- يقوم الفكر الليبرالي على اعتبار حق الملكيّة الفرديّة، الذي ضبطت نطاقه المادة 837 من القانون المدني حينما جعلت "لمالك الشيء وحده، في حدود القانون، حق استعماله واستغلاله والتصرف فيه"، امتدادًا للحريّة الشخصيّة من شأنه أن يخدمها ويُشكّل تجسيمًا لها في حيّز الواقع. وقد أخذ القانون المدني الفرنسي قبل ذلك بهذا التصوّر للملكيّة من خلال تأكيده في المادة 544 على إطلاق ممارسة ذلك الحق1، ما لم يكن في تلك الممارسة مخالفة للقانون أو التراتيب الجاري بها العمل.
- وهو ما خرج عنه الفقيه الفرنسي Léon Duguit بنظريّة الوظيفة الاجتماعيّة2 التي تجعل استعمال حقّ الملكيّة مقيّدًا بتحقيق الوظيفة الاجتماعيّة المرجوّة منه. وإن كان من الثابت أنّ جذور تلك النظريّة تمتدّ في أوروبا إلى القرون الوسطى3، فإنّ جذور تلك النظرية ترتبط في البلدان العربية بالفقه الإسلامي الذي أسسها على فكرة الاستخلاف التي هيمنت على التصوّر الإسلامي للملكيّة. إذ المِلك للّه ابتداء استنادًا إلى آيات كثيرة من القرآن الكريم تنسب الملك لله تعالى: "مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ"4. ممّا يجعل كلًّا من الملكيّة العامّة المتمثّلة في الإباحة العامّة، والملكيّة الفرديّة المتمثّلة في الاستئثار والاختصاص؛ "نوعًا من الخلافة عن المالك الحقيقي لكلّ ما وصلت إليه يد الإنسان"، بدليل قوله تعالى: "آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَأَنفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُم مُّسْتَخْلَفِينَ فِيهِ ۖ"5، وقوله عزّ وجلّ: "وَهُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلَائِفَ الْأَرْضِ وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِّيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ ۗ"6.
- بحيث تنجرّ ولاية الإنسان العامّة على المال، عن استخلاف الله في الأرض. وهو وجه انجرار يجعل الإنسان مقيّدًا في تصرّفه في المال بأوامر المالك الأصلي للمال ونواهيه، أي بالوظيفة الاجتماعيّة التي أرادها الله له7. وهو ما يبرّر ذهاب بعض الفقهاء إلى تعريف الملك بأنّه هو قدرة يثبتها الشارع على التصرّف إلاّ لمانع، وهو "عبارة عن اختصاص الإنسان بالشيء والتصرّف فيه ابتداء أو الانتفاع به منفردًا ومنع الغير عنه على الوجه الذي أذن فيه الشارع"8.
- وتأسيسًا على كلّ ذلك، يجوز القول بأنّه يتعذّر تحديد ما إذا كان المشرّع القطري متأثّرًا بالفقيه Duguit أو بالفقه الإسلامي أو بكليهما معًا حينما أخذ بالنظريّة الوظيفيّة للملكيّة théorie fonctionnaliste في المواد من 841 إلى 851 التي وردت ضمن فرع "القيود التي ترد على حق الملكية"9، ولكن يجوز في المقابل التسليم بكون النظرية الوظيفية للملكية كان لها انعكاس أكيد على أحكام الحيازة.
- وللحيازة لغة معنى الضمّ والجمع؛ إذ تعني حيازة المال ضمه إلى بقية أموال الحائز10. كما عرّفت المادة 935 من القانون المدني الحيازة بأنّها: "وضع مادي يسيطر به الشخص على حق يجوز التعامل فيه، بأن يباشر عليه الأعمال التي يقوم بها عادة صاحب الحق"، بينما أوضحت محكمة التمييز أنّ "الحيازة التي اشترطها الشارع مظهرًا للملك هي الحيازة المادية التي تكون يد الحائز فيها متصلة اتصالًا فعليًا بجعل العقار تحت تصرفه المباشر"11. ممّا يُؤخذ منه أنّ الحيازة مجرّد وضعيّة فعليّة تنطوي على مباشرة سلطة فعليّة على شيء معيّن كما لو كان الحائز مالكًا له أو صاحب حقّ عيني عليه. وهو ما يلتقي مع ما ذهب إليه الفقه من كون الحيازة تتلخّص في "ممارسة سلطة فعليّة على شيء ما توافق، في مظهرها الخارجي، ممارسة حقّ"، ومن أنّ الحيازة بأوسع مفاهيمها تتجسّم في "علاقة فعليّة تُتيح للشخص عمليّا، وبصفة حالّة ومانعة، ممارسة الأعمال الماديّة، المتعلّقة بالاستعمال والاستغلال والتحويل، على العين"12، ومن أنّ الحيازة هي الوضع المادي الذي يترتّب عن أن شخصًا يسيطر سيطرة فعلية على شيء أو حق عيني أصلي (حق الانتفاع أو حق الارتفاق13)، سواء كان هذا الشخص هو المالك أو صاحب الحق العيني أم لا، وسواء كانت تلك السيطرة الفعلية على الشيء أو الحق العيني عن طريق استعماله أم عن طريق أعمال مادية تلائم طبيعة الشيء أو الحق العيني14. وقد جعلت محكمة التمييز لقضاة الموضوع دورًا أساسيًا في استنتاج وجود الحيازة من وقائع النزاع15.
- وإن كان ينبغي التنبيه إلى غياب تأثير الحيازة على العقارات المسجّلة والحقوق العينيّة المسجّلة عملًا بصريح المادة 4 من القانون المتعلق بنظام التسجيل العقاري الذي جاء فيه أنّه: "يجب تسجيل جميع التصرفات التي من شأنها إنشاء حق ملكية أو حق عيني عقاري آخر أو نقله أو تغييره أو زواله، وكذلك الأحكام النهائية المثبتة لشيء من ذلك. ويترتب على عدم التسجيل أن الحقوق المذكورة لا تنشأ ولا تنقل ولا تتغير ولا تزول لا بين ذوي الشأن ولا بالنسبة للغير"16. مما يجعل "نظام التسجيل العقاري، في العقارات المسجّلة، يحول دون أن تفضي الحيازة التي لا يستند إلى أيّ حق، إلى اكتساب الملكية؛ وإن كان يمكن للحيازة أن تضطلع بدور فيما يتعلّق بالأراضي التي تفصل بين العقارات المسجّلة المتجاورة، ويجعل منه بالتالي آلية قانونية لضبط الحدود ولتلافي نزاعات الحدود بين ملاك العقارات المسجّلة المتجاورة"17. بحيث لا يجوز لأيّ كان التمسّك بحيازة العقارات المسجّلة مهما طالت مُدّتها18.
- فضلًا عمّا جاءت به المادة 57 ق م19 والفقرتان الأولى والثانية من المادتين 1 و13 من القانون رقم 10 لسنة 1987 من منع اكتساب ملكية كل من أملاك الدولة العامة20 والخاصة عن طريق الحيازة مهما طالت مدّتها21. وهو ما يقصي من مجال تطبيق التقادم المكسب الذي جاءت به المادة 966 ق م أملاك الدولة العامة كالطُرقات22، والأسواق أو المقابر23، لكون "ملك الدولة العامّ هو مال الدولة المخصّص لاستعمال العموم ولسير مرفق عامّ لا يجوز التفويت فيه ولا يُكتسَب بالتقادم"24. وكذلك الشأن بالنسبة لأملاك الدولة الخاصة التي لا يجوز اكتساب ملكيتها أو اكتساب أي حق عليها بالتقادم لكونه "يتمتّع بحماية خاصّة لا يتمتّع بها ملك الأشخاص وذلك عندما يقع تحديده وفق الإجراءات المنصوص عليها في القانون"25.
- أمّا الأراضي البور أي «غير المزروعة» والأراضي الصحراوية التي تقع خارج حدود المدن والقرى والتي تعتبرها المادة 9 من القانون رقم 10 لسنة 1987 داخلة ضمن أملاك الدولة الخاصة، فلم تجز المادة 15 من ذات القانون لحائزيها اكتساب ملكيتها بالتقادم مهما كانت مدة حيازتهم لها ولم تتح لهم سوى تقديم طلب شراء هذه الأراضي أو استئجارها خلال سنة من تاريخ بدء العمل بالقانون مع جعل من يحوز مساحات من هذه الأراضي مدة خمس سنوات متصلة سابقة لبدء العمل بالقانون المشار إليه يتمتعون فقط بـ "الأولوية على غيرهم في شرائها أو استئجارها إذا تقرر بيعها أو تأجيرها"26؛ بحيث لا تكسب الحيازة الملكية في هذه الأراضي وهي لا تبيح سوى طلب شرائها أو استئجارها من الدولة، مع جعل الحيازة التي تواصلت خمس سنوات قبل بدء العمل بالقانون رقم 10 لسنة 1987، لا تمنح الحائز سوى حق أولوية في شراء المساحات موضوع الحيازة أو في إيجارها. وقد بيّنت محكمة التمييز أنّ ذلك يعني "إهدار الملكيات التي تستند طلبات تسجيلها إلى الحيازة المترتبة على وضع اليد على الأراضي الواقعة خارج حدود المدن والقرى"27.
- بحيث يؤخذ من كلّ ذلك أنّ الحيازة لا تُكسِب الملكيّة فيما يتّصل بملك الدولة العامّ، وبملكها الخاصّ المسجَّل أو المُحدَّد، وفي الأراضي البور والأراضي الصحراوية، مهما كانت المُدّة التي تواصلت خلالها الحيازة.
- ولكن فيما عدا ذلك، وتأسيسًا على كون الحيازة تفترض الملكيّة، وتجعل الحائز في المركز الممتاز للمدّعى عليه؛ رأى معظم الفقهاء في الحيازة قرينة على الملكيّة. وهو ما أنكره جانب من الفقه، من خلال نفي كلّ علاقة بين الحيازة وإثبات الملكيّة28. وقد استدلّ على ذلك بأنّ الحكم الذي يرفض دعوى رفعها صاحب الحقّ المزعوم على الحائز، لا يقضي باستحقاق هذا الأخير لما حاز. وهو حكم لا يصلح تبعًا لذلك للاحتجاج به على ملكيّة الحائز، بل غاية ما يؤخذ منه هو إبقاء الحائز على حيازته دون أن يبلغ ذلك حدّ إكسابه ملكيّة ما وضع يده عليه.
- إلّا أنّ هذا الرأي يظلّ عرضة للنقد؛ فقد ذهب الفقه الفرنسي إلى التسليم بكون الحيازة والملكية يخوضان، عند التزاحم، "مبارزة منطقية" تقوم على التعارض بين الحيازة المجرّدة التي يقتضيها حق الملكية من خلال الميزات التي يخوّلها هذا الحق، والحيازة الممارسة فعلًا على العين التي تقتضي تواجد الحائز في العين على نحو يؤول إلى تمتّع الحائز بحقوق على العين، وينتهي إلى الحد من حق الملكية في القوانين المعاصرة، لكون هذا الحيازة تقوم على إشغال للعين يلائم طبيعتها وينشِئ واقعًا جديدًا لا يمكن إنكاره. وهو ما يفضي إلى تسليم الفقه بغلبة أن "تنتصر الحيازة على الملكية كلّما نشب صراع بينهما"29.
- وهو ما يجد صدى له في القانون المدني؛ سواء تعلّق الأمر بالمنقولات أم بالعقارات. إذ من الثابت، عملًا بأحكام المادة 943 ق م أنّه: "من كان حائزًا للحق اعتبر هو المالك له، ما لم يثبت العكس". مما يجعل من الحيازة حيازة قرينة قانونيّة على الملكيّة، بالنظر إلى، عدم حاجة حائز المنقول إلى إثبات ملكيّته لما هو في حيازته، وإلى تحمّل من يُنازع في ذلك ويدّعي أنّه صاحب حقّ على الشيء بعبء إثبات حقّه عليه أو ملكيّته له30.
- ولا ينفي هذا الدورَ في الإثبات، اشتراط القانون لاقتران الحيازة بمرور الزمن حتّى يؤول إلى اكتساب الملكيّة31. ممّا يلتقي مع ذهاب القضاء إلى أنّ: "دعوى الحيازة قد شُرعت لحماية أهمّ مظهر من مظاهر الملكيّة وهو الحيازة والتصرّف المادّي"32.
- وإن كان ذلك لم يحل دون نجاح الملكية أحيانًا في مقاومة الحيازة المناوئة لها. بحيث يبطل المشرّع أحيانا كل مفعول للحيازة ويجعل الملكية خارج مدى تأثير الحيازة، حتى ولو جعل ذلك الملكية غير موجّهة نحو زيادة المنافع الاقتصادية للعين أو نحو استخراج خيراتها33. وهو ما يبرز أهمية دراسة مدى تأثير الحيازة على الملكيّة الذي يتراوح بين إثبات الملكية وإكسابها ويختلف حسب كون الشيء أو الحق موضوع الحيازة منقولًا أو عقارًا.
- بحيث يقتضي تدقيق مدى تأثير الحيازة على الملكيّة الإشارة إلى اختلاف هذا التأثير حسب تعلّق الأمر بمنقول أو عقار. ممّا يؤول إلى وجوب التطرّق إلى إثبات الحيازة للملكيّة في المنقولات (المبحث الأوّل) من جهة، ثمّ إلى إكساب الحيازة للملكية في العقارات (المبحث الثاني) من جهة أخرى34.
المبحث الأوّل
إثبات الحيازة لملكيّة المنقول
- ظهرت قاعدة الحيازة سند الملكية في القرن الثامن عشر لدى الفقيه الفرنسي Bourgon35. أما في القانون القطري، فيستند تأثير الحيازة على اكتساب ملكيّة المنقول إلى ما يؤخذ من أحكام المادتين 970 و971 ق م من وجود قاعدة قوامها أنّ الحيازة قرينة على الملكيّة لو كانت الحيازة بسبب صحيح والحائز حسن النيّة36.
- وإن كان لقرينة المادة 970 ق م فئتين من الاستثناءات تتعلّق إحداهما بالوصف القانوني للعين، بينما تتّصل الثانية بحسن النية. وهو ما يقتضي المبادرة بتفصيل القول في قرينة المادة 970 ق م (أ)، قبل التطرّق إلى الاستثناءات التي ترد على تلك القرينة (ب).
المطلب الأوّل
قرينة المادة 970 ق م
- يؤول إمعان النظر في أحكام القانون المدني على ضوء الفقه والقضاء إلى الوقوف على كون قرينة المادة 970 ق م قرينة بسيطة لإثبات ملكية المنقول (أوّلًا)، من جهة، وإلى التسليم بكون قرينة المادة 970 ق م معيار للترجيح عند تزاحم الحقوق العينية على المنقول (ثانيًا)، من جهة أخرى.
أوّلًا: قرينة المادة 970 ق م قرينة بسيطة لإثبات ملكية المنقول
- أخضعت المادة 970 ق م آنفة الذكر ملكيّة المنقول إلى نظام يناسب صعوبة إثباتها لسرعة انتقال محلّها من يد إلى أخرى37، فاستلهمت من القاعدة الفرنسيّة en fait de meubles possession vaut titre التي ترجمها الفقيه الصدّة بعبارة "الحيازة في المنقول سند الحائز"38، وأرست قرينة قانونيّة بسيطة يكون بمقتضاها حائز المنقول مالكًا له39. وهو ما أخذت به محكمة التمييز القطرية لما قضت بأنّ: "أن الحيازة حتى تعتبر سندًا للملك في المنقول- وفق ما هو مقرر في المادة (970) من القانون المدني- وجب أن تكون فعلية مصحوبة بنية التملك... وهي لا تكون كذلك إلا إذا ترتب عليها وجود الشيء المحوز في مكنة الحائز وتحت تصرفه"40.
- وهو ما لا يخرج عما ذهب إليه الفقه الحنبلي والحنفي والشافعي، ومعظم فقهاء المذهب المالكي كابن رشد، وابن القاسم41 من جعل "الحيازة لا تنقل الملك عن المحوز عنه إلى الحائز باتفاق ولكنها تدل على الملك كإرخاء الستور ومعرفة العفاص والوكاء وما أشبه ذلك فيكون القول معها قول الحائز مع يمينه لقول النبي صلى الله عليه وسلم: "من حاز شيئًا عشر سنين فهو له"؛ لأن المعنى عند أهل العلم في قوله صلى الله عليه وسلم هو له؛ أي إن الحكم يوجبه له بدعواه؛ فإذا حاز الرجل مال غيره في وجهه مدة تكون فيها الحيازة عاملة وهي عشرة أعوام دون هدم ولا بنيان أو مع الهدم والبنيان على ما نذكره من الخلاف في ذلك بعد هذا وادعاه ملكًا لنفسه بابتياع أو صدقة أو هبة وجب أن يكون القول قوله في ذلك مع يمينه."42.
