اهتمت هذه الدراسة بالبحث في الضوابط القانونية للتفتيش، دراسة مقارنة في القانونين القطري والأردني. ومن المفيد القول إن هذا الإجراء المتخذ من قبل مساعدي الضابطة العدلية/ الضبط القضائي يعد من الوسائل الهامة في إثبات الدعوى الجزائية، ولذلك أحيط بالعديد من الضمانات التي تكفل المحافظة على الحق في الحياة الخاصة، وضرورة استيفائه للضوابط القانونية احتراماً لمبدأ الشرعية الإجرائية؛ الذي يوازن بين حق المجتمع في الوصول إلى الحقيقة، وحق الفرد في حماية حقوقه وحرياته.
لقد حرصت هذه الدراسة على بيان الضوابط القانونية للتفتيش كإجراء تحقيقي تباشره السلطة المختصة بالتحقيق، ونعني بها أساساً النيابة العامة أو الضابطة العدلية/ الضبط القضائي استثناءً. كما بينت أيضاً موقف المشرع القطري والأردني من بطلان مباشرته بغير إذن من السلطة المختصة، إلا في أحوال استثنائية حددها القانون على سبيل الحصر وهي حالة الجرم المشهود، وبشكل عام مع ما استقر عليه القضاء القطري والأردني في هذا الصدد.
وقد خلصت هذه الدراسة إلى جملة من النتائج والتوصيات جاءت نتيجة طبيعية لهذه الدراسة، وهي ذات صلة بالضوابط القانونية للتفتيش كأحد الإجراءات التحقيقية الهامة.
الضوابط القانونية للتفتيش في القانونين القطري والأردني
يعتبر التفتيش من أهمّ الإجراءات القانونية وأخطرها لأنّه على علاقة وثيقة بمسألة الحريات الفردية والشخصية للأفراد، من جهة ارتباطه بأسرارهم الداخلية التي يحرصون على عدم المساس بها، أو الاعتداء عليها، سواء تعلّق الأمر بذواتهم أم بالأماكن التي يقطنون بها. وقد توجّهت عناية المشرع إلى هذه المسألة، من خلال الحرص على إحاطة هذه الإجراءات الترتيبية بضمانات قانونية شملت كلًّا من الشروط الشكلية والموضوعية أثناء القيام بإجراءات التفتيش من قبل الجهة المختصة بذلك، تحقيقًا للهدف المنشود والرئيس منها، وهي البحث عن الحقيقة دُون المساس أو التعدّي عن الحريات الفردية للأشخاص المكفولة بنصّ القانون، وإلَّا عُدّ هذا الإجراء المتخذ باطلًا.
لقد أفرد كلٌّ من المشرّع الأردني ونظيره القطري العديد من الضمانات القانونية في قانون أصول المحاكمات الجزائية الأردني وقانون الإجراءات الجنائية القطري، وأوجب لِزامًا بضرورة احترامها، ورتّب عليها آثارًا إجرائية وموضوعية في الحالات التي يتمّ فيها مُخالفة هذه الضوابط والضمانات، أو تجاهلها وعدم التقيّد والالتزام بها.
بناء على ما سبق، يمكننا القول أيضًا إنّ بعضًا من الإجراءات التي يقوم بها موظفو الضابطة العدلية/ الضبط القضائي تتشابه مع التفتيش القضائي، ولكنها تختلف معه في الأهداف والغايات والشروط، إضافة إلى كونها أنها لا تأخذ أحكامه، من قبيل الإجراء المتعلق بالتفتيش الوقائي أو الإداري أو دخول المنازل والأماكن العامة أو الرضاء بالتفتيش. وعليه، فإنه من الضرورة بمكان – إنْ لم نقل- إنه يتوجّب لِزامًا على موظفي الضابطة العدلية/ الضبط القضائي معرفة تلك الفروق بين الصور المختلفة للتفتيش، حتى لا يترتّب البُطلان على الإجراء المتخذ من قبلهم.
أوّلًا: أهمية الدراسة
تأتي أهمية هذه الدراسة من مُنطلقات متعدّدة لعلّ أهمّها سعي الباحث إلى الوقوف على الضوابط القانونية للتفتيش من جهة تحديد غايته، والأسباب القانونية المُوجِبة له، تحقيقًا لصياغة دليل إرشاديٍّ قانونيٍّ يُمْكِن أنْ يُمثّل مرجعًا توضيحيّا لمختلف الصلاحيات التي تمّ ضبطها وتحديدها بمُوجب القوانين والأنظمة الخاصة للموظفين القائمين على التفتيش. وهذه التوضيحات يرى فيها الباحث أهمية بالغة لأنها منارة تهتدي إلى معرفة الضوابط الصحيحة عند مباشرة هذا الإجراء، ومعرفة أنه يتطلب شروطًا موضوعية وشكلية كالحصول على إذن مُسبقٍ من السلطة المختصة في حالة التفتيش القضائي، أما في حالات التفتيش في أحوال الجرم المشهود والقبض الناجم عنه فلا يتطلب الأمر الحصول على مثل هذا الإذن. ولذا فإنه من الأهمية بمكان إجراء مثل هذه الدراسة حتى لا يتعرض هذا الإجراء للطعن بالبطلان من جهة، وإلى المُساءلة القانونية أو التأديبية من جهة أخرى.
ثانيًا: مشكلة الدراسة
ترتبط مُشكلة الدراسة ارتباطًا وثيقًا بأهميتها، فإذا كانت قواعد العدالة ومصلحة المجتمع تقتضي القصاص من مرتكبي الجرائم، فإنها تلتزم أيضًا بالحفاظ على حقوق الناس وحرياتهم، وتمكين المشتكى عليه من الدفاع عن نفسه على أساس الموازنة بين مصلحة المجتمع ومصلحة الأفراد. وعليه؛ فقد أحاطت التشريعات الإجرائية إجراء التفتيش بضمانات من أهمّها حَصْرُها بالنيابة العامة، وعدم إمكانية إجرائها إلَّا في أحوال استثنائية. وقد يختلط الأمر على موظفي الضابطة العدلية/ الضبط القضائي بالنسبة لأحوال التفتيش الأخرى كالتفتيش في أحوال الجرم المشهود، والقبض، ودخول المنازل بناء على طلب أصحابها، والتفتيش الإداري والقضائي والوقائي، وبالتالي يترتب بطلان الإجراء نتيجة مُخالفة بعض أفراد الضابطة العدلية للضوابط القانونية للتفتيش، وهنا تتمثل مشكلة الدراسة.
ثالثًا: أسئلة الدراسة
تسعى هذه الدراسة إلى الإجابة عن الأسئلة التالية:
السؤال الأول: ما مفهوم التفتيش باعتباره إجراء من إجراءات التحقيق؟
السؤال الثاني: ما هي الجهة المختصة بالتفتيش في القانون القطري والأردني؟
السؤال الثالث: ما هي الشروط الشكلية والموضوعية للتفتيش؟
السؤال الرابع: بِمَ يتميز التفتيش القضائي عن الصور الأخرى للتفتيش (الوقائي والإداري والرضائي والتفتيش في حالة القبض والتفتيش في حالة الجرم المشهود)؟
السؤال الخامس: ما المقصود ببطلان التفتيش؟ وما هي الحالات التي يتمّ فيها بطلان إذن التفتيش؟ وما هو موقف المشرع القطري والأردني منها؟
السؤال السادس: ما هي الآثار المترتبة على بطلان إجراءات التفتيش؟
رابعًا: أهداف الدراسة
خامسًا: منهج الدراسة
اعتَمَدنا في هذه الدراسة على المَنهَج الوصفي التَّحلِيلي وأدَوَاتِه كالكُتُب والأبحاث والدِّراسات والمجلات العلمية المتخصّصة، ووصف وتحليل النصوص الواردة في قانون الإجراءات القطري، وقانون أصول المحاكمات الجزائية الأردني، بالإضافة إلى استعراض الأحكام الصادرة عن القضاء القطري والأردني وآراء الفقه في هذا الخصوص.
سادسًا: حدود الدراسة
الحدود المكانية: دولة قطر والمملكة الأردنية الهاشمية.
الحدود الزمانية: العام 2018م.
سابعًا: محددات الدراسة
ينصبّ اهتمام الباحث في هذه الدراسة بالمقارنة بين القانونين الأردني والقطري، وذلك انطلاقًا من قانون أصول المحاكمات الجزائية الأردني رقم (9) لسنة 1961 والمعدّل بالقانون رقم (32) لسنة 2017، وقانون الإجراءات الجنائية القطري رقم (23) لسنة 2004م وتعديلاته 2017، من أجل التعرّف على الضوابط القانونية للتفتيش وأحكامه، وشُروط بطلان التفتيش أو ما يُسمّى بالتفتيش الباطل والآثار المترتبة على بطلانه، مع إمكانية الاعتماد على الآراء الفقهية في ذات الموضوع.
ثامنًا: الدراسات السابقة
أجرى (عوض، 2016) دراسة هدفت إلى التعرف على جواز التفتيش في حالة جواز القبض كمبدإ قانوني (كلما جاز القبض جاز التفتيش) الذي نُصّ عليه في المادة (46) من قانون الإجراءات، وكان من نتائج الدراسة أنّ التفتيش المنصوص عليه في المادة 46/1 ليس تابعًا للقبض، وإنما هو سلطة موازية له ومستقلة عنه، ولهذا فإنه لا يشترط لإجراء التفتيش أن يكون مسبوقًا بالقبض على المتهم، بل يكفي لصحته أن يتوفر موجب القبض، وفي هذه الحالة يكون رجل الضبط القضائي أمام خيارين، هما: إمّا أنْ يبدأ بالقبض ثم يتبعه التفتيش، أو يلجأ إلى التفتيش مباشرة دون الحاجة إلى سبق القبض1.
كما قدّم كل من (الكساسبة والطراونة، 2015) بحثًا هدف إلى دراسة الضوابط القانونية للتفتيش في قانون أصول المحاكمات الجزائية الأردني مقارنة مع قانون الإجراءات الجنائية المصري كأساس، وبعض القوانين الأخرى للمحافظة على الحقوق والحريات العامة المصونة دستوريًا وشرعيًا، وذلك للوقوف على مزايا وثغرات القانون الأردني في هذا الشأن. وقد اعتمد الباحثان في هذه الدراسة على المنهج الوصفي التحليلي من خلال وصف وتحليل النصوص الواردة في قانون أصول المحاكمات الجزائية الأردني حول هذا الموضوع. إضافة إلى اعتمادهما للمنهج المقارن، وذلك باعتماد قانون الإجراءات الجنائية المصري كأساسٍ للدراسة، مع التطرق إلى بعض القوانين الإجرائية الأخرى كلما دعت الضرورة إلى ذلك، كما استعرضا أيضًا الأحكام الصادرة عن القضاء الأردني والمصري وآراء الفقه في هذا الخصوص. وقد توصّلت الدراسة إلى عدّة نتائج أهمها: أنّ التفتيش بصورة عامة، هو إجراء تحقيق لا يجوز القيام به إلَّا من قبل جهة قضائية مختصة (النيابة العامة)، إلَّا أنه يجوز استثناء وفي أحوال خاصة حدّدها القانون القيام به من قبل الضابطة العدلية، وكل ذلك حرصًا من المشرع على توفير الضمانات الكافية لصيانة الحقوق وكفالتها2.
رسالة دكتوراه بعنوان: التفتيش المنتج لآثاره في الدعوى الجزائية: دراسة مقارنة للطالب أيسر محمد عطية، جامعة مؤتة، كلية الدراسات العليا، عام 2014. وقد هدفت إلى الوقوف على الشروط القانونية – الموضوعية والشكلية - الواجب تحققها لغايات أن يكون التفتيش الجنائي مُنتجًا لآثاره في الدعوى الجزائية، وكذلك التعرف على موقف المشرع الأردني من هذه الشروط، وتوضيح السياسة التي تبناها المشرع الجزائي في حال عدم مراعاة هذه الشروط من قبل سلطة التحقيق. وقد اعتمد الباحث في الدراسة على أسلوب الدراسة الوصفية المقارنة، وخاصة بين قانون أصول المحاكمات الجزائية الأردني وقانون الإجراءات الجنائية المصري، مع الإشارة حين يقتضي الأمر إلى بعض القوانين الإجرائية الأخرى. وقد توصّلت هذه الدراسة إلى عدد من النتائج أهمها: أن التشريعات الجزائية العربية لا تُجيز التفتيش مباشرة كإجراء من إجراءات التحقيق إلَّا إذا وقعت جريمة للبحث عن أدلتها، وتنسجم هذه الحقيقة مع الطبيعة القانونية للتفتيش من حيث كونه عملًا من أعمال التحقيق3.
من خلال استعراض الدراسات السابقة، يلحظ الباحث إجماعها على تأكيد ضرورة اتّباع الإجراءات الشكلية والموضوعية في الصلاحيات المخوّلة للضابطة العدلية بمُوجب القانون الصادر في إجراء التفتيش؛ لأنّ تلك الإجراءات تمسّ حقًّا من حقوق المتّهمين المكفول قانونًا. كما أشارت تلك الدراسات إلى وجود قصور في بعض النصوص المتعلقة بالتفتيش.
إنّ كل ما سبق ذكره، دعا الباحث إلى دراسة الضوابط القانونية للتفتيش المُتّخذة من قِبل الضابطة العدلية في التشريعين القطري والأردني، لبيان موقف المشرعين من حالات بطلان إجراء التفتيش.
تاسعًا: خطة الدراسة
من أجل معالجة مُختلف الإشكالات التي طرحناها سابقًا، تمّ تقسيم هذه الدراسة إلى ثلاثة مباحث:
المبحث الأول: ماهية التفتيش والتمييز بين صوره
المطلب الأول: التمييز بين التفتيش القضائي وصوره الأخرى
المطلب الثاني: محل التفتيش
المبحث الثاني: شروط التفتيش والجهة المختصة بالتفتيش
المطلب الأول: الشروط الشكلية والموضوعية للتفتيش
المطلب الثاني: الجهة المختصة بالتفتيش
المبحث الثالث: بطلان التفتيش والآثار المترتبة عليه
المطلب الأول: بطلان التفتيش
المطلب الثاني: آثار بطلان التفتيش
وسوف ننهي البحث بخاتمة نستعرض فيها النتائج والتوصيات.
ماهية التفتيش والتمييز بين صوره
التفتيش لغة: هو البحث عن الشيء في مظان وجوده4، أما اصطلاحًا، فهو البحث عن الحقيقة في مستودع السر. كما يمكن تعريف التفتيش بأنه عبارة عن بحثٍ في الأماكن والأشياء المتعلقة بوقوع الجريمة في مسكن المشتكى عليه، أو البحث عنها في ملابسه أو الأشياء التي يرتديها أو الأدوات التي يستعملها5. وهو أيضًا إجراء تحقيقي تملكه سلطة التحقيق ولهُ مساس بالحريات الشخصية، ولذلك لا بدّ من وجود سبب لإجرائه. وعليه، فإن الباحث سيتناول هذا المبحث في مطلبين هما: التمييز بين التفتيش القضائي وصوره الأخرى في المطلب الأول. ومحل التفتيش في المطلب الثاني.
