This study examines the procedural organization of litigation before the Qatari Investment and Trade Court, compared to the Egyptian economic courts, through a comparative analytical approach, during which we dealt with the formation of the court and its jurisdiction, then the electronic litigation procedures before it, then the rulings issued and the methods of appealing and implementing them.
This study showed the importance of these courts in attracting investment and achieving development goals, through what they are based on complete justice, in these disputes that are based on speed, credit and trust, and that require special judicial expertise, facilitated procedures, and short deadlines for adjudication.
أصبح الاستثمار من أهم الدعامات الأساسية التي تعتمد عليها الدول في النشاط الاقتصادي؛ لما يمثله من زيادة في الثروات، إلى جانب الطاقة الإنتاجية؛ إذ لم يعد دوره قاصرًا على مجرد المُساهمة في إيجاد قاعدة إنتاجية في البلد المستثمر فيه؛ بل بات ذا دور ملحوظ في إيجاد فرص التشغيل والحد من البطالة، والمُساهمة في إيجاد حلول لأزمة السكن وغيرها من خلال نشاط التعمير، فضلًا عن توفير السلع والخدمات، بما يدفع حركة التجارة ويشجع الصادرات، ويصبُّ في تدفق النقد الأجنبي إلى الوطن، والذي يُعاد استثماره في مشروعات قائمة أو مستحدثة.
غير أنه لوحظ في الآونة الأخيرة إحجام كثير من المستثمرين عن استثمار ثرواتهم في دول معينة أو قطاعات محددة، نتيجة لغياب الرؤية القانونية الواضحة التي تكفل لهم ضمان حقوقهم والحفاظ على استثماراتهم، ولعدم اطمئنان المستثمر إلى وجود قضاء فعَّال ومستقل وعادل ومتخصص، يطبق الأحكام القانونية التي تكفل له هذا الأمان في استثمار أمواله؛ فالمستثمر لا يُغامر أبدًا باستثمار أمواله في دولة من الدول؛ إلَّا إذا كان في مأمن من الشطط وسوء الفهم، عبر قضاء عادل متخصص يضمن حماية حقوقه، عبر أحكام قضائية ناجزة تتمتع بالفعالية وسرعة التنفيذ.
ومن هنا اتجهت الدول إلى سن التشريعات التي تكفل حماية النشاط الاستثماري والتجاري، وتجعل المستثمر في مأمن من الإضرار بأمواله واستثماراته، وهي خطوة مهمة وإيجابية في تشجيع الاستثمار وزيادة النشاط التجاري؛ غير أن القانون لا يكفي وحده لتحقيق هذه الحماية، لو لم تكن هناك سلطة قضائية قائمة على حمايته وتطبيقه على أفضل ما يكون، عبر قضاء متخصص؛ في وقت لم يعد دور القضاء فيه منحصرًا في حسم المنازعات بين طرفين على حق متنازع عليه؛ وإنما أصبح يؤدي دورًا مهمًّا في تحقيق التنمية الشاملة وترسيخ دولة الحق والقانون.
ولقد كانت (الشقيقتان) مصر، وقطر، من الدول التي تنبهت لهذه الحقيقة، وحرصت على تطبيقها وتفعيلها، فعمدت الدولتان في مجال حماية الاستثمار إلى إصدار جملة من التشريعات التي تحقق هذا الهدف، ثم اتخذتا خطوة أكثر وضوحًا من خلال إنشاء قضاء متخصص يقوم على فض المنازعات الاستثمارية والتجارية والاقتصادية، عبر آليات إجرائية ومواعيد تتفق مع طبيعة هذه المنازعات وتحقق متطلبات الخصوم فيها؛ فبادر المشرع المصري بإصدار القانون رقم 120 لسنة 2008 بإنشاء المحاكم الاقتصادية، ثم عمد إلى تعديله بمقتضى القانون رقم 146 لسنة 2019، متخذًا مسلكًا يتفق ومقتضيات العصر التكنولوجي بالتحول نحو نظم التقاضي الإلكتروني، ثم لحق به نظيره القطري في خطوة مهمة طال انتظارها، ليصدر القانون رقم 21 لسنة 2021 بإنشاء محكمة الاستثمار والتجارة، لينشأ بذلك قضاءٌ متخصصٌ مُلِمٌّ بأدوات الحسم الناجز والعادل للمنازعات الاستثمارية والتجارية.
"ذلك أن القضاء ـــ كغيره من العوامل الأخرى ـــ معنِيٌّ بالتحولات الاقتصادية والاجتماعية التي نراها بارزة في هذا الزمن، بل إن دوره في المجتمع والدولة يجعله في الواجهة أمام تحديات المستقبل. فالتطور الاقتصادي الذي شهده العالم ومع ازدياد عدد الشركات العاملة للاستثمار ظهرت معاملات تجارية لم تكن موجودة من قبل، وتقتضي من القاضي الإلمام بها ودراسة أحكامها دراسة متعمقة حتى يتمكن من تكييفها التكييف الصحيح. وبما أن القاعدة تنص على أن الحكم على الشيء فرع من تصوره، فلا يمكن للقاضي أن يحكم في القضايا التجارية إلَّا إذا عرفها وأدرك أبعادها وتصورها حق التصور، ومن هنا برزت الحاجة إلى وجود قضاء متخصص يُلِمُّ القاضي فيه بجميع أحكام المعاملات التجارية القديمة منها والحديثة، لكي يفصل فيها بكل دقة وسرعة. ولا شك أن القاضي الذي يصرف جُلَّ اهتمامه علمًا وعملًا في تخصص معين يُعدُّ متجهًا نحو الإتقان والإبداع في العمل القضائي، والشيء نفسه يُذكر بالنسبة لسائر المشتغلين في الحقل القانوني. إضافةً إلى ما ذكر، فإننا نعتقد بأن وجود قضاء تجاري متخصص يضمن للشركات والتجار الحصول على حقوقهم على وجه السرعة كما تقتضي ذلك طبيعة الأعمال التجارية، سوف يكون عاملًا منافسًا لوسيلة التحكيم التجاري التي أصبحت وسيلة شائعة جدًّا في حل المنازعات التجارية")1(.
ومن التجارب الرائدة في مجال القضاء التجاري المتخصص: المحاكم التجارية الفرنسية، والتي عرَّفها قانون التجارة الفرنسي بأنها قضاء من الدرجة الأولى مكون من قضاة منتخبين ومن كاتب للمحكمة، وأن اختصاصها محدد في قانون التجارة والقواعد الخاصة الأخرى، وأن هذه القواعد خاضعة للنصوص الناظمة لجميع الهيئات القضائية والواردة في قانون السلطة القضائية)2(. ومن هذه التجارب أيضًا المحاكم التجارية المغربية، والتي استحدثها المشرع المغربي بالقانون رقم 95-53 بتاريخ 21/2/1997م، وتتكون هذه المحاكم من محاكم تجارية (ابتدائية) ومحاكم استئناف، وتصدر أحكامها من هيئة مؤلفة من ثلاثة قضاة، وكاتب للضبط. ولا شك أن مثل هذا القضاء المتخصص يكسب القضاء التجاري مرونة في التعامل مع القضايا التجارية المختلفة، نظرًا لما يتمتع به قضاتها من خبرة ومعرفة في هذا المجال.
إشكالية البحث:
تكمن في الوقوف على التنظيم الإجرائي للتقاضي أمام محكمة الاستثمار والتجارة القطرية، مقارنة بالمحاكم الاقتصادية المصرية، لبيان الإجراءات والمواعيد والأحكام المقررة للتقاضي في المنازعات أمام هذه المحكمة، ومدى كفاية هذه الإجراءات في تحقيق الحماية القضائية الناجزة، المطلوبة في هذا النوع من الدعاوى التي تقوم على السرعة والائتمان، وتعتمد على ثقة المستثمرين في قضاء الدولة ودوره في حماية النشاط الاستثماري والتجاري.
أهمية البحث:
تتمثل فضلًا عن أهمية موضوعه، في كونه دراسة متخصصة في أحد القوانين الإجرائية الحديثة التي لم يتم تطبيقها بعد، والتي تتناول بالتنظيم بيان الإجراءات المتبعة أمام محكمة من المحاكم المهمة جدًّا ليس في المجال القضائي فقط؛ وإنما في المجال الاستثماري والاقتصادي كذلك، وبما لذلك من مردود إيجابي على كثير من المجالات والأنشطة في المجتمع.
أهداف البحث:
يهدف البحث إلى الوقوف على الأحكام والقواعد الإجرائية المقررة في القانون القطري رقم 21 لسنة 2021 للتقاضي أمام محكمة الاستثمار والتجارة، وذلك مقارنة بالتنظيم الإجرائي للتقاضي أمام المحاكم الاقتصادية المصرية، لبيان مدى كفاية هذه القواعد لحسم المنازعات أمام هذه المحاكم على الوجه الذي قصده المشرع، وما توجبه طبيعة المنازعات التي تختص بها هذه المحاكم.
منهج البحث:
اتبعنا في هذه الدراسة المنهج التحليلي، للوقوف على الأحكام والقواعد المقررة في القوانين محل الدراسة، ثم المنهج المقارن للمقارنة بين التنظيم الإجرائي في القانونين المصري والقطري، للفصل في منازعات الاستثمار والتجارة والمنازعات الاقتصادية. وإذا كانت القواعد الصحيحة للمقارنة تقتضي البدء بالقانون الأقدم زمنيًّا؛ إلَّا أننا غايرنا ذلك لسببين؛ أولهما: أن هذه الدراسة في الأساس دراسة في القانون القطري 21 لسنة 2021، وثانيهما: حداثة هذا القانون وحاجته إلى مزيد من الشرح والتحليل.
خطة البحث:
عالج البحث موضوعه في مقدمة، وثلاثة مباحث؛ الأول: في تشكيل واختصاصات محكمة الاستثمار والتجارة والمحاكم الاقتصادية، والثاني في: إجراءات التقاضي إلكترونيًّا أمام محكمة الاستثمار والمحاكم الاقتصادية، أما الثالث، فتناولنا فيه: الأحكام وطرق الطعن فيها وتنفيذها.
تشكيل واختصاصات محكمة الاستثمار والتجارة والمحاكم الاقتصادية
تُشكل محكمة الاستثمار والتجارة القطرية، والمحاكم الاقتصادية المصرية، من دوائر ابتدائية وأخرى استئنافية، ولكل منها اختصاص حدَّده المشرع، وفضلًا عن ذلك؛ فإن المشرع أسند إلى قاضٍ فرد مهمة الفصل في المسائل المستعجلة التي يُخشى عليها من فوات الوقت، ونبين ذلك في مطلبين:
المطلب الأول
تشكيل محكمة الاستثمار والتجارة والمحاكم الاقتصادية
حرص المشرع القطري في القانون رقم 21 لسنة 2021م)3(، على بيان تشكيل محكمة الاستثمار والتجارة بصورة واضحة، ونظم أحكام هذا التشكيل على نحو منضبط، وكان ذلك موضع اهتمام منه؛ وذلك لأن النظام القضائي المتخصص، دائمًا ما يكون له دور بارز في تطوير وتنمية الاقتصاد)4(. وقد جاء تشكيل محكمة الاستثمار والتجارة على النحو الآتي:
أولًا: مقر المحكمة ورئاستها وهيكلها الإداري:
نص القانون على أن يكون للمحكمة مقرٌّ مستقل بها عن غيرها من المحاكم الأخرى في الدولة، ولا شك أن ذلك يؤدي إلى تيسير عمل القضاة والمتقاضين، ويُؤدي إلى تيسير ولوج باب قضاء الاستثمار والتجارة؛ باعتباره قضاء متخصصًا، كما أوجب القانون أن يكون لمحكمة الاستثمار والتجارة مُوازنة خاصة بها مستقلة عن موازنة المحاكم الأخرى، ويتولى رئيس المحكمة الإشراف على إعداد هذه الموازنة وعلى أوجه إنفاقها، على أن تعتمد هذه الموازنة من المجلس الأعلى للقضاء)5(.
اعتمد القانون في تحديده لرئاسة المحكمة على فكرة الندب من المحاكم الأخرى، ومن درجة قضائية معينة فما فوقها، بحيث لا يجوز الندب إلَّا من الدرجة التي نص عليها المشرع أو درجة أعلى منها؛ حيث نصَّ على أن يُندب لرئاسة المحكمة قاضٍ لا تقل درجته عن "نائب رئيس بمحكمة الاستئناف"، ويكون ندبه بقرار من المجلس الأعلى للقضاء، بناء على اقتراح من رئيس المجلس، على أن يكون رئيس محكمة الاستثمار والتجارة عضوًا بالمجلس الأعلى للقضاء)6(.
ولا شك أن تحديد درجة رئيس المحكمة على هذا النحو جاء موفَّقًا ومتَّفِقًا مع أحكام قانون السلطة القضائية، وطبيعة دوائر المحكمة؛ حيث تضم دوائر ابتدائية وأخرى استئنافية على النحو الذي سيأتي بيانه، فضلًا عن أهمية الدعاوى التي تختص بها هذه المحكمة. ويكون لرئيس المحكمة نائبًا أو أكثر، لا تقل درجة أيًّا منهم عن "نائب رئيس بمحكمة الاستئناف"، ويختار نائب الرئيس - أو نوابه- بناء على اقتراح من رئيس المحكمة، يُعرض على المجلس الأعلى للقضاء لإصدار قرار بالندب، ويحدد اختصاصاته والأعمال المكلف بها رئيس المحكمة، وفي حال غياب الرئيس أو خلو منصبه، يحل النائب محله)7(.
كما أوجب القانون أن يكون للمحكمة هيكل تنظيمي إداري، بناء على اقتراح من رئيسها، ويصدر بتحديد هذا الهيكل قرار من رئيس المجلس الأعلى للقضاء، على أن يتولى إدارة الجهاز الإداري للمحكمة مدير إداري، يصدر بتعيينه قرار من رئيس المجلس الأعلى للقضاء، ويلحق بالمحكمة عدد من الموظفين الإداريين والكتبة والمترجمين، يكفي للقيام بأعباء الوظائف الإدارية بالمحكمة، ويتولى رئيس المحكمة مُهمَّة تحديد وتوزيع الأعمال المكلف بها كل منهم، وذلك بقرار إداري يُصدره لهذا الغرض)8(.
موقف المشرع المصري في تحديد رئاسة المحكمة الاقتصادية وهيكلها الإداري:
أنشأ المشرع المصري المحاكم الاقتصادية بالقانون رقم 120 لسنة 2008م، ونصَّ في مادته الأولى على أن تنشأ بدائرة اختصاص كل محكمة استئناف؛ محكمة تُسمى "المحكمة الاقتصادية"، وقد اتفق موقف المشرعان المصري والقطري في الاعتراف بأهمية الدعاوى التي تنظرها هذه المحاكم المتخصصة في منازعات الاستثمار والتجارة، ومن ثم إسناد رئاسة هذه المحاكم إلى قُضاة ذات خبرة خاصة في المجال القضائي، غير أن المشرع المصري أسند رئاسة كل محكمة من هذه المحاكم (الاقتصادية) إلى قاضٍ بدرجة "رئيس بمحكمة الاستئناف"، يندب بقرار من وزير العدل بعد موافقة مجلس القضاء الأعلى، ويكون ندبه لمدة سنة قابلة للتجديد)9(.
ويبدو اختلاف موقف المشرعين في أربعة أمور؛ أولها: أن الدرجة التي أوجبها القانون لتولي رئاسة المحكمة في القانون المصري هي "رئيس بمحكمة الاستئناف"، بينما في القانون القطري "نائب رئيس بمحكمة الاستئناف". وثانيها: أن المشرع المصري حدد مدة ندب رئيس المحكمة بـ "سنة" قابلة للتجديد، في حين لم يحدد النص القطري مدة للندب. وثالثها: أن ندب رئيس المحكمة وفقًا للقانون المصري يكون بقرار من وزير العدل بعد موافقة مجلس القضاء الأعلى، أما في القانون القطري؛ فإن ندب رئيس المحكمة يكون بقرار من المجلس الأعلى للقضاء بناء على اقتراح من رئيس المجلس. ورابعها: أن القانون المصري خلا من النص على ما يتعلق بنائب (أو نواب) رئيس المحكمة، سواء من حيث ندبه أو اختصاصه)10(.
