According to a comparative analytical study, the subject of the research paper dealt with the influential role of artificial intelligence on the law, and the potential consequences of this role in some aspects of the European legal system, with an approximation of the reality of the situation on the Qatari legislative system.
The paper presents this role and the mechanism for its regulation, within the framework of the provisions of the European rules in the Civil Code of Robot 2017 on the one part, and some relevant Qatari laws, and the development framework for the Qatar National Vision 2030, on the other part. He reviewed, as much as possible, the position of the Qatari civil legislator regarding these various research points, to show the extent to which the European and Qatari legislative position can be reconciled, and its adoption in the Qatari civil legislation. In its endeavor to provide a research contribution that explains to the Arab reader in general and the Qatari in particular - in light of the insufficient of legal studies on the subject - the limits and nature of this role, the possible implications for it in the European and Qatari legal system, and the proposed perceptions of the nature of the legislative and legal dealings with it.
According to two main parts. The first one deals with the protection of «Artificial intelligence», by protecting the results that this intelligence will reach in various levels. In its tangible form «Robot», and intangible «Algorithms and Software». The second is to protect «Society with its various components» from it. In terms of ensuring that our fundamental rights and liberties are not violated, in addition to defining the nature of legal liability arising from the unlawful use of this intelligence.
The research concluded that there is an apparent legislative deficiency in the nature of the legal treatment of many points raised by artificial intelligence in Qatari civil legislation. Regarding the legal rules for the protection of intellectual property rights, especially those related to the protection of intellectual property rights for artificial intelligence, or in recognition of the legal personality of the sensual form of artificial intelligence represented by the robot.
The research also stressed the need to codify the process of using artificial intelligence to ensure that the artificial intelligence, in its physical form «Robot», and those responsible for it, are respect the fundamental rights and liberties of individuals. On the other hand, the research showed that, in the absence of the cognitive side of artificial intelligence, the main pillar on which the idea of its legal responsibility is based falls, so that the fault remains a human fault with an unconventional concept, which requires the Qatari civil legislator to review the legal rules governing the idea of his legal responsibility.
Accordingly, the research recommended the necessity of creating the use of artificial intelligence by creating a moral work charter that shows the various aspects of work for it, as well as the rights and duties that follow, in order to ensure the re-alignment of various legal texts within the spirit and philosophy of the Qatari legislator and Qatar national vision 2030.