التمييز بين التفتيش القضائي وصوره الأخرى
يختلف التفتيش بوصفه إجراء تحقيقيًا عن بعض الإجراءات الأخرى التي قد تتشابه معه، ولكنها لا ترقى إلى مرتبته، أو تستطيع أنْ تأخذ أحكامه، ولا بد قبل البدء بالتمييز بين التفتيش القضائي وصور التفتيش الأخرى أن نبين مفهوم التفتيش القضائي الذي تعددت التعريفات الفقهية بشأنه، وقد قيل في تعريفه بأنه: "الاطلاع على محل له حرمة خاصة للبحث عمَّا يفيد التحقيق، ويعتبر من أخطر إجراءات التحقيق الجنائي؛ لأنه يجمع بين استعمال السلطة وتقييد الحرية"؛ إلا أنه يلاحظ على هذا التعريف الخلط الواضح بين تعريف التفتيش وخصائصه، وإغفاله عن بيان القائم بالإجراء. وقد عرفه جانب آخر من الفقه بأنه: "إجراء تحقيق يقوم به موظف مختص للبحث عن أدلة مادية لجناية أو جنحة وذلك في محل خاص أو لدى شخص وفقًا لأحكام القانون". كما عرف أيضًا بأنه: "إجراء من إجراءات التحقيق، تقوم به سلطة حددها القانون يستهدف البحث عن الأدلة المادية الجنائية أو جنحة تحقق وقوعها في محل خاص يتمتع بالحرمة بغض النظر عن إرادة صاحبه"6. ومما سبق نجد أن التعريفات السابقة في غالبيتها تتفق على أن التفتيش يجب لمباشرته أن تكون هناك جريمة وقعت ويقتضي تعقبها وكشف حقيقتها من خلال البحث عن الأدلة التي تؤيد الاتهام أو تفيد البراءة، وهذا الإجراء لا تقوم به إلّا سلطة من السلطات المختصة بالتحقيق أو بأمر منها.
وسنعرض صور التفتيش الأخرى في ستة فروع، وذلك النحو التالي:
التفتيش الوقائي
يهدف التفتيش الوقائي كإجراء احتياطي تمليه ضرورة الأمن، إلى تجريد شخص ما، أو المقبوض عليه، ممّا يحمله من أدوات أو أسلحة قد يستعين بها على الإفلات، ومقاومة رجال الضابطة العدلية، أو قد يستخدمها في إيذاء نفسه.
كما يُمكن أنْ يكون التفتيش الوقائي مصاحبًا للقبض الذي يجريه مأمور الضبط القضائي، ومثاله قيام معاون الضبط القضائي المكلف باقتياد الشخص المقبوض عليه إلى مركز الشرطة لتفتيشه وقائيًا، خشية الاعتداء عليه أو على نفسه، فإنْ أسفر التفتيش عن ضبط شيء تعدّ حيازته جريمة، قامت حالة التلبس، وكان الدليل المستمد منها صحيحًا7.
أمّا في حالة التلبس؛ فقد أوجب المشرع الأردني في المادة (101) من قانون أصول المحاكمات الجزائي الأردني، على أنّ كل من شاهد الجاني متلبسًا بجناية أو جنحة يجوز فيها قانونًا التوقيف، أنْ يقبض عليه ويسلمه إلى أقرب رجال السلطة العامة، دون الحاجة إلى أمر إلقاء قبض. وفي حالة ما إذا كانت الجريمة المتلبس بها ممّا يتوقف ملاحقتها على شكوى، فلا يجوز القبض على المشتكى عليه إلَّا إذا صرّح بالشكوى من يملك تقديمها، كما أشارت إليها المادة (102) من ذات القانون. ويقابل هذا النص ما ورد في المادة (41) من قانون الإجراءات القطري، أنه في أحوال التلبس بالجنايات والجنح المعاقب عليها بالحبس لمدة تزيد على ستة أشهر، أنْ يأمر بالقبض على المتهم الحاضر الذي توجد دلالات كافية على اتهامه. وفي حالة ما إذا كانت الجريمة المتلبس بها يتوقف رفع الدعوى الجنائية على شكوى، فإنه لا يجوز القبض على المتهم إلَّا إذا صرح بالشكوى من يملك تقديمها، وفقًا لنص المادة (46) من قانون الإجراءات الجنائية القطري.
يرى الباحث بأنّ هذا التفتيش لا يعدّ تفتيشًا تحقيقيًا أو قضائيًا، وإنما هو إجراء تتطلبه الضرورة الأمنية، وبالتالي فإنه لا يلزم وجود نص لإباحته، ويمكن أن يجريه أي شخص عادي من عامة الناس.
التفتيش الإداري
يختلف التفتيش القضائي عن التفتيش الإداري في كون الأخير يعدّ إجراء تحفظيًا يقوم به بعض الموظفين العموميين، أو من في حكمهم، وذلك بقصد تحقيق أهداف إدارية أو وقائية عامة، وبالتالي لا يلزم لإجرائه أي توفُّر دلائل على وقوع الجريمة، أو صفة الضبط القضائي فيمن يجريه8.
وقد يجيز القانون، إجراء التفتيش الإداري كإجراء احتياطي لمنع وقوع الجرائم، أو اكتشافها فيما إذا كانت قد وقعت، ومن الأمثلة على ذلك: تفتيش الأمتعة والأشخاص الذين يدخلون إلى دائرة الجمارك أو يخرجون منها أو يمرون بها، إذْ يُعتبر هذا التفتيش حقًا لمأموري الضبط القضائي من موظفي الجمارك لمجرد قيام مظنة التهريب. وقد يكون التفتيش الإداري بالاتفاق، ومثاله تفتيش عمال المصانع عند مغادرتهم أماكن عملهم. أو قد يكون التفتيش بحكم الضرورة، ومثاله قيام رجل الإسعاف بالتفتيش في جيوب الشخص الغائب عن الوعي قبل نقله إلى المستشفى لجمع ما فيها وحصره9.
قضت محكمة التمييز القطرية بأن التفتيش الذي يقوم به حارس المؤسسة العقابية بغية الكشف عن الممنوعات التي تحظر لوائح المؤسسة العقابية إحرازها. حقيقته: إجراء إداري تحفظي. لا يلزم لاتخاذه أدلة كافية أو إذن سابق من سلطة التحقيق. مؤدّى ذلك جواز التعويل على ما يسفر عنه هذا التفتيش من أدلة كاشفة عن جريمة10.
وفي هذا يرى الباحث، أنّ التفتيش الإداري إذا أسفر عن قيام جريمة متلبس بها كان الدليل المستمد منه صحيحًا، كما هو الحال في التفتيش الوقائي؛ وبالتالي فإنّ على الموظف الذي قام بالتفتيش أو من في حكمه أن يلقي القبض على الجاني إذا كانت الجريمة (جناية أو جنحة) ويجوز فيها التوقيف قانونًا. وفي نفس السياق، نرى أن كلا التفتيشين يختلفان من حيث الغاية والهدف منهما، بالرغم من أنهما لا يشترطان لصحة إجرائهما ارتكاب جريمة ما.
التفتيش في حالة القبض
يرى بعض الفقهاء أنّ لمأمور الضبط القضائي جواز القيام به، بحثًا عن أدلة الجريمة التي يُجري التحقيق فيها. وهذا الضرب من التفتيش - وإنْ كان فيه مساس بالحرية الشخصية - فإنّ مساس القبض بهذه الحرية أشد وأخطر. وإذا جاز القبض على المتهم في حالات معينة، فإنّ تفتيشه في هذه الحالات يكون جائزًا من باب أولى. ويرى هؤلاء الفقهاء أنّ هذا الحكم بديهي، وما كان تقريره بمقتضى نصٌّ خاصٌّ11.
لقد أجازت المادة (99) من قانون أصول المحاكمات الجزائية الأردني لموظفي الضابطة العدلية القبض على الأشخاص في حالات معينة ورد النص عليها في ذات المادة؛ حيث أجاز المشرّع لأيّ موظف من موظفي الضابطة العدلية أن يأمر بالقبض على المشتكى عليه الحاضر الذي توجد دلائل كافية على اتّهامه في الأحوال التالية:
يلحظ الباحث ممّا تقدّم، أنّ المشرع الأردني لم ينص صراحة على جواز تفتيش المقبوض عليه، بالرغم من الارتباط الوثيق بين القبض والتفتيش. ولم يحدّد أيضًا الأحوال التي يجوز فيها القبض التي تصوغ التفتيش. ولكننا نرى بأنّ للضابطة العدلية الحق في إجراء التفتيش الوقائي – الذي لا يعدّ أصلًا من إجراءات الدعوى، وهو ليس بحاجة إلى نص صريح للقيام به -؛ لأنّ الضرورة تقتضيه، وهو مجرّد عمل مادي يلجأ إليه القائم بالقبض، إما لتسيير تنفيذه أو لتأمينه، شأنه في ذلك شأن دخول البيت الذي يتحصن فيه من يراد القبض عليه، سواء بكسر بابه أو تسور حائطه.
إلا أنّ المشرع قد أشار في المادة (97) من قانون أصول المحاكمات الجزائية الأردني أنه أثناء تفتيش منزل المتهم إذا قامت قرائن قوية ضده على أنه يخفي أشياء تفيد في كشف الحقيقة، جاز لمأمور الضبط القضائي تفتيشه في الحال، كما أنه أجاز لمأمور الضابطة العدلية تفتيش الأشخاص إذا قامت شبهة على إخفاء مادة يجري البحث والتحري عنها.
أما المشرع القطري فإنه أجاز لمأمور الضبط القضائي، في الأحوال التي يجوز فيها قانونًا القبض، أن يجري تفتيش المتهم للبحث عما يكون بجسمه أو ملابسه، أو ما يحمله من أمتعة أو أشياء تتعلق بالجريمة الجاري التفتيش بشأنها، وفقًا لنص المادة (47) من قانون الإجراءات الجنائية. وفي نفس السياق فقد أكد المشرع في المادة (54) من ذات القانون على أنه: "إذا قامت أثناء تفتيش منزل المتهم قرائن ضده، أو ضد شخص موجود فيه، على أنه يخفي معه شيئًا يفيد في كشف الحقيقة، جاز لمأمور الضبط القضائي القبض عليه وتفتيشه".
يلحظ الباحث مما سبق، أنّ المشرع القطري قد حرص على النص صراحة على حق مأموري الضبط القضائي في تفتيش المتهم في حالتين هما: الحالة الأولى: في الأحوال التي يجوز فيها القبض قانونًا، وهذا ما نصت عليه المادة (47) من قانون الإجراءات الجنائية المشار إليها بأعلاه، والحالة الثانية: إذا قامت أثناء التفتيش قرائن ضده على أنه يخفي أشياء تفيد في كشف الحقيقة، وفقًا لنص المادة (54) من قانون الإجراءات الجنائية والمشار إليها بأعلاه.
التفتيش في حالة الجرم المشهود
الجرم المشهود هو الجرم الذي تتمّ مشاهدته سواء عرف الجاني أو لم يعرف، وهو وصف يلحق بالجريمة لا بفاعليها12. ويعرف التلبس بكونه حالة تتعلق باكتشاف الجريمة، لا بأركانها القانونية13. وقد عرف قانون أصول المحاكمات الجزائية الأردني الجرم المشهود في المادة (28/1) بأنه: "الجرم الذي يشاهد حال ارتكابه أو عند الانتهاء من ارتكابه". وجاء في الفقرة الثانية من نفس المادة أيضًا، بأنه هو من "تلحق به أيضًا الجرائم التي يقبض على مرتكبيها بناء على صراخ الناس إثر وقوعها، أو يضبط معهم أشياء أو أوراق يستدل منها أنهم فاعلو الجُرم ولكن في الأربع والعشرين ساعة من وقوع الجرم، أو إذا وجدت بهم في هذا الوقت آثار أو علامات تفيد ذلك". ويقابل هذا النص المادة (37) من قانون الإجراءات الجنائية القطري والذي أطلق لفظ التلبس بدلًا من عبارة الجرم المشهود، حيث تضمنت المادة تعريفًا للجريمة المتلبس بها، واعتبرت أنّ حالة التلبس تنطبق في حال ارتكاب الجريمة أو عقب ارتكابها ببرهة يسيرة. وتعتبر الجريمة متلبسًا بها إذا تبع المجني عليه مرتكبها، أو تبعته العامة مع الصياح إثر وقوعها، أو إذا وجد مرتكبها، بعد وقوعها بوقت قريب حاملًا آلات أو أسلحة أو أمتعة أو أوراقًا أو أشياء أخرى يستدل منها على أنه فاعل أو شريك فيها، أو إذا وجدت به في هذا الوقت آثار أو علامات تفيد ذلك.
تعتبر سلطة موظفي الضابط العدلية في حالة الجرم المشهود سلطة استثنائية، والأصل أن التفتيش عمل من أعمال التحقيق لا تجوز مباشرته إلَّا من قبل السلطة المختصة بالتحقيق، أو بناء على إذن منها.
لقد خوّل قانون أصول المحاكمات الجزائية الأردني في المادة (46) لمُوظفي الضابطة العدلية إجراء التفتيش في حالة الجرم المشهود، والجرم الواقع داخل بيت بناء على طلب صاحبه؛ حيث جاء في نص المادة التالي: "إن موظفي الضابطة العدلية المذكورين في المادة (44) ملزمون في حال وقوع جرم مشهود أو حالما يطلبهم صاحب البيت أن ينظموا ورقة الضبط ويستمعوا لإفادات الشهود وأن يجروا التحريات وتفتيش المنازل وسائر المعاملات التي هي في مثل هذه الأحوال من وظائف المدعي العام". ويقابله المادة (41) من قانون الإجراءات الجنائية القطري التي تتعلق بالقبض الذي يجريه مأمور الضبط القضائي استنادًا لتوفر حالة تلبس؛ حيث نصت المادة على أنه: "لمأمور الضبط القضائي في أحوال التلبس بالجنايات أو بالجنح التي يعاقب عليها بالحبس لمدة تزيد على ستة أشهر، أن يأمر بالقبض على المتهم الحاضر الذي توجد دلائل كافية على اتهامه. وإذا لم يكن المتهم حاضرًا، جاز لمأمور الضبط القضائي أن يصدر أمرًا بضبطه وإحضاره ويثبت ذلك في المحضر." أيضًا فيما يتعلق بالتفتيش ورد في نص المادة (47) من ذات القانون إجراءات جنائية مرتبطة بحالات القبض؛ حيث جاء في نص المادة: "لمأمور الضبط القضائي، في الأحوال التي يجوز فيها قانونًا القبض، أن يجري تفتيش المتهم للبحث عما يكون بجسمه أو ملابسه أو ما يحمله من أمتعة أو أشياء تتعلق بالجريمة الجاري التفتيش بشأنها. وتسري الأحكام المنصوص عليها في الفقرة السابقة على سيارة المتهم الخاصة". كما أشارت المادة (29) من ذات القانون إلى التالي: "يقوم مأمور الضبط القضائي بتقصي الجرائم والبحث عن مرتكبيها، وجمع الاستدلالات التي تلزم للتحقيق والمحاكمة". وأورد المشرع أيضًا في المادة (39) من ذات القانون أنه: "لمأمور الضبط القضائي عند انتقاله في حالة التلبس بالجرائم أن يمنع الحاضرين من مبارحة محل الواقعة أو الابتعاد عنه حتى يتم تحرير المحضر، وله أن يستدعي في الحال من يمكن الحصول منه على إيضاحات في شأن الواقعة". أما المادة (50) من ذات القانون فقد أجازت لمأمور الضبط القضائي أن يجري تفتيش مسكن المتهم في حالة التلبس بإحدى الجنايات المنصوص عليها في نفس المادة، إذا توفرت أمارات قوية على أنه يخفي في مسكنه أشياء أو أوراقًا تفيد في كشف الحقيقة.
يلاحظ الباحث من النصوص السابقة، أنّ قانون الإجراءات الجنائية القطري قد استلزم شرطين لتخويل مأمور الضبط القضائي سلطة التفتيش في حالة التلبس دون إصدار إذن تفتيش، وهما:
الشرط الأول: أن يكون التلبّس مرتبطًا بجناية وفقًا لنص المادة (50) المشار إليها بأعلاه، أو مرتبطًا بجنحة وفقًا لنص المادة (38) المشار إليها بأعلاه، وبصرف النظر عن العقوبة المقررة لها، وبالتالي فإنه لا تفتيش في المخالفات حتى ولو كان متلبسًا بها.