- وتلك قرينة تدل على ثبوت الملك للحائز على سبيل الظن القريب من اليقين43، ومؤدّاها أنّ من تلقّى المنقول من غير مالكه، ظنّا منه أنّه يتعامل مع مالكه، يكتسب ملكيّته. وتلك قاعدة شاء المشرّع من خلالها تغطية العيب الناجم عن عدم ملكيّة السلف للشيء الذي تلقّاه الحائز منه44، بحيث يجوز للحائز أن يُعارض المالك الحقيقي بحيازته المثبتة للملكيّة في المنقولات الماديّة. وبما أنّ هذه الحيازة تثبت الملكية بواسطة القرينة القانونية للمادة 971 ق م، لا يمكن التسليم بما ذهب إليه بعض الفقهاء من إلزام الحائز الذي يروم ردّ المنقول إلى مالكه القديم، بأن ينقل إليه مرة أخرى ملكية ذلك المنقول من خلال الهبة مثلًا45؛ إذ دور القرينة القانونية هو تيسير إثبات الملكية عن طريق قلب عبء الإثبات، وليس نقل تلك الملكية، رغم أنّه لا يمكن دحض قرينة الملكية الواردة في هذا النص القانوني إلّا بإثبات سوء نية الحائز وقت تلقيّه للمنقول46.
- بحيث لا يمكن جعل الحيازة تكسب الملكيّة بصفة آنيّة، أخذًا بنظريّة التقادم الحينيprescription instantanée 47، رغم أنّ الفقرة الأولى من المادة 970 ق م أوردت عبارة "يصبح مالكًا له"، لكون طالع المادة 971 ق م يوضّح أنّ "الحيازة في ذاتها قرينة على وجود السبب الصحيح وحسن النية"؛ بحيث لا يكون افتراض الملك إلّا ضمن القرائن ولا يكون إلزام من يدّعي ملكية المنقول دون أن يكون حائزًا له بالإثبات إلّا لكون الحيازة قرينة على الملكية دون أن تكون إحدى طرق اكتساب الملكية في المنقول. وهو ما تدعّمه كذلك صياغة المادة 966 ق م التي ورد فيها أنّ: "من حاز... منقولًا، ... اعتبرت حيازته دليلًا على الحق..."، والتي تفيد أنّ حيازة المنقول قرينة على وجود الحق؛ مما يفضي إلى ترجيح أن موقع المادة 970 ق م ضمن الفصل الثاني المتعلق بـ "أسباب كسب الملكية"، لا يجوز اعتباره دليلًا على أخذ القانون المدني القطري بنظرية اكتساب الملكية بواسطة التقادم الحيني بقدر ما هو سهو عن اختلاف أثر الحيازة في العقارات عن أثره في المنقولات. وهو ما يجد أساسًا له كذلك في قضاء محكمة التمييز التي ذهبت إلى أنّ: "الحيازة حتى تعتبر سندًا للملك في المنقول- وفق ما هو مقرر في المادة (970) من القانون المدني- وجب أن تكون فعلية مصحوبة بنية التملك بريئة من شائبة الغموض واللبس، وهي لا تكون كذلك إلا إذا ترتب عليها وجود الشيء المحوز في مكنة الحائز وتحت تصرفه، ويكون الحائز لها أصيلًا يحوز لنفسه لا لغيره وتكون حيازته بريئة من اللبس والغموض خالصة ليده وحده ولا تخالطها يد سواها مخالطة تثير الشك في انفرادها بالتسلط على الشيء والتصرف فيه."48.
- ورغم أنّ تلك القرينة البسيطة لا تمنع المالك الحقيقي من استرداد المنقول الذي يمتلكه من يد الحائز، لو أثبت ملكيّته لذلك المنقول49، فلا بدّ أن يتمّ ذلك الإثبات إمّا من خلال الإدلاء بسند الحيازة العرضية الذي يبرّر وجود المنقول بين يدي الحائز، وإمّا من خلال إقامة الدليل على كون حيازته معيبة بإحدى عيوب الحيازة50. وتطبيقًا لذلك، اعتبر القضاء الفرنسي أنّ الشخص الذي يدّعي حيازة مبلغ نقدي في حسابه البنكي بموجب هبة، ليس مطالبًا بإثبات نيّة التبرّع لدى من حوّل المبلغ إلى حسابه51.
- ويدخل ضمن مجال تطبيق المادة 970 ق م الحائز لحق عيني على منقول غير حق الملكية، ومن قبيل ذلك الحائز للمنقول بصفته دائنًا مرتهنًا له الذي يطالبه من يدعي كونه المالك الحقيقي برد العين المرهونة إليه، والذي اعتبره القضاء الفرنسي حائزًا حسن النية يجوز له الاستفادة من الحماية القانونية لحيازته52، وهو ما أخذت به كذلك الفقرة 2 من المادة 1152 ق م المتعلقة بالرهن الحيازي للمنقول حينما أوردت أنّه وبوجه خاص يكون للمرتهن، إذا كان حسن النية، أن يتمسك بحقه في الرهن ولو كان الراهن لا يملك التصرف في الشيء المرهون، كما يجوز من جهة أخرى لكل حائز حسن النية أن يتمسك بالحق الذي كسبه على الشيء المرهون، ولو كان ذلك لاحقًا لتاريخ الرهن". وفي ذلك دليل على أنّ الحيازة تحميها المادة 970 ق م هي الحيازة بصفة مالك وكذلك حيازة الحق العيني على المنقول.
- وهو ما يتناغم مع ما عرفه القانون الروماني في مراحله المتأخّرة من اعتراف بحيازة الحقوق العينية تحت مسمّى حيازة الحق أو شبه الحيازةpossessio juris, quasi-possessio 53، ومع ما ذهبت إليه عدة قوانين مدنية عربية54، ويبرز أنّ الحيازة المشار إليها في المادة 970 ق م هي حيازة قد تتسلّط على المنقول ذاته كما قد تتسلّط على أيّ حق عيني آخر يتعلّق بالمنقول. بحيث وإن كان لا يجوز لحائز المنقول بصفته صاحب حق عيني عليه أن يدّعي ملكيّته، لكونه لم يحز بتلك الصفة، يجوز له حماية حقه العيني على المنقول في مواجهة المالك الحقيقي من خلال أحكام المادة 970 ق م التي تشمل بالحماية القانونية من حاز عن حسن نية حقًا عينيًا على منقول.
- كما تسري أحكام المادة 970 ق م على السند للحامل الذي أصبحت المادة 170 من قانون الشركات التجارية يمنع إصداره55. إذ يخضع للمادة 970 ق م كل من سند الخزينة Bon de trésor ووثيقة الشحن للحامل Connaissement au porteur56. وتلك استثناءات تجد تبريرًا منطقيًّا لها في اندماج الحقّ في السند incorporation du droit dans le titre 57على نحو يجعل السند للحامل يضاهي المنقول المادي في انتقال ملكيته بموجب التسليم المادي للسند ودون أيّ إجراء آخر58، وإن كان القانون الفرنسي قد أوجد إجراءات خاصة تتيح لمالك السند للحامل الذي فقد حيازته نتيجة ضياع أو سرقة ألا يعارض بحق من انتقلت إليه حيازة السند للحامل ويسمّى الاعتراض، باعتبارهما خطرين جديين يتهدّدان حقوق مالك السند للحامل59. ويتمثّل هذا الإجراء في إخطار كل من الغرفة النقابية لوكلاء الصرف بباريس والشركة المصدرة للسند. وبعد أن تقوم تلك الغرفة النقابية بنشر أرقام السندات الضائعة أو المسروقة بالجريدة الرسمية الفرنسية، لا يعارض المالك المعترض بكلّ إحالة لتلك السندات تتمّ بعد نشر أرقامها بالجريدة الرسمية60.
- إلّا أنّ السندات للحامل بدأت تختفي تدريجيًّا بفعل انتشار الأحكام التي حوّلت جل صور السندات للحامل الشكل اللامادي dématérialisation des titres، على نحو يجعل هذه السندات تعدّ مجرّد قيمة مدوّنة بدون وجود مادي محسوس61. وهو ما يبرّر أنّ تتّخذ القيم المنقولة صيغة اسمية لوجوب أن يتمّ قيدها في حسابات خاصة تمسكها الذوات المعنوية التي أصدرت تلك القيم أو يمسكها وسطاء مرخّص لهم في ذلك. بحيث يتمّ تبادل تلك القيم المنقولة، بعد أن أصبحت لا مادية، من خلال إحالتها من حساب إلى حساب آخر وليس من خلال تسليم سندها المادي إلى المحال له62. وقد استنتج البعض من ذلك أنّ المنقولات غير الماديّة كالأوراق التجاريّة والأسهم والرقاع تنأى عن مجال تطبيق أحكام المادة 970 ق م آنفة الذكر لو كانت اسمية، لكون انتقال ملكيتها يقتضي شطب على اسم المالك القديم وترسيم اسم المالك الجديد في سجلات الشركة المصدرة للسند. إذ من شأن ذلك أن ينفي كل تأثير لفقدان حيازة السند الاسمي على حقوق مالك ذلك السند63.
- وهو موقف لم يلقَ قبولًا في الفقه الفرنسي باعتبار الحيازة لا تكون بالنسبة للسندات الاسمية بالمسك المادي للسند، بل بجعل قيمة السند المنقول تدوّن في الحساب الخاص باسم الحائز. وتلك شكلية، لئن كانت تشكّل شهرًا قانونيًا يحمي الحائز الذي يتمتّع بقيد قانوني لسنده من كل دعوى استرداد تصدر عن الغير، وتتمتّع بقوة ثبوتية قاطعة تضاهي القوة الثبوتية المنبثقة من الترسيم في السجلّ العقاري64، فهي لا تحول دون إعمال أحكام المادة 970 ق م باعتباره لا يشترط الشكل المادي للحيازة، ولكونه لا يمنع من جعل الحيازة القائمة على القيد في الحسابات الجارية الخاصة قرينة على ملكية السند.
ثانيًا: قرينة المادة 970 ق م معيار للترجيح عند تزاحم الحقوق العينية على المنقول
- تنطبق قرينة المادة 970 ق م كذلك حينما يتعلّق الأمر بالترجيح بين حقوق خلفين يتساويان في حسن النية، لكون كليهما انتقلت إليه ملكية المنقول من غير المالك، مع اعتقاد كليهما أنّ سلفه مالك لهذا المنقول؛ إذ يؤخذ حينئذ من الفقرة الأولى من المادة 970 ق م أنّ: "من حاز بسبب صحيح منقولًا...، فإنّه يصبح مالكًا له إذا كان حسن النية وقت حيازته". بحيث إذا تساوى الطرفان في حسن النية فالقول قول الحائز إذا كانت حسن نيته قائمة عند ابتداء حيازته ولو كان تاريخ حجته متأخرًا عن تاريخ حجة خصمه. وفي ذلك، إعمالًا لمبدأ جعل التسليم المادي في المنقولات يشكّل شرطًا لمعارضة الغير بانتقال الملكية، كما هو الشأن بالنسبة للشهر العقاري فيما يتّصل بانتقال ملكية العقارات65، وتضحية بحقوق المالكين السابقين حسني النية وغير الحائزين للمنقول حماية لاستقرار التعامل على المنقول. وهو ما لم تخرج عنه محكمة التمييز لمَّا ذهبت إلى أنّ: "الحيازة حتى تعتبر سندًا للملك في المنقول، وفق ما هو مقرر في المادة 970 ق م، وجب أن تكون فعلية مصحوبة بنيّة التملّك... وهي لا تكون كذلك إلّا إذا ترتّب عليها وجود الشيء المحوز في مكنة الحائز وتحت تصرّفه"66.
- وإن كانت هذه التضحية لا تبلغ حد جعل المشرّع يوفّر ضمانًا لمن آلت إليه كل من ملكية المنقول وحيازته عن حسن نية67؛ إذ في أحكام الفقرة الأولى من المادة 970 ق م خروج عمَّا ذهب إليه الفقه الفرنسي من تفضيل الخلف الحائز عن حسن النية للمنقول على الخلف حسن النية غير الحائز لو فوّت السلف في نفس المنقول لشخصين مختلفين تنازعا حول ملكية هذا المنقول68، فلا وجه لإعمال أحكام المادة 970 آنفة الذكر إلّا عند التساوي في سبب الحيازة؛ أي عندما يكون كلاهما قد آل إليه المنقول بناء على تصرّف قانوني ناقل للملكية صادر عن شخص ليس من حقه التصرّف في المنقول. ولكن لو آلت ملكية المنقول للحائز حسن النية من غير المالك، بينما آلت ملكية المنقول للخلف حسن النية غير الحائز من المالك الحقيقي، لكان من حق السلف حسن النية غير الحائز أن يسترد المنقول من يد الحائز، حتى ولو كان هذا الحائز حسن النية لكونهما لا يستويان في سبب الحيازة؛ إذ لا وجود لأيّة شبهة لدى من انتقلت إليه الملكية بسبب صحيح من المالك الحقيقي.
- وإن كان يحسن بالمشرع القطري جعل قرينة الملكية تصبح كذلك معيارًا للترجيح لفائدة الحائز المادي لعين المنقولات في مواجهة الحائز القانوني للسندات الاسمية المثبتة لملكية تلك المنقولات كوصولات الخزن أو وثائق الشحن69، عند تساوي الطرفين في حسن النية. بحيث عند تساوي حائز السند مع حائز العين في حسن النية، يحسن بالمشرّع القطري أن، ينسج على منوال المادة 491 من القانون المدني التونسي في وضع قرينة مطلقة على تقديم الحائز المباشر للعين، على حائز السند الذي حيازته غير مباشر لكونه يتمّ بواسطة الناقل أو صاحب المستودع70، بحيث تقدّم السيطرة المادية المباشرة على المنقول، على السيطرة القانونية "الرمزية"71 وغير المباشرة من خلال السند الاسمي المثبت للملكية.
- كما أعمل المشرع القطري تلك القرينة بصفة مطلقة فيما يتعلّق بحجية حق الامتياز؛ إذ يؤخذ من صريح الفقرة الأولى من المادة 1171 ق م أنّه: "لا يحتج بحق الامتياز على من حاز المنقول بحسن نية". بل ذهبت الفقرة 2 من ذات المادة إلى التوسع في مجال تطبيق قرينة المادة 970 ق م فنصّت على أنّه: "يعتبر حائزًا في حكم هذه المادة مؤجر العقار بالنسبة إلى المنقولات الموجودة في العين المؤجرة، وصاحب الفندق بالنسبة إلى الأمتعة التي يودعها النزلاء في فندقه"، رغم أنّ مؤجّر العقار يعدّ بالنسبة للمنقولات الموجودة في العين المؤجرة حائزًا لفائدة المستأجر استنادًا إلى ما تقتضيه الفقرة 2 من المادة 1180 ق م من أنّه: "تعتبر الأموال الموجودة في العين المؤجرة مملوكة للمستأجر، ما لم يثبت الغير ملكيته لها"، ورغم أنّ صاحب الفندق يعدّ بالنسبة للأمتعة التي يودعها النزلاء حائزًا لفائدة النزلاء، وهو ملتزم برد تلك الأمتعة لهم تطبيقًا لأحكام الفقرة الأولى من المادة 748 ق م عند انتهاء عقد الإيداع72.
- وقد أعملت الفقرة الأولى من المادة 1171 ق م قرينة المادة 970 ق م بصفة مطلقة عند التنازع بين صاحب حق الامتياز والحائز للمنقول رغم أنّ: "سند الحيازة العرضيّة إقرار بملكيّة الغير"73، إذ يقتضي ذلك السند من كل من مؤجر العقار ومن صاحب الفندق ردّ ما وقعت الحيازة به إلى مُعاقد الحائز العرضي عند انقضاء العقد. بحيث لا يمكن لهذا الحائز أن يكتسب ملكيّة ما حاز لأنّ سنده، يفترض غياب نيّة الظهور بمظهر المالك أو صاحب الحقّ لديه، ويٌقصيه تبعًا لذلك عن مجال تطبيق المادة 966 من القانون المدني الذي جعل اكتساب ملكيّة العقار أو الحقّ العيني بالتقادم مشروطًا بأن يكون الحائز "ظاهرًا عليه بمظهر مالك أو صاحب حق عيني آخر"، إعمالًا لما جاء في المادة 940 ق م من أنّه: "لا يجوز لمن يحوز باسم غيره أن يدعي الحيازة على خلاف سنده، فلا يستطيع أن يغير بنفسه لنفسه صفة حيازته..."74، إذ يفتقر الحائز العرضي إلى العنصر المعنوي الذي هو أحد أركان الحيازة المُكسب للملكيّة.
- كما ذهب جانب من فقه القانون إلى عدم انطباق أحكام المادة 970 ق م على المتجر باعتباره منقولًا غير مادّي لكونه مجموعة واقعيّة universalité de fait تعدّ بحقّ "صَبرَة من المنقولات"75 لا تقتصر مكوّناتها على المنقولات الماديّة من قبيل البضائع والآلات والمعدّات، وتشمل بمقتضى المادة 36 من قانون التجارة حقوقًا غير ماديّة هي "الاتصال بالعملاء، والعنوان التجاري، وحق الإيجار، والعلامات والبيانات التجارية، وبراءات الاختراع، والتراخيص، والرسوم والنماذج الصناعية" 76. فضلًا عن كون إحالته تخضع إلى أحكام خاصّة أوردتها المواد من 39 إلى 59 من قانون التجارة، تقتضي اتباع إجراءات معيّنة لإشهار إحالة المتجر، على نحو لا ينسجم مع تطبيق قاعدة المادة 970 آنفة الذكر التي تقتضي توفّر حسن النيّة إلى جانب حيازة المنقول.
- ومع ذلك، استقرّ الفقه الفرنسي على جعل معيار الحيازة بحسن نية هو المعيار العادل الوحيد الذي يتيح المفاضلة عند تزاحم المشتريين المختلفين لو تم التفويت في ذات المتجر لفائدة شخصين مختلفين77.