Outputs, the research hoped to see its translation in the near future, through an ambitious legislative plan that addresses various of these aspects within the Qatari society, which confirms that tomorrow will inevitably - God willing - be brighter in understanding the nature and specificity of this special relationship between artificial intelligence and law.
C-A. Colliard: "أنَّ القانون لا يصنعه الفلاسفة بنظرياتهم، ولا رجال القانون بصيغهم القانونية، وإنَّما المهندسون باختراعاتهم التي تصنع وتطور القانون"1. حقيقةٌ، بالرغم من تحفظ البعض على إطلاقها، إلا أنَّها تبين طبيعة العلاقة التبادلية الوثيقة بين علمي القانون والهندسة. فالقراءة التاريخية لتطور العديد من نظريات القانون تؤكد هذا التداخل الحتمي، الذي غالبًا ما كان فيه القانون بمختلف فروعه بما فيها المدني؛ وفي إطار علاقته مع علم الهندسة، لا سيما في ضوء مخرجات الثورة الصناعية؛ ضمن رد الفعل ... لا الفعل2. فقد كان هذا القانون العربة التي تجرها الثورة الصناعية، والتي تدين بوجودها وتطورها للعديد من مهندسيها ببعديها النظري والعملي. والأمثلة على ذلك عديدة، سواء في إطار نظرية الشخصية القانونية، وانفصال فكرة هذه الأخيرة عن الشخص الطبيعي وصولًا إلى الشخص الاعتباري3، أو في نظرية المسؤولية المدنية، ببعديها التعاقدي والتقصيري، ومنعكسات هذه التطور على فكرتي الخطأ والتعويض4. وحديثًا في إطار نظريتي العقد والإثبات، والانتقال بالتعامل القانوني فيهما من الحيز التقليدي الورقي، إلى الحيز الإلكتروني الرقمي5. وما ينطبق اليوم على هاتين النظريتين، يمكن لحظه في نظام فض المنازعات، إمَّا بشكله القضائي أو التحكيمي6، والقائمة تطول....7
واليوم، مع البعد الرقمي الجديد لهذه الثورة الصناعية في شكلها الرابع8، وتحديدًا في إطار مفهوم "الذكاء الاصطناعي"، Iintelligence Artificial (IA)9 الذي يفاجئنا بتطورات متسارعة ومذهلة، إمَّا في الصناعة، أو التجارة، أو العمل، أو الصحة، أو التعليم، وحتى الترفيه، أضحى على المشرع إعادة تكييف قواعده القانونية ذات المدلول الواقعي والمادي، للتعامل مع واقع افتراضي غير ملموس في الكثير من حالاته، لا سيما مع انتقال فكرة الذكاء الاصطناعي من إطارها المعنوي غير الملموس والخاص، إلى إطارها المادي المحسوس والعام. من إطار البرمجيات البسيطة القابلة للتحكم، إلى نظام البرمجيات الذكية، سواء في إطار علاقة هذا الذكاء بتطوير قدرات الإنسان "Transhumanism"، أو بالارتقاء بالآلة "Robotics" ببنيتها الفيزيائية والمادية، لتحاكي الكائن البشري في الكثير من حركاته وسكناته10. ما طرح نقاش قانوني مستفيض حول ضرورة تأطير القواعد الناظمة لهذا النوع الجديد من الذكاء، في العديد من المنظومات القانونية الغربية إمَّا على المستوى الأوروبي أو الأمريكي11. وما سيعيد طرح هذا السؤال في منظومتنا العربية والخليجية.
ذلك أنَّه، وفي ضوء مخرجات النمو الاقتصادي والرقمي التي تشهدها العديد من الدول العربية والخليجية، وفي مقدمتها دولة قَطَرْ، سيكون على المشرع القَطَرِي، تحديد موقفه القانوني في العديد من القضايا المتعلقة بالذكاء الاصطناعي، إمَّا في إطار حمايته "هــــو" أي: "الذكاء الاصطناعي"، من حيث حماية النتائج التي سيتوصل إليها هذا الذكاء بمختلف الأصعدة، أو حمايتنا "نحــــن" منه! أي: "المجتمع بمختلف مكوناته"، من حيث أخلقة وتقنين هذه المخرجات، كي لا تنعكس سلبًا علينا. ما سيحتم على المشرع القَطَرِي تعديل العديد من القواعد القانونية بما يتوافق مع هذه المتغيرات أولًا، وبما ينسجم مع رؤية قَطَر الوطنية 2030. ثانيًا12، تحديدًا المرتبطة منها بالتنمية الاقتصادية والاجتماعية، بشكل يوائم تشريعاته الوطنية مع نظيراتها من الدول السباقة في هذا المجال، من خلال وضع سياسة تشريعية خاصة مؤطرة للذكاء الاصطناعي في البيئة الرقمية، تُتَرجم من خلال مشروع قانون مؤطر للذكاء الاصطناعي، تسعى هذه الورقة البحثية لتلمس أهم محدداته.