الشرط الثاني: توفر أمارات قوية على وجود أشياء أو أوراق تفيد في كشف الحقيقة في مسكن المتهم، واحتمال ضبط هذه الأشياء هو المبرّر لإجراء التفتيش. وهذا يُعدّ من قبيل القيد العام على التفتيش سواء تمّ بإذن أم بغير إذن، وإلّا كان التفتيش إجراء تعسفيًا باطلًا ليس له سند في القانون14.
وبالاطلاع على نص المادة (56) من ذات القانون، نجد أنّ المشرع القطري قد أضاف شرطًا آخر، حين اعتبر أنّه "لا يجوز التفتيش إلا للبحث عن الأشياء الخاصة بالجريمة الجاري جمع الاستدلالات أو حصول التحقيق بشأنها".
دخول المنازل والأماكن العامة
يختلف دخول المنازل للتفتيش عن دخول المحلات العامة. وقد يكون الهدف من هذا الإجراء المحافظة على حرمتها، وقد يكون الدخول لغايات أخرى قانونية غير التفتيش كتنفيذ أمر القبض أو حالة طلب المساعدة من داخل المنازل على سبيل المثال15.
إنّ تفتيش المكان يبيح بطبيعة الحال دخوله، إلَّا أن مجرد الدخول فيه لا يبيح التفتيش. ودخول المكان لغير تفتيشه لا يعدّ تفتيشًا، بل قد يكون مجرد إجراء إداري، أو مجرد عمل مادي تبرره حالة الضرورة والمصلحة التي تعتبر كمبررات لدخول المساكن دون تفتيشها، على أنه في الأحوال التي يجيز القانون فيها تفتيش المساكن يجيز دخولها16.
يقصد بالمنزل كل مكان مسور يستخدم للسكنى، سواء بصفة دائمة أم مؤقتة. وقد ذهب القضاء في فرنسا إلى حد اعتبار دور العبادة والمصارف من المساكن، حتى وإنْ كان يقيم فيها شخص واحد كالحارس، وتعامل كالمسكن وملحقاته، وهي تلك التي تجمعه وإياه سور واحد كالحديقة، والكراج، والسطح. أما المزارع غير المتصلة بالمساكن فيجوز تفتيشها بدون إذن من سلطة التحقيق في غيبة المتهم. ويعتبر التفتيش عندئذ من إجراءات الاستدلال وليس من إجراءات التحقيق بالمعنى الضيق17.
المحال العامة هي تلك التي يسمح للجمهور بدخولها دون تمييز، ومن أهم أمثلتها المقاهي والمطاعم ودور المسرح والسينما، وتشمل كذلك المحال التي تخصّص لتجارة أو صناعة معينة، وتحكمها لوائح خاصة، مثل المصانع والمخازن. فهذه الأماكن يجوز لمأمور الضبط القضائي دخولها، سواء باعتبارهم من الجمهور العادي أم باعتبارهم مأموري ضبط للتأكد من احترام اللوائح التي تحكم هذه الأنشطة. ويختلف دخول المكان عن تفتيشه، فالدخول هو مجرد الاطلاع الظاهري على ما يوجد بالمكان للتأكد من احترام القوانين واللوائح التي تحكمه، أما التفتيش فإنه يهدف إلى البحث عن أدلة الجريمة في مستودع سرها، مع ما يقتضيه ذلك من فتح ما هو مغلق وكشف ما هو مستور. والمباح هنا هو الدخول وليس التفتيش، لأن الأخير هو إجراء من إجراءات التحقيق لا يجوز اتخاذه إلّا إذا توفر موجبه. أما بالنسبة للمحال الخاصة (المساكن) فإنه لا يجوز لمأموري الضابطة العدلية الدخول في أي محل مسكون إلّا في الأحوال المبينة في القانون، أو في حالة طلب المساعدة من الداخل، أو في حالة الحريق، أو الغرق أو ما شابه ذلك. فالأمر لا يتعلق بتفتيش منزل وإنما لاتخاذ إجراء ما18.
أما بالنسبة للأوقات التي لا يسمح فيها للجمهور بدخول المحال العامة، أو تجاوزهم محل السكن أو المكتب الملحق بالمحل العام، فإنها تأخذ حكم المساكن. كما أنه لا يصح تفتيش الأشخاص الموجودين في المحل؛ لأنّ التفتيش الذي يقع على الأشخاص لا يجوز إجراؤه إلَّا في الأحوال التي بيّنها القانون، وهي أحوال التلبس والقبض القانوني19. ويمكن تفصيل هذه الحالات في الآتي:
لقد حدّدت المادة (93) من قانون أصول المحاكمات الجزائية الأردني حالات الدخول إلى المنازل والأماكن بدون مذكرة؛ حيث نصت على أنه: "يجوز لأيّ مأمور شرطة أو درك أن يدخل إلى أي منزل أو مكان دون مذكرة وأن يقوم بالتحري فيه:
ويقابل هذا النص المادة (49) من قانون الإجراءات الجنائية القطري إلى أنه: "لا يجوز لرجال السلطة العامة الدخول في أي محل مسكون إلّا في حالة الضرورة، أو في الأحوال المبينة في القانون. ويعد من قبيل الضرورة دخول المساكن بقصد تعقب شخص صدر أمر بالقبض عليه أو تفتيشه من السلطة المختصة."
الرضا بالتفتيش
يختلف التفتيش القضائي عن الرضا بالتفتيش الذي يقوم على رضا صاحب الشأن فيه؛ حيث يسمح بإجرائه باختياره ويرضا بنتائجه سلفا20. لم يتضمن قانون أصول المحاكمات الجزائية الأردني نصًّا حول رضا صاحب الشأن بالتفتيش، وهذا على عكس القانون القطري؛ حيث تضمن قانون الإجراءات الجنائية في المادة (52) من ذات القانون على أنه: "يجوز تفتيش المتهم برضائه، كما يجوز تفتيش المسكن برضاء حائزه، ويجب أن يصدر الرضاء كتابة قبل إجراء التفتيش، وبشرط العلم بالاتهام الموجه إلى القاطنين بالمسكن وبعدم قانونية التفتيش بغير رضائهم". نلاحظ من النص السابق، أنّ المشرع القطري قد اشترط لصحة الرضا أن يكون صريحًا، ولا يؤخذ بطريق الاستنتاج، وأن يكون حرًّا لا يشوبه عيب، وأن يصدر ممّن يحوز المكان المراد الدخول إليه، وأن يكون قبل إجراء التفتيش.
وحتى ينتج التفتيش أثره ويصبح صحيحًا، يجب أن تتوفر في الرضا الصادر عن الشخص المراد تفتيشه عدة شروط21:
يرى الباحث وجوب أن يكون الرضا الصادر عن صاحب المسكن ثابتًا بالكتابة، وذلك حفظًا لحقوق الأفراد وحرياتهم وحرمة مساكنهم، وكذلك حماية لأفراد الضابطة القضائية من أي ادعاء ضدهم؛ لأنه في كثير من الأحيان يكون السكوت من صاحب الشأن خوفًا ورهبة من رجال الضابطة القضائية، أو قد يكون جهلًا بالإجراءات القانونية الصحيحة.
محل التفتيش
يعرف محل التفتيش بأنه المستودع الذي يحتفظ فيه المرء بالأشياء التي تتضمن سره. ويجب أن يكون محل التفتيش معينًا، فليست كل المنازل الخاصة بالمواطنين مفتوحة أمام سلطات التحقيق، وإنما هي فقط تلك المَحَالُ التي يشتبه في احتوائها على أدلة معينة ذات علاقة بالجريمة المرتكبة. أضِف إلى ذلك، أنه ليس كل شخص يجوز تفتيشه، وإنما يجوز تفتيش المشتكى عليه أو غيره، إذا اتّضح من أمارات قوية أنه يخفي أشياء تفيد في كشف الحقيقة. كما أنه يشترط أن يكون محل التفتيش مما يجوز تفتيشه، غير أنّ هناك بعض المحال يضفي عليها القانون حصانة معينة لتفتيشها، ومنها ما يتعلق بالحصانات الدبلوماسية، أو الحصانة البرلمانية. ولذلك قد يقع التفتيش على مكان ما، أو على شخص ما، أو على سيارة، وقد يكون محل التفتيش مراسلات 22.
أولًا: تفتيش المساكن: المسكن هو المحل المخصّص للسكنى، أو أيّ قسم من بناية اتخذه المالك أو الساكن مسكنًا له ولعائلته وضيوفه وخدمه أو لأيّ منهم، ولو لم يكن مسكونًا بالفعل وقت ارتكاب الجريمة، وتشمل أيضًا توابعه وملحقاته المتصلة التي يضمها معه سور واحد23.
بالنظر لنص المادة (81) من قانون أصول المحاكمات الجزائية الأردني، نلاحظ أنّ السكن في التشريع الأردني قد اشتمل على: الأماكن المسكونة، والأماكن المعدة للسكن، بالإضافة إلى ملحقات السكن. أما الشروط الموضوعية لتفتيش المساكن فهي:
ويقابل ذلك ما أورده المشرع القطري في المادة (75) من قانون الإجراءات الجنائية على أن: "تفتيش المنازل عمل من أعمال التحقيق، لا يجوز إلا بإذن كتابي من النيابة العامة بناء على تحريات تكشف أن حائز المسكن أو المقيم فيه ارتكب جناية أو جنحة أو اشترك في ارتكابها أو وجدت قرائن تدل على أنه حائز لأشياء تتعلق بالجريمة. ويجوز أن ينصرف الإذن إلى كل مسكن يحوزه المتهم أو يقيم فيه ولو بصفة غير دائمة. ويكون التفتيش لضبط الأشياء المستعملة في ارتكاب الجريمة أو التي وقعت عليها أو نتجت عنها، وكل ما يفيد في كشف الحقيقة. ويكون التفتيش في حضور المتهم أو من ينيبه كلما أمكن ذلك. ولعضو النيابة العامة أن يفتش المتهم، ولا يجوز له تفتيش غير المتهم أو مسكن غير المتهم، إلا إذا اتضح من أمارات قوية أنه حائز لأشياء تفيد في كشف الحقيقة." كما أشارت المادة (50) من ذات القانون إلى حالات تفتيش المسكن استنادًا لتوفر حالة التلبس بارتكاب جرائم محددة من الجنايات؛ حيث نصت المادة على أنه: "مع مراعاة حكم المادة (75) من هذا القانون، لا يجوز لمأمور الضبط القضائي أن يجري تفتيش مسكن المتهم في حالة التلبس بإحدى الجنايات الآتية، إذا توفرت أمارات قوية على أنه يخفي في مسكنه أشياء أو أوراقًا تفيد في كشف الحقيقة:
ويتم التفتيش وضبط الأشياء والأوراق على النحو المبين بهذا القانون."
يلحظ الباحث مما سبق، أنّ المشرّع الأردني كان أكثر توضيحًا وتفصيلًا من نظيره القطري فيما يتعلّق بتفتيش المساكن؛ ذلك أنّ قانون أصول المحاكمات الجزائية الأردني توسّع في نوع الجريمة التي تستوجب التفتيش، عندما أضاف المخالفات للجنايات والجنح وأجاز التفتيش فيها على اعتبار أنّ بعض المخالفات قد تشكل خطورة. في حين قصر قانون الإجراءات الجنائية القطري هذا الأمر حين توفّر أمارات ودلالات كافية تفيد في الكشف عن الحقيقة.
ثانيًا: تفتيش الأشخاص: هناك أربع حالات يجوز فيها تفتيش الأشخاص وهي: 1. الجرم المشهود 2. الرضا بالتفتيش 3. القبض 4. وجود أمارات قوية أن الشخص المراد تفتيشه يخفي أشياء تفيد في كشف الحقيقة24. وفي هذا الصدد نجد أنّ المشرع الأردني قد أجاز في المادة (86) من قانون أصول المحاكمات الجزائية الفقرة الأولى منها، أنْ يفتش المشتكى عليه وغيره، إذا اتضح من أمارات قوية أنه يخفي أشياء تفيد في كشف الحقيقة. وفي الفقرة الثانية، أكد المشرع على أنه إذا كان المفتش أنثى، يجب أن يكون التفتيش بمعرفة أنثى تنتدب لذلك. كما أجاز في المادة (99) من ذات القانون لموظفي الضابطة العدلية القبض على الأشخاص في حالات معينة، ورد النص عليها في ذات المادة. بالرغم من أنّ المشرع الأردني لم ينص صراحة على جواز تفتيش المقبوض عليه، إلَّا أنّ الاجتهاد القضائي لمحكمة التمييز الأردنية استقرت على جواز ذلك25.
أما المشرع القطري فقد أجاز في المادة (47) من قانون الإجراءات الجنائية أن يجري تفتيش المتهم في الحالات التي يجوز فيها القبض. كما أشار في المادة (48) من ذات القانون أنه إذا كان المتهم أنثى، وجب أن يكون تفتيشها بمعرفة أنثى يندبها مأمور الضبط القضائي أو عضو النيابة العامة، بعد تحليفها يمينًا بأن تؤدي أعمالها بالأمانة والصدق إذا لم تكن من مأموري الضبط القضائي. كما ألزم المشرع مأمور الضبط القضائي أن يراعي التقاليد المتبعة في مُعاملة النساء الموجودات في المنزل المراد تفتيشه، إذا لم يكن الغرض من الدخول ضبطهن أو تفتيشهن، وفقًا لنص المادة (55) من قانون الإجراءات القطري. أما المادة (76) من ذات القانون فقد نصت في الفقرة الثانية منها على أنه: "يكون تفتيش أجزاء المسكن المخصصة للنساء بمعرفة أنثى، طبقًا لما هو مقرر في المادتين (48)، (55) من هذا القانون."
ثالثًا: تفتيش المراسلات: يُقصد بالمراسلات كافة الخطابات والرسائل والجرائد والمطبوعات والطرود، وكافة الرسائل البرقية لدى مكاتب البرق، وذلك وفقًا لنص المادة (88) من قانون أصول المحاكمات الجزائية الأردني. كما أجاز المشرع الأردني للمدعي العام في نفس المادة، مراقبة المحادثات الهاتفية متى كان لذلك فائدة في إظهار الحقيقة. وقد أكد المشرع في المادة (89/1) من ذات القانون على أنه إذا اقتضت الحال البحث عن أوراق، فللمدعي العام وحده أو لموظف الضابطة العدلية المستناب وفقًا للأصول الاطلاع عليها قبل ضبطها. وفي الفقرة الثانية من ذات المادة لا تفض الأختام، ولا تفرز الأوراق بعد ضبطها إلا في حضور المشتكى عليه أو وكيله أو في غيابهما إذا دعيا وفقًا للأصول ولم يحضرا، ويُدْعَى أيضًا من جرت المعاملة عنده لحضورها، يتبع هذا الأصول بقدر الإمكان ما لم يكن هنالك ضرورة دعت لخلاف ذلك. ويقابل هذا النص المادة (78) من قانون الإجراءات الجنائية القطري؛ حيث نصت المادة على أنه: "لعضو النيابة العامة، وحده أن يطلع على الخطابات والرسائل والأوراق والتسجيلات المضبوطة على أن يتم هذا إن أمكن بحضور المتهم أو الحائز لها أو المرسلة إليه وتدون ملاحظاتهم عليها وله، حسب ما يظهر من الفحص، أن يأمر بضم تلك المضبوطات إلى ملف الدعوى أو بردها إلى من كان حائزًا لها أو من كانت مرسلة إليه." ووفقًا لنص المادة (81) من ذات القانون تبلغ الخطابات والرسائل والبرقيات وغيرها المضبوطة إلى المتهم أو المرسل إليه، أو تُعطى له صورة منها، في أقرب وقت، إلا إذا كان في ذلك إضرار بسير التحقيق.
