يتميز قانون التحكيم القطري رقم (2) لسنة 2017 بإعلاء مبدأ سلطان الإرادة الإجرائي (المادة 3) بشكل يتفوق على قانون الأونسيترال النموذجي (المادة 2/د)، فعلى سبيل المثال فإن قرارات مؤسسة التحكيم بشأن تعيين المحكم "نهائية" و"غير قابلة للطعن" (المادة 11/7).
تندرج مشاكل تعيين المحكم في التحكيم المؤسسي في فئتين رئيسيتين: تعذر التشكيل، أو التشكيل المشكوك في صحة اتفاقه مع اتفاق الأطراف أو القانون الآمر. حلل الباحث النصوص القانونية ذات الصلة، في ضوء أفضل الممارسات؛ وانتهى إلى توصية القضاء القطري بأن يعلن اختصاصه في الإشراف ومراجعة قرارات مؤسسات التحكيم في تعيين المحكمين، وذلك بمناسبة دعوى تعيين المحكم، ودعوى بطلان حكم التحكيم، ومنازعة الأمر في تنفيذه، عندما يتفق على إجراء التحكيم في دولة قطر؛ سواء كانت مؤسسة التحكيم وطنية أم أجنبية. فوظيفة مؤسسة التحكيم في تعيين المحكم ذات طبيعة عقدية، وقراراتها - من ثم - ليست بعمل قضائي.
على أن الباحث أوصى: على القضاء القطري عدم الاندفاع إلى إبطال شروط التحكيم المؤسسية المعتلة أو التي تواجه صعوبات في التنفيذ؛ فأفضل الممارسات القضائية تنتهي بتحويلها إلى شروط تحكيم حر أو بتقديم خارطة طريق للمحتكمين، فضلاً على عدم إبطال تشكيل هيئة التحكيم عند خروج مؤسسة التحكيم على اتفاق الأطراف في تحكيم معجل، بموجب قواعد مؤسسة التحكيم، لم يستبعد الأطراف تطبيقها، كما هو حال قواعد تحكيم غرفة التجارة الدولية لعام 2017.
يتفرَّع عن رخصة اللجوء إلى التحكيم حق الأطراف في منح شخصٍ من الغير “third party – le tiers” سلطة اتخاذ إجراء تحكيمٍ، أجاز القانون للطرف اتخاذه بنفسه(1. وذلك سواءً كان ذلك الغير: شخصًا طبيعيًّا أم معنويًّا، بما في ذلك مؤسسة التحكيم الدائمة “Permanent Arbitral Institute – Arbitrage institutionnel permanant”(2، وسواء كانت مؤسسة التحكيم من داخل الدولة أم من خارجها(3. وهو المبدأ الذي يشهدُ أفضل تطبيقاته مؤخرًا، في ظل غلبة اللجوء إلى التحكيم المؤسسي؛ أو ما بات يُطلق عليه: "مؤسسيَّة التحكيم" “institutionalization of arbitration”(4.
علمًا بأن مؤسسات التحكيم – العصرية – لم تعُد تكتفي بتقديم خدمة إدارة التحكيم بالتطبيق لقواعدها، وهو "التحكيم المؤسسي" “Institutional Arbitration – Arbitrage institutionnel” بمعنى الكلمة، فهي لا تُمانع أيضًا في تقديم بعض خدماتها لصالح التحكيم الحر “ad hoc”، باعتبارها "سلطة تعيين" “Appointing Authority - Autorité de désignation”(5، فيقتصر دورها على تعيين المحكم دون إدارة التحكيم. بل أنه لا يوجد ما يمنع من أن يقتصر دور مؤسسة التحكيم على تسمية من يقوم بتعيين المحكم – مع بقاء التحكيم حرًا - عند تعذر التعيين بمعرفة الأطراف، وهي الحالة المعروفة بالتمتع بما يسمى "سلطة التسمية" “Designated Authority - Autorité de nomination” (6. بل إن من المظاهر المستحدثة خلال العشر سنوات الماضية أن بعض مؤسسات التحكيم تقبل إدارة تحكيم يخضع لقواعد مؤسسات تحكيم أخرى(7.
وبذلك يُقصد بالتعيين المؤسسي للمحكم كل حالات تمتُّع مؤسسة التحكيم بسلطة في تعيين المحكم، سواءً بصفة أصلية أم احتياطية، وسواءً كان التحكيم مؤسسي، أم كان حرًا مع منح مؤسسة التحكيم سلطة تعيين المحكم، بشكل مباشر (سلطة تعيين) أو غير مباشر (سلطة تسمية). وسواءً كانت مؤسسة التحكيم تقوم بالتعيين بتطبيق قواعدها أم قواعد مؤسسة تحكيم أخرى.
ثانيًا – أولوية التعيين المؤسسي للمحكم
يُفترض أن تحكُم المحكمة المختصة بشؤون التحكيم – في الدولة – بعدم قبول طلب تدخلها في رقابة "تعيين المحكم" “appointment of arbitrator – désignation de l’arbitre”، وذلك عند تمتع مؤسسة التحكيم بسلطة في هذا التعيين. فذلك الطلب في حقيقته اعتراضٌ على صحة حكم تحكيم قبل صدوره؛ أي رفعٌ لدعوى بطلان حكم التحكيم قبل أوانه(8.
فعلى القضاء – أثناء إجراءات التحكيم المؤسسي - ألّا يتدخل في شؤون تعيين المُحكَّم؛ إلّا عند "عجز" “carence” مؤسسة التحكيم في القيام بذلك(9، فيتدخل لمعاونة التغلب على عقبة التشكيل(10. أمَّا رقابة القضاء – في هذا الشأن – فهي لا تكون إلّا لاحقة على صدور حكم التحكيم، بمناسبة دعوى بطلان حكم التحكيم، أو صدور الأمر بتنفيذه.
تتميَّز دولة قطر بقانون تحكيم في المواد المدنية والتجارية (لاحقًا قانون التحكيم) – والصادر بموجب القانون رقم (2) لسنة 2017(11 – وُضِعَ على منوال قانون الأونسيترال النموذجي. وهو قانون يقوم في شأن التعيين المؤسسي للمحكم على الحد من تدخل القضاء قبل صدور حكم التحكيم، مع التركيز على الرقابة القضائية اللاحقة. ومع ذلك؛ فإن قانون التحكيم القطري يتمتَّع ببعض النصوص المختلفة عن القانون النموذجي في هذا الشأن، والتي تثير عدة تساؤلات تتعلَّق برقابة القضاء القطري على التعيين المؤسسي للمحكم، وهي تشكل في مجموعها مشكلة هذا البحث.
فقانون التحكيم القطري يساوي بين مصير قرار مؤسسة التحكيم في تعيين المحكم – عندما تعمل بوصف "السلطة الأخرى" “other authority” - وقرار المحكمة القطرية المختصة في هذا التعيين(12، فكلاهما يتمتع بـ "النهائية" و"عدم القابلية للطعن". وبذلك يَحِقُ التساؤل: هل يجوز للقضاء القطري التدخل عند عدم قيام مؤسسة التحكيم بمهمة التعيين؟ وكيف يمكن أن يكون هذا التدخل؟ وهل يجوز للقضاء – مثلًا - أن يأمر مؤسسة التحكيم باتخاذ إجراءٍ يتعلَّق بالتعيين، أم يقوم هو بنفسه بالتعيين؟
كذلك، هل لهذا القضاء أن يُعيد تكييف اتفاق تحكيم مؤسسي ليجعله حرًا دون أن يعيَّن المحكم، الذي رفضت مؤسسة التحكيم تعيينه؟ أم يجعله حرًا، ويقوم هو بالتعيين؟ وهل يستطيع هذا القضاء أن يختار مؤسسة تحكيم لتكون هي المُعيَّن لذلك المحكم؟
وفي شأن التحكيم المؤسسي الأجنبي الذي يجري في دولة قطر، نتساءل كذلك: هل يؤثر كون مقر مؤسسة التحكيم في الخارج على سلطة القضاء القطري في تعيين المحكم – العضو في هيئة تحكيم تدار بوساطة تلك المؤسسة - في دولة قطر؟ وما مدى سلطة القضاء القطري في شأن الرقابة على قيام تلك المؤسسة بتعيين المحكم في دولة قطر؟
تعود أهمية الإجابة عن التساؤلات السابقة إلى أن قانون التحكيم القطري قد قلَّص من فرص رقابة القضاء على سير إجراءات التحكيم، فأغلبها أصبح على درجة تقاضٍ واحدة(13)، وذلك أمام دائرة منازعات التحكيم المدني والتجاري بمحكمة الاستئناف، كأصلٍ عامٍ، مع إمكانية منح هذا الاختصاص – عند اتفاق الأطراف - للدائرة الابتدائية بالمحكمة المدنية والتجارية لمركز قطر للمال(14.
علمًا بأن اتفاقية نيويورك لعام 1958 قد حرصت على أن تجعل عدم الإخطار بتعيين المحكم سببًا قائمًا بذاته لمنع منح الأمر بتنفيذ حكم التحكيم الأجنبي(15. وهو السبب الذي انتقل إلى القانون النموذجي – وقانون التحكيم القطري نقلًا عن القانون النموذجي(16 - في صورةٍ خاصةٍ لبطلان حكم التحكيم(17، ورفض الأمر بتنفيذه(18. فضلًا عن أن الخلل في تشكيل هيئة التحكيم بسبب تعيين المحكمين هو أحد أسباب دعوى بطلان حكم التحكيم(19، ورفض الأمر بتنفيذه(20.
وحيث إن الإجابة على تساؤلات البحث تتطلَّب تحليلًا لأكثر تطبيقات القواعد القانونية ذات الصلة لأجل ردَّها إلى أصولها؛ إذ إنه يناسب مناقشتها المنهج التحليلي؛ ونظرًا لأن طبيعة الموضوع ليست محلية صرفة، بل قد تتنازعها القوانين، وهي تدور في إطار تطبيق القانون النموذجي للتحكيم - والذي يفترض وحده تفسيره(21 بالاستئناس بأفضل الممارسات العالمية – فإننا سوف نستعين بالمنهج المقارن. ومن المعلوم أن القضاء القطري قد سبق له تقديم اجتهاد في بعض الأسئلة السابق إثارتها – بالاستناد على نصوص التحكيم المُلغاة – لذلك سوف نستعين أيضًا بالمنهج التاريخي.
وأخذًا في الاعتبار بأن المشاكل البحثية المثارة تتعلَّق برقابة القضاء القطري على قيام مؤسسة التحكيم بتعيين المحكم؛ فإننا سوف نبدأ بحثنا بتكييف قرار مؤسسة التحكيم في هذا التعيين، سواءً في قانون التحكيم القطري الحالي، أم في ظل نصوص التحكيم السابقة عليه، وسواءً في ضوء النص أو الاجتهاد القضائي، وذلك مع الاستئناس بأفضل الممارسات الفقيهة والقضائية المقارنة، بهدف تحديد أوجه تلك الرقابة ومداها في ظل قانون التحكيم الحالي.
وترتيبًا على ما تقدم؛ فإن هذا البحث يتناول محورين نخصص لكلٍ منهما مبحثًا مستقلًا، ألا وهما: تكييف قرار مؤسسة التحكيم في تعيين المحكم (المبحث الأول)، ثم كيفية الرقابة القضائية على تلك القرارات (المبحث الثاني).
تكييف قرار التعيين المؤسسي للمحكم
حكم التحكيم هو نتاج قيام العديد من الجهات بمهام ميسرَّة للوصول إلى هذا الهدف. إنها المهام التي أطلق عليها القانون النموذجي – ومنه نقل قانون التحكيم القطري لعام 2017: "الوظائف" “functions”(22. إنها الوظائف – التي تتوزَّع في قانون التحكيم القطري لعام 2017 - بين المحكمة المختصة، والسلطة الأخرى، وهيئة التحكيم. القيام بتلك الوظائف، يتم بموجب قرارات “decisions”، متنوعة من حيث التكييف القانوني(23. ونركز في هذا المبحث على تكييف قرار مؤسسة التحكيم عندما يتعلَّق بتعيين المحكم.
وقبل التعرُّض لتكييف قرار مؤسسة التحكيم في تعيين المحكم بالتطبيق لقانون التحكيم القطري لعام 2017؛ فإنه يلزم الاستعانة بأفضل الممارسات في الفقه والقضاء المقارن (والتي تمثلها التجربة الفرنسية لثرائها)، مرورًا بالاجتهاد القضائي القطري لتطبيق نصوص قانون التحكيم المُلغاة، قبل نفاذ قانون التحكيم لعام 2017. ومن ثمَّ، ينقسم هذا المبحث إلى: تكييف قرار مؤسسة التحكيم في التعيين من المنظور الفرنسي (المطلب الأول)، ثم القطري (المطلب الثاني).
تكييف قرار التعيين المؤسسي للمحكم – المنظور الفرنسي
يتصل تكييف قرار مؤسسة التحكيم في التعيين بالنظرية العامة لـ "العمل القضائي" “Jurisdictional Act – Acte juridictionnel”. ونظرًا لأن النظام القانوني في دولة قطر ينتمي إلى النظام القانوني اللاتيني، وبخاصة على صورته الفرنسية، ونظرًا لثراء التجربة الفرنسية في شأن تكييف مهمة وقرارات مؤسسة التحكيم؛ فإن المحاكم القطرية – ومثيلاتها في الدول العربية – مدعوة إلى الاطلاع على التجربة الفرنسية، سواءً من حيث موقف الفقه والقضاء، أم من حيث النتائج المترتبة على هذا التكييف.
موقف الفقه والقضاء الفرنسي من تكييف التعيين المؤسسي للمحكم
يقول الفقيه الفرنسي "ريمي جوربيه" “Rémi Gerbay”- أو بحسب لقبه "جوربيه" - في رسالته للدكتوراه حول وظائف مؤسسات التحكيم والمنشورة كتابًا في 2016 - أن القضاء الفرنسي يتميَّز بثرائه - بالمقارنة بقضاء الدول الأخرى – حول تكييف قرارات مؤسسات التحكيم(24، وذلك لعدة أسباب أهمها وجود مقر المحكمة الدولية للتحكيم بغرفة التجارة الدولية بباريس، وهو يقول بأن الفقه المقارن لم يبدأ الاهتمام بهذا الموضوع إلّا عقب صدور السوابق القضائية الفرنسية، فعليها يُبنى القضاء المقارن(25. ويُعدُّ تحليل "جوربيه" للسوابق القضائية الفرنسية في هذا الشأن، من أحدث الدراسات وأكثرها تكاملًا؛ لذا نعتمد على نتائجها على النحو التالي بيانه.
