أدت الابتكارات والأبحاث العلمية في العديد من المجالات إلى إنتاج أشياء غير معهودة الخصائص وذات تركيبات معقدة، ساهمت حقيقة وبطريقة فعالة في تغيير جذري في نمط الحياة تقريبا وبطريقة تدرجية، لكنها تضمنت في المقابل تهديدات جدية بتسببها في أضرار على غاية من الجسامة، وذلك في ظل مقاربة تشريعية تعتمد التضييق في نطاق المسؤولية عن فعل الأشياء؛ مما يتجه القيام بمجهود تأويلي للمعطيات التشريعية القطرية في هذا المجال وفقا لمنهج وصفي تحليلي يعتد بالتجارب المقاربة؛ فيؤصل من جهة قابلية الشيء المستحدث للحراسة رغما عن صبغته اللامادية وما يتميز به من استقلالية مختلفة الأطوار نظرا لتطور تقنياتها، ويبين من جهة أخرى، عدم وجاهة التمسك بشرط لزوم الحراسة؛ نظرا لتعلقه بأسباب ظرفية لتجارب مقارنة لا علاقة لها بالواقع القطري، ولما يفرزه من نتائج غير منصفة ولا تراعي المبادئ الجوهرية التي بنيت عليها المسؤولية المدنية.
لذا؛ يكون من الأفضل في انتظار التدخل التشريعي بنصوص خاصة لحماية المتضررين من مخاطر هذه الأشياء؛ مواصلة الاهتداء بالاجتهاد الخلاق المقارن لتطوير الفكرة الجوهرية التي يقوم عليها شرط حراسة الشيء، والمتمثلة في القدرة على السيطرة على الشيء لتفادي إضراره بالغير بما يمكن من تطويع عناصر الحراسة حسب هذه المستجدات، فضلا عن وجوب إسراع المجتمع الدولي بصياغة أخلاقيات تنظم سبل تصميم وإنتاج واستعمال الوسائل التكنولوجية والرقمية الحديثة؛ لتوجيه الأذهان نحو استخدامها لما يتوافق وجودة الحياة وخدمة الذات البشرية طالما أنها من إنتاج فكره الخلاق؛ مما يساهم بطريقة فعالة في الحد من قدراته النظرية، ويمنع ما قد يطرأ عنها من مضار غير معلومة العواقب.
أفرزت النهضة العلمية والصناعية التي أخذت تتوارد منذ ثلاثة قرون تقريبا ابتكارا وتصميما للعديد من الآلات والتقنيات التكنولوجية التي لم تكن معهودة من قبل، وأدت إلى تغير نوعي في نمط الحياة في مختلف المجالات؛ فساهمت بطريقة فعالة في التقريب بين المسافات، وأضحت العديد من الأنشطة والخدمات التي كانت مستعصية في الماضي القريب، أو التي يتطلب تحقيقها القيام بمجهودات جماعية مضنية تستغرق حيزا زمنيا مهما سهلة المنال؛ مما أدى إلى ظهور تدريجي لبوادر الرفاهية وصحوة اقتصادية مهمة جعلت من المستحيل الاستغناء عنها والرجوع خطوات للوراء لما تقدمه من منافع، ولو ترتبت عنها مساوئ تتجلى خاصة في الأضرار الناجمة عنها. فلقد شهدت المجتمعات إزاء هذه المبتكرات التقنية ظهور أضرار على درجة من الجسامة غير المعهودة، أو رهينة الاحتمال نظرا لصعوبة التأكد في الوقت الحالي من المضار الممكنة لبعض التقنيات بسبب حداثتها التي تحول دون التأكد من مدى خطورتها المستقبلية؛ حيث تفاقمت الحوادث الناجمة عن وسائل النقل ذات الدفع الآلي والديناميكي كالسيارات والقطارات والسفن والطائرات، أو عن الآلات المستخدمة في العديد من المجالات؛ فضلا عن تنوع التركيبات الكيميائية لبعض المنتوجات وما لحق الأشياء الحية من مناورات الهندسة الوراثية لتغيير تركيبتها الجينية، والابتكارات المتلاحقة بخصوص الأدوية والأجهزة الطبية المخصصة للتشخيص والعلاج ولتعويض العطل الطارئ على أعضاء الجسم البشري، والمواقع الإلكترونية التي تعتمد على استعمال وسائط لصناعة المعلومات ونشرها، وصولا إلى تقنيات الذكاء الاصطناعي.
غالبا ما تتسم السياسة التشريعية إزاء هذه التطورات الواقعية بحذر شديد وتأن في اتخاذ القوانين اللازمة لتنظيمها؛ مما يجعل المتضرر دوما يتحمل إصر الاكتشافات العلمية عن طريق تطبيق القواعد التقليدية للمسؤولية التي لم تكن لها - على الأقل بصفة صريحة - نظرة استشرافية تجعلها قابلة للانطباق على ما يستجد من تطورات مجتمعية. من ذلك أن الجهات القانونية الفرنسية تفاجأت بالأضرار الناجمة عن الآلات فلم تتمكن من إقرار حلول عادلة للمتضررين استنادا على الأساس الوحيد للمسؤولية التقصيرية آنذاك والتمثل في وجوب توفر الخطأ لقيامها؛ مما يعسر وضعية المتضرر نظرا لصعوبة إثباته. فبدأت بالتوجه نحو البعد الموضوعي للمسؤولية بإقرارها قواعد خاصة للمسؤولية عن إصابات العمل في أواخر القرن 19 لتبقى بقية الأضرار رهينة المسؤولية الشخصية، وهو ما دفع الفقه والقضاء إلى القيام بمجهود جبار لاكتشاف المسؤولية الشيئية دون لزوم توفر الخطأ لمواجهة التطورات التكنولوجية وما يترتب عليها من مضار عن طريق قراءة مقاصدية لأحكام الفقرة الأولى من المادة 1384 من القانون المدني الفرنسي (المادة 1242 بعد تنقيح 2016)1.
كما وقع تأصيل هذا التوجه بالعديد من النظريات الفقهية كنظرية المخاطر، ونظرية تحمل التبعة، ونظرية الضمان، ثم التوجه للبعد التضامني للمسؤولية المدنية من خلال إقرار نصوص خاصة للمسؤولية الناجمة عن بعض الأشياء كالمسؤولية المدنية عن حوادث المرور، باعتبار السيارات من أكثر الأشياء المسببة للأضرار طوال القرن العشرين، ثم أدرجت الدول المنتمية للاتحاد الأوروبي أحكاما خاصة بالمسؤولية عن الأضرار الناجمة عن المنتوجات المعيبة، وعن التلوث البيئي. وهو ما أفرز بصفة عامة في القانون المقارن، لمواجهة الأضرار الناجمة عن الأشياء المستحدثة، تنوعا لأحكام المسؤولية الشيئية التي أضحت تتجلى في قواعد عامة من جهة تنطبق على كل الأشياء ما عدا ما خرج عنها بنص، وقواعد خاصة تنقسم في حد ذاتها إلى صنفين: صنف أول؛ يتعلق بالقواعد الخاصة التقليدية وينحصر نطاقها في المسؤولية عن فعل الحيوان وتهدم البناء، وصنف ثان؛ مخصص لمواجهة التطورات الجديدة يتعلق بالمسؤولية عن المنتجات المعيبة وعن أضرار التلوث... وفي هذا المجال لا بد من الإشارة إلى أن الأبحاث العلمية والتطبيقات التكنولوجية التي أثرت حقيقة الثورة الصناعية تبشر في الوقت الحاضر بحضارة الخطر التي يتجه إعداد الآليات القانونية الكفيلة بتفادي الأضرار الناجمة عنها وجبرها حينما تحصل. لذا؛ سرعان ما وقع الاستنجاد بأسس حديثة للمسؤولية المدنية لتآزر القواعد التشريعية التقليدية على مجابهة هذه الظواهر. من ذلك ظهور مبدأ الملوث الدافع للتصدي للأضرار البيئية الناجمة عن التطور التكنولوجي2، ومبدأ الحيطة الذي يعبر عن رؤية جديدة في إدارة المخاطر3؛ فضلا عن القوانين المتعلقة بالمسؤولية عن الأضرار الناجمة عن الأشياء المعيبة4.
اختار المشرع القطري في قانونه المدني مبدأ وحدة أحكام المسؤولية عن فعل الأشياء؛ حيث أرسى شروطها بالمادة 212 وحدد نطاقها؛ لينحصر فقط في الأشياء التي تتطلب عناية خاصة نظرا لخطورتها5، ثم فرض بالمادة 213 وجوب اتخاذ التدابير اللازمة للوقاية من مخاطرها6؛ مما يعبر في هذا المجال عن رؤية تقليدية في إدارة المخاطر ترتكز على مبدأ الوقاية الذي ينحصر نطاقه في تفادي الأضرار المؤكدة. وفي المقابل لم يغفل على وجوب التنظيم القانوني لما أفرزته التطورات التكنولوجية فتواردت النصوص التشريعية كالقانون الخاص بحماية البيئة7، والأحكام المتعلقة بحماية المستهلك8، والقانون المتعلق بالوقاية من الإشعاعات9...، لكنها تشريعات اتجهت في أغلبها نحو إقرار تدابير وقائية دون التطرق إلى أساس المسؤولية عن الأضرار الناجمة عنها؛ مما يفسح المجال للقواعد التقليدية للمسؤولية التقصيرية للانطباق والتي تتراوح بين المسؤولية عن الفعل الشخصي أو عن فعل الأشياء؛ فضلا عن نظريتي مضار الجوار والتعسف في استعمال الحق.
من الواضح أن تأسيس المسؤولية الخطئية عن الأضرار الناجمة عن الأشياء المستحدثة التي أفرزها التطور التكنولوجي، والتي تتجلى بصفة إجمالية في الآلات والمعدات ذات التقنية العالية وأبراج الاتصالات والمنتوجات ذات التركيبات الكيميائية المعقدة أو التعديلات الوراثية، ومواقع الإنترنت وتطبيقات الذكاء الاصطناعي، لا تقدم حلولا عادلة وناجعة للمتضرر فتجعله في الغالب متحملا لوحده مخاطر هذه الأشياء. كما أن الاستناد إلى نظرية مضار الجوار يبقى محصورا في الحدود التي تفرضها شروط هذه المسؤولية؛ مما يجعلها قابلة للانطباق مبدئيا على أضرار التلوث البيئي ويعيق نجاعتها بصفة إجمالية وجوب توفر شرط الأضرار التي تجاوزت الحد المألوف. لذا؛ تبقى في الوقت الراهن الأحكام العامة للمسؤولية الشيئية هي الملاذ الوحيد للمتضررين من أغلب هذه الأشياء؛ مما يطرح التساؤل عما إذا كانت هذه الأحكام قادرة على تنظيم المسؤولية عن فعل الأشياء المستحدثة رغم خصائصها المميزة، أم من اللازم وجوب الإسراع بإقرار ما يلائمها من أحكام خاصة؟
من المؤكد أن المشرع القطري اتبع مقاربة تقليدية في تحديد نطاق المسؤولية عن فعل الأشياء حينما حصرها في الأشياء التي تتطلب عناية خاصة؛ فضلا عن الأمثلة التي أدرجها في المادة 212 التي تفيد أن إرادته متجهة ظاهريا نحو قصرها على الأشياء المادية فحسب؛ مما يطرح صعوبة إمكانية اتساع نطاق هذه المسؤولية لتتسع لأشياء مستحدثة تتضمن خصوصيات تتعلق، إما بصبغتها اللامادية، أو باستقلاليتها، أو بطبيعة مكوناتها (المبحث الأول). وبما أنه لا وجود في الوقت الراهن في التشريع القطري لقواعد خاصة تتكفل بتنظيم المسؤولية حسب ما يلائم كل صنف من هذه المستجدات؛ فإنه من اللازم القيام بمجهود اجتهادي تأويلي يفضي إلى فتح منافذ في التوسع في نطاق هذه المسؤولية ريثما يعدل المشرع قواعده، بما يواكب تطورات العصر (المبحث الثاني).
المنهج الانتقائي للأشياء محل الحراسة والمستجدات التكنولوجية
تبدو مقاربة القانون المدني للأشياء مبنية على الصبغة النفعية التي تجعله يوجهها بحسب مختلف الأغراض التي يرغب في تنظيمها، وتجعل مضمونها متراوحا في هذا النطاق بين مد وجزر؛ فالعبرة في الشيء لما يستعمل كمحل لتصرف قانوني أن يندرج ضمن الأشياء الموجودة والمعينة والداخلة في دائرة التعامل؛ وحينما يكون مخصصا كمحل لحق عيني يتجه أن يندرج ضمن الأشياء التي لها قيمة نقدية ويجوز التعامل في شأنها؛ ولما يكون مصدرا لفعل ضار يجب أن يكون من الأشياء التي تقبل الحراسة ليتسنى تحديد المسؤول عن جبر الضرر.
تطبيقا للاتجاه الانتقائي الذي اعتمده القانون القطري بخصوص تحديد نطاق المسؤولية عن فعل الأشياء؛ فإنه يتجه بادئ الأمر أن يكون الشيء المتسبب في حصول الضرر من الأشياء القابلة للحراسة، (المطلب الأول)؛ ليتسنى البحث فيما بعد عما إذا كان يتضمن خطورة معينة تفرض إخضاعه لعناية خاصة؛ مما يجعل حراسته من باب اللزوم (المطلب الثاني). لذا؛ من المتجه تقصي مدى توفر هذين الشرطين في الأشياء المستحدثة ليتسنى إيجاد التأصيل الملائم للمسؤولية المدنية الناجمة عن فعلها.
