This research aimed to know the adequacy of the rules of civil tort liability in changing the damage resulting from the use of artificial intelligence systems, in order to find out the legal texts and procedures regulating tort liability for artificial intelligence technologies, whether the producer, programmer, or user.
It is also interested in the adequacy of the legislative texts in civil law. Qatari No. (22) of 2004, which regulated the issue of tort liability, and its application to liability for harmful action (wrong), and thus arriving at a conclusion related to the effectiveness of these legislations in compensating for damages resulting from artificial intelligence applications, and their clarity and lack of ambiguity in their texts.
Otherwise, the practical application is exposed to obstacles and difficulties that result in problems in determining the legal nature of the personality of artificial intelligence technologies.
To achieve the objectives of the research, the researcher relied on the descriptive, analytical, comparative, and inductive approach.
The research reached several results, the most important of which are: that artificial intelligence methods and technologies are inanimate objects; therefore compensation includes material damage, moral and physical damage, and this is confirmed by Article (215) of the Qatari Civil Code.
Jurisprudence clarified that adapting the idea of guarding to suit artificial intelligence requires distinguishing between guarding material property and moral property, and distinguishing between artificial intelligence and its support. The body carrying artificial intelligence accepts the idea of guarding, like other machines and inanimate objects. Therefore, it is possible to resort to the theory of objectified liability to compensate for damages resulting from any harm originating from robots.
أدى التغير التكنولوجي السريع إلى ظهور تطبيقات أنظمة الذكاء الاصطناعي(1، وعلى الرغم من الإيجابيات التي وفرتها أنظمة الذكاء الاصطناعي في هذا العصر؛ مثل زيادة الإنتاج، وانخفاض التكاليف، وزيادة الكفاءة في المجالات كافة، والتقليل من احتمالات الخطأ، وغير ذلك؛ فإنها أبرزت في المقابل تحديات قانونية(2؛ إذ يعد استخدام أنظمة الذكاء الاصطناعي ظاهرة جديدة غير مفهومة بشكل كامل، ويختلف استخدامها عن خوارزميات الحاسوب التقليدية من حيث إنه قادر على تدريب نفسه على أساس خبرته المتراكمة(3؛ إذ تتيح هذه الميزة الفريدة للذكاء الاصطناعي التصرف بشكل مختلف اعتمادا على الإجراءات التي تم تنفيذها سابقا، ولذلك فقد تكون معظم الحالات التي يتم فيها استخدام أنظمة الذكاء الاصطناعي غير واضحة إلى حد ما، ورغم ذلك؛ فقد يتم استخدام الذكاء الاصطناعي بشكل متزايد في الحياة اليومية، وفي بعض الأحيان يستمتع الناس بفوائد الذكاء الاصطناعي دون أن يدركوا ذلك(4.
ويؤدي الاستخدام المتزايد لأنظمة الذكاء الاصطناعي في مجال الأنشطة العامة إلى ظهور بعض التحديات في مجال التشريعات الناظمة التي تحدد المسؤولية التقصيرية الناشئة عن استخدام أنظمة الذكاء الاصطناعي؛ فالمسؤولية التقصيرية تتحقق بموجب التشريعات التقليدية إذا ارتكب شخص طبيعي أو معنوي خطأ يفرض عليه القانون التعويض الذي لحق بالآخرين، وهذا ما أكده المشرع القطري بموجب نص المادة (199) من القانون المدني رقم (22) لسنة 2004م؛ حيث جاء فيها: "كل خطأ سبب ضررا للغير يلزم من ارتكبه بالتعويض، وبموجب نص هذه المادة يجب أن يتحقق الخطأ الذي تسبب بالضرر لقيام المسؤولية التقصيرية، وما يتبعه من ضرورة أن يتم التحقق من شخص من صدر الفعل منه وهو مميز، المتمثل في إدراك ماهية الفعل ويميزه(5.
لقد تمكنت أنظمة الذكاء الاصطناعي القادرة على التعلم والتنظيم من تطوير قدرات فكرية مماثلة للعقل الإنساني، فأصبحت تقوم بالعمليات التي يقوم بها الإنسان(6؛ لذا فمن الضروري الوقوف على المسؤولية التقصيرية عن الأضرار الناشئة عن هذه التقنيات؛ إذ يشهد الواقع العملي تنوع الصور التي يمكن أن تتحقق من خلالها المسؤولية التقصيرية، في ظل ما يشهده العالم من تكنولوجيا متطورة وسريعة مرتبطة بالذكاء الاصطناعي، وظهور أجهزة الروبوتات المتطورة الذكية، التي لديها القدرة على محاكاة الإنسان والتحدث معه، ومنافسته في المجالات الإنسانية والاجتماعية والاقتصادية والأمنية كافة، الأمر الذي أدى إلى ضرورة البحث في الأطر التشريعية والقانونية التي تضبط الأخطاء الناجمة عنه، وتحد من المشكلات والتحديات والمخاطر التي أفرزتها التكنولوجيا الحديثة المتطورة، وذلك من خلال القانون المدني والقواعد العامة التي تمثل الشريعة العامة لتحديد المسؤولية التقصيرية لضبط الاستعمال السلبي لأنظمة الذكاء الاصطناعي؛ كي تجاري قدرات انتشاره، وتنظم القواعد القانونية عن استعماله، وتحمل المسؤولية التقصيرية والأخلاقية عن أعماله، وفق أطر قانونية وتنظيمية تساعد في مراقبة تطبيقات الذكاء الاصطناعي، ومراجعتها، وضمان تقديمها بشكل يفيد البشرية.
وبالنظر إلى أهمية الذكاء الاصطناعي وتأثيره العميق في الحياة اليومية؛ فإن تحديد المسؤولية التقصيرية يعد أمرا حيويا؛ لذا سنتناول في هذا البحث المسؤولية التقصيرية الناشئة عن استعمال أنظمة الذكاء الاصطناعي، وندرس فائدتها، وأهميتها في تطوير التشريعات القانونية المدنية الناظمة في دولة قطر؛ لمواجهة المخاطر والتحديات الناجمة عن استعمال أنظمة الذكاء الاصطناعي؛ بالبحث والتحليل والاستنتاج.
الإشكالية البحثية:
تستند الثورة التقنية الحالية إلى التحول التكنولوجي القائم على استخدام أنظمة الذكاء الاصطناعي؛ إذ أصبح مصطلحا رائدا في مجال تقنية المعلومات والتكنولوجيا الذكية المتطورة، الذي يهدف إلى فهم التفكير الإنساني، ومحاكاة سلوكه الذي يتميز بالتفكير والتحليل والنقد واتخاذ القرارات المستقلة وتكوين الآراء؛ فقد أضحى الواقع العملي يتمثل في مواجهة التحديات القانونية الناشئة عن استخدام هذه التكنولوجيا المتطورة في ظل التشريعات القانونية التقليدية؛ لذا يمكن طرح الإشكالية البحثية من خلال السؤال الرئيس الآتي: ما مدى كفاية قواعد المسؤولية التقصيرية في جبر الضرر الناشئ عن استعمال أنظمة الذكاء الاصطناعي؟
أهمية البحث:
نظرا للتقدم الهائل في أنظمة وأدوات الذكاء الاصطناعي، واستقلاليتها التامة عن الإنسان في التصرف واتخاذ القرارات، أضحت القواعد القانونية المدنية التقليدية لتحديد المسؤولية عن الخطأ والأضرار التي تلحق بالآخرين غير كافية، وخاصة في ظل تعدد الأشخاص المسؤولين عن صناعة الروبوتات الذكية، وإلقاء الضوء على سياسة المشرع القطري في تطبيق أحكام المسؤولية التقصيرية عن الخطأ الناتج من وسائل الذكاء الاصطناعي وأدواته، وبيان العوائق التي يمكن أن تحول دون تطبيق النصوص القانونية في حال صدور الخطأ من المتدخلين في الذكاء الاصطناعي، إضافة إلى مدى إمكانية عـد الذكاء الاصطناعي من قبيل الأشياء، والإشكالات التي يمكن أن تثيرها حراسة الذكاء الاصطناعي وفق التشريعات القانونية الناظمة في دولة قطر.
أهداف البحث:
يهدف هذا البحث إلى معرفة مدى كفاية قواعد المسؤولية التقصيرية في جبر الضرر الناشئ عن استعمال أنظمة الذكاء الاصطناعي، وذلك من خلال تحقيق الأهداف الفرعية التالية:
منهجية البحث:
اقتضت طبيعة البحث استخدام عدد من المناهج البحثية بأسلوب منضبط يمر بمراحل عديدة، تبدأ بتحديد المشكلة، وبوضع المعطيات، يليها تجميع البيانات والمعلومات، والوقوف على تحليلها، ثم تنتهي بالوصول إلى النتائج المترتبة في المعالجة البحثية، ومن أهم المناهج التي يستند إليها هذا البحث:
خطة البحث:
بناء على ما تقدم؛ فإن الإشكالية التي يحرص الباحث على معالجتها هي تسليط الضوء على المسؤولية التقصيرية الناشئة عن استعمال أنظمة الذكاء الاصطناعي؛ فقد استدعت المنهجية تقسيم هذا البحث إلى ما يلي:
المبحث الأول: إمكانية اللجوء للمسؤولية التقصيرية القائمة على الخطأ
المطلب الأول: الجدل المتعلق بإمكانية ارتكاب الذكاء الاصطناعي الخطأ
المطلب الثاني: الخطأ الصادر عن المتدخلين في الذكاء الاصطناعي
المبحث الثاني: إمكانية تطبيق المسؤولية غير القائمة على الخطأ "المسؤولية الشيئية"
المطلب الأول: إمكانية عـد الذكاء الاصطناعي من قبيل الأشياء
المطلب الثاني: الإشكالات التي تثيرها حراسة الذكاء الاصطناعي
إمكانية اللجوء للمسؤولية التقصيرية القائمة على الخطأ
تعد المسؤولية التقصيرية هي الأصل في المسؤولية المدنية، فتطبق أحكامها على الدعاوى التي لا تتوافر فيها شروط المسؤولية العقدية، ولذلك جرى الفقه على تحديد نطاق المسؤولية التقصيرية بطريق الاستبعاد؛ من خلال تحديد شروط أعمال المسؤولية العقدية؛ فإذا لم تتوافر استبعدت أحكام المسؤولية العقدية، وطبقت أحكام المسؤولية التقصيرية؛ مما يقتضي الحديث عن الجدل المتعلق بإمكانية ارتكاب الذكاء الاصطناعي للخطأ في (المطلب الأول)، ثم البحث في الخطأ الصادر عن المتدخلين في الذكاء الاصطناعي في (المطلب الثاني).
المطلب الأول
الجدل المتعلق بإمكانية ارتكاب الذكاء الاصطناعي للخطأ
لكل فرد أن يستعمل حقوقه في نطاق ما تبيحه القوانين له مع الغير؛ فإذا تجاوز في استعمال حقه الحدود المرسومة له؛ فإنه يكون مسؤولا عما سببه للغير من ضرر، فالمسؤولية المدنية تنشأ عند إخلال الشخص بالتزامه القانوني أو العقدي؛ مما يقتضي التعريف بالمسؤولية التقصيرية في (الفرع الأول)، ثم البحث في أركان المسؤولية التقصيرية في (الفرع الثاني).
الفرع الأول
التعريف بالمسؤولية التقصيرية
تقوم المسؤولية التقصيرية عند الإخلال بالتزام مصدره القانون(7، ويشكل هذا التجاوز تعديا على حقوق الآخرين والإضرار بهم(8، وإن الغاية من المسؤولية تعويض الضرر الناجم عن الإخلال بالتزام مقرر في ذمة المسؤول، ويكون مصدر هذا الالتزام القانوني في صورة تكاليف عامة تـفـرض على الكافة(9، والمسؤولية التقصيرية نوع من أنواع المسؤولية المدنية لما يترتب عليها من آثار تتمثل في التزام الفرد المسؤول عن الضرر بالتعويض، الذي يلتزم بتنفيذه بحكم القانون؛ إذ تعد تلك المسؤولية مدنية وليست مسؤولية جزائية(10، وذلك لأن الضرر الذي وقع على المضرور شخصي وليس ضررا وقع على شيء أو قيمة محمية بموجب القانون، وبالتالي فإن الضرر الذي لحق بأحد الأفراد هو ضرر شخصي يلتزم المتسبب بالضرر بموجبه بتعويض المضرور، ويكون التعويض في المسؤولية التقصيرية عن أي ضرر مباشر يقع؛ سواء كان متوقعا أم غير متوقع(11.