أولًا - الاجتهاد القضائي الفرنسي
يرى "جوربيه" أن الاتجاه الغالب في اجتهاد القضاء الفرنسي هو نحو التكييف الإداري لقرار مؤسسة التحكيم، مع ملاحظة وجود اجتهاد قضائي نحو التكييف القضائي، وإن لم يكن يرتب آثاره.
(1) الاتجاه الغالب: التكييف الإداري لقرار مؤسسة التحكيم
انتهى "جوربيه" في تحليله لأهم القضايا الفرنسية بشأن تكييف مهمة وقرارات مؤسسات التحكيم إلى أن القضاء الفرنسي – الغالب – قد رفض الاعتراف بالطبيعة القضائية لتلك المهمة، ومن ثم انتهى إلى الطبيعة "غير القضائية" لقرارات تلك المؤسسات(26.
ويلاحظ "جوربيه" أن الاجتهاد القضائي الفرنسي قد بدأ متحفظًا، فكان يركز في حكمه على القرار المؤسسي محل الاعتراض، وعلى المؤسسة التي صدر عنها هذا القرار، وكان يكتفي بأن يصف القرار بأنه "غير قضائي"، ودون أن يحسم تكييفه (أو كما يقول هو "طبيعته")، عندئذ(27. وهو ما نصفه نحن بالتكييف السلبي، في مقابل التكييف الإيجابي.
ويقول "جوربيه" أن أول اجتهاد قضائي قد تحقَّق في هذا الشأن – دون أن يلقى اهتمامًا فقهيًا في أول الأمر(28 – كان في شأن القرار غير المسبب للمحكمة الدولية للتحكيم في شأن مد أجل إجراءات التحكيم، وذلك في قضية “Dragon”(29، وبخاصة في حكم استئناف باريس الصادر في 22/1/1982(30، والمؤيد بحكم محكمة النقض الفرنسية الصادر في 8/6/1983(31.
وهو ما أعقبه قضاءٌ مطابق في شأن التكرار الآلي لمد آجال إجراءات التحكيم من قبل المحكمة الدولية للتحكيم، بشأن تحكيم يجري في لندن، وذلك دون تسبيب، وبغير مشورة الأطراف، وذلك في قضية “Techni Import Professionnel”(32، وبخاصة في حكم محكمة استئناف باريس الصادر في 17/5/1983(33.
وعقبه يأتي تكييف قرار المحكمة الدولية للتحكيم بقبول رد محكم وتعيين بديل، وذلك في قضية مصافي بترول حمص وبنياس(34، وبخاصة في حكم المحكمة الابتدائية الصادر في 28/3/1984(35، ثم حكم استئناف باريس الصادر في 15/5/1985(36.
كذلك، تكييف قرار المحكمة الدولية للتحكيم في شأن رفض رد المحكم دون تسبيب في قضية “Opinter”(37، وبخاصة في حكم استئناف باريس الصادر في 15/1/1985(38، والمؤيد بحكم محكمة النقض الصادر في 7/10/1987(39.
وكذلك، تكييف قرار غرفة تحكيم باريس “Chambre Arbitrale de Paris”– وهي مؤسسة تحكيم غير المحكمة الدولية للتحكيم بغرفة التجارة الدولية – بمناسبة قراراها تطبيق قواعد إجراءات الطوارئ بغير اتباع مبدأ المواجهة في قضية “SCPA”(40، وخاصةً في حكم استئناف باريس والصادر في 29/11/1985(41.
تتجه السوابق القضائية – سالفة الذكر - إلى أن قرار مؤسسة التحكيم "غير قضائي"، دون تعميم لهذا التحليل، من حيث المؤسسة أو القرار، بغير منح المهمة أو القرار، تكييفًا إيجابيًا. وذلك إلى أن جاء الاجتهاد القضائي في قضية “REDEC and Pharoan”، فنتوقف أمامه مع بعض التفصيل(42.
تتعلق قضية “REDEC and Pharoan” بتحكيم متعدَّد الأطراف قرَّرت فيه المحكمة الدولية للتحكيم الاختصاص المبدئي “prima facie” على الرغم من اعتراض بعض أطراف هذا التحكيم على التزامهم باتفاق التحكيم. حيث يتعلَّق النزاع بإنشاء مصنع أسمنت في باكستان، قامت بشأنه شركة “Uzineport” – الرومانية - بطلب تحكيم أمام المحكمة الدولية للتحكيم بغرفة التجارة الدولية بباريس ضد أربعة أطراف، وهم: (1) “Attock Cement Cie”، و(2) “Attock Cement Pakistan Ltd”، و(3) السيد غيث فارعون، و(4) شركة “REDEC”.
اعترض كل من السيد فارعون وشركة “REDEC” على الاختصاص؛ حيث ادّعى السيد فارعون أنه قد وقَّع بصفته رئيس مجلس إدارة الشركة المدعى عليها الأولى. أمَّا شركة “REDEC”؛ فقد استندت إلى أنها مجرد ضامن للمدعى عليها الثانية بصدد الوفاء بالقرض.
لجأ السيد فارعون وشركة “REDEC” إلى قاضي الأمور الوقتية بصفة عاجلة بباريس طالبًا إبطال قرار المحكمة الدولية للتحكيم بالاختصاص المبدئي، وهو ما رفضه القاضي بالاستناد إلى أنه: "بالقرار المبدئي بالسماح لطرف من الغير أن يشارك في تشكيل هيئة التحكيم؛ فإن محكمة التحكيم لغرفة التجارة الدولية لم تتخذ قرارًا ذا طبيعة قضائية - فهذا القرار وعلى العكس يدخل في الاختصاص الاستئثاري للمحكم - فهي تقرر إجراء ذا طبيعة إدارية، يهدف إلى الانتهاء من تشكيل هيئة التحكيم بالتطبيق لقواعد التحكيم"(43.
ويبرز "جوربيه" أهمية هذا الحكم في أمرين(44: الأول، فعلى الرغم من أن الحكم يؤكد على الصفة "غير القضائية" لأعمال مؤسسة التحكيم؛ إلّا أنه ولأول مرة يستخدم صفة "الإداري" “administrative”. الثاني، أنه وعلى خلاف الأحكام السابقة والتي كانت تحرص على أن تحد من نطاق تكييفها لعمل مؤسسة التحكيم، بحسب نوع القرار (مد ميعاد، رد محكم)، أو نوع المؤسسة (تحكيم غرفة التجارة الدولية، تحكيم غرفة تجارة باريس)؛ إلّا أن هذا الحكم يتضمَّن "تعميم ماسح" “sweeping generalization”؛ فكل قرارات مؤسسات التحكيم إدارية، وبغض النظر عن نوع القرار، أو نوع المؤسسة. ومع ذلك ينتقد "جوربيه" الحكم لأنه لم يقدم مبررًا لتوحيد المهمة القضائية “unity of jurisdictional mission” بجعلها للمحكم وحده(45. ويشير "جوربيه" إلى العديد من القضايا اللاحقة، والمطبقة لذات المبدأ، لا يتسع المقام لتناولها، كما أنها لا تضيف جديدًا، لموضوع بحثنا، فنتجاوزها.
(2) الاتجاه الاستثنائي: التكييف القضائي لبعض قرارات مؤسسة التحكيم
يُبرز "جوربيه" استقرار الاجتهاد القضائي الفرنسي على التكييف غير القضائي لمهمة وقرارات مؤسسة التحكيم. ومع ذلك، يلاحظ "جوربيه" أن بعض الأحكام القضائية الفرنسية تصف قرارات مؤسسة التحكيم بأنها قضائية، على أنها لا ترتب على ذلك الآثار القانونية لهذا التكييف. ويشير الفقيه "جوربيه" في هذا الشأن إلى قضية "غينيا" “Guinea”(46؛ والتي تتعلَّق بنزاع حول تحكيم مؤسسي تحت رعاية غرفة تجارة باريس، بشأن قرارات لهذه الغرفة بشأن "ردّ" “récusation” غينيا لاثنين من المحكمين.
ففي هذا الشأن حكمت المحكمة الابتدائية بباريس في 23/6/1988 بأنه: "في شأن ردّ المحكمين، يُشكل القرار جزءًا من الوظيفة القضائية حينما يهدف إلى حسم النزاع بشأن شخصية المحكم وليس المنازعة؛ فهذا القرار يكون بشكل أساسي تنظيمًا للتحكيم، وبصفة خاصة تشكيل هيئة التحكيم ... على الرغم من أن البت في الدفع بشأن شخص المحكم، مثل أي عمل قضائي، ينبغي أن يتوافق مع المبادئ الأساسية في التقاضي وحق الدفاع ..."(47.
ومع ذلك يحذر "جوربيه" بعدم المبالغة حول هذا الحكم، فهو يصدر من محكمة درجة أولى، وهو منعزل، ولا يتناسق مع أحكام محكمة النقض الفرنسية السابق الإشارة إليها(48. ومن جهة أخرى – وهذا هو الأهم – فإن الحكم قد انتهى إلى عدم إمكانية نظر قرارات مؤسسة التحكيم (غرفة تحكيم باريس)، قبل نظر حكم التحكيم المنهي للنزاع، بالتطبيق لتلك القرارات. أي إن الحكم – ومن الناحية الفعلية – قد أخذ بالطبيعة غير القضائية لقرار مؤسسة التحكيم في الرد(49.
ثانيًا - الاجتهاد الفقهي الفرنسي
يغلُب على الاجتهاد الفقهي الفرنسي مناصرة التكييف غير القضائي لقرارات مؤسسات التحكيم، مع ملاحظة أن بعض الفقه ينتقد استبعاد إمكانية التكييف القضائي لبعض قرارات هذه المؤسسات.
(1) غلبة الاتجاه الفقهي للتكييف غير القضائي
على الرغم من أن الاتجاه الفقهي الغالب في فرنسا يجمع على التكييف غير القضائي لقرارات مؤسسات التحكيم، وبصفة خاصة وصفها بأنها عمل "إداري"، إلّا أن بعض الفقه الحديث يُناصر ضبط التكييف بوصف العمل بأنه "عقدي".
ينتشر في الفقه المقارن وصف مهمة مؤسسة التحكيم وقراراتها بأنها "إدارية" “administrative”(50. ولقد انتهى "جوربيه" إلى صعوبة تحديد أصل وصف عمل مؤسسة التحكيم في فرنسا بأنه إداري(51، على أنه ينطلق من ملاحظة – يتردَّد في تأكيدها – مفادها أنه لربما توجد علاقة بين ظهور صفة "الإداري" في قواعد تحكيم غرفة التجارة الدولية(52، وتبنِّي المشرع الفرنسي في العام 1980 نصًا (المادة 1451 من قانون المرافعات(53) يمنع من أن تقوم مؤسسة التحكيم بالتحكيم – في التحكيم الداخلي - بذاتها، أي منع المحكم من أن يكون شخصًا معنويًا(54.
في رأينا يمكن نقد نظرية العمل "الإداري"، بأنها تقدم تكييفًا، ولكنه مضلَّلًا. فهي تعطي الانطباع بأن العمل يخضع للقانون الإداري، وهذا غير صحيح(55. وهو ما حسمه القضاء الفرنسي، برفض اعتبار مهمة مؤسسة التحكيم وظيفة عامة، تديرها مؤسسة التحكيم بموجب قرار إداري(56.
لذا؛ فإننا نتَّفق مع الفقه الذي يُكيَّف قرارات مؤسسة التحكيم بأنها "عقدية" “contractuelle”. ويبرُز في هذا الاتجاه، الفقيه الفرنسي "شارل جاروسون" “Charles Jarrosson”(57. وأساس النظرية "العقدية" أن سلطة مركز التحكيم في إصدار القرارات مستمدة من العقد بينها وبين الأطراف؛ والذي بدأ يستقر في الفقه الفرنسي تحت اصطلاح "عقد تنظيم التحكيم" “contrat d’organisation d’arbitrage”(58، ومن ثمَّ فإن التكييف الدقيق لوظيفة مؤسسة التحكيم هو أنها "عقدية"(59، وهي الصفة التي تنصرف أيضًا إلى وصف القرارات الناتجة عن ممارسة هذه الوظيفة. ولا يغيبن عن الذهن أن القاضي غير ملتزم بأي وصف يطلقه الأطراف أو مؤسسة التحكيم لمهمة مؤسسة التحكيم أو قراراتها، فالتكييف عملية قانونية(60.
(2) التشكيك في عمومية التكييف غير القضائي لأعمال مؤسسات التحكيم
يرصد "جوربيه" عدة آراء فقهية فرنسية ترفض تعميم التكييف غير القضائي لكل قرارات مؤسسات التحكيم، وهي تشكك على الأقل من قوة الأساس النظري لهذا التعميم. علمًا بأنه هو – شخصيًا – من فئة المشككين في تعميم عدم قضائية كل أعمال مؤسسات التحكيم؛ حيث يرى أن مؤسسة التحكيم تتمتع بسلطة اتخاذ قرارات “decision making”، تابعةً “ancillary” لسلطة المحكم القضائية(61. ولقد استعرض "جوربيه" آراء أهم الفقهاء المشككين وهم: "إيزابيل أوتو" “Isabelle Hautot”، و"إغويلار ألفريه" “Aguilar-Avarez”، و"لاليف" “Lalive”، و"رومان ديبريه" “Romain Dupeyre”، و"فوشار" “Fouchard”، و"ميشيل جوديه" “Michel Gaudet”(62.
ولقد استوقفنا رأي الفقيه الفرنسي الراحل "فوشار"، فهو من جهة يُقر باستقرار أغلب الاجتهاد القضائي الفرنسي على التكييف غير القضائي لقرارات مؤسسة التحكيم (حيث يتحدث عن ذلك مستخدمًا اصطلاح: "الطبيعة")، وإنه يوافق القضاء على ذلك، إلّا أنه يعترف بوجود صعوبات نظرية في أساس ذلك الاجتهاد، على أنه يقبله من منطلق الفائدة العملية(63. ولم يُشر الفقيه "جوربيه" إلى ما إذا كان الاتجاه المتشكك يمتد إلى قرارات مؤسسة التحكيم في شأن التعيين، وهو ما لا نرجَّحه. فيبدو أن الأمر يتعلَّق بالمهام الخلافية الأخرى مثل: الرد، والاختصاص المبدئي، والتدقيق الشكلي لحكم التحكيم(64.