المطلب الأول
قابلية الأشياء المستحدثة للحراسة وفقا لمعيار إمكانية الحراسة
رغم أن المشرع القطري لم يضع في المادة 212 من القانون المدني تعريفا للشيء شأنه في ذلك شأن جل التشريعات المقارنة؛ إلا أنه من اليسير حصر دلالات هذا اللفظ من خلال سياق توظيفه. فهذه المادة كما هو معلوم تنظم أحكام المسؤولية الشيئية التي من المؤكد أن يتحملها شخص معين تسند له صفة الحارس، وهي صفة تعتبر شرطا ضروريا لقيام هذه المسؤولية؛ مما يستنتج معه أن المشرع يضع متطلبا أوليا يجب توفره في الشيء يتمثل في وجوب أن يكون من الأشياء القابلة للحراسة؛ لأنه في الحالة التي يكون فيها الشيء خارقا لمفهوم الحراسة بسبب طبيعته أو خصائصه أو لعدة أسباب أخرى سوف لن يوجد له تبعا لذلك حارسا؛ مما يؤول إلى عدم قيام هذه المسؤولية. وفي هذا الإطار تجدر الإشارة إلى أن الأشياء المستحدثة تتسم في أغلبها بخاصيات تثير ريبة بخصوص مدى إمكانية قابيتها للحراسة تتعلق أساسا بصبغتها اللامادية (أ)، وباستقلاليتها (ب).
مبدئيا كل الأشياء من الممكن أن تكون قابلة للحراسة بغض النظر عن طبيعتها أو خاصيتها أو شكلها أو حجمها أو بصفة إجمالية ماهيتها الفيزيائية بشرط أن تكون من الأشياء القابلة للحيازة والسيطرة عليها، وألا تكون من الأشياء التي خصها القانون بأحكام خاصة تنظم المسؤولية المدنية الناجمة عنها. فهل أن الأشياء التي أفرزتها التكنولوجيا حاليا قابلة لأن تندرج في هذا النطاق الموسع لمفهوم الأشياء أم تمتاز بطبيعة أو بخصائص تجعل قابليتها للحراسة مسألة متعذرة؟
لا تمكن المعطيات الحالية من تقديم إجابة عامة ومدققة نظرا للنسق الحثيث للاكتشافات العلمية الرهيبة التي تفاجئنا بين الحين والآخر بأشياء ذات تقنيات غير معهودة؛ مما يتطلب وقتا معقولا لفهم خصائصها من قبل المختصين ليتسنى فيما بعد إسنادها التكييف القانوني المناسب، لكن يمكن رغما عن ذلك تقديم بعض الحلول لمسائل تتضمن أرضية مناسبة للتصنيف.
لقد دأب الفقه على حصر الأشياء التي لا تقبل الحراسة بطبيعتها في الأشياء السائبة والأِشياء المتروكة نظرا لعدم وجود شخص يتولى حيازتها والسيطرة عليها بما يمكنه من ممارسة حراستها. فالثلوج المتراكمة ومياه الأمطار والحيوانات البرية والمتوحشة والأتربة التي تنقلها الرياح والأشياء التي تخلى عنها أصحابها... تعتبر دون مالك، فلا تدخل حينئذ في نطاق الحراسة ما لم يوجد من يتولى السيطرة عليها10. فهل يمكن قياسا على هذه الوضعية التوسع في نطاق الأشياء غير القابلة للحراسة بطبيعتها كلما توفرت نفس العلة، وهي تعذر السيطرة على الشيء لتشمل شيئا مستحدثا بامتياز، وهو الشيء الافتراضي الذي قد يتجلى في برمجية رقمية عادية أو ذكية تتميز بصبغة لا مادية قد تعتبر عائقا ماديا أمام إمكان الحراسة؟
الأشياء اللامادية هي أشياء ليس لها كيان مادي ينحصر في مجسم معين، بل فاقدة لكل طابع فزيائي؛ مما يجعلها لا تدرك إلا بالتصور. وتعتبر منقولات بحكم القانون؛ لأن جوهر المنقول الطبيعي صبغته المادية التي تجعل له كيانا قابل للانتقال من مكان لآخر، وبما أنها خالية من الصبغة الجسمية فهي ليست في الحقيقة من المنقولات بطبيعتها، ويتعذر إحصاءها في قائمة محددة، بل مفهومها قابل لاستيعاب كل شيء لا يندرج ضمن العقار الطبيعي أو الحكمي أو التبعي أو المنقول الطبيعي أو المنقول بالاستباق11. ويمكن أن نذكر منها الملكية الفكرية، الحرفاء في الأصل التجاري، براءة الاختراع .... ويعتبر مفهومها من المفاهيم المرنة التي يجعلها قابلة لاستيعاب ما يستجد في الحاضر والمستقبل من كيانات غير مجسمة لا تدرك إلا بالتصور والتي من بينها حاليا المصنفات الرقمية التي تتمثل في مجموعة متجانسة من المعلومات الناتجة عن تصنيف وتحليل لبيانات متعددة خدمة لأغراض معينة، وقد تتجلى في برمجيات للحاسب الآلي أو في مصنف متعدد الوسائط توفر تقنياته خدمات لها صبغة حسية كالصوت والصورة والنص المكتوب.
تعتبر المصنفات الرقمية إحدى المنتجات المستحدثة التي أفرزتها الثورة المعلوماتية والرقمية التي يشهدها العالم الحالي، وما فتأت تنفذ في الحياة الاجتماعية وتتسرب إلى العديد من القطاعات الحيوية إلى أن أضحت رافدا مهما من روافد التواصل وإسداء مختلف الخدمات التي لم يكن يتوقعها الفكر البشري منذ ماض قريب. لكن قد يترتب عليها في المقابل حصول العديد من المضار الناجمة بصفة إجمالية عن إساءة استخدامها، تتجلى إما في أضرار تقليدية كالمعلومات التي يقع إفشاؤها؛ فيترتب عليها فوات كسب أو ضياع منفعة مالية، أو ذات آثار أدبية كالتشهير والقذف. وقد تكون أضرارا مستحدثة تطال التقنيات المستعملة؛ فتعطل وسائل الإنتاج والتواصل الرقمي، أو تتلف البرامج، أو تعدل مضامينها وطرق تسييرها، بما يجعلها تخرج عن الأغراض التي صممت من أجلها.12. فهل يمكن المطالبة بجبر الأضرار الناشئة عنها على أساس قواعد المسؤولية الشيئية، أم أن صبغتها اللامادية تحول دون اعتبارها من ضمن الأشياء القابلة للحراسة؟
لازالت مسألة الأشياء اللامادية تثير نقاشا بخصوص تحديد نطاق المسؤولية الشيئية؛ إذ يرى اتجاه أول أن الحراسة لا يمكن أن تنحصر إلا في الأشياء المادية فحسب بدليل الحجج التالية:
وفي المقابل يرى الاتجاه الثاني أن الأشياء اللامادية وخاصة المستحدثة منها قابلة لأن تكون محلا للحراسة إلى جانب الأشياء المادية وذلك على الأقل للأسباب التالية:
ورغم أن التطبيقات القضائية والتعاليق الفقهية المتعلقة بنطاق الأشياء محل الحراسة ظلت إلى اليوم في سجال متواصل بخصوص هذه المسألة17؛ فإن عديد مشاريع القوانين المقترحة لتعديل القواعد العامة للمسؤولية الشيئية انحازت بوضوح للرأي المتحفظ حينما أشارت بصفة صريحة إلى الأشياء المادية فحسب لتكون لوحدها محلا للحراسة18. لذا يكون من الأفضل في الوقت الراهن، واعتمادا على المعطيات التشريعية النافذة، النظر إلى هذه المسألة من زاوية أخرى تجنبنا للدخول في مغامرة تذكية النقاشات فيها، وذلك بالاستناد على نظرية الشيء المركب التي سوف تمكن من التوسع في نطاق المسؤولية الشيئية لتستوعب الشيء اللامادي. فلقد دأب الفقه والقضاء على إقرار مبدأ وحدة الشيء المحدث للضرر للتمكن من التوسع في نطاق الأشياء القابلة للحراسة، والذي يقتضي أن جميع مكونات الشيء وعناصره وملحقاته تعتبر وحدة متجانسة مساهمة في حصول الضرر ولو لم تكن من نفس الجنس أو المكونات أو الطبيعة، كأن يلتصق شيء لا مالك له بشيء آخر محل الحيازة فيشكلان مجسما واحدا، كالمسمار المهمل في الطريق العام والذي علق بعجلات السيارة فأصاب أحد المارة؛ فإن الضرر يعتبر ناجما عن شيء موحد وهو السيارة19. ووقع التوسع في هذا التصور إلى أن أضحى يستوعب أيضا حتى الجسم البشري الذي يخرج بطبيعته عن صنف الأشياء، من ذلك الذي يستعمل لوحات لممارسة رياضة التزلج فيصطدم بغيره ويحدث له أضرارا فيعتبر الفعل صادرا عن شيء وهي لوحات التزلج رغم التصاقها بجسم مستعملها20. لذا في ظل هذا التوجه من الجائز اعتبار الروبوت المجسد في شكل موظف تقديم خدمات والمزود ببرمجية ذكية مكونة من مجموعة أنظمة معقدة من العمليات الخوارزمية شيئا ماديا قابلا للحراسة والحال أن مصدر الضرر لا علاقة له بمجسمه، بل بالأوامر الصادرة له من مركز القرار الذي تتحكم فيه البرمجة الخوارزمية، والتي تعتبر دون شك شيئا لا ماديا لإدراكها بالتصور الذهني وليس بالحواس، وذلك كإحدى التطبيقات العصرية لمبدأ وحدة مكونات الشيء المحدث للضرر.
أفرزت الأبحاث العلمية وتطبيقاتها في مجال التكنولوجيا وعالم الخوارزميات اكتشافا جديا بدأت بوادره في الظهور منذ النصف الثاني من القرن الماضي بطريقة تدرجية ومحتشمة إلى أن أضحى يكتسي في الوقت الحاضر حيزا حقيقيا من الوجود في العديد من المجالات، وتبشر التوقعات في شأنه بتحولات جذرية في نمط الحياة وجودتها، وهو الذكاء الاصطناعي الذي يتجلى في برمجية رقمية تتكون من نظم معقدة لعمليات خوارزمية متعاقبة، تتولى معالجة البيانات المعروضة عليها وفقا لطرق محددة تطوعها بحسب قدرتها على استشعار محيطها ووفقا لتقنيات التعلم العميق التي تجعلها تستفيد من تجاربها السابقة؛ مما يمكنها من انتقاء الخيار الملائم لتنفيذ المهام المطلوبة منها والمضي في تنفيذه بكل استقلالية؛ أي دون الحاجة إلى مؤازرة أي عامل مؤثر خارجي بما فيه الجهد البشري21. وغالبا ما تكون هذه البرمجية مدمجة في دعامة مادية تجعل من الشيء كيانا مركبا يحتوي في نفس الوقت على عنصر لا مادي يتمثل في البرمجية الذكية، وعنصر مادي يتجلى في الهيكل الذي يمكن إدراكه بالحواس، من ذلك مثلا: ريبوت الجيل الجديد والذي اكتسح حاليا وخاصة في الدول المتقدمة عديد المجالات كالصناعة والأمن والخدمات بمختلف أنواعها والمجال الطبي والرعاية الاجتماعية... وقد يتجلى فقط في برمجية مجردة دون أن تكون لها دعامة مادية تتنقل في العالم الافتراضي، كالتطبيقات الذكية لمختلف الخدمات والمعاملات عن بعد. ومهما يكن الشكل الذي يدمج فيه هذا الاكتشاف الجديد؛ فإنه قد تترتب عن فعله مضار للغير قد تتضاعف فرص حصولها بسبب صبغة الاستقلالية التي يتصف بها طالما أن البرمجية التي يتضمنها تمكنه من تحديد اختياراته وتنفيذها بطريقة مستقلة عن التدخلات الخارجية. فهل أن هذه الصبغة لا تؤثر على إمكانية إدراجه ضمن الأشياء القابلة للحراسة، أم على العكس تماما فمن نتائجها أنه لا يمكن السيطرة عليها بما يقصي كل إمكانية لاعتبارها من قبيل الأشياء الممكن حراستها؟
من الوهلة الأولى؛ يمكن القول بأن خاصية الاستقلالية لا تعتبر مبدئيا عائقا يمنع من إمكانية رقابة من يتصف بها؛ حيث إن متولي الرقابة مسؤول عن أشخاص طبيعيين يتولى رقابتهم ويتمتعون باستقلالية الحركة بصفة فيزيولوجية، كما أن الحيوان شيء مادي يتميز باستقلالية فطرية تمكنه من الحركة ويعتبره المشرع من الأشياء الخطرة التي تستوجب عناية خاصة لتفادي وقوع أضرار ناجمة عن فعله. وفي هذا الإطار ظهر اتجاه فقهي في الولايات المتحدة الأمريكية يدعو إلى تنظيم المسؤولية التقصيرية الناجمة عن فعل الذكاء الاصطناعي بالقياس عن فعل الحيوان لاشتراكهما في خاصية الاستقلالية، وذلك وفقا للتمييز بين فرضيتين: تتعلق الفرضية الأولى بالذكاء الاصطناعي الذي يكون على درجة متوسطة من الاستقلالية؛ بما يجعل الأفعال الناجمة عنه غالبة التوقع، فيلحق نظام مسؤوليته بنظام المسؤولية عن فعل الحيوان الأليف، فلا تقوم مسؤولية حارسه إلا في حالة تقصيره في الحراسة فيكفيه لدرئها إثبات انعدام الخطأ. أما الفرضية الثانية؛ فهي تخص الذكاء الاصطناعي الذي بلغ درجة عليا متطورة من الاستقلالية؛ فتكون أفعاله غير متوقعة نظرا لما طرأ على برمجيته من تعديل تلقائي وتطورات بفضل تقنيات الأعصاب الاصطناعية والتعلم العميق، فيلحق نظام مسؤوليته بنظام الحيوان المتوحش؛ فتقوم قرينة المسؤولية على كاهل حارسه لا يعفى منها إلا بإثبات السبب الأجنبي22.