وقد ذهب جانب من الفقه إلى أن المسؤولية التقصيرية تنهض بقيام أركانها، وجزاء ذلك التعويض وجبر الضرر ومحاولة إصلاحه، أو قد ينشأ عنها إخلال بالتزام عقدي حين يرتبط المتعاقد المتضرر مع آخر بعقد فيخل به؛ بعدم الالتزام أو بالتأخر في التنفيذ أو بتنفيذه بصورة معينة مخالفة للمتفق عليه(12، فالمسؤولية التقصيرية هي الحالة التي تنشأ خارج العقد، ويكون مصدر الالتزام بها هو القانون؛ فإذا سلك الفرد سلوكا تسبب فيه بضرر للغير ألزم بالتعويض عن الخطأ الذي ارتكبه، وتتزايد أهمية الضرر كأساس للمسؤولية التقصيرية في القانون المعاصر(13؛ إذ لا يكفي لتحقيق المسؤولية أن يقوم الشخص بالفعل الخطأ، وإنما يتعين أن يترتب على فعله ضرر يصيب الغير؛ فإذا تسبب الضرر من الشخص نفسه أو ترتب على فعله ضرر بالغير فإنه يتحمل المسؤولية(14، وهذا ما أكدته المادة (201) من القانون المدني القطري بقولها: "يتحدد الضرر الذي يلتزم المسؤول عن العمل غير المشروع بالتعويض عنه بالخسارة التي وقعت والكسب الذي فات، طالما كان ذلك نتيجة طبيعية للعمل غير المشروع"(15، وتعد مسؤولية الشخص عن الضرر الناجم عن فعله الشخصي أهم صور المسؤولية التقصيرية، وقد نظم المشرع القطري أحكام هذه المسؤولية في المواد من (199 إلى 207)؛ حيث تستند المسؤولية إلى فكرة الخطأ واجب الإثبات لتحقق المسؤولية؛ إذ يجب على المتضرر إثبات الخطأ الذي تسبب فيه المدعى عليه، ونجم عنه ضرر مباشر دون تدخل من مؤثر خارجي، فالمبدأ القانوني الذي نصت عليه المادة (199) من القانون - سالف الذكر - تقضي بأن كل خطأ سبب ضررا للغير يلزم من ارتكبه بالتعويض، وكي يحصل المدعي على التعويض، عليه أن يثبت خطأ المدعى عليه والضرر الذي أصابه وعلاقة السببية بينهما، وهذه العناصر الثلاثة تشكل أركان المسؤولية(16، وهذا يعني أنه يجب أن يتوافر الضرر من جراء هذا الخطأ(17.
ويتم تعريف المسؤولية التقصيرية في أغلب الأحيان بأنها المسؤولية التي تفرض تعويضات عن أي ضرر ينشأ عن موقف لا يحكمه عقد بين صاحب الضرر والمتضرر(18، فالمسؤولية التقصيرية إلزام المسؤول بتعويض الضرر الذي لحق بالغير؛ لأن مصدر الالتزام بالتعويض عن الفعل الضار في المسؤولية التقصيرية هو القانون، ولا دخل لإرادة المسؤول في هذا الالتزام ولو سعى قاصدا للتسبب في الضرر؛ لأنه لا يلتزم بتعويض المضرور بمحض رغبته، بل يلزمه القانون بالتعويض شاء أم لم يشأ؛ لأن الالتزام بالتعويض ليس مصدره الإرادة ولا دخل لها في الالتزام به، بل هو التزام مفروض بموجب القانون بسبب الإخلال بالتزام قانوني، وهو عدم الإضرار بالغير، فارتكاب الفاعل الخطأ وتسببه بضرر للغير ينشأ عنه التزامه بتعويض الغير(19.
ويذهب جانب من الفقه إلى ضرورة التمييز بين المسؤولية العقدية والمسؤولية التقصيرية؛ لوجود فروق مهمة بينهما، وهم أنصار ازدواج المسؤولية، ومنهم من لا يرى أي اختلاف بين المسؤوليتين(20؛ إذ يشترط جانب من الفقه لتحمل المسؤولية العقدية أهلية التعاقد، وأساس ذلك افتراضها أن إرادة المتعاقد التزمت بتحمل المسؤولية في حال الإخلال بالعقد(21، أما في المسؤولية التقصيرية فيكفي التمييز، وهذا ما أكدته الفقرة (1) من المادة (200) من القانون المدني القطري؛ إذ جاء فيها: "يكون الشخص مسؤولا عن أعماله غير المشروعة متى صدرت منه وهو مميز"(22، ويتحمل المدعى عليه في المسؤولية العقدية إثبات أنه قام بتنفيذ التزامه بعد أن يثبت المدعي وجود المتضمن للالتزام، أما في المسؤولية التقصيرية فإن المدعي هو من يثبت أن المدعى عليه أخل بواجبه القانوني وارتكب فعلا غير مشروع؛ أي الخطأ.
بناء على ما تقدم؛ يرى الباحث أن المسؤولية التقصيرية تقع نتيجة الإخلال بواجب قانوني من شخص تسبب بضرر للغير؛ إذ تقوم المسؤولية هنا نتيجة العمل غير المشروع؛ أي الخطأ الذي أدى إلى حدوث ضرر للغير؛ مما يستلزم تحمل المسؤولية نتيجة الضرر الذي تسبب فيه، ويلزمه القانون بالتعويض.
الفرع الثاني
أركان المسؤولية التقصيرية
وفق القواعد العامة للقانون المدني القطري رقم (22) لسنة 2004 التي نصت عليها المادة (202) منه؛ فإن المسؤولية التقصيرية تقوم على ثلاثة أركان يمكن القول إنها تتحد معا من أجل تحقيق المسؤولية التقصيرية، والأركان هي: الخطأ، والضرر، والعلاقة السببية بينهما؛ إذ لا تقوم المسؤولية ما دام أن الضرر لم يتحقق، ومن أجل البحث في أركان المسؤولية التقصيرية فسنتناولها كما يلي:
أولا: الخطأ: يتعلق الخطأ أو الفعل الضار بالإخلال بالتزام قانوني؛ إذ يستوجب من الشخص العادي بذل العناية والحذر واليقظة في سلوكه حتى لا يتسبب بضرر للغير؛ فإذا انحرف سلوك الشخص عن المعتاد أطلق عليه فعل ضار(23، وقد يتحقق الفعل الضار بصور عديدة من خلال استخدام أدوات الذكاء الاصطناعي في المسؤولية التقصيرية، وذلك لأن مصطلح الفعل الضار مصطلح فضفاض؛ مثلا: إذا اعتمد طبيب على برنامج للذكاء الاصطناعي لوصف الدواء، وأعطى برنامج الذكاء الاصطناعي نتيجة غير صحيحة؛ فإننا نكون هنا أمام حالة الخطأ التي صدرت عن تقنيات الذكاء الاصطناعي(24.
ثانيا: الضرر: يقصد بالضرر المساس بمصلحة المضرور، وهو يتحقق بالمساس بوضع قائم أو بالحرمان من ميزة معينة(25، فلا يلزم أن يقع الاعتداء على حق للمضرور يحميه القانون، وإنما يكون إذا مس مصلحة مشروعة، ويشترط في الضرر أن يكون محققا، وهو يعد كذلك إذا تحقق مسببه ولو تراخت آثاره إلى المستقبل(26، وقد عرف الضرر بأنه الأذى الذي يلحق بشخص المعتدى عليه في نفسه أو في ماله، أو يلحق بالغير في نفسه أو في ماله، والضرر قد يكون ماديا أو معنويا(27، وأيا كان نوعه يجب أن يتوافر فيه شرطان: أن يكون محققا، وأن يمس مصلحة مشروعة للمضرور(28، كما أشار إليه البعض بأنه كل أذى يلحق الإنسان في حق من حقوقه أو في مصلحة مادية أو أدبية يحميها القانون، فالضرر بشكل عام هو نقص أو تلف في الأموال أو الأنفس، ويمثل الضرر الركن الأساسي للمسؤولية التقصيرية الذي لا تقوم دونه مطلقا(29.
يعد الضرر الركن الثاني والأساسي من أركان المسؤولية التقصيرية، ولتحقيق مسؤولية الفاعل لا بد من وقوع ضرر للغير يلزم من ارتكبه بالتعويض، وهذا ما أكدته المادة (199) من القانون المدني القطري(30، فلا مسؤولية تجب حيث لا ضرر، والضرر هو الذي يبرر الحكم بالتعويض لا الخطأ؛ أي إنه لا يعتد بالخطأ إلا إذا كان هنالك ضرر والعكس صحيح(31، وهذا الضرر يمكن أن يعرف أيضا بأنه الأذى الذي يلحق بالشخص في ماله أو في جسده أو في عرضه أو في عاطفته(32؛ إذ إن الضرر في المسؤولية التقصيرية هو التزام بتعويض الضرر الناشئ عن فعل شخصي، أو عن فعل من هم تحت رعايته أو رقابته من أشخاص، أو تحت سيطرته الفعلية من الحيوان أو البناء أو الأشياء غير الحية الأخرى في الحدود التي يرسمها القانون(33، وهذا ما أكدته المادة (208) من القانون المدني القطري حول المسؤولية عن عمل الغير(34، وتقوم المسؤولية التقصيرية في هذا المجال على الإخلال بالتزام قانوني، التزام عام واحد فرضه القانون، أو بعدم الإضرار بالغير، وأن هذا الالتزام مصدره العمل غير المشروع(35، والمثال على ذلك: من يتسبب في إتلاف حال الغير، هنا يلتزم المسؤول بتعويض المضرور عما لحقه من ضرر دون وجود علاقة عقدية بينهما؛ لأنه يكون قد أخل بالتزام قانوني عام بعدم الإضرار بالغير.
وقد نظم المشرع المصري قواعد المسؤولية في القانون المدني رقم (131) لسنة 1948م؛ إذ خصص ست عشرة مادة للضرر في المسؤولية التقصيرية في المواد من (163 - 178)؛ حيث تنص المادة (163) من القانون المدني على أن: "كل خطأ سبب ضررا للغير يلزم من ارتكبـه بالتعويض"(36، أما في القانون الفرنسي المعدل رقم (131) لسنة 2016م،؛ فقد خصص مواد للمسؤولية التقصيرية وتقسيماتها من حيث المسؤولية عن الفعل الشخصي، والمسؤولية عن فعل الغير، والمسؤولية عن الأشياء من (1240 إلى 1303)؛ إذ تضمنت المادة (1240) أيضا بمسؤولية كل شخص سبب بفعله الخاطئ الإضرار بالغير(37.
ولكن: هل يشترط أن يكون الخطأ مصحوبا بنية إلحاق الضرر بالغير، أو أن يكون على درجة معينة من الجسامة كي يعد موجبا لتحقيق المسؤولية التقصيرية؟ الإجابة تتعلق بالعنصر المادي؛ أي الانحراف أو التعدي، وبالعنصر المعنوي؛ أي الإدراك والتمييز(38، فبالنسبة للعنصر المادي لمعرفة الفعل الضار الذي وقع على الشخص يعتبر تعديا، أما بالنسبة للعنصر المعنوي الإدراك والتمييز، يكون مقترنا بالخطأ معبرا بقصد الضرر الذي يحدثه لغيره، أو على الأقل في إمكانية التوقيع أن فعله الخاطئ قد يؤدي إلى الإضرار بغيره (39.