علمًا بأن "فوشار" – وهو من المتشككين - قد حسم سابقًا التكييف غير القضائي لقرارات مؤسسة التحكيم في التعيين(65. فنظرًا لعدم وجود سوابق قضائية فرنسية في شأن تكييف قرار مؤسسة التحكيم في التعيين، وذلك حتى وضع بحثه في العام 1996؛ فقد استعان "فوشار" - مؤيدًا لعدم التكييف القضائي لقرار مؤسسة التحكيم في التعيين - بحكم للمحكمة السويسرية العليا – صدر في 16/5/1983 – رفض فيه القضاء السويسري تمسك الحكومة المصرية بأن قرار المحكمة الدولية للتحكيم لغرفة التجارة الدولية في شأن التعيين هو بمثابة حكم تحكيم، وذلك في شأن تحكيم لغرفة التجارة الدولية يجري في جنيف، في قضية“Westland Helicopters Ltd” (66.
الآثار المترتبة على تكييف قرار التعيين المؤسسي للمحكم
يُعدَّد الفقيه "جوربيه" الآثار القانونية المترتبة على التكييف غير القضائي لقرارات مؤسسات التحكيم – وهي ما تنطبق على قرارات مؤسسة التحكيم في التعيين - وهي(67: (1) لا يوجد حق للأطراف في أن يتم الاستماع إليهم “right to be heard” من قبل المؤسسة قبل اتخاذ قرارها، وبخاصة لا يوجد "حق في إجراءات بالمواجهة" “right for adversarial process”؛ (2) لا يوجد إلزام بأن تكون قرارات مؤسسة التحكيم "مسبَّبة" “reasoned”؛ (3) إجراء مراجعة حكم التحكيم غير متاح لمراجعة قرارات المؤسسة، أي عدم قبول رفع دعوى بطلان قرار مؤسسة التحكيم، فهو – في حقيقته – رفع لدعوى بطلان حكم التحكيم قبل الأوان.
ولقد لاحظنا أن تعداد الفقيه "جوربيه" يكاد يكون نقلًا عن ذلك الذي سبق للفقيه "فوشار" القيام به(68. علمًا، بأن الفقه يضيف – أيضًا - أنه لا يتمتع قرار مؤسسة التحكيم بحجية الشيء المحكوم فيه “res judicata"(69. ومن ثمَّ، يجوز مراقبة مدى موافقة هذا القرار لاتفاق الأطراف والقانون الآمر بمناسبة مراجعة حكم التحكيم المستند إليه. بالطبع ما لم يكن العيب في القرار مما يجوز التنازل عنه(70. ويكون التنازل قد تحقَّق صراحةً أو ضمنًا، من الشخص المتمسك بعيب تشكيل هيئة التحكيم.
ونضيف نحن، إنه طالما أن مصدر قرار مؤسسة التحكيم عقدي، وهو عقد تنظيم التحكيم؛ فإن المحتكمين يلتزمون بقواعد مؤسسة التحكيم الجوهرية في شأن تعيين المحكمين. فإذا خرج عليها الأطراف، وجب موافقة مؤسسة التحكيم وإلّا فإن مؤسسة التحكيم تصبح غير ملزمة بتنظيم تحكيمهم، وإن جاز أن يقتصر دورها على أن تكون مجرد "سلطة تعيين". وهذا ما حكم به القضاء الفرنسي في قضية "سامسونج" لعام 2010، والتي سيرد ذكرها تفصيلًا في المطلب الأول من المبحث الثاني.
تكييف قرار التعيين المؤسسي للمحكم في دولة قطر
لم يرد اصطلاح "مؤسسة التحكيم" في نصوص التحكيم القطرية المُلغاة(71، فقد كانت تلك النصوص منصبةً على تنظيم التحكيم الحر. ولقد دخل هذا الاصطلاح في النظام القانوني القطري في شأن التحكيم الأجنبي، عقب انضمام دولة قطر في العام 2013 إلى اتفاقية نيويورك لعام 1958(72، دون أن يكون لذلك تطبيقًا قضائيًّا في مجال بحثنا. ولقد تغيَّر الوضع بشكلٍ جوهري، عقب نفاذ قانون التحكيم القطري لعام 2017، والذي لم يكتفِ بالاعتراف للأطراف بمنح العديد من السلطات الإجرائية لمؤسسات التحكيم، بل أيضًا – وهذا هو الأهم – استحداث "النهائية" و"عدم القابلية للطعن" عند قيام مؤسسة التحكيم بقرارٍ في شأن تعيين المحكم(73.
قرارات التعيين المؤسسي للمحكم قبل نفاذ قانون التحكيم لعام 2017
لم يتعرَّض القضاء القطري – قبل نفاذ قانون التحكيم الحالي - مباشرةً لتكييف قرارات مؤسسات التحكيم، بما في ذلك قراراتها في التعيين. على أن لمحكمة التمييز القطرية حكمين مهمين على صلة بهذا الموضوع، صدر أولهما في العام 2015، والثاني في العام 2017.
أوَّلًا - سلطة مؤسسة التحكيم الأجنبية في التعيين - التمييز عام 2015
أكدت محكمة التمييز القطريَّة في حكمها الصادر في جلسة 12/5/2015(74 – مفسرةً المادة 195/1 من قانون المرافعات (الملغية) – على سلطان الأطراف في تخطي القضاء، ومنح جهةٍ أخرى سلطة تعيين المحكمين. على أنها اشترطت ألَّا تكون تلك الجهة "قضاءً أجنبيًّا"، وهو ما رأت المحكمة تحققه في اللجوء إلى "محكمة لندن للتحكيم الدولي" “London Court of International Arbitration”. وتتعلَّق وقائع النزاع برغبة أحد الأطراف القطرية في تفعيل شرط تحكيم مؤسسي لدى "محكمة لندن للتحكيم الدولي"، بموجب عقد أبرم في 10/12/2012 ونفذ في قطر(75. حيث استجابت المحكمة الابتدائية وعيَّنت هيئة تحكيم ثلاثية بموجب حكم صدر في العام 2014(76.
لجأ الطرف المحكوم ضده (في الدعوى الابتدائية بتعيين هيئة التحكيم) إلى محكمة الاستئناف، وطلب إلغاء حكم المحكمة الابتدائية؛ نظرًا لأن المختص بتعيين المحكمين هو: "محكمة لندن للتحكيم الدولي" وليس القضاء القطري، وذلك بالتطبيق لشرط التحكيم المؤسسي، وهو ما استجابت له محكمة الاستئناف بموجب حكمها الصادر في جلسة 26/1/2015؛ حيث ألغت الحكم المستأنف وحكمت بعدم قبول دعوى تعيين هيئة التحكيم، وهو الحكم الذي طعن فيه بالتمييز.
ألغت محكمة التمييز القطرية حكم محكمة الاستئناف بموجب حكمها الصادر في 12/5/2015، وذلك بالاستناد إلى عدم جواز الاتفاق على منح "محكمة لندن للتحكيم الدولي" دورًا في التعيين، وذلك دون التعرُّض لمدى مشروعية شرط التحكيم ذاته. وبذلك يكون حكم محكمة التمييز القطرية قد أقرَّ صحة تشكيل هيئة التحكيم بموجب حكم المحكمة الابتدائية(77.
وفي رأينا، نرجح أن محكمة التمييز القطرية قد وقعت في لبسٍ بالاعتقاد بأن "محكمة لندن للتحكيم الدولي" جزءٌ من القضاء الإنجليزي؛ حيث وصفتها محكمة التمييز بأنها "قضاء أجنبي"(78، ومن ثم رأت تنازع في الاختصاص الولائي بين هذه المحكمة وبين القضاء القطري، أدى إلى إبطال حق اللجوء إلى تلك المحكمة لتعيين المحكمين. فمن المعلوم استقرار القضاء القطري على بطلان الاتفاق على منح الاختصاص القضائي لقضاء دولة أجنبية(79. ودليل هذا اللبس أن المحكمة قالت في حكمها أن الأطراف لم يحدَّدوا في شرط التحكيم الجهة المختصة بتعيين المحكمين وكيفيته. في حين أن تلك الجهة هي مؤسسة التحكيم، والتي تحمل مسمى: "محكمة لندن للتحكيم الدولي"، ودون أن تكون جزءًا من القضاء الإنجليزي.
وفي رأينا، لا يمكن أن نقول بأن محكمة التمييز القطرية في حكمها لعام 2015 ترى في مهمة مؤسسة التحكيم الأجنبية – بصفة عامة - مهمةً قضائيةً. فهذا كان له محل لو أن محكمة التمييز القطرية كانت قد اعترفت بداءةً لـ "محكمة لندن للتحكيم الدولي" بصفة مؤسسة التحكيم. فمحكمة التمييز القطرية نظرت إلى التحكيم محل النزاع – في حقيقة الواقع - وكأنه تحكيمٌ حرٌ، اتفق الأطراف فيه على اللجوء إلى قضاء دولة أجنبية (محكمة لندن للتحكيم الدولي)، لأجل التغلب على مشاكل تعيين المحكمين. فأبطلت محكمة التمييز الاتفاق على اللجوء إلى ذلك القضاء الأجنبي، على أنها أبقت الاتفاق على التحكيم صحيحًا. فلو كان التحكيم بالنسبة لمحكمة التمييز مؤسسيًّا، لأبطلت شرط التحكيم كله، بما في ذلك إبطال تشكيل هيئة التحكيم من المحكمة الابتدائية. وهو ما لم يحدث.
ومما يعزَّز تحليلنا، أن محكمة التمييز قالت – عرضًا – بأنه: "... حينما يردُ بشرط التحكيم، نصٌ يُحددُ كيفيَّة اختيار المُحكَّمين، والجهة التي تتولى ذلك التعيين؛ فإنه لا يجوز الخروج عنه، واللجوء إلى المحكمة المُختصَّة أصلًا بنظر النزاع، من أجل القيام بتعيين ما يلزم من المُحكَّمين". فالخلاف كان في تكييف "جهة" التعيين "محكمة لندن للتحكيم الدولي" ذاتها، وليس تكييف "وظيفة" التعيين لدى مؤسسات التحكيم الأجنبية بصفة عامةً(80.
ثانيًا - سلطة مؤسسة التحكيم الوطنية في التعيين – التمييز عام 2017
قبل نفاذ قانون التحكيم لعام 2017، اختلف القضاء القطري في مدى الاستجابة لتعيين المُحكَّم الخاضع لتحكيم مؤسسي وطني (مركز قطر الدولي للتوفيق والتحكيم)، فأحيانًا يرفض تعيين المحكم(81، وأحيانًا أخرى يرى نفسه المختص بالتعيين عند عدم تعاون المحتكم ضده – بالتطبيق للمادة 195/1 من قانون المرافعات (الملغية الآن) - وإن كان هناك اتفاق على اللجوء إلى مؤسسة تحكيم وطنية(82.
ونرى استقرار الموقف بموجب حكم محكمة التمييز القطرية الصادر في جلسة 7/2/2017 والذي ألغى حكمًا لمحكمة الاستئناف القطرية(83، كان قد عطَّل قيام مركز قطر الدولي للتوفيق والتحكيم (بغرفة التجارة القطرية) بمهمَّة تعيين المُحكَّم. وبذلك تكون محكمة التمييز قد أيَّدت حكم المحكمة الابتدائية في رفضه تعيين المُحكَّم لسابقة اتفاق التحكيم المؤسسي. وهو حكمٌ مؤكدٌ لاجتهاد محكمة التمييز القطرية لعام 2015، في هذه المسألة. وحيث إن مركز قطر الدولي للتوفيق والتحكيم، مؤسسة تحكيم قطرية، فلم يكن هناك محلٌّ لبحث تنازع في الاختصاص.
قرارات التعيين المؤسسي للمحكم بعد نفاذ قانون التحكيم لعام 2017
لم يتعرَّض الفقه في دولة قطر لتكييف مهمة وقرارات مؤسسات التحكيم في قانون التحكيم القطري لعام 2017. وهو ما نحاول التعرُّض له في مجال تعيين المحكم من مؤسسة التحكيم، وذلك من خلال تحليل موجز للآتي: العلاقة بين مؤسسة التحكيم ومفهوم "الغير"؛ والعلاقة بين مؤسسة التحكيم وفكرة "السلطة الأخرى"؛ ومفهوم "النهائية" و"عدم القابلية للطعن" في قرارات مؤسسات التحكيم، في مجال التعيين.
أوَّلًا - العلاقة بين مؤسسة التحكيم ومفهوم الغير
تبنى القانون النموذجي منذ وضعه في عام 1985 - ومرورًا بتعديله في عام 2006 - مبدأ حرية الأطراف في منح الغير سلطة إجراءٍ في التعيين كانوا يملكون هم اتخاذه، وذلك في المادة 2/د منه. إنها الفقرة التي انتقلت - بعد إعادة الصياغة إلى قانون التحكيم القطري لعام 2017، لتصبح المادة 3 من هذا الأخير. فلجوء الأطراف إلى مؤسسة التحكيم لأجل اتخاذ قرار إجرائي يتمتع به هؤلاء الأطراف هو لجوءٌ إلى طرفٍ من الغير.
ثانيًا - العلاقة بين مؤسسة التحكيم و"السلطة الأخرى"
يتطلَّب التعرف على العلاقة بين مؤسسة التحكيم و"السلطة الأخرى" – والتي ترد في قانون التحكيم القطري – تناول: تحديد الدول لما يعد من قبيل "السلطة الأخرى" بالتطبيق للقانون النموذجي، ثم الموقف الخاص للقانون القطري، ثم أثر الأساس العقدي للسلطة الأخرى في القانون القطري على تكييف أعمالها، وذلك على النحو المفصل التالي بيانه:
(1) تحديد الدول لما يُعدُّ من قبيل "السلطة الأخرى" (القانون النموذجي – م 6)
تنص المادة 6 من القانون النموذجي، تحت عنوان: "محكمة أو سلطة أخرى لأداء وظائف معينة تتعلَّق بالمساعدة والإشراف في مجال التحكيم"، على أنه:
"تتولى أداء الوظائف المشار إليها في الفقرتين (3) و (4) من المادة 11، والفقرة (3) من المادة 13، وفي المادة 14، والفقرة (3) من المادة 16، والفقرة (2) من المادة 34 (تُحدَّد كل دولة تصدر هذا القانون النموذجي المحكمة أو المحاكم أو السلطة الأخرى، عندما يُشار إلى تلك السلطة في ذلك القانون، المختصة بأداء هذه الوظائف)".