- وحتى وإن رأى بعض الفقهاء أنّ أحكام المادة 970 ق م لا تسري على الحقوق المعنويّة لورودها على أشياء غير ماديّة هي ثمار الفكر والخيال78، كمثل حقوق المؤلّف والملكيّة الصناعيّة، فإن الفقه الفرنسي المعاصر يرى أنّ تنوّع أوجه استغلال حقوق الملكية الفكرية وما يقتضيه من تجزئة سلطة استغلال تلك الملكية قد يؤول إلى تنازع بين مستغلين لتلك الملكية أحال لهم المؤلّف ذات الحقوق. وهو يدعو تبعًا لذلك، إلى تفضيل المستغل الذي "مارس سلطة فعلية على المؤلّف من خلال التنظيم الفعلي لاستغلاله. لكون ذلك يجعل منه حائزًا حسن النية لا بد من حمايته"79.
- بحيث يبرز من كل ما سبق بيانه اتصال أحكام المادة 970 ق م بقرينة قانونية تقلب عبء إثبات الملكية وليس بتملّك الحائز للمنقول المادي الذي يحوزه، بموجب التقادم الحيني كما يتبادر إلى الذهن، وتلك قرينة الأصل فيها أن تكون قرينة بسيطة، ولكنها تصبح قرينة مطلقة غير قابلة لإثبات ما يخالفها للترجيح عند تزاحم الحقوق العينية على المنقول.
المطلب الثاني
الاستثناءات التي ترد على قرينة المادة 970 ق م
- ترد على قرينة المادة 970 ق م استثناءات متعلّقة بالوصف القانوني لبعض المنقولات (أوّلًا)، من جهة، واستثناءات أخرى متصلة بدعوى استرداد المنقول (ثانيًا) من جهة ثانية.
أوّلًا: الاستثناءات المتعلقة بالوصف القانوني لبعض المنقولات
- تستثنى بعض المنقولات من مجال تطبيق قرينة المادة 970 ق م بالنظر إلى خصوصية وصفها القانوني، إمّا استنادًا إلى اتصال تلك المنقولات بعقار على نحو يؤول إلى عدم جواز انتقال ملكيتها بصفة منفصلة عن ملكية العقار، أو أخذًا بعين الاعتبار للشكليات التي أوجب المشرّع احترامها لانتقال ملكية بعض المنقولات أو اكتساب حقوق عينية عليها مما يجعل الحيازة غير مجدية في شأنها.
- بحيث يستثنى من مجال تطبيق المادة 970 ق م المنقولات التي تعدّ عقارات بالتخصيص على معنى الفقرة 2 من المادة 59 ق م80، حتى لا يتمّ فصل تلك المنقولات عن العقار الذي رُصدت لخدمته واستغلاله81، ولا يدخل في ذلك الاستثناء العقارات التي تعتبر منقولات بحكم المآل، على غرار الثمار قبل الجني التي تأخذ حكم المنقول عند بيعها82، لكون التثبّت من صفة البائع يبقى متاحًا لكلّ متعامل على هذا المنقول من خلال الرجوع إلى سند ملكية العقار على اعتبار أنّ تلك العين تبقى جزءًا من العقار حتى يتمّ التفويت فيها83.
- وتستثنى كذلك من تطبيق قرينة المادة 970 ق م المنقولات التي تمرّ إحالتها عبر إجراءات إشهار خاصّة على غرار السفن والطائرات84، في حين تظلّ المركبات الميكانيكية خاضعة لأحكام المادة المشار إليها؛ إذ يُعتبر "الترخيص بتسيير المركبة الميكانيكية" مجرّد وثيقة إداريّة دون أن تكون شهادة في الملكيّة85. ممّا يلتقي مع إقرار القضاء الفرنسي بجواز هبة السيّارة بمجرّد تسليمها للموهوب له86، وبأنّ الترخيص بتسيير العربية الميكانيكية ليس سندًا للملكيّة87، رغم كونه من التوابع الضروريّة للعربة88. ومع ذلك يظلّ الترخيص بتسيير العربة أهميته، باعتباره الوثيقة التي يقع من خلالها إشهار الامتياز الذي تتحمّله العربة لصالح المقرِض حينما لا تكون الملكية نقدًا. بحيث، لئن كانت حيازة العربة الميكانيكية دليلًا على الملكيّة يُتيح للحائز التفويت فيها حتّى دون الترخيص بتسيير المركبة، فإنّ غياب تلك الوثيقة يؤول إلى منعها من الجولان. ولعلّ أهميّة هذا الاستعمال للعربة هي التي تستمدّ منها هذه الوثيقة قيمتها كأداة إشهار من خلال البيانات الواردة بها.
- وإن كان العمل قد جرى في التطبيق على اعتماد الترخيص بتسيير المركبة كحجّة على الملكيّة؛ سواء كان ذلك في العلاقة مع الإدارة (دفع رسوم تجديد الترخيص)، أم في العلاقة بين الأفراد (شركات التأمين، البنوك، شركات الإيجار المالي...). ممّا يُجيز دعوة المشرّع القطري إلى ضرورة تخلّي المشرّع عن هذه الثنائيّة في النظرة إلى ملكيّة العربات89، والنص صراحة على اعتماد الترخيص بتسيير المركبة كحجّة على الملكيّة باعتبار الإشهار الذي يرتبط بالترخيص في تسيير المركبة لا يتلاءم مع أحكام المادة 970 ق م.
- كما جعلت المادة 904 ق م90، كل من يحوز منقولًا مباحًا بنيّة تملّكه يصبح بصفة فورية مالكًا له، خلافًا لما اقتضته المادة 970 من جعل الحيازة في المنقول قرينة بسيطة على الملكية قابلة لإثبات ما يخالفها. ثم أوردت الفقرة الأولى من المادة 905 ق م مفهومًا خاصًا للمنقول المباح91، فبيّنت أنّ المنقول يصبح مباحًا "حينما يتخلى عنه مالكه بنية النزول عن ملكيّته". بحيث لا يكتسب الحائز للمنقول المباح ملكيّة ذلك المنقول، إلّا حينما يثبت أنّ المالك تخلّى عن المنقول بنية التنازل عن حقه في ملكيته. وقد أوردت الفقرتان الثانية والثالثة من المادة 905 ق م تطبيقات عدة لتخلي المالك عن الحيوان بنية النزول عن ملكه، من خلال التمييز بين الحيوان الأليف الذي يكون مباحًا كلما كان طليقًا أي غير معتقل ومالكه لا يتتبّعه أو كف عن تتبّعه، والحيوانات الأليفة التي فقدت عادة الرجوع إلى المكان الذي خصصه لها مالكها.
- بحيث يُفهَم من ذلك أنّ التملّك بالمنقول المباح لا يكون إلّا بعد التأكّد من كون مالك المنقول تخلى عنه بنيّة النزول عن ملكيّته، وبعد التأكّد، لو كان المنقول حيوانًا غير أليف من أنّه طليق ومالكه لا يتتبّعه، ولو كان المنقول حيوانا أليفًا من أنّ الحيوان فقد عادة الرجوع إلى المكان الذي خصصه له مالكه. وتلك أحكام تقترب ممّا كانت تقتضيه الشرائع القديمة من وجوب التعريف بما يوجد من منقولات لمن كان قريبًا من مكان وجودها علّ مالكها يكون بينهم92، إذ لا يجوز الحديث قبل ذلك عن حيازة مكسبة لملكية المنقول المباح.
- ولا تأثير كذلك لقرينة المادة 970 ق م على حيازة المنقولات التي يسند لها وصف الكنز المخبوء أو المدفون التي لم يتمكّن أحد من إثبات ملكيته لها. إذ جعلت المادة 906 ق م حينئذ "خُمسه لمن عثر عليه والباقي لمالك الشيء الذي وجد فيه الكنز أو لمالك رقبة العقار أو للواقف أو لورثته"؛ بحيث لا تعد حيازة الكنز المخبوء أو المدفون قرينة سوى على ملكية خُمس المنقول بينما يكتسب مالك العقار الذي وجد الكنز مدفونًا فيه أو مالك المنقول الذي وجد الكنز مخبوء فيه ملكية أربعة أخماس المنقول.
- كما لا تأثير للحيازة على ملكية اللقطة والأشياء الأثرية وما في باطن الأرض من معادن؛ إذ نصّت المادة 907 ق م أنّ الحق المتعلّق بها "تنظمه تشريعات خاصّة". ومن ذلك ما اقتضته المادة 9 من القانون رقم 10 لسنة 1987 بشأن أملاك الدولة العامة والخاصة، من جعل "الكنوز والأشياء ذات القيمة أو المخبوءة" في عقارات أو منقولات تدخل ضمن أملاك الدولة، تعتبر من أملاك الدولة ما لم يستطع أحد أن يثبت ملكيته لها93. فضلًا عما اقتضته الفقرة الأولى من المادة 23 من القانون رقم (2) لسنة 1980 بشأن الآثار من إلزام كل من يكتشف أثرًا منقولًا أو يعثر عليه بأن: "يخطر بذلك الإدارة المختصة بالآثار بهيئة متاحف قطر أو أقرب مركز شرطة خلال عشرة أيام من اكتشافه أو العثور عليه، وللإدارة المذكورة أن تقر إذا كانت تود الاحتفاظ بالأثر، وفي هذه الحالة يتعين عليها أن تدفع مكافأة نقدية مناسبة أو أن تقرر تركه في حيازة مكتشفه"، وما اقتضته الفقرة الأولى من المادة 38 من ذات القانون من جعل "جميع الآثار التي يعثر عليها المنقبون تكون ملكًا للدولة، ويودع المنقول منها في متحف قطر الوطني وفي المتاحف الأخرى التي تنشأ في المستقبل. ويجوز أن تُعطى البعثات الأثرية مكافأة عن أتعابها تتمثل في... بعض الآثار التي يمكن الاستغناء عنها لوجود ما يماثلها من حيث المادة والصنع والدلالة التاريخية والقيمة الفنية". بحيث يؤخذ من ذلك أنّ حيازة الأثر المنقول، ليست قرينة على الملكية، ولا يمكن للحائز الذي اكتشفه أو نقّب عليه أن يبقى حائزًا له إلّا بعد إخطار الإدارة المختصة بالآثار أو مركز الشرطة خلال 10 أيام من اكتشافه، ثم بعد صدور قرار من الإدارة المختصة بتركه في حيازة مكتشفه. كما أنّ حيازة الأثر المنقول من طرف من اقتناه لا تنقل إليه ملكيته على معنى المادة 19 من ذات القانون إلّا بعد "عرضها على هيئة متاحف قطر وذلك لاستصدار وثيقة رسمية بتسجيل الأثر إذا كان مهمًا أو بالسماح بحرية التصرف فيه إذا لم يكن مهمًا".
- كما أنّ لقرينة المادة 970 ق م استثناءات أخرى تتّصل بحسن النية.
ثانيًا: الاستثناءات المتصلة بدعوى استرداد المنقول
- رغم أنّ حسن النية يظلّ "حالة نفسية تعتمل في النفس ويصعب إثباتها"94، يُؤخذ من الفقرة الأولى من المادة 945 ق م التي جاء فيها أنّه: "يعتبر الحائز حسن النية إذا كان يجهل أنه يعتدي على حق للغير، إلا إذا كان هذا الجهل ناشئًا عن خطأ جسيم". وتلك صياغة يُفهَم منها أنّ الحائز حَسَن النيّة هو الذي كان يجهل عند اكتسابه للمنقول أنّه يعتدي على حقّ الغير، والذي لم تكن ظروف وملابسات ذلك الاكتساب تحمله على إدراك أنّه لا يتعامل مع مالك المنقول95. وقد أورد الفقيه السنهوري في شرح الأحكام المماثلة الواردة في المادة 965 من القانون المدني المصري أنّه: "قد يكون، في جهله أنه يعتدي على حق الغير، ارتكب خطأ جسميًا. فقد يكون، في شرائه العين من غير مالك مثلًا، في استطاعته أن يعلم بحقيقة الأمر لو أنه بذل أقل جهد في التحري عنه. ومع ذلك يقدم على الشراء في رعونة ودون مبالاة، فإذا حاز العين التي اشتراها من غير المالك، فإنه يكون قد ارتكب خطأ جسميًا في جهله أنه بحيازته هذه يعتدي على حق الغير. ذلك بأن الخطأ الجسيم يلحق بسوء النية..."96.
- بحيث يجوز إجمال ذلك بالقول بأنّ الحائز حسن النية هو من كان يجهل أنّ سلفه ليس المالك الحقيقي للمنقول، شرط ألّا يكون جهله ناجمًا عن خطئه الجسيم97. كما أنّ حُسن النيّة ينبغي أن يتوفّر في الحائز "وقت توصّله بالشيء"، أي وقت الحصول على الحيازة98. ويشترط بعد ذلك توفر حسن النية طوال مدة الحيازة، ولا تأثير بعد ذلك للحيازة ولو طال أمدها. إذ يؤخذ من الفقرة الأولى من المادة 946 ق م أنّه: "يصبح الحائز سيء النية من وقت علمه بأن حيازته اعتداء على حق الغير، أو من وقت إعلانه بعيوب حيازته في صحيفة الدعوى". بحيث إذا كان الحائز في البداية حسن النية، ثم علم بعد ذلك أن العين مملوكة للغير، يصبح سيء النية من وقت هذا العلم99.
- وقد أخذ آخر الفقرة الثالثة من المادة 945 ق م بقرينة توفّر حسن النية حينما نصّ على أنّ: "حسن النية يفترض دائمًا ما لم يقم الدليل على العكس". وهو ما لم تخرج عنه كذلك المادة 971 ق م لما أوردت أنّ: "الحيازة في ذاتها قرينة على وجود السبب الصحيح وحسن النية، ما لم يقم دليل على عكس ذلك". وبما أنّ سوء النيّة أمر نفساني قد يعسُر إقامة الدليل عليه مباشرة، يجوز إثباتها بصفة غير مباشرة من خلال ظروف الإحالة كزهادة الثمن. وتلك ظروف يفترِض المُشرّع أن تبعث في نفس الحائز الشكّ حول ملكيّة الناقل لملكية المنقول أو لمنشئ الحق العيني عليه، ويستنتج منها بالتالي سوء النيّة، أو يستنتج منها على أقل تقدير الخطأ الجسيم الذي يحول دون اعتبار الحائز حسن النية. بحيث لا يتوفّر حسن النية فيمن حاز منقولًا كان يشاهده عند جاره، لكون جهل الحائز بأن حيازته اعتداء على حق الجار يعد خطأ جسيمًا ينسب إليه. وكذلك الشأن بالنسبة إلى الحائز الذي اشترى أو ارتهن منقولًا ذا قيمة كبيرة من شخص معروف بالسرقة100.
- ولكن بقطع النظر عن حُسن أو سوء النيّة عند الحيازة، أجازت الفقرة الأولى من المادة 972 ق م للمالك الحقيقي أن يستردّ المنقول من الحائز عند ضياع العين أو سرقتها، حينما أوردت أنّه: "يجوز لمالك المنقول أو السند لحامله أو لصاحب الحق العيني عليه، إذا فقده أو سرق منه، أن يسترده ممن يكون حائزًا له بسبب صحيح وحسن نية، وذلك خلال ثلاث سنوات من وقت الفقد أو السرقة". وهو ما يُؤخذ منه، عند القياس بمفهوم المخالفة أنّ المبدأ هو انتفاء دعوى الاسترداد فيما يتّصل بالمنقولات لو كان الحائز حَسَن النيّة. ممّا يُقيّد من إطلاق عبارة "ما لم يقم دليل على عكس ذلك" الواردة في آخر المادة 971 ق م. بحيث ينبغي، رغم وجود تلك العبارة، عدم تمكين مالك المنقول من استرداده، حتّى ولو أفلح في إثبات أنّ الحائز لم يملك على الوجه الصحيح. لأنّ دعوى الاسترداد تلك تُجافي مقصد المشرّع الذي أراد، من وراء أحكام الفقرة الأولى من المادة 970 آنفة الذكر، حماية الحيازة من خلال جعل حيازة المنقول عن حسن نية قرينة على الملكية وتغطية العيوب الناجمة عن عدم ملكيّة السلف. فضلًا عمّا اقتضته المادة 972 ق م من حصر إمكانية الاسترداد في حالتين هما: الضياع والسرقة.
- وتلك استثناءات لا يمكن التوسّع في تفسيرها من خلال القياس101، فلا يجوز بالتالي التوسّع في الحالات التي يُتيح فيها القانون للمالك استرداد ملكه. ممّا يعني بالضرورة فهم السرقة على أنّها اختلاس مال منقول مملوك للغير "بنية تملّكه" على معنى المادة 334 من قانون العقوبات102، حتى ولو كانت تلك السرقة لا يعاقب عنها جنائيًا لجنون السارق أو لصغر سنّه مثلًا103. كما يؤخذ من ذلك عدم سريان أحكام المادة 54 م ح ع على حالتي خيانة الأمانة أو النصب مثلًا104 لكون انتقال الحيازة في تينك الصورتين يتمّ برضى الحائز، خلافًا لعدة تشريعات أخرى تبيح للمالك الحقيقي استرداد المنقول من يد الحائز حسن النية لكون المنقول خرج من يد المالك الحقيقي بوسائل احتيالية105. كما يجوز تعريف ضياع المنقول، في غياب تعريف تشريعي له، بكونه فقدان حيازة المنقول بدون إرادة الحائز، نتيجة إهماله أو قوة قاهرة مثل السيول والغرق والحرب مثلًا، أو نتيجة عدم وصولها إلى المكان الذي تمّ إرسالها إليه مثل الخطأ في العنوان وخطأ موظّف البريد106.