غير أن القياس مع وضعية الحيوان لا يجوز؛ نظرا لوجود فوارق جوهرية بينهما حتى على مستوى خاصية الاستقلالية، فالحيوان اعتبر كائنا مستقلا نظرا لقدرته الذاتية على الحركة، لكنها استقلالية لا تترتب عنها نتائج مهمة على مستوى السيطرة عليه، بل على العكس غالبا ما يكون منقادا من قبل مستخدمه وذلك عن طريق حبسه وتقييده وشل حركته بمختلف الطرق نظرا لأنه كائن مادي محسوس. كما أنه لا يستطيع أخذ القرارات المناسبة بصفة مستقلة وملائمة للوضع الذي يراد به استخدامه، بل حركاته ولو كانت مستقلة فهي بدوافع فطرية أو بتوجيه من حارسه وفقا لما تلقاه من تدريبات للقيام بمهام معينة. في حين أن الذكاء الاصطناعي يمتاز باستقلالية نابعة من توارد علوم معينة على كائن غير حي ذي صبغة افتراضية لا يمكن استشعار مكانها مسبقا في الغالب لإمكان السيطرة عليها وتجعله يتخذ قرارات وفقا لعمليات منطقية وحسابية تطوع بحسب الظروف قد لا يمكن توقعها والسيطرة عليها23.
إن الأخذ بمقاربة محافظة لحراسة الشيء سوف لن يسمح بالأخذ بعين الاعتبار للمسببات الجديدة للضرر التي يفرزها التطور التكنولوجي بين الحين والآخر ويؤدي إلى جمود أحكام المسؤولية الشيئية. فلقد وقعت صياغة تدريجية لعناصر الحراسة وفقا لمقاس مادي بحت مواكبا لظاهرة تنامي الآلة في المجتمعات الصناعية منذ أواخر القرن التاسع عشر، وهي شيء مستحدث في ذلك الوقت خلق تحولات جذرية في وسائل الإنتاج وغير صورة النمط الاجتماعي، لكنها تبقى شيئا رغم ديناميكيته لا يملك أية استقلالية بل أداة طيعة بيد الإنسان تساعده على القيام بالعديد من الأنشطة بطريقة أكثر سرعة وإتقان من ذي قبل؛ مما يجعل منطقيا الإنسان مسؤولا عن الأضرار الناجمة عنها طالما أنه قادر على السيطرة عليها وتوجيهها وفقا لإرادته24. لذا فإن الشيء يكون قابلا للحراسة وفقا لهذه الرؤية كلما كان بالإمكان السيطرة عليه عن طريق القدرة على استعماله وتوجيهه ورقابته، وهي عناصر وردت على مقاس الأشياء المادية تعطي طريقة نموذجية في إحكام استخدام الشيء المادي والقدرة على تفادي ما يتوقع منه من مضار. لكن من الصعب توفرها في الذكاء الاصطناعي الذي يمتاز بخاصية الاستقلالية التي تتنافى مع مفهوم السيطرة على الشيء وبالتدقيق مع عنصر الرقابة، فخاصية التعلم العميق وما تمكنه من الاستفادة من التجارب السابقة والقدرة على تعديل البرمجية وانعتاقها عن محتواها الأصلي تؤكد استقلالية معتبرة للذكاء الاصطناعي تعطل فرضيات السيطرة عليه من قبل جهة خارجة عن نظامه25. ومن الأمثلة الواقعية المجسدة لهذه الوضعية بامتياز: الروبوت الذكي المخصص للاعتناء بذوي الحاجات الخصوصية، فكلما بلغت برمجيته أشواطا في تطويع خدماته بحسب حاجيات الشخص محل الرعاية، وذلك بفضل قدراتها الذاتية على التدرب والتعلم الذاتي من التجارب السابقة، صعب السيطرة عليه وتوجيهه، بل الأوضاع تبدو مقلوبة رأسا على عقب بخصوص علاقة الإنسان بالشيء: فعوض أن يكون الإنسان حارسا للشيء ويطوعه نحو رغباته ويحكم السيطرة عليه، تنتقل هذه الأدوار للشيء الذكي الذي يكون مصمما أصلا لحراسة الإنسان المحتاج لرعاية خصوصية فيتحكم في نشاطه ويوجهه. فالواقع يثبت هذه الحالة لكن من الصعب استلهامها على المستوى القانوني والاعتراف بها رسميا لأسباب أخلاقية وقيمية تتعلق بكرامة الذات البشرية.26
إن هذه الاستقلالية لا زالت إلى اليوم لدى أغلب البرمجيات الذكية في مراحلها الأولى وذات صبغة وظيفية وليست تقريرية، بمعنى أن من يتولى تصميم البرمجية يحدد لها سلفا الخيارات الممكنة والمسار الذي يتجه اتخاذه لتحقيق المهام المطلوبة منها والوسائل الكفيلة بتفادي الصعوبات التي من الممكن أن تعترضها، ثم تحاول البرمجية وفقا لقدراتها المعرفية التفاعل مع كل هذه المعطيات لاتخاذ قرار، ثم تقوم بتنفيذه دون الاستعانة بأي جهد خارجي. وهو ما يعبر عنه بالاستقلالية الوظيفية التي تبقى دوما نسبية؛ لأن هذه البرمجية تكون قد اختارت طريقة لتنفيذ مهامها من بين الطرق المحددة سلفا، وإن صادف أن واجهت صعوبات فأسبابها معلومة مسبقا وطرق تجاوزها مبينة لها على وجه الحصر، بما يجعل المصمم متوقعا دوما ما قد تقوم به برمجيته من مناورات. من ذلك مثلا: أن المترو الآلي الذي يتضمن برمجية تشغيل ذكية يقوم فعلا بقطع المسافة الفاصلة بين مكان الانطلاق إلى مكان الوصول دون الاستعانة بأية جهة خارجية مهما كانت، ويتولى مراقبة الرحلة والمسافرين وتجهيزات وسيلة النقل، لكن استقلاليته تبقى مجرد استقلالية وظيفية خالية من كل تصورات مستحدثة لتطوير البرمجية والاستفادة من التجارب السابقة لتحسين جودة الرحلات، فليست لها سوى العمل وفقا لبرنامج إلكتروني مصمم من قبل يفرض تطويع السرعة بحسب أوضاع محددة سلفا والتوقف الإجباري في المحطات الرسمية والتأقلم مع العوارض المحددة بصفة مسبقة، شأنه في ذلك شأن العديد من البرمجيات الذكية المستعملة في قطاع الأعمال والخدمات والصحة والأمن وتنظيم ومراقبة حركة المرور في الطرق والرعاية الاجتماعية...
أما درجة الاستقلالية التقريرية التي تحظى بها البرمجية الذكية؛ فهي أعلى درجة من التطور التكنولوجي الذي وصل الفكر البشري إلى ابتكارها وتبشر التنبؤات بتفوقها على المجهود المعرفي للإنسان بما يدخل تغييرات جذرية على الحضارة الإنسانية. فبمقتضى هذه الاستقلالية تكون للبرمجية الذكية القدرة - بفضل توسع مجالاتها المعرفية وتقنيات التحكم في قاعدة البيانات الضخمة المتاحة لها وخاصة عن طريق تقنيات التعليم العميق والاستفادة من التجارب السابقة وإحكام طرق الاستشعار والتفاعل مع المحيط - على المراجعة الدورية الذاتية وتغيير نمط قيامها بمهامها؛ مما يتيح للشيء الذكي الانعتاق من برمجيته الأصلية نحو برمجية مستحدثة لا يمكن للمصمم السيطرة عليها؛ فتقدم حلولا وخيارات متعددة ليست من وحي البرمجية الأصلية، وقد يعجز الفكر البشري على توقعها أصلا ثم تقوم بتنفيذها بما يتعذر مسبقا في مثل هذه الحالات التكهن بالقرار المتخذ ولا بطريقة تنفيذه. وهو واقع مستحدث من شأنه أن يجعل الشيء الذكي غير قابل للسيطرة عليه من قبل أي مجهود بشري بما يجعله خارجا عن نطاق الحراسة بطبيعته.
لكن هذا الاستنتاج يتضمن معاينة غير دقيقة للواقع؛ لأن الذكاء الاصطناعي لم يصل اليوم إلى هذه الدرجة المطلقة من الاستقلالية، وحتى إن توصل إليها ولو في القريب العاجل فإنها خاصية لا تحول دون إمكانية حراسته؛ لأنه بإمكان المصمم الاحتياط مسبقا وتقييد النطاق المعرفي للبرمجية حتى لا تمضي في التعلم العميق إلى أبعد منتهياته، أو إلزام المستخدم بإيقاف البرمجية كلما خشي فقدان السيطرة عليها... وهي حلول للحد من الاستقلالية تخدم مصلحة المتضرر أولى من سد منافذ التقاضي أمامه على أساس المسؤولية الشيئية ليجرب حظه من خلال أحكام المسؤولية عن الفعل الشخصي التي تفرض عليه إقامة خطأ المسؤول عن الأضرار الناجمة عن الذكاء الاصطناعي؛ مما يؤدي إلى الدخول في متاهات تقدير السلوك في مجال مستحدث ما زال مستعصيا حتى على أهل الاختصاص، وليس حينئذ من العدالة أن يتحمل المتضرر لوحده إصر التطورات العلمية التي تترتب عليها بين الحين والآخر أضرار يصعب معالجتها على المستوى القانوني.
المطلب الثاني
قابلية الأشياء المستحدثة للحراسة وفقا لمعاير لزوم الحراسة
اختار المشرع القطري منهج الانتقاء بخصوص تحديد الأشياء القابلة للحراسة أسوة بما دأبت عليه أغلب التشريعات العربية، وهو توجه ولئن كان يعبر عن رؤية تقليدية حول المجال المخصص للمسؤوليتين الشخصية والشيئية منبتة عن الواقع الحالي والتطلعات المرتقبة (أ)؛ فإنه من الممكن رغما عن ذلك إيجاد منافذ لإمكان تطويع بعض الأشياء المبتكرة الناجمة عن المستجدات التكنولوجية وفقا لشرط لزوم الحراسة (ب).
لا يكتفي المشرع القطري بوجوب أن يكون الشيء قابلا للحراسة حتى يدخل في نطاق أحكام المسؤولية الشيئية، بل يتجه بالإضافة إلى هذا المتطلب الأساسي أن يكون من الأشياء اللازم حراستها تفاديا للمخاطر التي تنجر عنها. وبهذا الأسلوب يكون قد أحدث تفرقة جوهرية بين الأشياء تؤدي إلى إرساء نظامين مختلفين للمسؤولية عن فعل الأشياء لكل واحد منهما فرضيات انطباقه: إذا كان الشيء يتطلب عناية خاصة لمنع وقوع الضرر منه فسوف يدرج ضمن نطاق المسؤولية الشيئية التي تعتبر أساسا يوفر أكثر إنصافا للمتضرر طالما أنه معفى من إثبات خطأ حارس الشيء؛ فيكفيه إثبات الضرر اللاحق به من فعل بسبب ذلك الشيء لتقوم مسؤولية الحارس الذي لا يمكنه درؤها إلا بإثباته للسبب الأجنبي. وإذا كان الشيء عاديا لا يتضمن أيه خطورة فلا داعي لتكليف حارسه بعناية خاصة وتخضع الأضرار الناجمة عنه للقواعد العامة للمسؤولية عن الفعل الشخصي التي تحاط بها دوما عقبة إثبات خطأ الشخص المسؤول.
إن تفضيل الأشياء الخطرة وجعلها تكتسح لوحدها نطاق المسؤولية الشيئية يقوم على فكرة مفادها أن خاصية الخطورة المتعلقة بالشيء تجعل الأضرار متوقعة منها في كل وقت وعلى درجة معتبرة من الجسامة؛ بما يخلق واجبا خصوصيا على حارسها يتمثل في مضاعفة اليقظة إلى أقصى درجاتها؛ حتى لا تتحقق فعلا تلك الأضرار المتوقعة، يصنف بكونه التزاما بتحقيق نتيجة؛ بحيث إن كل ضرر حاصل من الشيء يفسر آليا بكونه نتيجة إخفاق الحارس في تنفيذ واجب اليقظة تترتب عليه مسؤوليته دون لزوم إثبات خطئه27. أما إذا نجم الضرر عن شيء عادي لا يتسم بالخطورة، فلا مبرر لإثقال ذمة حارسه بواجب بذل العناية الخاصة؛ لأن احتمال تسببه في حصول أضرار للغير لا يعدو أن يكون إلا مسألة عرضية نادرة الوقوع، فلا داعي لإسعاف المتضرر بأساس موضوعي للمسؤولية وما عليه إلا تجربة حظه باللجوء إلى القواعد العامة للمسؤولية الشخصية.