وقد عُنِي المشرع القطري بالنص على تحديد الهيكل التنظيمي الإداري للمحكمة، في حين خلا القانون المصري من مثل هذا النص، ومن ثم يُعمل بالقواعد العامة المقررة في قانون السلطة القضائية المصري)11(.
ثانيًا: دوائر محكمة الاستثمار والتجارة وتشكيلها:
كان المشرع القطري موفَّقًا وصائبًا في تحديده لدوائر محكمة الاستثمار والتجارة، وفي تشكيل هذه الدوائر؛ إذ اختار لذلك تحديدًا وتشكيلًا يتفق مع أهمية الدعاوى التي تنظرها هذه المحكمة، وقد عمد في ذلك على أن تتولى المحكمة الفصل في المنازعات التي تُطرح عليها والتي تختص بها، فصلًا نهائيًّا لا يتوقف على حكم محكمة أعلى – باستثناء حالات الطعن بالتمييز - بأن جعل الاختصاص بنظر الدعوى في درجتيها - الأولى (الابتدائية)، والثانية (المستأنفة) - منعقدًا لذات المحكمة، ومن ثم أوجب أن تتألف دوائر المحكمة من نوعين من الدوائر، الأولى ابتدائية، والثانية استئنافية.
وهي تُمثل درجة التقاضي الأولى بالمحكمة، وقد أخذ المشرع في تشكيلها (كقاعدة عامة) بمبدأ تعدد القضاة)12(، فأوجب أن تُشكل كل دائرة من الدوائر الابتدائية من ثلاثة قضاة، وهؤلاء يتم اختيارهم من بين قضاة المحكمة الابتدائية (وفقًا لما نصت عليه المادة الرابعة من قانون محكمة الاستثمار والتجارة)، ويصدر بتوزيعهم على الدوائر قرار من رئيس المحكمة بناء على اقتراح الجمعية العامة للمحكمة.
وفي شأن رئاسة كل دائرة من الدوائر الابتدائية، نجد أن المشرع سلك مسلكين؛ أولهما: نصه على أن يتولى رئاسة الدائرة أقدم قضاتها، وثانيهما: أنه أجاز للمجلس الأعلى للقضاء أن يندب من يراه من قضاة محكمة الاستئناف، ليتولى رئاسة إحدى الدوائر الابتدائية بمحكمة الاستثمار والتجارة، وذلك لمدة سنة، وهي مدة قابلة للتجديد بدون تحديد مُعيَّن؛ حيث يُجيز القانون تجديدها لمدة أخرى (وهي سنة)، أو لمدد أخرى مماثلة)13(.
هذا وتجدر الإشارة إلى أن المشرع أجاز بمقتضى المادة الثامنة من القانون، إنشاء دائرة ابتدائية أو أكثر، مُشكَّلة من قاضٍ فرد، وذلك للفصل في دعاوى ومنازعات محددة وَرَدَ النص عليها في المادة المُشار إليها، وسيأتي بيان ذلك عند حديثنا عن الاختصاص القضائي للدوائر الابتدائية.
لم تكن محكمة الاستثمار والتجارة لتحقق الهدف الأساسي الذي أُنشئت من أجله في دعم وتشجيع الاستثمار وتحقيق أهداف التنمية المستدامة، لو لم يكن حق الطعن في أحكام الدوائر الابتدائية مُتاحًا أمام نفس المحكمة باعتبارها محكمة متخصصة ومن خلال دائرة أعلى؛ بحيث يكون للمحكمة سُلطة الفصل في النزاع في درجتيه (الأولى والثانية)؛ فتكون أحكامها بذلك نهائية قابلة للتنفيذ.
وحسنا فعل المشرع القطري حين أنشأ الدوائر الاستئنافية بالمحكمة، وهي دوائر تشكل من ثلاثة قضاة - كما هو مقرر في الدوائر الابتدائية - ولكن من قضاة محكمة الاستئناف، يختارهم المجلس الأعلى للقضاء، ويصدر بتوزيعهم على الدوائر قرار من رئيس المحكمة بناء على اقتراح من جمعيتها العامة)14(.
وقد اتبع المشرع في تحديد رئيس كل دائرة من الدوائر الاستئنافية منهجين؛ الأول: إسناد رئاسة الدائرة إلى أقدم قاضٍ بها، والثاني: أعطى بمقتضاه للمجلس الأعلى للقضاء حق ندب من يراه من قضاة التمييز لرئاسة إحدى الدوائر الاستئنافية بالمحكمة، على أن يكون الندب لمدة سنة، وهي أيضًا مدة قابلة للتجديد لمدة مماثلة أو لمدد أخرى مماثلة بدون تحديد)15(.
ولا شك أن هذا اتجاه محمود للمشرع في اختيار أعضاء الدائرة وفي إسناد رئاستها، يتفق مع طبيعة وأهمية الدعاوى المستأنفة التي تنظرها الدوائر الاستئنافية بمحكمة الاستثمار والتجارة.
موقف المشرع المصري في تحديد دوائر المحكمة الاقتصادية وتشكيلها:
جاء موقف المشرع القطري في تحديد وتشكيل دوائر محكمة الاستثمار والتجارة، مُتَّفِقًا – نسبيًّا - مع ما قرره المشرع المصري في قانون المحاكم الاقتصادية؛ حيث نص الأخير على أن تشكل المحكمة الاقتصادية من دوائر ابتدائية ودوائر استئنافية، وعلى أن تشكل كل دائرة من الدوائر من ثلاثة قضاة.
غير أن المشرع المصري أوجب أن يكون قضاة الدوائر الابتدائية بدرجة "رئيس بالمحاكم الابتدائية"، وأن يكون قضاة الدوائر الاستئنافية من قضاة محاكم الاستئناف، أحدهم على الأقل بدرجة "رئيس محكمة الاستئناف")16(. ولم يتعرض قانون المحاكم الاقتصادية المصري لتحديد رئيس كل دائرة من الدوائر الابتدائية أو الاستئنافية، كما فعل المشرع القطري، ومن ثم يُعمل في هذا الشأن بما هو مقرر في قانون السلطة القضائية المصري، رقم 46 لسنة 1972م.
ثالثًا: الجمعية العامة لمحكمة الاستثمار والتجارة:
إعمالًا لِما نصت عليه المادة (17) من قانون السلطة القضائية القطري)17(؛ والتي أوجبت أن يكون لكل محكمة جمعية عامة؛ فإن المشرع القطري نص على أن يكون لمحكمة الاستثمار والتجارة جمعية عامة، يسري بشأن تشكيلها، والإجراءات المتبعة أمامها، والاختصاصات الممنوحة لها، والقرارات التي تُصدرها، الأحكام ذاتها المقررة للجمعيات العامة للمحاكم والمنصوص عليها في قانون السلطة القضائية)18(.
وتطبيقًا لما نص عليه قانون السلطة القضائية؛ فإن الجمعية العامة لمحكمة الاستثمار والتجارة تُؤلَّف من جميع أعضائها، ويرأسها رئيس المحكمة، ولا يكون انعقادها صحيحًا (بحسب الأصل) إلَّا بحضور أكثر من نصف عدد أعضائها، وتجتمع الجمعية بدعوة من رئيس المحكمة أو من يقوم مقامه؛ سواء من تلقاء نفسه أو بناء على طلب ثلث عدد أعضائها على الأقل، للنظر في تشكيل الدوائر، وتوزيع القضايا المختلفة عليها، وتحديد عدد الجلسات ومواعيدها، وتنظيم العمل خلال الجلسات، والإجازة السنوية، والمسائل الأخرى التي ينص عليها القانون أو تسند إلى الجمعية العامة لمحكمة الاستثمار بقرار من المجلس الأعلى للقضاء، وتُصدر الجمعية قراراتها بأغلبية أصوات الأعضاء الحاضرين، وعند تساوي الأصوات يُرجَّح الجانب الذي منه الرئيس. وفضلًا عن ذلك فإن للجمعية العامة لمحكمة الاستثمار والتجارة – شأن باقي الجمعيات العامة للمحاكم الأخرى - أن تُفوِّض رئيسها في بعض اختصاصاته)19(.
ولم ينص المشرع المصري على الجمعية العامة للمحكمة الاقتصادية، سوى في صدر نص المادة (3) من القانون رقم 120 لسنة 2008م، في معرض حديثه عن تعيين قاضي الأمور المستعجلة بالمحكمة. ومن ثم يسري بشأن الجمعية العامة للمحكمة الاقتصادية القواعد المقررة في المواد (30-37) من قانون السلطة القضائية المصري.
المطلب الثاني
الاختصاص القضائي لمحكمة الاستثمار والتجارة والمحاكم الاقتصادية
نتناول في هذا المطلب، الاختصاص القضائي بنظر المنازعات الموضوعية (فرع أول)، ثم الاختصاص القضائي بنظر المسائل المستعجلة (فرع ثانٍ).
الفرع الأول
الاختصاص بالمنازعات الموضوعية
توسَّع المشرع المصري في عقد الاختصاص القضائي للمحاكم الاقتصادية، وذلك بموجب ما أدخله من تعديلات على قانون إنشائها بالقانون رقم 146 لسنة 2019م، في حين قصر المشرع القطري اختصاص محكمة الاستثمار والتجارة على المنازعات ذات الطابع الاستثماري أو التجاري، ونبين أولًا الاختصاص القضائي لمحكمة الاستثمار والتجارة القطرية، ثم نتبع ذلك بالحديث عن الاختصاص القضائي للمحاكم الاقتصادية المصرية، وذلك على النحو الآتي:
أولًا: الاختصاص النوعي لمحكمة الاستثمار والتجارة:
عمد المشرع القطري إلى تحديد هذا الاختصاص بالنظر إلى نوع المنازعة ومدى اعتبارها متعلقة بالاستثمار أو التجارة، ووفقًا لذلك نجده جمع المسائل المتعلقة بنشاط الاستثمار والتجارة وأناط بهذه المحكمة سلطة الفصل فيها)20(. هذا من ناحية، ومن ناحية ثانية نجده اتبع منهجًا موحدًّا في شأن توزيع هذه الدعاوى على دوائر المحكمة، متبعًا في ذلك معيار طبيعة الدعوى، والذي قسم بمقتضاه الدعاوى إلى نوعين؛ الأولى دعاوى ابتدائية، وهذه تختص بها الدوائر الابتدائية، والثانية دعاوى مستأنفة، وتختص بها الدوائر الاستئنافية، مخالفًا بذلك منهج المشرع المصري والذي قسَّم الدعاوى باعتبار النصاب القيمي، وأعطى للدوائر الاستئنافية سلطة النظر ابتداء في دعاوى ذات قيمة معينة، على النحو الذي سيأتي بيانه.
استند المشرع القطري في تحديد اختصاص الدوائر الابتدائية (المشكلة من ثلاثة قضاة) بمحكمة الاستثمار والتجارة، إلى معيارين؛ الأول: معيار طبيعة المنازعة، والثاني: معيار نوع المنازعة، وذلك على النحو الآتي:
المعيار الأول: طبيعة المنازعة:
وبناء على هذا المعيار تتحدد طبيعة المنازعة من حيث كونها دعوى ابتدائية أم مستأنفة، ومن ثم ينعقد الاختصاص بها للدوائر الابتدائية بالمحكمة إذا كانت الدعوى ابتدائية؛ فإن لم تكن كذلك؛ بأن كانت مستأنفة، فلا تختص بها الدائرة الابتدائية)21(، وقد نصت على ذلك صراحة المادة السابعة من القانون، بنصها على أنه: "... تختص الدائرة الابتدائية المشكلة من ثلاثة قضاة، دون غيرها بالحكم ابتدائيًّا في الدعاوى والمنازعات التجارية التالية ...")22(.
المعيار الثاني: نوع المنازعة:
ويعتمد هذا المعيار في تحديده لاختصاص الدائرة الابتدائية على نوع المنازعة المطروحة على المحكمة، ومدى كونها من المنازعات التجارية التي نص عليها قانون المحكمة، ذلك أن المادة السابعة من هذا القانون نصت – وعلى سبيل الحصر - على المسائل التي تختص بها الدوائر الابتدائية، وجمعتها بوصف كونها "الدعاوى والمنازعات التجارية"، وهذه المنازعات هي)23(:
10- المنازعات المتعلقة بحماية المنافسة ومنع الممارسات الاحتكارية، ومكافحة الممارسات الضارة بالمنتجات الوطنية في التجارة الدولية.
11- المنازعات المتعلقة بالتجارة الإلكترونية ومعاملاتها.
12- المنازعات المتعلقة بعقود الشراكة بين القطاعين الحكومي والخاص.
فضلًا عن الاختصاص السابق للدوائر الابتدائية؛ فإن المشرع أسند إليها الاختصاص بنظر الطعن في الأحكام الصادرة من قاضي الأمور المستعجلة، وكذلك الفصل في التظلمات المقامة عن الأوامر الصادرة منه، وهنا تُعدُّ الدائرة قضاء ثاني درجة بالنسبة لهذه الطعون أو التظلمات، ويكون الحكم الصادر منها في الطعن أو التظلم نهائيًّا غير قابل للطعن)24(.
قلنا إن المشرع القطري أخذ كقاعدة عامة بمبدأ تعدد القضاة في تشكيل الدوائر الابتدائية للمحكمة، واستثناء أجاز إنشاء دائرة ابتدائية أو أكثر، مشكلة من قاضٍ فرد، وأسند إليها ثلاثة اختصاصات محددة على سبيل الحصر، وهي:
الأول: الفصل في دعاوى معينة، حددها في المادة الثامنة من قانون إنشاء المحكمة، معتمدًا في تحديد اختصاص هذه الدائرة – أو الدوائر- بها على ثلاثة معايير وليس معيارين فقط، وهذه المعايير هي: معيار طبيعة المنازعة، ومعيار نوعها، على النحو السابق الحديث عنه، ومعيار قيمة المنازعة. وبناء على هذا المعيار الأخير (قيمة المنازعة)؛ فإن المشرع قصر اختصاص هذه الدوائر على نظر المنازعات المتعلقة بمسائل الاستثمار والتجارة التي يحددها المجلس الأعلى للقضاء، والتي لا تزيد قيمتها على عشرة ملايين ريال.
الثاني: اختصاص هذه الدوائر بأوامر الأداء: إذ لم يكتف المشرع في تحديد اختصاص هذه الدوائر (الابتدائية المشكلة من قاضٍ فرد) بالمنازعات المشار إليها، وإنما أسند إليها وبصفة أصلية؛ الاختصاص بإصدار أوامر الأداء، أيا كانت قيمتها، أي ولو زادت عن النصاب القيمي المحدد لهذه الدوائر (وهو عشرة ملايين ريال)، وذلك دون حاجة لتكليف المدين أولا بالوفاء قبل استصدار الأمر)25(.
الثالث: عقد لها المشرع الاختصاص بالفصل في التظلمات التي يقدمها ذوو الشأن على أوامر الأداء الصادرة منها.