فالمادة 6 من القانون النموذجي تُخاطب الدول – وليس الأطراف في التحكيم – فتجيز لها – أي للدول - أن تُخفَّف من اختصاصات قضائها الوطني (أطلق عليها النص الوظائف) في شأن مساعدة التحكيم ومراجعته؛ حيث أجاز القانون النموذجي للدول أن تمنح بعض تلك الوظائف إلى جهة أخرى، وهي الجهة التي أطلق عليها القانون النموذجي اصطلاح "السلطة الأخرى"(84).
ولفهم المقصود من "السلطة الأخرى" نرى وجوب الرجوع إلى الأعمال التحضيرية للقانون النموذجي. فالنص الأصلي كان يتحدَّث عن "المحكمة المختصة"، لكن ممثل الوفد السوفيتي (حينذاك) اقترح عدم التشدُّد، واقترح إعطاء الدول الخيار في منح أجهزة أخرى "غير قضائية" بعض الاختصاصات في مجالات التعيين وما في حكمها. وكان الاصطلاح المقترح أن يطلق على تلك الجهات الأخرى: "الجهاز المختص الآخر" “other competent organ”(85). إنه الاقتراح الذي لاقى قبولًا وتحول بعد ذلك إلى "السلطة الأخرى" “other authority”، وهو ما نطلق عليه – على سبيل الاختصار - الخيار السوفيتي.
ويشير دليل الأونسيترال(86) إلى ثلاث دول استخدمت خيار "السلطة الأخرى" – أي الخيار السوفيتي: فهذا ما قامت به سنغافورة، بمنح رئيس محكمة التحكيم بمركز سنغافورة للتحكيم الدولي - أو أي شخص آخر يُعينه وزير العدل - سلطة تعيين المُحكَّم(87). وهو أيضًا ما قامت به ماليزيا، بمنح مدير مركز كوالالمبور الإقليمي للتحكيم سلطة تعيين المحكم(88). وهو ما قامت به كذلك هونج كونج، بمنح مركز هونج كونج للتحكيم الدولي سلطة تعيين المحكم(89). ويذكر الفقيه "شروتر" مثالًا رابعًا لاستخدام خيار "السلطة الأخرى"، وهو قيام القانون الأسترالي بمنح سلطة تعيين المحكمين للمركز الأسترالي للتحكيم التجاري الدولي(90).
وكنَّا نتمنى على القانون القطري لعام 2017 لو أنه قد منح مركزًا للتحكيم في دولة قطر دورًا في معاونة القضاء في تعيين المحكمين(91). على أننا لا نرى مانعًا من قيام القضاء القطري بالاستعانة بخبرة مركز قطر الدولي للتوفيق والتحكيم، لمعاونته في تعيين المحكمين، وبخاصة عندما يشترط الأطراف في المحكم صفات لا ترد في محكمي قائمة وزارة العدل، وبخاصة في الفترة الانتقالية لإعداد تلك القائمة، وهو ما نوصي به.
فيجوز للقضاء القطري أن يطلب من مركز قطر الدولي للتوفيق والتحكيم أن يرسل إليه عدة سير ذاتية لمحكمين ليختار هو من بينها، بل وله أن يكلفه بتعيين المحكم، أو مجرد معاونة القضاء في تسمية الجهة التي يمكنها تعيين المحكم. فلقد توفرت لمركز قطر الدولي للتوفيق والتحكيم الخبرة الدولية التي تجعله مؤهلًا للقيام بذلك.
ولا يوجد ما يمنع من أن يُخيَّر القاضي – بموجب حكم تمهيدي - الأطراف بين عدة ترشيحات (ثلاثة على سبيل المثال)، ويطلب من الأطراف أن يردوا خلال أجلٍ معينٍ، بعد حذف من لا يناسبهم من المرشحين، وأن يعيدوا ترتيب قائمة المرشحين بحسب ما يفضلونه، استلهامًا لنظام تعيين المحكم بنظام القائمة “List-Procedure” والوارد في قواعد تحكيم الأونسيترال لعام 1976/2010(92). وبذلك يصدر الحكم القضائي بتعيين المحكم، بأكبر قدرٍ من التوافق مع رغبة الأطراف.
ولا نُفضل قيام القاضي بتعيين المحكم من خلال اللجوء إلى قائمة الخبراء، فلو كان ذلك هو خيار الأطراف، لما اتفقوا على التحكيم وكانوا قد اختاروا وسيلة الخبرة لفض النزاع.
ولعلَّه في مرحلة تاريخية متقدمة أن يقوم المشرع القطري بمنح مركز قطر الدولي دورًا في تعيين المحكمين مقتديًا في ذلك بالدول الأربع – الرائدة في التحكيم – والسابق الإشارة إليها، خاصةً وأن دولة قطر هي الوحيدة من دول العالم التي توسعت في تحديد مفهوم "السلطة الأخرى" كما سنرى لاحقًا؛ أي إن فلسفة تشريعها تتقبَّل ذلك.
(2) تحديد الأطراف لما يُعدُّ من قبيل "السلطة الأخرى" (قانون التحكيم القطري – م 6)
تنص المادة 6 من قانون التحكيم القطري لعام 2017 على أنه:
"تتولى السلطة الأخرى، أو المحكمة المختصة، إذا لم يتفق الأطراف على تلك السلطة، أداء الوظائف المنصوص عليها في المواد (11/ البندان 5، 6) و(13/ البندان 1، 2) و(14/ بند 1)، (16/ بند 3) من هذا القانون".
فلا شك في تباين النص بين المادة 6 في القانون النموذجي عنه في القانون القطري للتحكيم. فصحيحٌ أن دولة قطر قد تبنَّت فكرة التخفيف من وظائف التحكيم التي يختص بها قضاؤها في مساعدة التحكيم والرقابة عليه أي فكرة "السلطة الأخرى"، أي أخذت بالخيار السوفيتي؛ إلّا أنها تركت تحديد ذلك لإرادة الأطراف(93)، وإن قيدت ذلك من حيث المواضيع، وهي: التعيين، والرد (والأتعاب والمصاريف عند الرد)، والعزل، وحكم المحكم التمهيدي باختصاصه(94).
وصحيحٌ أن النص القطري قد ذكر الجهة التي يجوز اختيارها كسلطةٍ أخرى، وهي: "مراكز أو مؤسسات التحكيم"؛ إلّا أننا نرى أن النص قد أورد ذلك على سبيل المثال، ومن ثمَّ يَصِحُ في السلطة الأخرى أن تكون شخصًا معنويًّا ليس بمؤسسة تحكيم، أو أن يكون شخصًا طبيعيًّا.
وبذلك؛ فإن السلطة الأخرى – في القانون القطري للتحكيم لعام 2017 - يجوز أن تنصرف إلى حالة الأمين العام لمحكمة التحكيم الدائمة في لاهاي، وذلك عند اتفاق الأطراف على منحه "سلطة تعيين" “Appointing Authority”، أو سلطة تحديد سلطة التعيين، وهو ما تطلق عليه قواعد الأونسيترال للتحكيم لعام 1976/2010 "سلطة التسمية"، كما سبقت الإشارة في مقدمة البحث(95.
ونرى عند قيام سلطة التسمية باختيار شخصٍ طبيعي أو معنوي لتعيين المحكم (سلطة التعيين)؛ فإن هذا الأخير يُعدُّ أيضًا "سلطة أخرى"، فكلاهما مختارٌ من الأطراف، غاية القولِ: أن "سلطة التسمية" تم اختيارها بشكل مباشر، أمَّا "سلطة التعيين" فقد تم اختيارها بشكلٍ غير مباشرٍ.
ونتيجة التباين في صاحب الخيار بين القانون النموذجي والقانون القطري؛ فإننا نرى أنه إذا كان مفهوم السلطة الأخرى في الدول التي تبنته عن القانون النموذجي يجعلها من قبيل أجهزة الوظائف العامة(96)؛ لأنها تُعِيَّن محاكم الدولة في تحقيق مصلحة عامة، تُقدرها إرادة المشرع؛ إلّا أن السلطة الأخرى في القانون القطري ذات طبيعةٍ عقديَّةٍ، تقوم على تحقيق مصلحةٍ خاصةٍ، تقدرها إرادة الأطراف.
وترتيبًا على ما سبق؛ فإننا نختلف مع الفقه الذي يرى أن القانون القطري قد تميَّز بين التشريعات العربية في تعريفه للسلطة الأخرى(97). فهو – من جهة - لم يُعرِّفها لصالح كل دول القانون النموذجي، ولكنه حدَّد مفهومها بالنسبة لنفسه، والحال أنه قد تبنى لها مفهومًا خاصًا به، لا يصلح حتى للدول التي استخدمت الخيار السوفيتي. ثم أنه لا محل للمقارنة بين التشريعات العربية وقانون التحكيم القطري، فلا محل للمنافسة بينهما في تعريف السلطة الأخرى، والحال أن الدول العربية الأخرى لم تستخدم الخيار السوفيتي؛ فهي لم تختر فكرة السلطة الأخرى أصلًا. ولعلَّ هذا ما يُفسر أنه في الوقت الذي أشاد فيه البعض بالتعريف، تعرَّض ذات التعريف من فقهٍ آخر للنقد بوصفه "غير دقيق"(98). ونحن لا نتَّفق مع الرأيين. فالسلطة الأخرى في القانون القطري "واضحة"، على أن تعريفها خاصٌ بقانون التحكيم القطري.
(3) أثر الأساس العقدي للسلطة الأخرى في القانون القطري على تكييف أعمالها
يثير الأساس العقدي لمصدر السلطة الأخرى في القانون القطري التساؤل عن مدى تمتع مفهوم "النهائية" و"عدم القابلية للطعن" لقرارات تلك السلطة – كما في قرارات تعيين مؤسسة التحكيم للمحكم – بمفهومٍ خاصٍ بخلاف ما هو عليه الأمر في شأن قرارات المحكمة المختصة.
ففي شأن موضوع هذا البحث، ألا وهو تعيين مؤسسة التحكيم للمحكم (وطنية أو أجنبية)، نجد أن المادة 11/7 من قانون التحكيم القطري لعام 2017 توحد مصير القرار دون اعتبارٍ لصدوره من المحكمة المختصة؛ أمَّا السلطة الأخرى (أي مؤسسة التحكيم)، فتصفه بالنهائيَّ وغير القابل للطعن فيه(99، وذلك نقلًا عن المادة 11/5 من القانون النموذجي.
وفي رأينا، تفسير النهائية وعدم القابلية للطعن تقتضي تفسيرًا مختلفًا حينما يكون القرار صادرًا عن المحكمة المختصة، عنه في السلطة الأخرى (مؤسسة التحكيم). وهي ذات الملاحظة التي ترد على العديد من المواد المشابهة الأخرى في قانون التحكيم القطري لعام 2017(100.
وفي شأن موضوع البحث، وفيما يتعلَّق بإشكالية الموضوع – ألا وهي مسألة تعيين مؤسسة التحكيم للمحكم – فإنه طالما أن المشرع القطري قد تبنَّى مفهومًا عقديًّا لكل حالات السلطة الأخرى – بخلاف ما عليه الحال في القانون النموذجي – فإن كل أعمال السلطة الأخرى ستتمتَّع بالتكييف العقدي –؛ لذا لن تتصف قرارات السلطة الأخرى (بما في ذلك مؤسسة التحكيم) بوصف العمل القضائي “acte juridictionnel”، وإن جاز وصفها بالعمل الإداري - ليس بمعناه في القانون الإداري بالطبع.
المفهوم الخاص "لنهائية" و"عدم قابلية الطعن" في قرارات السلطة الأخرى
طالما أن مصدر السلطة الأخرى هو عقد تنظيم التحكيم بين أطراف التحكيم وتلك السلطة؛ فإن ما يصدُر عن السلطة الأخرى – كما هو الحال في شأن تعيين مؤسسة التحكيم الأجنبية لمحكم – ليس بحكمٍ قضائي “jugement”. فقرار السلطة الأخرى (بما في ذلك مؤسسات التحكيم) يفتقد الأركان الثلاثة للأحكام القضائية: فالسلطة الأخرى لا تتبع جهة قضائية؛ وهي لا تُصدِرُ قرارها في خصومة؛ وقرارها لا يُكتب في الشكل المُقرَّر للأحكام (مثلًا: لا يلزمه التسبيب)(101. وبذلك ينبغي أن يتم تفسير "النهائية" و"عدم القابلية للطعن" في شأن قرارات السلطة الأخرى - كما هو الحال في شأن قيام مؤسسة التحكيم بتعيين المحكم - بما يراعي التكييف غير القضائي لهذه القرارات.
أوَّلًا - تذكير بالمفاهيم الأساسية
من المعلوم أن الحكم القضائي يُصنَّف من حيث قابليته للطعن إلى: حكم "ابتدائي" “en premier ressort”، وذلك عند صدوره من محكمة الدرجة الأولى مع قابليته للاستئناف. فإن لم يكن قابلًا للاستئناف وُصِفَ بأنه "انتهائي" “en dernier ressort”. فإن لم يكن قابلًا للطعن بالطرق العادية (المعارضة والاستئناف) - وإن كان قابلًا للطعن عليه بطرق الطعن غير العادية (التماس إعادة النظر والتمييز) - وُصِفَ بأنه يحوز "قوة الشيء المحكوم به" “passé en force de la chose jugée”. فإن لم يكن قابلًا للطعن عليه بأي طريق من طرق الطعن العادية أو غير العادية، وُصِفَ بأنه "باتٌ" “irrévocable”(102.
وغني عن البيان الفارق بين "حجية الشيء المحكوم به" “res judicata”، و"قوة الشيء المحكوم به"؛ فالأولى قرينة قانونية لا تقبل إثبات العكس مفادها أن الحكم قد صدر صحيحًا من حيث الشكل، وعن حقٍّ في الموضوع؛ أمَّا قوة الشيء المحكوم به – والواردة بالأعلى – فهي وَصف الحكم الذي لا يقبل للطعن فيه بالطرق العادية، وإن كان قابلًا للطعن فيه بطريق طعنٍ غير عادي(103.