من هنا، ومن خلال هذا المقترح، تأتي فكرة هذه الورقة البحثية، التي تحاول أنْ تعرض للخطوط العامة لهذا المقترح القانوني حول تأطير الذكاء الاصطناعي، والتي ترتكز بدورها على جانبين: أولهما، يتعلق بحمايته "هــــو" عبر حماية مخرجات هذا الذكاء، في شكله الملموس "الإنسآلة (Robot)13"، من حيث تحديد التعاطي القانوني مع هذا الكائن الرقمي الجديد؛ وشكله غير الملموس "اللوغارتمات والبرمجيات"، بمعنى حماية حقوق الملكية الفكرية لهذه الذكاء. أما الجانب الثاني من هذه الحماية، فيتعلق بحمايتنا "نحــــن" من هذه المخرجات، من حيث ضمان عدم الاعتداء على حقوقنا الأساسية، لا سيما الحق بالخصوصية والحق بالعمل من جهة؛ كما تحديد طبيعة المسؤولية القانونية المترتبة نتيجة الاستخدام القانوني لهذه البرمجيات، لاسيما في شكلها المحسوس، ونعني بذلك "الإنسآلة (Robot)"، من جهة ثانية. كل ذلك في ضوء مجموعة القواعد الأوروبية في القانون المدني "الإنسآلة (Robot)" لعام 201714، مستعرضين، ما أمكن ذلك، موقف المشرع المدني القَطَرِي، حيال مختلف هذه النقاط البحثية، لتبيان مدى إمكانية التوفيق بين الموقف التشريعي الغربي والقَطَرِي، وإمكانية تبنيه في التشريع المدني القَطَرِي، بما ينسجم مع رؤية قَطَرْ الوطنية 2030، وصولًا لطرح تصور قانوني لمشروع قانون يؤطر عمل الذكاء الاصطناعي ضمن هذا النظام15.
الذكاء الاصطناعي في القانون
أولًا- الذكاء الاصطناعي في الاعتبار القانوني
بعيدًا عن التعريفات المصطلحية العديدة لمفهوم الذكاء الاصطناعي16، فما يهمنا هنا أنَّ هذا الذكاء إنَّما أتى ليمثل- في الأهداف والرؤى - المرادف الاصطناعي للذكاء البشري أو الإنساني. بمعنى أنَّه ذكاء لوغاريتماتي يحاكي القدرات الإنسانية للذكاء دون أنْ يطابقها، فهو ذكاء يتناول قدرة الآلة بمفهومها التقليدي على أنْ تحاكي الذكاء البشري. وإنْ كان الذكاء الاصطناعي قد وُجد بدايةً ضمن مبررات عديدة من بينها فهم ومحاكاة الذكاء الإنساني، فإنه اليوم باعتقادنا تجاوز هذ الحيثية بنقاط عديدة، لا سيما في العلوم القائمة على التسلسل المعرفي الدقيق كعلوم الرياضيات والفيزياء والهندسة، بينما بقي قاصرًا عن الذكاء البشري في العديد من العلوم الاجتماعية والإنسانية، كونها لا تقوم دومًا على منطق الوضوح، وإنَّما تستند في حالات عديدة لمنطق الغموض17. هذه الخصوصية للعلوم الإنسانية والاجتماعية، ومن بينها العلوم القانونية، ستجعل من نطاق الذكاء في العلوم القانونية، حتى الآن محدودًا وضيقًا، دون أنْ ننفي وجود هذا الأثر18.
فمن المعلوم أنَّ الذكاء الاصطناعي يعتمد على الكثير من المهارات والقدرات المعرفية التي يمتلكها الإنسان من قراءة وتحليل ومحاكمة .... إلا أنَّه حتى حينه لم يمتلك قدرة المحاكة المتضاربة بين المفاهيم، رغم عديد المحاولات التي تمت في هذا المجال، لا سيما في إطار نظريات الغموض غير المنطقي، والتي لا ينفع فيها التحليل المنطقي المستند على حقائق لُغورتماتية مترابطة ومتسقة19. فهو ذكاء كمي تراكمي جمعي هائل يتجاوز- إلى حد كبير - المخزون المعرفي للعقل البشري الإنساني في حياة بشرية مقدرة بمتوسط عمر بشري لا يجاوز التسعين عامًا في أحسن الأحوال. إلا أنَّه، بالوقت ذاته، لا يزال عاجزًا عن امتلاك مقومات التحليل البشري للمفاهيم الفلسفية والاجتماعية المتضاربة، بما فيها المتعلقة بالمماحكة الفلسفية والمُحاججة القانونية. وعليه فهو ذكاء قائم بذاته له صفة الوجود والاستقلال، إلا أنَّه ذكاء غير عاقل "مدرك" وغير مكتمل. ولعل ذلك ما أثار العديد من التحفظات القانونية في إطار حماية هذا الذكاء، كما سيبين البحث لاحقًا.