د- اختصاص الدوائر الاستئنافية بمحكمة الاستثمار والتجارة:
للدوائر الاستئنافية بمحكمة الاستثمار والتجارة، اختصاص استئنافي فقط، حددته المادة العاشرة من القانون، وهو اختصاصها بالفصل في الاستئنافات التي تُرفع إليها بشأن الأحكام والأوامر الصادرة من الدوائر الابتدائية)26(. ووفقا لنص هذه المادة يمكن تحديد اختصاص هذه الدوائر على النحو الآتي:
ثانيًا: الاختصاص النوعي للمحاكم الاقتصادية في مصر:
قلنا إن منهج المشرع القطري في تحديد اختصاص محكمة الاستثمار والتجارة، يختلف عن منهج المشرع المصري في تحديده لاختصاص المحاكم الاقتصادية؛ إذ توسع الأخير بشكل كبير في تحديد اختصاص المحاكم الاقتصادية، وعمد في تحديد هذا الاختصاص بحصره في الدعاوى الناشئة عن تطبيق قوانين محددة؛ فجعل للمحكمة اختصاص جنائي، وآخر غير جنائي، ومنحها سلطة الفصل في الدعاوى الناشئة عن تطبيق هذه القوانين، سواء أكانت الدعوى جنائية أم مدنية أم تجارية)27(، هذا من ناحية، ومن ناحية ثانية وزَّع الدعاوى على الدوائر الابتدائية والاقتصادية وفقًا للاختصاص النوعي والقيمي)28(، ونبين ذلك فيما يلي:
أ- الاختصاص الجنائي للمحاكم الاقتصادية:
وفقًا لنص المادة (4) من القانون رقم 146 لسنة 2019م)29(، والمعدل لقانون إنشاء المحاكم الاقتصادية رقم 120 لسنة 2008، فإنه - ومع عدم الإخلال بما للمحاكم الاقتصادية من اختصاصات مقررة في قوانين أخرى- تختص المحاكم الاقتصادية بدوائرها الابتدائية والاستئنافية، دون غيرها، نوعيًّا ومكانيًّا بنظر الدعاوى الجنائية الناشئة عن الجرائم المنصوص عليها في القوانين الآتية:
قانون العقوبات في شأن جرائم المسكوكات والزيوف المزورة، وقانون الإشراف والرقابة على التأمين في مصر، وقانون شركات المساهمة وشركات التوصية بالأسهم والشركات ذات المسؤولية المحدودة وشركات الشخص الواحد، وقانون سوق رأس المال، وقانون تنظيم نشاطي التأجير التمويلي والتخصيم، وقانون الإيداع والقيد المركزي للأوراق المالية، وقانون التمويل العقاري، وقانون حماية حقوق الملكية الفكرية، وقانون البنك المركزي والجهاز المصرفي والنقد، وقانون الشركات العاملة في مجال تلقي الأموال لاستثمارها، وقانون تنظيم إعادة الهيكلة والصلح الواقي والإفلاس، وقانون حماية الاقتصاد القومي من الآثار الناجمة عن الممارسات الضارة في التجارة الدولية، وقانون حماية المنافسة ومنع المنافسات الاحتكارية، وقانون حماية المستهلك، وقانون تنظيم الاتصالات، وقانون تنظيم التوقيع الإلكتروني وإنشاء هيئة تنمية صناعة تكنولوجيا المعلومات، وقانون مكافحة غسل الأموال، وقانون تنظيم الضمانات المنقولة، وقانون تنظيم نشاط التمويل متناهي الصغر، وقانون الاستثمار، وقانون مكافحة جرائم تقنية المعلومات(30).
وقد عمد المشرع إلى توزيع الجرائم الناشئة عن تطبيق هذه القوانين نوعيًّا على الدوائر الابتدائية والدوائر الاستئنافية بالمحكمة الاقتصادية؛ وذلك بأن أسند إلى الدوائر الابتدائية الاختصاص بنظر قضايا الجنح)31( المنصوص عليها في القوانين المشار إليها، بينما أسند الاختصاص بنظر قضايا الجنايات إلى الدوائر الاستئنافية، وتُعدُّ الدوائر الاستئنافية محكمة طعن بالنسبة للأحكام الصادرة من الدوائر الابتدائية.
وبهذا يتضح أن المشرع المصري أسند إلى المحاكم الاقتصادية اختصاصًا جنائيًّا بالنسبة للقوانين المشار إليها، وهو ما لم يفعله المشرع القطري بالنسبة لمحكمة الاستثمار والتجارة؛ وإن كنا نرى أن اتجاه المشرع القطري في هذا الشأن اتجاهًا محمودًا باعتبار كون هذه المحاكم متخصصة في مجال الدعاوى التجارية.
ب- الاختصاص غير الجنائي للمحاكم الاقتصادية:
حصر المشرع المصري الاختصاص غير الجنائي للمحاكم الاقتصادية ووزَّع هذا الاختصاص على الدوائر الابتدائية والدوائر الاستئنافية بالمحكمة توزيعًا نوعيًّا وقيميًّا، وذلك بتحديد الدعاوى التي تختص بها هذه المحاكم نوعيًّا، ثم توزيعها على الدوائر الابتدائية أو الدوائر الاستئنافية بحسب قيمة الدعوى، وذلك على النحو الآتي:
اختصاص الدوائر الابتدائية باعتبارها محكمة أول درجة:
فيما عدا الدعاوى التي يختص بها مجلس الدولة؛ فإن الدوائر الابتدائية بالمحاكم الاقتصادية تختص دون غيرها بنظر المنازعات التي لا تجاوز قيمتها عشرة ملايين جنيه، والتي تنشأ عن تطبيق القوانين التي حددتها المادة (6) والمضافة بالقانون 146 لسنة 2019م)32(، وهذه القوانين هي:
قانون الشركات العاملة في مجال تلقِّي الأموال لاستثمارها، وقانون سوق رأس المال، وقانون تنظيم نشاطي التأجير التمويلي والتخصيم، وقانون حماية الاقتصاد القومي من الآثار الناجمة عن الممارسات الضارة في التجارة الدولية، وقانون التجارة في شأن نقل التكنولوجيا والوكالة التجارية وعمليات البنوك، وقانون التمويل العقاري، وقانون حماية حقوق الملكية الفكرية، وقانون تنظيم الاتصالات، وقانون تنظيم التوقيع الإلكتروني وإنشاء هيئة تنمية صناعة تكنولوجيا المعلومات، وقانون حماية المنافسة ومنع الممارسات الاحتكارية، وقانون شركات المساهمة وشركات التوصية بالأسهم، والشركات ذات المسؤولية المحدودة وشركات الشخص الواحد، وقانون البنك المركزي والجهاز المصرفي والنقد، وقانون التجارة البحرية، وقانون الطيران المدني في شأن نقل البضائع والركاب، وقانون حماية المستهلك، وقانون تنظيم الضمانات المنقولة، وقانون المناطق الاقتصادية ذات الطبيعة الخاصة، وقانون تنظيم نشاط التمويل متناهي الصغر، وقانون الاستثمار، وقانون مكافحة جرائم تقنية المعلومات.
كما تختص هذه الدوائر بالحكم في دعاوى التعويض أو التأمين الناشئة عن تطبيق أحكام هذه القوانين بحسب الأحوال)33(. وقد جعل المشرع الحكم الصادر من الدوائر الابتدائية نهائيًّا غير قابلٍ للطعن فيه إذا لم تجاوز قيمة الدعوى خمسمائة ألف جنيه، وابتدائيًّا قابلًا للطعن بالاستئناف أمام الدوائر الاستئنافية فيما زاد عن ذلك)34(. كما تختص الدوائر الابتدائية بالمحكمة الاقتصادية دون غيرها بالفصل في المسائل المتعلقة بمنازعات التنفيذ الوقتية والموضوعية عن الأحكام والأوامر التي تصدرها المحكمة، وتختص كذلك دون غيرها بالدعاوى المتعلقة والناشئة عن قانون تنظيم إعادة الهيكلة والصلح الواقي من الإفلاس)35(.
اختصاص الدوائر الابتدائية باعتبارها محكمة طعن:
- تختص الدوائر الابتدائية بالمحاكم الاقتصادية بنظر الطعن في التظلمات والأوامر الصادرة من قاضي الأمور المستعجلة بالمحكمة)36(.
- كما تختص الدوائر الابتدائية بالمحكمة الاقتصادية بنظر التظلم من القرارات والأوامر الصادرة من القاضي المختص بالإشراف على إجراءات التنفيذ المتعلقة بالسندات التنفيذية الصادرة من تلك المحكمة، ويعتبر الحكم الصادر منها في التظلم نهائيا)37(.
2- الاختصاص النوعي والقيمي للدوائر الاستئنافية بالمحاكم الاقتصادية:
للدوائر الاستئنافية بالمحاكم الاقتصادية نوعان من الاختصاصات، أحدهما باعتبارها محكمة أول درجة، وثانيهما باعتبارها محكمة ثاني درجة أو محكمة طعن، وذلك على النحو الآتي:
الاختصاص الابتدائي للدوائر الاستئنافية باعتبارها محكمة أول درجة:
تختص الدوائر الاستئنافية ابتداء بنظر الدعاوى التي تختص بها الدوائر الابتدائية وفقًا للمادة (6) من القانون رقم 146 لسنة 2019، والمشار إليها سلفًا؛ وذلك إذا جاوزت قيمة الدعوى النصاب القيمي لهذه الأخيرة، وهو عشرة ملايين جنيه، أو كانت الدعوى غير مقدرة القيمة.
اختصاص الدوائر الاستئنافية باعتبارها محكمة ثاني درجة (محكمة طعن):
الفرع الثاني
الاختصاص بالمسائل المستعجلة
يتفق كلا القانونين المصري والقطري في تحديد قاضٍ لنظر المنازعات المستعجلة التي يُخشى عليها من فوات الوقت، والاستعجال هو الخطر الحقيقي المحدق بالحق المراد المحافظة عليه باتخاذ إجراءات سريعة لا تحتمل الانتظار ولا يمكن أن تتحقق عن طريق القضاء العادي ولو بتقصير المواعيد)38(.
وعنصر الوقت والخشية من فواته هو المناط في توفر الاستعجال؛ لأن الخشية من فوات الوقت تعني في ذات الوقت الخطر المحدق، وضرورة الاستعجال في مواجهته. ويستمد ذلك من ظروف ووقائع النزاع وليس من عمل الخصوم أو اتفاقهم)39(.
والقاضي المستعجل هو الذي يقرر وصف الاستعجال، وقد يستعين بخبير لتقدير وجود أو عدم وجود الاستعجال، وهو يستخلصه من ظروف النزاع ووقائعه)40(؛ فإذا رأى القاضي أن المسألة المطروحة عليه من المسائل التي يُخشى عليها فوات الوقت لوجود خطر محدق بالحق المراد المحافظة عليه؛ فإن ذلك يعني توفر صفة الاستعجال في الدعوى.
ويشترط لاختصاص القاضي المستعجل بنظر المسألة تَوَفُّــرُ شرطين؛ الأول: وجود الاستعجال: ويتمثل ذلك في الخطر المحدق بالحقوق أو المصالح التي يُراد المحافظة عليها؛ بحيث تكون هناك خشية على هذه الحقوق، وللخشية مظهران؛ أولهما: الخشية من زوال المعالم، وثانيهما: الخشية من فوات المصلحة أو ضياع الحق. والثاني: أن يكون المطلوب إجراء وقتيًّا تحفظيًّا لا يمس أصل الحق، إذا المطلوب من القاضي المستعجل مجرد إجراء وقتي لا يمس أصل الحق.
أولًا: الاختصاص بالمسائل المستعجلة في قانون محكمة الاستثمار والتجارة القطري:
يفرق القانون القطري في شأن الاختصاص بهذه المسائل بين حالتين؛ الأولى: إذا لم تكن هناك دعوى مقامة أمام الدائرة الابتدائية، والثانية: إذا كانت هناك دعوى موضوعية مقامة أمام الدائرة الابتدائية:
وذلك إذا لم تكن هناك دعوى موضوعية مرفوعة أمام الدائرة الابتدائية، وفي هذه الحالة يختص بالفصل في المسائل المستعجلة، قاضي الأمور المستعجلة بمحكمة الاستثمار، وهو قاضٍ من قضاة المحكمة بدرجة "رئيس محكمة ابتدائية" على الأقل)41(، يختاره رئيس محكمة الاستثمار والتجارة للفصل في هذه المسائل.
وفي هذه الحالة تكون الدعوى الموضوعية مُقامة بالفعل أمام الدائرة الابتدائية، وهنا ينعقد الاختصاص بنظر المسألة المستعجلة للدائرة التي تنظر الدعوى الموضوعية وبالتبعية لهذه الدعوى)42(. هذا وينطبق الأمر ذاته في الحالتين السابقتين على ما يتعلق بإصدار الأوامر على العرائض والأوامر الوقتية.
ثانيًا: الاختصاص بالمسائل المستعجلة في قانون المحكمة الاقتصادية المصري:
أوجبت المادة (3) من القانون 120 لسنة 2008 والمعدل بالقانون 146 لسنة 2019، على الجمعية العامة للمحكمة الاقتصادية، أن تُعين في بداية كل عام قضائي، قاضيًا أو أكثر من قُضاتها بدرجة رئيس بالمحاكم الابتدائية من الفئة (أ) على الأقل، ليحكم، بصفة مؤقتة ومع عدم المساس بأصل الحق، في المسائل المستعجلة التي يُخشى عليها من فوات الوقت والتي تختص بها المحكمة.
ويصدر الأمور الوقتية الأوامر على العرائض والأوامر الوقتية، في المسائل التي تختص بها المحكمة الاقتصادية، كما يختص بإصدار أوامر الأداء في هذه المسائل أيا كانت قيمة الحق محل الطلب)43(. ويُلاحظ على هذا النص، عدم نصه على اختصاص دوائر المحكمة بالمسائل المستعجلة وطلبات الأوامر على العرائض والأوامر الوقتية إذا رفعت إليها بطريق التبعية)44(. وذلك على خلاف ما قرره المشرع القطري في المادة (9) من قانون محكمة الاستثمار والتجارة.
ويتم الطعن في الأحكام والتظلم من الأوامر الصادرة من قاضي الأمور المستعجلة أمام الدوائر الابتدائية بالمحكمة الاقتصادية دون غيرها)45(. غير أن هذا القانون لم يحدد ميعادًا للطعن في هذه الأحكام، ومن ثم يُعمل بالقاعدة العامة المقررة في المادة (227/2) مرافعات، ويكون الميعاد خمسة عشر يومًا.
إجراءات التقاضي إلكترونيًّا أمام محكمة الاستثمار والمحاكم الاقتصادية
أصبح التطور التقني واقعًا حتميًّا في كافة المجالات والأنشطة، ولم يعد هناك بديلٌ عن الاستفادة من وسائل التكنولوجيا ونظم المعلومات ووسائل الاتصال الحديثة. وباعتبار القضاء من أهم مرافق الدولة؛ فإن الجهود التشريعية والقضائية اتجهت نحو الاستفادة من التكنولوجيا في الإجراءات القضائية، والتحول نحو نظم التقاضي الإلكتروني، وهي خطوة مهمة حرص المشرع القطري على تبنيها والنص عليها في قانون محكمة الاستثمار والتجارة، وسبقه في ذلك المشرع المصري في قانون المحاكم الاقتصادية.
ويقتضي الحديث عن التقاضي إلكترونيًّا أمام محكمة الاستثمار والتجارة، والمحاكم الاقتصادية؛ أن نقف أولًا على مفهوم التقاضي الإلكتروني، ومزاياه وخصائصه وأهم متطلباته ومستلزماته - وذلك في عجالة تقتضيها طبيعة البحث - ثم نتحدث بعد ذلك عن إجراءات قيد الدعوى ونظرها أمام هذه المحاكم. وذلك في مطلبين، على النحو الآتي:
المطلب الأول
التقاضي عبر الوسائل الإلكترونية ومتطلباته ووسائله
أولًا: ماهية التقاضي الإلكتروني:
مصطلح التقاضي الإلكتروني من المصطلحات القانونية حديثة النشأة، ولم يتم استخدامه من قِبل فقهاء القانون على المستويين العربي والدولي؛ إلَّا في نطاق محدود، ويُقصد به رفع الدعوى إلى المحاكم ومباشرتها بطرق إلكترونية، وهو من أرفع ما قدمه العقل البشري من إبداع في فقه القانون في ظل التقدم التقني المعلوماتي، ولا شك أن له انعكاسًا إيجابيًّا على عملية التقاضي بأكملها(46).