يلاحظ الباحث بأن المشرع الأردني أجاز للمدعي العام وحده أو لموظف الضابطة العدلية المستناب وفقًا للأصول الاطلاع على المراسلات والوثائق قبل ضبطها، في حين أنّ المشرع القطري لم يُجِز هذا الأمر إلّا لعضو النيابة العامة وحده دون سواه. وهنا نجد أن المشرع القطري قد أحسن عندما أجاز لعضو النيابة العامة وحده الاطلاع على المراسلات قبل ضبطها، ذلك لأن مجرد الاطلاع على الأفكار المسطورة في الرسائل، يعتبر تفتيشًا بالمعنى الدقيق، وذلك لأن المشرع قد أحاط الاطلاع على الرسائل بقواعد خاصة تبرز بالحرص على سريتها، وتتعلق بها حقوق الغير. ومجرد الاطلاع عليها فيه اعتداء على مكنون النفس، وينطوي عليه المساس بحق السر. وبالتالي فإنه يقتصر حق النيابة العامة في ندب مأموري الضبط القضائي لضبط الرسائل فقط.
شروط التفتيش والجهة المختصة بالتفتيش
سنُوضّح في هذا المبحث الشروط الشكلية والموضوعية للتفتيش في المطلب الأول، أما المطلب الثاني فسنستعرض فيه الجهة المختصة بالتفتيش في القانونين القطري والأردني.
الشروط الشكلية والموضوعية للتفتيش
سنتناول في هذا المطلب دراسة كل من الشروط الشكلية والشروط الموضوعيّة للتفتيش، وذلك في فرعين على النحو الآتي:
الشروط الشكلية للتفتيش
يُمثّل التفتيش إجراءً تحقيقيًا يمسّ بصفة مباشرة بمبدإ الحرية الشخصية للأفراد، لذلك حرصت مُختلف القوانين على إحاطته بشروط وضمانات أساسية، هدفها تحقيق الموازنة الضرورية بين مصلحة المجتمع في ضبط الجريمة والقصاص من المجرم من جهة، ومكسب الحريات للأفراد.
يتطلّب القانون توفر إجراءات شكلية معينة وجبت مراعاتها عند مباشرة التفتيش، الغرض الرئيس منها توفير الضمانات اللازمة للمتهم، والنأيُ بهذه العملية عن كلّ شكلٍ من أشكال التعسّف والانحراف التي قد تلحقها، فتحيد بها عن هدفها المنشود المُتمثّل خاصة في تحقيق الموازنة بين المصلحة العامة للجماعة، وبين المصلحة الخاصة للمتهم. وللتحقّق من سلامة التفتيش يجب مُراعاة الشروط الشكلية له، وهي التالية: 1. تسبيب أمر التفتيش 2. وُجوب حضور بعض الأشخاص أثناء تنفيذ التفتيش 3. أسلوب تنفيذ التفتيش 4. شروط الإذن وطبيعته 5. وقت تنفيذ التفتيش 6. مدة إذن التفتيش.
وسنُفصِّلُ القول في هذه الشروط الشكلية على النحو التالي:
أولًا: تسبيب أمر التفتيش: يُقصد به بيان العناصر المقنعة للتفتيش بتوفر الدلائل والقرائن والأمارات الكافية المبررة لإصدار أمر التفتيش. والتسبيب ضمان لتوفر العناصر الواقعية التي يتوفر بها سبب التفتيش، ويضمن جدية اتخاذ هذا الإجراء، ويمنع الاعتداء على حرمة الحياة الخاصة للمواطنين دون سبب. كما لَا يُشترط في هذه الأسباب أن تكون مُفصّلةٍ، بقدر ما يجبُ أنْ تُبيّن جدية الأمر والوقائع القاضية بإصدار أمر التفتيش، وهو أمر يُقدّره المحقق تحت رقابة محكمة الموضوع26. وقد قضت محكمة التمييز القطرية بأن الدفع ببطلان تفتيش غرفة الطاعن. لا يكون من غير حائزها. باعتباره قد شرع للمحافظة على حرمة المكان. تَخلَّى الطاعن عن حيازة الغرفة التي جرى تفتيشها. أثره: عدم جواز التذرع ببطلان التفتيش لهذا السبب27. كما قضت محكمة التمييز القطرية بأن إقرار المطعون ضده لمأمور الضبط القضائي وقت الضبط بحيازته لمادة مخدرة بمسكنه. يوفر في حقه دلائل قوية على إخفائه بمسكنه ما يفيد في كشف حقيقة الجريمة المتلبس. لمأمور الضبط القضائي تفتيش المسكن دون حاجة للحصول على إذن مسبق. المادة (50) من قانون الإجراءات الجنائية28.
ثانيًا: وجوب حضور بعض الأشخاص أثناء تنفيذ التفتيش: يكمن الهدف الرئيس من هذا الإجراء إلى توفير الضّمانات اللازمة التي تحفظ سلامة وصحة عملية الضبط المتخذة من قبل الضابطة العدلية، وقد أشار المشرع الأردني إلى ذلك في المادة (83) من قانون أصول المحاكمات الجزائية الأردني في الفقرة الأولى منه: "يُجرَى التفتيش بحضور المشتكى عليه إذا كان موقوفًا" ، وفي الفقرة الثانية منه: "فإن لم يكن موقوفًا وأبى الحضور أو تعذر عليه ذلك أو كان موقوفًا خارج المنطقة التي يجب أن يحصل التفتيش فيها أو كان غائبًا يُجرَى التفتيش بحضور مختار محلته أو من يقوم مقامه، أو بحضور اثنين من أقاربه أو شاهدين يستدعيهما المدعي العام. وجاء في المادة (84) من ذات القانون أنه: "إذا لم يكن المشتكى عليه موقوفًا وكان موجودًا في محل التفتيش يُدعَى لحضور التفتيش ولا ينبغي إعلامه به مقدمًا". كما أكدت المادة (85) من ذات القانون في الفقرة الأولى منه على أنه: "إذا وجب إجراء التفتيش في منزل شخص غير المشتكى عليه يُدعَى هذا الشخص لحضور التفتيش". وجاء في الفقرة الثانية التالي: "فإن كان غائبًا أو تعذر عليه الحضور يُجرَى التفتيش بحضور مختار محلته أو من يقوم مقامه أو أمام اثنين من أقاربه أو شاهدين يستدعيهما المدعي العام".
أما المشرع القطري فقد أشار إلى حضور المتهم أو من ينيبه، كلّما أمكن ذلك أثناء إجراء التفتيش وفقًا لنص المادة (75) من قانون الإجراءات الجنائية القطري.
ثالثًا: أسلوب تنفيذ التفتيش: يُعدُّ التفتيش من الأعمال التحقيقية التي تتولّى إجراءه النيابة العامة بنفسها، ويتقيد عضو النيابة العامة عند إجرائه بالقيود التي يتقيد بها مأمور الضبط القضائي عند قيامه بالتفتيش، إلَّا أن النيابة العامة غير مطالبة بإجراء التفتيش بنفسها. والأمر المتّبع أنْ تنتدب النيابة العامة أحد مأموري الضبط القضائي لإجراء التفتيش تحت سلطة التحقيق، ورقابة محكمة الموضوع، وهذا ما يُطلق عليه بمُسمّى التفتيش، مع مراعاة عدة قواعد يخضع لها مأمور الضبط القضائي عند قيامه بتنفيذ التفتيش تتمثّلُ أساسًا في: 1. تفتيش شخص المتهم بحيث يشمل ما يكون متصلًا به، كالسيارة الخاصة، أو المكتب، أو العيادة 2. على مأمور الضبط القضائي أن يُجري التفتيش بنفسه، في حال ندبه من السلطة المختصة لذلك، فليس له أن يندب غيره، إلّا إذا جرى التفتيش في حضوره وتحت إشرافه المباشر 3. لا يجوز لمأمور الضبط القضائي استخدام العنف أو القوة إلا بالقدر الضروري لإجراء عملية التفتيش، كما أنه لا يجوز إتلاف الأشياء أو العبث بها أثناء عملية التفتيش29.
لقد أشار المشرع القطري في المادة (47) من قانون الإجراءات الجنائية إلى جواز تفتيش المتهم للبحث عما يكون بجسمه أو ملابسه أو ما يحمله من أمتعة أو أشياء تتعلق بالجريمة، كما أشار في نفس المادة إلى أنه تسري الأحكام المنصوص عليها في هذه الفقرة على سيارة المتهم. وفي نفس السِّياق، تطرق المشرع الأردني في المادة (86) من قانون أصول المحاكمات الجزائية إلى تفتيش المشتكى عليه أو غيره، إذا اتّضح من أمارات قوية أنه يُخفي أشياءً قد تُفيد في كشف الحقيقة.
رابعًا: شروط الإذن وطبيعته: هناك ثلاثة شروط تتعلق بصحة الإذن بالتفتيش، هي:
لقد ذهب المشرع الأردني إلى وجوب إفصاح مُصدر الإذن بالتفتيش الإجراء المطلوب، وهو التفتيش؛ وهذا ما استوجبتهُ المادة (92) من قانون أصول المحاكمات الجزائية؛ حيث جاء في الفقرة الأولى: "يجوز للمدعي العام أن ينيب أحد قضاة الصلح في منطقته أو مدعي عام آخر لإجراء معاملة من معاملات التحقيق في الأمكنة التابعة للقاضي المستناب" وله أن ينيب أحد موظفي الضابطة العدلية لأية معاملة تحقيقية عدا استجواب المشتكى عليه". وجاء في الفقرة الثانية من ذات المادة ما يلي: "يتولى المستناب من قضاة الصلح أو موظفي الضابطة العدلية وظائف المدعي العام في الأمور المعنية في الاستنابة".
وقد أشار المشرع القطري في المادة (75) من ذات القانون إلى عدم جواز تفتيش المنازل – كونه عملًا من أعمال التحقيق - إلّا بإذن كتابي بناء على تحريات تكشف أنّ حائز المسكن أو المقيم فيه ارتكب جناية أو جنحة، أو اشترك في ارتكابها، أو وجدت قرائن تدلّ على أنه حائز لأشياء تتعلق بالجريمة. ويجوز أن ينصرف الإذن إلى كلّ مسكن يحوزه المتهم أو يقيم فيه، ولو كان ذلك بصفة غير دائمة. ويكون التفتيش لضبط الأشياء المستعملة في ارتكاب الجريمة أو التي وقعت عليها أو نتجت عنها، وكل ما يفيد في كشف الحقيقة. ويكون التفتيش في حضور المتهم، أو من ينيبه كلما أمكن ذلك. ولعضو النيابة العامة أن يفتش المتهم، ولا يجوز له تفتيش غير المتهم أو مسكنه، إلَّا إذا اتضح من أمارات قوية أنه حائز لأشياء تفيد في كشف الحقيقة.
لذلك يجب أن يكون مأمور الضبط القضائي مختصًّا نوعيًّا ومكانيًّا، ويتحدّد الاختصاص المكاني لمأمور الضبط القضائي بمكان وقوع الجريمة، أو مكان إقامة المتهم، أو مكان ضبطه، ولا يغني عن ذلك أن يكون من أصدر الإذن مختصًّا بإصداره. كما يشترط لصحة الإذن أن يكون المندوب لإجرائه من موظفي الضابطة العدلية، ولذلك فإنه لا يجوز ندب غيرهم للقيام بهذا الإجراء وإلَّا كان الندب باطلًا، إلَّا أنّ استعانة المندوب في القيام بالعمل الذي ندب له مرؤوسًا له لا يتمتع بصفة مأمور الضبط القضائي لا ينفي صحته طالما أنه يفعل ذلك تحت الإشراف المباشر للمندوب31.
ويقابله في قانون الإجراءات الجنائية القطري نص المادة (27): "يكون أعضاء الضبط القضائي: 1. النيابة العامة 2. أعضاء قوة الشرطة." أما المادة (28): "يكون مأمورو الضبط القضائي تابعين للنائب العام وخاضعين لإشرافه فيما يتعلق بأعمال الضبط القضائي."
ج. شروط تتعلق بمصدر الإذن (المنيب): يجب أن يتوفر في النادب شرط أساسي، وهو أن يكون مختصًّا أصلًا بالتحقيق في الجريمة التي أصدر الإذن من أجل جمع أدلتها، ويتحدّد الاختصاص بالتحقيق بمكان وقوع الجريمة، أو محل إقامة المتهم، أو مكان ضبطه وإلَّا عُدّ النادب متجاوزًا لاختصاصه. كما يتعين لصحة الندب أن يكون المحقق مختصًّا بإجراء التفتيش نوعيًّا ومكانيًّا، وإذا استوجبت ظروف التحقيق مُتابعة الإجراءات خارج دائرة الاختصاص المكاني للمحقق فإنّ هذه الإجراءات تكون صحيحة لا بطلان فيها سواء من المحقق أو ممن يندبه لذلك32.
خامسًا: وقت التنفيذ: أورد المشرع القطري في قانون الإجراءات الجنائية في المادة (53) منه وقتًا معينًا لإجراء التفتيش، حيث نصت على أنه: "لا يجوز أن يجري تفتيش المساكن إلا نهارًا، ويجوز التفتيش ليلًا إذا كانت الجريمة متلبسًا بها، أو إذا اقتضت مصلحة التحقيق ذلك، ويثبت ذلك في محضر التحقيق". نلاحظ أنّ المشرع القطري لم يترك أمر وقت التفتيش لرجل الضابطة القضائية، وإنما حدّد الوقت نهارًا، مع إمكانية التفتيش ليلًا، مقيدًا الأمر على الضابطة العدلية/ الضبط القضائي بشرطين هما: حالة التلبس بالجريمة، وإجراء التفتيش ليلًا فيه مصلحة تعود على مجريات التحقيق. أما المشرع الأردني فإنه لم يورد نصًّا في قانون أصول المحاكمات الجزائية يحدّد فيه وقتًا للتفتيش، وإنما ترك للقائم بالتفتيش تحديد الوقت الذي يتم فيه إجراء التفتيش، دون النظر إلى أي اعتبارات أخرى، وبالتالي يمكن أن يجري التفتيش نهارًا أو ليلًا.
سادسًا: مدة إذن التفتيش: إنّ قرار الندب الصادر لمأمور الضبط القضائي يجب أن ينص على مدة محدّدة تثبت تاريخ وساعة صدور الإذن الذي يتعين خلالها إجراء التفتيش، لمعرفة إنْ كان التفتيش قد تم في الميعاد المصرح به أم لا، والطريقة التي يتم فيها احتساب المدة هي بأن يستبعد اليوم الذي صدر فيه الأمر، أما إذا كان الأمر قد صدر بالساعات، وليس بالأيام بأن يكون الإذن 24 أو 48 ساعة، فلا تحتسب ساعة صدوره، ويبدأ احتساب المدة من الساعة التالية لإصدار الإذن33. وهنا نلاحظ بأن المشرع القطري لم يحدد فترة زمنية معينة لإتمام التفتيش، إلَّا أنه قد نصّ في المادة (69) إجراءات جنائية على أنه: "يصدر أمر الندب للتحقيق كتابة، من عضو النيابة العامة المختص، إلى مأمور الضبط القضائي المختص مؤرخًا وموقعًا عليه ممن أصدره. وإذا كان الأمر متعلقًا بالتفتيش يحدد فيه مدة لسريانه وأن يتم تنفيذه مرة واحدة، وإذا لم ينفذ قبل انتهاء مدته جاز تجديده ما دامت مبررات إصداره قائمة". أما المشرع الأردني فإنه أيضًا لم ينص صراحة على مدة معينة لسريان الإذن بالتفتيش في قانون أصول المحاكمات الجزائية، وهنا يرى الباحث إغفال المشرع تحديد هذه المدة بشكل صريح يؤثر سلبًا على المتهم وعلى سير إجراءات التحقيق.