ثانيًا- الذكاء الاصطناعي والعلوم القانونية
من غير الخافي أنَّ الذكاء الاصطناعي دخل اليوم الكثير من المجالات المجتمعية، منها المحسوس ومنها غير المحسوس، منها ذو المفهوم البسيط ومنها ذو المفهوم المعقد، وأنَّ هذه المجالات بعيدة عن الحصر، فهي متعددة ومتشعبة بشكل كبير، فكما أنَّه من غير المتصور أو حتى المنطقي أنْ نقول إنَّ الذكاء الإنساني يقف عند حدود علم بعينه لا يجاوزه لغيره، فالأمر ذاته ينطبق على الذكاء الاصطناعي20 الذي من المرجح أنْ يعيد مصفوفة الفكر الاجتماعي عامةً والقانوني خاصةً، إمَّا من حيث تحديد مفهوم النص القانوني في إطار فكرة التشريع بحد ذاته، والصياغة القانونية الخاصة به، أو من حيث تحديد وتأطير عملية التعاقد القانوني والتوثيق القانوني الخاص بها، إضافة لحالات المنازعات القانونية، سواء في إطار العلاقة القانونية بين الخصوم، لا سيما في المراحل التوفيقية، قبل الوصول إلى قاعات القضاء، من حيث تقديم النصح والإرشاد، وصولًا إلى قاعات القضاء والنطق بالحكم، وغيرها من القضايا ذات الصلة بالمنظومة القانونية والقضائية21.
فإن كان الذكاء الاصطناعي لا يزال حتى حينه يقدم خدمة علمية جليلة في تسهيل عملية البحث العلمي، إمَّا من حيث ترجمة النصوص أو من حيث تحديد المصادر القانونية، وتحليل هذه المصادر، وإعادة منهجيتها بما يتناسب مع متطلبات البحث العلمي22. فإنه، على المستوى العملي، مهيأٌ كذلك، لتقديم النصح القانوني التحليلي، وليس الإحصائي الاستبياني، لطرفي الخصومة. فعديدة هي محركات البحث القانوني التي تقدم النصائح القانونية23، وهي إنْ كانت تعمل في معظمها في إطار إرشادي بعيدًا عن الصفة الرسمية، فهي في المستقبل القريب ستأخذ هذه الصفة، ما سيوجب حتمًا تعديلًا في النصوص القانونية ذات العلاقة، كالقانون المدني وقانون المرافعات المدنية والتجارية، ناهيك عن قانون السلطة القضائية وقانون ممارسة مهنة المحاماة. فعلى سبيل المثال لا الحصر، المادة القانونية التي تقول إنه لا يمكن سوى للمحامي أنْ يقدم نصيحة قانونية وفق المفهوم الرسمي، ستكون موضع شك وانتقاد كبير في عصر الذكاء الاصطناعي، الذي سيقوم بتقديم هذا النصح التحليلي بشكل رسمي موثوق، ما سيحد بشكل كبير من حالات التقاضي، لا سيما حينما توضح المؤشرات التحليلية مدى النسب المتوقعة لكسب الدعوى القضائية موضوع النزاع، أو خسارتها24.