والتقاضي الإلكتروني يقتضي استخدام النظم القضائية لتكنولوجيا المعلومات، وذلك بحلول نظم المعلومات والاتصالات محل الآليات التقليدية التي اعتاد الخصوم القيام بها لتحريك ورفع ومباشرة الدعاوى أمام المحكمة المختصة، ومتابعة ما يستجد فيها من قرارات وإجراءات قضائية حتى صدور الحكم النهائي والطعن عليه أمام المحكمة الأعلى(47).
تعريف التقاضي الإلكتروني:
تعددت تعريفات الفقه القانوني في شأن التقاضي الإلكتروني، وإن كانت جميعها لا تخرج عن معنى واحد، وهو استخدام وسائل التكنولوجيا والتقنيات الحديثة في تطوير إجراءات التقاضي، "من خلال وجود محكمة إلكترونية تعمل بواسطة تكنولوجيا المعلومات ومهيأة بوسائل ونظم اتصالات حديثة، تختلف عن المحاكم التقليدية من حيث امتيازها بسرعة الإنجاز للمعاملات والقضايا والدقة في مواعيد الجلسات وتبسيط إجراءات العمل وحضور الأطراف إلكترونيًّا من أي مكان دون الحضور الشخصي للمحكمة والمساهمة في أمن المعلومات وحفظها، مع إمكانية الاطلاع عليها للأشخاص المصرح لهم، بحيث تعمل هذه المحاكم على تمكين الأشخاص من تسجيل الدعاوى ودفع رسومها، وحضور أطرافها أو حضور وكلاؤهم وتقديم أدلة الإثبات الرسمية وغير الرسمية والترافع وتقديم الطعون وتدوين الإجراءات كافة من خلال مباشرة المحاكمات بصورة عامة والحصول على قرار الحكم وتنفيذه"(48).
ويمكننا تعريفه بأنه: نظام قضائي تقني معلوماتي جديد، يتيح للمتقاضين تسجيل دعواهم وتقديم مستنداتهم وحضور الجلسات، من خلال وسائل الاتصال الإلكتروني بواسطة الحاسوب وأجهزة الاتصال المرتبطة بشبكة الإنترنت وعبر البريد الإلكتروني، وصولًا إلى إصدار الحكم؛ إذ ترفع الدعوى الإلكترونية القضائية من خلال نظام تقني، يُمكِّن المدعي من رفع دعواه وتسجيلها وتقديم مستنداته وحضور جلساتها، دون انتقال فعلي إلى مبنى المحكمة، كما يُمكِّن المدعى عليه من تقديم دفوعه وأوجه دفاعه ومستنداته وحضور الجلسات، دون انتقاله أيضًا إلى مبنى المحكمة، وتباشر المحكمة إجراءات الدعوى كاملة وتصدر الأحكام عبر وسائل إلكترونية(49).
ثانيًا: مزايا التقاضي الإلكتروني:
نظام رفع الدعوى إلكترونيًّا له العديد من المزايا؛ تتمثل في استخدام التكنولوجيا من قبل المتقاضين ومحاميهم في تقديم المستندات القانونية بطريقة إلكترونية وفق منظومة متكاملة؛ تُساهم في التقليل من تكاليف التقاضي ورسومه المالية، فضلًا عن التخلص من الكم الهائل من الأوراق والمستندات التي تكتظ بها المحاكم، وهو ما يُسهم في أدائها لدورها بفعالية أكثر، ويوفر الوقت والجهد ويتيح استخدام أي جزء من الوقت في تقديم المستندات والاطلاع عليها، في أي يوم من أيام الأسبوع وأي ساعة في اليوم(50).
ثالثًا: خصائص التقاضي الإلكتروني وأهميته:
من خلال تعريف التقاضي الإلكتروني، يمكن القول بأنه يتميز بالخصائص الآتية(51):
رابعًا: فلسفة التقاضي الإلكتروني:
تقوم فلسفة التقاضي الإلكتروني على سرعة الفصل في النزاع، على غِرار السرعة التي أصبحت تتميز بها المعاملات المدنية والتجارية في ظل التطور التكنولوجي، فضلًا عن سرية المعلومات والوثائق التي يتبادلها الخصوم، بحيث تتحول الإجراءات من النظم التقليدية إلى النظم الإلكترونية، عبر محكمة إلكترونية تحل فيها الآليات والوسائل الإلكترونية محل الوسائل والإجراءات المعمول بها في نظم التقاضي التقليدية، من خلال أنظمة الحاسب الآلي ووسائل الاتصال الحديثة، للمساهمة في الوصول إلى العدالة الناجزة والحد من ظاهرة البطء في التقاضي.
خامسًا: متطلبات التقاضي الإلكتروني ووسائله:
نرى أن فكرة التقاضي الإلكتروني تقوم على أمرين أساسيين؛ أولهما: محكمة إلكترونية تُباشر من خلالها الإجراءات الإلكترونية، وثانيهما: إجراءات تقاضي تُباشر بالوسائل الإلكترونية، ومجموع الأمرين يكون في نظرنا فكرة التقاضي الإلكتروني، ومن خلال ذلك يمكننا القول إن متطلبات التقاضي الإلكتروني تنقسم إلى متطلبات فنية وتقنية وإدارية، ومتطلبات قانونية وتشريعية، على النحو الآتي:
ونعني بذلك نشر ثقافة استخدام التكنولوجيا والوسائل الإلكترونية في المجتمع، والعمل على التوعية المجتمعية بأهمية ذلك، لحث المواطنين على فهم وتعلم كيفية هذا الاستخدام في ضوء المزايا العديدة التي يحققها في تيسير سبل التقاضي، بل وفي تقدم المجتمع عبر التحول الرقمي في ضوء مزاياه الكثيرة.
ذلك أن اكتمال بنيان المحكمة التي تعمل بالوسائل الإلكترونية يقتضي وجود المعنيين؛ وهم الأشخاص المتخصصين في ممارسة وتطبيق إجراءات التقاضي لتكتمل أسس إنشاء نظام قضائي من نوع جديد في المرافعات في الأنظمة القضائية، بحيث يصبح الجهاز القضائي على مستوى التطور التكنولوجي الحاصل في كافة المجالات.
هناك متطلبات بشرية يجب توفرها لنجاح العمل القضائي التقني أو الإلكتروني، وهذه المتطلبات تتمثل في توفير العنصر البشري اللازم لعمل المحكمة الإلكترونية وإدارتها، وهي أربعة عناصر رئيسة(54):
الأول: إدارة المواقع والمبرمجين؛ وهؤلاء طائفة من المبرمجين والمهندسين والمتخصصين في علوم الحاسوب؛ يتم تدريبهم في المحاكم والمراكز القضائية المختصة على تطبيق إجراءات التقاضي إلكترونيًّا.
الثاني: قضاة المعلومات؛ وهم مجموعة متخصصة من القضاة يُباشرون المحاكمات من خلال موقع كل منهم لدى المحكمة الإلكترونية، ضمن نظام قضائي يمكن أن نُطلق عليه دائرة المعلوماتية القضائية(55).
الثالث: كتبة المواقع الإلكترونية؛ ونقصد بهم كتبة المحاكم وأمناء السر بها، وهؤلاء ويجب خضوعهم لدورات مكثفة في البرمجيات ونظم الإدارة المعلوماتية وتصميم المواقع الإلكترونية على شبكة الإنترنت.
الرابع: المحامون؛ إذ يجب على المحامي أن يواكب هذا التطور، بحيث يصبح مؤهَّلًا لمباشرة الإجراءات عبر وسائل التكنولوجيا والتقنيات الحديثة؛ ولذا يتوجب عليهم الحصول على دورات مكثفة في علوم الحاسب ونظم الاتصال وتصميم البرامج والمواقع الإلكترونية، وتجهيز مكاتبهم بما يتفق مع طبيعة المحاكم الإلكترونية وإجراءات التقاضي الإلكتروني(56).
- التحول إلى نظام المحكمة الإلكترونية:
ويُعرِّفُها الفقه القانوني بأنها: موقع إلكتروني يتم فيه الفصل في المسائل القانونية، بحضور قضاة مؤهلين، يتمتعون ببنية تحتية تقنية متطورة تسمح لأصحاب العلاقة بتشغيل بعض الجوانب الإدارية والإجرائية لوظائف المحكمة بشكل أفضل، مثل تقديم الأدلة أو إيداع المستندات والمذكرات، والإيداع الإلكتروني في المحكمة وتلقي الشهادات عن بعد، وهدفها هو – جزئيًّا - تقليل الاعتماد على الورق أو المستندات المطبوعة أثناء العملية القضائية، وبشكل أساسي زيادة كفاءة المحكمة عن طريق الإسراع في الوصول إلى المعلومات(57).
ذلك أن إدخال نظم المعلومات والاتصالات إلى نطاق قضاء الدولة مرهون بضمان سرية وخصوصية المعلومات التي يُدلي بها الخصوم في قضاياهم، فلا يجب أن تطغى غاية تسريع وتيرة التقاضي ومواكبة التطور التكنولوجي على احترام المبادئ الأساسية للتقاضي، ومنها عدم إفشاء أسرار المتقاضين، وحماية مستندات الدعوى، ولذلك يجب استخدام برمجيات آمنة ونُظم تشغيل خالية من الثغرات، والحرص على استخدام كلمات سر مؤمنة للوصول إلى المعلومات، وغير ذلك مِمَّا يضمن سلامة المعلومات في مجال التقاضي الإلكتروني وحمايتها(58).
وتتمثل في حــزمة من التعديلات التشريعية والقوانين الجديدة التي تناسب البيئة الرقمية والإلكترونية، وتقر الحجية القانونية لإجراءات التقاضي الإلكتروني، وتعترف بالمخرجات الإلكترونية كوسائل بديلة للوسائل التقليدية سواء في الإجراءات أو في الإثبات(59). وقد اتخذ المشرعان (المصري والقطري) هذه الخطوة بالفعل في قانون المحاكم الاقتصادية، وقانون محكمة الاستثمار والتجارة.
يتطلب رفع الدعوى ومباشرتها إلكترونيًّا وسائل لازمة لذلك، وأهم هذه الوسائل التقنية:
وهو مجموعة من المعايير المستخدمة في تبادل معلومات المعاملات الإلكترونية بين أجهزة الحواسيب، ويتم نقل وتبادل البيانات والمعلومات إلكترونيًّا عبر مواقع الويب باستخدام برامج التصفح، وتنتج رسالة البيانات حجية وقوة في التعامل وفي نظم التقاضي الإلكتروني؛ إذ يكون لها ما للمحرر الورقي من قوة، وفقًا لشروط معينة.
وتُعد من أهم التقنيات في مجال التقاضي الإلكتروني، وتتضمن افتراض مجازي لحضور أطراف الدعوى، ويتطلب تطبيق هذه التقنية توافر أجهزة تقنية حديثة لنقل وعرض الصوت والصورة(60).
المطلب الثاني
إجراءات قيد الدعوى ونظرها أمام محكمة الاستثمار والمحاكم الاقتصادية
حرص المشرعان (المصري والقطري) على تنظيم إجراءات التقاضي أمام المحاكم الاقتصادية، ومحكمة الاستثمار والتجارة، تنظيمًا دقيقًا بحيث تُبَاشر عبر الوسائل الإلكترونية، وبدا ذلك واضحًا من التعديلات التي أدخلها المشرع المصري بالقانون رقم 146 لسنة 2019 والمعدل لقانون إنشاء المحاكم الاقتصادية رقم 120 لسنة 2008م، ومن القواعد الإجرائية التي نص عليها المشرع القطري في القانون رقم 21 لسنة 2021 بشأن محكمة الاستثمار والتجارة.
وقد أوجب المشرع القطري أن: "ينشأ بالمحكمة نظام إلكتروني، يتضمن الآليات الإلكترونية لقيد الدعاوى وطلبات استصدار الأوامر على عرائض والأوامر الوقتية وأوامر الأداء وغيرها من الطلبات الأخرى، في المسائل التي تختص بها المحكمة، وكافة الإجراءات والطعون في الأحكام والتظلمات من الأوامر الصادرة منها"(61). ولم يجز اتباع الوسائل التقليدية المنصوص عليها في قانون المرافعات في التقاضي أمام هذه المحكمة؛ إلَّا في حال تعذر تطبيق الإجراءات الإلكترونية(62)؛ بينما أجاز المشرع المصري اتباع هذه الإجراءات الإلكترونية، وفق قواعد محددة(63)، ونبين ذلك في فرعين على النحو الآتي:
الفرع الأول
إجراءات قيد الدعوى وإعلانها وتحضيرها للفصل فيها
أراد المشرعان (المصري والقطري) التيسير على الخصوم في قيد الدعوى وإعلانها، وعلى المحكمة في نظرها والفصل فيها، وفي الوقت ذاته تحقيق العدالة الناجزة؛ فأنشئا نظامًا إلكترونيًّا لقيد الدعوى، ولإعلانها، ثم نظامًا إجرائيًّا إلكترونيًّا لتحضير الدعوى للفصل فيها، وذلك على النحو الآتي:
أوَّلًا: قيد الدعوى أمام محكمة الاستثمار والتجارة والمحاكم الاقتصادية:
الأصل في رفع الدعوى وإقامتها أمام القضاء، أن يتم بصحيفة تودع قلم كتاب المحكمة المختصة، وفقًا لما هو مقرر في قانون المرافعات القطري(64)، ولم يخرج المشرع عن هذا الأصل فيما يتعلق بإقامة الدعوى أمام محكمة الاستثمار والتجارة؛ فأوجب إقامة الدعوى التي تختص بها المحكمة بموجب صحيفة دعوى موقعة ومودعة(65). إلَّا أنه اشترط أن يكون هذا الإيداع إلكترونيًّا؛ ونص على ذلك صراحة، ولم ينص على طريق آخر لإيداع الصحيفة)66(، ومن ثم يحكم بعدم القبول(67) لعدم اتباع الإجراءات الشكلية المقررة قانونًا والتي توجب الإيداع الإلكتروني لصحيفتها.
قلم الكتاب الإلكتروني:
يعني نظام الإيداع الإلكتروني لصحيفة الدعوى؛ حق المدعي أو محاميه في تقديم صحيفة الدعوى المتضمنة لطلباته الجوهرية، والمستندات التي تدعمها إلى محكمة الاستثمار والتجارة عبر موقعها الإلكتروني على شبكة الإنترنت، بدلًا من تقديمها على دعائم ورقية لقلم الكتاب(68). وتتطلب فكرة الإيداع الإلكتروني لصحيفة الدعوى توفر المتطلبات التقنية لدى المدعي أو محاميه، لإرسال الصحيفة عبر البريد، وهنا يجب أن يكون قلم الكتاب إلكترونيًّا، بحيث يستقبل بيانات الرسالة من البريد الإلكتروني للمدعي، متضمنة صحيفة الدعوى، والمستندات، وما يفيد سداد الرسوم إلكترونيًّا.
بيانات صحيفة الدعوى الإلكترونية:
لم ينص المشرع على البيانات التي يجب اشتمال الصحيفة عليها؛ ولذا يجب إعمال نص المادة (4) من نصوص إصدار قانون محكمة الاستثمار والتجارة، والتي تقضي بسريان أحكام قانون المرافعات فيما لم يرد بشأنه نص خاص في قانون محكمة الاستثمار. وطبقًا لنص المادة (31) مرافعات(69)؛ فإنه يجب أن تشتمل صحيفة الدعوى على البيانات الآتية:
تاريخ الإيداع الإلكتروني لصحيفة الدعوى:
من المسائل المهمة في إيداع الصحيفة؛ تاريخ إيداعها؛ لما يترتب على هذا التاريخ من آثار، ولذلك أوجب المشرع القطري في المادة (31) مرافعات؛ أن تشتمل الصحيفة على تاريخ تقديمها لقلم الكتاب، وهي مسألة قد لا تثير صعوبة في القيد التقليدي لصحف الدعاوى (مادة 32 مرافعات)، أمَّا في الإيداع الإلكتروني للصحيفة؛ فإنه يجب تحديد هذا التاريخ بدقة لما يترتب على ذلك من آثار. ولما كان المشرع لم ينص على هذه المسألة في قانون محكمة الاستثمار والتجارة؛ فإننا نتفق مع ما ذهب إليه البعض من اعتبار أن تاريخ قيد الصحيفة هو وقت دخولها إلى نظام المعلومات المعين والمحدد من قبل المحكمة، وليس من وقت الاطلاع على صحيفة الدعوى من قبل الموظف المختص(70).