الشروط الموضوعية للتفتيش
يُقصد بالشروط الموضوعية للتفتيش الأحوال التي يجوز فيها هذا الإجراء؛ أي تحديد الشروط اللازمة لإجراء التفتيش الصحيح. وسوف نتناول هذه الشروط في هذا الفرع، على النحو التالي:
أولًا: سبب التفتيش
يتعين بداية، تحديد سبب التفتيش والغاية منه، إضافة إلى تحديد طبيعته القانونية، ومن ثم بيان عناصره، وذلك على النحو التالي:
ج. الطبيعة القانونية للتفتيش: التفتيش باعتباره من الإجراءات الماسة بالحرية الشخصية للإنسان، وانتهاكًا لحرمة الحياة الخاصة، فإنّه يعدّ إجراء تحقيقٍ في كل الحالات، سواء اضطلع به المحقق نفسه، أو قام به أحد رجال الضبط القضائي، وسواء قام به هذا الأخير بناء على ندب من سلطة التحقيق، أم من تِلقاء نفسه في الأحوال التي حدّدها القانون. إنّ ما يترتّب على ذلك، أنّ رجل الضبط القضائي إذا قام بتفتيش شخص أو تفتيش مسكنه، سواء في حالة تلبّس أم بناء على إذنٍ من سلطة التحقيق- ولم يكن يوجد غير هذا الإجراء - ثم رأت النيابة العامة عدم السير في الدعوى؛ فإنه يتعين عليها أن تصدر أمرًا بأنه لا وجه لإقامة الدعوى، وليس إصدار أمرٍ بالحفظ35.
أما فيما يتعلّق بطبيعة التفتيش الذي يتمّ إجراؤه من قبل رجل الضبط في حالة التلبس؛ فإنه ينبغي ألَّا يختلف عن طبيعة التفتيش في حالة الندب من المحقق، زعمًا بأن الإجراء الأول هو استدلالي والثاني هو إجراء تحقيق؛ لأن العبرة تكمن في طبيعة الإجراء ومدى مساسه بالحرية الشخصية، لا بصفة القائم به ولا بسند التفتيش، إذ إنه ليس في الأمرين ما يقتضي المغايرة في طبيعة التفتيش36.
د. عناصر السبب
1- ارتكاب جريمة: يصح التفتيش إذا وقعت جريمة، وهذا ما أشارت إليه المادة (81) من قانون أصول المحاكمات الجزائية الأردني والتي نصت على أنه: "لا يجوز دخول المنازل وتفتيشها إلّا إذا كان الشخص الذي يراد دخول منزله وتفتيشه مشتبهًا فيه بأنه فاعل جرم أو شريك أو متدخل فيه أو حائز على أشياء تتعلق بالجرم أو مخفٍ شخصًا مشتكى عليه". كما يمكن أن يستخلص هذا الشرط من نص المادة (33) من قانون أصول المحاكمات الجزائية الأردني بأنه: "إذا تبين من ماهية الجريمة أن الأوراق والأشياء الموجودة لدى المشتكى عليه يمكن أن تكون مدار استدلال على ارتكاب الجريمة للمدعي العام أو من ينيبه أن ينقل حالًا إلى مسكن المشتكى عليه للتفتيش عن الأشياء التي يراها مؤدية إلى إظهار الحقيقة". وجاء في نفس القانون في المادة (32/1) ما يلي: "يضبط المدعي العام الأسلحة وكل ما يظهر أنه استعمل في ارتكاب الجريمة أو أعد لهذا الغرض كما يضبط كل ما يرى من آثار الجريمة وسائر الأشياء التي تساعد على إظهار الحقيقة".
كما جاء في نص المادة (82) من قانون أصول المحاكمات الجزائية مع مراعاة الأحكام الصادرة التالي: "يحق للمدعي العام أن يقوم بالتحريات في جميع الأمكنة التي يحتمل وجود أشياء أو أشخاص فيها يساعد اكتشافها أو اكتشافهم على ظهور الحقيقة".
يلحظ الباحث من النصوص السابقة، أنّ المشرع الأردني استوجب لصحة التفتيش أن يكون ثمة جريمة قد وقعت فعلًا للبحث عن أدلتها، بغضّ النظر عن نوعها (جناية أو جنحة أو مخالفة)، وبغض النظر كذلك عن مقدار العقوبة المقررة لتلك الجريمة. أما أمر التفتيش المتعلق بجريمة مستقبلية لم ترتكب بعد، فهو أمر باطل. وإذا أردنا أن نبحث في موقف كل من المشرع القطري والأردني إزاء هذا العنصر من عناصر السبب يتبين لنا ما يلي:
ويقابل ذلك، ما جاء في نص المادة (50) من قانون الإجراءات الجنائية القطري؛ حيث أكد المشرع القطري على وُجوب توفر أمارات قوية لتفتيش منزل المتهم في حالة التلبس بالجريمة، وكذلك ما ورد في المادة (75) من ذات القانون على وجود قرائن تدلّ على أنّ الشخص حائز لأشياء تتعلق بالجريمة.
ومن المفيد الإشارة، إلى أنّ المقصود بالدلائل، هي تلك العلامات الخارجية أو الشبهات المقبولة دون ضرورة التعمق في تمحيصها وتقليب وجوه الرأي فيها، وهي لا ترقى إلى مرتبة الأدلة؛ أي إنها استنتاج لأمر مجهول من أمر معلوم، لكن ضعفها يأتي من استنتاجها من وقائع قد لا تؤدي إلى ثبوت التهمة بالضرورة الحتمية ولا بحكم اللزوم العقلي، فهي لا تصلح وحدها أمام محكمة الموضوع سببًا للإدانة، بل للبراءة37. كما يُقصد بالدلائل أو الأمارات القوية، تلك التي تؤكد بما لا يقبل الشك بأنّ المسكن المُراد تفتيشه يحتوي على أشياء أو أدوات تتعلق بالجريمة المرتكبة38.
فقيام الدلائل يكاد يُمثّل الضمان الوحيد الذي رسمه كلا المشرعين القطري والأردني حتى لا يقعا ضحية إجراء قد يكون ضارًا أو تعسفيًّا، لا مصلحة لأحد من ورائه، ولا جدوى للتحقيق منه؛ حيث أشار المشرعان إلى وجود دلائل كافية. وهذا التعبير يرى فيه الباحث أكثر مرونة واتساعًا لمفهوم الدليل.
الجهة المختصة بالتفتيش
يمسّ التفتيش بحسب طبيعته حقّ المتّهم في سرية حياته الخاصة، ويتمثّل مجال هذه السرية إمّا في شخص المتّهم، وإمّا المكان الذي يعمل به، أو الذي يقيم فيه. إنّ الأصل أنه لا يجوز أنْ يترتّب على سلطة الدولة في العقاب المساس بهذا الحق في السرية، من أجل جمع أدلة إثبات الجريمة أو نسبتها إلى المتّهم. إلَّا أنه توفيقًا بين سلطة الدولة في العقاب، وحقّ المتهم في السرية، فقد أجاز القانون المساس بهذه السرية في عمليّة التفتيش، ولكن بعد أنْ أخضعته لضمانات معينة تتمثّل في شخص القائم به، أو في شروطه الموضوعية والشكلية التي يتعيّن توفرها في هذا الإجراء39.
وعليه فإن الاختصاص بإجراء بالتفتيش إمّا أن يكون أصليًا لسلطة التحقيق، أو استثنائيًا لمأمور الضبط القضائي. وسيعرض الباحث في هذا المطلب بيان الاختصاص الأصلي بالتفتيش في كُلٍّ من القانون الأردني والقانون القطري، كلّ على حدة في الفرعين التاليين:
الاختصاص بالتفتيش في القانون الأردني
تُعتبر النيابة العامة صاحبة الاختصاص الأصيل في التحقيق، وهي المختصة في إجراء التفتيش حسب قانون أصول المحاكمات الجزائية الأردني؛ حيث يتولّى المدعي العام بصفته رئيس الضابطة العدلية في منطقته هذا الإجراء40.
وفيما يتعلق بالجرم المشهود فإنّ المدعي العام يختصّ بإجراء التفتيش؛ حيث جاء في نص المادة (33) من قانون أصول المحاكمات الجزائية على أنه: "إذا تبين من ماهية الجريمة أن الأوراق والأشياء الموجودة لدى المشتكى عليه يمكن أن تكون مدار استدلال على ارتكابه الجريمة، فللمدعي العام أو من ينيبه أن ينتقل حالًا إلى مسكن المشتكى عليه للتفتيش عن الأشياء التي يراها مؤدية إلى إظهار الحقيقة".
وفي حال حدوث جريمة - ولو لم تكن مشهودة - داخل البيت، وطلب صاحب البيت إلى المدعي العام إجراء التحقيق بخصوصها، فإنّ المدعي العام يتولى التفتيش في الجرائم الواقعة داخل البيت، وهذا ما أشارت إليه المادة (42) من قانون أصول المحاكمات الجزائية؛ حيث نصت المادة على أنه: "يتولى المدعي العام التحقيق وفقًا للأصول المعينة للجرائم المشهودة، إذا حدثت جناية أو جنحة ولو لم تكن مشهودة داخل بيت وطلب صاحب البيت إلى المدعي العام إجراء التحقيق بشأنها".
كما أوجب المشرع الأردني لصحّة التفتيش توفّر دلالات أو أمارات كافية ضد المشتكى عليه، إلى جانب وقوع الجريمة كشرط أساسيٍّ لصحة التفتيش، وهذا ما عبّر عنه في المادة (81) من ذات القانون والتي نصّت على أنه: "لا يجوز دخول المنازل وتفتيشها إلَّا إذا كان الشخص الذي يراد دخول منزله وتفتيشه مشتبهًا فيه بأنه فاعل جرم أو شريك أو متدخل فيه أو حائز على أشياء تتعلق بالجرم أو مخفٍ شخصًا مشتكى عليه".
وفي هذا السياق نرى أن المشرّع لم يحدّد نوع الجريمة المرتكبة (جناية أو جنحة أو مخالفة) لغاية إجازة التفتيش، ولو كانت إرادة المشرع اتّجهت إلى غير ذلك لنصّ عليه صراحة. ومع هذا فإنّ المشرّع أحسن في ذلك، لخطورة وجسامة بعض المخالفات المرتكبة. كما تنص المادة (82) من قانون أصول المحاكمات الجزائية على أنه: "مع مراعاة الأحكام السابقة يحق للمدعي العام أن يقوم بالتحريات في جميع الأمكنة التي يحتمل وجود أشياء أو أشخاص فيها يساعد اكتشافها أو اكتشافهم على ظهور الحقيقة".
وأضافت المادة (86/1) من ذات القانون اختصاصًا آخر للمدعي العام؛ حيث أجازت للمدعي العام أن يفتّش المشتكى عليه، وله أن يُفتّش غيره إذا اتّضح من أمارات قوية أنه يخفي أشياء تفيد في كشف الحقيقة. ويرى الباحث في هذا الموضع، أنّ المشرّع لم يكن موفقًا فيما يتعلّق بتفتيش الأشخاص والأماكن؛ حيث اشترط وُجوب أن تكون هناك أمارات قوية تحمل على الاعتقاد بأنّ ذلك الشخص يخفي أشياء تفيد في كشف الحقيقة، بينما لم يشترط ذلك عند تفتيش المنازل واكتفى بمجرّد الاشتباه، وهذا مؤداه أن يتم التفتيش لمجرد الاشتباه والظنّ والشك والتي تعتبر أضعف من الأمارات.
أما فيما يتعلق بالإذن بالتفتيش، فتجدر الإشارة إلى أن قانون أصول المحاكمات الجزائية الأردني ذهب في حال اجتماع مدعٍ عام وأحد موظفي الضابطة العدلية؛ فإن المدعي العام يقوم بأعمال الضابطة العدلية. وإذا كان أحد موظفي الضابطة العدلية قد باشر العمل فللمدعي العام أن يتولى التحقيق بنفسه، أو أنْ يأمر من باشره بإتمامه. كما أن المادة (48) من قانون أصول المحاكمات الجزائية تنص على أنه: "يمكن للمدعي العام أثناء قيامه بالوظيفة في الأحوال المبينة في المادتين (29، 42) أن يعهد إلى أحد رؤساء مخافر الشرطة أو الدرك بقسم من الأعمال الداخلة في وظائفه إذا رأى ضرورة لذلك ما عدا استجواب المشتكى عليه". وفي هذا السياق، قضت محكمة التمييز الأردنية أنه: "إذا كان التفتيش الذي أجراه ضابط التحقيق قد تمّ بتفويض خطي من المدعي العام وبحضور نائب المختار فإنه يعتبر تفتيشًا قانونيًا لتوفر الشروط التي تتطلبها المادة (91) من قانون أصول المحاكمات الجزائية". ويلاحظ الباحث أن محكمة التمييز لم تشر إلى نص المادة (92) من قانون أصول المحاكمات الجزائية الأردني في حكمها التي تتوفر شروطها في تلك الواقعة، وإنما أشارت إلى المادة (91).
بالرغم من مصلحة التحقيق في الإنابة، وإجماع الفقه والقضاء على أن الإنابة في إجراء التفتيش عملًا من أعمال التحقيق، على اعتبار أن الانتداب لأيّ عمل من أعمال التحقيق من حيث طبيعته هو عمل تحقيقي. إلَّا أن رأيًّا في الفقه الفرنسي ذهب إلى أنّ الانتداب للتحقيق، هو عمل إداري يتعلق بنطاق ولاية القضاء. وذهب رأي آخر، إلى أن الانتداب عمل مختلط، فهو إداري في بعض جوانبه من حيث التفويض ذاته، ومن حيث سلطات الانتداب ورقابته على تنفيذ أمر الانتداب، وهو من أعمال التحقيق في جانب آخر، من جهة كونه يصدر لممارسة عمل من أعمال التحقيق41.
يقرّر القانون للمحقق - دون سواه - سلطة الندب لإجراء عمل من أعمال التحقيق، فلا يجوز لذلك أن يقوم مأمور الضبط القضائي بندب زميل له لمباشرة عمل يختص به مأمور ضبط آخر. كما يتعين لصحة الندب، أنّ يكون المحقق مختصًّا بإجراء التفتيش نوعيًّا ومكانيًّا؛ حيث يجوز لعضو النيابة العامة أن يندب مأمور الضبط القضائي لتفتيش غير المتهم أو غير منزله42.
ويتعين أن يكون مأمور الضبط القضائي مختصًّا نوعيًّا ومكانيًّا؛ حيث يتحدّد الاختصاص المكاني لمأمور الضبط القضائي بمكان وقوع الجريمة، أو مكان إقامة المتهم، أو مكان ضبطه، كما أنه لا يكفي أن يكون من أصدر الإذن مختصًّا بإصداره، وعليه فقد حددت المادة (9/1) من ذات القانون على أنه: "يساعد المدعي العام في إجراء وظائف الضّابِطَة العدلية: الحكام الإداريون، مدير الأمن العام، مديرو الشرطة، رؤساء المراكز الأمنية، ضباط وأفراد الشرطة، الموظفون المكلفون بالتحري والمباحث الجنائية، المخاتير، رؤساء المراكب البحرية والجوية، وجميع الموظفين الذين خولوا صلاحيات الضّابِطَة العدلية بموجب هذا القانون والقوانين والأنظمة ذات العلاقة".