- ولكن حتّى لو تعلّق الأمر بضياع أو سرقة، لم تترك الفقرتان الأولى والثانية من المادة 972 ق م الحائز دون حماية، إذ وقع التنصيص ضمن الفقرة الثانية على سقوط دعوى الاسترداد بمرور ثلاث سنوات فقط على الضياع أو السرقة. وهو أجل إجرائي لا يقبل القطع ولا التعليق107. وقد خرج بذلك المشرّع القطري عما ذهب إليه الفقه والقضاء الفرنسيين من جعل دعوى استرداد المنقول تتقادم بمرور أجل ثلاثين سنة حتى ولو كان الحائز حسن النية108، فضلًا عن خروج الفقرة الأولى من المادة 972 ق م عما ذهب إليه جانب من الفقه الفرنسي من جعل منطلق سريان أجل تقادم دعوى الاسترداد هو تاريخ العثور على الشيء الضائع أو المسروق وليس "وقت الضياع أو السرقة"، إذ لا يمكن رفع دعوى الاسترداد إلّا عند العلم بمكان وجود الشيء ولا يمكن أن يبدأ حساب أجل تقادم أي دعوى إلّا حينما يكون رفعها ممكنا109. وهو ما يبرز أخذ آخر الفقرة الأولى من المادة 972 آنفة الذكر بما ذهب إليه قسم آخر من الفقه الفرنسي من وجوب تفضيل الاستقرار الحركي لوضعية الحائز على الاستقرار السكوني لوضعية المالك، من خلال الاستناد، لاحتساب مدّة التقادم، إلى تاريخ فقدان المالك لحيازته ولصلته المادية بالمنقول، أي إلى "وقت الضياع أو السرقة"110.
- بل ذهبت الفقرة الثانية من ذات المادة إلى إقرار حقّ الحائز في مطالبة المالك الذي استردّ المنقول بأداء ما دفعه من ثمن، لو ثبت أنّ الحائز اشترى الشيء عن حُسن نيّة. وإن كان المشرّع قد جعل حُسن النيّة ينحصر عندئذ في اقتناء المنقول "في سوق أو مزاد علني أو…ممّن يتّجر في مثله"، بالنظر إلى تعذّر تفطّن المشتري إلى كون ما يُعرَض للبيع في تلك الحالات مسروق أو ضائع. وفي ذلك حسن نيّة بيّن، متأتٍّ بالنسبة للمشتري من ظروف الشراء، وبالنسبة للبائع من الالتزام بعرف وتراتيب ممارسة التجارة، رتّب عليه المشرّع أحكامًا تحدّ كثيرًا من الأهمية التطبيقية لدعوى الاسترداد التي تنحصر ممارستها عندئذ في المنقول الضائع أو المسروق الذي له عند مالكه الحقيقي مكانة خاصة لقيمته العائلية مثلًا، أو في المنقول الذي ارتفعت قيمته في يد الحائز لسبب مستقل عمن اشتراه111.
- وإن كان التفسير الضيّق لأحكام المادة 972 ق م يوجب قصر انطباقه على الحائز الذي اشترى المنقول في الظروف آنفة الذكر، ومنع الحائز الذي لا يحوز بصفته مشتريًا، على غرار الدائن المرتهن للمنقول رهنا حيازيًا، من الاستفادة من أحكام هذه المادة112. فضلًا عن جعل هذه المادة لا تنطبق، لو رجع المنقول الضائع أو المسروق إلى حيازة مالكه الحقيقي، عن طريق الشرطة مثلًا بعد تقديم المالك الحقيقي لبلاغ في السرقة مثلًا، لتعذّر حبس المنقول عندئذ، ولا يبقى بعد ذلك لمن كان حائزًا إلّا القيام على البائع الذي اشترى منه المنقول بدعوى ضمان الاستحقاق113.
- كما يوجب التفسير الضيّق لاستثناء المادة 972 ق م اعتبار المقصود بالمزاد العلني على معنى هذه المادة هو البيع الذي يتمّ في المحلات والأماكن المخصّصة للمزاد العلني، إذ لا شيء يجعل الحائز، الذي اشترى المنقول من هذه المحلات أو الأماكن التي يتمثّل نشاطها التجاري في بيع المنقولات بالمزاد، يظنّ أنّ ما اشتراه مسروقًا أو ضائعًا. وفي ذلك حسن نيّة بيّن يُلزم المالك الحقيقي بأن يدفع لذلك الحائز حسن النية الثمن الذي دفعه في المزاد وفي تلك المحلات، أو الأماكن المخصّصة، لاقتناء المنقول114، حتى ولو تم حجز المنقول الذي تبيّن أنّه مسروق وأنّه أثر منقول مسجّل115.
- وخلافًا لمحكمة التمييز التونسية116، ضيّقت محكمة التمييز الفرنسية في تفسير المادة 2280 من المجلة المدنية الفرنسية، فلم تقبل بتوفّر صفة المتّجر بالمثل إلّا بالنسبة لمن يمارسون تجارتهم بصفة قانونية، ورفضت التسليم بتوفّر تلك الصفة في التجار العرضيين الذين لا تدخل تلك التجارة في نشاطهم المعتاد117. كما نفى الفقه الفرنسي صفة المتّجر في المثل عن تجار الأثاث القديم، لوجود أصناف لا حصر لها من المنقولات على نحو لا يجعل من هذا التاجر متّجرًا بمثل المنقول الذي تمّ شراؤه من محلّه، ولغلبة أن يكون ثمن تلك المنقولات بخسًا على نحو ينفي القيمة العملية لمطالبة المالك الحقيقي بدفعها، فضلًا عن أنّ بيع المنقولات في تلك المحلات لا يفضي إلى استبعاد أن تكون تلك المنقولات ضائعة أو مسروقة، لغلبة ألّا يتحرّى أصحاب تلك المحلات مصدر ما يبيعونه من منقولات118.
- وذاك تضييق سار على نهجه فئة من الفقهاء قصروا اعتبار البنك تاجرًا معتادًا على سندات الخزينة التي يبيعها أو بقية السندات الأخرى التي يبيعها بعد خصمها119، واعتبروا البنك الذي يبيع قيمًا منقولة تاجرًا عرضيًا لها، لكون الأصل في القيم المنقولة أن تباع في البورصة. بحيث لو تبيّن أنّ تلك القيم المنقولة مسروقة أو ضائعة، لما كان من حق من اشترى من البنك أن يطالب مالكها الحقيقي بأن يدفع له الثمن الذي دفعه للبنك مقابل الحصول عليها. ومع ذلك يرجّح اعتبار البنك تاجرًا معتادًا لكل القيم المنقولة لكون نشاطه العادي أصبح يشمل إدارة الحسابات الجارية للقيم المنقولة120.
- أمّا لو كان حائز المنقول سيء النيّة على معنى المادة 946 ق م، فلا وجه لتطبيق قرينة الفقرة الأولى من المادة 970 ق م، الذي يقتضي التقادم الحيني لدعوى الاسترداد لو كانت موجهة ضد حائز حسن النية، ولا وجه كذلك لتطبيق الاستثناء الوارد في الفقرة الأولى من المادة 972 ق م، لكونها خاصة بالحائز حسن النية للشيء الضائع أو المسروق، كما لا وجه لتطبيق آجال التقادم الواردة في المواد 966 و967 و968 ق م، لكونها آجالًا خاصة بالعقارات. ولكن، بما أنّ ملكية المنقول، على غرار ملكية العقار، لا تضمحل بعدم الاستعمال، ويمكن اكتسابها بالاستعمال الذي يتواصل مدّة زمنية معيّنة والذي يمكن أن يطهّر حتى سوء نية الحائز121، يجوز الذهاب إلى أنّ دعوى الاسترداد التي تكون متاحة لمالك المنقول تجاه الحائز سيء النية تسقط بمضي الأجل العادي لسقوط دعاوى المسؤولية التقصيرية الوارد في القانون المدني القطري، أي مضي مدّة 3 سنوات من يوم علم المضرور بالضرر أو تحديده لشخص المسؤول عنه، «أو خمس عشرة سنة من وقوع العمل غير المشروع، أي المدّتين أقرب» عملًا بأحكام الفقرة الأولى من المادة 219 ق م. فضلًا عما اقتضته الفقرة الثانية من ذات المادة من أنّ ارتباط دعوى المسؤولية عن الفعل غير المشروع بجريمة يجعل سقوط دعوى المسؤولية مرتبطًا بسقوط الدعوى الجنائية، بشرط ألّا تكون الحيازة معيبة بعيب الخفاء لو قام الحائز بإخفاء المنقول لتلافي قيام المالك الحقيقي بدعوى الاسترداد122.
- بحيث يؤخذ من كل ما سبق ذكره أنّ إثبات ملكية المنقول تقوم على السيطرة الفعلية والحقيقية للحائز، على العين وليس حيازة السندات المكتوبة المثبتة للملكية، إذ بفعل سرعة التعامل على المنقول، يغلب أن تتمّ إحالة المنقول عن طريق التسليم المادي له في غياب أي سند مكتوب يثبت تلك الإحالة. مما يجعل السند المثبت لملكية المنقول، في معظم الأحيان، غير متاح وغير مجد، ويجعل تبعًا لذلك الحيازة مثبتة لحق ملكية المنقول وليست مكسبة له. وهو ما يفضي إلى الإقرار بتداخل الحيازة مع الملكية وبضعف التأثير الفعلي للسند مكتوب على الملكية في جل الحالات. بحيث يجوز القول بأنّه، خلافًا لملكية العقار، يغلب أن: "لا يفيد السند الملكية في إثبات حيازة المنقولات" En fait de meubles titre ne vaut pas possession123، وأن يثبت القائم بدعوى استرداد ملكيّته للمنقول المتنازع عليه عن طريق إقامة الدليل على حيازته السابقة للمنقول124.
المبحث الثاني
إكساب الحيازة للملكية في العقارات
- لم يرد في القانون المدني القطري السابق رقم (16) لسنه 1971 نص على اعتبار الحيازة دليلًا على الملك. وقد استنتجت محكمة التمييز من ذلك وجوب "إعمال أحكام الحيازة أو وضع اليد في الشريعة الإسلامية والتي لم تعرف بدورها حكم يقرر أي تقادم للحيازة يدل وحده على الملك، ولم ترتب لها من أثر في هذا الصدد، إلا لاقترانه بإحياء موات الأرض بزراعتها إن كانت صالحة للزراعة أو بالبناء عليها إن كانت معدة للبناء"125. وهو ما يلتقي مع كون جل فقهاء المذاهب السنية126، لا يعتبر الحيازة سببًا لاكتساب الملكية127. وقد تم تبرير ذلك بكون جعل الحيازة مكسبة للملكية يتعارض مع حديث رسول الله صلى الله عليه وسلّم "لا يبطل حق امرئ مسلم وإن قدم"128. بحيث "يظل الشيء الذي وقعت عليه الحيازة ملكًا لصاحبه الأصلي، وغاية الحيازة الطويلة أنّه تمنع من سماع الدعوى ضد الحائز. أما إذا لم تكن طويلة، أو كان للمدعي عذر يمنعه من المطالبة فإنّ الدعوى تسمع"129، مما يجعل من الحيازة الطويلة في الفقه الإسلامي تقادمًا مسقطًا لدعوى مالك الشيء موضوع الحيازة130، أو فيما يرى بعض الفقهاء "دفع بعدم قبول ما عدا الاعتراف من طرق الإثبات"، بعلّة أنّ مضي المدة في الشريعة الإسلامية ليس دفعًا بعدم قبول الدعوى بقدر ما هو دفع بعدم قبول ما عدا اعتراف المدّعى عليه من طرق الإثبات131. مما يؤول إلى التسليم بكون "عدم سماع القاضي للدعوى بعد مضي المدة المحددة لسماعها إنّما هو عند إنكار الخصم، أما إذا اعترف فتسمع الدعوى ضدّه"132.
- وقد أخذت بذلك القوانين المدنية في العراق والأردن والإمارات حينما نصّت على أنّ: "من حاز منقولًا أو عقارًا غير مسجّل في دائرة التسجيل باعتباره مالكًا، أو حاز حقًا عينيًا على منقول أو حقًا عينيًا غير مسجّل على عقار، واستمرّت حيازته دون انقطاع خمس عشرة سنة، فلا تسمع عند الإنكار دعوى المالك أو دعوى الحق العيني من أحد ليس بذي عذر شرعي"133. كما أخذ بذلك آخر المادة 966 من القانون المدني القطري الذي أورد أنّه يحكم للحائز بالحق "إذا أنكر حق الغير فيه وادعاه لنفسه ولو لم يبيّن سبب كسبه".
- وإن كانت ذات المادة تنصّ على أنّ: "من حاز عقارًا أو منقولًا ظاهرًا عليه بمظهر المالك أو صاحب حق عيني آخر، واستمرّت حيازته مدّة خمس عشرة سنة، اعتبرت حيازته دليلًا على الحق...". وفي ذلك استحداث "للحيازة التي تعتبر دليلًا على الملك"134، وتسليم بكون حيازة العقار سببًا لاكتساب ملكيته. كما يبدو أنّ في ذلك انحياز إلى ما ذهب إليه بعض فقهاء المذهب المالكي، ومنهم ابن وهب135 وابن عبد الحكم136 ، وبهرام الدميري137 وابن رحال138، من جعل حيازة العقار سببًا لتملكه استناد إلى حديث رسول الله صلى الله عليه وسلّم "من حاز شيئًا عشر سنين فهو له"، وفي رواية ثانية "فهو أحق به"139. وقد رأت هذه الفئة من الفقه المالكي في الحديث المشار إليه مفاضلة، فيما يتّصل بالملكية، بين مالك أهمل عقاره وآخر حازه وتصرف فيه تصرف المالك فيما يملك لمدة عشر سنين. بحيث لو استوفت حيازته للعقار الشروط الشرعية للحيازة، لكان أحق بتملك العقار الذي يحوزه140.
- أمّا الفقه المعاصر، فيرى في "الحيازة مفتاح شروط التقادم"141، إذ لا تقادم مكسب للملكية بدون حيازة، بينما يذهب البعض الآخر إلى أنّ "روح التقادم هو المدّة"142، بحيث لا تقادم مكسب بدون حيازة وبدون انقضاء المدة القانونية. وإن كان يُستشفّ من النصوص القانونيّة وجود فئتين من التقادم هما: التقادم المُسقط الذي يُسقط الدعوى بمرور الزمن عملًا بما جاء به المادة 403 وما بعدها من القانون المدني من جهة؛ والتقادم المُكسب الذي تُكتسَب بمقتضاه ملكيّة العقارات والحقوق العينيّة العقاريّة لو دام حيازتها مدّة زمنيّة معيّنة بموجب في المواد 966 و967 و968 ق م، من جهة أخرى.
- وقد عرّف الفقه التقادم المكسب بكونه "وسيلة يكسب بها الحائز ملكية الشيء أو حقًا عينيًا آخر عليه بمقتضى حيازة تظلّ مدّة معيّنة"143، كما جعل القانون القطري التقادم يشمل المنقول والعقار 144، أسوة بالفقه الإسلامي الذي يقرّ التقادم دون تمييز بين العقار والمنقول أخذًا بحديث رسول الله صلى الله عليه وسلّم145.
- كما جعلت المادة 966 ق م مجال التقادم المكسب للملكية لا يقف عند العقار، بل يمتدّ إلى الحقّ العيني على العقار. وتلك حقوق لا بُدّ من تدقيقها على ضوء تعدادها ضمن الكتاب الثاني من القسم الثاني من القانون المدني القطري والذي يؤخذ منه أنّ التقادم المُكسب يشمل، إلى جانب حقّ الملكيّة، ما تفرّع عنه من حقوق عينيّة كحقّ الانتفاع وحقّ الاستعمال وحق السكنى وحق الحكر وحقوق الارتفاق على غرار حقّ المرور. وهو ما أخذت به محكمة التمييز الفرنسية لمّا أوضحت أنّ "التقادم المكسب لا ينطبق سوى على الحقوق العينية الأصلية"146. أمّا الحقوق العينيّة التبعيّة من قبيل الرهن العقاري والامتياز، فلا وجه لاكتسابها بموجب التقادم، رغم عدم تصريح المادة 966 المُشار إليه بإقصائها من مجال تطبيقه147. وهو إقصاء تقتضيه طبيعة تلك الحقوق، بالنظر إلى ارتباطها الوثيق بالتزام شخصي تضمن الوفاء به، لا يمكن أن تنشأ بمعزل عنه.