لم ينص المشرع المصري على قواعد إيداع صحيفة الدعوى لدى المحاكم الاقتصادية، حين أصدر القانون رقم 120 لسنة 2008 بإنشاء هذه المحاكم؛ وإنما أوجب العمل بما هو مقرر في قانون المرافعات المدنية والتجارية(71)، وهذه القواعد تنظم الإيداع التقليدي لصحيفة الدعوى بقلم كتاب المحكمة المختصة. إلَّا أنه وبمقتضى القانون رقم 146 لسنة 2019م؛ والمعدل لقانون إنشاء المحاكم الاقتصادية؛ فإن المشرع المصري أدخل تعديلًا جوهريًّا على أحكام وإجراءات إيداع صحف الدعاوى التي تختص بها المحاكم الاقتصادية؛ أجاز بمقتضاه أن يتم هذا الإيداع إلكترونيًّا.
وذلك بنصه في المادة (14) على أنه: "فيما عدا حالات الطعن بالنقض، يجوز إيداع الدعاوى التي تختص بها المحكمة الاقتصادية والطعن على الأحكام الصادرة فيها من الأشخاص والجهات المقيدة بالسجل الإلكتروني وذلك بموجب صحيفة موقعة ومودعة إلكترونيًّا(72) بالموقع المخصص لقلم كتاب المحكمة الاقتصادية(73) المختصة"(74). ونُلاحظ على النص السابق ما يلي:
ولا شك أن الإيداع الإلكتروني لصحيفة الدعوى، يقتضي وجود موقع إلكتروني للمحكمة، وهو ما نص عليه المشرع المصري في المادة (13) المضافة بالقانون 146 لسنة 2019؛ بأنه: "موقع خاص بالمحكمة الاقتصادية المختصة والمخصص لإقامة وقيد وإعلان الدعاوى إلكترونيًّا". وفيما يتعلق ببيانات صحيفة الدعوى الاقتصادية المودعة إلكترونيًّا؛ فإنه تسري بشأنها الأحكام المقررة في المادة (63) مرافعات مصري، وذلك إعمالًا لنص المادة (4) من القانون 120 لسنة 2008، والتي توجب العمل بأحكام قانون المرافعات فيما لم يرد بشأنه نص خاص.
وأما عن تاريخ إيداع الصحيفة إلكترونيًّا؛ فإن القانون المصري شأنه شأن نظيره القطري، لم يتضمن النص على تاريخ اعتبار الدعوى مرفوعة وترتيب آثارها، ومن ثم فإننا نرى أن تاريخ قيد الصحيفة هو وقت دخولها إلى نظام المعلومات المعين والمحدد من قبل المحكمة، على النحو الذي أشرنا إليه سلفًا.
ثانيًا: سداد الرسوم المقررة بالطريق الإلكتروني:
أوجب القانون القطري أن يتم سداد الرسوم المقررة لإقامة الدعوى أو الطعن في الأحكام أو غير ذلك بالطريق الإلكتروني(76)، ولا شك أن اتجاه المشرع هنا يتفق مع مقتضيات التطور التقني، ومتطلبات التقاضي الإلكتروني، والذي يستوجب أن يتم هذا السداد إلكترونيًّا، تفعيلًا للإجراءات الإلكترونية، وللتيسير على الخصوم، والتخفيف عن كاهل موظفي المحاكم، حتى يتفرغوا للقيام بالمهام المهمة الموكلة إليهم.
وقد نص المشرع المصري على سداد الرسوم إلكترونيًّا بنصه على أنه: "وتقيد الدعوى بعد سداد المدعي الرسوم والدمغات المقررة قانونًا إلكترونيًّا"(77). ويتم السداد الإلكتروني بالوسائل الإلكترونية المقررة، سواء أكان ذلك من خلال بطاقات الدفع الفوري، أم بطاقات الائتمان، أو غيرها من الوسائل المعترف بها.
ثالثًا: الإعلان الإلكتروني في الدعاوى أمام محكمة الاستثمار والتجارة والمحاكم الاقتصادية:
أوجبت المادة (18) من القانون رقم 21 لسنة 2021، على مكتب إدارة الدعوى أن يقوم بإعلان صحيفة الدعوى والمستندات المؤيدة لها للمدعى عليه أو من يمثله، إلكترونيًّا على العنوان الوطني وفقًّا لأحكام المادة (15) من القانون ذاته. وتنص المادة (15) المشار إليها على أنه: "يكون الإعلان على أحد بيانات العنوان الوطني إعلانًا لشخص المعلن إليه ومنتجًا لكافة آثاره القانونية. ويجوز للمحكمة أن تعلن أي شخص داخل الدولة أو خارجها في موطنه أو في مكان عمله بأي طريق آخر تراه مناسبًا وفقًا للضوابط التي يضعها المجلس(78)". ووفقًا لهذا النص؛ فإن الإعلان القضائي في الدعاوى أمام محكمة الاستثمار والتجارة، يتم بأحد طريقين:
الأول: الإعلان على أحد بيانات العنوان الوطني:
وفي هذا الصدد نصت المادة (5) من القانون رقم 24 لسنة 2017 بشأن العنوان الوطني(79) على أنه: "تعتبر الإعلانات القضائية والإخطارات الرسمية التي تتم على العنوان الوطني صحيحة ومنتجة لكافة آثارها القانونية".
وقد أوجبت المادة الثانية من هذا القانون على المكلف أن يتخذ عنوانًا وطنيًّا له، يتضمن البيانات التالية:
وبالنظر فيما نص عليه قانون العنوان الوطني، وما أوجبه قانون محكمة الاستثمار والتجارة، في شأن الإعلان القضائي، يتضح اتجاه المشرع القطري في الاعتراف بحجية الإعلان القضائي الإلكتروني وترتيب آثاره القانونية، سواء تم هذا الإعلان عبر البريد الإلكتروني للمعلن إليه، أم تم عبر الرسائل النصية على الهاتف الجوال. والمقصود بالإعلان الإلكتروني: إعلان الخصم في الدعوى بأي إجراء قضائي يتخذ في مواجهته، باستخدام وسائل الاتصالات الحديثة، دون الحاجة إلى الانتقال المادي والبحث عن موطن المعلن إليه، ولا يختلف هذا الإعلان عن الإعلان التقليدي سوى في وسيلة القيام به، من خلال الوسائل التقنية الحديثة بمختلف أنواعها(80)، وغالبًا ما يتم عبر البريد الإلكتروني.
وقد أدى ظهور العصر الرقمي إلى انتقال المشرع الإجرائي إلى مرحلة متطورة من مراحل الإعلان القضائي، وذلك باستخدام وسائل إلكترونية في الإعلان، بدأت عن طريق التلكس والفاكس والفاكسميلي مرورًا بالإعلان عن طريق البريد الإلكتروني، حتى وصل الأمر إلى استخدام وسائل التواصل الاجتماعي في بعض الأنظمة القضائية، لإجراء الإعلان القضائي(81).
الثاني: أي طريق آخر تراه المحكمة مناسبًا:
لم يحدد المشرع القطري طريقًا محددًا في هذه الحالة؛ وإنما ترك الأمر للسلطة التقديرية لمحكمة الاستثمار والتجارة، وفق ما تراه من ظروف وطبيعة الدعوى، وفي ضوء ما يقرره المجلس الأعلى من ضوابط في هذا الشأن.
عرَّف المشرع المصري الإعلان الإلكتروني في المادة (13) المضافة بالقانون رقم 146 لسنة 2019؛ بأنه: "إعلان أطراف الدعوى بأي إجراء قانوني يتخذ حال إقامتها وأثناء سيرها وذلك عبر الموقع الإلكتروني أو بالعنوان الإلكتروني المختار". والعنوان الإلكتروني المختار وفقًا لتعريف المشرع المصري في المادة ذاتها، هو "الموطن الذي يحدده الأشخاص والجهات المبينة بهذا القانون لإعلانهم بجميع إجراءات الدعوى المقامة إلكترونيًّا، سواء تمثل في بريد إلكتروني خاص بهم أم رقم هاتف أو غيرها من الوسائل التكنولوجية".
ووفقًا لنص المواد (16-18) المضافة بالقانون 146 لسنة 2019؛ فإنه يجوز إجراء الإعلان القضائي إلكترونيًّا في الدعوى المقامة أمام المحكمة الاقتصادية؛ وذلك شريطة أن تكون الدعوى ذاتها مقامة إلكترونيًّا، أما في غير ذلك من الدعاوى فيتم الإعلان بالوسائل التقليدية المقررة في قانون المرافعات المصري(82).
ونلاحظ بشأن التنظيم الإجرائي للإعلان القضائي الإلكتروني وفقًا لهذه المواد، ما يلي:
رابعًا: تهيئة الدعوى للفصل فيها في قانون محكمة الاستثمار والتجارة والمحاكم الاقتصادية:
"استحدث المشرع القطري نظام إدارة الدعوى وضمَّنه في القواعد الإجرائية القضائية المعمول بها في محكمة قطر الدولية وذلك في إدارة الدعوى المدنية والتجارية، ويعد إنجازًا كبيرًا يُحسب له؛ حيث تضمنت تلك المبادرة الإتيان بفكرة مستحدثة نسبيًا على قانون المرافعات القطري وللعاملين في مجال التقاضي وأطراف النزاعات. وقد أثبت نظام إدارة الدعوى نجاعته في محكمة قطر الدولية؛ حيث أدَّى إلى تسريع الإجراءات واختصار وقت التقاضي وإنجاز الخدمات التي تقدمها المحكمة وفق أفضل المعايير والممارسات العالمية، وهو ما يعزز من مكانة المؤسسات القضائية في الدولة من جهة ويُساهم في زيادة التنافسية الدولية لمركز قطر للمال من جهة أخرى"(84).
ونظرا لما حققه نظام إدارة الدعوى من نجاح في تسوية هذه المنازعات وتحقيق العدالة الناجزة؛ فإن المشرع عمد إلى تطبيقه في إجراءات التقاضي أمام محكمة الاستثمار والتجارة، وذلك بإنشاء "مكتب إدارة الدعوى"(85)، ونتناول الحديث عن المكتب وتشكيله واختصاصاته وواجباته فيما يلي:
أوجبت المادة (16) من القانون رقم 21 لسنة 2021م؛ أن ينشأ بالمحكمة مكتب يُسمى "مكتب إدارة الدعوى"، وبيَّنت المادة ذاتها تشكيل المكتب في جانبه القضائي، والفني والإداري، وذلك على النحو الآتي:
التشكيل القضائي لمكتب إدارة الدعوى:
يتألف التشكيل القضائي لمكتب إدارة الدعوى من رئيس من بين قضاة محكمة الاستثمار والتجارة، وعضوية عدد كافٍ من القضاة، (ومساعدي القضاة)، ونُلاحظ في هذا الشأن ما يلي:
التشكيل الفني والإداري لمكتب إدارة الدعوى:
إلى جانب التشكيل القضائي للمكتب، نص القانون على تشكيله الفني والإداري، وذلك على النحو الآتي:
أُنْشِئَ المكتب لمساعدة دوائر المحكمة على سرعة الفصل في الدعاوى المطروحة عليها؛ تحقيقًا للعدالة الناجزة؛ وذلك من خلال قيامه بمهمته الأساسية والمتمثلة في تهيئة الدعوى للفصل فيها. وتحقيقًا لهذا الغرض؛ أسند له القانون عددًا من المهام والاختصاصات في المواد (17-23)، على النحو الآتي:
وقد أوجب القانون على المكتب مباشرة هذه المهام خلال مدة لا تتجاوز ثلاثة أيام من تاريخ قيد الدعوى إلكترونيًّا(88)، ولا شك أن هذا الميعاد ميعاد تنظيمي لا يترتب على عدم مراعاته، جزاءٌ معينٌ(89)؛ وإنما نص عليه المشرع لحث المكتب على سرعة مراجعة الدعوى فور قيدها، تمهيدًا لإعلانها، بل يجيز القانون لرئيس المكتب تقصير هذا الميعاد أو تمديده(90)، وسيأتي بيان ذلك.
فضلًا عن الاختصاصات المسندة إلى المكتب؛ فقد أوكل إليه القانون عددًا من المهام التي يجب عليه القيام بها في أثناء مباشرة اختصاصه (المواد 17-20) أهمها:
منح القانون رئيس مكتب إدارة الدعوى، سلطة تقصير أو تمديد المواعيد المنصوص عليها في المواد (17-20) من قانون محكمة الاستثمار والتجارة، وهي المواعيد المتعلقة بواجب فحص ملف الدعوى من قِبل المكتب خلال مدة لا تتجاوز ثلاثة أيام، وإعلان المدعى عليه بالدعوى خلال ثلاثة أيام من فحصها، ورد المدعى عليه على الدعوى خلال ثلاثين يوما من تاريخ إعلانه، وإعلان المدعي بهذا الرد خلال ثلاثة أيام، وتعقيب المدعي على رد المدعى عليه خلال خمسة عشر يومًا، وتعقيب المدعى عليه على تعقيب المدعي خلال عشرة أيام من تاريخ إعلانه بتعقيب المدعي.
وسلطة مد المواعيد أو تقصيرها على هذا النحو وفقًا لنص المادة (21)، مقيدة بثلاثة قيود، هي:
الأول: أن هذه السلطة مخوَّلة لرئيس مكتب إدارة الدعوى(94)، دون غيره من قضاة المكتب.
الثاني: أن يكون تقصير المواعيد أو تمديدها، لأسباب جدية، ويترك تقدير جدية الأسباب لرئيس المكتب.
الثالث: ألَّا يزيد مجموع مُدد التمديد على خمسة وأربعين يومًا.
ولا شك في نظرنا أن هذه المدة الأخيرة، مقصود بها مد المواعيد المتعلقة بفحص ملف الدعوى من قبل المكتب، أو برد المدعى عليه على الدعوى، أو تعقيب المدعي أو المدعى عليه، دون غيرها من المواعيد المتعلقة بإعلان المدعي والمدعى عليه؛ إذ لا نتصور مد ميعاد الإعلان لهذا القدر.
رغبة من المشرع القطري في سرعة الفصل في الدعوى، وعدم تعطل الفصل فيها كل حين بتقديم مذكرات أو مستندات أو طلبات جديدة؛ فقد أوجب على الخصوم تقديم ما يعن لهم أمام مكتب إدارة الدعوى، ليقوم الأخير بدوره في تهيئتها للفصل فيها قبل عرضها على الدائرة المختصة، ولذلك نص في المادة (22) على أنه: "لا يجوز لأي من أطراف الدعوى بعد انقضاء المدد المنصوص عليها في المواد (17)، (18)، (19)، (20) من هذا القانون، وأي تمديد أو تقصير يطرأ عليها وفقًا لأحكام المادة السابقة، أن يقدم أية مذكرات أو مستندات أو طلبات جديدة، ما لم تجز المحكمة تقديمها لأسباب جدية تقدرها، وفي هذه الحالة تحدد المحكمة مهلة لتقديمها والرد عليها إن كان لذلك مقتضى"(95).
ومفاد ذلك أن القانون قيد حق الخصوم في تقديم المذكرات والمستندات والطلبات، بقيدين؛ أولهما: أن يتم ذلك أمام مكتب إدارة الدعوى، ليتمكن من القيام بواجبه في تهيئة الدعوى قبل إحالتها إلى الدائرة المختصة، وثانيهما: أن يتم ذلك خلال المواعيد المقررة في المواد المشار إليها، مع مراعاة ما قد يطرأ عليها من تقصير أو تمديد. واستثناء من ذلك؛ فإن القانون يجيز تقديم هذه المذكرات أو المستندات أو الطلبات، ولو في غير المواعيد أو الأحوال المشار إليها، وذلك بأربعة شروط(96):
الأول: أن تكون هذه المذكرات أو المستندات أو الطلبات؛ منتجة في الدعوى، أو يتوقف عليها الفصل في النزاع المطروح على المحكمة، وهذا شرط بدهي؛ وإن لم يرد النص عليه صراحة؛ إلَّا أنه يفهم من وجوب توفر الأسباب الجدية.