لذا؛ ونظرا لخطورة النتائج المترتبة عن هذه التفرقة بين صنفين من الأشياء يتجه القيام بتحديد دقيق للأشياء الداخلة في نطاق المسؤولية الشيئية تفاديا لتسليط أحكام على أشياء معينة في اتجاه مخالف لمقاصد المشرع. وفي هذا المجال يتضح أن المشرع القطري اقتفى أثر المقاربة الموسعة التي يتبناها اتجاه فقهي وقضائي سائد في العديد من الدول العربية منذ سنوات، مفادها أن خطورة الشيء لا تكمن في طبيعته فحسب، بل من الممكن أن تتعلق بالوضعية التي يكون عليها حين حصول الفعل الضار28. ولقد ظهر هذا التوجه كبديل للنظرة الضيقة التي تجعل خطورة الشيء متعلقة فقط بطبيعته لاعتقادها بأن المشرع يهدف من وراء إدراج شرط الخطورة لانتقاء الأشياء التي تتصف بهذه الخاصية بطبيعتها؛ أي إما بحسب تكوينها أو تركيبتها وكل توسع في هذا النطاق سوف يؤول حتما إلى الخروج عن مقاصد المشرع29.
لم يضع المشرع القطري قائمة حصرية في الأشياء الداخلة في نطاق هذه المسؤولية وإنما اكتفى بوضع معيارين إن توفر أحدهما في الشيء فذلك يدل على أنه مصنف من ضمن الأشياء الخطرة؛ مما يتعين أن يكون محل عناية خاصة: يتمثل المعيار الأول في طبيعة الشيء، في حين أن الثاني يتجلى في الوضع الذي يكون عليه الشيء. ومن خلال الأمثلة النموذجية التي ضربها المشرع بخصوص الأشياء التي تتطلب عناية خاصة يمكن الاستنتاج بأنه ركز على الأشياء التي توصف تقليديا بكونها خطرة منذ زمن ما قبل الثورة الصناعية الأولى؛ حيث كان من الصعب أن يوجد في الحياة الاجتماعية ضرر ناجم عن شيء دون الحيوانات الآهلة؛ لأنها كانت مستعملة كوسيلة إنتاج خاصة، أو من جراء انهيار المباني، لتبقى كل الأفعال الضارة الأخرى الممكن حصولها من فعل الشخص باستعمال أعضاء جسمه ولو استعان بأشياء تعتبر امتداد لها كالعصا والفأس.... كما لم ينس الأشياء المتولدة عن الثورة الصناعية الأولى والثانية والمتمثلة في مختلف الآلات والأجهزة الميكانيكية كالسيارات والطائرات والسفن.
غير أنه من اللازم لفت النظر إلى أن المثال المتعلق بالطائرات والسفن قد أدرج في غير محله وذلك على المستويين القانوني والواقعي: فمن جهة أولى؛ نلاحظ أن القانون القطري كان قد خص بعض الأشياء نظرا لخصوصياتها بقواعد قانونية خاصة لتنظيم الأضرار التي يمكن أن تنشأ عن استخدامها، من ذلك قانون الطيران المدني30، والقانون البحري31 وقانون حماية البيئة بخصوص بعض الأضرار المتعلقة بالتلوث البحري32؛ مما يستنتج معه أن هذه الأشياء تخرج عن نطاق القواعد العامة للمسؤولية الشيئية كيفما وردت بموجب أحكام المادة 212 من القانون المدني، مما يجعل إدراجها كأمثلة تحديدا لنطاق هذه المادة مبنيا على غلط قانوني من الواجب تداركه.
ومن جهة ثانية وحتى على فرض أنه من الممكن جدلا الرجوع إلى القواعد العامة للمسؤولية في حالة وجود فراغ في النصوص الخاصة فإن الأوضاع التقنية لأغلب الطائرات والسفن في العالم تشهد حاليا قفزة نوعية في إجراءات وتدابير السلامة بفضل التقنيات الحديثة والعالية الجودة التي تستعملها وتعمل على تطويرها دوريا مما قد ينفي عنها شيئا فشيئا خاصية الخطورة نظرا لارتفاع منسوب قواعد السلامة، مما سوف يحول الاجتهاد القضائي إما نحو إقصائها من نطاق الأشياء الواجب حراستها أو التوسع في مفهوم خطورة الشيء وفقا لمستجدات العصر.
وأخيرا؛ لم يوصد الباب أمام ما قد يفرزه التطور العلمي والتكنولوجي والواقع المعاش من أشياء مستحدثة بل اتخذ منحى توسعيا حينما جعل المسؤولية الشيئية تستوعب كل شيء يتصف بالخطورة بطبيعته أو بحسب الوضع الذي يكون عليه مما يتطلب عناية خاصة. وهو توجه يتضمن بعدا توسعيا واضحا ويعول على الاجتهاد الرشيد للقاضي بغية الخروج بحلول ذات بعد إنصافي تقدم إسهامات لتطور المسؤولية المدنية. وفي هذا الإطار تطرح مسألة الأشياء المستحدثة، فهل تتضمن بطبيعتها أو بحسب وضعها خطورة معتبرة تجعلها محلا للحراسة أم أن التقنيات العالية المفترض أن تكون واكبتها تضفي عليها نوعا من الحصانة التقنية فتقلل من نسبة المخاطر التي قد تترتب عنها نظرا لارتفاع منسوب درجات السلامة أثناء تصنيعها وتشغيلها؟
اعتمادا على الصياغة الموسعة الواردة بالمادة 212 من القانون المدني القطري بخصوص الأشياء الخطرة التي تتطلب حراسة لتوقي المضار التي يمكن أن تترتب عليها يكون من الوارد جدا أن يستوعب نطاق المسؤولية الشيئية الأشياء التكنولوجية المستحدثة؛ نظرا لتوفر العلة فيها وهي المخاطر الممكنة أكثر مما يفترض تواجدها في الأمثلة التي ذكرها المشرع للقياس عليها لكن مع بعض التحفظات التي تخص بعض الأشياء.
فمن جهة أولى؛ من الواضح أن تطبيقات الذكاء الاصطناعي التي اكتسحت حاليا، وخاصة في الدول المتقدمة، أغلب مجالات الحياة اليومية وأضحت ترافق الأنشطة البشرية وتقدم لها المؤازرة وتدخل على نظامها تعديلات جوهرية ليست على درجة عالية من الأمان والسلامة؛ فنظرا لمكوناتها المادية والمعنوية ولاحتياجها دوما لمصدر من مصادر الطاقة لتشغيلها؛ فضلا عما تتميز به من استقلالية في اتخاذ القرارات وتنفيذها بما قد يجعل حلولها غير متوقعة أصلا؛ فإن هذه المعطيات تؤكد بصفة يقينية إمكانية حدوث مضار ناجمة عنها قد تفوق مضار الأشياء العادية في بعض الأحيان نظرا لسرعتها في إنجاز المطلوب ودقتها في تحديد الأهداف والعمل بطريقة مستقلة ولو نسبيا عن كل تدخل خارجي؛ مما يجعلها حينئذ تندرج ضمن الأشياء الخطرة التي تتطلب عناية خاصة فتكون محلا للحراسة33. فبما أن المشرع نص صراحة على أن الآلات الميكانيكية العادية تستوجب عناية خاصة، فمن باب أولى أن تكون الآلات ذات التكنولوجيا العالية والقدرات الفائقة خاضعة لنفس النظام القانوني.
وفي هذا المجال يثار إشكال بخصوص المنتوجات المستحدثة التي تتضمن بحكم تركيبتها أو تفاعلاتها الكيميائية مواد ذات طابع تسممي أو إشعاعي من شأنه أن يلحق أضرارا بالأشخاص في ذواتهم أو في ممتلكاتهم؛ فضلا عن أضرار بيئية محضة جسيمة قد لا تزول بعد عشرات السنين. من ذلك أن المواد الكيميائية والمبيدات المستعملة في المجال الفلاحي والمستحضرات المستحدثة والناجمة عن مناورات الهندسة الوراثية تعتبر دون شك مواد خطرة34 قابلة من باب أولى لأن تندرج ضمن نطاق المسؤولية الشيئية؛ نظرا لما قد يترتب عليها في الغالب من أمراض وراثية تنتقل إلى الإنسان والحيوان، ومن إضعاف للتربة وإتلاف أو على الأقل نقص في كمية أو جودة المحاصيل الزراعية؛ فضلا عن اندماجها في التربية وتفاعلها معها سلبيا بما يعدل من خصائصها ويهدد التوازن البيئي35. لكن التطورات المتلاحقة في القانون المقارن والاتفاقيات والتوصيات المتعاقبة على المستوى الدولي بخصوص حماية البيئة وجبر الأضرار الناجمة عن التلوث توحي بالاستغناء التدريجي عن قواعد المسؤولية الشيئية لتأصيل المسؤولية عن الأفعال الضارة الناجمة عن التلوث على مقاربات جديدة تتأطر بصفة إجمالية حول التوجه الموضوعي البحت لهذه المسؤولية، وتسريب أسس مستحدثة كمبدأ التلوث الدافع ومبدأ الحيطة؛ فضلا عن الدعوة إلى إقرار المسؤولية التضامنية، ومحاولة توريط أكبر عدد ممكن من المتسببين في التلوث؛ سواء بصفة مباشرة، أم غير مباشرة... وهي مجموعة من التدابير والأساليب المتخذة منذ السنوات الأخيرة من القرن الماضي لمجابهة الأثر السلبي للتطورات التكنولوجية على البيئة تمنح في الحقيقة ضمانات معتبرة للمتضررين من الحوادث البيئية أفضل مما هو مقرر لهم بمقتضى القواعد العامة للمسؤولية الشيئية بعد تجاوزهم عقبة الأشياء الخطرة القابلة للحراسة والفصل في مسألة مدى اعتبار الأبخرة والأدخنة والموجات الكهرومغناطيسية أشياء قابلة للحراسة أصلا.
ومن جهة ثانية؛ قد يبدو اشتراط الصبغة الخطرة في الشيء حتى يدخل في نطاق المسؤولية الشيئية بمثابة العقبة الحقيقية التي تحول دون تمكن المتضرر من الانتفاع بنظام هذه المسؤولية والمغامرة بتجربة أسس أخرى علها تمكنه من الحصول على مبتغاه؛ فتكون القواعد العامة والتقليدية للمسؤولية المدنية عاجزة عن الإحاطة بالمستجدات التكنولوجية حينما تظهر عجزها عن تقديم حلول عادلة؛ نظرا لتعذر تطويعها نحو هذه المستجدات بسبب ما تفرضه من قيود يصعب تجاوزها. من ذلك مثلا: الأجهزة الكهرومغناطيسية التي تنبعث منها إشعاعات غير مؤينة وخاصة أبراج الاتصالات التي انتشر تثبيتها في أغلب مدن العالم لتأمين التواصل عبر شبكات الهاتف النقال والبث الإذاعي والتلفزيوني... فقد تحصل ريبة في شأنها بخصوص مدى اعتبارها مندرجة ضمن الأشياء الخطرة نظرا لوجود سجال حالي بخصوص مدى تسببها في أضرار بيئية أو صحية؛ فضلا عن أن التدابير المعتمدة لتركيز هذه الأعمدة للوقاية من الأضرار التي قد تنجم عنها تتضمن احترام بعض المقتضيات التي من بينها أن يكون مكان تثبيتها بعيدا لمسافة معينة عن محلات السكنى أو أن لا تتجاوز الاشعاعات غير المؤينة الناتجة عنها قدرا معينا36... ففي مثل هذه الحالات تظل صفة خطورة الشيء مقترنة بعدم احترام التدابير الوقائية لا غير. فطالما أن الشيء لم يتجاوز لدى استعماله الحدود القصوى المقررة قانونا فسوف لن يعتبر شيئا خطيرا، وبالتالي لا يمكن أن يكون محل حراسة؛ مما يتعين على المتضرر محاولة أسس أخرى كمضار الجوار. فبما أن المشرع القطري لم يشأ تحديد الأساس القانوني للمسؤولية المدنية عن الأضرار البيئية، وإنما اكتفى فقط في قانون حماية البيئة بالتعرض إلى تدابير الوقاية من التلوث اللازم القيام بها لدى إحداث المنشآت ذات الأنشطة الملوثة؛ مما يؤدي إلى البحث عن أساس ضمن قواعد المسؤولية المقررة في القانون المدني؛ فإنه من الأنسب للمتضرر أن يؤسس دعوة في هذا المجال على نظرية مضار الجوار بالمقارنة مع المسؤولية الشيئية لما توفره له هذه المسؤولية من فرص جدية للتعويض، وإلزام صاحب المضرة بإيقاف الضرر في المستقبل، كما لا يكون مجبرا على الخوض في مسألة مدى اعتبار الأشياء الضارة خطرة أم لا، ومدى قابليتها للحراسة أيضا. أما ما تشترطه نظرية مضار الجوار من وجوب أن يكون الضرر قد تجاوز الحد المألوف؛ فهي مسألة تترك للاجتهاد القضائي المدعو إلى وصل اجتهاده بالنظريات الحديثة المتواردة في هذا المجال، ومن بينها مبدأ الحيطة الذي بدأ يتنامى في السنوات الأخيرة لمواجهة الأضرار المحتملة الناجمة عن التطورات التكنولوجية التي لا زالت إلى اليوم لم تكشف عن أضرارها الممكنة.