وكي تقوم مسؤولية الشخص؛ فإنه يجب أن ينحرف عن السلوك الواجب مع إدراكه لهذا الانحراف، وفي ذلك نصت المادة (164/1) من القانون المدني المصري على أنه: "يكون الشخص مسؤولا عن أعماله غير المشروعة متى صدرت منه وهو مميز"؛ إذا فالصبي والمجنون والسكران والمعتوه ومن يكون في حكمهم لا تقرر مسؤوليتهم عن أفعالهم الشخصية؛ لأنهم غير مدركين(40، وسن التمييز في القانون المدني المصري هو السابعة من العمر، فيعد الشخص مسؤولا عن أفعاله الضارة إذا بلغ السابعة من عمره ولم يكن معتوها أو مجنونا(41، وهذا ما أكدته الفقرة الأولى من المادة (208) من القانون المدني القطري؛ بقولها: "كل من يجب عليه قانونا أو اتفاقا رقابة شخص في حاجة إلى الرقابة بسبب قصره أو بسبب حالته العقلية أو الجسمية يكون ملزما بتعويض الضرر الذي يحدثه ذلك الشخص للغير بعمله غير المشروع. ويترتب هذا الالتزام ولو كان من وقع منه العمل الضار غير مميز"(42.
أما الضرر الذي يستوجب التعويض فيتعلق بالضرر المادي والضرر الأدبي، فالضرر المادي هو ما يتسبب بخسارة مالية، ولهذا يطلق عليه الضرر المادي أو الاقتصادي؛ لأنه يمس حقا ذات قيمة مالية(43، والضرر المادي الذي يمكن تعويضه يتخذ صورا كثيرة ومتنوعة، فطالما أنه يمس بحقوق الشخص المالية، فيمكن أن يكون المساس بحق الملكية وحق الانتفاع، وكذلك قد يكون في صورة إتلاف المال كهدم عقار أو حرق مزرعة، وقد يكون الضرر نقصا في قيمة الشيء من دون أن يكون فيه تلف مادي(44، وهذا ما أكده المشرع القطري في البند (1) من المادة (202)؛ حيث جاء فيها أن يشمل التعويض عن العمل غير المشروع الضرر ولو كان أدبيا(45؛ أي إن المشرع القطري جعل التعويض عن الضرر - ما دام يمس قيمة مادية للمضرور- في ظل العمل غير المشروع. أما الضرر الأدبي الذي لا يصيب الشخص في ماله، ويجب التعويض عنه كما هو الشأن في الضرر المادي، ويشترط فيه أن يكون ضررا محققا غير احتمالي، فيمكن إرجاعه إلى أحوال معينة كما يلي(46:
وهذا ما أكدته المادة (202) من القانون المدني القطري بقولها: "يشمل التعويض عن العمل غير المشروع الضرر ولو كان أدبيا ... ومع ذلك لا يجوز الحكم بالتعويض عن الضرر الأدبي الناشئ عن الوفاة إلا للأزواج والأقارب إلى الدرجة الثانية عما يصيبهم من ألم من جراء موت المصاب"(47، وعلى ذلك فلا شبهة في أن الضرر الأدبي يستوجب التعويض، ولم يكن هنالك خلاف حول التعويض الأدبي عن ذلك الضرر؛ كالنشر في الصحف أو تقديم الاعتذار أو الحكم بمبلغ مالي(48.
وفي ضوء عـد وسائل وتقنيات الذكاء الاصطناعي أشياء غير حية؛ فإن التعويض يشمل الضرر المادي والأدبي والجسدي، وهذا ما أكدته المادة (215) من القانون المدني القطري(49، ومن جهة أخرى يمكن أن ينتج الضرر عن استخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي نتيجة خطأ في التصنيع، أو خطأ في البرمجة، أو في الاستعمال، دون إمكانية تحديد نسبة إسهام كل فعل في إحداث الضرر(50، إلا أنه بالرجوع إلى البند (2) من نص المادة (212) من القانون المدني القطري نجد أنها قادرة على استيعاب أعمال الذكاء الاصطناعي(51.
ثالثا: العلاقة السببية: يعد ركن العلاقة السببية الركن الثالث من أركان المسؤولية التقصيرية، ويقصد بها أن يكون الخطأ الذي ارتكبه الفرد هو السبب في حدوث الضرر، وتنص المادة (204) من القانون المدني القطري على أنه: "إذا أثبت الشخص أن الضرر قد نشأ عن سبب أجنبي لا يد له فيه، كقوة قاهرة أو حادث فجائي أو خطأ المضرور أو خطأ الغير، كان غير ملزم بالتعويض، وذلك ما لم يوجد نص يقضي بغير ذلك"(52، وفي حال نتج الفعل الضار بسبب استخدامات الذكاء الاصطناعي، وأدى إلى حدوث ضرر؛ فإن الصلة القائمة لا توجد بها صعوبة، ويرجع ذلك إلى ما ذهب إليه الخبراء باعتمادهم على سبب الضرر والبحث في المكونات التي أدت إلى حدوث هذا الضرر، إلا أن البحث قد يتعقد نتيجة تسلسل الأسباب في الحالات التي تتمتع فيها تقنيات الذكاء الاصطناعي وأدواته بالاستقلالية والقدرة على اتخاذ القرارات(53.
المطلب الثاني
الخطأ الصادر عن المتدخلين في الذكاء الاصطناعي
تبرز هنا أهمية الحديث عن تعويض الضرر الناجم عن (الخطأ) غير المادي كأفعال الذكاء الاصطناعي، وذلك إذا تعدد المتدخلون في هذا المجال من صانع التطبيق إلى المستفيد، إضافة إلى الإشكالات المتعلقة بالمبرمج والمشغل، ولا سيما في حال تعدد المتدخلين وتحديد من هو المتسبب بالضرر؛ مما يستوجب الحديث عن طبيعة المسؤولية للمتدخلين في الذكاء الاصطناعي في (الفرع الأول)، ثم البحث في المسؤولية الشخصية للمتدخلين في (الفرع الثاني).
الفرع الأول
طبيعة المسؤولية التقصيرية للمتدخلين في الذكاء الاصطناعي
يعد الإنسان مصدر أي نشاط وصانع كل تطور، ولهذا فمن الطبيعي أن يتجه فقهاء القانون إلى تقرير مسؤوليته الشخصية عن أي ضرر يترتب على التقدم والتطور العلمي، ومنها التطورات والأفعال التي تعلقت بالذكاء الاصطناعي، إلا أن تقرير وتقدير المسؤولية الشخصية عن هذه الأعمال أمر قد يكتنفه بعض الغموض، وتحيط به الكثير من التحديدات والمشكلات، ويحتاج إلى مزيد من التدقيق والتوضيح والتحليل المتعمق(54.
ويتمثل التحدي الأول(55 في استقلالية تقنيات الذكاء الاصطناعي وأدواته استقلالا تاما، فيما يصدر عنها من أفعال وأعمال، وما يترتب على ذلك من انعدام سيطرة الإنسان عليها، وعدم القدرة على تصور نسبة الفعل الضار (الخطأ الشخصي) إليه بخصوصها. أما التحدي الثاني فيتمثل في وجود متدخلين في تقنيات الذكاء؛ من المصنع إلى المشغل والمستخدم والمستفيد والمبرمج، ولكل منهم دور مختلف عن الآخر، لذلك تترتب مسؤولية مختلفة على كل واحد فيهم. ويتمثل التحدي الثالث في تعدد وتنوع الأفعال والأعمال التي تصدر عن تطبيقات الذكاء الاصطناعي، ودرجة وقوة فاعليتها في إحداث الأفعال الضارة وتنوعها، إضافة إلى خصوصية علاقة المتدخلين المتعددين والمتنوعين بكل فعل منها، واختلاف صلة كل المتدخلين بالأضرار المترتبة على هذه الأفعال، وبالتالي تحديد مسؤوليتهم عنها من عدمه، ومدى هذه المسؤولية، وأحوال انعقادها إن وجدت(56. ويتعلق السبب في تلك التحديات والإشكاليات القانونية بالخصوصية الذاتية الخاصة في تطبيقات الذكاء الاصطناعي، فالخصائص والسمات الذاتية التي تتمتع بها وسائل الذكاء الاصطناعي وأدواته تختلف عما كان عليه الوضع في ظل الأضرار المنصوص عليها في التشريعات المدنية الناظمة التقليدية.
لقد حددت بعض التشريعات، ومنها المشرع القطري بصفة صريحة أن يكون الفعل الضار صادرا عن الإنسان العادي الذي يتمتع بالوعي والإدراك(57)، وليس عن تقنيات الذكاء الاصطناعي، حتى بالنسبة للتشريعات التي لم تـشـر صراحة إلى وجوب صدور الفعل الضار عن الإنسان(58)، وقد يتجه البعض إلى أنه بالنسبة لتشريعات بعض الدول التي لم تشترط بصفة صريحة صدور الفعل الضار (الخطأ) عن الإنسان الطبيعي، فيتعين أخذ عبارة القانون على إطلاقها، وهو ما يسمح بسحب مجال الفعل الضار على الذكاء الاصطناعي، لكن هذا الرأي لا يمكن قبوله؛ لأن مفهوم الفعل الضار يتطلب وجود التعدي على السلوك المقبول قانونا، وإمكانية توقع الضرر وإسناد الفعل الضار إلى صاحبه، الأمر الذي يقتضي وجود استقلالية في اتخاذ القرار، وقد لا يتوافر ذلك في الذكاء الاصطناعي(59). ويستوجب الفعل الضار إدراكا للفعل وعدم امتثاله، وقد لا يتوافر عندئذ هذا الإدراك، بما يستوجبه من تمييز في الذكاء الاصطناعي، كما أن تدخله قد يتم لتحقيق هدف خاص محدد بإنسان، وهو بذلك خال من أي نية خاصة به ومختلف عن إرادة المنتج أو المستخدم، إلا إذا افترض خروج هذه التقنية عن مجال السيطرة، والذي يثير في هذه الحالة مشكلة خطأ المنتج أو المبرمج؛ إذ إن كل ذكاء اصطناعي من المفترض أن يسير وفق سلوك مبرمج تم ضبطه سابقا حتى لا يحدث ضررا بالغير.
وهذا يعني أن شرط الفعل الضار قد يصعب توافره بالنسبة للذكاء الاصطناعي، ولهذا ذهب البعض لتجاوز هذا الإشكال باللجوء إلى تعويض المتضرر لقيام الفعل الضار، وذلك من خلال وجود فعل مخالف من الناحية الموضوعية، وهذا ما فعله القضاء الفرنسي لتجاوز عدم توافر الفعل الضار من جانب الطفل غير المميز(60)، فالفعل غير القانوني هو الفعل الذي كان بالإمكان اعتباره غير قانوني، حتى لو كان الطفل الذي قام بالفعل مميزا؛ أي كان يعلم بعدم مشروعية الفعل الصادر عنه(61)، إلا أن لجوء القضاء الفرنسي لمفهوم الفعل غير القانوني من الناحية الموضوعية يستهدف تمكين المتضرر من الحصول على التعويض المناسب استنادا إلى نظام مسؤولية أولياء الأمور التقصيرية عن فعل الأطفال، الذي في الغالب لا يشترط أن يرتكب الطفل خطأ ما(62)، وفي تصورنا فإنه قد لا يمكن الأخذ بهذا التوسع على المسؤولية عن الفعل الشخصي للذكاء الاصطناعي، وإن أمكن اللجوء إلى هذا المعنى؛ فإن ذلك يتم وفق إطار المسؤولية التقصيرية عن فعل الغير، ولا يوجد في قواعد القانون المدني القطري نص ينظم المسؤولية التقصيرية عن فعل الغير، فالمشرع اختار التدخل من خلال نصوص خاصة نظمت مسؤولية أولياء الأمور عن فعل الصغير(63)، والمسؤولية عن فعل المختلين عقليا(64)، ومسؤولية أرباب الصنائع عن أفعال المتدربين لديهم، ومسؤولية رقابة المعلم على الطلاب(65)، ومسؤولية المعلمين عن أفعال الطلبة(66)، ومسؤولية المتبوع عن أفعال تابعيه(67)، ولو كان بالمقدرة من الناحية القانونية، في ظل التقدم والتطور التقني والتكنولوجي، إلا أن قيام المسؤولية عن الفعل الضار الناتج عن الإنسان يفترض أن يكون للذكاء الاصطناعي الشخصية القانونية المستقلة؛ حتى يتسنى لقاضي الموضوع إسناد الفعل الضار له(68).