وتجدر الإشارة إلى أن صفة "القطعي" “définitif” – وهي ترد في شأن بعض الأحكام القضائية وغيرها من القرارات الصادرة عن المحاكم - تتعلَّق بحسم النزاع في موضوع الدعوى أو في شقٍ منه أو في مسألة متفرعةٍ عنه، سواء تعلَّقت تلك المسألة بالقانون أم بالواقع. فالحكم القطعي هو وحده الذي يحوز حجية الشيء المحكوم به(104، ولا يسقط بسقوط الخصومة أو بانقضائها بالتقادم(105.
كل المفاهيم السابقة، أغلبها أوصاف لأعمال قضائية بخلاف حال عمل السلطة الأخرى - ومثالها أعمال مؤسسة التحكيم - فأعمال هذه الأخيرة أعمال ذات طبيعة "عقدية". ومن ثمَّ، لا تُفسَّر "نهائية" قرار السلطة الأخرى بأنها "انتهائية" الأحكام القضائية، والحال أن قرارات السلطة الأخرى ليست بأحكام قضائية، لكي يقال بأنها لا تقبل الطعن بالاستئناف.
ولئن كانت صفة "القطعيَّة"، غير قاصرةٍ على الأحكام القضائية – فهي ترد مثلًا في أوامر الأداء وهي ليست بأحكام قضائية على الرأي الراجح(106 - إلَّا أنها تستلزم أن يكون القرار قد صدر حسمًا لنزاعٍ من قبل محكمة، والسلطة الأخرى ليست بمحكمة، فهي لا تنظر خصومةً بمفهومها في قانون المرافعات، ولا تحسم نزاعًا، ومن ثم لا يمكن القول بأن قراراتها تتمتَّع بالقطعية، أو بأنها تتمتع بحجية الشيء المحكوم به. كذلك لا يمكن تفسير "عدم القابلية للطعن" بأنها عدم قابلية قرارات السلطة الأخرى للطعن فيها، بطرق عادية أو غير عادية، والحال أن الطعن يقع في الأحكام القضائية.
ثانيًا - خصوصية "نهائية" قرارات السلطة الأخرى
نرى أن التفسير الراجح لنهائية قرارات السلطة الأخرى – بما في ذلك قرارات مؤسسة التحكيم بتعيين المحكم - هو في عدم جواز التظلُّم منها أمام السلطة التي أصدرتها (مثلًا الوحدة الإدارية لمركز تحكيم في غرفة تجارية)، أو أمام درجة أعلى من تلك السلطة قد تكون متمتعةً بالإشراف على هذه الأخيرة (مثلًا الوحدة الإدارية المشرفة على غرفة التجارة التي تتضمَّن مركز التحكيم). ونستثني من ذلك – بطبيعة الحال – الحق في رد المحكم. فلا يجوز تعطيله، بحجة نهائية قرار السلطة الأخرى في تعيين المحكم.
وحيث إن النهائية هنا هي مسألة تظلم – وليس طعن – فإنه يجوز للأطراف الاتفاق على عدم نهائية قرارات السلطة الأخرى، مباشرةً أو بشكل غير مباشر. ومثال الحالة الأخيرة، أن تكون قواعد مركز التحكيم تجيز التظلم من قرار مركز التحكيم بشأن تعيين المحكم، مثلًا. ففي رأينا النص على نهائية قرار السلطة الأخرى غير متعلقٍ بالنظام العام.
ثالثًا - خصوصية "عدم قابلية الطعن" في قرارات السلطة الأخرى
أمَّا بشأن اتصاف قرارات السلطة الأخرى بأنها مُحصَّنةٌ ضد الطعن فيها؛ فإن المقصود من ذلك هو الحرمان من الحق في اللجوء إلى القضاء العادي بدعوى مبتدأة موضوعها إبطال القرار، وذلك بالاستقلال عن دعوى بطلان حكم التحكيم. بل أن رفع دعوى بطلان حكم تحكيم بشأن إبطال قرار مؤسسة التحكيم – قبل صدور حكم التحكيم - متعينٌ عدم قبولها، والحال أن الدعوى تكون مرفوعةً قبل الأوان، بشأن حكم تحكيمٍ لم يصدُر بعد، فالقرار – ذاته – ليس بحكم تحكيم(107.
رابعًا – ما مدى استجابة القضاء القطري لخصوصية قرارات السلطة الأخرى؟
يُحسب لصالح القضاء القطري بعد صدور قانون التحكيم لعام 2017 حسن تطبيقه للقواعد السابق الإشارة إليها. فعلى سبيل المثال، حكمت محكمة الاستئناف في دولة قطر – في جلسة 18/2/2019 – بعدم قبول الدعوى لرفعها قبل الأوان، بشأن دعوى طلب فيها أحد الأطراف من المحكمة إيقاف إجراءات التحكيم أمام مركز قطر الدولي للتوفيق والتحكيم، لعدم استنفاد التفاوض والوساطة بالتطبيق لاتفاق التحكيم، على الرغم من تمام تشكيل هيئة التحكيم – والمكونة من محكّمٍ واحدٍ - من قبل المركز، وقبل إصدار الهيئة لحكمها التحكيمي(108.
ونحن في انتظار موقف هذه المحكمة من تفسير "نهائية" قرار مركز قطر الدولي للتوفيق والتحكيم – وغيره من مؤسسات التحكيم وبخاصة الأجنبية – في شأن تعيين المحكم، وعدم قابلية قرار هذا التعيين للطعن فيه، بمناسبة دعوى بطلان حكم التحكيم. فلم تتعرَّض المحكمة لهذه المسائل بعد.
ونناشد القضاء القطري ألّا يغل يده في شأن إعادة بحث مشروعية قرارات السلطة الأخرى – بما في ذلك مؤسسات التحكيم – وذلك من حيث اتفاقها حكم القانون و/ أو اتفاق الأطراف – بمناسبة الرقابة القضائية على حكم التحكيم المستند على تلك القرارات، سواءً كان حكمًا تمهيديًّا بالاختصاص(109 أم منهي للنزاع أو بمناسبة إجراءات تنفيذ حكم التحكيم. فنهائية تلك القرارات لا تمنع القضاء القطري من تلك الرقابة، إذا تمَّ تكييف تلك القرارات - كما سبق واقترحنا - بأنها عمل "عقدي"، "غير قضائي"، أو على الأقل كما يرى أغلب الفقه المقارن بأنه: عمل "إداري"، "غير قضائي".
علمًا بأنه يجوز المراجعة القضائية لقرارات السلطة الأخرى (مؤسسة التحكيم)، بمناسبة دعوى بطلان حكم التحكيم، فهي ليست بطريق طعنٍ، ومحلها ليس قرار السلطة الأخرى، ولكن حكم التحكيم المطبق لقرار تلك السلطة، وقرار تلك السلطة ليس بعملٍ قضائيٍّ. فضلًا عن أن تحصين تلك القرارات من المراجعة القضائية يمس بالحق الدستوري في التقاضي. ومع ذلك نطالب أن تكون الرقابة القضائية لمشروعية قرارات السلطة الأخرى – بما فيها قرارات مؤسسات التحكيم - في أضيق الحالات، تفاديًا لإهدار ما يكون قد أنفِق من وقتٍ ومالٍ في تشكيل هيئة التحكيم، وبعد التأكد من عدم وجود تنازل صريح أو ضمني عن عيب تشكيل هيئة التحكيم(110.
وبذلك ننتهي من المبحث الأول والذي خصصناه لتكييف قرارات مؤسسة التحكيم بالتطبيق للقانون القطري، وبخاصة في شأن تعيين المحكم. فقد وجدنا أن الفقه والقضاء القطري لم يتعرَّضا بعد لهذه المسألة، على الرغم من حكم منعزل لمحكمة التمييز القطرية صدر في العام 2015 – قبل نفاذ قانون التحكيم الحالي – وذلك في شأن تكييفه لـ "محكمة لندن للتحكيم الدولي" بأنه "قضاء أجنبي". ورأينا كيف أن قانون التحكيم القطري لعام 2017 يتمتَّع بخصوصية، فهو يجعل اختيار الأطراف لمؤسسات التحكيم، بمثابة اختيار "سلطة أخرى" تشترك مع المحكمة المختصة من حيث "النهائية" و"عدم القابلية للطعن" في قراراتها. على أننا أوضحنا في ضوء أفضل الممارسات – في الفقه والقضاء المقارن - أن مصدر سلطة مؤسسة التحكيم (بوصفها سلطة أخرى) "إرادة الأطراف"، بخلاف المحكمة المختصة وهو "إرادة المشرع". فتكييف عمل مؤسسة التحكيم "عقدي" أما المحكمة المختصة فهو "قضائي". مما يقتضي المغايرة في تحديد المقصود من "النهائية" و"عدم القابلية للطعن" في مجال قرارات مؤسسة التحكيم، وبخاصةٍ في مجال التعيين؛ بما من شأنه السماح للقضاء القطري برقابة لتلك القرارات. وبذلك تبقى أن نتعرَّف على كيفية تلك الرقابة، وهو ما نُخصّص له المبحث الثاني.
كيفية الرقابة القضائية على قرار التعيين المؤسسي للمحكم
يترتَّب على التفسير الواسع للمادة 11/7 من قانون التحكيم القطري لعام 2017، انعقاد الاختصاص للقضاء القطري بالرقابة على قرارات مؤسسة التحكيم، ونركز في هذا المقام على صور الرقابة على قرارات تعيين المحكم من مؤسسة التحكيم(111، الذي يتفق الأطراف على أن يكون مقرَّه في دولة قطر(112، والتي نتناولها تحت عنوانين: تعذُّر التشكيل (المطلب الأول)، وعدم صحته (المطلب الثاني).
المساعدة القضائية عند تعذُّر التشكيل
يستقر القضاء المقارن على مساعدة القضاء للتحكيم في التغلُّب على العديد من الصعوبات التي تمنع انسيابه بيسر - وهو ما يُطلق عليه دور "قاضي المُساندة" “juge d’appui”(113 - كما هو الحال في شأن التغلب على تعذُّر تشكيل هيئة التحكيم. وهو ما نستعرضه بموجز حول الرقابة القضائية عند تعذُّر التشكيل بصفةٍ عامةٍ، ثمَّ موقف القضاء المقارن، فالقطري.
الرقابة القضائية عند تعذُّر التشكيل – القاعدة العامة
لا يعني استقلال التحكيم المؤسسي في إدارة شؤونه، أن يتخذ – هذا القضاء - موقفًا سلبيًّا عند تعذُّر قيام مؤسسة التحكيم بدورها في تعيين المحكم؛ حيث يلتزم القضاء – عندئذ – بالتدخل، ممارسًا مهمَّةً "احتياطية" “subsidiaire”(114، وهي المهمة التي نظمها المشرع القطري بمناسبة رقابته على قيام الغير بمهمة في تعيين المحكم، بما في ذلك مؤسسة التحكيم.
أوَّلًا – الدور الاحتياطي للقضاء في التعيين المؤسسي
ولئن كان القضاء العصري يلتزم عدم عرقلة الأطراف في تفعيل اتفاقهم على التحكيم، بما في ذلك تعيين مُحكَّميهم عن طريق مؤسسة التحكيم، وإن كانت أجنبية؛ فإن هذا القضاء مثل الملاك الحارس، لا يترك هؤلاء الأطراف لطغيان الغير، بل يلتزم منع ذلك، فيتدخل بتعيين شخص من الغير ليقوم بمهمَّة التعيين (بقدر الإمكان)؛ أي اختيار سلطة تعيين، أو يقوم هو - نفسه – بهذا التعيين، سواءً للتغلب على غياب تشكيل هيئة التحكيم أو نقصها(115. وفي رأينا يجوز أن يتخذ الحل القضائي في التدخل صورة تعيين سلطة تسمية، بالمفهوم السابق الإشارة إليه في مقدمة البحث. ومن أهم حالات الحاجة إلى هذا النوع من التدخل يتحقَّق إذا ما كان الغير شخصًا معنويًّا، وحُلَّ، أو تعطَّل عمله، أو كان شخصًا طبيعيًّا وتوفي، أو فُقد، أو حجر عليه(116.
صحيحٌ أنه بالتطبيق للقواعد العامة، لا يجوز لأحدٍ بمفرده، أو بالاتفاق مع آخر، إلزام غيره مهمَّةً ما(117. ومن ثمَّ، فإن المبدأ أن قيام الأطراف باختيار شخصٍ من الغير لأجل مهمَّةٍ لها علاقة بالتحكيم لا تلزمه(118، سواءً كانت تلك المهمَّة سلطة تعيين محكم، أم سلطة تحديد سلطة التعيين. على أنه يستثنى، حالة قيام هذا الغير بالإعلان عن استعداده القيام بمهمَّة تنظيم التحكيم بمقابلٍ معين (أو قابلٍ للتعيين)، فهذا يؤدي – بالتطبيق للقواعد العامة - إلى إنشاء التزامٍ إرادي على عاتق هذا الغير.
وكما سبقت الإشارة؛ فإن مؤسسة التحكيم تدخل في علاقة عقدية مع عملائها، مبنيةٌ على إيجابٍ عامٍ “offre faite au public” بإعلانها عن نشاطها(119. وسبق وأشرنا إلى استقرار الفقه الفرنسي الحديث على وصف تلك العلاقة العقدية بعقد تنظيم التحكيم. ومن ثمَّ، فإنه يجوز مساءلة هذه المؤسسة (مدنيًّا، على الأقل) بمناسبة إخلالها بمهمَّة لها صلة بتعيين المحكم، بما في ذلك المراجعة القضائية لقراراتها سلبيةً كانت أم إيجابية(120.
ثانيًا – رقابة القضاء القطري لأداء الغير لمهمة في التحكيم
ويُحسب لصالح قانون التحكيم القطري استحداثه للمادة 11/6 في شأن رقابة عمل الغير (بما في ذلك مؤسسة التحكيم) في مهمَّةٍ لها صلة بإدارة التحكيم. حيث تنص هذه المادة على أنه:
"في حالة وجود إجراءات تعيين اتَّفق عليها الأطراف، يجوز لأيٍّ من الأطراف أن يطلب من السلطة الأخرى أو المحكمة المختصة، بحسب الأحوال، أن تتَّخذ الإجراء اللازم، ما لم ينص الاتفاق الخاص بإجراءات التعيين على كيفية أخرى لإتمام هذا الإجراء، وذلك في أي من الأحوال التالية:
أ- إذا لم يقم أحد الأطراف باتخاذ إجراء تقتضيه الإجراءات المتفق عليها.
ب-إذا لم يتمكن الأطراف، أو المُحكَّمان، من التوصل إلى الاتفاق المطلوب منهم وفقًا لهذه الإجراءات.