كما أن الأجهزة الطبية البديلة المخصصة لتعويض عضو في جسم الإنسان، أو مساعدة عضو على إتمام وظائفه ترميما للقصور الطارئ عليه، كالقلب الاصطناعي والكلية الاصطناعية، والأطراف البديلة والسماعات الطبية تعتبر أشياء مادية طالما أنها منقولات بطبيعتها، وأغلبها يعتبر اليوم من فئة الأشياء المستحدثة؛ نظرا لما طرأ عليها من تعديلات تكنولوجية مميزة ساهمت في تحسين جودة المنافع المرتقبة منها وأرست خطوات معتبرة لضمان سلامة مستعمليها، لكنها مع ذلك تصنف بكونها أشياء خطرة تتطلب عناية خاصة؛ لأن أي خلل أو اضطراب في أدائها لوظائفها سوف ينعكس بالسلب على صحة المنتفع بها وقد يؤدي حتى للوفاة. لكن رغما عن ذلك؛ فإنه من الصعب أن تندرج ضمن نطاق المسؤولية الشيئية نظرا لتعلقها في الغالب بالعقد الطبي الذي أرسى واجبا على الطبيب بضمان سلامة المريض، وهو التزام بتحقيق نتيجة بخصوص ضمان سلامة الجهاز البديل من العيوب التي من شأنها أن ترتب أضرارا، والتزام ببذل عناية بخصوص مدى توصل هذا الجهاز إلى تحقيق المنفعة المرجوة تعويضا لعضو الجسم المعطل37.
لكن ما تجدر الإشارة إليه بصفة إجمالية؛ أن اشتراط الخطورة في الشيء مما يجعله يتطلب عناية خاصة حتى يندرج ضمن الأشياء التي تستلزم الحراسة يعتبر خيارا من المشرع القطري نحو التضييق من نطاق المسؤولية الشيئية وقد يقود إلى حلول غير عادلة، والحال أنه كان من الأفضل أن تكون مقتضيات المادة 212 متحررة من مثل هذا القيد؛ حتى يتمكن القاضي بفضل مجهوده الاجتهادي من وصل الإرادة التشريعية بواقع المستجدات المستحدثة؛ حتى يتسنى له تطويع المقتضيات القانونية وفقا ما يتطلبه العصر، وذلك من أجل بناء صرح للمسؤولية الشيئية يجعلها متغيرة حسب الزمان مواكبة للتطورات التكنولوجية والمجتمعية.
وجوب التدارك نحو التوسع في نطاق الأشياء القابلة للحراسة
لا توجد حاليا مبررات قانونية أو واقعية تحول دون التحرر من الصبغة الضيقة لنطاق الأشياء القابلة للحراسة، وإنما يوحي الوضع الحالي - فضلا عن استقراء الماضي القريب والتوقعات المستقبلية - بزوال السبب الموجب للتضييق (المطلب الأول)، ويوطد المجال فسيحا نحو التوسع مناشدة للحلول العادلة (المطلب الثاني).
المطلب الأول
ضرورة الانعتاق من شرط لزوم الحراسة
يعتبر شرط لزوم الحراسة في القانون الفرنسي مجرد ذكريات لحقبة تاريخية عرفت صياغة متدرجة لنظرية متكاملة للمسؤولية عن فعل الشيء، اقتفت أثرها أغلب التشريعات العربية لظروف معينة؛ مما يفسح المجال حاليا للانعتاق منها لزوال الموجب (أ)؛ فضلا عن أن مواصلة اعتماده سوف يعتبر عاملا مكبلا للقاضي يؤدي في الغالب إلى حلول مرتبكة تنافي العدالة (ب).
ظهرت النزعة التضييقية في نطاق الأشياء القابلة للحراسة من خلال مرحلة من مراحل المحاولات المتواردة من قبل الاجتهادات القضائية والفقهية الفرنسية بخصوص تأويل مقتضيات الفقرة الأولى من المادة 1384 من القانون المدني الفرنسي المتعلقة بالمسؤولية الشيئية. فوفقا لتوجه سائد طوال القرن التاسع عشر يعتمد على الخطأ كأساس وحيد للمسؤولية التقصيرية بأنواعها، كان لا بد من النظر إلى هذه الفقرة بوصفها لا تمثل سوى جملا تمهيدية لمسؤولية خاصة تتعلق بفعل الحيوان وتهدم البناء ولا تتضمن إقرارا من المشرع بانصراف إرادته إلى تأسيس نظرية عامة للمسؤولية عن فعل الأشياء بالتوازي مع المسؤولية عن الفعل الشخصي، لتبقى كل الأضرار؛ سواء نجمت عن فعل شخص، أم عن فعل شيء خاضعة لنظام موحد يقوم على الخطأ لا يمكن للمتضرر الحصول على التعويض إلا بتوفره. غير أن التغييرات الطارئة على الحياة المجتمعية والاقتصادية في فرنسا منذ النصف الثاني من القرن التاسع عشر أوجبت إعادة النظر في هذه الأحكام؛ نظرا للتدخل المطرد للآلة الميكانيكية في مختلف مجالات الحياة اليومية، وخاصة على مستوى وسائل الإنتاج والنقل، بالرغم مما قدمته من رفاهة وتحسن معتبر لسبل العيش، ساهمت في حصول أضرار مستحدثة ومتفاقمة لم تعهدها المجتمعات السالفة، أظهرت تعايشا سلبيا مع أحكام المسؤولية التقصيرية؛ حيث أثبتت التجربة أنه من الصعب في العديد من الحالات - إن لم يكن من المستحيل على المتضرر - إثبات خطأ صاحب الآلة؛ مما يحرمه من جبر ضرره رغم جسامته وذلك بسبب حصول الضرر في أغلب الحالات رغم انعدام التقصير من جهة مستعمل الآلة. فكان لا بد حينئذ من البحث عن تأصيل لمسؤولية مدنية غير مبنية على الخطأ تعتد بحصول الضرر؛ لتمكن ضحايا الآلات الحديثة من سبل ميسرة لجبر أضرارهم، فوقع الاهتداء إلى حل يتمثل في إعادة قراءة لأحكام هذه الفقرة تتمثل في اعتبارها مجرد استثناء يسمح بإقرار مسؤولية تقصيرية لا تشترط توفر الخطأ ينحصر نطاقها في أشياء تتسم بخصوصية معينة تتعلق إما بطبيعتها، وهو ما دفع إلى إقصاء العقارات من نطاق المسؤولية الشيئية بحجة أن المشرع قد نظم المسؤولية عن المباني، أو ببنيتها ومكوناتها؛ بما يجعل هذه المسؤولية تقتصر على الأشياء المعيبة فحسب، أو باستعمالها وبنيتها معا؛ مما يجعلها خاصة بالأشياء الخطرة فحسب؛ مما يسمح ببقاء القواعد العامة سارية على المسؤولية عن فعل بقية الأشياء؛ نظرا لأن الأشياء التي تتوفر فيها إحدى الصفات السالف ذكرها هي التي أحدثت الأضرار المستحدثة وساهمت في تفاقمها؛ مما يجعل الاستثناء من المنطقي ألا يتجاوز الحد الذي من أجله وقع إقراره38.
وقد دأب الاجتهاد القضائي على هذا التوجه، الذي اختلفت ردود الأفعال الفقهية في شأنه39، خلال حقبة زمنية ابتدأت من أواخر القرن 19 إلى نهاية العشرية الثانية من القرن العشرين40.
ومنذ قرار الدوائر المجتمعة لمحكمة النقض الفرنسية الصادر في 13-02-1930، والمشهور بقرار "JAND’HEUR" عرفت الفقرة الأولى من المادة 1384 من القانون المدني الفرنسي تأويلا مغايرا يتمثل في اعتبارها مكرسة لنظرية عامة للمسؤولية عن فعل الأشياء يتسع لنطاقها لجميع الأشياء القابلة بطبيعتها للحراسة والتي لم يفردها المشرع بأحكام خاصة، فلا عبرة بمدى خطورتها أو بطبيعتها أو بحجمها أو بمكوناتها...41، ليبقى حينئذ اشتراط الصبغة الخطرة في الشيء؛ حتى يعتبر قابلا للحراسة من العراقيل التي وضعت في الماضي خشية الانتقاص التدريجي من هيمنة الخطأ كأساس للمسؤولية التقصيرية، ولا يقع إثارتها اليوم في القانون الفرنسي إلا لمجرد ذكريات تتعلق بمسار بناء المسؤولية الشيئية، وللإشادة بمجد فقه القضاء الفرنسي كمصدر فاعل ومؤثر من مصادر قانون المسؤولية المدنية.
ولئن تخلص القانون الفرنسي بصفة نهائية من هذه النظرة التضييقية التي تستعمل عدة معايير للتضييق من نطاق الأشياء القابلة للحراسة؛ فإن رواسبها ظلت عالقة إلى اليوم بأغلب التشريعات المدنية العربية التي اقتبست أحكام المسؤولية عن فعل الأشياء من القانون المصري الذي لم يكن يجهل التطورات الحاصلة في القضاء والفقه الفرنسيين بخصوص التوسع في نطاق المسؤولية الشيئية، بل عرفت أعماله التحضيرية ترددا بين النظرتين آلت الغلبة في نهاية المطاف إلى ترجيح الموقف المحافظ، فوردت المادة 178 معبرة عن اتجاه انتقائي للأشياء محل الحراسة حينما أضافت إليها وصفا يتمثل في صبغة الخطورة التي تتطلب عناية خاصة.
وقد وقع تقديم مبرر واقعي لهذا التوجه يتمثل في الظروف المتزامنة مع صدور القانون المدني الجديد والخاصة بالمجتمع المصري والتي لا تسمح بمجاراة تطورات القانون الفرنسي في هذا المجال، "فالظروف الاقتصادية في مصر تختلف عنها في فرنسا: الصناعة لا تزال في عهد الطفولة، والآلات الميكانيكية لم تبلغ من الكثرة ما يجعلها خطرا داهما على الحياة الاجتماعية، بل إن الصناعة الناشئة في مصر تتطلب في أول عهدها أن تشجع، لا يثقل القضاء كاهلها بالتشدد في مسؤولية أصحاب الصنائع، لا سيما أن تشديد المسؤولية يقتضي تقدم نظام التأمين؛ حتى يستطيع أصحاب المصانع أن يواجهوا ما تفاجأ به من خسارات فادحة تترتب عن هذا التشديد."42
ما يمكن استنتاجه بصفة إجمالية من هذه المبررات أن نابعة عن فكرة مركزية مفادها؛ أنه لا يمكن مواجهة التطورات الحاصلة على وسائل ونمط الإنتاج، المتمثلة في استعمال معدات وآلات حديثة ما فتئت الثورة الصناعية تفرزها، بتشديد على مستوى المسؤولية المدنية للصناعيين وللمستثمرين في هذا المجال، بل على العكس تماما يتجه مؤازرتهم وتشجيعهم باعتبارهم طبقة اجتماعية حديثة تتطلب رعاية خدمة للاقتصاد الوطني وللتغيرات الاجتماعية الحاصلة، ولا يخشى من أنشطتهم أن تؤسس خطرا حقيقيا يهدد المجتمع طالما لازالت في بداياتها، كما أن الـتأمين على المسؤولية ما زال لم يرتق إلى المستوى المطلوب بما يمكنه من مجابهة مبالغ التعويضات المحتمل الحكم بها للضحايا. لذا فهي حينئذ مبررات ظرفية من المنطقي أن تتغير الحلول القانونية بزوالها، وهو ما لم يتحقق رغم مرور أكثر من سبعين سنة على صدور القانون المدني المصري، وهي فترة زمنية كافية لحصول تغييرات على الاقتصاد المصري، ولظهور متعاقب لعدة أنماط من الوسائل التكنولوجية للمساعدة على تصريف شؤون الحياة اليومية ومختلف الأنشطة المتعلقة بها. كما أن الظرف الخاص بالمجتمع المصري ولو كان متقاربا لظروف بقية المجتمعات العربية نظرا للإرث الحضاري المشترك خاصة بتأثير من الشريعة الإسلامية، إلا أنه من المبالغة إنكار عناصر الاختلاف نظرا لعدة عوامل أبرزها مدى توفر الموارد الطبيعية الخالقة للثروة، والكثافة السكانية، وتطور الاقتصاد وانفتاحه على الخارج... وهي عوامل لم تؤخذ بعين الاعتبار لدى الدول العربية التي تأثرت بالمقاربة المصرية بخصوص تحديد نطاق المسؤولية عن فعل الأشياء؛ مما يجعلها تقتبس أحكاما تتضمن تضييقا لا توجد لها مبررات واقعية أو قانونية خصوصية على مستوى إقليمها. من ذلك دولة قطر؛ حيث ورد نفس التوجه بموجب المادة 80 من القانون عدد 16 لسنة 1971 المتعلق بإصدار قانون المواد المدنية والتجارية، ووقع تأكيده صلب أحكام المادة 212 من القانون المدني الجديد لسنة 2004. فلقد كان للمشرع القطري فرصة أولى للخيار بخصوص تحديد نطاق المسؤولية عن فعل الأشياء سنة 1971 بمناسبة وضع القانون المدني والتجاري بين المقاربة الموسعة التي ظل القانون الفرنسي ثابتا عليها منذ 1930 وقد سبقه في ذلك المشرع التونسي43 وقوانين الدول العربية المتأثرة به، وبين المقاربة الضيقة الواردة بالقانون المصري والتي تسربت إلى أغلب التشريعات العربية؛ ليطلع على حجج المقاربتين ويختار ما يلائمه منها وفقا لتطلعات المجتمع القطري، فاختار النهج التضييقي رغم أن مبرراته لا تتلاءم مع واقع المجتمع القطري آنذاك. ثم كانت له فرصة حقيقية وجدية للتدارك سنة 2004 بمناسبة إصدار القانون المدني الجديد لكنه أهدرها ليعبر عن رغبته صراحة في حصر نطاق المسؤولية الشيئية في حدود معينة؛ مما يترتب عليها آثار قانونية قد لا تتوافق مع التطورات الطارئة على المسؤولية التقصيرية عموما، وتؤدي إلى الحصول على حلول غير منصفة.