وقد أيد البعض ضرورة إسناد شخصية قانونية مستقلة للذكاء الاصطناعي بسبب الخصائص التي يتميز بها؛ مثل الاستقلالية، وقد علق البرلمانيون الأوروبيون في التوصية الصادرة بتاريخ 16 فبراير 2017 بأن إسناد شخصية قانونية أو إلكترونية للذكاء الاصطناعي يسهل تعويض الأضرار الناجمة عن تدخله، إلا أن آخرين - ومنهم اللجنة الاقتصادية والاجتماعية الأوروبية- تصدوا لهذا الاقتراح بعد أربعة أشهر من توصية البرلمان الأوروبي(69)، وعارض بعض المفكرين فكرة إسناد شخصية قانونية مستقلة للذكاء الاصطناعي(70)، وقد تكون هذه المواقف هي التي أسهمت في عدول البرلمانيين الأوروبيين عن موقفهم الذي عبروا عنه في 2017؛ إذ عـدوا في توصية جديدة بتاريخ 20 أكتوبر 2020 أن البرلمان: «يؤكد أن جميع الأنشطة أو الأجهزة أو العمليات المادية أو الافتراضية التي تديرها أنظمة الذكاء الاصطناعي يمكن أن تكون – تقنيا- سببا مباشرا أو غير مباشر للضرر، ولكن دائما ما يكون لها نقطة انطلاق وهي الشخص الذي يطور أو ينشر أو يعطل نظاما. ويلاحظ في هذا الصدد أنه ليس من الضروري إضفاء الشخصية القانونية على أنظمة الذكاء الاصطناعي»(71).
إلا أن اللجنة الاقتصادية والاجتماعية الأوروبية عارضت منح أي نوع للشخصية القانونية للذكاء الاصطناعي؛ لسببين(72): أحدهما يتعلق بالخطر الأخلاقي والأدبي غير المقبول؛ إذ إن إعفاء المصنع (الشركة) من تحمل مخاطر المسؤولية التقصيرية - وبالنتيجة النهائية الذكاء الاصطناعي هو الذي يتحمل المسؤولية- سوف يؤدي إلى اختفاء الآثار التصحيحية الوقائية الناشئة عن قواعد المسؤولية التقصيرية، كما أن إعفاء المصنع قد يؤدي إلى زيادة مخاطر التصنيع والإنتاج المرتبطة بهذه التقنية؛ مما يؤدي إلى عدم اختبارها بشكل كاف للتأكد من مدى سلامتها.
أما السبب الثاني فهو أن منح الذكاء الاصطناعي الشخصية القانونية يمكن أن يؤدي إلى إساءة استخدام مثل هذا النموذج القانوني؛ إذ إن مستخدمي الذكاء الاصطناعي قد لا يستخدمونه بشكل سليم، أو قد لا يتقيدون بالضوابط الإرشادية لهذه التقنيات في حالة علمهم بعدم تحملهم المسؤولية التقصيرية عن أي حوادث تسبب أضرارا للغير، بما أن الخطأ في نهاية المطاف سوف يتحمله الذكاء الاصطناعي بطريقة قانونية.
ونظرا للمشاكل والمعوقات القانونية التي تحول دون إثبات وقوع الفعل الضار؛ أي الخطأ الصادر عن الذكاء الاصطناعي؛ فإن القاضي المدني المختص بتطبيق قواعد المسؤولية التقصيرية التقليدية قد يذهب إلى البحث عن الفعل الضار في التصرفات والأعمال الإنسانية الناتجة عن أعمال الذكاء الاصطناعي، وفي هذه الحالة يمكن ربط الفعل الضار بتدخل البشر (الإنسان الطبيعي)؛ مما قد يجعل القاضي المدني يذهب من تلقاء نفسه إلى التحقق من سلامة البرمجيات والتقنيات التي أدت بالذكاء الاصطناعي إلى اتخاذ القرار الذي تسببت فيه بإيقاع الضرر، وذلك من خلال تطبيق قواعد الإثبات والخبرة الفنية من المختصين، التي في نظرنا تشكل عائقا آخر في عملية الإثبات، والتي تقوم على أثرها قواعد المسؤولية التقصيرية في عيوب المنتج أو البرمجة(73)، وبذلك فإن القاضي المدني يجد نفسه قد ذهب - بدلا من التحقق في مسؤولية الذكاء الاصطناعي عن الخطأ الشخصي الصادر عن تلك التقنية - إلى البحث في قواعد المسؤولية عن عيوب الذكاء الاصطناعي؛ أي مسؤولية المنتج أو المبرمج أو التثبت من مدى توافر مسؤولية مستعمل ذلك الذكاء؛ سواء أكان شخصا طبيعيا أم اعتباريا، ويمكن القول في هذه الحالة إن المسؤولية التقصيرية التي يبحث فيها القاضي المدني المختص هي مسؤولية الشخص وإثبات الحالة عن الضرر الصادر بفعله الشخصي(74).
أما الخلاف بين الفقهاء والقانونيين حول الطبيعة القانونية لأنظمة الذكاء الاصطناعي؛ فقد ذهب رأي إلى القول بعدم وجود سند قانوني يدعو إلى الاعتراف بالشخصية القانونية للذكاء الاصطناعي، وبأن تطبيقات الذكاء الاصطناعي هي أشياء من ناحية الوصف القانوني، وبأنه يتم التعويض عن الخطأ الذي يصدر من هذه الأنظمة الذكية من خلال نظام للتأمين الإجباري عن أخطاء تطبيقات الذكاء الاصطناعي، أو من خلال استحداث صناديق لتغطية الأضرار الناجمة عن الخطأ التقني(75. في حين يرى جانب من الفقه أن تقنيات الذكاء الاصطناعي يمكن عدها وكيلا عن الإنسان في ممارسة بعض الأعمال الموكلة لها؛ أي إن الضرر الذي يلحق بالغير من تقنيات الذكاء الاصطناعي يمكن الرجوع فيه بالتعويض إلى الإنسان، وذلك مثل آثار تصرفات الوكيل التي ترجع إلى ذمة الأصيل(76، وقد تعرض هذا الاتجاه إلى النقد؛ لأن الوكالة تقوم من الناحية القانونية بين شخصين، فكيف يمكن أن تكون تقنيات الذكاء الاصطناعي وكيلا، وهي لا تتمتع بالشخصية القانونية؟(77. وهناك اتجاه ثالث ذهب إلى أن تقنيات الذكاء الاصطناعي لها شخصية معنوية؛ أي لها شخصية اعتبارية وتتوافر فيها الشخصية القانونية، وبهذا تتمتع بالاسم والذمة المالية والجنسية والمواطنة، وبالتالي تكتسب تقنيات الذكاء الاصطناعي الشخصية القانونية بعد أن يتم استكمال إجراءات تسجيله في السجل التجاري المتوافر في الدولة التي تستخدم تقنيات الذكاء الاصطناعي(78. أما الاتجاه الرابع فقد كان أكثر دقة؛ إذ ذهب أنصار هذه الاتجاه إلى أن تقنيات الذكاء الاصطناعي لا تعد مستقلة بشكل كامل حتى يتم منحها شخصية قانونية مستقلة، وإنما هي أشياء من وجهة نظر القانونيين، على الرغم من التطور الهائل في هذه التقنيات وما تفرزه من تحديات قانونية في ظل تمتعها بالاستقلالية واتخاذ القرارات بالشخصية القانونية في المستقبل(79.
وبرأينا، في ظل هذا التقدم المستمر لتقنيات الذكاء الاصطناعي بأشكالها وأنواعها كافة؛ فإننا نؤيد الاتجاه الرابع، وذلك بمنح تقنيات الذكاء الاصطناعي الشخصية القانونية شبه المستقلة في المستقبل؛ إذ أصبحت في بداية تطورها جزءا من حياتنا اليومية بمحاكاة البشر والتدخل في أعمالهم كافة؛ لأن الهدف من منح شبه الشخصية القانونية لتقنيات الذكاء الاصطناعي هو تحديد الضرر ومسؤوليته في حال نتج خطأ وضرر عن هذه التقنيات الحديثة.
الفرع الثاني
المسؤولية الشخصية للمتدخلين
إن تقنيات الذكاء الاصطناعي ليست تقنيات عادية، وإنما تقنيات تتـسم بالتعقيد والتشابك؛ فمنها ما هو مجسد (ذو مظهر مادي)، ومنها ما هو غير مجسد (غير مادي)، ويقصد بالذكاء المجسد المادي البرمجيات والخوارزميات التي تعمل من خلال مجسد مرئي، على عكس الذكاء غير المجسد الذي يعمل من خلال برمجيات وخوارزميات لا تتوافر بها صفات الذكاء المجسد، وفي كلتا الحالتين تعمل تلك التقنيات من تلقاء نفسها دون تدخل الإنسان، وبالتالي لا يمكن منعها من التسبب بالأضرار من جانب، ومن جانب آخر فإن هذا يتعلق بالمتدخلين من صانع هذه التقنيات وموردها ومستخدمها، حتى المصمم والمبرمج(80، وهو مما يحتم علينا تحديد مسؤوليتهم عن الأخطاء التي تصدر من هذه التقنيات، وهي على النحو التالي:
أولا: مسؤولية مصنع أو منتج تقنيات الذكاء الاصطناعي: يعد مصنع أو منتج تقنيات الذكاء الاصطناعي أحد المسؤولين المشاركين في صناعتها وإنتاجها؛ إذ يجب على الشركات أو المؤسسة المصنعة والمنتجة لهذه التقنيات أن تحرص على أن تكون على درجة عالية من الدقة والكفاءة وخالية من الأخطاء والعيوب التقنية والفنية، إضافة إلى إجراء التجارب العملية لهذه التقنيات؛ حتى يتم التأكد من خلوها من العيوب قبل استخدامها، وذلك لضمان استخدامها بشكل آمن دون حدوث أضرار، والتأكد من عدم القدرة على اختراقها وتوفير البرامج والتطبيقات التي تسهم في توفير الحماية للمستخدم(81.
وقد تم تقديم مقترح للبرلمان الأوروبي لوضع نظام قانوني لتقنيات الذكاء الاصطناعي، ولكن ليس على صورة إنسان(82؛ إذ طلب البرلمان الأوروبي من المفوضية الأوروبية في 16 فبراير 2017 البحث بشأن قواعد القانون المدني للروبوتات(83، ودراسة مدى إمكانية إنشاء شخصية قانونية مستقلة خاصة بالروبوتات الأكثر تعقيدا على الأقل كأشخاص تقنيين مسؤولين؛ حتى تتسنى مساءلتهم عن التعويض عن الأضرار التي يلحقونها بالغير، وعلى ذلك تشكل قدرة الروبوتات على اتخاذ تدابير السلامة نقطة الفصل في انتقال الروبوت من مرحلة الشيء محل الحراسة إلى كائن يمكن أن ينوب عن الإنسان إذا ثبتت له الشخصية القانونية؛ حيث يسمح لهذه الشخصية بإبرام العقود وخاصة التأمين من المسؤولية(84.
وإذا كان من المسلم به أن هنالك التزاما قانونيا على المصنع أو المنتج؛ فإنه يجب عليهم أخذ الحيطة عند إنتاج هذه التقنيات وتطويرها، والنتيجة في عدم احترام الالتزامات هو مساءلتهم بالقانون من خلال تعويض الأضرار التي تصدر عن هذه التقنيات نتيجة الفعل الضار؛ فإذا حدث خطأ في الإنتاج؛ كوجود عيب في تقنيات الذكاء الاصطناعي جعلته غير قادر على تنفيذ المطلوب منه بالشكل السليم؛ فإن الذي يسأل عن هذا الخطأ هو المنتج؛ كأن يخطئ المنتج في التأكد من كفاءة وقدرة البرامج التي وضعت في هذه التقنيات التي تستخدم في العمليات الطبية، ثم تسببت بفعل ضار نتج عنه خطأ طبي أو صرف علاج غير الذي وصفه الطبيب(85.