- كما أنّ في أحكام المادة 966 ق م انحياز إلى ما يذهب إليه فقه القانون من أنّ "التقادم المسقط للحقوق العينية هو في حقيقته تقادم مكسب"، إذ انقضاء حقوق الارتفاق والامتياز والرهن بالتقادم، تجعل الميزات التي تبيحها تلك الحقوق تندمج من جديد في حق الملكية وتعود إلى مالك العين، بينما لا يتيسّر ذلك بالنسبة لحق الملكية، مما يؤول إلى التسليم بـ "الاستحالة القانونية للتقادم المسقط لحق الملكية"148، فضلًا عن كون التسليم بوجود تقادم مسقط لملكية العقارات يجعل الدولة تكتسب تلك العقارات بمضي مدة خمس عشرة سنة ولا يمكن للحائز أن يتمسّك إزاءها بالتقادم المكسب للملكية149. بحيث حتّى إن كانت المادة 969 ق م تنصّ على أنّه "تسري قواعد التقادم المسقط على المدة اللازمة لاعتبار الحيازة دليلًا على الحق، وذلك فيما يتعلق بحساب المدة ووقفها وانقطاعها والاتفاق على تعديلها، وذلك بالقدر الذي لا تتعارض فيه هذه القواعد مع طبيعة الحيازة"، فإنّ نُقطة الالتقاء تلك لا تنفي تميّز هذا التقادم القائم على حيازة تتوفّر فيه شروط ويتواصل خلال المدّة اللازمة150. ممّا يقتضي المٌبادرة بتوضيح ذلك التميّز (أ)، قبل تدقيق طريقة احتساب مدّة الحيازة اللازمة للتقادم المكسب للملكية وللحق العيني على العقار(ب).
المطلب الأوّل
تميّز الحيازة المُكسبة للملكية على العقار
- رتّبت المادة 966 المُشار إليها عن الحيازة التي تتوفّر فيه الشروط القانونيّة أثرًا مميّزًا هو اعتبار "حيازته دليلًا على الحق"، بينما أجرت المادة 969 ق م "قواعد التقادم المسقط على المدة اللازمة لاعتبار الحيازة دليلًا على الحق"، مما يبرز أنّ مدة الخمس عشرة سنة للحيازة الواردة في المادة 966 ق م إنما هي مدّة للتقادم.
- أما في فيما عدا تلك الصور فتواصل حيازة العقارات والحقوق العينية الأصلية على العقارات طوال مدة معيّنة يكسب ملكية العقار وتكسب تلك الحقوق، وإن كان الوقوف على كافة أبعاد هذا التميّز يقتضي التطرّق إلى تميّز التقادم المكسب للملكية من حيث وظيفته (أوّلًا) من جهة، وتميّز تلك الحيازة المكسبة للمكية من حيث المدّة (ثانيًا) من جهة أخرى.
أوّلًا: تميّز الحيازة المكسبة للملكية من حيث وظيفتها
- لمرور الزمن على الحيازة تأثيران: أحدهما سلبي هو التقادم المُسقط الذي يؤول إلى سقوط الدعوى، والثاني إيجابي هو التقادم المُكسب الذي يُنشئ حقًّا جديدًا151. وقد عرف القانون الروماني التقادم المُكسب للملكيّة تحت اسم prescriptio ، ثمّ اسم usucapio اللذان يعودان إلى تصوّرين متلاحقين له وحّد بينهما تقنين Justinien152. كما لم يجعل الفقه الإسلامي الملكيّة تُكتَسَب بمجرّد الحيازة أي "القبض" أو "اليد"، مع أنّه يمكّن من كان في هذه الوضعيّة من دعوى "لإعادة اليد" لو غُصبت منه العين153.
- كما يؤخذ من تفسير ما ورد في المادة 966 ق م من أنّ "من حاز عقارًا أو منقولًا، واستمرت حيازته مدة خمس عشرة سنة، اعتبرت حيازته دليلًا على الحق..."، على ضوء ما اقتضته المادة 969 ق م من أنّه: "تسري قواعد التقادم المسقط على المدة اللازمة لاعتبار الحيازة دليلًا على الحق..."، بحيث يؤخذ من ذلك أنّ مدّة الخمس عشرة سنة التي تشترط المادة 966 أن تستمر خلالها الحيازة هي مدّة لتقادم حقوق صاحب الحق أو المالك غير الحائز ولاعتبار الحيازة دليلًا على ملكية الشيء أو الحق موضوع الحيازة. فضلًا عن كون المشرّع أورد الحيازة ضمن فرع من القانون المدني القطري عنوانه "كسب الملكية ما بين الأحياء".
- بحيث يُفهم من التفسير المشار إليه أنّ التقادم يُكسب في القانون القطري الملكيّة والحقوق العينيّة الأخرى. وتلك وظيفة تكتسي أهميّة بالغة حينما يتلقّى الخلف الملكيّة من سلف غير مالك. إذ لا يمكن لمن هو غير مالك أن يُحيل الملكيّة. ولولا التقادم المُكسب، لكان على الخلف إثبات ملكيّته وملكيّة جميع أسلافه ليتمسّك بصحّة انتقال الملكيّة إليه. وهو إثبات يكاد أن يكون مستحيلًا وُصِف في اللغة اللاتينيّة، تعبيرًا عمّا يحفّ به من عُسر، بالإثبات الشيطاني probatio diabolica. إذ رغم قبول محكمة التمييز الفرنسية لإثبات الملكية العقارية بكافة طرق الإثبات154، ورغم إقرارها بحرية قضاة الأصل في تقدير مدى اقتناعهم بالبيّنات التي يقدّمها لهم أطراف النزاع على ضوء الظروف الخاصة بالقضية155، يغلب أن تكون البيّنات المدلى بها أمام المحاكم غير مباشرة وغير حاسمة. كما أنّه "فيما عدا صورة العقارات المسجّلة، تظلّ الوسيلة الوحيدة لإثبات الملكية هي مراجعة سلسلة الملاك حتى يتمّ الوصول إلى المالك الأوّل، مع الحرص على إثبات شرعية كل إحالات الملكية المتلاحقة حتى يتم الوصول إلى المالك الحالي"156. فضلًا عن غلبة الاكتفاء في مصر، عند اكتساب ملكية العقار، بالعقد الابتدائي المعزّز بالحيازة، دون سعي إلى التسجيل لكونه لا يجوز أن يتمّ سوى انطلاقًا من سند مسجّل "وهو ما قد يقتضي تتبّع سلسلة طويلة من العقود حتى يتم الوصول إلى عقد مسجّل، وهذا أمر باهظ التكلفة مسبّب للإرهاق، إضافة إلى أن نتيجته غير مؤكّدة"157. بحيث "لا يجد المالك حماية كافية في الأحكام المنظّمة لحق الملكية، ويضطر، لحماية هذا الحق، إلى التمسّك بصفة الحائز"158.
- بحيث يؤخذ من ذلك أنّ التقادم المُكسب يُعفي من هذا الإثبات العسير والمعقّد، من خلال الاكتفاء بإقامة الدليل على الحيازة الصحيحة الذي استمرّ مدّة معيّنة لكسب ملكيّة العين أو الحقّ العيني عليها. فقرينة الحيازة المُكسبة "تُغني عن فحص الحُجج الاستحقاقيّة المتقدّمة عن بداية أمد الحيازة "159. وهو ما يؤول إلى جعل الحيازة المكسبة تتيح للحائز سندًا قانونيًا يحميه من كل مطالبة، تتعلّق بملكيته للعقار، قد تصدر من الغير160، إذ لا مجال لمناقشة الخلل الذي يسبق المدة اللازمة للتقادم المكسبة، لضرورة أن ينشأ "توافق بين الواقع والحقّ" بمجرّد مضي تلك المدة161. وحتّى إن انتفع حائز سيّء النيّة بالتقادم المُكسب على حساب المالك، فذاك نادر الوقوع ويقتضي أن يكون صاحب الحقّ على قدر كبير من الإهمال162. وهو ما يترتّب عليه التسليم بأنّ: "الوظيفة الأساسيّة للتقادم المُكسب تتجسّم في الرغبة في توفير الحماية للمالك الشرعي وليس للمُعتدِي. إذ يقدّم القانون المساعدة للمالك من خلال قرينة، تُمكّن من بقاء الوضع المادّي على ما هو عليه، وتتجسّم في الحيازة التي تُتيح اكتشاف الحقّ"163. مما يبرّر ذهاب الفقه إلى نفي أن يكون التنازل عن التقادم المكسب تنازلًا عن حق الملكية164، باعتبار التقادم لا يحدث أثره المكسب إلا إذا أثاره الحائز أو دائنه أو أي شخص له مصلحة فيه165، ولكون التنازل لا يقع على حق الملكية الذي دخل في الذمة المالية للحائز، بل يقع على حق هذا الحائز في إثارة التقادم المكسب لإثبات ملكيته166. وهو ما أخذ به القانون المدني القطري لما جعل الحيازة الممتدّة قرينة على الملكية167.
- وإن كان تركيز الفقه على وظيفة القرينة القاطعة المثبتة لحقّ المالك168، لا ينفي ذهاب جانب من الفقه إلى اضطلاع التقادم المُكسب بوظيفة أخرى هي إنشاء ملكيّة جديدة لفائدة الحائز169، باعتباره سببًا مستقلًّا من أسباب كسب الملكيّة. إذ "ينبثق حق الملكية من الحيازة من خلال التقادم المكسب... فالحيازة هي مظهر هادئ يجب ألا يُسمح لأي شخص بالتشويش عليها. وحينما تضاف المدّة إلى تلك الوضعيات، يجب ألا يسمح حتّى للقضاء بأن ينقضها. بحيث يسبّق الأمن الاجتماعي على المنطق القانوني"170. إذ "الحائز إذا تمسّك بالتقادم فإنّه يستفيد من قاعدة موضوعية تكسب الحق وليس من قاعدة إثبات تعفيه من إثبات حقه"171، كما أنّه "ليس التقادم المكسب مجرّد قرينة قانونية غير قابلة لإثبات العكس على أنّ الحائز هو المالك للعين التي حازها المدّة اللازمة، بل هو سبب مباشر لكسب الملكية. فعلى فرض أنّ الحائز كان غير مالك للعين وحازها مدة خمس عشرة سنة كانت له ملكية الشيء بالتقادم"172.
- وفي ذلك تبرير لذهاب القضاء إلى أنّ: "الحيازة والتصرّف بصفة مالك مدّة خمسة عشر عامًا، مع تدعيم ذلك بعقد إيجار محلّ التداعي للغير، يجعل (الحائز) مالكًا للعقار"173، إذ تتيح العقود التي يبرمها الحائز على الشيء إظهار نيّته في للتصرّف بصفة المالك174. خاصّة وأنّ اكتساب الحائز للملكيّة يعني بالضرورة سقوط حقّ المالك القديم في القيام بدعوى المطالبة بالملكيّة، عملًا بما جاءت به المادة 969 ق م من أنّه: "تسري قواعد التقادم المسقط على المدة اللازمة لاعتبار الحيازة دليلًا على الحق"، وبما ذهب إليه القضاء من أنّ العقد "لا ينقطع مفعوله إلّا بحيازة مستكملة لشروطها القانونيّة"175.
- وهو ما يجعل القانون المدني القطري يغلّب الواقع الذي تمثّله الحيازة على حق الملكية الثابتة بالحجج والأسانيد الصحيحة176، ويجعل حق الملكية الذي يوصف بكونه دائمًا، هو في حقيقة الأمر حقّ "مهيأ للدوام" vocation à la perpétuité 177. بحيث يبرّر ذلك ذهاب القضاء إلى أنّه: "من المتعيّن في الدعاوى الاستحقاقيّة أن يتم النظر في كل ما يستند إليه أطراف النزاع، سواء بالاعتماد على الحجج والأدلّة الكتابيّة أو ما يعارضها من التمسّك بالحيازة"178. وهو ما يؤول إلى وجوب تقديم التقادم المكسب على كل وسيلة إثبات أخرى179، ويبرّر ذهاب القضاء إلى جعل "الحيازة المُكسبة للملكيّة مقدَّمة على الرسوم"180، واعتبار أنّ "لا فائدة تُرجى من تطبيق الكتائب والعقود على محلّ النزاع"181 حينما يقع "إثبات تصرّف المتمسّك بالسقوط وحيازته للمدّعى عليه طيلة الأمد المُكسب للملكيّة بالتقادم"182، مؤكّدة على أنّ: "الملكيّة في العقار لا تثبُت بالمحررات …إلّا لو كان هذا المحرر مقترنًا بالحيازة القانونيّة. وفي صورة عدم وجودها لا عمل به … خاصّة و… أنّ الحيازة تُعدّ قرينة قانونيّة قاطعة وتتقدّم على المحررات"183.
- وهو ما يلتقي مع ما ذهبت إليه محكمة التمييز الفرنسية من جعل "اكتساب الملكية بالتقادم يعارض به الكافة حتّى وإن كان لا يخضع للتسجيل العقاري"184، على نحو يجعل الملكية غير المقترنة بالاستعمال أو الاستغلال، ملكية مهددة بحيازة الغير185. فالمالك الذي تم اكتساب ملكيته بالتقادم المكسب هو مالك مهمل ترك ملكه تحت سيطرة الغير لمدّة طويلة186، واكتفى بحق ملكيته دون أن يحوز ملكه على النحو المطلوب الذي يسمح للملكية أن تضطلع بدورها الاجتماعي187.
- بحيث يضفي الحفاظ على النفع الاقتصادي للشيء الشرعية على إكساب حق ملكية جديد لفائدة الحائز النشط، إعمالًا للوظيفة الاجتماعية لحق الملكية وإقرارًا بالمكانة المحورية للتقادم المكسب في إكساء الملكية البعد الاقتصادي المنشود188. إذ يذهب الفقه الفرنسي إلى وجوب تخلي المشرعين المعاصرين عن ضمان الاستقرار السكوني للحقوق والوضعيات sécurité statique الذي يعبّر عن "تصوّر أرستقراطي للحياة"، والقائم على نفي كل استثناء لها وعلى الضمان الصارم للحقوق المكتسبة، للأخذ بالاستقرار الحركي لتلك الحقوق والوضعيات sécurité dynamique القائم على سعي المجتمعات المعاصرة إلى زيادة إنتاج العقارات والمنقولات وإلى تنوّع المنافع المستمدّة من تلك العقارات والمنقولات189.
- ورغم أنّ الغلبة كانت في القوانين القديمة للحق كلّما دخل في صراع مع الوظيفة الاجتماعية، لكون "الأصل في الحق أن يكون أنانيًا وأن تكون غاياته فردية"190، سعت القوانين المعاصرة، ومنها القانون المدني القطري من خلال أحكام الحيازة، إلى زيادة سيطرة من يقوم باستغلال الشيء على العين191. بحيث لا يتمثّل هذا المساس بحق الملكية في إهدار لقيمة الشيء، بقدر ما هو إعادة توزيع لتلك القيمة لفائدة من يقوم بالاستغلال، من خلال حرمان المالك من تلك القيمة، لكون إقرار حقوق جديدة لمستعمل الشيء أو مستغل الشيء يقتضي ذلك192. مما يجعل زيادة سلطة المستعمل أو المستغل على الشيء، من خلال أحكام الحيازة، مرتبطة بقيمة العمل والجهد الذي يبذله هؤلاء، باعتبار العمل والجهد دليلًا على النشاط الإنساني وعلى الاستعمال، ولكون الملكية غير المستعملة أو غير المستغلّة هي ملكية مسترابة، فضلًا عن وجوب التشجيع على استعمال الشيء، لما في الاستعمال من انتفاع بموارد الشيء على نحو يتيح للعقار القيام بدوره الاجتماعي في المساهمة في سد حاجيات المجتمع193. وترتيبًا على ذلك، يرى الفقه في الحيازة والتقادم آليتي تقدير فعالتين لكل من مدى قوّة ومدى بقاء حق الملكية الذي هو حق مهيّأ للدوام194.
- ومع ذلك لا يكتسب الحائز، الذي آلت إليه ملكية الشيء بالتقادم، ملكيّة خالية من كل الحقوق التي أنشأها عليها المالك القديم قبل أن يكتسب المالك الجديد ملكيته195، إذ يذهب الفقه إلى أنّ التقادم لا يشمل سوى دعوى الاستحقاق التي كانت متاحة للمالك القديم تجاه المالك الجديد دون حقه في الملكية196، بحيث يجوز للمالك القديم الذي تمّ اكتساب ملكيته بالتقادم أن يتمسّك بحق ملكيّته في مواجهة كل شخص غير المالك الجديد الذي اكتسب الملكية بالتقادم197. مما يتيح القول بأنّ: "التقادم لا يسقط حق الملكية للمالك القديم" لما في ذلك من مخالفة لدوام حق الملكية، وإنّما يسقط دعوى الاستحقاق التي كانت متاحة له في مواجهة المالك الجديد198. وهو ما يقتضي دعوة محكمة التمييز إلى الرجوع عما ذهبت إليه من تسليم بكون "دعوى الإخلاء التي يرفعها المالك لاستحقاق ملكه من غاصبه لا تسقط بالتقادم لكون حق الملكية حقًا دائمًا لا يسقط بعدم الاستعمال"199، إذ من شأن الحيازة التي تتواصل خلال المدّة التي نص عليها القانون أن تجعل دعوى استحقاق المالك القديم تسقط بالتقادم، وأن تجعل الحائز يكتسب ملكية العقار، لكون الفقه المعاصر أصبح يذهب إلى أنّ الملكية هي حق مهيأ للدوام، خلافًا لما ذهبت إليه محكمة التمييز.
- على أنّ تدقيق الحالات التي يُنشئ فيها التقادم المُكسب ملكيّة جديدة مُسقطًا الملكيّة القديمة يقتضي إبراز تميّز الحيازة المكسبة للملكية من حيث المدّة.