إن تحديد نطاق الأشياء القابلة للحراسة في القانون القطري لجعله يقتصر على الأشياء الخطرة التي تستوجب عناية خاصة يعتبر خيارا من الصعب إيجاد الأسانيد الواقعية والقانونية التي تبرره؛ فضلا عما قد يثيره في الغالب من إشكاليات تتأطر حول ما يترتب عليه من نتائج تتنافى مع قواعد العدالة؛ فضلا عن اعتباره سببا قانونيا دافعا إلى المغامرة نحو محاولة اللجوء إلى تجربة أسانيد أخرى لـتأسيس دعوى التعويض علها تكون أوفر حظوظا للمتضرر.
فمن جهة أولى، تترتب عن قصر الحراسة على الأشياء الخطرة فحسب؛ تأسيس تفرقة جوهرية في إطار النظرية العامة للمسؤولية التقصيرية في القانون القطري بين نظامين من القواعد القانونية المنطبقة على المسؤولية عن فعل الأشياء: نظام المسؤولية الشيئية الخاص الذي لا يستوعب إلا نوعا خاصا من الأشياء، وهي تلك التي تتميز بالخطورة، ولا يشترط لتوفرها ركن الخطأ، بل يكفي حصول ضرر ناجم عن تدخل فاعل من الشيء محل الحراسة لتقوم مسؤولية الحارس التي لا يمكنه دحضها إلا بإثبات السبب الأجنبي. وهو بلا شك نظام يوفر حماية مؤكدة للمتضرر بالمقارنة مع القواعد العامة للمسؤولية التقصيرية التي تقوم في أساسها على وجوب توفر ركن الخطأ. ونظام المسؤولية العام الذي يتسع ليستوعب كل الأشياء التي من الممكن أن يترتب عليها ضرر بشرط ألا تكون خطيرة، ولا تمتاز قواعدها بخصوصية تذكر، وإنما تنطبق عليها الأحكام العامة المقررة في شأن العمل غير المشروع الواردة بالقانون المدني والمؤصلة على فكرة الخطأ الواجب الإثبات.
تكون وضعية المتضرر من فعل الشيء نازلة بين هاتين المنزلتين لا يتحكم فيها إلا عامل الصدفة؛ فإذا كانت الوقائع المتعلقة بالفعل الضار قد تأطرت حول شيء يتصف بالخطورة؛ مما يجعله يتطلب عناية خاصة فسوف تكيف ضمن أحكام المادة 212 ليحظى المتضرر بنظام قانوني يوطد له المجال لجبر ضرره دون عناء البحث عما إذا كان هذا الفعل ناجما عن خطأ أم لا. أما إذا تعلق الأمر بضرر ناجم عن فعل شيء لا يمتاز بصفة الخطورة فسوف يتحمل المتضرر لوحده تبعات حظه العاثر الذي قاده إلى أضرار قد يعجز عن إثبات خطأ المتسبب فيها؛ مما يؤول إلى إرساء حلول غير عادلة قوامها عامل الصدفة وتتنافى بطبيعة الحال مع الغاية المركزية من المسؤولية التقصيرية التي تتجلى في إعادة التوازن المختل بين الذمم بسبب الفعل الضار. من ذلك مثلا: لو أصابت دراجة هوائية عادية شخصا بأضرار جسيمة فمن المفروض أن هاته الدراجة لا تصنف ضمن الأشياء الخطرة؛ فيكون المتضرر حينئذ مطالبا بإثبات خطأ صاحبها لترتيب المسؤولية وفقا لما تقتضيه القواعد العامة، وقد يعجز عن هذا المتطلب فتكون وضعيته على هامش التعويض. وفي المقابل قد تصيب دراجة هوائية مزودة بنظام تشغيل إلكتروني شخصا آخر وتلحق به أضرارا بسيطة؛ فيكون النظام المستحدث الملحق بها عاملا موجها للقاضي للتكييف فيصنف الحادث ضمن أحكام المادة 212 طالما تسبب فيه شيء له صفة الخطورة فينتفع آنذاك المتضرر من قرينة المسؤولية، وتسهل حظوظه في الحصول على جبر ضرره، ولن يكون المعيار المؤصل للفرق بين الحادثين سوى الحظ.
ومن جهة ثانية، وفي ظل التقنيات الحديثة التي تتميز بها الأشياء المستحدثة، وما تثيره من ردود أفعال تنافسية بين المنتجين، وحرصهم على مطابقة منتوجاتهم للمواصفات المطلوبة؛ قد يرتفع فيها منسوب احترام قواعد السلامة والأمان فتستعصي على القاضي فرضيات التأكد من المخاطر التي تتضمنها، أو تثيرها هاته المنتوجات؛ مما يؤدي إلى ارتباك الاجتهاد القضائي في توصيفها. وإزاء هذه الحالة؛ قد لا يغامر المتضرر بتأسيس دعواه على المسؤولية الشيئية خشية مفاجأته من قبل الاجتهاد القضائي بانعدام خطورة الشيء المحدث للضرر نظرا لحداثة الأشياء المستحدثة؛ مما يجعل الاجتهادات في شأنها قليلة العدد، أو لعدم إدراك القاضي لحقائق الأمور العلمية المتعلقة بتكوينها أو بقدراتها؛ فيلجأ إلى مقارعة أسس بديلة علها توفر له حظوظا أوفر لجبر ضرره، من ذلك الاستناد على أحكام المسؤولية العقدية كلما كان يربطه بصاحب الشيء المحدث للضرر عقد فيحاول التوسع في نطاق الواجبات العقدية وفقا للبعد الموضوعي للعقد من خلال قيمتي حسن النية والإنصاف، أو باللجوء إلى نظرية مضار الجوار رغم صعوبة توفر شروطها... لأنها أسس توطد له الأمل في الحصول على مبتغاه بالمقارنة مع المسؤولية المبنية على الخطأ.
لكن حتى وإن حصل على التعويض اعتمادا على أسس أخرى غير المسؤولية الشيئية بسبب فعل ضار ناجم عن فعل شيء؛ فإن المتضرر يكون من الناحية الشخصية قد جرب الدعاوى الممكنة المتاحة له قانونا إلى أن تطابقت إحداها مع وضعيته ويكون قد استوفى حقه. غير أنه من الناحية الموضوعية يعتبر حلا غير ناجع؛ لأن المتضرر حاول وفقا لمصلحته تفادي عراقيل قانونية كان من الممكن للمشرع أن يكون في غنى عنها ولا توجد لها أية مبررات واقعية حاليا. أليس في تواتر هذه الحلول تضييق تدريجي لنطاق المسؤولية الشيئية التي كانت ولا زالت في القانون المقارن من أبرز المواضيع الملهمة للفكر الخلاق للقاضي؟ ألم يكن من الأفضل أن يصوغ المشرع قواعد مرنة لأحكام المسؤولية الشيئة تجعلها قادرة على استيعاب كل الأشياء المستحدثة مواكبة لمستجدات عصرها؟
إن المقتضيات القانونية المنظمة للأحكام العامة للمسؤولية الشيئية في القانون الفرنسي تعتبر مصدر استلهام لأغلب التشريعات المدنية العربية، وإحدى العلامات الدالة على المجهود الخلاق للقاضي الفرنسي في نحت قواعد متجانسة ومتكاملة لنظرية عامة عن فعل الأشياء كانت محل إشعاع وإشهاد بمكانتها على مستوى العالم، وذلك لسبب وحيد يتمثل في مرونة عباراتها رغم أنها واردة في إطار جملة مقتضبة، فلو فرضنا أن المشرع الفرنسي اختار تخصيصها بقيود معينة زمن إصدارها لما آل لها إشعاعها الحالي. وقياسا على هذه الوضعية؛ فإن خيار المشرع القطري بتخصيص نطاق المسؤولية الشيئية على الأشياء الخطرة فحسب سوف يؤدي مستقبلا إلى وضع عقبات أمام ما يرتقب من القاضي من مهارات اجتهادية ويساهم في خلق صعوبات واختلافات في المواقف بخصوص بعض الأشياء المستحدثة التي من السهل أن تؤدي إلى غلط مادي على مستوى تكييفها نظرا لدقة وحداثة تقنياتها.
المطلب الثاني
المتطلبات المرتقبة لإحكام حراسة الأشياء المستحدثة
عرفت مسألة مدى قابلية الأشياء المستحدثة للحراسة سجال فقهي وقضائي خاصة بالنسبة للتطبيقات الذكية؛ أثمر تقديم حلول ومقترحات تتراوح بين الإقبال والإدبار في انتظار تدخل تشريعي حاسم (أ)، غير أنه من الممكن في الوقت الراهن تقديم مقترحات نحو بناء رؤية جديدة للحراسة تطوع قدر الإمكان عناصرها وفقا لخصوصيات الأشياء المستحدثة (ب).
تتمثل الحراسة في السيطرة المادية على الشيء التي تتجلى في مظهرها المادي في ثلاثة عناصر أساسية وهي، الاستعمال والتوجيه والرقابة التي إن توفرت فإنه من المفترض وفقا للوضع الغالب أصلا ألا ينحرف الشيء عن الغرض الذي وظف من أجله ولا يتسبب في حدوث أضرار للغير. يتمثل استعمال الشيء في استخدامه؛ بما يتوافق مع طبيعته، أو مع الغرض الذي خصص له؛ سواء كان هذا الاستخدام ناجما عن حق للمستعمل، أم دون وجه حق كحالة الغصب والسرقة، ولا يشترط أيضا أن يحصل الاستعمال فعلا، بل يكفي أن تكون للشخص القدرة على ممارسته في الوقت الذي حصل فيه الفعل الضار44.
أما التوجيه؛ فهو سلطة ترد للشخص على الشيء تتعلق بصفة إجمالية في تحكمه في إدارة استخدامه؛ بحيث تكون له سلطات تحديد كافة الظروف والوسائل المتعلقة بالاستعمال؛ لضمان توجيه الشيء نحو صبغته النفعية، وتفادي تسببه في إلحاق أضرار بالغير. ولا يشترط لتحقق هذا العنصر أن يبقى الشخص ملازما للشيء للوقوف ماديا على تنفيذ أعمال الإدارة؛ فتلك مسألة تتعلق بالتوجيه المادي للشيء، كالشخص الذي يتولى السيطرة المادية على الآلة فيوجهها نحو المكان الذي يريده بمناورة معينة، بل يكفي أن يوجه أوامره في هذا المجال عن بعد أو دون ملامسة للشيء، فالعبرة بالتوجيه الذهني لا المادي45.
وبخصوص الرقابة؛ فهي تتجلى في الإشراف على الشيء لإحكام مراقبته وتفحصه؛ حتى يتسنى القيام بأعمال الصيانة اللازمة ليبقى صالحا للاستعمال وتفادي الحالة الخطرة غير العادية التي يكون عليها والتي قد تتسبب في أضرار للغير46.
إن هذه العناصر الثلاثة، ليست في الحقيقة إلا إحدى الأمثلة النموذجية الدالة على الاجتهاد الخلاق للقاضي الفرنسي وسعيه الدؤوب نحو نحت صرح متكامل للمسؤولية الشيئية ينطلق من ألفاظ مقتضبة مضمنة في فقرة من المادة 1384 من القانون المدني الفرنسي؛ لينتهي إلى محاولة تطويعها نحو الوقائع المعروضة لاستنباط إرادة تشريعية قوامها مناشدة العدالة على مستوى المسؤولية التقصيرية. فلقد تضمنت هذه الفقرة فقط إشارة إلى وجود شخص يتولى حراسة الشيء كإحدى الشروط اللازمة لقيام هذه المسؤولية ليتولى القاضي فيما بعد تحديده وفقا لعناصر إن توفرت في الشخص فمن المفترض أن تكون له القدرة على السيطرة على الشيء بما يحول دون تسببه في إلحاق أضرار بالغير. ولقد كانت هذه العناصر مرتبطة ارتباطا وثيقا بوقائع معينة أتقن القاضي الاجتهاد في إيجاد مقاس قانوني لها. تفيد وقائع القرار الذي كان سببا في صياغة هذه العناصر أن سيارة سرقت من مالكها وارتكب بها السارق حادثا قاتلا، ولما طالب ورثة الضحية بالتعويض فسوف توجه الدعوى منطقيا نحو مالك السيارة على أساس أن المقصود بحراسة الشيء هو الحراسة القانونية؛ بما يجعل مالكه مبدئيا هو من يتولى السيطرة عليه وفقا لقرينة سائدة آنذاك، ومن السهل استساغتها وفقا للمجرى العادي للأمور.