ثانيا: مسؤولية مصممي تقنيات الذكاء الاصطناعي: يطلق عليهم مصممو الروبوتات أو مبرمجو أو مطورو الروبوتات، وهم الأشخاص الذين ينتجون الروبوتات والأنظمة التقنية التي تشغلها، ويصممون الآلات اللازمة لإنشاء الروبوتات الآلية المتنوعة، ويتضمن دورهم بعد إنتاج الروبوت الدعم التقني؛ من خلال تحليل الروبوت وتقييمه باستمرار بهدف تطويره وتحسينه(86، وبهذا يجب على مصممي أو مبرمجي الروبوتات أن يكونوا ملـمـين بالروبوتات التي تحتاج إلى شخص يستطيع أن يقوم بدور المصمم والمبرمج في آن واحد، وذلك لأن عمله يتطلب القيام بالمهام والمسؤوليات المتمثلة بتصميم وبناء واختبار الروبوت، والتأكد من أن هذا الروبوت يؤدي المهام التي صنع من أجلها، والتحقق من أن الروبوت آمن للاستخدام، والبحث عن أفضل الأساليب لإنتاج الروبوتات بأقل التكاليف والجهد، وربطه ببيئة العمل عن طريق تحديد المهام التي عليه تنفيذها. وفي ظل غياب أحكام قانونية خاصة تحكم مسؤولية مصمم أو مبرمج الروبوت في دولة قطر، فمن الممكن إعمال القواعد العامة لمعالجة مسؤولية مصمم أو مبرمج الروبوت، وسد هذه الفجوة، فنطبق قواعد المسؤولية التقصيرية، لكن من الممكن أن نجد أثرا لأساس المسؤولية التقصيرية أو مبرمج الروبوت في القانون المدني القطري، وذلك من خلال القواعد العامة؛ إذ نصت المادة (199) من القانون المدني القطري على ذلك بقولها: "كل خطأ سبب ضررا للغير يلزم من ارتكبه بالتعويض"(87، ووفق هذا النص فإن مبرمج أو مصمم تقنيات الذكاء الاصطناعي - أيا كان نوعها - الذي يلحق الضرر بالآخرين نتيجة خطأ تقني، ملزم بتعويض المضرور، وهذا ما أكده صراحة القانون المدني الأوروبي الخاص بالروبوتات - سالف الذكر-؛ بإلزام المصممين والمنتجين بالتعويض عن الأضرار التي تلحق بالآخرين نتيجة الخطأ من تلك التقنيات(88.
وقد يبرز الحديث هنا حول المسؤولية التقصيرية الناشئة عن المنتج أو المبرمج في إشكالية تتعلق بتجاهل خاصية استقلالية الذكاء الاصطناعي، وإمكانية خروج تصرفاته عن البرمجة الأصلية دون أن يكون ذلك ناجما عن خطأ في الإنتاج، كما أن هذا التوجه يمكن أن يواجه إشكالية في تحديد الفعل الضار في مثل هذه الحالة، وبالتالي يصعب إثباته، وخاصة أن بعض البرمجيات يمكن أن تتضمن عيوبا وسلبيات، وتؤكد بعض الأحكام القضائية الصادرة في الولايات المتحدة الأمريكية هذه الصعوبة؛ إذ تم رفع دعوى من أحد المتضررين من نظام ذكي للجراحة (وهو عبارة عن روبوت تم تصنيعه من قبل شركة (Surgery Intuitive) للحصول على التعويض، إلا أن المحكمة المختصة للنظر في هذه القضية قضت بعدم التعويض، وذلك بسبب عدم إثبات العيب الذي لحق الروبوت الذكي أثناء إجرائه للعملية وألحق الضرر بالمريض(89).
ويمكن اللجوء إلى مبدأ الحيطة والحذر للتحقق من توافر الخطأ، بما أن الشخص يعد مرتكب الخطأ لمجرد عدم مراعاة الاحتياطات الضرورية واللازمة في حالة احتمال توافر الخطر أو الشك فيه، وإن التثبت من وجود مشكلة في مجال الذكاء الاصطناعي تتعلق بالحيطة والحذر فيها صعوبة واضحة؛ لأن تلك التقنيات حديثة ومعقدة من الناحية الفنية، ولا توجد مبادئ سابقة يمكن الاهتداء بها، إضافة إلى أنه قد يتدخل أكثر من جهة وشخص في برمجة الذكاء الاصطناعي أو في تصنيعه، الأمر الذي يصعب من مشكلة تطبيق وتحديد قواعد المسؤولية التقصيرية لمعرفة الطرف المسؤول عن الخطأ(90)، كما أن خاصية التعلم الذاتي، وما يلحق بها من مخاطر وتحديات، تجعل من الصعب على المصنع أو المبرمج توقع الأضرار المستقبلية أو احتمالية توقعها، مهما كان مستوى درجة حرصه على أخذ الحذر والاحتياطات لتفادي وقوع الضرر(91)، وحتى لو أمكن توقع الأفعال التي يمكن أن تنتج عن الذكاء الاصطناعي، عندما تكون البيئة التي يعمل فيها مستقرة؛ فإن عدم ثبات وانتظام بيئته الداخلية وسرعة حركته يجعل من الصعب التنبؤ بطريقة تصرفاته، وخاصة في حالة تفاعل ذلك الذكاء مع أشخاص مختلفين من حيث السلوك وطريقة التفكير، ومثال ذلك طريقة تفكير وردة فعل نظام السيارة ذاتية القيادة.
وتستخدم أنظمة الذكاء الاصطناعي المعاصرة نماذج معقدة للغاية، يصعب تحديد منطقها، وبيان سبب وكيفية وصولها لنتيجة معينة. وعلى الرغم من أن بعض أشكال أنظمة الذكاء يمكن تتبع وفهم منطقها الأساسي الذي تسير عليه، لكن هناك بعض الأنظمة لا يمكن استقراؤها، وخاصة تلك التي تستخدم الشبكات العصبية، كما أن الخوارزميات التي تكون الذكاء الاصطناعي لا يمكن دائما مراجعتها، وتظل سرية لأنها تخضع لحقوق الملكية الفكرية؛ مما يجعلها أقرب إلى الصناديق السوداء(92). وتطرح ميزة التعلم الذاتي للذكاء الاصطناعي إشكالات عديدة أيضا؛ لأنه يجوز نظريا التمييز بين التعلم الخاطئ الناجم عن خطأ أو تقصير في الصنع، وبين التعلم الخاطئ الذي سببه إما المالك أو المستعمل أو حتى الغير؛ فقد يوفر المالك أو المستعمل أو بعض المواقع معلومات مفيدة وأخرى عنصرية أو إرهابية من شأنها التأثير سلبيا في تصرفاته.
وقد تجتمع عوامل خارجية عديدة لتؤثر في تصرف الذكاء الاصطناعي أو اختياراته دون وجود خطأ واضح للمبرمج أو المصنع(93)، فيفترض تقدير وجود إهمال أو خطأ في جانب المصنع أو المبرمج تحليلا ملموسا لكل حالة بصفة منفردة، في ظل صعوبة الاعتماد على معيار المصنع أو المبرمج المتوسط في كل شيء؛ لغموض المثال المرجعي في هذا المجال، الذي يتطلب إلماما ليس بتقنيات معقدة فقط، بل أيضا باختصاصات مختلفة. ورغم أن الذكاء الاصطناعي يعد مجالا حديثا، إلا أنه من المفروض على المختصين في مجال القانون إيجاد معايير محددة لتقييم الخطأ المرتكب بما من شأنه مساعدة القاضي في عمله.
وتظهر الأحكام القضائية أحيانا ميلا للتخفيف من مسؤولية المطور أو المصنع، ومن ذلك أن محكمة النقض الفرنسية قد أكدت في قرار بتاريخ 19 يونيو 2013، أن النتائج التي توصلت إليها «قوقل سجيست» (Suggest Google)، والتي تلصق كلمة التحيل بنتائج عملية البحث عن إحدى الشركات، ولا تعد صادرة عن إرادة الإنسان، بل هي نتيجة لعملية تلقائية في عملها وعشوائية في نتائجها، دون وجود إرادة لمحرك البحث بإبداء ملاحظات معينة أو منح النتائج معنى مستقلا يتعدى تداخلها البسيط ووظيفتها الوحيدة في المساعدة البحثية؛ بحيث يكون عرض "الكلمات الرئيسة" التي تنتج عن عملية البحث بمنأى عن أي إرادة لمشغل المحرك(94).
ثالثا: مسؤولية مالك تقنية الذكاء الاصطناعي: تناول بعض القانونيين والفقهاء إمكانية انعقاد المسؤولية الشخصية، إذا ثبت أن أيا من المتدخلين قد تعمد استخدام الذكاء الاصطناعي بقصد إحداث الإضرار بالغير، كتسخيره عن قصد وذلك لإحداث ضرر ما(95، كما تطرق البعض عن إمكانية نسبة إهمال أو تقصير لدى مستخدم تقنية الذكاء الاصطناعي في حال تشغيله؛ مثل إهمال أو تقصير مالك التقنية في حال تركها في مكان عام دون أخذ الحيطة والحذر، أو تحريكه من مكانه بطريقة نتيجة الإهمال فسقط على شخص فتسبب بضرر له، أو أنه سقط على شيء فأتلفه؛ إذ وصف ذلك بالخطأ في البرمجة التي جعلت تقنية الذكاء الاصطناعي تنحرف عن مسارها، ونتج عنها ضرر للغير(96.
وهنالك من يرى أن هذه الأفعال لا تعد مسؤولية شخصية بالمعنى الفني عن أعمال الذكاء الاصطناعي، وإنما ترتبط هذه المسؤولية بالخطأ الشخصي، الذي يرجع إلى نوع من الإهمال والتقصير سواء أثناء استخدام التقنية أم من خلال برمجتها، وهذه الأفعال يمكن السيطرة عليها من قبل الإنسان، وبالتالي ما وقع يعد انحرافا في السلوك للشخص الطبيعي، إضافة إلى أن قواعد المسؤولية التقصيرية عن الخطأ الشخصي لا تعد ملائمة لتعويض الأضرار المترتبة على أعمال هذه التقنيات بالمعنى الدقيق؛ إذ إن تقنيات الذكاء الاصطناعي تأتي بأفعال مستقلة وتتخذ قرارات لا يستطيع البشر السيطرة عليها، وهذا يعني أنه لا يمكن مساءلة الإنسان الطبيعي عن هذا الخطأ(97، وهذا ما أكدته محكمة النقض الفرنسية؛ إذ ألغت حكما في تاريخ 18/ يونيو/ 2013م لمحكمة الاستئناف كان قد ألزم مشغل محرك البحث (قوقل)، وذلك بتعويض الأضرار التي لحقت ببعض مستخدمي شبكة الإنترنت استنادا إلى فكرة الخطأ الشخصي عن أعمال الذكاء الاصطناعي(98.
ولتوضيح ذلك يمكن الإشارة إلى أن (Suggest Google) يتعلق ببرمجة آلية للتعلم، أو هي خوارزمية تتمثل وظائفها بترويج قائمة من النماذج والمقترحات التي يمكن من خلالها للشخص استكمال المتطلبات على موقع الإنترنت بهدف تسهيل مهمته في البحث؛ إذ يقترح عليه قائمة بإدخال بعض الكلمات، وتعتمد هذه الخوارزمية في عملها على عمليات البحث السابقة والإحصاءات المختلفة.