ثانيًا: تميّز الحيازة المكسبة للملكية من حيث المدة
- يجوز تعريف المدة بكونها: "الزمن الذي يتمّ حسابه. وهو الفترة من الزمن التي يحدّدها القانون أو القضاء أو العقد"200. وقد بيّن القضاء أنّه لا يجوز لمحكمة الأصل القضاء بالاستحقاق "بوجه التقادم المُكسب ما لم توضّح مدّة الحيازة بصفة مدقّقة؛ إذ إنّ هذه المدّة من أهمّ أركان الكسب بالتقادم"201، كما جعل "شهادة الشهود لا تُعتمَد إلّا إذا بيّنت تاريخ الحيازة بداية ونهاية"202. وهو موقف يجد تبريرًا له في تفاوت طول تلك المُدّة.
- وقد عرف القانون الروماني، قبل مدوّنة جستينيان، التمييز بين التقادم الطويل والتقادم القصير من خلال تقسيم التقادم المكسب للملكية إلى فئات ثلاث من التقادم المكسب هي:
1 ـ التقادم القصير usucapio الذي كانت مدّته عامان في العقارات وعام في المنقولات، والذي يهدف إلى تغطية آثار البطلان الناجم عن التصرّف في ملك الغير أو عن اختلال شكليات التعاقد المتعلّقة بالتسليم أو بتقييد الأهلية.
2 ـ التقادم الطويل prescriptio longi temporis الذي تطوّر القانون الروماني في اتجاه التخفيض في مدّته من عشرين عامًا إلى عشر سنين.
3 ـ التقادم الطويل جدًّا prescriptio longissimi temporis، الذي تطوّر القانون الروماني في اتجاه تخفيض مدّته من أربعين إلى ثلاثين سنة، والذي لا يكسب الملكية ولكن تسقط بانقضائه دعوى المالك الحقيقي.
كما أورد الفقيه الروماني جستينيان في مدوّنته فئتين من التقادم المكسب أحدهما طويل، مدّته ثلاثون سنة وينطبق على الحائز الذي لم يؤسس حيازته على سند صحيح، والثاني تقادم قصير، يُدعى في المنقولات usucapio ومدّته ثلاث سنوات، ويسمّى في العقارات prescriptio وقد خفضت مدّته مع تطوّر القانون الروماني من عشرين عامًا إلى عشرة أعوام203.
- أمّا في القانون القطري، فتُعتبر مدّة خمسة عشر عامًا الأصل العامّ في التقادم سواء كان مُكسبًا أم مسقطًا204، إذ يشترك كلٌّ من المادة 403 و966 ق م في التنصيص عليها205. إلاّ أنّ كلًّا من المادة 967 والمادة 968 ق م رفّع تلك المدّة إلى ثلاث وثلاثين سنة بين الورثة206وبالنسبة لـ "الأموال الموقوفة وقفًا أهليًا "207. وذاك ترفيع يُبرَّر بأنّ سكوت هؤلاء مدّة خمسة عشر عامًا قد لا يُفيد تسليمهم لأحدهم بالحيازة وإعراضهم عن التمسّك بحقّهم208. بحيث أخذ المشرّع بعين الاعتبار العلاقات المعقّدة التي تجمع بين الورثة والمستفيدين من الوقف الأهلي، وتغليب هؤلاء في معظم الأحيان للرغبة في المحافظة على تلك العلاقات على الرغبة في منازعة الحائز؛ فضاعف مدّة التقادم للتأكّد من هدوء الحيازة من جهة، ومن نيّة التنازل عن الحقّ لفائدة الحائز لدى بقيّة الورثة أو المستفيدين من الوقف من جهة أخرى. بل يُستساغ القول بأنّ المشرّع قد أطال تلك المدّة شعورًا منه بما ينطوي عليه استئثار الحائز بالعين، دون بقية المستفيدين من الوقف الأهلي أو دون بقيّة الورثة، من سوء نيّة بيّن ومن استغلال مذموم للظروف متأتّية من الوقف الأهلي أو من عدم قسمة التركة. ولكن بمجرّد انقضاء تلك المدّة تنشأ قرينة غير قابلة للدحض على تنازل هؤلاء عن حقّهم، ولا يُخوَّل لهم تبعًا لذلك إثبات ما يُخالفها. ولكن في المقابل لم تجعل المادة 968 ق م دعوى المطالبة بحقوق الشريك على الشيء المشترك، تتقادم عند الإنكار بمضي ثلاث وثلاثين سنة أسوة بدعوى المطالبة بحقوق الإرث، رغم أنّ كل ما سبق شرحه حول سوء نية الوارث الذي يستأثر بحيازة العين وحول العلاقات المعقّدة التي تجمع بين الورثة ينطبق كذلك على الشركاء في ملك الشيء copropriétaires209؛ بحيث يحسن بالمشرّع القطري، النسج على منوال بعض التشريعات المقارنة210، وتعديل المادة 968 ق م؛ بحيث تنص على أنّه: "تتقادم، عند الإنكار دعوى المطالبة بحقوق الإرث وبحقوق الشريك على الشيوع بمضي ثلاث وثلاثين سنة".
- إلّا أنّ تشدّد المشرّع في معاملة الحائز الذي يتّصف بسوء النيّة البيّن، لم يُقابله تخفيفه على الحائز حسَن النيّة الذي اكتسب حيازته بمقتضى تصرّف قانوني ينقل الملكية لو صدر ممن له الحق في إبرامه من خلال تخفيض تلك المدة إلى خمس سنوات أسوة بالمادة 969 من القانون المدني المصري211، أو إلى مدّة عشرة أعوام أسوة ببعض مذاهب الفقه الإسلامي212، وبالمادة 2265 من القانون المدني الفرنسي213، وببعض التشريعات العربية المقارنة214. بحيث يحسن بالمشرّع القطري إضافة فقرة ثانية إلى المادة 967 ق م تنص على أنّه: "تسري أحكام المادة السابقة على الأموال التي تستند الحيازة عن حسن نية فيها إلى تصرّف قانوني من فئة التصرفات القانونية الناقلة للملكية، إذا استمرت حيازتها عشر سنوات". إذ في اعتماد مدّة عشر سنوات توفيقًا بين اعتبارين هما، حسن نية الحائز من جهة وتخويل المالك الحقيقي مدة كافية للعلم بالاعتداء الواقع على حقه والمطالبة به من ناحية ثانية. حتى لا يكون الحوز المكسب وسيلة لإهدار حق المالك الحقيقي، وحتى يتاح للمالك الوقت الكافي لاسترداد ملكه قبل انقضاء مدّة التقادم.
- بحيث يأخذ هذا التعديل بعين الاعتبار أنّ لحُسن النيّة في الحيازة المكسبة للملكية مفهومًا خاصّا يخرُج عن افتراض "الاستقامة وسلامة النيّة" في كلّ إنسان ما لم يثبُت ما يُخالف ذلك. إذ يقوم حسن النية على اعتقاد الحائز بأنّه تلقّى حقّه من مالك بمقتضى تصرّف قانوني صحيح215. وهو ما يقتضي وقوع الحائز في غلط عند تلقّيه الحقّ الذي حاز بمقتضاه؛ ويجعل حسن النيّة المتمثّلة في رسوخ الاعتقاد بإبرام عمل قانوني صحيح ناقل للملكيّة من المالك الحقيقي، متمّمًا ضروريًّا لوجود هذا العمل القانوني. وهو ما يُبرّر ذهاب الفقه الفرنسي إلى وجوب أن يكون غلط الحائز حول صفة المالك في السلف مغتفر216، وألّا يكون الحائز في شك حول حقيقة سلطات السلف الخاص؛ إذ الشك في هذا المجال مساوٍ للعلم ونافٍ لحسن النية217. بحيث تنتفي حسن النية على الحائز الذي "خطّط لشرائه العقار رغم علمه بأنّه ليس على ملك البائع له"218؛ ويُبرز نفي كلّ تأثير لما قد يطرأ من اكتشاف الخطأ أو من سوء نية بعد التلقّي219؛ إذ لا يُشترط لتوفّر حسن النية الذي يبيح للحائز الانتفاع بالتقادم القصير أن يستمر الحائز على جهله بعيب السند الذي اشترى بمقتضاه220.
- ولا يكفي كذلك ما قد ينشأ في ذهن الحائز من اشتباه أو شكّ221، أي لا يكفي التفويت الظني222، كالحيازة بمقتضى وصية تمّ الرجوع فيها أو استنادًا إلى توكيل موضوعه اكتساب ملكية العين لم ينجزه الوكيل223، بل لا بُدّ أن ينجرّ عن غلطه اعتقاد راسخ بصحّة تلقّيه للحقّ. وهو ما أوضحه القضاء لمّا اعتبر أنّه "إذا تصرّف مشتري العقار في أرض لم يشملها عقد البيع معتقدًا بحسن نيّة أنّ البيع قد شملها، فعقد البيع فيما يتعلّق بهذه الأرض عقد ظنّي لا وجود له إلّا في مخيّلة المشتري. ومن ثمّ فإنّه لا يستطيع أن يستند إلى هذا العقد الظنّي وأن يعتبره سببًا صحيحًا لتملّك الأرض التي لم يشملها عقد شرائه بالتقادم المُكسب القصير"224. وإن كان يحسن بالمشرّع القطري أن ينصّ على معيار مادي مضبوط لرسوخ اعتقاد الحائز بانتقال الملكية إليه من خلال مطالبة الحائز بإثبات انجرار الحيازة إليه بمقتضى تصرّف قانوني acte juridique ناقل للملكيّة225. مما يجعل شرط التصرّف القانوني "شرطًا قائمًا بذاته ومستقلًا عن حسن النية"، ويحول بالتالي دون الاعتداد بالسند الظني كأحد عناصر تقدير حسن نية الحائز226. وهو ما يُبرّر ما ذهب إليه القضاء المقارن من وجوب اقتران حسن النيّة بارتباط انتقال الحيازة بتصرّف قانوني "ناقل للملكيّة كالبيع والوصيّة والهبة، ولكنّه مع ذلك لم ينقلها للحائز لأنّه صادر من غير المالك"227 وما ذهبت إليه محكمة التمييز من وجوب أن تستند الحيازة المكسبة للملكية في العقارات "تصرف قانوني يسبغ على الحائزين وصف المالكين"228.
- بحيث، في غياب هذا الوجه القانوني لنقل الملكيّة229 الذي يجهل الحائز عيبه في تاريخ التلقّي، لا يمكن التمسّك بحُسن النيّة على مقتضى الفقرة الثانية المقترح إضافتها إلى المادة 967 ق م230. وتلك شروط للتسليم بحسن نيّة الحائز للعقار يحسن بمحكمة التمييز الأخذ بها وإلزام قاضي الموضوع باعتمادها عوض الذهاب إلى أنّ "توفر حسن نية الحائز أو انتفائها هو من مسائل الواقع التي يستقل قاضي الموضوع بتقديرها من مظانها في الدعوى وبما يستشفه من ظروفها وملابساتها من غير أن يخضع حكمه في ذلك لرقابة محكمة التمييز متى كان استخلاصه سائغًا وكافيًا لحمل قضائه"231.
- كما يجب أن يكون العيب الأساسي الموجود في السند هو كون من نقل الملكية إلى الحائز لم يكن مالكًا232، بحيث لا يمكن أن يستفيد من التقادم القصير الحائز الذي يشوب سنده البطلان أو عدم النفاذ لأيّ سبب غير كون معاقد الحائز لم يكن مالكًا233.
- بل يذهب الفقه إلى أنّ التقادم القصير لا ينتفع به الحائز الذي انجرّ إليه الحيازة بموجب سند باطل، لعدم مشروعية المحل أو عدم وجود أو مشروعية السبب أو لغياب الشكليات التي يشترطها القانون أو لانعدام الأهلية234 أو سند غير نافذ للصورية المطلقة235 مثلًا. لئن كان التقادم الطويل يتمّ دون النظر في العقود ودون اعتبار لمصدر بداية الحيازة236، يُشترط في التقادم القصير التصرّف القانوني الناقل للملكية لو صدر عن المالك الحقيقي237، أي التصرّف القانوني الذي يتمثّل عيبه الجوهري في ملكية المفوّت للعين التي تمّ التفويت فيها بموجبه، ولا وجود لأيّ خلل فيه فيما عدا الخلل الذي يترتّب عنه البطلان النسبي. وهو ما يبرّر ذهاب كل من الفقه238 والقضاء239 إلى أنّ العقد المشوب بالبطلان النسبي لتقييد أهلية المعاقد أو لوجود عيب في الرضى يتيح للحائز الانتفاع بالتقادم القصير إذ لا يحق لسوى المفوّت المتضرر منه إثارة عيبه النسبي، رغم أنّ الفقرة الثالثة من المادة 969 من القانون المدني المصري تشترط أن يكون السند الذي يمثّل سببًا صحيحًا للحيازة "مسجّلا طبق القانون"، ومع أنّ المادة 2273 من القانون المدني الفرنسي تمنع اعتماد السند الباطل لخلل شكلي كسبب صحيح للحيازة يتيح الاستفادة من مدّة التقادم القصيرة.
- ولكن ما هي أحكام احتساب تلك المدّة؟
المطلب الثاني
أحكام احتساب المدّة
- جاء في المادة 969 ق م أنّه: "تسري قواعد التقادم المسقط على المدة اللازمة لاعتبار الحيازة دليلًا على الحق، وذلك فيما يتعلق بحساب المدة ووقفها وانقطاعها والاتفاق على تعديلها، وذلك بالقدر الذي لا تتعارض فيه هذه القواعد مع طبيعة الحيازة"، على نحو قد يُفهم منه وحدة الأحكام المتّصلة باحتساب التقادم بقطع النظر عن كونه مسقطًا أو مُكسبًا. ورغم تنصيص تلك المادة على جعل سريان قواعد التقادم المسقط يشمل "... حساب المدة ووقفها وانقطاعها والاتفاق على تعديلها"، فإنّ تلك الأحكام تشمل كذلك ما يكتسيه التقادم من أثر رجعي.
- وتقوم الأحكام المتّصلة بطريقة احتساب المدّة على مبدأين أساسيّين هما التيسير على الحائز من جهة، وعدم سريان التقادم على كلّ من تعذّر عليه المطالبة بحقّه من جهة أخرى.
- فالتيسير هو الذي يُبرّر ما جاءت به المادة 409 ق م من احتساب مدّة التقادم بالأيّام لا بالساعات لغلبة تعذّر معرفة الساعة التي بدأ فيها سريان التقادم240. كما نفى هذا النصّ احتساب اليوم الأوّل، الذي يكون في غالب الأحيان منقوصًا، تلافيًا للاضطرار إلى احتساب المدّة بالساعات، ولإجبار الحائز على إثبات الساعة التي بدأ فيها حيازته. ولذلك نصّ المشرّع على انطلاق احتساب المدّة منذ الساعة صفر من اليوم الموالي ليكتمل بانقضاء آخر يوم من مدّة التقادم241.
- وهي مدّة تفترض المادة 942 ق م عدم انقطاعها من خلال التنصيص على أنّه: "إذا ثبت قيام الحيازة في وقت معين سابق، وكانت قائمة حالًا، اعتبرت قائمة في المدة ما بين الزمنين، ما لم يثبت العكس"، مما يجعل الحيازة الحاضرة للخلف مع الحيازة السابقة للسلف قرينة على الحيازة في المدّة التي بينهما ما لم يثبت ما يُخالف ذلك242. وتلك قرينة من شأنها أن تُخفّف عبء الإثبات عن الحائز بإعفائه من إثبات استمرار حيازته وعدم قيامها على أعمال متقطعة على معنى المادة 941 ق م طيلة المدّة التي يفرضها القانون. إذ استعاض المشرّع عن ذلك الإثبات الذي يكاد أن يكون مستحيلًا بالاكتفاء بأن يُثبت الحائز حيازته في الوقت الراهن مع إثبات وجوده في وقت سابق معيَّن. وهو إثبات يُعضّده المشرّع بافتراض استمرار الحيازة بين التاريخين إلى أن يُقيم خصم الحائز الدليل على عكس ذلك243.
- بل ذهب القانون المدني القطري إلى أبعد من ذلك في التيسير على الحائز؛ إذ نصّت المادتان 948 و952 ق م على أنّه: "تنتقل الحيازة للخلف العام بصفاتها ..." وعلى أنّه: "يجوز للخلف الخاص أن يضم إلى حيازته حيازة سلفه في كل ما يرتبه القانون على الحيازة من أثر."، فجعلت حيازة السلف العام تضمّ آليًا إلى حيازة الخلف العام، مع تمكينه من التمسّك بحسن نيّته لو كان سلفه سيء النية. وهو ما أخذت به محكمة التمييز لما جعلت "الوارث ينتصب خصمًا عن باقي الورثة إذا كان قد خاصم أو خوصم طالبًا الحكم للتركة بحق لها أو مطلوبًا فـي مواجهته الحكم على التركة نفسها بحق عليها ..." وأخذت من ذلك "ثبوت نيابة الطاعن الثاني عن باقي الورثة – الطاعنون - فـي طلب تسجيل أرض النزاع باسمهم جميعًا لحيازتهم لها امتدادًا لحيازة مورثهم قبل وفاته" 244.