غير أن تطبيق هذا الحل سوف يؤدي لا محالة إلى توارد عدة مظالم: فمالك السيارة سوف يتحمل مسؤولية حادث لم يكن متسببا فيه، بالإضافة إلى ضرره الأصلي المتمثل في الاعتداء على حقه في الملكية من جراء واقعة السرقة. وفي المقابل؛ فإن السارق سوف يكافأ عن نتائج فعله الإجرامي؛ فلا يكون مسؤولا مدنيا عن الحادث الذي ارتكبه بالسيارة المسروقة. لذا كان من اللازم على قضاة محكمة النقض الفرنسية التصدي لهذه النتائج الغريبة عن طريق صياغة عناصر للحراسة تمت على مقاس الشيء الذي أحدث الضرر وهو السيارة، أمكن على إثرها عدم إسناد صفة الحارس إلى مالك الشيء، بل إلى سارقه نظرا لأن فعل السرقة حرمه من القدرة على استعماله وتوجيهه ورقابته.47ونظرا لنجاعة هذه العناصر في الاقناع بتحديد صفة الحارس؛ أصبحت متداولة لدى القضاء كلما طرحت مسألة تحديد الحارس، وقد لقيت استحسانا من الفقه وانتشرت خارج الحدود الفرنسية إلى أن أضحت اليوم بمثابة قاعدة من القواعد العامة في المسؤولية التقصيرية خارقة للحدود، بل كانت مصدر استلهام لبعض التشريعات التي جعلت حراسة الشيء تتضمن وجوبا القدرة على استعماله وتوجيهه ورقابته.48
غير أن الانتشار الرهيب لهذه العناصر وتوارد اعتمادها كأنها من وحي قواعد القانون الطبيعي يكمن في تشابه الوقائع التي تعرض على القضاة والمتمثلة في أضرار ناجمة عن آلة ديناميكية غالبا ما تكون سيارة، فلم توجد حينئذ دوافع واقعية تسبب لها عثرات بل على العكس تماما كانت أحسن عوامل لضبط دقيق لصفة الحارس طالما أنها توفر له الأرضية المناسبة لتفادي حصول أضرار عن الشيء محل الحراسة، فلم تكن الحاجة ملحة للتفكير حتى في تطويرها. لكن المعطيات تغيرت منذ السنوات الأخيرة من القرن العشرين بسبب ظهور العديد من الأشياء المستحدثة؛ ليثار التساؤل عما إذا كان بالإمكان مواصلة الاعتماد على هذه العناصر لتحديد حراسة الشيء، أم أنها لا تتأقلم إلا مع الأشياء التي كانت دافعا لظهورها ويلزم في المقابل إيجاد حلول لهذه المستجدات؟
ينحصر نطاق الإشكال في تطبيقات الذكاء الاصطناعي على مختلف أنواعها بوصفها أشياء مستحدثة يصعب تطويعها وفقا للعناصر المؤتلف عليها للحراسة؛ حيث وقع اعتبار ما تتميز به من صبغة لا مادية واستقلالية في اتخاذ القرارات وطرق تنفيذها بمثابة العوائق الجدية التي تحول دون استعمال الحارس لسلطاته المتمثلة في التوجيه والرقابة، بل قد تنقلب الأوضاع في بعض الحالات ليصبح الذكاء الاصطناعي في حد ذاته متعهدا بتوجيه السلوك ورقابة الأشخاص على درجات عالية من الدقة كالروبوت الذكي الذي يستخدم لرعاية المرضى وصغار السن وذوي الاحتياجات الخصوصية. ولمواجهة هذه الصعوبات اتجهت العديد من الاسهامات على اقتراح حلول تأطرت بصفة إجمالية فيما يلي:
تجب الإشارة بادئ إلى وجود تيار فقهي إقصائي يدعو إلى البحث عن أساس آخر للمسؤولية عن فعل الشيء الذكي؛ نظرا لتنافي خاصيتي الاستقلالية واللامادية التي يتميز بها مع العناصر المادية المؤتلف عليها للحراسة، والتي ثبت مع مرور الزمن نجاعتها في تحديد محتوى الحراسة والاهتداء إلى صفة الحارس. فالمشرع لا تتعدى مقاصده من وراء كلمة شيء سوى الأشياء المادية التي وفقا لطبيعتها القابلة للإدراك حسا أن تكون محلا للاستعمال والتوجيه وخاصة الرقابة؛ لأنه من الصعب - إن لم يكن من المستحيل - مراقبة شيء لا يدرك إلا بالتصور وليس له حيز مكاني أو زمني. كما أن خاصية الاستقلالية تؤدي منطقيا إلى محو عنصري الحراسة وهما التوجيه والرقابة؛ لأن الشيء الذكي بخلاف الشيء الديناميكي يتضمن توجيها ورقابة داخلية ذاتية تعتبر إحدى الأهداف من وراء تصميمه لتخليص الإنسان من هذه المهام، وليس لإثقال كأهلة برقابة شيء مستحدث على غاية من التعقيد التكنولوجي؛ غالبا ما يكون مستعمله جاهلا تماما لتقنيات صنعه وتحيينه وبرمجيته49.
لذا يكون من الأفضل في الوقت الراهن تأسيس المسؤولية عن فعل الأشياء المستحدثة على أحكام المسؤولية عن فعل الأشياء المعيبة التي تعتبر إحدى المظاهر الدالة على مواكبة الإرادة التشريعية للتطور التكنولوجي، وتطويع هذه المستجدات التي تظهر في شكل منتوجات متعددة بحسب تحقيق النجاعة المطلوبة منها وحماية المستهلك، وذلك بالنسبة للبلدان التي أقرت تشريعات خاصة بهذه المسؤولية50. وهو حل يغني عن اللجوء إلى فكرة حراسة الشيء أصلا وما يترتب عليها من صعوبات بخصوص توفر عناصرها وتحديد الحارس المسؤول. فهي مسؤولية موضوعية تيسر للمتضرر سبل الاهتداء إلى المسؤول وتعفيه من إثبات خطئه، وقابلة لاستيعاب الأشياء المستحدثة والتأقلم مع خصوصياتها؛ سواء كانت أشياء ذكية، أم ذات صبغة لا مادية، أو منتوجات معدلة وراثيا، أو تتضمن تركيبات معقدة تجعلها قابلة للتسبب في العديد من المخاطر، أو إشعاعات ناجمة عن الأجهزة والآلات ذات الإشعاعات أو النفايات.
وفي توجه مخالف تماما؛ وقع اقتراح إمكانية انطباق عناصر الحراسة كيفما وردت على صبغتها التقليدية لتنطبق على الشيء الذكي رغم خاصية الاستقلالية التي يمتاز بها وذلك قياسا على فعل الحيوان الذي لا تحول خاصية الاستقلالية الفطرية التي يكون عليها من إدراجه ضمن الأشياء القابلة للحراسة؛ ليظل حارسه مسؤولا عن أفعاله ولو ضل منه أو انفلت، فلا مانع من انطباق نفس الحل على الذكاء الاصطناعي. فمن يستعمل هذا الشيء المستحدث من المفروض أن يكون عالما مسبقا باستقلاليته وبصعوبة أو استحالة مراقبته واستمر بمحض إرادته على مواصلة استخدامه يكون مسؤولا عن الضرر الناجم عنه تماما كمن يقتني حيوانا وهو عالم مسبقا بإمكانية انفلاته51.
وانطلاقا من عجز عناصر الحراسة - كيفما تستعمل حاليا على تفادي الأضرار الناجمة عن الذكاء الاصطناعي؛ لأنها لا تمكن من تحقيق الغاية التي أسست من أجلها وهي السيطرة عليه - ظهر توجه ثالث يدعو إلى ضرورة الانتقاص من العناصر التقليدية للحراسة فيقع بتر عنصري الرقابة بصفة أساسية وعنصر التوجيه بصفة عرضية عند الاقتضاء لتبقى قائمة فقط على مستوى الاستعمال فيقع على ضوئه تحديد الحارس؛ لأن الاستقلالية التي تتمتع بها هذه التقنية تجعل البرمجية توجه خياراتها ذاتيا وتنتقي الحلول. فإذا كان بالإمكان استعمال الشيء المستقل فإنه يصعب توجيهه ورقابته؛ لأن برمجيته تطور معرفتها بنفسها وتختار الحلول الملائمة التي لا تخطر على بال أي إنسان بما في ذلك مصممها؛ فضلا عن أن التصميم يعتبر عملا فوريا ينتهي منذ اكتمال البرمجية في حين أن الرقابة عمل متواصل، فلا مجال حينئذ لإسناد الرقابة على فرض تواجدها للمصمم. لكن رغم أن المستعمل لم يساهم في وضع البرمجية بل هو مجرد منتفع بخدماتها، يمكن أن تسند له الحراسة بمجرد توفر عنصر وحيد وهو الاستعمال، الذي سوف يعتبر جوهر الحراسة في هذه الفرضية فحسب، طالما أنه قادر على السيطرة على الشيء الذكي لتفادي الأضرار الناجمة عنه عن طريق إيقاف تشغيله، وهو تصور يقدم حلولا عملية مؤقتة ريثما يصدر المشرع قواعد خاصة لتنظيم المسؤولية عن فعل الأشياء الذكية52.
ما من شك في أن هذه المقترحات تعتبر رد فعل جدي لمجابهة إحدى مظاهر التعبير عن القلق الذي يشعر به المختصون في العلوم القانونية إزاء التأخر النسبي للتشريعات عن مواكبة المستجدات التكنولوجية وغيرها من الابتكارات التي تثير إشكاليات قانونية بين الحين والآخر، لكنها في المقابل قدمت حلولا مبنية على حقائق تنقصها بصفة إجمالية الدقة اللازمة في تسوية هذه المشاكل؛ فضلا عن ارتكازها على عناصر الحراسة بوصفها قدرا محتوما من اللازم ألا ينفصل عن مفهوم حراسة الشيء.
فمن جانب أول؛ فإن الصبغة اللامادية للذكاء الاصطناعي لا تحول دون أن يكون محلا قابلا للحراسة وفقا للعناصر التقليدية المؤتلف عليها كلما وقع اعتباره من الناحية الواقعية شيئا مركبا يتضمن جانبا لا ماديا وآخر مادي، ومن الناحية القانونية؛ شيئا موحدا ينظر إليه ككيان مادي بحت انطلاقا من الدعامة التي تحتويه، فلا ينظر إليه إلا كشيء مادي من ناحية مجسمه لا يختلف عما يماثله من الأشياء.
أما بالنسبة لخاصية الاستقلالية؛ فهي مسألة تتطلب أكثر تدقيقا بالرجوع إلى المعطيات العلمية في مجال الخوارزميات والمعلوماتية التي تتطلب إقرار تفرقة في هذا المجال بحسب درجة تطور هذه الاستقلالية: فإذا كانت البرمجية في أولى خطواتها أو على درجة متوسطة من الذكاء؛ فإنه من الممكن السيطرة عليها إعمالا لعناصر الحراسة التقليدية طالما أن قراراتها معلومة مسبقا والنتائج المترتبة على تنفيذها مرتقبة بما يمكن من توجيهها مسبقا نحو تحقيق أقصى فائدة ممكنة منها ولتفادي المضار الناجمة عنها؛ فضلا عن عدم تمكنها من الانفلات من الرقابة بصفة مطلقة ما دامت برمجيتها قابلة للتحكم فيها، من ذلك مثلا: التطبيقات الذكية المستخدمة في مجالات الصناعة والخدمات والتي تمكن البرمجية من التوقف عن نشاطها المستقل وتسند التحكم فيها وتفقدها لمستعملها. لكن الإشكال يتعقد حقيقة بالنسبة للتطبيقات فائقة الذكاء التي تستعمل برمجيات متطورة جدا قادرة بفضل تحكمها في قاعدة بيانات رهيبة وتقنيات التعلم العميق واستشعار محيطها والتأقلم معه على الانعتاق من برمجيتها الأصلية نحو أبعاد لا متناهية من البرامج المستحدثة والتي لا يمكن معرفة منطلقاتها ولا أهدافها ولا النتائج المترتبة؛ فتصبح متحكمة في مآل المجال الذي صممت من أجله وقد تتعداه إلى مجالات أخرى؛ مما يجعل من المستحيل في الغالب السيطرة عليها. ولا يعتبر هذا الوصف من الخيال العلمي، بل هو حقيقة لكن لازالت مظاهرها في بداياتها تخص نسبة ضئيلة حاليا من التطبيقات الذكية يتعذر تطويع عناصر الحراسة وفقها53.
ومن جانب ثاني؛ لا بد من التذكير بأن عناصر الحراسة ليست سوى اجتهاد قضائي اعتمد في ظرف معين وعلى مقاس أشياء معينة وحظي باستحسان منقطع النظير، لذا؛ فإنه من غير الممكن أن تعتبر بمثابة القالب الجامد الذي لا يمكن المساس به فيعجز عن مجابهة المستجدات الطارئة في الحياة الاجتماعية، بل على العكس تماما يتجه أن تؤخذ هذه العناصر كمثال نموذجي عن الفكر الخلاق للقاضي في زمن معين لإيجاد حلول عادلة تطلب الأمر القيام بمجهود تأويلي للنص التشريعي لاستنباطها؛ لأن ابتكار العناصر المادية للحراسة لم يكن أبدا من أجل وضع قواعد جامدة يتطلب دوما توفرها حتى تقوم حراسة الشيء، بل الهدف منها يكمن بالتدقيق في الرغبة في تحميل المسؤولية للشخص الذي يكون في وضعية أقرب من غيره؛ لتفادي الضرر الناجم عن الشيء من خلال رقابته وتوجيهه وصيانته54. فكما أوجد القاضي حلولا واقعية لحراسة السيارة المسروقة في زمن بدأ فيه استعمال السيارة يتزايد في المجتمع، وانتشر هذا الاجتهاد واتسع نطاقه ليطال جل الأشياء المادية وظل صامدا قرابة القرن؛ فإنه من الممكن مواصلة نفس التوجه الخلاق وإيجاد عناصر جديدة للحراسة تواكب الدرجات العالية من استقلالية الذكاء الاصطناعي اعتمادا على النواة المحورية التي تقوم عليها الحراسة، وهي السيطرة على الشيء الذي يتجه في هذا المجال، وإيجاد طرق مستحدثة لها غير العناصر المألوفة55.