ج- إذا تخلف الغير، عن أداء أي مهمَّة موكولة إليه وفقًا لهذه الإجراءات".
وفي رأينا يندرج تحت اصطلاح "الغير" هنا مؤسسة التحكيم عند عدم قيامها بالتعيين، وكذلك أي جهة تتمتع بسلطة التعيين كما في التحكيم المؤسسي، وكذلك حالات اتفاق الأطراف على منح شخص أو جهة، ليس تعيين المحكم، ولكن تحديد سلطة تعيين هذا المحكم ("سلطة التسمية").
فطالما أن "الغير" لم يُعرِّفه المشرع القطري في قانون التحكيم، فإنه يصبح عامًا، والعام يؤخذ على عمومه. وبذلك نتفق مع الفقه الذي يرى بأنه: "... لا يشترط أن يكون الغير مركز تحكيم أو مؤسسة تحكيم، بل يجوز أن يكون جهةً أخرى، مثل المحكمة المختصة، أو حتى شخص طبيعي"(121.
وبذلك فإننا نؤمن بوجود تداخل بين اصطلاح "الغير" واصطلاح "سلطة التعيين" – في ظل قانون التحكيم القطري. فسلطة التعيين صورةٌ من صور تدخلُ الغير، وذلك عندما يتدخَّل هذا الغير – فقط لأجل التعيين. فلدينا الغير أكثر اتساعًا من سلطة التعيين؛ فقد تكون مهمَّة الغير أمرًا آخر غير التعيين، كما هو الحال في شأن: تحديد سلطة التعيين ("سلطة التسمية")، أو البت في رد المحكم. وسلطة التعيين، وسلطة تحديد سلطة التعيين ("سلطة التسمية")، كلاهما "غيرٌ" بالنسبة لأطراف التحكيم.
الرقابة القضائية عند تعذُّر التشكيل – القضاء المقارن
لا تمتنع مؤسسة التحكيم عن تعيين المحكم تعنتًا، فغالبًا ما يكون لذلك سببًا يعود إلى الأطراف. لذا لا يندفع القضاء المقارن إلى تعيين المحكم، متجاوزًا مؤسسة التحكيم، لمجرد تأخر هذه الأخيرة في تعيين المحكم. فقد يكون الطرف الطالب تدخل المحكمة لأجل التعيين، مقصرًا في أداء رسوم التسجيل، أو يرغب بسوء النية في إرباك تشكيل هيئة التحكيم بين مؤسسة التحكيم والقضاء، أو بين القضاء الوطني وقضاء دولة أخرى(122.
لذا؛ فإن القضاء المقارن عندما يتدخل بالمساعدة للتغلب على مشاكل التعيين في شروط التحكيم التي يصعب تفعليها، لا يبدأ بخيار قيامه بالتعيين متجاوزًا مؤسسة التحكيم. فقد يكتفي بتوجيه الأطراف إلى كيفية حل المشكلة بتقديم ما نَصِفُهُ بخارطة طريق. ونشير في هذا الشأن إلى مثالين: مثال القضاء الفرنسي في قضية “Samsung” لعام 2010، والقضاء السنغافوري في قضية “HKL” لعام 2013.
أوَّلًا - القضاء الفرنسي في قضية “Samsung” لعام 2010
تتعلَّق قضية “Samsung” لعام 2010(123، بشرط تحكيم مؤسسي يخضع لقواعد تحكيم غرفة التجارة الدولية، اتفق فيه أطرافه على الخروج على قاعدتين جوهريتين من قواعد تحكيم غرفة التجارة الدولية لعام 1998 بشأن حرمان المحكمة الدولية من سلطة تثبيت المحكم؛ حيث يستقل الأطراف بتعيين محكميهم، وبحرمان تلك المحكمة من سلطة الرقابة الشكلية لحكم التحكيم. وهو ما أدى إلى رفض المحكمة الدولية للتحكيم قبول تنظيم التحكيم(124، ومن ثم لجوء المدعي – شركة "سامسونج" - إلى المحكمة الابتدائية الفرنسية. وأثناء نظر النزاع من قبل المحكمة، اكتمل اختيار كل طرف لمحكمه دون الوصول إلى اتفاق على رئيس لهيئة التحكيم.
ولقد حكمت المحكمة الابتدائية بباريس في 22/1/2010 بأن الأطراف في حقيقة الأمر قد اتفقوا على تحكيمٍ حر، مع منح المحكمة الدولية للتحكيم مجرد دور "سلطة التعيين". حيث دعت المحكمة الأطراف إلى الاتفاق على تعيين رئيس هيئة التحكيم، أو أن يقوم محكموهم بذلك، وعند تعذر ذلك اللجوء للمحكمة الدولية للتحكيم؛ لأنها تتمتع بسلطة التعيين دون التنظيم، على أن يعود إليها الأطراف مرةً أخرى إذا تعذَّر كل ذلك. نحن نستحسن هذا الحل، لحرصه على تفعيل شرط التحكيم. بل ونراه حلًّا مبدعًا، يقدم ما نطلق عليه "خارطة الطريق"، نزولًا على التزام القضاء المعاصر بالتدخل الناعم (وغير الخشن) عند طلب مساعدته.
لقد كان سهلًا على القاضي، أن يقول بأن التحكيم مؤسسي، وأن يأمر المحكمة الدولية للتحكيم (بغرفة التجارة الدولية) بالتعيين، وذلك على غير إرادتها، وهو حلٌ تصادمي يغفل خروج الأطراف على أحكام جوهرية في قواعد تحكيم الغرفة. كذلك كان من السهل أن تقوم المحكمة بتعيين رئيس هيئة التحكيم، وتترك هذه الهيئة في حال شقاقٍ داخلي، وفي حال تصادمٍ مع مؤسسة التحكيم.
فالإبداع في الحل يتكون من عنصرين: العنصر الأول هو في إعادة تكييف شرط التحكيم، نزولًا على مبدأ فعالية اتفاق التحكيم؛ أي إن القضاء يجتهد – حتى شروط التحكيم المعيبة – على النجاة بها من البطلان، بمنحها فرصة التطبيق.
ففي قضية سامسونج، حسمت المحكمة صحة شرط التحكيم، وعزَّزت من فاعليته، بإعادة تكييفه من شرط تحكيم مؤسسي إلى شرط تحكيم حر، هذا من جهة. ومن جهة أخرى – وهذا هو جوهر الإبداع –؛ فإن المحكمة قد منحت الأطراف والمحكمين ومؤسسة التحكيم فرصة حل المشكلة بعيدًا عن القضاء في ضوء مقترحٍ قضائي لسير الإجراءات (خارطة الطريق).
هذا هو الأسلوب الذي نوصي القضاء به في الدول العربية، بما في ذلك القضاء في دولة قطر. ويبدو أن هذا الحل كان مجديًا، فلم يعُد أطراف قضية سامسونج إلى القضاء مجددًا. على أنه يتطلب موقفًا إيجابيًّا من القضاء، بحيث لا يكون دوره مجرد رد فعلٍ، بل مبادر بالحلول المبتكرة.
ثانيًا - القضاء السنغافوري في قضية “HKL” لعام 2013
تتعلَّق قضية “HKL Group Co. Ltd”(125 – والتي نختصرها بقضية “HKL” - بشرط تحكيم مؤسسي ينُص على تطبيق قواعد تحكيم غرفة التجارة الدولية، على أن تكون إدارة هذا التحكيم لجهة أخرى أطلق عليها الشرط: "لجنة التحكيم في سنغافورة" “Arbitral Committee at Singapore”.
نشأ النزاع بلجوء شركة “HKL” إلى محكمة الدرجة الأولى في سنغافورة – والتي يُطلق عليها "المحكمة العليا" “High Court” – وذلك للمطالبة بمقابل خدمات أدتها شركة “HKL” إلى شركة “Rizk International Holdings Pte Ltd”، فدفعت المدعى عليها بوقف الإجراءات “stay” لوجود شرط التحكيم، فردت “HKL” ببطلان الشرط لأنه لا يمكن تفعيله، والحال أنه لا توجد جهة بمسمى "لجنة التحكيم بسنغافورة". إنه الدفع الذي رفضته المحكمة والمشكلة من قاضٍ واحدٍ، بموجب حكم صدر في 19/2/2013(126.
ويهمنا في هذا الحكم أن القاضي حكم بإيقاف إجراءات التقاضي “stay”، نزولًا على التزامه بإعمال شرط التحكيم - وهو ما يقابل لدينا الحكم بعدم القبول لوجود شرط التحكيم - وذلك على الرغم مما تضمنه الشرط من عيب عدم التأكد “uncertain” بشأن مؤسسة التحكيم. على أن القاضي قد أعاد تكييف شرط التحكيم فوصفه بأنه: "هجين" “Hybrid”، وعلى الرغم من عيبه إلَّا أنه لم يتأكد عدم إمكانية تفعيله بعد.
وبذلك، دعا القضاء الأطراف إلى الاتفاق على اللجوء إلى مؤسسة تحكيم؛ حيث أشار إلى إمكانية تحقيق ذلك باللجوء إلى مركز سنغافورة للتحكيم الدولي أو غيره(127، أو الاتفاق على حلٍ آخر لعقبة تفعيل الشرط. فالقاضي لم يندفع إلى القول بأن شرط التحكيم لا يمكن تطبيقه، لمجرد ما يحيط به من عدم تأكد، بل منح الأطراف فرصة حل المشكلة، وقدم لهم مقترحات في هذا الشأن، وأعلن أن القضاء له التدخل – فقط – عقب فشل الأطراف. فإن عجز الأطراف عن الاتفاق، أو لم توافق مؤسسة تحكيم على الإشراف، فإن للقاضي أن يتدخل – لاحقًا - لاتخاذ ما يلزم.
فليس كل شرط تحكيمٍ "غير مؤكد" “uncertain” هو "غير قابلٍ للتطبيق" “inoperable”. إنه العلاج القضائي المشابه لحكم القضاء الفرنسي في قضية "سامسونج"، وهو العلاج الذي أطلقنا عليه تقديم "خارطة طريق".
وفي رأينا، أن شرط التحكيم في قضية “HKL” كان عليلًا “pathologique”، لعيب عقبة عدم التأكد بشأن مؤسسة التحكيم، وأن وصف القاضي للشرط بأنه: "هجين" ليس بمثابة إعادة تكييف. فالدقة كانت تتطلب من القاضي أن يعيد تكييف شرط التحكيم فيصفه بأنه "حر"(128.
المهم بالنسبة لنا أن القاضي التزم بمبدأ ترجيح فعالية شرط التحكيم، حتى على الرغم مما تتضمنه من عيب، ولم يأخذ القاضي الطريق السهل بالإبطال، أو التعيين مع ترك الأطراف وصعوبة استكمال إجراءات التحكيم. فالمحكمة تدخلت – تدخلًا ناعمًا - برسم خريطة طريق أمام الأطراف. ويبدو أن الأطراف لم يحتاجوا إلى الرجوع إلى المحكمة مرة أخرى؛ حيث لم يصدر عن القضاء السنغافوري أحكامٌ أخرى في ذات النزاع.
الرقابة القضائية عند تعذُّر التشكيل – استئناف قطر لعام 2018
شهد القضاء القطري – بالتطبيق لقانون التحكيم القطري لعام 2017 - لجوء الأطراف إليه في تحكيمات مؤسسية طلبًا لتعيين المحكم. ويجمع الأحكام التي أطلعنا عليها أن بعضها قد صدر في شأن تحكيم مؤسسي أجنبي يخضع للمحكمة الدولية للتحكيم بغرفة التجارة الدولية، ولم يحدث إبطال لاتفاق الأطراف في شأن منح سلطة التعيين لتلك المحكمة بسند "تنازع الاختصاص الولائي" مع القضاء القطري؛ مما يُؤشر إلى أن حكم محكمة التمييز القطرية لعام 2015 – السابق الإشارة إليه - بشأن "محكمة لندن للتحكيم الدولي"، سيصبح منعزلًا ولن يكرَّر.
ولقد تدخلت محكمة الاستئناف القطرية، في حكمها الصادر في جلسة 26/3/2018، في تعيين محكمٍ فرد، في تحكيم مؤسسي خاضع لقواعد تحكيم غرفة التجارة الدولية، اتفق الأطراف على إجرائه في الدوحة؛ وذلك نتيجة عدم قيام المحكمة الدولية للتحكيم بغرفة التجارة الدولية، بتعيين ذلك المُحكَّم. وذلك في نزاعٍ؛ حيث استندت غرفة التجارة الدولية على أن الشركة المحتكم ضدها تعذَّر مراسلتها بالبريد السريع الدولي، لعدم دقة عنوان المراسلة، والمقدَّم من الشركة المحتكمة. وذلك على الرغم من أن الشركة المحتكمة كانت قد راسلت المحكمة الدولية للتحكيم بفرنسا مؤكدةً أنها قد استوفت التزامها الإعلان الكتابي بضوابطه في قانون التحكيم القطري لعام 2017(129. فلا شك أن هذه السابقة القضائية تُعدُّ تطبيقًا لمبدأ الرقابة القضائية على هيئة التحكيم قبل تمام تشكيلها؛ بإعانة الأطراف عند تعذُّر قيام مؤسسة التحكيم الأجنبية القيام بدورها في التشكيل.
على إننا لا نوافق محكمة الاستئناف القطرية – في حكمها الصادر في جلسة 26/3/2018 - عند استنادها لسلطتها في التعيين على نص المادة 11/5 من قانون التحكيم القطري لعام 2017 بشأن مواعيد تعيين المحكمين، فالتحكيم لم يكُن حرًا. فتلك الفقرة تتعلَّق بمؤازرة المحكمة المختصة – أو السلطة الأخرى – للتحكيم الحر عند تعذُّر تشكيل هيئته، في حين أن التحكيم الماثل كان مؤسسيًّا. ففي رأينا، الفقرة الواجبة التطبيق هي السادسة، وبصفة خاصة البند (ج) من فروضها الثلاثة.
فالمادة 11/6 من قانون التحكيم القطري تتعلَّق بالمهمَّة الاحتياطية للمحكمة المختصة (أو السلطة الأخرى عند الاتفاق) في تعيين محكمٍ وفقًا لإجراءات اتفق عليها الأطراف، في فروضٍ ثلاثة: عدم قيام طرف بإجراءٍ مسبق يقتضيه إجراء التعيين (المادة 11/6/أ)(130، أو لم يتمكن الطرفان أو المحكمان من تنفيذ الإجراء الاتفاقي (المادة 11/6/ب)، أو إذا تخلَّف الغير عن أداء مهمَّةٍ موكلةٍ إليه وفقًا لهذه الإجراءات (المادة 11/6/ج). والقضية الماثلة هي محض تطبيق للحالة الثالثة.