الاختصاص بالتفتيش في القانون القطري
تُعتبر النيابة العامة صاحبة الاختصاص الأصيل في التحقيق، وهي المختصة في إجراء التفتيش باعتبارها سلطة التحقيق الابتدائي؛ حيث يتولى المدعي العام هذا الإجراء، وهذا ما أكدته المادة (74) من قانون الإجراءات الجنائية القطري؛ حيث نصت على أنه: "ينتقل عضو النيابة العامة، إلى أي مكان، ليثبت حالة الأشخاص والأماكن والأشياء المتعلقة بالجريمة وكل ما يلزم إثبات حالته كلما اقتضت مصلحة التحقيق ذلك". كما حدّد المشرع القطري الجنايات التي يجوز لمأمور الضبط القضائي أن يجري فيها تفتيش مسكن المتهم في حالة التلبس بها، شريطة توفر أمارات قوية على أنه يخفي في مسكنه أشياء أو أوراقًا تفيد في كشف الحقيقة، وهذه الحالات حسب ما جاء في نص المادة (50) من قانون الإجراءات الجنائية هي:
كما حدّد المشرع القطري الجريمة المتلبس بها حال ارتكابها، أو عقب ارتكابها ببرهة يسيرة. وفي المادة (37) من ذات القانون تعتبر الجريمة متلبسًا بها، إذا تبع المجني عليه مرتكبها، أو تبعته العامة مع الصياح إثر وقوعها، أو إذا وجد مرتكبها، بعد وقوعها بوقت قريب حاملًا آلات أو أسلحة أو أمتعة أو أوراقًا أو أشياء أخرى يستدل منها على أنه فاعل أو شريك فيها، أو إذا وجدت به في هذا الوقت آثار أو علامات تفيد ذلك.
وقد قضت محكمة التمييز القطرية أنّ: "التلبس صفة تلازم الجريمة ذاتها لا شخص مرتكبها" حسب المادة (37) من قانون الإجراءات الجنائية. وأنّ حالة التلبس بجناية أو جنحة معاقب عليها بالحبس مدة تزيد على ستة أشهر، تبيح لمأمور الضبط القضائي القبض على المتهم الحاضر الذي توجد دلائل كافية على اتهامه، كما أنّ له الحقّ في تفتيشه، وفق ما جاء في المادتين (41)، (42) من قانون الإجراءات الجنائية. كما أنّ تقدير حالة التلبس من عدمها توكل بداهة لرجل الضبط القضائي، وخضوعه لرقابة محكمة الموضوع، متى أقامت قضاءها على أسباب سائغة، التزام الحكم المطعون فيه هذا النظر صحيح43.
وفي الأحوال التي يجوز فيها القبض، فإنّ لمأمور الضبط القضائي أن يجري تفتيش المتهم للبحث عما يكون بجسمه أو ملابسه، أو ما يحمله من أمتعة أو أشياء تتعلق بالجريمة الجاري التفتيش بشأنها.
وتسري الأحكام المنصوص عليها في الفقرة السابقة على سيارة المتهم. وفقًا لنص المادة (47) من قانون الإجراءات الجنائية القطري.
وفيما يتعلق بإصدار إذن التفتيش؛ فإنّ محكمة التمييز القطرية قضت بأن: "تقدير جدية التحريات وكفايتها لإصدار إذن التفتيش موضوعي، وأن عدم بيان مصدر التحريات ومدتها لا ينال من جدية التحريات44. أما فيما يتعلق ببيانات إذن التفتيش، فقد قضت محكمة التمييز القطرية بأن: "عدم بيان عمر الطاعن ولقبه ونوع السيارة التي يستخدمها ورقمها ولونها واسم الشارع الذي يسكن فيه والخطأ في رقم العقار بطلب الإذن بالتفتيش لا يقدح بذاته في جدية ما تضمنه من تحر"45.
كما قضت محكمة التمييز القطرية فيما يتعلق بتنفيذ إذن التفتيش أنه: "1. لمأمور الضبط القضائي أن يكمن للمأذون بتفتيشه في مكان أو أمكنة يتوقع مروره منها، وأن يجري تفتيشه أنى ظفر به. كما وفرت له الحق في تخير الظرف والوقت المناسبين لإجرائه بطريقة مثمرة، إضافة إلى حقّ مفاجأة المأذون بتفتيشه في أي مكان وزمان، ما دام قد التزم الحدود التي تضمنها الإذن. وأنَّ نعي الطاعن في هذا الشأن بتلاحق الإجراءات غير مقبول. 2. تعرف ما إذا كان مأمور الضبط قد التزم حدود الأمر بالقبض والتفتيش أو جاوزه متعسفًا. ويقتضي أمرين: أحدهما: مقيد وهو تحري حدود الأمر من جهة دلالة عباراته، ولا اجتهاد فيه لمحكمة الموضوع. ثانيهما: مطلق لانطوائه على تقرير وتقدير الوقائع التي تفيد التعسف في تنفيذه. خضوعه لتقديرها ما دام سائغًا. تفتيش مأمور الضبط القضائي للمطعون ضده بناء على إذن من النيابة العامة وعدم عثوره معه على شيء يخفيه يفيد في كشف الحقيقة أو مواد مخدرة أو ما تعد حيازته أو إحرازه جريمة. أثره استنفاده الغرض من التفتيش. سعيه للبحث عن جريمة تعاطي المواد المخدرة. يعد تجاوزًا لنطاق الإذن بالقبض والتفتيش. مخالفة الحكم المطعون فيه هذا النظر وتسويغه القبض على الطاعن وأخذ عينه من درره. خطأ في تطبيق القانون. وجوب تمييز الحكم المطعون فيه وإلغاء الحكم المستأنف والقضاء ببراءة المتهم.46
كما قضت محكمة التمييز القطرية فيما يتعلق بإذن التفتيش بأن: "صدور إذن النيابة العامة بضبط وتفتيش المتهم بناء على تحريات ورد بها أن الطاعن يتجر في المواد المخدرة. مفاده أنّ الإذن صدر لضبط جريمة تحقق وقوعها من الطاعن وليس عن جريمة مستقبلية. النعي على الحكم ببطلان كافة النتائج التي أسفر عنها هذا الإجرام. غير مقبول"47.
أما في حالة التفتيش بغير إذن، فقد قضت محكمة التمييز القطرية بأن: "إقرار المطعون ضده لمأمور الضبط القضائي وقت الضبط بحيازته لمادة مخدرة بمسكنه. يوفر في حقه دلائل قوية على إخفائه بمسكنه ما يفيد في كشف حقيقة الجريمة المتلبس. لمأمور الضبط القضائي تفتيش المسكن دون حاجة للحصول على إذن مسبق. المادة (50) من قانون الإجراءات الجنائية48.
بطلان التفتيش والآثار المترتبة عليه
سَنُوَضّح في هذا المبحث بطلان التفتيش في المَطلَب الأوّل، أمّا المطلب الثاني فَسَنَستَعرِض فِيهِ آثار بطلان التفتيش.
بطلان التفتيش
سنتحدّث في هذا المطلب عن بطلان التفتيش في القانونين القطري والأردني، من خلال خمسة فروع هي: الفرع الأول: تعريف الجزاء الإجرائي (البطلان). والفرع الثاني: مذاهب البطلان. والفرع الثالث: أسباب البطلان. والفرع الرابع: البطلان في التشريعين القطري والأردني. والفرع الخامس: التمييز بين البطلان والجزاءات الإجرائية الأخرى.
مفهوم البطلان والتمييز بينه وبين غيره من الجزاءات الإجرائية
إنّ مُخالفة قواعد التفتيش تتضمن إهدارًا لحقوق الأفراد وحرياتهم، ولذلك يترتب عليها بطلان الإجراء، وبطلان الدليل المستمد منه، إذْ إنّ كلّ ما يترتب على الإجراء الباطل باطل أيضًا49.
يَكفَل القَضَاء حماية الشرعيّة الإجرائية للتأكّد من أنّ السُّلطات المُختصّة بالبحث عن الحقيقة تعمل وفق قواعد قانونية معيّنة تحمي حُقُوق الأفراد وحُرِّياتهم، وتَصُونَها من التعسّف والتحكّم وإساءة استعمال السُّلطة. إنّ تحقّق هذا الأمر يكون بمنع الإجراء الذي اتّخذ بشكلٍ مُخالفٍ للقانون من ترتيبِ آثاره50.
هُنَاك عِدّة تعاريف مُتقاربة إلى حدّ كبير للبطلان في الفِقِه الجزائي، نَسُوقُ منها ما يلي:
عرّف جانب من الفقه البُطلان بأنه: "جزاء إجرائي يرد على العمل الإجرائي المعيب المخالف لبعض القواعد الإجرائية، فيهدر آثاره القانونية"51. وجاء في تعريف آخر بأنّ البُطلان هو: "جزاء إجرائي يترتّب على مُخالفة أحكام القانون المتعلّقة بأيّ إجراء جوهري ويؤدي لمنع تكوين هذا الإجراء لأثره القانوني"52.
هناك فرق بين البطلان بوصفه جزاء لمخالفة الإجراءات الشكلية أو الموضوعية المنصوص عليها قانونًا، وبين بعض الجزاءات الأخرى التي وضعها المشرّع في مواجهة الإخلال بالأشكال والشروط القانونية، والتي يمكن أن تختلط مع البطلان. وفي هذا الفرع، سنخصّ بالدراسة الفرق بين البطلان والسقوط، والفرق بين البطلان وعدم القبول، وأخيرًا الفرق بين البطلان والانعدام الإجرائي.
أولًا: التمييز بين البطلان والسقوط
يرى البعض أنّ السقوط هو جزاء إجرائي يرد على السلطة، أو الحق في مباشرة العمل الإجرائي إذا لم يقم به صاحبه خلال الفترة التي يحدّدها القانون. وبذلك يبدو واضحًا أن البطلان جزاء إجرائي لا يتحقّق إلَّا إذا شاب العمل الإجرائي عيب في شرط من شروط صحته. في حين أنّ الإجراء الذي يتقرر سقوطه هو إجراء صحيح في وصفه، وقد أوجب القانون ممارسته في وقت محدّد، ورتّب على عدم ممارسة هذا الإجراء في ذلك الوقت سقوطه53.
ممّا سبق، نجد أنّ الإجراء المخالف للقاعدة الإجرائية تقرّر المحكمة المختصة بطلانه، وهذا يجرّده من أيّ قيمة قانونية، أو أيّ دور في تحريك الدعوى الجزائية، وبالتالي لا يجوز الاعتماد عليه. ويسقط هذا الإجراء وما ارتبط به من إجراءات أخرى دون ترتيب أيّ آثار عليه في الدعوى. أما الفارق بين هذين الجزاءين فيكمن في ماهية كل منهما، ونطاقهما، والأثر المترتب على إعمالهما، وذلك على النحو التالي54:
ثانيًا: التمييز بين البطلان وعدم القبول
عدم القبول، هو جزاء إجرائي يرتبه المشرّع نتيجة مخالفة أحكامه المتعلقة بشروط صحة نوع معين من الإجراءات يسمى بالمفترضات، ويرتب عليه الامتناع عن الفصل في موضوعها، ويتناول الرابطة الإجرائية فيه ككل أو مرحلة من مراحل الخصومة. وكجزاء إجرائي فإنّ السقوط يتشابه مع عدم القبول لأنّهما لا يعنيان بأيّ حال من الأحوال أن الإجراء معيب. فالقانون يشترط لقبول إجراء مَا أمام المحكمة وُجوب إتمامه وفق شروط محدّدة، أو وُجوب توفّر واقعة مستقلة عن الإجراء وسابقة عليه، ويعلق القانون على هذه الواقعة جواز اتّخاذ الإجراء؛ لأنّ العيب قد انصبّ على أحد مفترضاته، في حين أنّ الإجراء في ذاته غير معيب55.
يرى الباحث في هذا السياق بأنّ الإجراء على خلاف الأوضاع المقرّرة قانونًا يقع باطلًا في ذاته، وغير مقبول بوصفه طلبًا؛ لأنّ القانون في بعض الجرائم اشترط التوقيع من الشخص الذي أصدر أمر التحقيق أو تحريك الدعوى الجزائية، ومثال ذلك فيما يتعلق بمذكرة التفتيش والشروط التي تتعلق بشكل الإذن وبياناته، وهذا ما قرّره المشرّع الأردني فيما يتعلق بالضوابط القانونية للتفتيش؛ حيث أوجب في المادة (92) من قانون أصول المحاكمات الجزائية الأردني التقيّد بالشروط التي تتعلّق بشكل الإذن وبياناته. والعبرة من ثبوت الإذن بالكتابة أنْ تبقى حجة يعمل بها الموظفون، وتكون أساسًا صالحًا لما بني عليه من نتائج.
يتفق البطلان مع عدم القبول في السبب المفضي إلى كل منهما. ففي الحالتين ثمة عمل إجرائي معيب مرده تخلف المطابقة بين الإجراء الواقع، وبين نموذجه المرسوم قانونًا؛ حيث يكمن الفارق فيما يلي56:
ثالثًا: التمييز بين البطلان والانعدام
الانعدام هو جزاء إجرائي يتقرّر نتيجة عدم توفر ركن من أركان العمل الإجرائي، وهو عيب إجرائي بلغ حدًّا من الجسامة إلى درجة لا يمكن القول معها بأنَّ هناك عملًا إجرائيًّا أصلًا. فالانعدام هو جزاء إجرائي يتقرّر نتيجة عدم توفر ركن من أركان العمل الإجرائي، وهو جزاءٌ نتيجة عيب اكتنف العمل الإجرائي أدّى إلى نفي أحد عناصره أو أحد مقومات وجوده، فيكون الإجراء منعدمًا وليس له أي وجود قانوني. ويتفق الإجراء المنعدم مع الإجراء الباطل من جهة كون الانعدام أو البطلان هو وصف يلحق بالإجراء المعيب ذاته، إلَّا أنهما يختلفان فيما عدا ذلك57.
نستطيع القول بأن الإجراءان يجتمعان في أمر واحد، وهو عدم ترتيب أي أثر على أيّ منهما من الناحية القانونية، وأنّ الانعدام صورة من الصور الجسيمة للبطلان، ولا وجود له لأنه يفقد مقوماته كإجراء، وبالتالي لا يمكن تصحيحه، ومثاله القبض والتفتيش من قبل رجال الضابطة العدلية في حالة لا تعدّ من حالات التلبس.
مذاهب البطلان
إنّ مُعظم التشريعات الجزائية - ومن بينها التشريعات الأردنية- يتجاذبها في مجال البطلان مذهبان هما: مذهب البطلان القانوني، ومذهب البطلان الذاتي58.
البُطلان القانوني: وهو البطلان الذي لا يتقرّر إلَّا بنصّ، ويعبّر الفُقَهاء عن هذا البُطلان بأنه: "لا بطلان بغير نصّ".
البُطلان الذاتي: وهو البُطلان الذي يترتّب على مُخالفة القواعد الجوهرية من قواعد الأصول الجزائية، ولو لم ينصّ القانون على البطلان.
وعليه، فإنّه وفقًا لمذهب البطلان القانوني يستأثر المشرّع - وحده دون سواه - بتقرير بطلان العمل الإجرائي، إذا تخلّف شرط من شروط صحّة هذا العمل، أو إذا تمّ إغفال ذلك الشرط59. وتبدو فائدة هذا المذهب في حصر جميع حالات البطلان ممّا يُساهم في تعزيز استقرار المبادئ القضائية، واتّفاق المَحَاكم على مبادئ واضحة ثابتة لا تكون محلًّا للتأويل أو التحكّم أو التضارب في الأحكام. كما أنّ من مُميّزات هذا المذهب أنه يُمَكِّنُ القاضي وأطراف الدعوى الجزائية من معرفة الإجراءات مُسبَقًا أو الشكليات التي يعتبرها المشرّع جوهرية ويرتّب البطلان على مُخالفتها60.