إمكانية تطبيق المسؤولية غير القائمة على الخطأ "المسؤولية الشيئية"
إن العبرة الرئيسة في المسؤولية عن الأشياء تتعلق بحدوث الضرر وتحققه، إضافة إلى التدخل الإيجابي للشيء، ويلزم أن يكون هذا الشيء من الأشياء المنصوص عليها كالآلات أو التي تحتاج إلى عناية كتقنيات الذكاء الاصطناعي، إما بسبب طبيعة هذا الشيء أو بسبب الظروف والملابسات؛ إذ إن المسؤولية الناشئة عن الأشياء تقوم على فكرة (الخطأ) في الحراسة؛ لذلك فإن المسؤولية تقوم على عاتق الحارس، ما يستدعي تقسيم هذا المبحث إلى مطلبين؛ إمكانية عد الذكاء الاصطناعي من قبيل الأشياء في (المطلب الأول)، ثم البحث في الإشكالات التي تثيرها حراسة الذكاء الاصطناعي في (المطلب الثاني).
المطلب الأول
إمكانية عـد الذكاء الاصطناعي من قبيل الأشياء
لقد تطورت المجتمعات البشرية تطورا تقنيا شاملا وضخما في المجالات كافة؛ إذ أدى التغيير في بيئة المخاطر التقنية إلى حدوث الأضرار على الأنفس أو الأموال، واقترن ذلك في نطاق قيام المسؤولية التقصيرية عن الأضرار الناشئة عن تقنيات الذكاء الاصطناعي والأشياء إلى وجود صعوبات فنية كبيرة ودقيقة في تحديد الأسباب التي أدت إلى حدوث خلل في المكونات وتركيب الأشياء، أو إخلال في صيانتها وملاحظتها، ما يمنع نسبة الأضرار التي تنتج عن تلك الأشياء إلى خطأ محدد من حارسها، وبالتالي فقدان المضرور الفرصة في التعويض لعدم استطاعته إثبات خطأ محدد في وجه حارسها؛ إذ يستدعي في هذا المقام البحث في تحديد المقصود بالشيء محل المسؤولية التقصيرية الناشئة عن الأشياء في (الفرع الأول)، ثم البحث في إمكانية عـد المجسمات "الروبوتات" من قبيل الأشياء في (الفرع الثاني).
الفرع الأول
الشيء محل المسؤولية التقصيرية الناشئة عن الأشياء
يقصد بالشيء لغة كل ما هو موجود بالحس أو بالحكم، إلا أن فكرة المسؤولية تتعلق بالأشياء المادية التي يمكن إدراكها بالحواس، أما الأشياء المعنوية التي لا تدرك بالحواس، فلا يتصور أن تسبب ضررا، كما أن الأشياء ذاتها تنقسم إلى أشياء حية تشمل الإنسان والحيوانات بأنواعها، إلا أن الأضرار التي يسببها الإنسان للغير لا تدخل في نطاق المسؤولية عن الأشياء لصعوبة الفصل ما بين جسم الإنسان وفكره وإرادته، ولذلك تدخل ضمن المسؤولية عن الفعل الشخصي، أما الأشياء غير الحية فهي كل موجود يدرك بالحواس بخلاف الأشياء الحية(99، فيدخل في تعريف الشيء الحيوان، العقار والمنقول، الجامد والسائل، المتحرك أو الساكن، المتحرك ذاتيا أو بفعل الإنسان، به عيب أو خال من العيوب، أو خطر أو غير خطر فعلي(100.
ويشترط لتحقيق المسؤولية التقصيرية عن فعل الشيء أن يحدث الضرر للغير بفعل الشيء(101، وليس بفعل شخص؛ فإذا كان الشيء مجرد أداة طيعة في يد الشخص عند إحداث الضرر؛ فإن الضرر يرجع إلى فعل الشخص وليس إلى الشيء، كما لو كان الضرر سببه فعل متعمد صادر عن نية آثمة كطعنة سكين أو عصا في يد المسؤول عن الضرر(102، أو نتيجة لحالة ضرورة أو دفاع شرعي، وهذا ما أكده المشرع القطري في المادتين (204 و 205) من القانون المدني(103، فمعيار التفرقة بين الأضرار الناشئة عن فعل الشيء وبين الناشئة عن فعل الإنسان هو قصد الإضرار، فمتى ارتكب حارس الشيء الضرر عن قصد عد الضرر ناشئا عن فعله وليس عن فعل الشيء، وكي يعد الشيء سببا في إحداث الضرر فلا بد من أن يكون له دور إيجابي في حدوثه؛ أي تدخل في حدوث الضرر.
وترتبط المسؤولية عن الأشياء بحراسة الشيء وليس بالشيء ذاته، وتأخذ الحراسة أهمية خاصة في هذا المجال، فهي تستخدم لتعيين الشخص المسؤول(104، والمقصود بالحراسة في هذا الصدد السيطرة الفعلية في توجب ورقابة الشيء والتصرف في أمره(105، أما المقصود بالحارس فهو الذي يفترض الخطأ في جانبه، وهو ذلك الشخص الطبيعي أو المعنوي الذي تكون له السلطة الفعلية على الشيء قصدا واستقلالا؛ أي هو الذي يسيطر على الشيء سيطرة فعلية ويتولى استعماله واستقلاله لحساب نفسه، والحارس قد يكون شخصا واحدا أو أشخاصا عديدين طالما توافرت بصددهم شروط الحراسة، ولا يشترط في الحارس أهلية معينة؛ إذ إن المسؤولية هنا تقوم على خطأ مفترض(106، إلا أنه يعمل لحساب متبوعه لمصلحة ويأتمر بأوامره ويتلقى تعليماته؛ فإنه يكون خاضعا للمتبوع؛ مما يفقد العنصر المعنوي للحراسة ويجعل المتبوع وحده وهو الحارس على الشيء، كما لو كان هو الذي يستعمله، وذلك لأن العبرة في قيام الحراسة الموجبة للمسؤولية على أساس الخطأ المفترض هي بسيطرة الشخص على الشيء سيطرة فعلية لحساب نفسه.
ورغم التقنينات لم تعرف الحراسة، ولم تبين المقصود بالحارس؛ فقد اجتهد الفقه في ذلك، فظهرت نظريتان أفرزت كل واحدة منهما مدلولا مغايرا لمعنى الحارس، فالحارس وفق نظرية الحراسة القانونية(107، وهو من له السلطة القانونية على الشيء، وبموجبه يحق له استعمال الشيء وتوجيهه ورقابته، ويستمد السلطة من حق عيني على الشيء، وإزاء ذلك تحول الفقه إلى نظرية الحراسة الفعلية، فحارس الشيء هو من له السلطة الفعلية على الشيء متمثلة فيه سلطة استعمال وتوجيه ورقابة(108 ودون سند شرعي لتلك السلطة، فقوام الحراسة السيطرة الفعلية؛ سواء ثبتت هذه السيطرة الفعلية بحق أو بغير حق، وتتحقق السيطرة الفعلية على الشيء بالهيمنة والتسلط عليه، بما يحقق سلطة الأمر وإصدار التعليمات والتوجيهات بالنسبة لاستعمال الشيء وتوجيهه والرقابة عليه(109.
ولا يهم في قيام المسؤولية التقصيرية توافر فيه شروط الحراسة ومدة الحراسة، فالحراسة تتوافر مهما كانت مدتها ولو للحظة واحدة، وتأكيدا لذلك؛ فقد بين الفقه الفرنسي الحد الأدنى من الوقت المفترض لحيازة الشخص لذلك الشيء، فقضت بأن مجرد الدفع الأساسي من قبل أحد عمال المنجم تقديمه لأحد الزجاجات المتروكة في المنجم، والتي طارت وتناثرت إلى شظايا وأصابت أحد أصدقائه بالعمى، وقد أكسبها هذه الصفقة (110.
والعبرة في تحقيق الحراسة بالسيطرة أو السلطة ذاتها وليس مباشرتها؛ فهي تقوم بمجرد توافر سلطة الأمر على الشيء والسيطرة عليه بصرف النظر عن مباشرة هذه السلطة.
الفرع الثاني
إمكانية عـد المجسمات "الروبوتات" من قبيل الأشياء
ذهب المشرع الفرنسي لتوفير حماية أكثر للشخص المضرور في ظل التطور التقني والصناعي؛ فقد خرج على القواعد العامة التي تستلزم الإثبات، فنص على ما يعرف بالمسؤولية (الشيئية)، وذلك بتقرير مسؤولية الشخص عن الأضرار التي تحدثها الأشياء الخاضعة لحراسته دون حاجة إلى إثبات الخطأ في جانبه(111.
فالذكاء الاصطناعي العادي؛ مثل روبوتات الألعاب، لا يمنح استقلالية كبيرة للبرمجيات؛ أي إن دوره يتعلق فقط بضبط حركة وتصرف الأشياء المادية، وضبط برمجتها في كل مرة بشكل تلقائي ودون تغيير يذكر، مقارنة بالبرنامج الأصلي؛ إذ يمكن عـده من ضمن الأشياء المرتبة للمسؤولية التقصيرية عن فعلها، وذلك لعدم توافر الاستقلالية لديها ولإمكانية مراقبتها والتحكم في تصرفاتها من قبل المستخدم(112.
وقد اختلفت بعض التشريعات في تحديد طبيعة الأشياء في ظل المسؤولية التقصيرية؛ إذ اقتصر البعض على الطبيعة المادية للأشياء، والبعض الآخر لا يقيد الشيء بالطبيعة المادية، الأمر الذي خلق نوعا من الجدل في عـد الذكاء الاصطناعي شيئا من عدمه، وفي واقع الأمر فإن الذكاء الاصطناعي بمعناه الفني يعد شيئا ذا طبيعة غير مادية، وهذ لا يثير صعوبة، إلا أن الصعوبة قد تكمن في تقييد الشيء بأنه مادي(113، فبالنسبة للذكاء الاصطناعي للشيء المجسم، يمكن القول إن هذا النوع من الذكاء الاصطناعي لا يطرح صعوبة في عـده شيئا إذا كان الضرر الذي حصل بسبب عطل في جزئه المادي أو الوسائل المجسمة المستخدمة في صنعه، دون أي تدخل للبرمجيات المتطورة التي يحتويها، كذلك لا يثير صعوبة إذا تسبب في ضرر للغير في الحالة التي يكون فيها متوقفا عن العمل، لكنه موجود في وضعية مشتتة؛ إذ يلحق في هذه الصورة بنظام المسؤولية التقصيرية عن الأشياء غير المتحركة.
وفي اتجاه آخر يرى البعض ضرورة الفصل بين الصورة المادية وغير المادية للذكاء الاصطناعي المجسم، وبهذا فإن الجزء المادي من الروبوت يعد على شكل حاوية تهدف إلى تلقي النظام لمدة معينة؛ إذ يمكن بعدها نقل هذا النظام أو الأنظمة إلى حاوية أخرى، وبذلك فإنه وفق أصحاب هذا الموقف، يمكن إخضاع المكونين المادي وغير المادي إلى نظامين مختلفين للمسؤولية(114).
أما الذكاء الاصطناعي المتطور غير المجسم؛ مثل برامج الحوار مع مستعملي الإنترنت (Chatbots)؛ فقد انقسم الفقه في هذا المجال إلى اتجاهين: اتجاه يعتبر أن مصطلح الشيئية يقتصر فقط على الأشياء المجسمة المادية مهما كانت طبيعتها، وهو ما يعني أن تلك الأشياء غير المجسمة؛ مثل المعلومات والبيانات، لا يمكن عـدها من ضمن الأشياء لعدم إمكانية القدرة على حفظها، في حين ذهب رأي آخر إلى أنه حتى يمكن تطبيق المسؤولية التقصيرية الشيئية على الذكاء الاصطناعي يتعين وجود تطبيق مستقل للذكاء الاصطناعي خاص بنشاط تقديم الخدمات المعلوماتية (115.
والرأي القائل بالتوسع حول المسؤولية التقصيرية لتشمل البرامج والخوارزميات يطرح أيضا صعوبات مختلفة؛ إذ يمكن تجنبها عند البعض، وخاصة أن الذكاء الاصطناعي يحتاج على الأغلب لوعاء مجسم ليحتويه، مثل الروبوت أو الآلة الميكانيكية أو الشريحة(116، ورغم أن هذا الجدل يقبل النقاش، إلا أن الحجج التي استندوا إليها قد تكون من بين الأسباب التي دفعت محرري مشروع تطوير المسؤولية المدنية التقصيرية في فرنسا إلى ضرورة اشتراط وجود شيء مجسم للحديث عن مسؤولية تقصيرية عن فعل الشيء، في حين يذهب البعض إلى القول بأن الأشياء غير المادية، مثل المعلومات والبيانات، يمكن عـدها من الأشياء المادية، إضافة إلى الأنظمة التي ترتبط بمفهوم المعلومات والبيانات(117.
