القانوني لتأمين الفعاليات الرياضية بتدابير عقابية إلى جانب التدبير الوقائية السابق تناولها في المبحث السابق.
وتتبدى هذه التدابير العقابية في شكل نصوص قانونية تتناول بالتجريم والعقاب أحداث العنف والشغب في الملاعب الرياضية، لتكون بمثابة ردع حقيقي في مواجهة أي إخلال بالنظام العام أو المساس به.
ويمكن التمييز في هذا الخصوص بين نموذجين من القوانين المقارنة. حيث تذهب الدول التي تعتنق النموذج الأول إلى تبني نصوص قانونية خاصة في قوانين الرياضة لتجريم وعقاب مختلف أوجه العنف والشغب داخل الملاعب الرياضية، في حين تعتمد الدول التي تعتنق الاتجاه الثاني في مواجهة حالات الإخلال الفعلي بالنظام العام خلال الفعاليات الرياضية على النصوص العامة في التجريم والعقاب الواردة في قوانين العقوبات الوطنية.
وبناء عليه، فسوف نقوم بتقسيم هذا المبحث إلى مطلبين رئيسين، نتناول فيهما السياسة الجنائية لكل من المشرعين الفرنسي والقطري في تأمين الفعاليات الرياضية ضد ظاهرة شغب الملاعب، حيث نستعرض فيهما صور جرائم الشغب في الملاعب والعقوبات الأصلية والتكميلية التي أفردها كل من المشرعين لهذه الجرائم، وذلك على النحو التالي:
المطلب الأول: السياسة الجنائية الفرنسية لمكافحة ظاهرة شغب الملاعب
المطلب الثاني: السياسة الجنائية القطرية لمكافحة ظاهرة شغب الملاعب
المطلب الأول
السياسة الجنائية الفرنسية لمكافحة ظاهرة شغب الملاعب
على غرار مسلكه في شأن تدابير الضبط الإداري الرياضي، واجه المشرع الفرنسي ظاهرة الشغب في الملاعب الرياضية بتنظيم قانوني خاص في عدد من قوانين الرياضة الفرنسية، محاولًا من خلال الأفعال المجرمة والعقوبات المقررة الحد قدر الإمكان من هذه الظاهرة توصلًا للقضاء عليها.97
وقد اتسمت السياسة الجنائية الفرنسة بالتنوع والتعدد، حيث حاول المشرع فيها تجريم مختلف صور الأنشطة التي قد تفضي إلى العنف خلال وقبل وبعد الفعاليات الرياضية.98
ومن أهم صور الجرائم التي أقرتها تشريعات الرياضة الفرنسية تلك الجرائم المتعلقة بحالات السكر العام أثناء إقامة الفعاليات الرياضية أو عند إعادة بثها للجمهور، ومنها جريمة إدخال مشروبات كحولية في مدرجات الملاعب عن طريق القوة أو التحايل،99 دخول المدرجات الرياضية في حالة سكر،100 استخدام القوة أو التحايل في الدخول إلى المدرجات الرياضية في حالة سكر.101
كما يندرج كذلك في إطار جرائم شغب الملاعب في القانون الفرنسي جرائم تحريض الجمهور على الكراهية أو العنف ضد كل من يساهم أو يشارك في تنظيم الفعاليات الرياضية،102 وكذا إدخال أو عرض أو ارتداء أية لافتات، أو شارات أو رموز من شأنها التحريض على العنف أو على الكراهية أو التمييز ضد الأشخاص بسبب الأصل أو الجنس، أو التوجه الجنسي أو الهوية الجنسية أو بسبب الانتماء الحقيقي أو الظاهري، لعرق، أو ثقافة، أو أمة، أو ديانة بعينها.103
أيضًا أدخل المشرع الفرنسي في إطار جرائم شغب الملاعب جريمة إدخال أو حيازة أو استخدام مواد خطرة مثل الشماريخ أو الألعاب النارية، أو كل ما يمكن عده سلاحًا وفقًا لقانون العقوبات في أثناء إقامة الفعاليات الرياضية أو عند إعادة بثها للجمهور،104 وكذلك جريمة إلقاء مقذوفات من شأنها تعريض سلامة الحاضرين في الملاعب الرياضية إلى الخطر في أثناء إقامة الفعاليات الرياضية أو عند إعادة بثها للجمهور.105
وأخيرًا يندرج في إطار جرائم شغب الملاعب الرياضية تعطيل سير الفعاليات الرياضية، وتعريض حياة الأشخاص أو الممتلكات للخطر، واقتحام الملاعب.106
وقد حرص المشرع الفرنسي على تغليظ العقوبات الجنائية للجرائم السالفة حتى تكون رادعة لكل من تسول له نفسه ارتكاب مثل هذه الجرائم.107 وتتنوع هذه العقوبات هي الأخرى ما بين عقوبات أصلية وعقوبات تكميلية.