أمّا البطلان الذاتي فإنّه يجب أن يترك للقاضي سُلطَة استخلاص وتقدير ما إذا كان الشرط اللازم لصحّة الإجراء الذي ترتّب على إغفاله عيب اعترى العمل الإجرائي على درجة معينة من الأهمية. إنّ الأخذ بهذا المذهب يُثير مُشكلة تحديد القواعد الجوهرية وغير الجوهرية، وتحديد تلك القواعد لا يكون سَهلًا دائمًا لِعمَل تفرقة واضحة المعالم بين الإجراءات. كما يمكن أيضًا في البُطلان الذاتي أنْ تُهمل القواعد غير الجوهرية ولا يعمل بها ما دام أنه ليس هناك جزاء محدّد على مخالفتها، وطالما لم يتمسّك بها أحد الخصوم. ويضيف البعض إلى هذين المذهبين مذهبًا ثالثًا هو مذهب البُطلان الشّكلي، ومُقتضاه أنّ البُطلان يقع نتيجة مُخالفة جميع قواعد الإجراءات الجنائية التي تنظّم إجراءات الخصومة الجنائية. وأسَاس هذا المذهب أنّ القانون لا يَفرِض الشّروط والأشكال إلَّا مراعاة لأهميتها في تحقيق الغاية من القاعدة الإجرائية، فيتعين تقرير البطلان جزاء تخلّفها جميعًا بغير استثناء61.
أسباب البطلان
هناك أسباب لهذا البطلان، قد تكون شكلية أو قد تكون موضوعية. فالشكل هو الوسيلة التي يتمّ بها العمل الإجرائي؛ لأنّه أحد مقوّماته التي لا يوجد بدونها. ويختلف دور الشّكلية في العمل الإجرائي فَمِنها ما أوجب القانون مراعاته لتوفر صحته- وهو ما اصطلح عليه بالأشكال الجوهرية -، في حين نجد أن بقيّة الأشكال الأخرى قصد منها القانون التوجيه والإرشاد، وهي التي أُطلق على تسميتها الأشكال غير الجوهرية62.
ومن أمثلة الأعمال الجوهرية في قانون أصول المحاكمات الجزائية الأردني ما نصّت عليه المواد من (81-86) والمتعلّقة بحصول إذن من النيابة العامة للتفتيش - سواء أكان مُتعلّقًا بالأشخاص أم بالمساكن - وحضور صاحب المسكن أو الشاهدين، وتحليف الشاهد اليمين القانونية، وعدم جواز تفتيش الأنثى إلَّا من قبل أنثى. أمّا الأعمال الإجرائية غير الجوهرية فَمِثالُها ذِكِر مَحلّ الولادة، وموطن المشتكى عليه، أو ذكر مهنته في قرار المدعي العام، كما جاء في نص المادة (135) من قانون أصول المحاكمات الجزائية الأردني63. ويقابل هذا في التشريع القطري ما ورد في المواد من (47-51) من قانون الإجراءات الجنائية والمتعلّقة بحصول إذن من النيابة العامة للتفتيش- سواء أكان مُتعلّقًا بالأشخاص أم بالمساكن. كما أورد المشرع في المادة (75) من ذات القانون حضور المتهم أو من ينيبه كلما أمكن ذلك في حالة تفتيش المنزل. وفيما يتعلق بتفتيش الأنثى فإنه ورد النص على ذلك في المواد (48) و (55) والمادة (76) من ذات القانون.
والاتّجاه السائد لدى الفقه أنّ الإجراء الجوهري، هو الذي يستهدف المحافظة على مصلحة عامة أو مصلحة المتهم أو أحد الخصوم، وأنّ الإجراء الذي لا يهدف إلَّا الإرشاد والتوجيه فهو إجراء غير جوهري. أمّا الأسباب الموضوعية فيشترط القانون لصحة العمل الإجرائي ضَرُورة مُباشرته من شخصٍ لَهُ القدرة على التمييز والاختيار (الإرادة)، وأن يكون له صفة معينة - وهو ما يُعبّر عنه بالأهلِيّة الإجرائيّة -، بالإضافة إلى توفر سبب معين لاتخاذ هذا العمل. كما يشترط أنْ ينصبَّ هذا الإجراء على مَحلٍّ معين، وهناك من حدّد تلك الشروط بـ (الحَق، والمَصلَحَة، والأهلِيّة، والصِفَة)؛ حيث يترتب على تخلّف أحدها أن يكون الإجراء غير صالح لإنتاج آثاره القانونية، ممّا يؤدّي إلى الحُكم ببطلانه؛ لأنّ جميع تلك الشروط جوهرية64.
البطلان في التشريع القطري والأردني
أولًا: البطلان في التشريع الأردني
إنّ موقف المُشرّع الأردني من البطلان مرّ بمرحلتين: الأولى ما قبل صُدور القانون المعدّل لقانون أصول المحاكمات الجزائية رقم (16) لسنة 2001. والثانية المرحلة التي تَلت صُدور القانون المعدّل لقانون أصول المحاكمات الجزائية رقم (16) لسنة 2001. ففي المرحلة الأولى لم يَتَبَنّ المُشرّع الأردني مذهبًا معينًا من مذاهب البطلان التي أشرنا إليها سابقًا. إلَّا أنّه يمكن القول بأنّ المشرّع طبّق فكرة البطلان القانوني من خلال حالات قليلة نصّ فيها على بُطْلاَنِ إجراءٍ مَا، إذا تمّ ذلك الإجراء دون مراعاة الأوضاع والأشكال التي يُوجِبُها القانون.
لم يجد الباحث في قانون أصول المحاكمات الجزائية ما ينص على قواعد البطلان بشكل مباشر، إلَّا أنّ المادة (274) من قانون أصول المحاكمات الجزائية الأردني نصت على أنه: "لا يقبل التمييز إلَّا للأسباب التالية: أولًا: 1. مخالفة الإجراءات التي أوجب القانون مراعاتها تحت طائلة البطلان 2. مخالفة الإجراءات الأخرى إذا طلب الخصم مراعاتها ولم تلبه المحكمة ولم يجر تصحيحها في أدوار المحكمة التي تلتها. ثانيًا: مخالفة القانون أو الخطأ في تطبيقه أو تأويله".
وما يؤخذ على نص المادة (274) من قانون أصول المحاكمات الجزائية الأردني أنّ المشرع لم يأخذ بالبطلان النسبي، ولم يحصر الحالات التي تستوجب مخالفتها البطلان باستثناء ما ورد في المادتين (227، 229)؛ حيث نصت المادة (227) في الفقرة الأولى من ذات القانون على أنه: "إذا كان المتهم أو الشهود أو أحدهم لا يحسنون التكلم باللغة العربية عين رئيس المحكمة ترجمانًا لا يقل عمره عن الثامنة عشرة وحلفه اليمين بأن يترجم فيما بينهم وبين المحكمة بصدق وأمانة". أما الفقرة الثانية فقد جاء فيها التالي: "إذا لم تراع أحكام هذه المادة تكون المعاملة باطلة". وأورد المشرع في المادة (229) من ذات القانون ما يلي: "لا يسوغ انتخاب الترجمان من الشهود وأعضاء المحكمة الناظرة في الدعوى ولو رضي المتهم وممثل النيابة وإلا كانت المعاملة باطلة".
يلحظ الباحث مما سبق ذكره، أنّ مخالفة الإجراءات الواردة في قانون أصول المحاكمات الجزائية الأردني - باستثناء نص المادتين (227، 229) - يترتب عليها بطلان نسبي بجميع آثاره، وهو ما لا يستقيم مع المنطق القانوني السليم؛ لأنّ المشرع في نص المادة (224) من ذات القانون قد نص على أنه: "أثناء استماع الشهود يسوغ للمحكمة أن تُخرج من تريد من الشهود من قاعة المحاكمة أو إدخال واحد أو أكثر ممن أُخرجوا لاستعادة شهادته على حدة أو بحضور بعضهم بعضًا، ويسوغ لممثل النيابة العامة أو المتهم أن يطلب من المحكمة القيام بمثل هذا الإجراء".
وبالنظر في هذه المادة، نلاحظ أنّ المشرع قد فتح الباب للطعن بكافة الإجراءات التي يتمسّك بها الخصم أمام محكمة الموضوع، والأصح أنْ يستخدم المشرع عبارة "الإجراءات الجوهرية الأخرى"65. كما أنّ المشرع لم يتبنَّ مذهب البطلان النسبي، ولم يقم بحصر الحالات التي يترتب على مخالفتها بطلان ما عدا المادتين (227، 229) وهذا ليس بقاعدة66.
وبالنظر في المادة (7/1) من قانون أصول المحاكمات الجزائية، نجد أن المشرع الأردني قد اعتنق مذهبي البطلان القانوني والذاتي، وأخذ بفكرة العيب الجوهري الذي يترتب عليه بطلان الإجراء؛ حيث جاء في نص المادة على أنه: "يكون الإجراء باطلًا إذا نص القانون صراحة على بطلانه أو شابه عيب جوهري لم تحقق بسببه الغاية من الإجراء". كما نجد أنّ المشرع قد أخذ بالبطلان المطلق وفقًا لنص المادة (7/2) من ذات القانون، وتبنى البطلان النسبي في المادة (7/3).
ممّا سبق يرى الباحث، أنّ الجزاء الإجرائي لا يَنَال الشخص الذي باشر الإجراء، وإنما يرد على العمل ذاته، بخلاف الأنواع الأخرى من الجزاءات التي تنال الشخص المباشر للإجراء المخالف، هذا من جهة. ومن جهة أخرى نجد أنّ الجزاء الإجرائي يؤدّي إلى سلب العمل الإجرائي المَعِيب آثاره القانونية.
ثانيًا: البطلان في التشريع القطري
إنّ المشرع القطري شأنه شأن المشرع الأردني بالنسبة لمخالفة الإجراءات، فقد جاء في نص المادة (289) من قانون الإجراءات الجنائية بأنه: "تعتبر الإجراءات قد روعيت أثناء نظر الدعوى، ومع ذلك فللطاعن أن يثبت، بجميع الطرق، أن الإجراءات قد أهملت أو خولفت. وذلك إذا لم تكن مذكورة في محضر الجلسة ولا في الحكم المطعون فيه، فإذا ذكر في أحدهما أنها اتبعت فلا يجوز إثبات عدم اتباعها إلّا بطرق الطعن بالتزوير". أما ما ورد في البند رقم2 بالنسبة لمخالفة القانون فقد نصت المادة (288) من قانون الإجراءات الجنائية على أنه: "لكل من النيابة العامة والمحكوم عليه، الطعن بالتمييز في الأحكام الصادرة من محكمة الاستئناف في جناية أو جنحة في الحالات التالية:
كما أورد المشرع القطري في المادة (256) من ذات القانون أنه: "يكون الإجراء باطلًا، إذا نص القانون صراحة على بطلانه أو إذا شابه عيب لم تتحقق بسببه الغاية من الإجراء". ولا يحكم بالبطلان، رغم النص عليه، إذا ثبت تحقق الغاية من الشكل أو الإجراء المطلوب.
وفيما يتعلق بإصدار إذن التفتيش، قضت محكمة التمييز القطرية بأن: "تقدير جدية التحريات وكفايتها لإصدار إذن التفتيش. موضوعي وأن عدم بيان مصدر التحريات ومدتها. لا ينال من جدية التحريات67. أما ما يتعلق في بيانات إذن التفتيش، فقد قضت محكمة التمييز القطرية بأن: "عدم بيان عمر الطاعن ولقبه ونوع السيارة التي يستخدمها ورقمها ولونها واسم الشارع الذي يسكن فيه والخطأ في رقم العقار بطلب الإذن بالتفتيش. لا يقدح بذاته في جدية ما تضمنه من تحرٍّ" 68.
كما قضت محكمة التمييز القطرية فيما يتعلق بتنفيذ إذن التفتيش أنه: "1. لمأمور الضبط القضائي أن يكمن للمأذون بتفتيشه في مكان أو أمكنة يتوقع مروره منها وأن يجري تفتيشه أنى ظفر به. حقه في تخير الظرف والوقت المناسبين لإجرائه بطريقة مثمرة. له مفاجأة المأذون بتفتيشه في أي مكان وزمان. ما دام قد التزم الحدود التي تضمنها الإذن. نعى الطاعن في هذا الشأن بتلاحق الإجراءات غير مقبول. 2. تعرف ما إذا كان مأمور الضبط قد التزم حدود الأمر بالقبض والتفتيش أو جاوزه متعسفًا. يقتضي أمرين: أحدهما: مقيد وهو تحري حدود الأمر من جهة دلالة عباراته. ولا اجتهاد فيه لمحكمة الموضوع. ثانيهما: مطلق لانطوائه على تقرير وتقدير الوقائع التي تفيد التعسف في تنفيذه. خضوعه لتقديرها ما دام سائغًا. تفتيش مأمور الضبط القضائي للمطعون ضده بناء على إذن من النيابة العامة وعدم عثوره معه على شيء يخفيه يفيد في كشف الحقيقة أو مواد مخدرة أو ما تعد حيازته أو إحرازه جريمة. أثره استنفاده الغرض من التفتيش. سعيه للبحث عن جريمة تعاطي المواد المخدرة. يعد تجاوزًا لنطاق الإذن بالقبض والتفتيش. مخالفة الحكم المطعون فيه هذا النظر وتسويغه القبض على الطاعن وأخذ عينه من درره. خطأ في تطبيق القانون. وجوب تمييز الحكم المطعون فيه وإلغاء الحكم المستأنف والقضاء ببراءة المتهم".69
آثار بطلان التفتيش
سنتحدث في هذا المطلب عن الآثار المترتبة على التفتيش الباطل في الفرع الأول. أما الفرع الثاني، فسنبين فيه مدى جواز تصحيح التفتيش الذي لم يراعِ الضوابط القانونية التي يفرضها القانون.
بطلان جميع الآثار المترتبة على التفتيش الباطل
إنّ الموقف الذي تبناه المشرع الأردني حول طبيعة الدفع بالبطلان الذي يمكن أن يعتري إجراءات التفتيش، هو الأخذ بفكرة أن الأصل في إجراءات التفتيش أنها تتعلق بمصلحة الخصوم، وبالتالي لا يجوز الدفع ببطلان التفتيش إلَّا من قبل من شرع البطلان لمصلحته، إلَّا إذا كان البطلان متعلقًا بالنظام العام.
نلاحظ أن المشرع الأردني أخذ بمذهب البطلان النسبي كجزاء لمخالفة قواعد التفتيش الموضوعية أو الشكلية، ما لم تكن تلك القاعدة متعلقة بالنظام العام. وبالتالي، يمكن للباحث أنْ يضبط ثلاثة شروط للدفع بالبطلان، وهي على النحو التالي:
يعتبر رضاء المتهم بتفتيشه أو بتفتيش منزله شرطًا من الشروط المسقطة للبطلان؛ إذ إن لكل شخص الحق في تقييد حريته الشخصية. ويصح ذلك، حتى لو كان التفتيش قد جرى بمعرفة أحد الأفراد، لا بمعرفة مأمور الضبط القضائي ما دام المتهم قد رضي بتفتيشه. وفي هذا نجد أن المشرع القطري قد أجاز تفتيش المتهم برضائه، وتفتيش المسكن برضاء حائزه، وفي حال عدم الرضاء بالتفتيش فإنّ الإجراء المتخذ بالتفتيش يعتبر غير قانوني، وذلك وفقًا لنص المادة (52) من قانون الإجراءات الجنائية القطري.
أما فيما يتعلق بالشرط الثاني، فإن الدفع ببطلان التفتيش لا يقبل من الطاعن ما لم يجر تفتيشه شخصيًّا، أو من غير حائز المنزل أو المكان الذي جرى تفتيشه، وتطبيقًا لذلك قضي بأن للزوجة، وهي تساكن زوجها وتحوز المنزل في غيبته من الصفة بوصف كون المنزل منزلها، مما يخول لها الدفع ببطلان التفتيش الذي تتأذى من حصوله بغير رضاها وتضار بنتيجته، ما دام الزوج قد رضي به قبل حصوله70.