ولحل تلك الإشكالية ذهب البعض إلى أنه يمكن البحث في الأساس القانوني لحافظة المعلومات وقاعدة البيانات، بما أن سلطة مراقبتهما وتوجيههما يمكن أن تظل قائمة وفي انتظار وضع قواعد قانونية أكثر ملاءمة، حتى يمكن تطبيق قواعد المسؤولية التقصيرية عن فعل الأشياء على الذكاء الاصطناعي، بدلا من حصر مجاله على الأشياء المجسمة فقط، وذلك وفق واضعي مشروع تطوير المسؤولية المدنية التقصيرية في فرنسا(118).
إن غياب إجماع فقهي حول إمكانية اللجوء لأحكام المسؤولية الشيئية، وذلك لتطبيقها على الأشياء غير المجسمة، ومنها الذكاء الاصطناعي(119، وافتراضنا إمكان تطبيقها من قبل القضاء المدني أو في حال تدخل المشرع القانوني لتوسيع مجال المسؤولية الشيئية بنص صريح وواضح، لا يزيل كل الصعوبات المتعلقة بهذه المسؤولية، بما أن الصعوبة الثانية تتعلق باشتراط فعل الشيء، وهذا ما أكدته المادة (1-212) من القانون المدني القطري على أن: "كل من يتولى حراسة أشياء تتطلب عناية خاصة لمنع وقوع الضرر منها، يلتزم بتعويض الضرر الذي تحدثه هذه الأشياء، ما لم يثبت أن هذا الضرر وقع بسبب أجنبي لا يد له فيه (120.
ويستنتج من اشتراط فعل الشيء ضرورة وجود علاقة سببية أو إيجابية للشيء في إحداث الفعل الضار(121)؛ إذ يمكن القول إن فعل الذكاء الاصطناعي من الممكن ألا يشكل عائقا إذا كان الشيء مجسما، بما أنه يمكن تطبيق خاصية الحركة المرنة أو الجمود، أو معيار الملامسة والاتصال؛ فإذا تسبب الشيء المجسم المتعلق بالذكاء الاصطناعي أثناء حركته في إحداث الضرر، ولو كان ذلك بسبب جزئه أو مكونه غير المادي؛ إذ يمكن افتراض وجود فعل الشيء، باعتماد مفهوم وحدة مكوناته، كما أن وجوده في حالة جمود لا يقي إمكانية إثبات فعله الضار؛ لأنه قد يكون في حالة شاذة تؤكد دوره السببي في إحداث الضرر، ويجوز أيضا رغم وضعية الجمود التي كان عليها الذكاء الاصطناعي إلى وقوع الضرر؛ إذ يمكن تصور حدوث عطل في جهاز الاستشعار لدى الذكاء الاصطناعي المجسم أو إرسال إشارات خاطئة رغم وجوده في وضعية ثابتة(122.
أما في حالة الذكاء الاصطناعي غير المادي؛ أي غير المجسم، ففي هذه الحالة ليس من البديهي إثبات فعله(123)؛ لأن الفعل الذي تسبب في إلحاق الضرر كان غير مادي، ونشأ بسبب أشياء غير مادية متمثلة في برمجيات وخوارزميات أعطت أوامر ومعلومات بطريقة يصعب تلمسها، فالشيء مصدر الضرر في هذه الحالة غير مادي، والفعل الصادر عنه كذلك غير مادي، وهو ما يعقد من مسألة إثبات فعل الشيء؛ لغياب أي منطق مادي يمكن تلمس الفعل الحاصل من خلاله. ولتجاوز الإشكال بالنسبة للأشياء غير المجسمة، يمكن القول عن الفعل الافتراضي الرقمي للشيء، مثلما هو الأمر بالنسبة للأشياء الجامدة، وسواء كان الذكاء الاصطناعي مجسما أو غير مجسم، ومتحركا أو ثابتا؛ فإن إثبات فعله يمر من خلال وجود عيب فيه أو في وضعيته؛ إذ يفترض في تحديد العيب في أغلب الأحيان توضيح الوضعية أو الخاصية غير العادية للذكاء الاصطناعي؛ كوجود خلل أو عطل أو عيب في وسيلة التعلم الذاتي(124، وتحديد الميزة غير العادية للشيء يستوجب حتما معرفة الخاصية العادية لأمثاله، وهي مسألة قد تثير صعوبة، إضافة إلى أنها دقيقة بالنظر إلى أن المادة تعد تقنية بالأساس، وهي متطورة بسرعة قد يستحيل معها وضع معايير وأسس للأشياء العادية وغير العادية، وتحديد الخاصية العادية للذكاء الاصطناعي، الذي يمكن أن يكون خاصا من نوعه، ويتطلب المرور بتفكير حول الخاصية التي يمكن أن يكون عليه الشيء المماثل الذي يوضع في الظروف ذاتها، وهي مسألة معقدة جدا لعدم القدرة على الإلمام بكل مكونات وخصائص الذكاء الاصطناعي، وخاصة في ظل الميزة الاستقلالية، التي يمكن أن تطرح بعض الإشكالات مستقبلا؛ لأنها من الممكن أن تخرج على كل ما هو محتمل في المستقبل(125.
ولعل الخاصية التي تتمتع بها أنظمة الذكاء الاصطناعي ذات الاستقلالية في التطبيق، هي أن تطبيق فكرة حارس الشيء مرتبطة بدرجة الاستقلالية؛ إذ إن الروبوت يتخذ قرارات ذاتية يصعب التحكم فيها؛ مما يجعله غير خاضع لرقابة وسيطرة حارسه، وبالتالي لا تتحقق المسؤولية إذا أثبت الحارس أن الضرر وقع بفعل غير مسؤول عنه(126، وهي التي تقرب الذكاء الاصطناعي من وضعية الحيوان. وقد يكون هذا التقارب هو الذي دفع البعض إلى اقتراح الاستلهام من أحكام المسؤولية عن فعل الحيوان، بل إن البعض ذهب إلى حد تشبيه المركبات ذاتية القيادة بالأحصنة (127).
كما أن المتأمل في نظام المسؤولية عن فعل الحيوان المادي، وفق (3-212) من القانون المدني القطري والفصل (94) من قانون الإجراءات المدنية القطري، يلاحظ أنه يقوم على أساس واجب الحراسة أو الحفظ الذي يتمتع به المالك أو الحافظ بصفة عامة، والذي يمكنه من استعمال الحيوان وتوجيهه ومراقبته؛ أي إخضاعه لأوامره، بينما تشهد هذه الصلاحيات تقلصا كبيرا بالنسبة للذكاء الاصطناعي، الذي يتميز بدرجة من الذكاء تفوق قدرة الحيوان وباستقلالية أكبر، الأمر الذي يجعل التحكم في تصرفاته من المسائل المعقدة جدا.
وحتى بالنسبة للحيوان الطليق أو الشارد، وفق الفصل (95) من قانون الإجراءات المدنية القطري؛ فإن المسؤولية لا تقوم إلا إذا سعى الشخص في جلبه أو في بقائه، بمعنى أنه يصبح حافظا له في هذه الحالة (128)، ورغم أن التقارب بين الذكاء الاصطناعي المستقل والحيوان الطليق يزداد بما أن سلطات الحفظ تكون محدودة جدا تجاه الحيوان الشارد، إلا أن اشتراط وجود حيوان لتطبيق المسؤولية يقصي - حسب رأينا - إمكانية إدخال الذكاء الاصطناعي ضمن هذا المجال(129). وقد خلص الاجتهاد إلى أن صفة الذاتية والاستقلال تنبع من انعدام التدخل الإنساني المباشر في إحداث الضرر، ويتمثل العنصر الإيجابي للشيء من خلال تفاعله في إحداث الضرر(130.
ويقترح البعض تعديل أحكام الإثبات، وجعل حارس الذكاء الاصطناعي هو المسؤول عن إثبات تصرفه بطريقة عادية، وخاصة أنه بإمكانه الاستفادة من تطور تقنياته والحفاظ على نسخة من مراحل تدخله وعمله في الذاكرة، ورغم وجاهة هذا الطرح، إلا أن المسألة تعد مكلفة وتتطلب تعاون المصنع والمبرمج؛ حتى يتسنى توفير مثل هذه الخاصية في الذكاء الاصطناعي، وجعله يحافظ على ما يشبه الصندوق الأسود. كما أن تفعيل هذا الاقتراح يشترط توافر إمكانية حفظ الذكاء الاصطناعي، وهو ما يشكل صعوبات عديدة(131.
المطلب الثاني
الإشكالات التي تثيرها حراسة الذكاء الاصطناعي
يعد مالك الشيء هو حارسه، ويكون مسؤولا عما يحدثه من أضرار، وهذا لا يرجع إلى أنه مالك؛ لأن المركز القانوني للشخص بالنسبة للشيء يقع غير ذي موضوع في هذا المجال، وإنما يرجع ثبوت الحراسة (المالك) إلى أنه يباشر عادة السلطات التي يمنحها القانون على الشيء، وللبحث في الإشكالات التي تثيرها حراسة الذكاء الاصطناعي، سيتم البحث في فكرة تجزئة الحراسة في أنظمة الذكاء الاصطناعي في (الفرع الأول)، ثم بيان أن طبيعة الذكاء الاصطناعي تتنافى مع فكرة الحراسة في (الفرع الثاني).
الفرع الأول
فكرة تجزئة الحراسة في أنظمة الذكاء الاصطناعي
الأساس في المسؤولية التقصيرية هو اجتماع العناصر المكونة للركن المادي، إلا أنه قد يحدث وتنفصل عن بعضها، وذلك بأن تكون سلطة الاستعمال لشخص معين، وسلطتا التوجيه والرقابة لشخص، ويثور التساؤل في مثل هذه الحالة حول من تثبت له صفة الحارس(132، وقد نظم المشرع القطري الحراسة وفق المسؤولية عن الضرر الناجم عن الأشياء في المادة (212)(133، وقد ظهرت نظرية تجزئة الحراسة، وفيها يتم تقسيم الحراسة إلى حراسة استعمال وحراسة تكوين أو تركيب؛ إذ إن حارس التكوين هو المالك الذي يسأل عن عيوب الشيء ولو عهد إلى شخص آخر لاستعماله، أما حارس الاستعمال فهو الشخص الذي له استعمال الشيء؛ إذ يسأل عن الأضرار التي يحدثها الشيء ولا يتعلق بتكوين الشيء بل الناتج عن استعمال العيب(134، وهذه النظرية تؤدي إلى تعدد الحراسات على الشيء الواحد، وذلك تبعا لقوى السيطرة على مظاهر الشيء وجودته، أما في القانون الوضعي الفرنسي فهنالك اتجاه يذهب إلى التفرقة بين حراسة الاستعمال وحراسة التكوين؛ إذ تقوم هذه التفرقة عندما يكون الشيء مكونا من عناصر عديدة مختلفة؛ حيث تكون السيطرة الفعلية على كل عنصر فيه لشخص معين، ومثال على ذلك من القضاء الفرنسي أنبوبة الأوكسجين، فهذه الأنبوبة لها محتوى داخلي يتعلق بتكوينها ومظهر خارجي يتعلق باستعمالها أو صيانتها؛ فإذا كان انفجارها يرجع إلى عيب في صيانتها وليس إلى سوء استعمالها وتقصير في حياتها؛ فإنه من غير المقبول أن يسأل عن أضرارها حارس الاستعمال، وهو ما ينطبق على أنظمة الذكاء الاصطناعي وبالتحديد الروبوتات، وإنما يجب أن يسأل عن ذلك حارس التكوين المنتج أو المصنع(135، وقد ذهب جانب من الفقه بين مؤيد ومعارض لنظرية تجزئة الحراسة، ويرى أنصار هذه النظرية أنها تهدف إلى تحقيق العدالة(136، كما أنها نظرية منطقية(137، وجانب من المؤيدين يدعمون وجهة نظرهم ببعض الأحكام القضائية التي بنت عليها فكرة تجزئة الحراسة؛ إذ قضت محكمة النقض الفرنسية بقرارها 5/ حزيران/ 1971م في تحمل مسؤولية مصنع البيرة عن انفجار إحدى الزجاجات العائدة له؛ حيث تم نفي المسؤولية عن البائع الذي كان يتولى تسويقها، كما أشارت إلى أن هذه التفرقة تثير كثيرا من الصعوبات العلمية أمام المضرور، وتتمثل الصعوبات في معرفة سبب الضرر، وهل يرجع إلى تكوين الشيء أو استعماله قبل رفع الدعوى؛ مما يرتب على ذلك ضياع الفائدة الأساسية من المسؤولية عن الأشياء؛ ومنها إعفاء المضرور من البحث عن سبب الخطأ(138.