وفي هذا المجال يكون من الحلول الجدية على الأقل في الوقت الحاضر تأييد المقترح الفقهي الذي يدعو إلى إقرار رقابة ذهنية على الأشياء الذكية تعتمد كجوهر للحراسة في هذا المجال لا غير؛ لتبقى العناصر التقليدية للحراسة نافذة ومنطبقة على الأشياء التي تلائمها؛ مما يؤدي إلى تأسيس نظامين متوازيين لحراسة الأشياء: نظام عام أو عادي؛ يتعلق بجميع الأشياء المادية المعهودة؛ سواء تجسدت في آلات ديناميكية، أم غيرها من الأشياء الخطرة بطبيعتها، أم بحسب موضعها، ويخضع إلى العناصر التقليدية للحراسة كيفما صاغها الاجتهاد القضائي وتعهد بها الفقه على مستوى الشرح والترتيب؛ ونظام خاص أو استثنائي؛ ينحصر نطاقه في الأشياء الذكية فقط يعتد بعنصر وحيد للحراسة وهو الرقابة الذهنية بالقياس على واجب الرقابة الذي يكلف به الأولياء على أبنائهم القصر؛ فهي رقابة معنوية لا تتطلب السيطرة المادية وملازمة الجسدية للحارس لمحل الحراسة بل رقابة أدبية تتعلق بإصدار الأوامر والتوجيهات ومراقبة السلوك أو نتائج التدخلات؛ فهي بهذا المعنى رقابة علمية تتجلى في سلطة مصمم الذكاء الاصطناعي على غرار الرقابة التي يمارسها الأولياء على أبنائهم بموجب السلطة الأبوية56.
تؤدي الحراسة الذهنية للشيء المستحدث إلى تغيير جذري في القرينة السائدة منذ زمن والتي تسند صفة الحارس لمالك الشيء ما لم يقم بإثبات العكس، لتنتقل هذه الصفة إلى مصمم البرمجية. فلما كان المالك هو الحارس المفترض طالما أن عناصر الحراسة في مقاربتها المادية غالبا ما تسند إليه؛ فإنه من المفروض أن يكون المصمم هو حارس الأشياء المستحدثة؛ نظرا لما له من معارف وإمكانيات ومهارات تجعله يحكم السيطرة على البرمجية؛ إذ بإمكانه خاصة تفادي الأضرار الممكنة عن طريق إيقافها عن العمل أو تعديلها. لكن الظاهر أن الإرادة التشريعية ما زالت متمسكة بالعناصر التقليدية للحراسة لما صادفتها فرص لتعديل قوانينها؛ مما يؤكد أنها رافضة الأخذ بعين الاعتبار لخصوصيات التكنولوجيا التي تعتبر من المسببات الجديدة للضرر إلى حين اتضاح الرؤية العلمية في شأنها، وهو ما يظهر مثلا من خلال التنقيحات الأخيرة الواردة على القانون المدني الفرنسي57، والمشروع المقدم للتنقيح أيضا والمؤرخ في 13 مارس 2017 والذي أكد صراحة التمسك بالعناصر المادية التقليدية للحراسة.58
فبما أن الاجتهادات القضائية أظهرت منذ سنوات أن المسؤولية الشيئية تعتبر مثالا نموذجيا لقابلية القواعد القانونية للتطويع نحو الظروف الواقعية والمستجدات المفاجأة لتقصي عدالة المسؤولية المدنية من خلال الانتقال من الحراسة القانونية إلى الحراسة الفعلية، ومن خلال إضفاء صفة الحارس على غير المميز، وعن طريق ابتكار تفرقة بين حراسة البنية وحراسة الاستعمال؛ فإن الأشياء المستحدثة تندرج ضمن إحدى حلقات هذا المسار الاجتهادي المتواصل؛ مما يتعين التفكير لإيجاد السبل الكفيلة لتطوير عناصر الحراسة وفقا لخصوصياتها.
كما تجدر الإشارة إلى أن التطورات التي وصلت إليها حاليا تطبيقات الذكاء الاصطناعي، وصناعة المعدات والآلات عالية الجودة التكنولوجية ذات الاشعاعات المؤينة وغير المؤينة، والنتائج الرهيبة في الأبحاث المتعلقة بهندسة النباتات والتحويرات الطارئة على مكوناتها؛ فضلا عن المواد والعقاقير غير المألوفة والتي أضحت محل استخدام في جميع المجالات... تعبر حقيقة عن المجهود الإنساني في نحته المتواصل للحضارة ومكنت فعلا من مجابهة العديد من الصعوبات في مختلف المجالات. لكنها تتضمن في المقابل عديد المخاطر منها ما هو مؤكد، ومنها ما ظل إلى حد الآن رهين الاحتمالات؛ مما يجعل من الحكمة اتخاذ ما يلزم من تدابير حتى لا تنفلت وتنقلب غاياتها النفعية إلى مآس، وذلك عن طريق الحد من تطورها قبل تعذر السيطرة عليها بإقرار أخلاقيات للابتكار والاستعمال أسوة بالتطورات الرهيبة التي شهدها علم الأحياء وما ترتب عليها من نماذج لامتناهية من الهندسة الوراثية؛ فبما أنه أمكن الاتفاق على الحد من استعمالات هذه الهندسة خشية التمادي فيها بما يهدد قيمة كرامة الذات البشرية؛ فإنه من المحبذ أيضا إدراج قيود على الفكر الابتكاري المتعلق بتصميم التطبيقات ذات الدرجة العالية من الاستقلالية أو من الخطورة؛ توقيا للأضرار المرتقبة التي تطرح إشكاليات صعبة على مستوى تحديد المسؤول عنها.
ومن جهة أخرى؛ فإن التطورات الطارئة منذ النصف الثاني من القرن الماضي وخاصة في مجال الصناعة؛ دفعت الفقه والقضاء إلى إدخال مرونة على العناصر المادية للحراسة، فلم يعد ينظر إليها كوحدة ثلاثية متلازمة يكمل كل عنصر منها الآخر، بل أصبح بالإمكان تفكيكها وتوزيعها من حيث الأشخاص عن طريق إقرار تفرقة تحتمها الظروف الواقعية تميز بين حراسة بنية الشيء التي تسند مبدئيا لمالكه أو صانعه أو موزعه... إذ المبتغى أن يكون الحارس هو من له علاقة بتركيبة الشيء وبصنعه، وحراسة الاستعمال التي تسند لمستخدم الشيء؛ لأن الواقع أثبت في العديد من الحالات في ظل تعقد مكونات بعض الأشياء أو تطلب استعمالها لمهارات معينة أن الضرر يكون قد نشأ عن عيب داخلي في الشيء لا علم للمستعمل به وليس له فيه أي دخل أصلا وليس له من الإمكانيات ما يجعله قادرا على رقابته، أو يكون ناجما عن سوء استعماله لا دخل للمصنع او للمنتج فيه فلن يكون من العدل إلزامه بصفة الحارس. لذا؛ يكون من الأوفق في مثل هذه الحالة والأقرب إلى الإنصاف واستنباط مقاصد المشرع أن توزع حراسة نفس الشيء على شخصين بهذه الطريقة بحسب مصدر الضرر. ولئن وقع تخصيص هذه النظرية للأشياء التي لها حركية ذاتية وخطرة كأنابيب الغاز وغيرها من المعدات والآلات التي تتطلب معرفة ومهارات على مستوى الصنع وما تتطلبه مكوناتها من ضمانات للسلامة، وعرفت ترددا خاصة من قبل القضاء في انطباقها بسبب تحميل المتضرر عبء إثبات مصدر الضرر الذي قد لا يهتدي إليه غالبا بسبب تعقيدات الشيء؛ فضلا عن ظهور القوانين المتعلقة بالمسؤولية عن فعل الأشياء المعيبة التي أسعفت المتضرر بقواعد أرحب لضمان حقوقهم؛ فإنه من باب أولى - رغما عن ذلك -إحياء هذه النظرية لمحاولة إعادة تجربتها على الأشياء المستحدثة نظرا لتعقد مكوناتها التي تجعل الضرر متشعب المصادر59، خاصة في ظل وجود فراغ قانوني بخصوص وجود نصوص خاصة تنظم المسؤولية عن فعل الأشياء المستحدثة، ويمكن في هذا المجال استغلال توجه فقه القضاء المقارن بخصوص ما يقدمه من تسهيلات للمتضرر حينما أقر قرينة مفادها أنه إذا صعب الاهتداء إلى مصدر الضرر؛ فإنه يكون راجعا إلى عيوب في البنية ما لم يتمكن المالك من إثبات العكس.
تطرح اليوم الأشياء المستحدثة سجالا على مستوى قابليتها للحراسة وفقا لأحكام المسؤولية عن فعل الأشياء في ظل نظام قانوني لا زال محافظا على مبدأ وحدة المسؤولية الشيئية ومتشددا في شروطها إزاء مبتكرات وكيانات تكنولوجية أغلبها على غاية من التعقيد، وتترتب عنها أضرار ذات خصوصية معتبرة على مستوى الجسامة والانتشار والخشية من عدم قابلية جبرها في أمد قريب أو متوسط؛ بحيث لا توجد خيارات ممكنة إلا المسؤولية عن الفعل الشخصي أو مضار الجوار؛ فضلا بطبيعة الحال عن المسؤولية التعاقدية كلما تحققت شروطها.
يمكن تطويع هذه المعطيات التشريعية نحو بعد اجتهادي خلاق يمضي في تأويل أحكام المادة 212 من القانون المدني القطري وفقا لمقاصد المشرع ومتطلبات العدالة؛ لـتأخذ كلمة الشيء منحى توسعيا لتشمل الأشياء المستحدثة اللامادية، المتمثلة أساسا في الوقت الحالي في تطبيقات الذكاء الاصطناعي والمواقع الإلكترونية، رغم أن المظهر الشكلي لهذه المادة يميل نحو قصرها على الأشياء المادية فحسب. فضلا عن الاستئناس بالاجتهادات القضائية المقارنة لاستبعاد فكرة تنافي استقلالية الشيء مع قابليته للحراسة عن طريق الاعتداد بجوهر الحراسة الذي يكمن في قدرة الشخص على السيطرة على الشيء لتفادي مضاره.
غير أن الأخذ بالمقاربة الضيقة لنطاق المسؤولية الشيئية - عن طريق إدراج شرط لزوم حراسة الشيء نظرا لخطورته، تقليدا لتجارب تشريعية مقارنة متأثرة بظروف معينة زالت اليوم - قد يؤدي إلى إقرار حلول يغلب عليها الارتباك؛ فضلا عن منافاته لقواعد العدالة وتقليصا غير مبرر من الأسس القانونية الممكنة التي يمكن أن يواجه بها المتضرر ضرره، كما قد يدفعه أيضا إلى تجربة أسس تقليدية كمضار الجوار إن توفرت شروطها علها تنجده من مساوئ الاستناد على أحكام المسؤولية الشخصية.
لذا؛ من الأفضل اليوم في ظل عدم وجود تشريعات خاصة لتنظيم المسؤولية عن فعل الأشياء المستحدثة مواصلة نسق الاجتهاد القضائي الخلاق المقارن لخلق نظام خاص بهذه الأشياء كمواصلة عادية لنسق التطورات التي عرفتها هذه المسؤولية طوال قرابة قرنين. وفي هذا الإطار؛ من الممكن اقتراح تغيير جذري في العناصر المادية للحراسة لجعلها مواكبة للتطورات التكنولوجية والرقمية المتنامية، وإحياء التفرقة بين حراسة الاستعمال وحراسة البنية؛ نظرا لما أصبحت تتطلبه أنماط الإنتاج حاليا من تضافر عديد الجهود وتقسيم للمهام بحسب الاختصاص لتسويق المنتوج على درجة عالية من القدرة التنافسية؛ مما يؤدي على المستوى الإنصاف إلى توزيع المسؤوليات بحسب مصدر الضرر؛ فضلا عن معاضدة المجهود الاجتهادي بإقرار أخلاقيات تؤطر تصميم وإنتاج واستعمال هذه الأشياء المستحدثة لتوجهها نحو خدمة الإنسانية؛ مما يقلل إلى درجة معتبرة أن الأضرار التي قد تترتب عليها، وذلك أسوة بتدخل المجتمع الدولي للحد من مضار مناورات الهندسة الوراثية عن طريق إقرار قواعد توجه المجهودات العلمية والاكتشافات في علم الأحياء نحو جودة الحياة لا نحو تغيير في التركيبة والفطرة لغايات غير علاجية.
*المراجع باللغة العربية:
*المراجع باللغة الفرنسية:
أستاذ مشارك في القانون الخاص، جامعة لوسيل، كلية القانون، دولة قطر. كما ينتمي إلى كلية الحقوق والعلوم السياسية، جامعة سوسة، الجمهورية التونسية.
المشاهدات
التحميلات
الاستشهادات
المؤلفون
إصدار
السنة