كذلك، وفي الجانب القضائي، إنَّ هذا الذكاء مهيأٌ ليأخذ بُعدين: أولهما أصيل وثانيهما مساعد. حيث سيحل في الأول محل القاضي في النطق بالحكم، وبالتالي سيكون لدينا قاضٍ قائم بذاته على الذكاء الاصطناعي، لا سيما في القضايا المدنية البسيطة، المستندة لقرائن قانونية قاطعة، أو تلك التي يثبتها واقع الحال بما لا يدع مجالًا للشك، كما في قضايا الصلح أو حالات الإقرار القضائي أو فرضيات القرينة القانونية القاطعة وغيرها. ما سيعيد هيكلة العديد من نصوص قانون السلطة القضائية، لا سيما فيما يتعلق بآليات إصدار مثل هذه الأحكام، والطبيعة الإجرائية للمحاكمة، وكيفية الطعن بالحكم، ووسائل الاعتراض على الحكم، وغيرها. كما سيضع القواعد القانونية الخاصة بمخاصمة ورد القضاة، إضافة لحالات تنحي القاضي موضع تساؤل كبير من حيث الإبقاء أو الإلغاء، وما سيعيد النظر في طبيعة القواعد القانونية الحاكمة للمسؤولية المهنية للقاضي، وقواعد المساءلة التأديبية له، وغيرها من القضايا الأخرى25. في حين سيبقى للقاضي "الإنسان" دوره الفاعل في العملية القضائية، لا سيما في القضايا المعقدة والشائكة، أو تلك التي تستدعي الأخذ بالأسباب المخففة أو المشددة ونظرة الميسرة القضائية، أو تلك التي ترتكز في جانب منها إلى مفهوم السلطة التقديرية للقاضي. وفي مختلف هذه الحالات، يأتي البُعد الثاني للذكاء الاصطناعي المتمثل بالدور المساند والمساعد للقاضي؛ حيث سيشكل الذكاء الاصطناعي إطارًا مرجعيًا موثوقًا للقاضي في توضيح التوجهات القضائية الحديثة، والتوجهات التحليلية الخاصة بذلك، وموقف المحاكم بشكل عام، من العديد من النقاط التي يثيرها موضوع النزاع، سواء أكان ذلك، أمام محاكم الموضوع أو أمام محكمة القانون26.
هذه الأدوار وغيرها، ستعيد بناء وهيكلة المنظومة القضائية بشكل عام في إطار مفهوم العدالة التنبئية27، كما ستعيد النظر في التكلفة الاقتصادية للدعوى القضائية، ومتوسط العمر الافتراضي للدعوى القضائية، ما سيعزز من عملية التحليل الاقتصادي للقانون، وصولًا إلى عدالة أكثر موثوقية، وأقل تكلفة. وهما أمران في غاية الأهمية في أي نظام قانوني28. ما يوجب على الحكومة القَطَرِية، العمل بشكل جاد لوضع استراتيجية وطنية تأخذ بعين الاعتبار مخرجات وحقيقة الدور الكبير الذي سيأخذه الذكاء الاصطناعي في مختلف أصعدة المجتمع، ومنها القانونية والتشريعية، وذلك بما ينسجم مع رؤية قَطَرْ الوطنية 2030، بركائزها الأربعة: البشرية، والاجتماعية والاقتصادية والبيئية29.
الحماية القانونية للذكاء الاصطناعي
تتعدد أوجه الحماية القانونية للذكاء الاصطناعي ضمن مضامين متعددة، وإنْ كان يمكن حصر هذه الأوجه ضمن بعدين رئيسين: أحدهما ذو دلالة افتراضية غير ملموسة متصلة بالجانب الفكري الإبداعي لهذا الذكاء، والثاني يتصل بالجانب المادي المحسوس والملموس لهذا الجانب30.