ويرى جانب آخر أن نظرية تجزئة الحراسة قد تكون مفيدة في حالة الفرض الذي يتم فيه تحديد السبب من الضرر الناتج عن أنظمة تقنية الذكاء الاصطناعي، وبالتالي إذا كان الضرر يعود لعيب في التصنيع أو البرمجة، ففي هذه الحالة تقوم مسؤولية المبرمج أو الصانع بوصفهما حراسا للتكوين، ويعفى المستعمل على الرغم من انتقال الحيازة إليه من المسؤولية التقصيرية، وعلى العكس من ذلك إذا كان الضرر بسبب علة في الاستخدام؛ فإن المستخدم في هذه الحالة يسأل مسؤولية تقصيرية بوصفه هو حارس الشيء(139.
أما نظرية الجدوى من تعدد الحراس في مجال الذكاء الاصطناعي، فتستند إلى وجود أكثر من حارس للشيء ذاته وفي الوقت نفسه، ومن المتصور أن يتعدد الحارس ويكون كل واحد منهم مسؤولا عن الضرر أو جزء منه، أو قد يكون البعض مسؤولا والبعض الآخر غير مسؤول، وفي هذه الحالة نكون أمام تجزئة للحراسة وتعدد الحراسة؛ فإذا استحالت تجزئة الحراسة، وكانت هناك عقبات في تعيين المسؤول بشكل دقيق بين عدد من المتدخلين في الذكاء الاصطناعي المسبب للضرر؛ فإنه في هذه الحالة يمكن الاستناد إلى نظرية تعدد الحراس؛ فتكون المسؤولية عن الضرر تضامنية، وبهذا يتحمل كل واحد منهم جزءا من الضرر الذي لحق بالغير(140.
الفرع الثاني
طبيعة الذكاء الاصطناعي تتنافى مع فكرة الحراسة
يتميز الذكاء الاصطناعي بخصائص وصفات عديدة تجعله يختلف عن السبب في طبيعة الضرر الذي يلحق بالغير، وبالتالي لا يخضع لأي رقابة أو توجيه أو أي سيطرة للإنسان عليه، إضافة إلى تميز الذكاء الاصطناعي بطابع غير مادي والأفعال غير المتوقعة عنه، وعدم تركزه في زمان ومكان معين، فهذه الخصائص للذكاء الاصطناعي تجعل تخيل الحراسة أمرا صعبا(141، وقد تعرض القضاء الفرنسي لهذه المسألة (Google Adwords)؛ إذ عـد هذه الشركة غير حارسة لكلمة السر، مستندا إلى الربط بمفهوم التوجيه أو الرقابة أو السيطرة من الناحية المادية(142، فالواقع أن عدم قبول فكرة الحراسة وتطبيقها على أنظمة الذكاء الاصطناعي أدى إلى ظهور أصوات تنادي بالتخلي عن المعيار المادي للحراسة، ليس لعدم ماديته أو عدم شموليته فقط، وإنما لعدم توافقه مع الطبيعة المسؤولية التقصيرية للتأمين، ولا سيما مع ظهور أسباب حديثة لم تكن موجودة عند سن القواعد المدنية ومنها المسؤولية التقصيرية(143، وقد اقترح البعض لحل هذا الإشكال الانتقال بالحراسة من الطابع المادي إلى الطابع القانوني التام؛ أي ربط الحراسة بالملكية أو بالحق الثابت على الشيء، ليتحدد الحارس بالشخص صاحب الحق المرتبط بالشيء، بما تعنيه هذه الفكرة من وجوب "مشروعية الحيازة"، ووفق هذه النظرية؛ فإن الحراسة لا تنتقل من شخص إلى شخص آخر إلا بتصرف قانوني إيجابي، وعلى ذلك فالانتقال الفعلي للحراسة لا يجعل من الحائز حارسا، فالتابع مثلا الذي استخدم الشيء لحساب متبوعه لا يعد وفق نظرية الحراسة القانونية حارسا بالمعنى القانوني، طالما أن نية المتبوع لم تتجه إلى نقل السلطة القانونية إليه(144)، وعلى هذا الأساس؛ فإن هذا المقترح يركز على المنطق القانوني وليس على الشيء، وبالتالي يمكن استخدام هذا المنطق لتقرير المسؤولية الشيئية على أنظمة الذكاء الاصطناعي، وذلك على أساس أن مالك هذه التقنيات - وإن كان يفقد السلطة الفعلية بما تتمتع بها من خصائص- لا يفقد حقه كحائز شرعي لها.
وفي سبيل تطويع فكرة الحراسة لتناسب الذكاء الاصطناعي، ذهب البعض إلى ضرورة التفرقة بين حراسة الممتلكات المادية والممتلكات المعنوية؛ إذ إن الممتلكات المادية تستند إلى سلطة التوجيه والرقابة والسيطرة الفعلية، بخلاف الممتلكات المعنوية التي لا تمنح من بيده سلطة الموافقة قانونا على منح التمتع بهذه الملكية لشخص ما(145)، وقد انتقد البعض هذه التفرقة ولا تحقق الغرض من النظام القانوني لحراسة الأشياء، وذلك لأن الحراسة لا تتماشى مع الممتلكات المعنوية على عكس الممتلكات المادية، إضافة إلى أن القرينة في مجال الذكاء الاصطناعي لا يتحقق الهدف المقصود منها في مجال الأشياء المادية، وهو حماية المتضرر؛ بسبب المتدخلين العديدين في هذه التقنية المعقدة.
وقد ذهب البعض إلى وجوب التفرقة بين الذكاء الاصطناعي ودعامته، فالجسد الحامل للذكاء الاصطناعي يقبل فكرة الحراسة، كغيره من الآلات والجمادات الأخرى، وعلى ذلك فبالإمكان اللجوء إلى نظرية المسؤولية الشيئية لتعويض الأضرار الناتجة عن أي ضرر مصدره جسد الروبوتات، فهذه الأخيرة نظرا لطابعها المادي وخضوعها للرقابة والتوجيه والسيطرة يمكن مساءلة مالكها، أو من انتقلت إليه حراستها من بعده بموجب نظرية حراسة الأشياء(146)، وليس في هذا أي جديد، فالقواعد العامة في المسؤولية الشيئية تنبسط لتغطي هذا الفرض دون أي عناء.
أما بخصوص مدى قابلية البرمجيات والخوارزميات للحراسة فالأمر قد يشوبه بعض اللبس؛ من خلال عاملين: الأول انعدام الطبيعية المادية للبرمجيات والخوارزميات، والثاني إفلات التصرفات والأفعال، إضافة إلى القرارات الصادرة عنها من أي رقابة أو توجيه من قبل الإنسان، وذلك لخاصية الاستقلال التي يتمتع بها الذكاء الاصطناعي، وعدم قابلية التصرفات الصادرة عن أنظمة الذكاء الاصطناعي للتنبؤ بها؛ إذ إنه بمجرد برمجة الذكاء الاصطناعي وبدء تشغيله فإنه يقوم بتجميع البيانات وتحليلها من تلقاء نفسه، وبالتالي يصعب القول بخضوع الأفعال الصادرة عنه للحراسة بالمعنى القانوني التقليدي في مجال حراسة الأشياء، وذلك بسبب أن الشخص كي يعامل بصفته حارسا للشيء يجب أن يكون له سلطة التوجيه والتحكم والرقابة على الشيء في وقت حدوث الضرر(147).
كما أن السيطرة المادية في الحراسة على الشيء لا تعد مناسبة لمسببات الضرر المستجدة؛ كالذكاء الاصطناعي، وبالتالي فمن الصعوبة إدخال الأفعال التي تصدر عن الذكاء الاصطناعي ضمن الأسباب التي تؤدي إلى قيام المسؤولية الشيئية، وهذه الصعوبة تكمن فقط في أنظمة الذكاء الاصطناعي بالمعنى التقني الدقيق للمصطلح، أما أفعال الآلات الميكانيكية أو الآلة التي تحمل تقنية الذكاء الاصطناعي فهذه تخضع - شأنها شأن جميع الأجهزة والآلات التقليدية - للقواعد التقليدية للمسؤولية الشيئية عما تحدثه من أضرار، ما لم يثبت أن وقوع الضرر كان بسبب أجنبي لا يد لها فيه(148، وبهذا المعنى؛ فإن نظام مسؤولية حارس الأشياء وضع ليطبق على الأشياء المادية الحية؛ سواء الإنسان أو الحيوان أو الآلات بالمعنى التقليدي لها(149)، وبالتالي؛ لا يطبق على أنظمة الذكاء الاصطناعي المسببة للضرر المعنوي، والعلة في ذلك هي أن من يتحمل الضرر هو الشخص الذي يكون أقدر من غيره على تحمله من خلال التحكم في الشيء ورقابته وتوجيهه من الناحية الفعلية المادية(150). وبهذا المعنى؛ فإن الحراسة في الذكاء الاصطناعي يشوبها الغموض والنقص، وتحتاج إلى مزيد من البحث والتحري من قبل الفقهاء والقانونيين في مجال تطبيق قواعد المسؤولية التقصيرية على حراسة الأشياء التي تكون ضمن تقنيات الذكاء الاصطناعي.
النتائج والتوصيات
تنهض المسؤولية التقصيرية بشكل عام عندما يخل الشخص بما التزم به تجاه الغير قانونيا، والجزاء المترتب هو تعويض الضرر الناشئ عن ذلك الإخلال، وإذا كان من الممكن قيام المسؤولية التقصيرية على الشخص دون أن يكون قد وقع من جانبه ما يعد خطأ عن تأسيس هذا القيام على الضمان أو مبدأ تحمل التبعية أو حتى الخطأ المفترض غير قابل لإثبات العكس؛ فإنه لا يمكن قيام المسؤولية وترتب حكمها وهو التعويض عن الضرر دون وجود هذا الضرر، هذا فيما يتعلق بقواعد المسؤولية التقصيرية التقليدية عن الضرر بمفهومه التقليدي، إلا أن الوضع مختلف في ظل الأضرار الناجمة عن تقنيات الذكاء الاصطناعي وتجسيد القصور في التشريعات الناظمة للمسؤولية التقصيرية التقليدية عن الفعل الضار الصادر عن المنتج أو المبرمج أو المستخدم، وإن كان في رأينا الشخصي لا يوجد أي إشكالية بخصوص المستخدم ما دام أن الضرر نتج عن سوء الاستخدام، وكان بإمكان القاضي المدني التحقق من إثبات المسؤولية التقصيرية، إلا أن المشكلة القانونية القائمة تتعلق في إثبات الضرر من المنتج أو المبرمج، والتي تحتاج إلى التثبت من الضرر، ومدى كفاية التشريعات التقليدية في تحميل المسؤولية التقصيرية للمنتج أو المبرمج.
أولا: النتائج:
ثانيا: التوصيات:
أولا: المراجع العربية:
ثانيا: المراجع الإنجليزية:
ثالثا: المراجع الفرنسية:
Faculty Member – Police Academy – Ministry of Interior – State of Qatar
Views
Downloads
Citations
Authors
Issue
Year