أما العقوبات الأصلية فتتمثل في عقوبتي الغرامة التي قد تصل إلى 15000 يورو والحبس الذي قد يصل إلى ثلاث سنوات. وبالنسبة للعقوبات التكميلية فتتمثل في عقوبة المنع القضائي من دخول الملاعب والذي قد تصل مدته إلى خمس سنوات. ويلتزم من يحكم عليهم بهذه العقوبة بالمثول لأي استدعاءات من قبل السلطات المختصة في أوقات الفعاليات أو الأحداث الرياضية التي يشملها قرار الحظر.108
المطلب الثاني
السياسة الجنائية القطرية لمكافحة ظاهرة شغب الملاعب
بعد عرضنا للسياسة الجنائية الفرنسية في تأمين الفعاليات الرياضية، نتناول من خلال هذا المطلب أهم النصوص الجنائية التي تبناها المشرع القطري لمكافحة ظاهرة شغب الملاعب، ثم تقييم موقف السياسة الجنائية في تأمين الفعاليات الرياضية ضد هذه الظاهرة، وذلك في فرعين رئيسين على النحو التالي:
الفرع الأول: فاعلية النصوص الجنائية القطرية في مكافحة ظاهرة شغب الملاعب
الفرع الثاني: تقييم السياسة الجنائية القطرية في تأمين الفعاليات الرياضية ضد ظاهرة شغب الملاعب
الفرع الأول
فاعلية النصوص الجنائية القطرية في مكافحة ظاهرة شغب الملاعب
خلافًا للقانون الفرنسي، خلا القانون القطري من أي تنظيم قانوني خاص بتجريم أعمال العنف والشغب خلال الفعاليات الرياضية، حيث اكتفى المشرع القطري بالاعتماد على النصوص العامة في التجريم والعقاب الواردة بقانون العقوبات لمكافحة ظاهرة الشغب في الملاعب الرياضية.
ومن قبيل هذه النصوص نص المادة 139 من قانون العقوبات، والتي يعاقب فيها المشرع القطري على الشغب الناتج عن أعمال التجمهر بشكل عام، حيث نصت هذه المادة على "مع عدم الإخلال بأي عقوبة أشد، يُعاقب بالحبس مدة لا تجاوز ثلاث سنوات وبالغرامة التي لا تزيد على خمسة عشر ألف ريال أو بإحدى هاتين العقوبتين، كل من اشترك في تجمهر، مؤلف من خمسة أشخاص على الأقل في مكان عام، بغرض ارتكاب جريمة، أو الإخلال بالأمن العام، وبقي متجمهرًا بعد صدور أمر رجال السلطة العامة بالانصراف. ويعاقب بذات العقوبة، كل من اشترك في التجمهر وكان يحمل سلاحًا من الأسلحة البيضاء، أو العصي، أو غيرها من الأدوات الصلبة غير المعتاد حملها في الأحوال العادية..."109
ويمكن مواجهة حالات الاعتداء على حياة الانسان وسلامته الناجمة عن الشغب في الملاعب الرياضية من خلال الأحكام الواردة في الفصل الأول من الباب الأول من الكتاب الثالث، والتي منح فيها المشرع القطري بموجبها حماية جنائية متكاملة لسلامة الأشخاص ضد جرائم التعدي أو الضرب. 110
وعن جرائم التعدي، أو تدمير أو تخريب أو إتلاف الملاعب والمنشآت الرياضية، فقد أخضعها المشرع القطري لذات الحماية التي تخضع لها باقي المرافق العام في الدولة، حيث يجرم المشرع القطري في المادة 237 من قانون العقوبات كل تخريب أو إتلاف أو ضرار بالآلات والأجهزة والأنابيب الخاصة بالمرافق العامة إذا كان من شأن ذلك تعطيل المرفق، أو جعله غير صالح، أو قلل صلاحيته للاستعمال.111