وحيث إن التحكيم – في حكم الاستئناف الصادر بجلسة 26/3/2018 - كان طلبه بتاريخ 26/2/2017، وحيث إن أحدث نسخة من قواعد تحكيم غرفة التجارة الدولية (لعام 2017) دخلت في حيز النفاذ في 1/3/2017؛ فإن قواعد تحكيم الغرفة النافذة – على القضية الماثلة – كانت قواعد التحكيم لعام 2012. تلك هي "إجراءات تعيين اتَّفق عليها الأطراف"، بألفاظ صدر نص المادة 11/6 من قانون التحكيم القطري لعام 2017.
أمَّا عدم قيام المحكمة الدولية للتحكيم بتعيين المحكم الفرد، بالاستناد على عدم تسلُّم المحتكم ضدها لطلب التحكيم لعدم دقة عنوان المراسلة، فهي حالة: "إذا تخلف الغير، عن أداء مهمَّةٍ موكلةٍ إليه وفقًا لهذه الإجراءات" - بألفاظ البند (ج) من المادة 11/6 من قانون التحكيم القطري لعام 2017 نفسها. ومن ثمَّ؛ فإن الدقة كانت توجب الإشارة إلى المادة 12/3 من قواعد تحكيم غرفة التجارة الدولية لعام 2012، والتي تُقرَّر أن ميعاد تسمية “nomination” المحكم المنفرد “sole” (لأجل تثبيته “confirmation” من محكمة التحكيم الدولية) ثلاثون يومًا من تاريخ تسلُّم الطرف الآخر (أي المحتكم ضده) لطلب التحكيم.
وكذلك كان من الواجب ذكر سبب تدخل القضاء القطري بالتعيين على سبيل الاستثناء، فالمناط به التعيين كان محكمة التحكيم الدولية بغرفة التجارة الدولية. فينبغي التأكد من أن المحكمة الدولية للتحكيم لم تقُم بمهمتها في التشكيل بالتطبيق لقواعد تحكيم الغرفة لعام 2012. فهنا يتدخَّل القضاء لمراقبة تعذُّر تشكيل هيئة التحكيم ليس بفعل الأطراف، ولكن لعدم قيام مؤسسة التحكيم بمهمتها في التشكيل.
فلو أن سند محكمة الاستئناف كان مجرد المادة 11/5 من قانون التحكيم القطري لعام 2017، لما كان عليها التزام التأكد من عدم قيام محكمة التحكيم الدولية بغرفة التجارة الدولية من دورها. فضلًا عن أن تفاصيل المادة 11/5 من قانون التحكيم القطري، تختلف عن تلك الخاصة بالمادة 12/3 من قواعد تحكيم غرفة التجارة الدولية(131.
وبذلك، نوصي القضاء القطري عند لجوء طرفٍ إليه، طالبًا المعونة في تعيين المحكم، متجاوزًا مؤسسة التحكيم المتفق عليها، أن يتأكد من سبب تأخر المؤسسة في التعيين؛ فقد يكون السبب عائدًا إلى الطرف الذي لجأ إلى المحكمة القطرية، كما في حال عدم سداده لرسوم واجبة إلى مؤسسة التحكيم، أو أنه سيء النية يرغب في إرباك العلاقة بين مؤسسة التحكيم وهيئة التحكيم المستهدف تعيينها. ونذكِّر في هذا المقام، بالاتجاه الحديث للقضاء والذي يحرص أن يكون تدخله ناعمًا، من خلال منح أكبر فرصة لتفعيل شرط التحكيم، فالقاضي لا يندفع بالتعيين (التدخل الخشن)، بل قد يقدم مقترحات للأطراف (خطة الطريق)، يتدخل عقبها إذا لم ينجح الأطراف في اتباعها.
تتحقَّق رقابة القضاء على مشاكل قيام مؤسسة التحكيم بمهمَّة التعيين، بمناسبة نظره لدعوى بطلان حكم التحكيم أو التظلم من الأمر المتعلَّق بتنفيذه، وذلك بمناسبة مراقبة صحة تشكيل هيئة التحكيم(132. وكما سبقت الإشارة، لن يتيسر هذا الأمر في دولة قطر – عقب صدور قانون التحكيم القطري لعام 2017 - إلَّا بموجب التفسير المرن لوصف "نهائية" "وعدم قابلية الطعن" في قرار مؤسسة التحكيم. وتثير الرقابة القضائية للتعيين المؤسسي للمحكم: مدى قبول دعوى بطلان التعيين قبل صدور حكم التحكيم النهائي (الفرع الأول)؛ وإطار مشروعية هذا التعيين (الفرع الثاني).
مدى قبول دعوى بطلان التشكيل قبل صدور حكم التحكيم النهائي
وحيث إننا قد انتهينا إلى أن قرار السلطة الأخرى (أي مؤسسة التحكيم) يتمتع بتكييف عقدي، فهو ليس بحكم؛ فإن الأصل هو الحكم بعدم قبول الدعوى بتدخل القضاء قبل صدور حكم التحكيم النهائي، مع مراعاة الحالة الاستثنائية التي نص عليها قانون التحكيم القطري - نقلًا عن القانون النموذجي - بشأن قبول دعوى بطلان حكم التحكيم التمهيدي برفض الدفع بعدم اختصاص هيئة التحكيم.
أوَّلًا – مبدأ عدم قبول رفع دعوى بطلان حكم التحكيم قبل الأوان
يستقر الفقه على أنه: "لا تقبل دعوى البطلان ضد القرارات التي تصدر من الجهات المشرفة على التحكيم عندما يكون التحكيم مؤسسيًّا. فما يصدر من قرارات من مركز التحكيم يجري التحكيم وفقًا لنظامه أو تحت إشرافه لا يعتبر حكم تحكيم، ولا يجوز مهاجمته بواسطة رفع دعوى بطلان حكم التحكيم التي ينظمها قانون التحكيم"(133.
وهذا هو ما انتهت إليه محكمة الاستئناف القطرية في حكمها السابق الإشارة إليه، والصادر في 18/2/2019 بالحكم بعدم قبول دعوى إيقاف إجراءات تحكيم لدى مركز قطر الدولي(134، عقب اكتمال تشكيل هيئة التحكيم، فهذا الطلب في حقيقته دعوى بطلان موجهة إلى حكم التحكيم – الذي لم يصدر بعد – مستندة إلى بطلانٍ في التشكيل.
ثانيًا – دعوى بطلان حكم التحكيم التمهيدي برفض الدفع بعدم الاختصاص
على أنه يحسب لصالح قانون التحكيم القطري لعام 2017، مقتفيًا القانون النموذجي، أنه سمح برفع دعوى بطلان حكم التحكيم قبل صدور حكم التحكيم النهائي، عند رفض الدفع بعدم اختصاص هيئة التحكيم بحكم قبل الفصل في الموضوع؛ إنها المادة التي تحمل ذات الرقم بين القانونيين(135.
فيجوز لصاحب الدفع أن يلجأ إلى المحكمة المختصة – أو السلطة الأخرى – خلال ثلاثين يومًا من تاريخ إعلانه بهذا الحكم التمهيدي، وعندئذ قد يستند رافع دعوى البطلان على عيبٍ في تشكيل هيئة التحكيم بسبب قرار تعيين مؤسسة التحكيم للمحكم.
وفي رأينا، إذا كان التحكيم مؤسسيًّا يجري في دولة قطر؛ فإنه يلزم لاختصاص مؤسسة التحكيم (بوصفها سلطة أخرى) الاختصاص بنظر دعوى بطلان حكم التحكيم التمهيدي بالاختصاص، أن يكون الأطراف قد منحوا مؤسسة التحكيم ليس فقط سلطة إدارة التحكيم – بما في ذلك تعيين المحكمين – بل أيضًا سلطة الفصل في دعوى بطلان حكم التحكيم التمهيدي بالاختصاص. وذلك نزولًا على مبدأ أن وظائف السلطة الأخرى متعدَّدة(136، وهي لا تتمتع بأيٍّ منها إلَّا بموجب اتفاق الأطراف على منحها كل من تلك الوظائف. فالمشرع القطري قد عرَّف السلطة الأخرى بأنها يختارها الأطراف لتختص بأداء وظائف معينة(137.
وفي رأينا – كذلك - أن قرار مؤسسة التحكيم – بوصفها السلطة الأخرى – في دعوى بطلان حكم التحكيم التمهيدي، يُكيَّف بأنه عمل "عقدي"، "غير قضائي"، وينصرف إليه – أيضًا – المفهوم الخاص في عدم القابلية للطعن، علمًا بأن النص لم يذكر "نهائية" لهذا القرار(138، فلا يوجد ما يمنع من إعادة التظلم في شأنه أمام من أصدره. وطالما أن المشرَّع لم يذكر أن هذا القرار نهائي؛ فإنه لا يتمتَّع – من باب أولى - بحجية الشيء المحكوم به أمام المحكمة المختصة بنظر دعوى بطلان حكم التحكيم، أو منازعات الأمر بتنفيذه.
إطار مشروعية التعيين المؤسسي للمحكم
يلزم لمشروعية التعيين المؤسسي للمحكم أن يتم بعدم المخالفة للقانون والاتفاق، ما لم يكن الأطراف قد تنازلوا عن عيب التشكيل. على أن العصر الحديث بدأ يشهد استثناءً على هذا المبدأ في شأن مدى جواز تعديل مؤسسة التحكيم لاتفاق الأطراف، وذلك في شأن ما يُعرف بالتحكيم المعجَّل.
أوَّلًا – ارتباط مشروعية التعيين المؤسسي بعدم مخالفة القانون والاتفاق
لا تتمتع مؤسسة التحكيم بسلطة مطلقة في شأن تعيين المحكم، فهي تقوم بها في إطار من القيود القانونية والاتفاقية(139، وبالمستوى المعهود في مؤسسات التحكيم المثيلة، وإلا ترتَّب فضلًا عن بطلان تشكيل هيئة التحكيم، ومن ثم بطلان ما يصدر عنها من قرارات وأحكام، المسؤولية المدنية لهذه المؤسسة تجاه أطراف التحكيم نتيجة إخلالها بعقد تنظيم التحكيم المؤسسي.
ولسنا بحاجة – في هذا المقام – إلى تفصيل القيود القانونية؛ حيث نكتفي بالتذكير أنها تتعلق بصلاحية المحكم للقيام بالمهمة، ووترية هيئة التحكيم(140، وعدم علم المؤسسة بما يمس حيدة واستقلال المحكم، ومراعاة مؤسسة التحكيم للمساواة “égalité” بين أطراف التحكيم عند القيام بتعيين المحكم(141.
فمثلًا في شأن المساواة، لا يجوز أن ينفرد أحد الأطراف بتعيين مُحكَّمٍ، في حين تُعيَّن مؤسسة التحكيم مُحكَّمًا عن بقية الأطراف في تحكيمٍ متعدَّد الأطراف(142. كذلك؛ فإن موضوع القيود الاتفاقية متسعُ، وهي الصفات المشروعة التي يكون الأطراف قد اتفقوا في وجوب اتصاف المحكم بها، كاشتراطهم أن يكون المحكم متمتعًا بقدر من الخبرة أو التخصص أو الجنسية(143.
ثانيًا - تقيُّد الرقابة القضائية بمبدأ عدم التناقض الإجرائي
ولا يغيب عن الذهن أنه ليست كل عيوب تشكيل هيئة التحكيم تفضي بالضرورة إلى بطلان تشكيل هيئة التحكيم. فلا يخفى أن بعض عيوب تشكيل هيئة التحكيم لا تتعلَّق بالنظام العام، كما هو الحال في شأن شرط الحيدة والاستقلال(144. ومن ثمَّ، وجب على صاحب المصلحة إذا علم بعيب تشكيل هيئة التحكيم، لا يتعلق بالنظام العام، يعود إلى تعيين مؤسسي معيب للمحكم؛ ألَّا يتأخر في الاعتراض عليه خلال الميعاد المتفق عليه، فإن لم يكن هناك اتفاق على مثل هذا الميعاد فبدون تأخير غير مبرَّرٍ.
فالمادة 5 من قانون التحكيم القطري تنص على أنه:
"إذا علم أحد الأطراف بوقوع مخالفة لحكم من أحكام هذا القانون مما يجوز للأطراف مخالفته، أو لشرط من شروط اتفاق التحكيم، واستمر مع ذلك في إجراءات التحكيم دون أن يبادر إلى الاعتراض على هذه المخالفة في الميعاد المتفق عليه، أو بدون تأخير غير مبرَّر عند عدم الاتفاق، اعتبر ذلك نزولًا عن حقه في الاعتراض".
ومن ثمَّ – لا يجوز التمسك بعيب في تشكيل هيئة التحكيم بسبب تعيين مؤسسي معيب للمحكم – لسبب لا يتعلق بالنظام العام - لأول مرة أمام قاضي دعوى البطلان أو الأمر بالتنفيذ أو التظلم في ذلك الأمر، يعلم به الطرف المعني، أو تأخر في إثارته عن الميعاد المتفق عليه أو بدون عذر مبرَّر عند عدم الاتفاق على ميعاد؛ وذلك إعمالًا لمبدأ عدم التناقض الإجرائي(145، وهو المبدأ الذي تبناه القانون النموذجي(146، وعنه نقل قانون التحكيم القطري(147. والذي يُفسر بالنزول عن الاعتراض ضمنًا(148.
ثالثًا – سلطة تعديل مؤسسة التحكيم لاتفاق التحكيم (التحكيم المعجل)
على أنه عند الاتفاق على تحكيم مؤسسي تنص قواعده على إعلاء إرادة المؤسسة على إرادة الأطراف، كما في حالات التحكيم "المُعجَّل" “Expedited”(149؛ فإنه – في رأينا - يصح قرار مؤسسة التحكيم، وإن كان مخالفًا لاتفاق التحكيم، طالما تمَّ بضوابطه التي تنصُّ عليها قواعد التحكيم(150. فالأطراف ارتضوا من البداية أن يكون اتفاقهم مجرد مشروعٍ يخضع لإرادة المؤسسة؛ أي إن علو إرادة مؤسسة التحكيم غير حقيقيٍّ، فهو في حقيقته علوٌ لإرادة الأطراف.