المطلب الأول
الذكاء الاصطناعي وحقوق الملكية الفكرية
من المعلوم أنَّ حقوق الملكية الفكرية تتناول جانبين رئيسين في العمل الإبداعي لــ: "الشخص القانوني"، الأول يتصل بالجانب الإبداعي الأدبي، وهو ما يطلق عليه: "حقوق المؤلف والحقوق المجاورة"، والثاني يرتبط بالجانب الإبداعي الصناعي والتجاري. وهو ما يستوعب: "براءات الاختراع والعلامات التجارية" ويُضاف إليهما النماذج الصناعية والمؤشرات الجغرافية31. واليوم يطرح الذكاء الاصطناعي أمام المنظومة القانونية لحقوق الملكية الفكرية نقاط استفهام عدة، لعل من أهمها طبيعة حقوق الملكية الفكرية الواجب حمايتها ضمن الذكاء الاصطناعي، ومدى كفاية التشريعات القانونية الحالية في معالجة مختلف هذه الاستحقاقات القانونية، ما يوجب البحث في نوعية حقوق الملكية الفكرية التي نتجت عن الذكاء الاصطناعي، والتي يمكن التمييز من خلالها بين حقوق الملكية الفكرية ذات الطابع التقليدي، التي يمكن أنْ يتقاطع فيها الذكاء الاصطناعي مع أي حقوق ابتكار أخرى، وحقوق الملكية الفكرية التي تخص الذكاء الاصطناعي ذاته، أو ما يمكن تسميته: "حقوق الملكية الخاصة بالذكاء الاصطناعي". وإنْ كانت الأولى لا تثير كثير لغط في الأوساط القانونية، فإنَّ توضيح الموقف القانوني من الثانية لا يزال موضع نقاش كبير32.
أولًا- الذكاء الاصطناعي والإطار التقليدي لحقوق الملكية الفكرية
تتناول هذه الفرضية حالات الابتكار الفكري المتعلق بأنظمة وبرمجيات الذكاء الاصطناعي ذاته. فمن المعلوم أنَّ الذكاء الاصطناعي يعتمد بالضرورة على كم هائل من المدخلات البيانية في إطار ما يعرف: "بالبيانات الضخمةBig Data"33 ولغة برمجية رقمية شديدة التعقيد، يتعارف عليها بـــ: "اللوغاريتماتAlgorithme "34، وهي عبارة عن مجموعة معادلات حسابية تستخدم في علوم الرياضيات والهندسة والحواسيب، وضمن هذا الأخير "الحواسيب" يمكن أنْ تترجم في إطار برامج رقمية جد معقد تصل لحد الاكتساب والتعلم البسيط والعميق، الذي غالبًا ما يستخدم في المخرجات الشيئية للذكاء الاصطناعي، لا سيما فيما يتعلق بالإنسآلة.
ضمن هذا الإطار يمكن القول إنَّ الأنظمة القانونية الحالية، سواء في التشريع الفرنسي35 أو القَطَرِي36 تحمي حقوق الملكية المرتبطة بالذكاء الاصطناعي، إنْ من حيث حقوق المؤلف، وبراءة الاختراع والعلامة التجارية، والتصاميم الصناعية والمؤشرات الجغرافية، وغيرها من الحقوق المرتبطة بالملكية الفكرية. وهنا نعني أمران: الأول، يتناول فكرة وجود الحق والثاني، يتناول فكرة الحماية القانونية لهذا الحق. وهذان الأمران بالرغم من ارتباطهما بالبيئة الرقمية، إلا أنَّ فكرة الحماية القانونية لهما موجودة ومحققة، والمشرع، سواء الفرنسي أو القَطَرِي، إنَّما أقر هذا الشكل من الحماية القانونية، ومنحها لصاحب الحق في الابتكار أصالةً، بمعنى أنَّ حقوق الملكية الفكرية في هذه الفرضية إنَّما تثبت بالضرورة لمبتكر المادة المرتبطة بالذكاء الاصطناعي، طالما أنَّه هو من ابتكرها أو ساهم في ابتكارها، سواء أكان شخصًا طبيعيًا في إطار حقوق المؤلف37، أم اعتباريًا38 في إطار باقي أنواع حقوق الملكية الفكرية، الأمر الذي أكد عليه الاجتهاد القضائي الفرنسي في أكثر من موضع39.