الثاني: أن تأذن المحكمة بتقديم هذه المذكرات أو المستندات أو الطلبات في غير المواعيد المقررة.
الثالث: أن يكون الإذن بتقديمها مبنيًّا على أسباب جدية تقدرها المحكمة، وهذا الشرط متفرع عن الأول.
الرابع: أن يتم تقديمها خلال المهلة التي تقررها المحكمة للخصوم لتقديم هذه المذكرات أو المستندات أو الطلبات.
يوجب القانون المصري على المحاكم الاقتصادية قبل القضاء في المنازعات المرفوعة أمامها أن تقوم بدور المصالح، وتسعى إلى التوفيق بين المشروعات الاقتصادية؛ فإذا تم الاتفاق تصدق عليه المحكمة، ويسجل في سجلاتها، ويأخذ قوة الحكم الصادر في النزاع(97). وتتولى المحكمة الاقتصادية هذه المهمة من خلال "هيئة التحضير والوساطة".
حيث أوجبت المادة (8) من القانون رقم 146 لسنة 2019(98)، والمعدل لقانون إنشاء المحاكم الاقتصادية رقم 120 لسنة 2008م؛ أن تنشأ هيئة تُسمَّى "هيئة التحضير والوساطة"، وحددت هذه المادة تشكيل الهيئة، ثم بين القانون اختصاصاتها والإجراءات أمامها، على النحو الآتي:
1- تشكيل هيئة التحضير والوساطة بالمحاكم الاقتصادية:
حددت المادة (8/2) تشكيل الهيئة على النحو الآتي:
ويلاحظ الاختلاف بين تشكيل الهيئة، وبين تشكيل مكتب إدارة الدعوى في القانون القطري، فيما يلي:
توسَّع المشرع المصري في تحديد اختصاصات هيئة التحضير والوساطة، وأسند لها بنصوص صريحة مهمة تهيئة الدعوى للفصل فيها من قبل الدائرة المختصة، وفضلًا عن ذلك؛ سلطة تسوية النزاع وديًّا بين أطرافه والقيام بالوساطة في المنازعات والدعاوى التي تختص بها المحكمة، عدا دعاوى محددة. ويمكن تحديد هذه الاختصاصات (المواد 8، و8 مكرر، و8 مكرر أ، ب، ج، د) فيما يلي:
ويتضح مما سبق أن القانون المصري جاء صريحًا في النص على سلطة هيئة التحضير والوساطة في القيام بالتسوية الودية للنزاع المطروح على المحكمة، والقيام بدور الوساطة بشأنه، وهو ما لم ينص عليه المشرع القطري، وإن كان قد نص صراحة على سريان قانون الوساطة على المنازعات التي تختص بها محكمة الاستثمار والتجارة(102).
هذا وتجدر الإشارة إلى أن القانون لم يخول هيئة التحضير سلطة إبداء رأي قانوني في الدعوى؛ إذ يقتصر دورها في هذا الشأن على تحضير الدعوى وتهيئتها بالشكل الملائم لبدء نظرها من الدائرة المختصة بالفصل فيها. ونتفق مع البعض في أنه كان من الأوفق منح الهيئة حق إبداء رأي في النزاع المعروض على المحكمة، قياسًا على ما تقوم به هيئة المفوضين أمام مجلس الدولة(103).
نفرق في شأن الإجراءات أمام الهيئة بين حالتين، على النحو الآتي:
الحالة الأولى: الإجراءات في حالة إقامة دعوى أمام المحكمة الاقتصادية المختصة:
بناء على اختصاص قاضي التحضير بالتحقق من استيفاء كافة المستندات اللازمة لتهيئة الدعوى للفصل فيها ودراستها، وما هو مقرر له من جواز عقد جلسات الاستماع(104)، والوساطة في المنازعات والدعاوى(105)؛ فإن له أن يخطر الخصوم بالحضور أمام الهيئة بأية وسيلة يراها مناسبة، ومن الوسائل التي ذكرها القانون في هذا الصدد، البريد الإلكتروني، أو الاتصال الهاتفي، أو الرسائل النصية.
وقد اعتبر القانون الخصومة منعقدة في حالة حضور المدعى عليه أو من يمثله قانونًا، ولقاضي التحضير عقد جلسة أو عدة جلسات بين الأفراد، سواء منفردين أم مجتمعين، وتكون هذه الجلسات سرية، وعليه أن يراعي في هذه الجلسات الالتزام بالقواعد والأعراف المقررة في هذا الشأن. ولقاضي التحضير الحكم على الخصم بغرامة لا تقل عن مائتي جنيه ولا تزيد عن خمسمائة جنيه؛ إذا تخلف عن تقديم مستند له مسوغ في الأوراق، بعد طلب القاضي إياه(106).
وقد حرص القانون على سرعة الفصل في النزاع؛ فحدد لقاضي التحضير ميعادًا يلتزم بتحضير الدعوى خلاله؛ وهو ثلاثون يومًا من تاريخ قيد الدعوى، وعليه خلال ذلك أن يعرض على أطراف النزاع تسويته وديًّا، وفي هذه الحالة لا يخلو الأمر من أحد فرضين(107):
أولهما: أن يوافق الخصوم على التسوية الودية التي عرضها قاضي التحضير؛ وهنا يتولى الوساطة بينهم، خلال مدة لا تجاوز ثلاثين يومًا أخرى، ولرئيس الهيئة مد هذه المدة لمدة مماثلة. وإذا توصل القاضي إلى تسوية النزاع؛ فإنه يحرر اتفاقًا بذلك يوقعه الأطراف، ويُعرض على رئيس هيئة التحضير والوساطة للتصديق عليه، وتكون له في هذه الحالة قوة السند التنفيذي.
وثانيهما: ألَّا يوافق الخصوم على التسوية، وعلى قاضي التحضير في هذه الحالة؛ أن يُحدد جلسة موضوعية لنظر الدعوى أمام الدائرة المختصة، ويكلف المدعي بالإعلان.
إحالة النزاع من المحكمة المختصة إلى هيئة التحضير والوساطة:
فضلًا عن الإجراءات السابق الحديث عنها؛ فإن هناك حالة أخرى، تُحال فيها الدعوى من المحكمة المختصة إلى هيئة التحضير والوساطة، وليس العكس كما هو متبع؛ إذ يكون لهذه المحكمة وبناء على طلب من الخصوم؛ أن توقف الدعوى المنظورة أمامها وتُحيلها مرة أخرى إلى الهيئة، لمحاولة الصلح بين الأطراف خلال أجل تحدده بثلاثين يومًا يجوز مدها مرة واحدة لمدة مماثلة؛ فإذا تم الصلح؛ فيحرر القاضي اتفاقًا بذلك يلحق بمحضر الجلسة. أما إذا تعذر الصلح؛ فإن على قاضي التحضير إعداد مذكرة بذلك وعرضها على المحكمة مرة أخرى للفصل في الموضوع(108).
الحالة الثانية: الإجراءات في حالة عدم رفع دعوى إلى المحكمة الاقتصادية المختصة:
أعطى القانون لأطراف النزاع الذي تختص المحاكم الاقتصادية بالفصل فيه، الحق في اللجوء مباشرة إلى رئيس هيئة التحضير والوساطة بالمحكمة المختصة محليًّا، لتسوية هذا النزاع وديًّا دون إقامة دعوى بشأنه(109). وفي هذه الحالة يتولى قاضي التحضير الوساطة بين الأطراف وفقًا للإجراءات السابق بيانها، ولا يخلو الأمر هنا أيضًا من أحد فرضين:
أولهما: التوصل إلى تسوية النزاع وديًّا، وعلى القاضي في هذه الحالة تحرير اتفاق التسوية، لتصبح له قوة السند التنفيذي، وفقًا لما سبق بيانه.
وثانيهما: أن تتعذر التسوية الودية للنزاع، وفي هذه الحالة لا يجوز لقاضي التحضير إحالة النزاع إلى الدائرة المختصة؛ وإنما عليه أن يقوم بحفظ طلب التسوية، ويرد جميع المستندات إلى الخصوم.
ج- تقييمنا لإجراءات تهيئة الدعوى في القانونين (المصري والقطري):
رَأَينا أن المشرع القطري أسند إلى مكتب إدارة الدعوى مهمة تهيئة الدعوى قبل إحالتها إلى الدائرة المختصة، وفقًا لإجراءات محددة، ومواعيد محددة، وبدون توسع في اختصاصات المكتب، مكتفيًا بدوره في تلقي صحف الدعاوى، وإعلانها، وتلقي رد المدعى عليه، وتعقيب الخصمان كلاهما على الآخر، ثم إحالة الدعوى إلى الدائرة المختصة بعد استيفاء مستنداتها وأوراقها؛ لتفصل فيها وفق ما تراه. ولم ينص على سلطة المكتب في عقد جلسات استماع، أو سلطته في الوساطة القضائية بين الأطراف – وإن كان ذلك لا يحول دون حق الخصوم في التسوية الاتفاقية وفقًا لقانون الوساطة، في حين توسع المشرع المصري في سلطة قاضي التحضير واختصاصاته، على النحو المشار إليه.
والحقيقة أن المدد المقررة لتهيئة الدعوى في القانون القطري هي مدد بسيطة ومعقولة وتتناسب مع طبيعة السرعة المطلوبة للفصل في هذه المنازعات ذات الطابع الاستثماري، والأمر على خلاف ذلك في القانون المصري؛ سيما المادة (8 مكرر ج) والتي قد تصل المدة فيها إلى تسعين يومًا، وتنتهي بإحالة النزاع إلى الدائرة المختصة إذا لم يوافق الخصوم على التسوية؛ لتبدأ مرحلة جديدة من مراحل التقاضي في الدعوى ذاتها، وكذلك المادة (8 مكرر د) والتي تُوقف فيها المحكمة نظر الدعوى وتحيلها مرة ثانية إلى هيئة التحضير (إحالة عكسية))110( بناء على طلب الخصوم لمحاولة الصلح بين الأطراف، خلال أجل قد يصل إلى ستين يومًا، فإذا تعذر الصلح تُعرض الدعوى على المحكمة مرة ثانية للفصل فيها.
وهو أمر مستغرب في نظرنا؛ إذ كيف تُحال الدعوى من المحكمة إلى الهيئة، وهي في الأصل محالة إليها من هذه الأخيرة، نتيجة تعذر محاولات الصلح بين الخصوم من قِبلها، وإذ قيل بأنه ربُّما ظهر للخصوم أثناء نظر الدعوى ما يدعوهم لذلك؛ فلماذا لا تتولى المحكمة ذاتها مباشرة هذه المهمة وهي في الأصل صاحبة الولاية العامة على الدعوى، والأجدر على فهم طبيعتها وطبيعة الصلح فيها بعد أن قطعت شوطًا في تمحيص مستنداتها بدلًا من ترددها بين الهيئة والمحكمة ذهابًا وإيابًا على هذا النحو؟ هذا فضلًا عن أن القانون المصري)111( لا ينص على سلطة قاضي التحضير بتقديم رأي قانوني إلى الدائرة المختصة.
ولذلك نرى أن نظام هيئة التحضير على هذا النحو، قد لا يحقق الغرض منه، وإنما قد يطيل أمد التقاضي وبطء الإجراءات وتعقيدها، ونحن في ذلك لا نتفق مع ما يراه البعض)112(- ومع احترامنا لوجهة النظر هذه - من اقتراح إلغاء هيئة التحضير وإسناد دورها إلى ذات الدائرة المنوط بها الفصل في النزاع؛ وإنما نرى قصر عمل الهيئة على مهمة تهيئة الدعوى من خلال استيفاء مستنداتها – إلكترونيًّا - من الخصوم في أجل لا يزيد على خمسة وأربعين يومًا، يُسمح فيها للخصوم بتقديم مذكراتهم ومستنداتهم وطلباتهم وردودهم وتعقيباتهم كاملة؛ ثم تُحال الدعوى إلى الدائرة المختصة، وتتولى بنفسها مهمتي الفصل في الدعوى، أو التسوية الودية بين الخصوم (خلال ثلاثين يومًا من تاريخ طلبها من الخصوم أو عرضها عليهم).
الفرع الثاني
إجراءات نظر الدعوى أمام محكمة الاستثمار والتجارة والمحاكم الاقتصادية
أولًا: إجراءات نظر الدعوى أمام محكمة الاستثمار والتجارة:
أحسن المشرع القطري صنعًا حين أوجب على المحكمة أن تفصل أولًا من تلقاء نفسها أو بناء على طلب أحد أطراف الدعوى في مسائل معينة، يتوقف عليها الفصل في الدعوى، وهذه المسائل هي:
ولنا على نص المادة (29) ملاحظة نعتقد بأهميتها؛ وهي أن عبارة النص صريحة في أن "تفصل المحكمة..."؛ ولم يعبر المشرع بعبارة الدائرة، كما هو الحال في نصوص أخرى، ونعتقد أن مقصود عبارة المشرع هنا ليست المحكمة بالمعنى الفني المقصود به الدائرة، وإنما المعنى العام لمحكمة الاستثمار، من خلال مكتب إدارة الدعوى، بأن تفصل المحكمة ذاتها من خلال المكتب في هذه المسائل قبل إحالة الدعوى إلى الدائرة المختصة، سيما أن قضاة المكتب قضاة بالمحكمة ذاتها، يتوفر لهم من التخصص ما هو متوفر لقضاة الدوائر، ولا يقدح في ذلك العبارة الأخيرة للمادة، ونصها "ولا يجوز للمحكمة أن تندب خبيرًا قبل الفصل في تلك المسائل"، ذلك أن المادة (16/2) تعطي للمكتب في سبيل أداء أعماله حق الاستعانة بمن يرى الاستعانة بهم من الخبراء، ومن ثم ينصرف النص إلى مكتب إدارة الدعوى، ليكون له وتحت إشراف رئيس المحكمة أن يفصل في المسائل المشار إليها أولًا، هذا مع ما للمكتب من حق في رفع أي أمر يتعلق بالدعوى أو المنازعة المعروضة للمحكمة للبت فيه، وفقًا لنص المادة (23)، بما في ذلك مسألة أو أكثر من هذه المسائل.
إلا أننا نعتقد وفي ضوء تفسيرنا للنص على هذا النحو – إن صدق ما يهمس به الظن الكريم - أنه كان يجب إيراد هذا النص في المواد المنظمة لعمل المكتب، قبل الحديث عن الإحالة إلى الدائرة المختصة، حتى لا يظن أو يتوهم أن هذا الاختصاص منعقدًا للدائرة التي تنظر الدعوى وليس للمكتب؛ فإذا أتت الدائرة بعد ذلك وقضت بعدم اختصاصها، فقد عصفت بكل ما قام به المكتب من إجراءات، ويهدر بذلك جهدًا كبيرًا قام به المكتب والخصوم في تهيئة الدعوى، فتنتفي الغاية المقررة من استحداث المكتب واختصاصه. ولا نظن أن هذا يتفق مع غايات المشرع.
غير أنه يتبقى لنا في هذا الشأن إشكال آخر على المادة ذاتها، وهو عبارة "قبل الفصل في الموضوع"، ذلك أن هذه العبارة قد توحي أن المسائل السابق الحديث عنها ينعقد الاختصاص بالفصل فيها للدائرة المختصة؛ لأنها هي المختصة بالفصل في الموضوع، ويمكن إزالة التعارض هنا بمفهوم النص، وهو قبل إحالتها للفصل فيها، ويدل على ذلك أن المشرع أورد عبارة مشابهة في المادة (17) عند حديثه على عمل مكتب إدارة الدعوى؛ حيث أوجب عليه التأكد من استيفاء كافة المستندات اللازمة للفصل في الدعوى، وبديهي أن الفصل من اختصاص الدائرة.