وفيما يتعلق بالتنازل عن الدفع بالبطلان إذا كان صريحًا، فإنه لا يثير أي صعوبة، فمن يقبل التفتيش الباطل قبل إجرائه، يمكنه التنازل عن الدفع بالبطلان بعد إجرائه. أما التنازل الضمني فمن صوره حضور محامي المتهم في جناية أو جنحة أو إجراء التفتيش دون اعتراض منه71. وفي هذا السياق، نجد أنّ المشرع القطري قد أورد في المادة (259) من قانون الإجراءات الجنائية فيما يتعلق بسقوط الحق في الدفع بالبطلان؛ حيث جاء في نص المادة أنه: "في غير حالات البطلان المتعلق بالنظام العام، يسقط الحق في الدفع ببطلان الإجراءات الخاصة بالتحقيق الابتدائي، أو التحقيق بالجلسة، بالنسبة للمتهم إذا كان له محامٍ وحصل الإجراء في حضوره دون اعتراض منه، ويسقط حق الدفع بالبطلان بالنسبة للنيابة العامة إذا لم تتمسك به في حينه."
بالنظر إلى الشرطين السابقين، يجد الباحث أنّ المشرع القطري قد أشار في المادة (258) من قانون الإجراءات الجنائية القطري إلى أنه: "فيما عدا الحالات التي يتعلق فيها البطلان بالنظام العام، لا يجوز أن يتمسك بالبطلان إلَّا من شرع لمصلحته، ما لم يكن قد تسبب فيه، ويزول البطلان إذا نزل عنه من شرع لمصلحته صراحة أو ضمنًا."
أما المشرع الأردني، فقد أفرد أحكامًا عامة لبطلان الإجراءات في المادة (7) من قانون أصول المحاكمات الجزائية؛ حيث أخذ المشرع بالمبدإ العام الذي يقضي ببطلان الإجراءات اللاحقة للتفتيش الباطل، شريطة أن تكون هذه الإجراءات اللاحقة مبنية على مثل هذا التفتيش، وذلك وفقًا لنص المادة (7/4) "لا يترتب على بطلان الإجراءات السابقة له أما الإجراءات اللاحقة به فلا تكون باطلة إلَّا إذا كانت مبنية على الإجراء الباطل". وفي ذات المادة الفقرة الثالثة "يزول البطلان إذا تنازل عنه من شرع لمصلحته صراحة أو ضمنًا وذلك باستثناء الحالات التي يتعلق فيها البطلان بالنظام العام".
وبالنظر في نص المادة (262) من قانون أصول المحاكمات الجزائية "إذا نقض الحكم، وأعيد لإجراء المحاكمة مجددًا، فتجري المحكمة المحاكمة مجددًا في الدعوى كلها أو في الجزء المنقوص منها، وتتبع في ذلك ما ورد في قرار النقض دون مساس بالقرارات والإجراءات التي لم يتناولها قرار النقض، وتصدر حكمًا جديدًا في الدعوى أو الجزء المنقوص منها فقط".
ما يمكن أن يستخلصه الباحث من نص المادة السابقة، هو أنّ بطلان الإجراءات السابقة لا ينسحب على الإجراءات اللاحقة. إنّ بطلان التفتيش يؤدي إلى بطلان الدليل المستمد منه، دون أن ينسحب ذلك على باقي الإجراءات التحقيقية الأخرى، وما ينتج عنها من أدلة. وإذا تقرر بطلان التفتيش؛ فإن الضبط الذي تمّ تنظيمه حول هذا التفتيش هو ضبط باطل، أما الدليل المتحصل من الأشياء المضبوطة التي أسفر عنها التفتيش الباطل لا يجوز الاعتماد عليها، كما لا يجوز للمحكمة أن تعتمد على شهادة موظفي الضابطة العدلية الذين قاموا بإجراء التفتيش الباطل؛ لأنّ المحكمة تكون بذلك قد اعتمدت على شهادات ومعلومات مستمدة أصلًا من إجراء مخالف للقانون72.
إذا تمسك صاحب الحق بالدفع ببطلان التفتيش الباطل، وجب الحكم به، ويترتب على ذلك بطلان جميع الآثار التي تترتب عليه مباشرة، ويلزم إعادته متى أمكن ذلك. فالتفتيش الذي يجريه رجال الضابطة العدلية لمنزل أحد الأفراد دون رضاء من صاحب المنزل، أو إذن من السلطة المختصة، أمر محظور، يعتبر هذا التفتيش في تلك الحالة باطلًا قانونًا، ولا يصح للمحاكم الاعتماد عليه، ولا على شهادة مَن أَجْروهُ؛ لأنّ مثل هذه الشهادة متحصلة عن أمر ارتكبوه مخالف للقانون، وعليه فإن الحكم الذي يؤسّس على التفتيش الباطل، أو على أقوال رجال الشرطة الذين أجروه، ولم يكن له سند في الإدانة غير محضر التفتيش يكون باطلًا73.
لا يترتب على بطلان التفتيش براءة المتهم، بل يقضي استبعاد الأدلة المستمدة من ذلك التفتيش، وعدم الاعتداد بها في الإثبات، أما فيما يتعلق بالأدلة الأخرى التي لا شأن للتفتيش بها، كالمعاينة، أو القرائن غير المستمدة منه أو المتصلة به، أو شهادة غير من أجرى التفتيش، أو كالاعتراف الذي قد يصدر من المتهم حُرًّا غير متأثر فيه بالإجراء الباطل، كونه حصل بعد فترة كافية منه وأمام سلطة أخرى غير تلك التي تحملت مسؤولية الإجراء الباطل، فللمحكمة أن تأخذ به ما دام يصلح أن يكون من عناصر الإثبات74.
وفي هذا قضت محكمة التمييز الأردنية أنه: "تعتبر وقائع الإفادة التحقيقية التي يدلي بها المتهم لدى المدعي العام ويعترف فيها بما لها من صلاحية في وزن البينات وتقديرها الأخذ به واعتماده باعتباره بينه قانونية"75. كما قضت محكمة التمييز الأردنية بأنّ: "الادعاء بأن المخدرات ضبطت في منزل المتهم نتيجة تفتيش جرى دون إذن المدعي العام وخلافًا للأصول مما يستوجب استبعاد نتيجة هذا التفتيش، لا يرد على الحكم المميز طالما أن محكمة الموضوع لم تستخلص قناعتها من التفتيش وإنما استخلصتها من اعتراف المميزين وأقوال الشهود"76.
يسري بطلان التفتيش بأثر رجعي، أي من لحظة مباشرة التفتيش الباطل، وليس من لحظة بتّ المحكمة في الدفع ببطلان التفتيش. وبالتالي يمكن القول بأن للبطلان أثرًا كاشفًا وليس منشئا؛ إذ إنه موجود من لحظة القيام بالعمل، وأنّ قضاء المحكمة بالبطلان لا يعدو عن كونه كشفًا عن حالة الوجود هذه77. وعلى ذات النهج سار المشرع القطري؛ إذْ نص في المادة (262) من قانون الإجراءات الجنائية بالتالي: "إذا كان الإجراء باطلًا، وتوفرت فيه عناصر إجراء آخر فإنه يكون صحيحًا باعتباره الإجراء الذي توفرت عناصره، وإذا كان الإجراء باطلًا في شق منه فإن هذا الشق وحده هو الذي يبطل. ولا يترتب على بطلان الإجراء بطلان الإجراءات السابقة عليه، أو الإجراءات اللاحقة، إذا لم تكن مترتبة عليه مباشرة".
وقد قضت محكمة التمييز القطرية بأنّ: "الدفع ببطلان تفتيش غرفة الطاعن. لا يكون من غير حائزها. باعتباره قد شرع للمحافظة على حرمة المكان. تَخلِّي الطاعن عن حيازة الغرفة التي جرى تفتيشها. أثره: عدم جواز التذرع ببطلان التفتيش لهذا السبب"78.
كما قضت محكمة التمييز القطرية بأنّ: "الإذن الصادر من النيابة العامة بناء على التحريات بتفتيش شخص معين ومن يتواجد معه وقت التفتيش لمظنة اشتراكهم في الجريمة التي أذن بالتفتيش من أجلها دون تسميته أو تواجده في حالة تلبس بالجريمة قبل تنفيذ الإذن أو حصول التفتيش. صحيح. وللمحكمة التعويل على الدليل المستمد من إجراء القبض والتفتيش والإعراض عن دفاع الطاعن في هذا الشأن"79. كما قضت المحكمة بأن: "صدور إذن النيابة العامة بضبط وتفتيش المتهم بناء على تحريات ورد بها أن الطاعن يتجر في المواد المخدرة. مفاده: أن الإذن صدر لضبط جريمة تحقق وقوعها من الطاعن وليس عن جريمة مستقبلية. النعي على الحكم ببطلان كافة النتائج التي أسفر عنها هذا الإجراء. غير مقبول"80.
أما قاعدة ما بُني على باطل فهو باطل، فإنّها تثير مسألة على غاية من الأهمية تتعلق بماهية المعيار الذي يبين مدى العلاقة التي تربط بين التفتيش الباطل والأعمال التالية له حتى يمتد إليها البطلان. ويمكن القول، إن هناك عدة معايير فقهية إزاء هذه المسألة، إلَّا أن المعيار السائد والأقرب إلى الحكمة التي توخاها المشرع من وراء هذه القاعدة، تتمثل في أن العمل اللاحق يعتبر مرتبطًا بالعمل السابق، إذا كان هذا الأخير مقدمة ضرورية وشرعية لصحة العمل اللاحق، وذلك على أساس أن القانون هو الذي يبين أهمية الإجراء الباطل بالنسبة لما تلاه من إجراءات؛ فإذا أوجب مباشرة إجراء معين قبل آخر؛ بحيث يصبح الإجراء الأول بمثابة السبب الوحيد للإجراء الذي تلاه، كان هذا الإجراء الأول شرطًا لصحة الإجراء التالي له؛ فإذا بطل ترتب عليه بطلان الإجراء الذي بُني عليه81.
يخلص الباحث ممّا سبق إلى القول، إنّ الدفع بالبطلان هو دفع جوهري يستلزم من صاحب الشأن أن يدفع به؛ لأنه ملزم وجوبًا بالرد على هذا الدفع، وبالتالي فإنه لا يجوز للقاضي أن يقضي من تلقاء نفسه ببطلان التفتيش، وإذا قضى في ذلك كان الحكم معيبًا بالقصور في التسبيب. كما أنه متى تقرر بطلان التفتيش فإن ذلك من شأنه أن يؤدي إلى بطلان الإجراءات اللاحقة عليه شريطة أن تكون تلك الإجراءات مبنية على ذلك التفتيش الباطل، كما أن بطلان التفتيش لا يؤدي إلى بطلان الإجراءات السابقة عليه. أما فيما يتعلق بأهم ما يترتب على بطلان التفتيش فهو بطلان ضبط الأشياء التي أسفر عنها التفتيش، بالإضافة إلى عدم جواز استخلاص الدليل من شهادة الذي أجرى التفتيش الباطل.
تصحيح التفتيش الباطل
يرى جانب من الفقه فيما يتعلق بتصحيح الإجراء الباطل، بأنه يكون بإعادته مع تلافي العيب الذي كان قد شابه وأدى إلى بطلانه، ولا يكون له أثر رجعي، وأن الإجراء الجديد لا ينتج أثره إلَّا من تاريخ اتخاذه. أما الحكمة من تخويل القاضي أو المحقق هذه السلطة، هي الحدّ من آثار البطلان، خاصة في الأحوال التي يستتبع فيها بطلان الإجراء بطلان إجراءات لاحقة عليه ومترتبة عليه مباشرة، فيستبدل القاضي بالإجراء الباطل إجراء صحيحًا ويستقيم بذلك سير الدعوى82.
هناك حالات لا يمكن معها تصحيح الإجراء الباطل، كما لو توفي الخبير الذي قدم خبرته في الدعوى الجزائية من دون أن يحلف اليمين، أو في حالة إذا زال الاختصاص ممّن قام بالإجراء، كما لو اكتشف قاضي التحقيق أو المحقق أنّ هناك عيبًا في الإجراء الذي قام به بعد إحالة القضية إلى محكمة الموضوع، فلا يتسنى له إعادة الإجراء الباطل بشكله الصحيح، أو في حالة وفاة الشاهد الذي أدَّى الشهادة دون حلف اليمين83.
لم يجد الباحث في قانون أصول المحاكمات الجزائية الأردني أنّ المشرع قد عالج مسألة تصحيح الإجراء الباطل، بخلاف المشرع القطري الذي أفرد نصًّا خاصًّا لتصحيح الإجراء الباطل؛ حيث نصت المادة (261) من قانون الإجراءات الجنائية القطري على أنه: "يجوز تصحيح الإجراء الباطل ولو بعد التمسك بالبطلان، على أن يتم ذلك في الميعاد المقرر قانونًا لاتخاذ الإجراء، فإذا لم يكن للإجراء ميعاد مقرر في القانون، حددت المحكمة ميعادًا مناسبًا لتصحيحه، ولا يعتد بالإجراء إلَّا من تاريخ تصحيحه".
التفتيش إجراء من الإجراءات الماسة بِالحرية الشَخصية بِهَدَف حِمَايَة المَصلَحَة العَامّة، وإقرَار حَق الدولَة في تَوقِيع العِقَاب عَلَى مُرتَكِبي الإجرَام؛ لأنّ هُنَاكَ مَصلَحَتَينِ جَدِيرَتَينِ بِالحِمَاية هُمَا: مَصلَحَة الفَرد وَمَصلَحَة المُجتَمَع. وأمَام هَذَا الصِّرَاع بين المَصلَحَتَين، يَتَعَيّن على المُشَرع خَلق نَوع مِنَ التّوَازُن بين حِمَايَة حُقُوق الأفراد وَحُرّيَتهم، عَلَى أسَاس قَاعِدَة "أنّ الأصلَ في الإنسَان البَرَاءة"، وحِمَايَة حَق المُجتَمَع في مُكَافَحَة الجَرِيمَة وَمُعَاقَبَة الجُنَاة من خِلال التّجرِيم وَالعِقَاب".
إنّ تفتيش الأشخاص أو المنازل هو إجراء من إجراءات التحقيق، يمسّ حقًّا منحه القانون حرمة خاصة لغاية أساسية قدّرها المشرع بعد وقوع جريمة، تتمثل في كشف الحقيقة. وهو إجراء قانوني يتطلّب إصدار إذنٍ من المدعي العام المختص لموظفي الضابطة العدلية/ الضبط القضائي لإجرائه، مع مراعاة الشروط الشكلية والموضوعية التي حددها القانون لذلك. إلَّا أنه في بعض الحالات، كالتفتيش في حالة الجرم المشهود والقبض الناتج عنه لا يستلزم مثل هذا الإذن.
هناك إجراءات أخرى تختلف مع التفتيش القضائي في شروطها وأهدافها والغاية من إجرائها، فقد يكون دخول المنازل لتطبيق القوانين والأنظمة، أو قد تتطلبه حالة الضرورة وهي من الأهمية بمكان أن يعرفها موظفو الضابطة العدلية/ الضبط القضائي، للمحافظة على حقوق وحريات الأفراد المصانة دستوريًّا، دون المساس بها إلَّا ضمن الحدود التي حدّدها القانون تحت طائلة بطلان إجراءات التفتيش وتحت طائلة المسؤولية الجزائية.
وقد استعرض الباحث في هذه الدراسة أحكام التفتيش، من حيث سبب التفتيش بصورة عامة، والجهة المختصة بإجرائه، وصلاحية موظفي الضابطة العدلية/ الضبط القضائي في التفتيش في الأحوال الاستثنائية التي وردت في القانون على سبيل الحصر. كما تناول الباحث الأثر المترتب على مخالفة أحكام التفتيش.
أوَّلًا: النتائج
تَوَصّلَت الدّرَاسَة إلى بعض النتَائِج والتوصيات نتناولها كما يلي:
ثانيًا: التوصيات
التشريعات والأحكام القضائية
أستاذ علم الجريمة المساعد، قسم العلوم القانونية، كلية الشرطة، قطر.
المشاهدات
التحميلات
الاستشهادات
المؤلفون
إصدار
السنة