وبالنسبة لجرائم السب والهتاف بألفاظ غير أخلاقية في الملاعب الرياضية، فيمكن استيعابها من خلال ما اشتملت عليه نصوص قانون العقوبات القطري من نصوص لتجريم أفعال السب112 والقذف113 والنشر بإحدى طرق العلانية لأخبار أو صور أو تعليقات متصلة بأسرار الحياة الخاصة أو العائلية للأفراد ولو كانت صحيحة.114 كما يمكن لوزير الداخلية بناء على المادة رقم 1 من القانون رقم 17 لسنة 2002 بشأن حماية المجتمع مواجهة جرائم السب والهتاف بألفاظ غير أخلاقية، حيث تخوله هذه المادة في الجرائم المتعلقة بأمن الدولة أو الواقعة على العرض أو المخلة بالحياء أو الآداب العامة سلطة التحفظ على المتهم، إذا ثبت أن هناك مبررات قوية تقتضي ذلك، بناءً على تقرير بالواقعة يرفعه مدير عام الأمن العام.115
وفيما يتعلق بمدى فاعلية نصوص قانون العقوبات في مواجهة حالات السكر أو حيازة المسكرات في الملاعب الرياضية، فإن قانون العقوبات القطري قد تضمن النصوص اللازمة لمواجهة هذه الأفعال، حيث تنص المادة 270 منه على معاقبة كل من تعاطى خمرًا، أو شرابًا مسكرًا، في مكان عام أو هيّأ أو أعَّد محلًا، أو منزلًا، لتعاطي الخمر، أو المسكرات، وكذلك كل من وُجِدَ في حالة سكر بالطريق العام، وكل من أقلق الراحة بسبب سكره بالحبس مدة لا تجاوز ستة أشهر، وبالغرامة التي لا تزيد على ثلاثة آلاف ريال، أو بإحدى هاتين العقوبتين.116
وأما بخصوص استخدام الألعاب النارية أو الشماريخ، فإن النص الوحيد الذي يمكن الارتكان إليه في قانون العقوبات هو نص المادة 396، والذي ينص على معاقبة كل من يلهب بغير إذن ألعابًا نارية، أو نحوها، في الأماكن التي يمكن أن ينشأ عن إلهابها إتلاف أو أخطار بعقوبة الغرامة التي لا تزيد عن 1000 ريال.117
الفرع الثاني
تقييم السياسة الجنائية القطرية لمكافحة ظاهرة شغب الملاعب
بعد تناول السياسة الجنائية القطرية لمكافحة ظاهرة شغب الملاعب، يتبين لنا أن النصوص العامة في التجريم والعقاب بقانون العقوبات القطري وإن استوعبت البعض من جرائم الشغب في الملاعب الرياضية، إلا أنها تعجز عن استيعاب كثير من أنماط الشغب والعنف داخل الملاعب الرياضية.
فعلي سبيل المثال، لا يعد اقتحام أو محاولة اقتحام الملاعب الرياضية دون وجه حق – على حد تعبير بعض فقه القانون الجنائي - من الأفعال المعاقب عليها في القانون القطري، حيث لا يرد لهذا الفعل أي عقوبة أو توصيف في قانون العقوبات القطري.118
كما يصعب تطبيق نص المادة 139 من القانون الخاص بتجريم حالات التجمهر على حالات اقتحام الملاعب، ذلك أن المادة 139 تشترط لانطباقها وجود قصد جنائي خاص، ألا وهو أن يكون التجمع بغرض ارتكاب جريمة أو بغرض الإخلال بالأمن العام، وبناء عليه فإنه لا يمكن تطبيق هذا النص في الأحوال التي يكون فيها الغرض من اقتحام الملعب هو الاحتفال بالفوز، أو تهنئة اللاعبين، أو الاعتراض على التحكيم. 119
وكذلك يفتقر قانون العقوبات القطري إلى نصوص خاصة بتجريم حيازة واستخدام الشماريخ، والألعاب النارية، وأجهزة الليزر التي يستخدمها الجمهور أحيانًا في تشتيت اللاعبين.