وعلى خلاف هذا المعنى الذي بنينا اعتقادنا على أساسه؛ فإننا نعتقد أن عبارة المشرع إذا كان مقصودًا بها الدائرة المختصة بنظر النزاع؛ فإننا نأمل من المشرع القطري إعادة النظر في المسألة؛ إذ لا جدوى لدور مكتب إدارة الدعوى بعد هذه الإجراءات التي يقوم بها؛ إذا قضت المحكمة مثلًا بعدم اختصاصها أو عدم قبول الدعوى لعدم توفر شروط قبولها. سيما مع وجود نص المادة (16) السابق الإشارة إليه.
تدل نصوص القانون القطري رقم 21 لسنة 2021 بوضوح على رغبة المشرع في سرعة الفصل في القضايا التي تنظرها محكمة الاستثمار والتجارة، هذا من ناحية؛ ومن ناحية ثانية أن تتم كافة الإجراءات بطريقة إلكترونية يتحقق معها التحول التقني نحو نظم التقاضي الإلكتروني؛ وهذا الأمر ليس لمجرد مواكبة متطلبات العصر التكنولوجي؛ وإنما لما أظهرته التجارب القضائية العملية من فعالية نظام التقاضي الإلكتروني وما حققه هذا النظام من مزايا عديدة في الإجراءات القضائية وتحقيق العدالة الناجزة.
ومن مظاهر هذا الحرص؛ نص المشرع في المادة (24/1) على أن: "يحال ملف الدعوى إلكترونيًّا للدائرة المختصة في أول يوم تالٍ لانتهاء الإجراءات المنصوص عليها في المواد (17)، (19)، (20) من هذا القانون...". والمقصود بذلك إجراءات التهيئة التي يتولاها مكتب إدارة الدعوى؛ إذ يجب عليه حين الانتهاء منها أن يحيل ملف الدعوى إلى الدائرة المختصة في اليوم التالي لانتهاء الإجراءات المنصوص عليها في المواد المشار إليها، وتتم هذه الإحالة إلكترونيًّا من الموقع الإلكتروني للمكتب على الشبكة الداخلية للمحكمة إلى الموقع الإلكتروني للدائرة المختصة عبر الشبكة ذاتها.
حيث يَفترض نظام التقاضي الإلكتروني كما أشرنا سلفًا، وجود محكمة إلكترونية، وإنشاء شبكة داخلية في المحكمة أشبه بإنترنت مصغر، يتم من خلالها ربط جميع الأقسام والوحدات وقاعات المحاكم ببعضها البعض، وهذه الشبكة مقيدة على خط الاتصال الذي يربطها ببعضها، ويستطيع جميع العاملين في المحكمة من خلالها الاتصال ببعضهم آليًّا، وإرسال ملفات الدعاوى والطلبات والمذكرات فيما بينهم دون الحضور الشخصي للموظفين)113(.
ولا شك - في نظرنا - أن الميعاد المنصوص عليه في المادة (24/1) ميعاد تنظيمي، لا يترتب على عدم مراعاته جزاء معينًا؛ وإنما قصد به المشرع حث مكتب إدارة الدعوى على سرعة إحالة الملف للدائرة المختصة، ليتحقق اتصالها بالدعوى في أقرب وقت ممكن بعد انتهاء المكتب من إجراءات التهيئة.
ج- سلطة المحكمة في نظر الدعوى:
تقوم فلسفة المشرع القطري في إصداره لقانون محكمة الاستثمار والتجارة، على تحقيق العدالة الناجزة في المنازعات التي تختص بها المحكمة، على غرار السرعة التي أصبحت تتميز بها المعاملات التجارية، في ظل التطور التكنولوجي، فضلًا عن سرية المعلومات والوثائق التي يتبادلها الخصوم بحيث تتحول الإجراءات من النظم التقليدية إلى النظم الإلكترونية، عبر محكمة متخصصة تَحلُّ فيها الآليات والوسائل الإلكترونية محل الوسائل التقليدية، تحقيقًا للعدالة الناجزة، وللتغلب على البطء في التقاضي.
ولهذا حرص المشرع على مراعاة التوازن بين أمرين؛ أولهما: مراعاة الأصول والضمانات الأساسية للتقاضي والتي لا يجوز إهدارها لمجرد الرغبة في مواكبة التكنولوجيا أو سرعة الفصل في الدعوى، وثانيهما: سلطة المحكمة في الفصل في الدعوى وفق ما تراه لازمًا لتحقيق العدالة وإرساء القانون.
ولذلك منح المحكمة سلطة تقديرية في شأن ما تراه من إصدار حكم تمهيدي في الدعوى، أو تحديد جلسة لنظرها، وحدد لها آجالًا قدر أنها مناسبة لمباشرة الإجراءات أمامها وللفصل في الدعوى، نظرًا لما يسبق الدعوى من تهيئة لدى مكتب إدارة الدعوى، وللطبيعة المتخصصة للقضاة، ولمباشرة الإجراءات إلكترونيًّا. ومن ثم فقد نظم هذه المسائل على النحو الآتي:
والأحكام التمهيدية: هي التي تسبق الفصل في الموضوع تمهيدًا للحكم فيه، ولكنها تبين رأي المحكمة في موضوع النزاع، ومثالها؛ إذا أصدرت المحكمة قرارًا بتعيين خبير لتقدير قيمة الضرر الذي أصاب المدعي؛ فإن هذا الحكم يكشف عن نية المدعي في الحكم بالتعويض، ولكنها لا تفصل في موضوع النزاع ولا تحوز حجية الأمر المقضي)115(.
أولهما: أن تكون هناك أسباب جدية لقرار مد أجل الفصل في الدعوى، ويُترك تقدير جدية هذه الأسباب للدائرة ذاتها؛ لأنها المطلعة على حقائق الدعوى، والأجدر على تقدير ذلك. وثانيهما: ألَّا تزيد مدة المد عن خمسة وأربعين يومًا)118(.
وقد وردت عبارة "من تاريخ الطلب" في الفقرة الأولى من المادة (25)، ونعتقد أن المقصود منها طلب المحكمة من الخصم تقديم هذه الإيضاحات، وفي اعتقادنا أن دقة الصياغة كانت تقتضي التعبير بعبارة "من تاريخ إخطاره"، وهو التعبير الذي استعمله المشرع في المادة (26/2).
وتُعدُّ هذه الخطوة مهمة وسباقة من المشرع القطري؛ حيث لا يكفي لنجاح فكرة التقاضي الإلكتروني أن يتم إيداع الصحيفة والمستندات إلكترونيًّا، وأن يتم إعلانها كذلك؛ وإنما يجب أن تتم إجراءات نظر الدعوى إلكترونيًّا، بمراعاة الطبيعة القانونية والإجرائية لهذه الإجراءات، ومن ذلك الاتصال عبر الإنترنت من خلال الدوائر التليفزيونية المغلقة (فيديو كونفرنس))120(، والذي يتيح التواصل بين المحكمة والأطراف ذات الصلة بالدعوى من خلال الصوت والصورة، ودون الحضور الفعلي إلى قاعة المحاكمة. هذا ويُلاحظ أن الحق في الحضور الإلكتروني وفقًا لهذه المادة، جوازي للمحكمة، فلها أن تسمح به، أو لا تسمح به، بحسب ما تراه من ظروف الدعوى.
وقد أوجب القانون على المحكمة في جميع الأحوال أن تسمح للطرف الآخر بالتعقيب إلكترونيًّا على تقرير الخبرة المودع خلال خمسة عشر يومًا من تاريخ إخطاره بالإيداع، ويجوز مد هذه المدة لمدة مماثلة، ما لم يكن قد سبق له التعقيب عليه)122(.
وعلى الخبير في جميع الأحوال إيداع التقرير خلال المدة التي تحددها المحكمة والتي يجب ألَّا تزيد على ستين يومًا، ويجوز لها مدها لأسباب جدية تقررها مدة لا تتجاوز خمسة عشر يومًا. وقد أقر القانون حق الأطراف في التعقيب على تقرير الخبير المودع في الدعوى، خلال مدة لا تتجاوز خمسة عشر يومًا من تاريخ إخطارهم إلكترونيًّا بإيداع التقرير، ويجوز مدها لمدة مماثلة بشرط إذن المحكمة بذلك، ولأسباب جدية تقدرها)123(.
رأينا في المواعيد المقررة لنظر الدعوى والفصل فيها:
أوجب المشرع على الدائرة الفصل في الدعوى خلال مدة لا تتجاوز تسعين يومًا من تاريخ إحالة الملف إليها، ومنحها سلطة مد هذه المدة خمسة وأربعين يومًا لأسباب جدية تُقدرها. بحيث يصبح مجموع المدتين (الأصلية + المد) مائة وخمسة وثلاثين يومًا. ولا شك أن هذا واجب إجرائي يجب على الدائرة الالتزام به، ما دامت عبارة المشرع قد جاءت بنصه "يجب على الدائرة..."، وإلَّا تكون قد أخلت بهذا الواجب الإجرائي.
وبالنظر – في عجالة - في إجراءات نظر الدعوى والمدد المقررة لها نجدها على النحو الآتي: تحديد جلسة لنظر الدعوى خلال خمسة عشر يومًا من تاريخ الإحالة (مادة 24/2)، ثم تكليف الخصم بتقديم ما تراها المحكمة لازمًا من استيفاء بعض المستندات والبيانات خلال عشرة أيام من تاريخ إخطاره، ويجب هنا مراعاة احتمال حاجة المحكمة لبعض الوقت للاطلاع وتقرير ما ترى لزوم استيفائه ثم الإخطار (مادة 25/1)، ثم حق الخصم في التعقيب على تقرير الخبرة الذي أودعه خصمه خلال خمسة عشر يومًا من تاريخ إخطاره إلكترونيًّا بالإيداع، ثم حق المحكمة في ندب خبير وتكليفه بإيداع تقريره خلال ستين يومًا، مع جواز مدها خمسة عشر يومًا أخرى (مادة 27/2)، ثم حق الأطراف في التعقيب على تقرير الخبير خلال مدة لا تتجاوز خمسة عشر يومًا (مادة 27/3). هذا فضلًا عن جواز تأجيل نظر الدعوى لظروف استثنائية أو ظروف غير متوقعة لمدة لا تتجاوز خمسة وعشرين يومًا (مادة 28).
ونعتقد أن هذه المدد إن لم تتجاوز الميعاد المقرر للفصل في الدعوى؛ إذا أضفنا إليها مدة التأجيل المشار إليها؛ فإنها تستغرق المدة كاملة إذا استبعدنا مدة التأجيل وقلنا إنها لظروف استثنائية)125(، هذا فضلًا عن وجوب إعمال القواعد المقررة للمواعيد القضائية ومنها عدم احتساب يوم الإعلان أو حدوث الأمر المعتبر في نظر القانون مجريًا للميعاد)126(، وكذلك امتداد الميعاد إذا صادف آخر يوم فيه عطلة رسمية)127(، سيما أن القانون 21 لسنة 2021 لم يستثنِ هذه الدعاوى من ذلك على الرغم من مباشرة إجراءاتها إلكترونيًّا، ومن ثم يعمل بالقواعد العامة المقررة في قانون المرافعات.
وإذا كان الأمر كذلك؛ فهل يتسنى للمحكمة مع هذا التقييد بمدة الفصل في الدعوى، والمدد المقررة للإجراءات فحص ملف الدعوى بعد إقفال باب المرافعة، والمداولة في الحكم من قِبل أعضاء الدائرة مجتمعين، وإصدار الحكم القضائي بعد المداولة في الأسباب التي يستند إليها؛ "إذ يجب لسلامة الحكم ألَّا يصدر على أساس فكرة مبهمة أو غامضة لم تتضح معالمها أو خفيت تفاصيلها؛ وإنما يجب أن يؤسس على أسباب واضحة أسفر عنها تمحيص دفاع الخصوم، ووزن ما استندوا إليه من أدلة واقعية وحجج قانونية، وتحديد ما استخلص ثبوته من الوقائع وطريق هذا الثبوت، وذلك تمكينًا لمحكمة النقض (التمييز) من بسط رقابتها على سلامة تطبيق القانون وصحة تفسيره")128(.
ولذلك نعتقد بأهمية مراجعة المواعيد المقررة للفصل في الدعوى في القانون رقم 21 لسنة 2021م، أو تعديل نص الفقرة الأخيرة للمادة (24) بحيث يسمح للمحكمة بمد المدة المقررة للفصل في الدعوى لمدة مماثلة لأسباب جدية تقدرها، بما في ذلك ما هو مقرر من تأجيل لأية ظروف تطرأ على الدعوى.
ثانيًا: إجراءات نظر الدعوى أمام المحكمة الاقتصادية:
لم ينص القانون رقم 120 لسنة 2008 على إجراءات نظر الدعوى أمام الدائرة المختصة بالمحكمة الابتدائية، سوى فيما يتعلق بسلطة المحكمة في الاستعانة بالخبراء والمتخصصين (مادة 9)، ومدة الطعن بالاستئناف التي قررها أنها أربعون يومًا (مادة 10/3).
وهو ذات المنهج الذي سار عليه المشرع في القانون رقم 146 لسنة 2019 والمعدل للقانون 120 لسنة 2008، مع إضافة المادة (8 مكرر د) والتي منحت المحكمة حق وقف الدعوى في أية حالة كانت عليها الإجراءات، وإحالتها مرة أخرى لهيئة التحضير، بناء على طلب الخصوم، لمحاولة الصلح بينهم. ومن ثم فإن الأصل في هذا الصدد؛ إعمال القواعد المقررة في قانون المرافعات، وفقًا لما نصت عليه المادة الرابعة من مواد إصدار القانون رقم 120 لسنة 2008، مع مراعاة جواز مباشرة هذه الإجراءات إلكترونيًّا، وفقًا لما سبق بيانه.
ونرى أنه كان من الأوفق تحديد الإجراءات والمواعيد المتبعة في نظر الدعوى أمام هذه المحكمة، وإلزام المحكمة بالفصل في الدعوى خلال مدة محددة، بما يتناسب مع طبيعة هذه الدعاوى، وكون المحكمة الاقتصادية متخصصة في نظر نوع معين من الدعوى التي تقتضي طبيعتها الفصل فيها على وجه السرعة؛ وذلك حتى لا يتعقد الفصل في هذه الدعاوى بتعقد الإجراءات وطولها وعدم تناسبها مع طبيعة المنازعات التي تختص بها المحكمة الاقتصادية.
الأحكام وطرق الطعن فيها وتنفيذها
نتناول في هذا المبحث الحديث عن الأحكام الصادرة من محكمة الاستثمار والتجارة القطرية، والمحاكم الاقتصادية المصرية، وإجراءات تنفيذ هذه الأحكام، وذلك في مطلبين على النحو الآتي:
المطلب الأول
أحكام محكمة الاستثمار والتجارة والمحاكم الاقتصادية وطرق الطعن فيها
أوَّلًا: أحكام محكمة الاستثمار والتجارة وطرق الطعن فيها:
لم ينظم المشرع القطري قواعد وإجراءات إصدار الحكم القضائي من محكمة الاستثمار والتجارة في القانون رقم 21 لسنة 2021؛ من ثم يعمل في ذلك بالقواعد المقررة لإصدار الأحكام في قانون المرافعات القطري (المواد 117 - 130)؛ إعمالًا لما تنص عليه المادة الرابعة من مواد إصدار القانون 21 لسنة 2021 من سريان أحكام قانون المرافعات المدنية والتجارية فيما لم يرد بشأنه نص خاص.