- كما أتاحت المادة 952 للخلف الخاص الحائز، حسبما تقتضيه مصلحته245، ضمّ حيازة سلفه بجميع صفاته إلى حيازته، مُكرّسة قاعدة ضمّ الحيازات عند الاستخلاف jonction de possessions سواء تعلّق الأمر بالخلف العام أم الخلف الخاص246. وتلك قاعدة تنفي ضرورة تواصل حيازة نفس الشخص طيلة مدّة التقادم الطويلة247 من جهة، وتُمكّن الحائز الحالي سيّء النيّة من الاستفادة من التقادم حينما يكون سلفه حَسن النيّة؛ إذ "تنتقل الحيازة للخلف بصفاتها، على أنّه إذا كان السلف سيء النية وأثبت الخلف أنّه كان في حيازته حسن النية، جاز له أن يتمسّك بحسن نيّته"248، لكون العبرة بحُسن النيّة وقت تلقّي الحقّ.
- وإن كان ذلك يقتضي توضيح أنّه، لو كان السلف سيء النية والخلف حسن النية أو العكس، ولو تمّت إضافة فقرة ثانية إلى المادة 967 ق م طبقًا لما تم اقتراحه آنفًا بحيث تنص على تقادم عشري لفائدة الحائز حسن النية، لـ "دخلت مدة الحيازة التي انقضت ضمن المدة القصيرة المرتبطة بحسن نية الحائز في احتساب مدة الحيازة الطويلة حينما يكون السلف حسن النية، بينما لا يجوز إدخال مدة الحيازة التي انقضت ضمن المدة الطويلة المرتبطة بسوء نية الحائز في احتساب مدة الحيازة القصيرة حينما يكون الخلف حسن النية"249.
- وأمّا عن عدم سريان التقادم على كلّ من تعذّر عليه المطالبة بحقّه، فهو يتّخذ مظهرين أساسيين أحدهما وقف سريان مدّة التقادم (أوّلًا)، والثاني قطع سريان مدّة التقادم (ثانيًا).
أوّلًا: وقف سريان مدّة التقادم
- اهتم القانون المدني القطري، من خلال المادة 411، بحماية بعض الأطراف من الآثار الخطيرة لسريان أجل التقادم، انطلاقًا من فكرة جوهريّة أخذت بها الفقرة الأولى من المادة 411 ق م قوامها عدم جواز سريان التقادم على من تتعذّر عليه المطالبة بحقّه حتى "ولو كان المانع أدبيًا"250. وتطبيقًا لذلك، منعت الفقرة الأولى من تلك المادة سريان التقادم بين الأصيل والنائب، كما جعلت الفقرة الثانية من ذات النصّ التقادم لا يسري عند "عدم توفر الأهلية في الدائن أو غيبته أو الحكم عليه بعقوبة جنائية إذا لم يكن له نائب يمثله قانونًا".
- ويترتب على وجود إحدى تلك الحالات عدم سريان التقادم أو وقف التقادم suspension de la prescription، باعتباره وقفًا لسريان المدّة لسبب معيّن على أن يعود ذلك السريان بمجرّد زوال السبب. فتُضاف تبعًا لذلك المدّة اللاحقة للوقف للمدّة السابقة له. إذ "يتم وقف التقادم حينما تحصل ظروف معيّنة توقف وقتيًا سريان مدّته، دون أن تمحو آثار سريان المدة السابقة. فالوقف هو مجرّد إدخال للتقادم في سبات يفضي إلى إطالة مدّته القانونية طيلة المدة التي بقي خلالها سبب الوقف قائمًا"251، بحيث "يسقط من الحساب المدة التي قام خلالها سبب الوقف ويستأنف التقادم سيره بمجرّد زوال هذا السبب"252. وهو وقف للحيازة يمكن أن يستند في الفقه الإسلامي إلى المادة 1663 من مجلة الأحكام العدلية التي توجب أن يكون القعود عن المطالبة بالحق خلال المدّة المعتبرة بلا عذر من قبيل انعدام الأهلية ونقصها والغيبة وكون الحائز من ذوي النفوذ والسلطة، حتى يحول دون سماع الدعوى، "لكون الترك بلا عذر يدلّ على انتفاء حق التارك"، خلافًا للزمن الذي يمر مع وجود عذر شرعي يمنع القائم من المطالبة بحقه، والذي لا يمنع من رفع الدعوى عند زوال العذر253.
- ويتمّ وقف التقادم حينما يكون المالك الحقيقي غير قادر على الدفاع عن حقه، وطيلة الفترة التي يكون فيها المالك الحقيقي كذلك254. بحيث لا يتعلق وقف التقادم بالحيازة، بل بالمالك الحقيقي الذي يحتاج إلى حماية من الحيازة المكسبة لعدم قدرته، في ظروف معيّنة، على الدفاع عن حقّه255، مع التنبيه إلى أنّ وقف التقادم لا يتمّ إلّا في الصور التي ضبطها القانون256.
- بحيث يؤخذ من الفقرة الأولى من المادة 411 ق م عدم سريان المدّة كلّما توفّر مانع يحول دون المطالبة؛ سواء كان المانع ماديًّا، أم قانونيًا أم أدبيًّا257. ويتمثل المانع المادي في "كل ظرف أو حادث يؤدي إلى إعاقة المالك عن المطالبة بحقه كتعطّل المحاكم بسبب ثورة أو احتلال258 أو تعذّر الوصول إليها بسبب فيضان أو زلزال"، بينما قد يتمثّل المانع القانوني في نقص الأهلية أو الغيبة أو السجن مع عدم وجود نائب، لكون صاحب الحق لا يمكنه في هذه الظروف اتخاذ إجراء قانوني قاطع للتقادم259.
- كما يؤخذ من أحكام المادتين 417 و418 ق م أخذ المشرّع القطري بما يرى فيه الفقه الدور المحوري للإرادة في مجال التقادم الذي لا يُنتج آثاره القانونيّة بصفة آليّة260. فقد أوضحت الفقرة الأولى من المادة 417 ق م أنّ التقادم لا يقوم بنفسه، مانعة على القاضي إثارته من تلقاء نفسه. ورغم أنّ الفقرة الأولى من المادة 418 ق م تمنع الحائز من النزول المسبّق عن التقادم، فإنّه يؤخذ في المقابل من الفقرة الثانية من ذات المادة أنّ النزول عن التقادم بعد حصوله يظلّ جائزًا. وهو نزول قد يكون ضمنيًّا، وقد يتمثّل في إبرام الحائز لعقد يكون بموجبه مستأجرًا للعقار الذي اكتمل التقادم في شأنه، أو قد يتمثّل في طلب الوارث قسمة العقار الذي هو في حيازته261. وإن كان هذا النزول لا يمنع دائني الحائز من التمسّك بالتقادم، عملًا بأحكام الفقرة الأولى من المادة 417 ق م.
- على أنّه حالما تضطلع الإرادة بدورها، يُفسَح المجال لأثر آلي هو الأثر الرجعي للتقادم المُكسب الذي يقتضي اكتساب الحائز للملكيّة أو للحقّ العيني العقاري المتفرّع عنه بداية من تاريخ انطلاق الحيازة وليس من تاريخ اكتمال مدّة التقادم262. ممّا يترتّب عنه صحّة كلّ التصرّفات، كالرهون وعقود الإيجار، التي يُبرمها الحائز بين ذينك التاريخين263.
- ولكن إلى جانب كلّ تلك الأحكام المتعلّقة بوقف التقادم، تسري على الحائز الأحكام المتعلّقة بقطع التقادم.
ثانيًا: قطع سريان مدة التقادم
- يرى الفقه أنّ قطع التقادم هو "زوال ما مضى من مدّته قبل حدوث سبب الانقطاع. بحيث إذا عادت الحيازة من جديد للحائز فإنّه يبدأ تقادمًا جديدًا بمدة كاملة لا يدخل في حسابها المدة التي سبقت تحقق سبب الانقطاع"264، وأنّه: "يقطع التقادم عندما يقع حدث من شأنه أن يمحو كل الآثار التي تحقّقت سابقًا، ولا يجوز أن يتم قطع التقادم إلّا للأسباب التي حددها القانون والتي تكون إمّا طبيعية أو قانونية"265. مما يجعل من قطع مدّة التقادم interruption de la prescription، سقوطًا لمدّته التي انقضت وبداية مدّة جديدة لسريانه. بحيث لا تُحتَسب المدّة القديمة في القطع266، خلافًا للتعليق، ويؤول القطع إلى قتل الأثر المكسب للملكية في الحيازة خلال كامل المدّة التي تسبق القطع. وهو ما جعل الفقه يوضّح أنه: "إذا كنا شبّهنا وقف التقادم بالمرض، فإننا نشبّه قطع التقادم بالوفاة بالنسبة للإنسان؛ إذ إنّه ينهي أثر الحيازة ويجعلها عديمة الجدوى"267. وإن كان يجوز تبرير سكوت القانون المدني القطري عن السبب الطبيعي لقطع التقادم المكسب والمتمثّل في فقدان الحائز لحيازته مدة تبلغ السنة268، بكون هذا الفقدان يؤول إلى فقدان صفة الحائز التي لا تقادم مكسب بدونها.
- كما تستند أحكام التقادم المكسب بالأساس إلى أسباب قطع التقادم المُسقط الواردة في المادتين 413 و414 ق م. إذ رتّبت المادة 413 ق م قطع التقادم المُسقط على القيام لدى محكمة غير مختصّة، وحتّى على إخطار المدين demande extrajudiciaire أو عن "أي عمل يقوم به الدائن للتمسك بحقه أثناء السير في إحدى الدعاوى". ويؤخذ من الفقرة الأولى من المادة 414 ق م ترتيب قطع سريان مدّة التقادم عن إقرار الحائز بحقّ من كان التقادم ساريًا ضدّه. وهو إقرار قد يكون ضمنيًّا فيُستفادُ ممّا يصدر عن الحائز من أعمال تدلّ على اعترافه بتلك الحقوق269، كدفع الإيجار أو مطالبة من كان التقادم ساريًا ضدّه بإصلاح العين موضوع الحيازة.
- وسواء كان سبب إكساب الحيازة للملكية في العقارات هو رغبة المشرّع في عقاب المالك المهمل أم سعيه إلى إعلاء الوظيفة الاجتماعية للملكية أو حفاظه على السلم الاجتماعي من خلال توفير الحماية لصاحب السيطرة الفعلية على العقار، أو أخذه بكلّ تلك الاعتبارات معًا، خصّ المشرّع حيازة العقار بحماية لا تخلو من قوّة. وقد تبيّن أنّ تلك حماية لاقت عمومًا تعزيزًا من القضاء رغم بعض العثرات التي لا تؤثّر على وضوح توجّهه. ومع ذلك تظلّ بعض المجالات خارجة عن مجال تطبيق الحيازة لكون المشرّع يريد أن يجعل الملكية فيها مرتبطة بإجراءات يراها ضرورية لإدخال مزيد من الوضوح على وضعيات قانونية من خلال الشكلية، أو لكون المشرّع يريد أن ينفي تأثير الزمن على أنواع أخرى من الملكية على غرار العقارات المسجّلة والعقارات التي هي على ملك الدولة270.
النتائج
- بيّنت التحاليل السابقة أنّ قرينة الملكية الواردة في المادة 970 ق م، تشمل الحيازة عن حسن نية بصفة مالك وكذلك حيازة الحق العيني على المنقول، كما تشمل حيازة السند للحامل، وحيازة القيم المنقولة الاسمية التي تكون قائمة على القيد في الحسابات الجارية الخاصة. وتلك قرينة بسيطة لا تمنع المالك الحقيقي من استرداد المنقول الذي يمتلكه من يد الحائز، لو أثبت ملكيّته لذلك المنقول إمّا من خلال الإدلاء بسند الحيازة العرضية الذي يبرّر وجود المنقول بين يدي الحائز، وإمّا من خلال إقامة الدليل على كون حيازته معيبة بإحدى عيوب الحيازة.
- ويتّضح كذلك مما سبق بيانه أنّ قرينة المادة 970 ق م هي المعيار للترجيح عند تزاحم الحقوق العينية على المنقول، فتنطبق تلك القرينة للترجيح بين حقوق خلفين يتساويان في حسن النية، لكون كليهما انتقلت إليه ملكية المنقول من غير المالك، مع اعتقاد كليهما أنّ سلفه مالك لهذا المنقول، فيكون القول قول الحائز إذا كان حُسن نيته قائمًا عند ابتداء حيازته. وقد أعملت الفقرة الأولى من المادة 1171 ق م قرينة المادة 970 ق م بصفة مطلقة عند التنازع بين صاحب حق الامتياز والحائز للمنقول، حتى وإن كانت حيازته عرضية، رغم أنّ "سند الحيازة العرضيّة إقرار بملكيّة الغير". كما استقرّ الفقه الفرنسي على جعل معيار الحيازة بحسن نية هو المعيار العادل الوحيد الذي يتيح المفاضلة عند تزاحم المشتريين المختلفين لو تم التفويت في ذات المتجر لفائدة شخصين مختلفين، واستقر كذلك على تفضيل المستغل لحق الملكية الفكرية الذي مارس سلطة فعلية على المؤلّف من خلال التنظيم الفعلي لاستغلاله. لكون ذلك يجعل منه حائزًا حسن النية لا بدّ من حمايته.
- ولكن تستثنى بعض المنقولات من مجال تطبيق قرينة المادة 970 ق م بالنظر إلى خصوصية وصفها القانوني، إمّا استنادًا إلى اتصال تلك المنقولات بعقار على نحو يؤول إلى عدم جواز انتقال ملكيتها بصفة منفصلة عن ملكية العقار، أو أخذًا بعين الاعتبار للشكليات التي أوجب المشرّع احترامها لانتقال ملكية بعض المنقولات أو اكتساب حقوق عينية عليها مما يجعل الحيازة غير مجدية في شأنها.
- كما أنّ لقرينة المادة 970 ق م استثناءات أخرى تتّصل بدعوى الاسترداد باعتبار الحائز حسن النية هو من كان يجهل أنّ سلفه ليس المالك الحقيقي للمنقول، شرط ألّا يكون جهله ناجمًا عن خطئه الجسيم. فقد أجازت المادة 972 ق م استرداد المنقول المحوز في حالتي الضياع والسرقة. ولكن حماية للحائز، اقتضت الفقرتان الأولى والثانية من المادة 972 ق م سقوط دعوى الاسترداد بمرور ثلاث سنوات فقط على الضياع أو السرقة.
- وقد بيّنت هذه الدراسة كذلك أنّه يغلب أن "لا يفيد السند الملكية في المنقولات"، وأن يثبت القائم بدعوى استرداد ملكيّته للمنقول المتنازع عليه عن طريق إقامة الدليل على حيازته السابقة للمنقول.
- كما بيّنت هذه الدراسة أنّ في أحكام المادة 966 ق م أخذت بما يذهب إليه فقه القانون من أنّ "التقادم المسقط للحقوق العينية هو في حقيقته تقادم مكسب". مما يتيح القول بأنّ: "التقادم لا يسقط حق الملكية للمالك القديم" لما في ذلك من مخالفة لدوام حق الملكية، وإنّما يسقط دعوى الاستحقاق التي كانت متاحة له في مواجهة المالك الجديد.
- كما انتهت هذه الدراسة إلى أن مدة الحوز المكسبة للملكية في العقارات هي خمسة عشر عامًا إذ تشترك كلّ من المادتين 403 و966 ق م في التنصيص عليها. إلّا أنّ المادتين 967 و968 ق م رفّعتا تلك المدّة إلى ثلاث وثلاثين سنة بين الورثة وبالنسبة لـ "الأموال الموقوفة وقفًا أهليًا ". وذاك ترفيع يُبرَّر بأنّ سكوت هؤلاء مدّة خمسة عشر عامًا قد لا يُفيد تسليمهم لأحدهم بالحيازة وإعراضهم عن التمسّك بحقّهم. وفي المقابل لم تجعل المادة 968 ق م دعوى المطالبة بحقوق الشريك على الشيء المشترك، تتقادم عند الإنكار بمضي ثلاث وثلاثين سنة أسوة بدعوى المطالبة بحقوق الإرث.
- وقد انتهت هذه الدراسة كذلك إلى أنّ المشرّع القطري لم يخفف على الحائز حسَن النيّة الذي اكتسب حيازته بمقتضى تصرّف قانوني ينقل الملكية لو صدر ممن له الحق في إبرامه من خلال تخفيض تلك المدة إلى خمس سنوات أسوة بالمادة 969 من القانون المدني المصري، أو إلى مدّة عشرة أعوام أسوة ببعض مذاهب الفقه الإسلامي، وبالمادة 2265 من القانون المدني الفرنسي، وببعض التشريعات العربية المقارنة.
- كما تم التوصّل، فيما يتعلّق بأحكام احتساب مدة الحيازة، إلى نتيجتين، إحداهما أخذ المشرّع القطري بالتخفيف على الحائز في الإثبات، من خلال أحكام المادتين 948 و952 ق م اللتين كرّستا قاعدة ضمّ الحيازات عند الاستخلاف jonction de possessions سواء تعلّق الأمر بالخلف العام أم الخلف الخاص.
- وأمّا النتيجة الثانية، فهي عدم سريان مدة الحيازة المكسبة للملكية على كلّ من تعذّر عليه المطالبة بحقّه، وذلك من خلال حماية المالك الحقيقي بوقف سريان تلك المدة أو قطعها حينما يكون ذلك المالك غير قادر على الدفاع عن حقه، وطيلة الفترة التي يكون فيها المالك الحقيقي كذلك طبقًا لأحكام المادة 411 ق م.