ومن ثمَّ، إذا قرَّرت المحكمة الدولية للتحكيم بباريس إعمال المادة 30 من قواعد تحكيمها لعام 2017(151 – ومرفقها الرابع بشأن "نصوص الإجراء المُعجَّل" “Expedited Procedure Provisions”(152 - والتي تعطيها في بعض الأحوال إخضاع التحكيم لإجراءات التحكيم المُعجَّل من قبل محكم فرد، على الرغم من اتفاق الأطراف على تحكيم ثلاثي؛ فإن قرار التعيين المؤسسي يكون صحيحًا، والحال أن قواعد التحكيم لعام 2017، تنص على أن الأطراف بلجوئهم إلى هذه القواعد يرتضون تدخل المحكمة الدولية للتحكيم على خلاف اتفاقهم، وطالما تمَّ ذلك بالضوابط المتمثلة في: (1) أن اتفاق التحكيم قد تمَّ إبرامه قبل 1 مارس 2017؛ و(2) أن مبلغ النزاع لا يتعدى 2 مليون دولار أمريكي؛ و(3) أن الأطراف لم يقرروا حرمان المحكمة الدولية للتحكيم من تلك السلطة التقديرية.
وبذلك ننتهي إلى أن قيام مؤسسة التحكيم – الوطنية أو الأجنبية – في دولة قطر بتعيين المحكم هو تطبيقٌ من تطبيقات مبدأ حرية الأطراف الإجرائية، والمستقرة في دولة قطر سابقًا (المادة 195/1 من قانون المرافعات) وحاضرًا (المادة 3 من قانون التحكيم لعام 2017).
على أن قانون التحكيم القطري لعام 2017 قد عزَّز من سلطة مؤسسة التحكيم في تعيين المحكم، فجعل قرارها "نهائيًّا" و"غير قابلٍ للطعن" (المادة 11/7). وعلى الرغم من أن نصوص قانون التحكيم القطرية المُلغاة كانت تنص على "عدم القابلية للطعن بالاستئناف" في شأن حكم القضاء في التعيين (المادة 195/2)؛ إلَّا أن النص لم يكن يُحدَّد الموقف من قرارات مؤسسات التحكيم، والحال أن تلك النصوص كانت منصبة على التحكيم الحر.
ولئن كانت نصوص "نهائية" و"عدم قابلية" قرارات مؤسسات التحكيم (بصفتها السلطة الأخرى في قانون التحكيم القطري) – الوطنية والأجنبية – تجتمع في ذات الوقت مع نصوص قرارات المحكمة المختصة (المواد: 11/7؛ و13/1؛ و14/1؛ و16/3)؛ إلَّا إننا نوصي القضاء القطري ألَّا يساوي في مفهوم هذه الصفات بين الجهتين، والحال أن مصدر سلطة مؤسسة التحكيم هو "إرادة الأطراف"؛ في حين إنها "إرادة المشرع" في شأن المحكمة المختصة.
فإذا كانت قرارات المحكمة المختصة يغلب أن تكون عملًا قضائيًّا؛ إلَّا أن قرارات مؤسسة التحكيم في مجال تعيين المحكم، هي عملٌ عقدي. ومن ثمَّ، فإننا نوصي القضاء القطري أن يُفسَّر "نهائية" قرار تعيين مؤسسة التحكيم على أن معناه عدم التظلم منه مرة أخرى أمام الجهة المصدرة له. وأن يُفسَّر "عدم القابلية للطعن" بأنه عدم جواز اللجوء إلى القضاء ابتداءً، قبل صدور حكم التحكيم.
وبذلك؛ فإننا نوصي القضاء القطري – نزولًا على التكييف العقدي لعمل مؤسسة التحكيم - عدم منح قرار مؤسسة التحكيم بالتعيين أو عدمه، حصانةً قضائيةً، وبأن يقوم بالرقابة على صحة تشكيل هيئة التحكيم – بما في ذلك صحة قرار التعيين المؤسسي للمحكم، فضلًا عن جواز التدخل بمساعدة المحتكمين عند وجود تعذُّر في التشكيل.
على أننا نوصي القضاء القطري أن يمارس كل من المساعدة والمراجعة القضائية بأقل قدرٍ ممكن من التدخل. فعند تعذر تشكيل هيئة التحكيم المؤسسي، عليه أن يقتدي بالقضاء المقارن، والذي لا يندفع إلى إبطال اتفاق التحكيم المؤسسي ولو كان عليلًا، فيقدم مبدأ فعالية شرط التحكيم، وإن تطلب ذلك أن يعين الأطراف بإعادة تكييف شرط تحكيمه، فيصفه بالحر. وفي شأن تشكيل هيئة التحكيم؛ ألَّا يندفع القاضي إلى تعيين المحكم، ولكن يتأكد من استنفاد مؤسسة التحكيم لسلطتها، وفشل خطة الطريق، في ظل ما نصفه بالتدخل الناعم غير الخشن. فإن كان شرط التحكيم المؤسسي عليلًا، يعيد تكييفه إلى شرط تحكيم "حر"، ويعيد تكييف "وظيفة" مؤسسة التحكيم فيصفها بأنها مجرد "سلطة تعيين" دون اختصاصٍ في التنظيم، فإن لم تقم مؤسسة التحكيم بالوظيفة الجديدة (سلطة التعيين)، تدخل هو في التعيين.
ولئن تميَّز قانون التحكيم القطري لعام 2017 بأنه يلزم برفع دعوى بطلان حكم التحكيم التمهيدي بالاختصاص، دون انتظار حكم التحكيم النهائي، مع إمكانية الاتفاق على منح الاختصاص بشأنها إلى مؤسسة تحكيم بوصفها سلطة أخرى؛ إلَّا أننا نوصي القضاء القطري بعدم السماح بنظر مؤسسة التحكيم لدعوى بطلان حكم تحكيم، إلَّا بموجب اتفاق خاص في هذا الشأن، وبأن ما ينتج من قرار للمؤسسة هو عمل عقدي، فهو ليس بحكم قضائي، فلا يقيد القضاء عند نظر دعوى حكم التحكيم النهائي، أو منازعة تنفيذ هذا الحكم، خاصةً وأن النص القانوني لم ينص على نهائية هذه القرارات.
وإن كُنَّا قد أوصينا بفتح الباب في المراقبة القضائية صحة تشكيل هيئة التحكيم عند التعيين المؤسسي للمحكم؛ إلَّا أننا نُفضل أن يتم ذلك بأقل قدرٍ ممكنٍ من التدخل، في حدود احترام قرارات مؤسسة التحكيم لاتفاق الأطراف، والقانون الواجب التطبيق على الإجراءات، ومع الأخذ في الاعتبار ألَّا يكون طالب الإبطال في حالٍ من التناقض الإجرائي.
ونوصي القضاء القطري أن يستفيد من الخبرة المحلية عند قيامه بالتعيين، كما تفعل الدول المتقدمة في التحكيم، كما هو الحال في: ماليزيا، وهونج كونج، وسنغافورة، وأستراليا. فلا بأس أن يطلب القاضي من مركز تحكيم وطني قديم ومتنوع الخبرة – مثل مركز قطر الدولي للتوفيق والتحكيم - المعونة في تزويده بعدة ترشيحات تتعلَّق بالمحكمين، بما يناسب موضوع النزاع، وصفات المحكم التي اتفق عليها الأطراف (عند وجودها). ولا يوجد ما يمنع من أن يُخيَّر القاضي – بموجب حكم تمهيدي - الأطراف بين عدة ترشيحات (ثلاثة على سبيل المثال)، ويطلب من الأطراف أن يردوا خلال أجلٍ معينٍ، بعد حذف من لا يناسبهم من المرشحين، وأن يعيدوا ترتيب قائمة المرشحين بحسب ما يفضلونه. وبذلك يصدر الحكم بتعيين المحكم، بأكبر قدرٍ من التوافق مع رغبة الأطراف. وبصفةٍ خاصةٍ، ألَّا يكون الحل لدى القاضي باللجوء إلى قائمة الخبراء، فلو كان ذلك هو خيار الأطراف، لما اتفقوا على التحكيم وكانوا قد اختاروا وسيلة الخبرة لفض النزاع.
وأخيرًا، ألقينا الضوء على ظاهرة مستجدة في مجال التحكيم المؤسسي تتمثَّل في استحداث بعض مؤسسات التحكيم لإجراءات للتعجيل من تسوية بعض المنازعات – قليلة ومتوسطة القيمة –؛ مما قد يؤدي إلى انفراد مؤسسة التحكيم بتعيين محكمٍ فردٍ، معدلًا لاتفاق الأطراف على هيئة تحكيم ثلاثيَّة أو غيره من التعدُّد – مثل قواعد تحكيم غرفة التجارة الدولية لعام 2017 (المادة 30)؛ لذا فقد أوصينا القضاء القطري أن يتَّسع صدره فيجيز قرار مؤسسة التحكيم المُعدّل لاتفاق الأطراف، طالما أن تلك المؤسسات قد مارست سلطتها في تعديل اتفاق الأطراف وفقًا للضوابط التي نصت عليها قواعد تحكيمها، وأهمها عدم اتفاق الأطراف على استبعادها (وهو ما يُعرف بخيار Opting-out).
أولًا – الفقه:
1- باللغة العربية:
إبراهيم، محمد محمود (1982)، النظرية العامة للتكييف القانوني للدعوى في قانون المرافعات، القاهرة: دار الفكر العربي.
أبو الوفا، أحمد (1990)، المرافعات المدنية والتجارية، الطبعة الخامسة عشرة، الإسكندرية: منشأة المعارف.
أبو الوفا، أحمد (1989)، نظرية الأحكام في قانون المرافعات، الطبعة الرابعة، الإسكندرية: منشأة المعارف.
الحمادي، حسن (2008)، نظرية الحكم القضائي في الشريعة الإسلامية (حجية الأمر المقضي فيه) – النظرية العامة وتطبيقاتها – دراسة تأصيلية تشريعية تطبيقيّة موازنة، معهد التدريب والدارسات القضائية، دولة الإمارات العربية المتحدة: أبو ظبي.
الشاذلي، ياسين ومرعي، محمد نادر (2018)، الوجيز في شرح قانون التحكيم القطري الجديد رقم 2 لسنة 2017، وزارة العدل القطرية: الدوحة.
ختشادوريان، ميناس (2017)، "إطلالة على قانون التحكيم القطري الجديد"، مجلة التحكيم العالمية، السنة التاسعة، العدد 35 (يوليو).
عبد الحميد، رضا السيد (1997)، تدخل القضاء في التحكيم بالمساعدة والرقابة، القاهرة: دار النهضة العربية.
2– باللغة الإنجليزية:
Berger, K. P. (2018). ‘Institutional Arbitration: Harmony, Disharmony and the “arty Autonomy Paradox’, Arbitration International, 34 (4).
Born, B. G. (2016). International Arbitration: Law and Practice, 2nd ed., Wolters Kluwer.
Broches, A. (1990). Commentary on the UNCITRAL Model Law on International Commercial Arbitration. Boston: Kluwer Law and Taxation Publishers.
Fry, J. (2013). ‘HKL Group Ltd v. Rizq International Holdings Pte. Ltd. and HKL Group Co. Ltd. v. Rizq International Holdings Pte Ltd.’, Journal of International Arbitration, 30(4).
Fry, J., Greenberg, S. and Mazza, F. (2012). The Secretariat’s Guide to ICC Arbitration. Paris: ICC Publication.
Gerbay, R. (2016). The Functions of Arbitral Institutions, International Arbitration Law Library, Volume 38, Kluwer Law International.
Nicholls, A. Ch. and Christopher Bloch, Ch. (2014), ‘ICC Hybrid Arbitrations Here to Stay: Singapore Courts’ Treatment of the ICC Rules Revisions in Articles 1(2) and 6 (2)’, Journal of International Arbitration, 31 (3).
Ricardo Feris, J. (2017). ‘The 2017 ICC Rules of Arbitration and the New ICC Expedited Procedure Provisions – A View from Inside the Institution”, ICC Dispute Resolution Bulletin, Issue 1.
Schroeter, U. G. (2017). ‘Ad Hoc or Institutional Arbitration — A Clear-Cut Distinction? A Closer Look at Borderline Cases’, Contemporary Asia Arbitration Journal, 10 (2), pp. 141-199. Available at SSRN: https://ssrn.com/abstract=3085554.
3- باللغة الفرنسية:
Clay, Th. (2001). L’arbitre, Bibliothèque de thèses, Paris: Dalloz.
Derains, B. and Derains, Y. (2010). ‘Samsung Electronics Co Ltd v. Mr Michael Jaffe, administrator/liquidator of Qimonda AG, Tribunal de Grande Instance of Paris, 10-50604, 22 January 2010’, A contribution by the ITA Board of Reporters, Kluwer Law International.
ثانيًا – الاجتهاد القضائي العربي:
1- محكمة التمييز القطرية:
تمييز مدني، الطعن رقم (62) لسنة 2011، جلسة 14/6/2011، المكتب الفني، س 7.
تمييز مدني، الطعن رقم (65) لسنة 2011، جلسة 14/6/2011، المكتب الفني، س 7.
تمييز مدني، الطعن رقم (226) لسنة 2012، جلسة 25/12/2012، المكتب الفني، س 8.
تمييز مدني، الطعن رقم (110) لسنة 2015، جلسة 12/5/2015، المكتب الفني، س 11.
تمييز مدني، الطعن رقم (128) لسنة 2015، جلسة 26/5/2015، المكتب الفني، س 11.
تمييز مدني، الطعن رقم (351) لسنة 2016، جلسة 7/2/2017، غير منشور.
2- محكمة الاستئناف القطرية:
3- مجلس الدولة المصري:
3- المحكمة الابتدائية:
المحكمة الكلية، الدائرة (1)، القضية رقم (3147) لسنة 2015 مدني كلية، جلسة 31/1/2016، مجلة التحكيم العالمية، العدد 38، أبريل 2018.
ثالثًا – الاجتهاد القضائي الغربي:
CA Paris, 22 janvier 1982, Société Appareils Dragon c/ Empresa central de abastecimientas y vantas de equipos, Rev. arb., 1982, p. 91, note Mezger.
أستاذ القانون التجاري والبحري، كلية القانون، دولة قطر.
المشاهدات
التحميلات
الاستشهادات
المؤلفون
إصدار
السنة