وقد أخذ المشرع القطري بمبدأ التقاضي على درجتين أمام هذه المحكمة؛ باعتباره من المبادئ الأساسية التي يقوم عليها النظام القضائي القطري، بما يوفره من ضمانات ضرورية لحسن سير العدالة؛ لأنه يُؤدي إلى تدارك أخطاء القضاة، ويدفعهم إلى العناية بادعاءات الخصوم ودفاعهم ودفوعهم في الدعوى القضائية)129(. كما أقر المشرع حق الخصوم في الطعن بالتمييز، وذلك بالنسبة للأحكام الصادرة عن الدوائر الاستئنافية بالمحكمة.
ومن ثم عقد الاختصاص للدوائر الابتدائية بالفصل في النزاع ابتداء، وللدوائر الاستئنافية الفصل في الطعون على الأحكام التي تصدرها الدوائر الابتدائية، كقاعدة عامة؛ إذ لم يأخذ المشرع القطري بفكرة الاختصاص القيمي في توزيع الدعاوى على الدوائر الابتدائية والاستئنافية، كما فعل المشرع المصري (على نحو ما سيرد). ولا شك أن ما تصدره الدوائر الابتدائية قد يكون حكمًا قضائيًّا موضوعيا، أو حكمًا مستعجلًا، وقد تصدر أوامر بمقتضى سلطتها الولائية أو القضائية، وذلك على النحو الآتي:
تختص الدوائر الابتدائية بالفصل ابتداء في جميع الدعاوى والمنازعات التي تختص بها المحكمة أيًّا كانت قيمتها؛ وذلك باعتبارها درجة التقاضي الأولى في منازعات الاستثمار والتجارة، غير أن لها اختصاصًا آخر باعتبارها محكمة طعن بالنسبة للأحكام والأوامر الصادرة من قاضي الأمور المستعجلة، كما سبق القول)130(.
والأحكام التي نُعنَى بها هنا؛ هي تلك التي تصدرها الدوائر الابتدائية باعتبارها محكمة أول درجة، ويكون الطعن في الحكم الموضوعي الذي تصدره دائرة من هذه الدوائر، أمام الدائرة الاستئنافية المختصة بالمحكمة ذاتها، وذلك إعمالًا لما تنص عليه المادة (10) من القانون رقم 21 لسنة 2021، والتي يُجرى نصها على أنه: "تختص الدوائر الاستئنافية بالمحكمة بالفصل في الاستئنافات التي تُرفع إليها بشأن الأحكام وأوامر الأداء الصادرة من الدوائر الابتدائية." ويُلاحظ في هذا الشأن؛ ثلاثة أمور:
الأول: أن النص جاء عامًّا بشأن الدوائر الابتدائية؛ أي سواء كانت الدائرة الابتدائية المشكلة من قاضٍ فرد، وفقًا لنص المادة (8) من القانون 21 لسنة 2021، أو كانت الدوائر الابتدائية المشكلة من ثلاثة قضاة، فجميعها تُستأنف أحكامها أمام الدوائر الاستئنافية بالمحكمة.
والثاني: أن المشرع لم يحدد نِصابًا ابتدائيًّا وانتهائيًّا لما تصدره هذه الدوائر من أحكام، وذلك على خلاف ما هو مقرر بالنسبة لأحكام المحكمة الابتدائية المشكلة من قاضٍ فرد (ويُشار إليها بـ المحكمة الجزئية))131( وفقًا لقانون المرافعات، أو بالنسبة للأحكام التي تصدرها الدوائر الابتدائية المشكلة من ثلاثة قضاة)132(؛ حيث جعل المشرع لكل منها نصابا انتهائيًّا لبعض ما تصدره من أحكام بحيث يكون غير قابل للطعن فيه، ونِصابًا ابتدائيًّا للأحكام التي تقبل الطعن فيها بالاستئناف.
أما ما تصدره الدوائر الابتدائية بمحكمة الاستثمار والتجارة من أحكام، فقد جعلها المشرع أحكاما ابتدائية قابلة للطعن فيها بالاستئناف في جميع الأحوال؛ أيا كانت قيمتها.
أما الثالث: فإن ما تصدره الدوائر الابتدائية من أحكام بشأن الطعن في الأحكام والتظلم من الأوامر الصادرة من قاضي الأمور المستعجلة، وفقًا للمادة (9/2) من القانون رقم 21 لسنة 2021، يكون نهائيًّا، غير قابل للطعن فيه بأي طريق من طرق الطعن.
ميعاد الطعن بالاستئناف في الأحكام الموضوعية:
ميعاد الطعن بالاستئناف في هذه الأحكام هو خمسة عشر يومًا من تاريخ إعلان ذوي الشأن، وفقًا لما نصت عليه المادة (11/2) من القانون رقم 21 لسنة 2021م. ويتضح أن هذا الميعاد المقرر للاستئناف، يختلف عما هو مقرر بالقواعد العامة في قانون المرافعات، في أمرين:
أولهما: أن ميعاد الاستئناف أمام محكمة الاستثمار والتجارة في الدعاوى الموضوعية، خمسة عشر يومًا، بخلاف الميعاد المقرر للطعن بالاستئناف في قانون المرافعات وفقًا للمادة (164) مرافعات، وهو ثلاثون يومًا. وقد أحسن المشرع صنعًا حين نص على هذا الميعاد في قانون محكمة الاستثمار والتجارة؛ إذ يتفق مع طبيعة هذه المنازعات وما تتطلبه من السرعة في حسمها، كما يتسق مع غيره من المواعيد الإجرائية المنصوص عليها في هذا القانون، والتي تتسم جميعها بالسرعة، وعدم طول المدة.
وثانيهما: أن المشرع حدد بدء سريان ميعاد الطعن بالاستئناف، وذلك من تاريخ إعلان ذوي الشأن بالحكم الصادر في الدعوى. وهذا أيضًا على خلاف القاعدة العامة المقررة للطعن في الأحكام في المادة (157) مرافعات، والتي تقضي بأن يبدأ سريان الميعاد من تاريخ صدور الحكم كقاعدة عامة)133(. وقد أوجب القانون (مادة 30) على محكمة الاستثمار والتجارة؛ أن تقوم بإعلان أطراف الدعوى إلكترونيًّا بالأحكام والقرارات التي تصدر في الدعوى.
أشرنا إلى أن المشرع القطري عقد الاختصاص بنظر المسائل المستعجلة والفصل فيها في منازعات الاستثمار والتجارة، إلى قاضي الأمور المستعجلة الذي يتم اختياره للفصل في هذه المسائل وفقًا للمادة (9/1) من القانون رقم 21 لسنة 2021، ولا يمنع ذلك من اختصاص الدائرة الابتدائية بهذه المسائل إذا رُفعت إليها بطريق التبعية (مادة 9/2). وقد فرَّق المشرع في شأن الطعن على الأحكام الصادرة في هذه المسائل بين حالتين، على النحو الآتي:
الحالة الأولى: إذا كان الحكم المستعجل صادرًا من قاضي الأمور المستعجلة: وفي هذه الحالة يتم الطعن في الحكم أمام إحدى الدوائر بالمحكمة الابتدائية، ويكون حكمها غير قابل للطعن، مادة (9/2) من القانون 21 لسنة 2021.
الحالة الثانية: إذا كان الحكم المستعجل صادرًا ابتداءً من الدائرة الابتدائية المختصة: فإن الطعن في هذه الحالة يكون أمام الدوائر الاستئنافية بالمحكمة، ويكون حكمها غير قابل للطعن، مادة (9/3) من القانون 21 لسنة 2021.
ميعاد الطعن بالاستئناف في الأحكام المستعجلة:
ميعاد الاستئناف على الأحكام الصادرة في المسائل المستعجلة سبعة أيام من تاريخ إعلان ذوي الشأن، وفقًا لما نصت عليه المادة (11/2) من القانون رقم 21 لسنة 2021، ولم يُفرّق المشرع في هذا الميعاد بين ما إذا كان الطعن على هذه الأحكام أمام إحدى الدوائر الابتدائية، أو أمام الدوائر الاستئنافية، ومن ثم فإن هذا الميعاد يكون مقررًا في جميع حالات الطعن على الأحكام الصادرة في المسائل المستعجلة، أيًّا كانت الجهة التي صدر منها الحكم بمحكمة الاستثمار والتجارة، وأيًّا كانت الدائرة التي تنظر الطعن في الحكم المستعجل.
وقد غاير المشرع في شأن هذا الميعاد ما هو مقرر بالنسبة للطعن في الأحكام المستعجلة وفقًا للأحكام العامة في قانون المرافعات، سواء من حيث ميعاد الطعن)134(، أم من حيث بدء سريانه)135(. هذا وتسري القواعد المشار إليها بشأن الطعن في الأحكام المستعجلة، على الأوامر على العرائض والأوامر الوقتية، سواء من حيث الدائرة المختصة بنظر الطعن، أم ميعاده. أما أوامر الأداء التي تُصدرها الدائرة الابتدائية المُشكَّلة من قاضٍ فرد، وفقًا للمادة (8/2)؛ فإن الطعن عليها بالاستئناف يكون أمام الدوائر الاستئنافية، وفقًا لما قررته المادة (10).
ج – الطعن بالتمييز في أحكام محكمة الاستثمار والتجارة:
حرص المشرع على توفير الحماية القضائية الكافية للمنازعات والدعاوى التي تختص بها محكمة الاستثمار والتجارة؛ ومن ثم نص في المادة (12) من قانون إنشاء المحكمة على أن: "تنشأ بمحكمة التمييز دائرة تسمى "دائرة المنازعات الاستثمارية والتجارية"، تختص بالفصل في الطعون في الأحكام الصادرة عن الدوائر الاستئنافية بالمحكمة، ويكون ميعاد الطعن بالتمييز في هذه الأحكام ثلاثين يومًا. وإذا قضت محكمة التمييز بتمييز الحكم المطعون فيه حكمت في الموضوع")136(. ويتضح من هذا النص ما يلي:
ثانيًا: أحكام المحاكم الاقتصادية وطرق الطعن فيها:
تختلف المحاكم الاقتصادية المصرية – كما ذكرنا - عن محكمة الاستثمار والتجارة القطرية، من ناحية الأحكام وطرق الطعن فيها، في عدة أمور، أهمها: أن المشرع جعل لها اختصاصًا جنائيًّا بالفصل في الجرائم الناشئة عن تطبيق قوانين محددة، وأنه وزَّع الدعاوى على الدوائر الابتدائية والدوائر الاستئنافية نوعيًّا بحسب قيمة الدعوى، وجعل لكل من هذه الدوائر اختصاصًا بنظر بعض الدعاوى والفصل فيها ابتداء بحسب قيمة الدعوى، ومن ثم نتناول أحكام هذه المحاكم وطرق الطعن فيها من هاتين الزاويتين:
أشرنا إلى أن المشرع المصري عمد إلى توزيع الدعاوى غير الجنائية التي تختص بها المحاكم الاقتصادية، نوعيًّا بين الدوائر الابتدائية والاستئنافية، على أساس قيمة الدعوى، بحيث تختص الدوائر الابتدائية بنظر المنازعات والدعاوى التي لا تجاوز قيمتها عشرة ملايين جنيه، والتي تنشأ عن تطبيق القوانين المشار إليها في المادة (6) من القانون 120 لسنة 2008 والمعدلة بالقانون 146 لسنة 2021م؛ بينما تختص الدوائر الاستئنافية بالمحاكم الاقتصادية دون غيرها بالنظر ابتداء في جميع هذه المنازعات والدعاوى إذا جاوزت قيمتها عشرة ملايين جنيه.
ومن ثم يكون الطعن على هذه الأحكام بحسب الدائرة التي صدر منها الحكم، على النحو الآتي:
المواعيد المقررة للطعن في أحكام المحكمة الاقتصادية:
فيما عدا الأحكام الصادرة في المواد المستعجلة، والطعون المقامة من النيابة العامة؛ يكون ميعاد استئناف الأحكام الصادرة في الدعاوى التي تختص بها الدوائر الابتدائية بالمحكمة الاقتصادية أربعين يومًا من تاريخ صدور الحكم (مادة 10/3 من القانون 120 لسنة 2008)، وهو ذات الميعاد المقرر للاستئناف وفقًا لقانون المرافعات المصري)143(. ويطبق أمام محكمة النقض أحكام قانون الإجراءات الجنائية والمرافعات المدنية والتجارية، فيما لم يرد بشأنه نص خاص في قانون المحاكم الاقتصادية، وذلك إعمالًا لحكم المادة الرابعة من هذا الأخير.
المطلب الثاني
تنفيذ أحكام محكمة الاستثمار والتجارة والمحاكم الاقتصادية
أولًا: تنفيذ الأحكام الصادرة من محكمة الاستثمار والتجارة:
في إطار حرص المشرع القطري على تحقيق الهدف من إنشاء محكمة الاستثمار والتجارة، وهو وجود قضاء متخصص نوعيًّا في الفصل في المنازعات الاستثمارية والتجارية)144(؛ نجده قد حرص على ما يُؤدي إلى تحقيق هذا الغرض في كافة المراحل التي تمر بها الدعوى أمام هذه المحكمة، منذ رفعها وحتى تنفيذ الحكم الصادر فيها.
ولذلك نص في المادة (32) من قانون إنشاء المحكمة على أنه: "يُجرى تنفيذ الأحكام الصادرة من المحكمة تحت إشراف قاضي تنفيذ أو أكثر، ويُشار إليه بــ "قاضي التنفيذ"، يُندب بقرار من المجلس لمدة سنة قابلة للتجديد لمدة أو لمدد أخرى مماثلة.
ويختص قاضي التنفيذ بالفصل في جميع منازعات التنفيذ الموضوعية والوقتية، أيًّا كانت، وبإصدار القرارات والأوامر المتعلقة بالتنفيذ، ويكون التظلم من القرارات والأوامر الصادرة منه أمام الدوائر الاستئنافية بالمحكمة، ويكون الحكم الصادر في التظلم غير قابل للطعن. ويُلحق بالمحكمة عدد كافٍ من الموظفين تكون لهم صفة الضبطية القضائية في الجرائم التي تُرتكب في دائرة عملهم، ويُندب لها عدد كافٍ من ضباط وأفراد الشرطة".
ويلاحظ من هذا النص ما يلي:
وحسنًا فعل المشرع حين خرج على هذه القاعدة العامة وأسند الاختصاص بمسائل تنفيذ الأحكام الصادرة من محكمة الاستثمار والتجارة، لقاضٍ يُندب لهذا الغرض، وذلك استكمالًا لمنظومة التخصص التي اعتمدها في قانون إنشاء محكمة الاستثمار والتجارة، والغاية من إنشائها بهدف سرعة الفصل في الأحكام وضمان تنفيذها)145(.
ثانيًا: تنفيذ الأحكام الصادرة من المحاكم الاقتصادية:
كان المشرع المصري أسبق من نظيره القطري في كفالة مبدأ التخصص القضائي في نظر المنازعات أمام المحاكم الاقتصادية، سواء في إجراءات نظرها والحكم فيها، أم في تنفيذ الأحكام الصادرة منها؛ ولذا نجده قد نص في المادة (7) من قانون إنشاء المحاكم الاقتصادية، والمعدلة بالقانون رقم 146 لسنة 2019، على أن تختص الدائرة الابتدائية بالمحكمة الاقتصادية بالفصل دون غيرها في منازعات التنفيذ الوقتية والموضوعية عن الأحكام والأوامر التي تصدرها المحكمة، ويتم الطعن في أحكامها الصادرة في هذا الشأن أمام الدائرة الاستئنافية بالمحكمة الاقتصادية.
أوَّلًا: النتائج:
ثانيًا: التوصيات:
المراجع
أولا: الكتب:
مبدأ التقاضي على درجتين، دار الجامعة الجديدة، 2009م.
قانون المرافعات، مطبعة حمادة، (د.ت).
ثانيًا: الأبحاث والرسائل العلمية:
ثالثًا: المراجع الأجنبية:
Lecturer of Procedural Law and Director of the Judicial Assistants Institute, Faculty of Sharia and Law, Cairo, Al-Azhar University, Egypt.
Views
Downloads
Citations
Authors
Issue
Year