التوصيات
- إنّ النتائج التي انتهت إليها هذه الدراسة تدعو المشرّع القطري إلى الأخذ بالتوصيات الأربع التالية:
1 ـ جعل قرينة الملكية تصبح معيارًا للترجيح لفائدة الحائز المادي لعين المنقولات في مواجهة الحائز القانوني للسندات الاسمية المثبتة لملكية تلك المنقولات كوصولات الخزن أو وثائق الشحن271، عند تساوي الطرفين في حسن النية. بحيث عند تساوي حائز السند مع حائز العين في حسن النية، يحسن بالمشرّع القطري أن، ينسج على منوال المادة 491 من القانون المدني التونسي في وضع قرينة مطلقة على تقديم الحائز المباشر للعين، على حائز السند الذي حيازته غير مباشرة لكونه يتمّ بواسطة الناقل أو صاحب المستودع272؛ بحيث تقدّم السيطرة المادية المباشرة على المنقول، على السيطرة القانونية "الرمزية"273 وغير المباشرة من خلال السند الاسمي المثبت للملكية.
2 ـ النص صراحة على اعتماد الترخيص بتسيير المركبة كحجّة على الملكيّة باعتبار الإشهار الذي يرتبط بالترخيص في تسيير المركبة لا يتلاءم مع أحكام المادة 970 ق م.
3 ـ النسج على منوال بعض التشريعات المقارنة274، وتعديل المادة 968 ق م؛ بحيث تنص على أنّه: " تتقادم، عند الإنكار دعوى المطالبة بحقوق الإرث وبحقوق الشريك على الشيوع بمضي ثلاث وثلاثين سنة".
4 ـ إضافة فقرة ثانية إلى المادة 967 ق م تنص على أنّه: "تسري أحكام المادة السابقة على الأموال التي تستند الحيازة عن حسن نية فيها إلى تصرّف قانوني من فئة التصرفات القانونية الناقلة للملكية، إذا استمرت حيازتها عشر سنوات". لما في اعتماد مدّة عشر سنوات من توفيق بين اعتبارين هما، حسن نية الحائز من جهة وتخويل المالك الحقيقي مدة كافية للعلم بالاعتداء الواقع على حقه والمطالبة به من ناحية ثانية. حتى لا يكون الحوز المكسب وسيلة لإهدار حق المالك الحقيقي، وحتى يتاح للمالك الوقت الكافي لاسترداد ملكه قبل انقضاء مدّة التقادم.
المصادر والمراجع
أولًا: المراجع باللّغة العربيّة
أـ كتب ورسائل جامعيّة:
ـــ ابن منظور محمد، لسان العرب ط، دار لسان العرب، بدون تاريخ، الجزء الثالث.
ـــ البدراوي عبد المنعم، أثر مضي المدة في الالتزام، رسالة دكتوراه، جامعة فؤاد الأول، القاهرة، مطبعة جامعة فؤاد الأول، 1950، عدد 160.
ـــ البكري عائدة، الحيازة في العقار، مذكرة للحصول على شهادة الدراسات المعمقة في قانون الأعمال، كلية الحقوق بتونس السنة الجامعية 1993 - 1994.
ـــ بالكناني فوزي والكناني يوسف، قانون الأموال، مركز النشر الجامعي 2003.
ـــ ابن أنس مالك الأصبحي، الموطّأ في الفقه، كتاب القضاء في البيع، رقم الحديث: 32 – ط، دار إحياء التراث العربي، 1985.
ـــ ابن عاشور الشيخ محمّد الطاهر، تفسير التحرير والتنوير، الدار التونسيّة للنشر، 1984، الجزء 12.
ـــ ابن طالب أحمد، التفويت في ملك الغير، دار الميزان للنشر، حمام سوسة، تونس، طبعة أولى، 2009.
ـــ أبو السعود رمضان، الوجيز في الحقوق العينية الأصلية، أحكامها ومصادرها، دار المطبوعات الجامعية، الإسكندرية، 2001.
ـــ التسولي أبو الحسن علي بن عبد السلام، البهجة في شرح التحفة، ج5، دار الكتب العلمية – بيروت، 1998.
ـــ جابر محجوب وفايز الكندري، اكتساب الملكية بوضع اليد في العلاقات بين الدولة والأفراد، مطبوعات مجلس النشر العلمي بجامعة الكويت، سنة 2005.
ـــ حسين أحمد فراج، الملكية ونظرية العقد في الشريعة الإسلامية، القاهرة 1999، دار المطبوعات الجامعية.
ـــ الحطاب محمد بن محمد بن عبد الرحمن، مواهب الجليل في شرح مختصر خليل، نشر دار الفكر، 1992، الطبعة الثالثة، الجزء السادس.
ـــ الخفيف علي، الملكية في الشريعة الإسلاميّة مع مقارنتها بالقوانين العربيّة، دار النهضة العربيّة، بيروت، 1990.
ـــ الدَّمِيري أبو البقاء تاج الدين بهرام بن عبد الله، كتاب الشامل في فقه الإمام مالك، مركز نجيبوية للمخطوطات وخدمة التراث، الطبعة الأولى، 2008.
ـــ الدردير أحمد، في الشرح الكبير على مختصر خليل، الجزء 4، دار الفكر، سوريَّة – دمشق، بدون تاريخ.
ـــ الزُّحَيْلِي وَهْبَة، الفِقْهُ الإسلاميُّ وأدلَّتُهُ الشَّامل للأدلّة الشَّرعيَّة والآراء المذهبيَّة وأهمّ النَّظريَّات الفقهيَّة وتحقيق الأحاديث النَّبويَّة وتخريجها، دار الفكر، سوريَّة – دمشق، الطَّبعة الرَّابعة، ج6.
ـــ سرور محمد شكري، موجز تنظيم حق الملكية في القانون الكويتي، دراسة مقارنة، مطبوعات جامعة الكويت، الطبعة الثانية، الكويت، 1998.
ـــ السنهوري عبد الرزاق أحمد، الوسيط في شرح القانون المدني، ج9، أسباب كسب الملكية مع الحقوق العينية الأصلية المتفرّعة عن الملكية (حق الانتفاع وحق الارتفاق)، دار إحياء التراث العربي، بيروت - لبنان، بدون تاريخ نشر.
ـــ سوار (محمد وحيد الدين)، شرح القانون المدني الأردني الحقوق العينية الأصلية، ج 2 أسباب كسب الملكية، عمان، دار الثقافة للنشر والتوزيع، 2001.
ـــ شرف الدين محمّد كمال، قانون الأموال، كليّة الحقوق والعلوم السياسيّة بتونس، السنة الجامعيّة 2000-2001. محاضرات مرقومة.
ـــ الصدّة عبد المنعم فرج، الحقوق العينيّة الأصليّة، دراسة في القانون اللبناني والقانون المصري، دار النهضة العربيّة بيروت – لبنان، 1978.
ـــ عبد الجواد محمد محمد، الحيازة والتقادم في الفقه الإسلامي المقارن بالقانون الوضعي، منشأة المعارف، الإسكندرية، 1977.
ـــ عبد اللطيف محمد، التقادم المكسب والمسقط، مطابع دار النشر، الجامعات المصرية، القاهرة، 1958.
ـــ عدلي أمير خالد، اكتساب الملكية العقارية بالحيازة في الفقه الإسلامي، دار المطبوعات الجامعية، الإسكندرية، 2012.
ـــ الدكتور غانم ياسين، الحيازة وأحكامها في التشريع السوري، الطبعة الأولى، 1984.
ـــ كيرة حسن، الموجز في أحكام القانون المدني، الحقوق العينية الأصلية أحكامها ومصادرها الإسكندرية، منشأة المعارف، الطبعة الأولى، 1998.
ـــ المعداني أبو علي الحسن بن رحال بن أحمد بن علي التدلاوي، كتاب الارتفاق بمسائل من الاستحقاق، مخطوط دار الكتب المغربية، (د.ت).
ـــ النمر محمد أحمد محمود، الحماية الوقتية للحيازة بين النظرية والتطبيق العملي، دار الكتب القانونية، 2004.
ـــ مصطفى عمر ممدوح، القانون الروماني، دار المعارف، ط 3، 1959.
ـــ المالكي الإمام عبد الله بن عبد الحكم بن أعين بن ليث، الحقلي، المصري، المختصر الكبير، الطبعة الأولى، مركز نجيبوية للمخطوطات وخدمة التراث، ط 1، 2011.
ـــ المنجي محمد، الحيازة، دراسة تأصيلية للحيازة من الناحية المدنية والجنائية، منشأة المعارف، الإسكندرية، 1988.
ب: مقالات بحثية:
ـــ بودن محمّد الحبيب، الملكيّة وظيفة اجتماعيّة، القضاء والتشريع، مايو 1967، ص 7.
ـــ التركي عبد السلام، التقادم كسبب من أسباب اكتساب الملكية، القضاء والتشريع، 1984، عدد 10، ص 35.
ـــ د. سليمان بسام مجيد، التنظيم القانوني للحيازة "دراسة تأصيلية تطبيقية"، مجلة الرافدين للحقوق، المجلد 14، العدد 50، السنة 16، ص 5.
ـــ المستشار العرابي علي زكي، طبيعة التقادم في الشريعة والقانون، مجلة القانون والاقتصاد، السنة الثالثة، العدد الخامس، مايو 1933، ص. 878 وما بعدها.
ـــ النفيسي محمد، مبدأ دوام حق الملكية العقارية وعدم زواله بعدم الاستعمال، مجلة القضاء والتشريع لسنة 2000، عدد 3، ص 11.
ـــ الدكتور محجوب علي جابر، دور الحيازة في كسب الملكية والحقوق العينية في القانون المدني القطري، مقال ورد ضمن التقنين المدني القطري في عقده الأوّل، مطابع الدوحة الحديثة المحدودة، الدوحة 2015، ص 464 و465. نبذة 22.
ثانيًا: المراجع باللّغة الفرنسية
a) OUVRAGES THESES ET MEMOIRES UNIVERSITAIRES
Aubry Charles et RAU Charles Frédéric: droit civil, biens 7éme édition, Paris 1985.
Bandrac Monique: La nature juridique de la prescription extinctive en matière civile, Paris éditions Economica 1986.
Baudry-Lacantinerie Gabriel et Tissier Albert, Traité théorique et pratique de droit civil des biens, De la prescription, Paris 1924, Sirey 3ème édition.
Bergelean J -Louis, Bruschi Marc, Cimamonti Sylvie, Traité de droit civil. Les biens éd.librairie générale de droit et de jurisprudence Paris2010..
Bouzouita Boudour, Le support des propriétés mobilières. Mémoire pour l’obtention du D. E. A. Faculté des sciences juridiques, politiques et sociales de Tunis, Université de Carthage, Année universitaire 1997.
Carbonnier Jean ,Droit civil, Les biens, Tome 3, 18ème édition refondue, 1998.
Carbonnier Jean , Droit civil, 3ème vol., Les Biens, Paris 2000, P. U. F. 19ème édition refondue.
Chehata Chafik, Essai d'une théorie générale de l'obligation en droit musulman. Dalloz 2005.
Cornu.G, Droit civil, les biens, 9ème édition, Montchrestien, 1999.
Cornu. G, Droit civil. Introduction. Les personnes. Les biens. 5iéme édition. Paris, Montchrestien, 1991.
Cornu. G , Vocabulaire des termes juridiques, Paris, P. U. F. 5ème édition, 1996.
Cotret Laurent, La négociabilité des instruments financiers, Thèse pour le Doctorat en Droit dactylographiée, Université de Reims, 2004.
Essaidi Ben Hammed Rym, La possession des biens meubles, Mémoire pour le diplôme des études approfondies en droit des affaires, Université de Carthage, Faculté des sciences juridiques, politiques et sociales de Tunis, Année universitaire 2000-2001.
Demogue René, Les notions fondamentales de droit privé, Essai critique, Rousseau 1911.
Jestaz Philippe, prescription et possession en droit français des biens, Dalloz 1984.
Jestaz.Ph, prescription et possession en droit français des biens, Dalloz 1984.
Larroumet Christian, Les Biens : Droits réels principaux .Economica; 5e édition 2006.
Malaurie. Ph et L. Aynès, Droit Civil, Les Biens, Editions Cujas, 1990.
Mnakbi Mouna : Le temps et la propriété immobilière, Mémoire dactylographié pour l’obtention du Master en sciences juridiques fondamentales, Faculté des sciences juridique, politiques et sociales de Tunis, Université de Carthage, Année universitaire 2002-2003.
Marty Gabriel et Raynaud Pierre, Les biens par patrice Jourdain, Dalloz 1995.
Marty Gabriel et Raynaud Pierre , droit civil, les biens T2 2é édition , Sirey Paris 1980.
Mazeaud Henri, Léon et Jean, par François Chabas, Les biens, Droits de propriété et ses démembrements, 8ème édition. Ed Paris - Montchrestien .1994 .
Mezghani Nabila, Droit commercial, Actes de commerce, Commerçants, Fond de commerce. Edité par Centre de Publication Universitaire. Tunis – 2006.
Pourquier.C , Propriété et perpétuité, Essai sur la durée du droit de propriété, Presses universitaires d’Aix-Marseille, Coll. Laboratoire de Théorie juridique, Aix-en-Provence, Janvier 2000.
Patrice Jourdain, Les biens, Paris 1995, Dalloz.
Pandectae Justinianeae, in novum ordinem digestae, Volume 23, imprimerie de DANDEY-DUPRE 1823, p 44.
Pélissier Anne, Possession et meubles incorporels, Thèse Montpellier, Dalloz 2001.
Ripert Georges et Roblot René, Traité de Droit commercial, Tome 1, 1998.
Ripert Georges, «Le Déclin du droit », Librairie générale de droit et de Jurisprudence, Paris 1949.
RIPERT Georges, Les aspects juridiques du capitalisme moderne, Ed. L.G.D.J., 2ème éd, 1951.
Terré. F et Simler. Ph, Droit civil, Les biens, 5ème édition Dalloz, 1988.
Trigueaud Jean Marc, La possession des biens immobiliers, Nature et fondement, Préface de François Terré, Paris, Economica 1981.
Weill Alex et Terré François, Droit civil, introduction générale, 4ème édition.
Wertheimcr J.,Des avantages attribués à la bonne foi relativement aux biens. Thèse. Paris, 1889.
ZAKI M. Jamel Eddine : La bonne foi dans l’acquisition des droits en droit privé étude compare Imp. Université Fuad 1er, Caire. 1952.
Zénati-Castaing. F , Revêt. Th , Les biens, PUF, 3e éd., Paris, 2008, no 291-292.
b) ARTICLES :
- Barbièri Jean-François, Perpétuité́ et perpétuation dans la théorie des droits réels : contribution à l'étude de la notion de perpétuité́ dans les relations juridiques . Service de reproduction des thèses de l'Université des Sciences Sociales de Grenoble, 1980.
- BANDRAC Monique, La nature juridique de la prescription extinctive en matière civile, Paris, Economica, 1986, 245 pages, ISBN 2-7l78-0949-X, 145FF.
- Breton André,Théorie générale de la renonciation aux droits réels, R. T. D. Civ. 1928, p. 261.
- CAEN Gérard Lyon, de l’évolution de la notion de bonne foi, R.T.D civil 1946 p128.
- Cuillieron Monique, Revendication des meubles perdus ou volés et protection possessoire, (Réflexions sur Civ. 1ère, 1er juin 1977, à la lumière de l’art. 2282 du code civil), R. T. D. Civ. 1986, p. 513.
- Guyenot Jacques, Régime des titres au porteur qui ont fait l’objet d’une dépossession involontaire, Les petites affiches, 1ère partie, n° 70 du 12 juin 1978, pp. 3 à 11, 2ème partie, n° 71 du 14 juin 1978, pp. 15 à 21.
-Guyon Yves, Les aspects juridiques de la dématérialisation des valeurs mobilières, Revue des sociétés, 1984, n°3, p. 452.
- Jestaz Philippe, Prescription et possession en Droit français des biens, Dalloz 1984, 5ème cahier, Chronique IV, p. 29.
- Malaurie. P et Aynes. L, Les biens Revue internationale de droit comparé n° 584, p. 166.
- Mechri Farouk, Voyage dans l’espace du temps juridique. In philosophie du droit et droit économique : quel dialogue ? Mélanges en l’honneur de Gérard Farjat, Paris, édition Frison Roche, 1999, p. 433.
- Nacquet E, Note sous Req. du 27 février 1905, Gazette du Palais 1906, Ière partie, p. 505.
- Raynard Jacques, Le tiers au pays des droits d’auteur. Publicité et opposabilité de la propriété littéraire et artistique », JCP 1999, I, 138.
- Terré François: Esquisse d'une sociologie des procès, Archives de philosophie du droit (Vol. 39 1995) p 234
- Trigueaud Jean Marc, La possession des biens immobiliers, Nature et fondement, Préface de François Terré, Paris, Economica 1981, op. cit., n°606, p. 603.
- Zénati. Frédéric, Observations sous Cass. 3ème civ. , 7 février 1989, R. T. D. Civ. 1990, p. 112.
- Zénati Frédéric : Essai d’une théorie unitaire de la prescription, R. T. D. Civ. 1996, n°128, p. 142.