وبالمثل يخلو قانون العقوبات القطري من أية نصوص لتجريم هتافات الجماهير المحرضة على الكراهية أو التمييز العنصري بسبب الأصل أو الجنس، أو التوجه الجنسي أو الهوية الجنسية أو بسبب الانتماء الحقيقي أو الظاهري، لعرق، أو ثقافة، أو أمة، أو ديانة بعينها.
أيضًا يفتقر القانون القطري لأية عقوبات تكميلية تتلاءم مع جرائم الشغب والعنف في الملاعب الرياضية، كتلك التي يتضمنها القانون الفرنسي، كعقوبة المنع القضائي من دخول الملاعب، وتلك المتعلقة بضرورة الاستجابة لأية استدعاءات من قبل السلطة المختصة خلال أوقات الفعاليات الرياضية.
من ناحية أخرى، فإننا نتفق مع فقه القانون الجنائي القائل بصعوبة تأويل وتفسير النصوص العقابية العامة لاستيعاب جميع السلوكيات الإجرامية المرتبطة بشغب الملاعب خشية الإخلال بمقتضيات مبدأ الشرعية الجنائية. 120
وبناء عليه، وفي ضوء الطابع العدواني والعنيف الذي تتميز به جرائم شغب الملاعب، فإننا نحث المشرع القطري على سرعة التدخل بتعديل السياسة العقابية القطرية السائدة في مواجهة ظاهرة شغب الملاعب وذلك من خلال تبني تشريع رياضي جنائي لتجريم كافة صور وأنماط الشغب في الفعاليات الرياضية أو بمناسبتها، مع تغليظ العقوبات المقررة لكافة هذه الجرائم حفاظًا على النظام العام ومنع كل ما من شأنه تهديد أرواح الأشخاص وممتلكاتهم أو المساس بسلاماتها.
عنينا في هذا البحث بدراسة مدى كفاية وفعالية التنظيم القانوني القطري الحالي في تأمين الفعاليات الرياضية ضد مخاطر شغب الملاعب، وذلك من خلال دراسة وتحليل التدابير الوقائية والعقابية التي تبنتها التشريعات القطرية لتأمين الفعاليات الرياضية، ومن ثم مقارنتها ومقاربتها مع الحلول والتدابير التي تبنتها تشريعات الرياضة المتخصصة في دولة فرنسا، حيث شهدت هذه التشريعات الأخيرة تطورًا ملحوظًا في الآونة الأخيرة.
وقد خلصنا من خلال هذه التوصيات إلى عدد من النتائج والتوصيات، نجملها فيما يلي:
أوَّلًا، النتائج:
ثانيًا، التوصيات:
1- نقترح على المشرع القطري من أجل الحفاظ على المكانة التي وصلت إليها دولة قطر في الأوساط والمحافل الرياضية الدولية، وتأمين ما يدور على أراضيها من فعاليات وأحداث عالمية، أن يعيد النظر في السياسات المعتمدة على الضبط الإداري العام وحده في مواجهة جرائم شغب الملاعب، وأن يتبنَّى من خلال تشريعات خاصة، تدابير وقائية، تتلاءم مع طبيعة النشاط الرياضي للوقاية من مخاطر شغب الملاعب.
2- نوصي في هذا المقام المشرع القطري بتبني تدابير الضبط الإداري الخاص التي أقرها المشرع الفرنسي، والمتمثلة في المنع الإداري من دخول الملاعب الرياضية، وحظر تنقل المشجعين أو سفرهم، وحل جمعيات وروابط المشجعين أو إيقاف أنشطتها.
3- نوصي المشرع القطري في حالة اعتماد هذه التدابير بضرورة إحاطتها بالضمانات والشروط القانونية الكافية لضمان انطباقها في إطار من المشروعية.
4- نوصي المشرع القطري بسرعة التدخل بتعديل السياسة العقابية القطرية السائدة في مواجهة ظاهرة شغب الملاعب، وذلك من خلال تبني تشريع رياضي جنائي لتجريم كافة صور وأنماط الشغب في الفعاليات الرياضية أو بمناسبتها، مع تغليظ العقوبات المقررة لكافة هذه الجرائم.
5- من الأفعال أو السلوكيات التي نقترح على المشرع القطري تجريمها جريمة اقتحام الملاعب الرياضية، وجريمة حيازة واستخدام الشماريخ، والألعاب النارية، وأجهزة الليزر التي يستخدمها الجمهور أحيانًا في تشتيت اللاعبين، وتجريم هتافات الجماهير المحرضة على الكراهية أو التمييز العنصري بسبب الأصل أو الجنس، أو التوجه الجنسي أو الهوية الجنسية أو بسبب الانتماء الحقيقي أو الظاهري، لعرق، أو ثقافة، أو أمة، أو ديانة بعينها.
6- نقترح على المشرع القطري أخيرًا، عند تحديث السياسة الجنائية لمواجهة ظاهرة شغب الملاعب، عدم الاكتفاء بالعقوبات الأصلية فحسب، وإنما إضافة عقوبات تكميلية تتلاءم مع طبيعة النشاط الرياضي وظاهرة الشغب في الملاعب، كعقوبة المنع القضائي من دخول الملاعب، وتلك المتعلقة بضرورة الاستجابة لأية استدعاءات من قبل السلطة المختصة خلال أوقات الفعاليات الرياضية.
أولا: الكتب:
دكتور حسن كيرة، المدخل إلى القانون، منشأة المعارف، الإسكندرية، 1974،
دكتور سليمان مرقص، المدخل للعلوم القانونية، دار النشر للجامعات، 1952.
دكتور عبد الغني بسيوني، القانون الإداري، منشأة المعارف، الإسكندرية، 2005.
دكتور عيد أحمد الغفلول، فكرة النظام العام الدستوري وأثرها في تحديد نطاق الدعوى الدستورية، دراسة مقارنة، دار النهضة العربية، 2006.
دكتور محمد رفعت عبد الوهاب، القانون الإداري، دار الجامعة الجديدة، الإسكندرية، 2018.
دكتور محمد فوزي نويجي، الجوانب النظرية والعملية للضبط الإداري – دراسة مقارنة، دار الفكر والقانون، 2016.
ثانيًا، المقالات والأبحاث القانونية:
دكتور سليمان الطماوي، الضبط الإداري – دراسة مقارنة، مجلة الأمن والقانون، أكاديمية شرطة دبي، مجلد 1، عدد 1، 1993.
دكتور فريجات إسماعيل، الضبط الإداري البيئي المحلي، دفاتر السياسة والقانون، جامعة قصدي مرباح ورقلة – كلية الحقوق والعلوم السياسية، 2021.
دكتور محسن محمد العبودي، التعامل مع شغب الملاعب الرياضية، ندوة أمن الملاعب الرياضية، أكاديمية نايف للعلوم الأمنية، 2000.
محمد المبطول، الإجرام الرياضي في التشريع المغربي، مجلة المنار للدراسات القانونية والاقتصادية، عدد خاص، غشت (أغسطس) 2020.
محمد خير على مامسر، دراسة تحليلية لظاهرة شغب الملاعب الرياضية في الوطن العربي، مجلة دراسات، المجلد الثاني عشر، العدد الحادي عشر، الجامعة الأردنية، عمان، 1985.
محمد سركوح، نظرة حول ظاهرة الشغب في الملاعب الرياضية، مجلة القانون والأعمال، جامعة الحسن الأول، كلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية، مختبر البحث قانون الأعمال، العدد الثاني، 2016.
دكتور ياسر اللمعي، المكافحة الجنائية لظاهرة شغب الملاعب الرياضية: دراسة مقارنة تحليلية، مجلة كلية الحقوق للبحوث القانونية والاقتصادية، كلية الحقوق جامعة الإسكندرية، العدد الأول، 2016.
المراجع باللغة الفرنسية:
Ouvrages:
Articles:
أستاذ مساعد بقسم القانون العام، كلية القانون، جامعة قطر.
Views
Downloads
Citations
Authors
Issue
Year