بالرغم من ذلك، فإن تطبيق ذات النظرية في قضايا الملكية المتعلقة بالذكاء الاصطناعي يطرح إشكاليات متعددة. ذلك أنَّ تعدد القوانين الحمائية للملكية الفكرية، يطرح إشكالية خاصة بالذكاء الاصطناعي، تتعلق باختلاف المدد الزمنية للحماية القانونية لهذه الحقوق. واقعٌ كان مقبولًا عندما كانت هذه الحقوق منفصلة عن بضعها البعض، الأمر الذي لم يعد متحققًا دومًا في إطار الذكاء الاصطناعي، لا سيما في مجال الإنسآلة، بحيث إن هذا "الكائن"، يكاد يجمع بين مكوناته مختلف أنواع هذه الحقوق، بمددها المختلفة، ما بين حق المؤلف، بمدته المحددة طوال حياة المؤلف، وخمسين عامًا بعد وفاته تبدأ من السنة التالية لوفاته40، والحق بالاسم التجاري والعلامة التجارية والمؤشرات الجغرافية المحددة بعشر سنوات41، والرسوم والنماذج الصناعية بمدة خمس سنوات42، والحق ببراءة الاختراع لمدة عشرين عامًا43 ... والحق بحماية الدوائر المتكاملة بمدة عشر سنوات44، ما يجعل حين ذاك إمكانية أنْ تتحرر بعض الحقوق دون غيرها من هذه الحماية أمرًا واردًا ومتحققًا، وهو عيبٌ تشريعي نعتقد أنَّ على المشرع المدني تلافيه، من خلال وضع إطار تشريعي خاص بقواعد حماية الملكية الفكرية لبعض المنتجات المرتبطة بالذكاء الاصطناعي التي تجتمع فيها مختلف أوجه الحماية القانونية لهذه الحقوق45، بحيث إما أنْ تكون موحدة في هذا المجال، أو تطبق المدة الأطول في الحماية ضمن هذه الفرضية.
كذلك فإنَّ عملية حوالة الحق لهذه الحقوق تختلف بين حق وآخر، لا سيما في مجال العمل، وتحديدًا في العلاقة القانونية بين صاحب العمل والعامل. فلو توصل العامل إلى اختراع معين أو نموذج معين، هل تكفي النصوص القانونية الحالية في تنظيم العلاقة القانونية بين صاحب العمل والعامل حول هذه الحقوق، لا سيما إذا ما علمنا أنَّ بعض هذه الحقوق تعتبر منتقلة حكمًا إلى صاحب العمل بموجب نص القانون، في حين أنَّ حقوق أخرى إنَّما تحتاج إلى اتفاق قانوني بين العامل وصاحب العمل على هذه الحقوق، وبالتالي ما هو الحل في حال تنازع هذه الحقوق بين الطرفين؟ هنا أيضًا الأمر يحتاج إلى تدخل تشريعي فاعل لمعالجة مختلف هذه الإشكاليات القانونية في مجال حماية حقوق الملكية الفكرية46.
ثانيًا- الذكاء الاصطناعي والإطار الحداثي لحقوق الملكية الفكرية
بخلاف الفرضية السابقة، تتناول هذه الحالة، فكرة العمل الفكري الخاص بالذكاء الاصطناعي الذي لا يمكن نسبته، بحال من الأحوال للعنصر البشري، أو حتى القول بمساهمته فيه. فما دامت فكرة الذكاء الاصطناعي قائمة على التفكير، العنصر الرئيس في الإبداع الفكري بمختلف مجالاته الأدبية والصناعية والتجارية والتقنية، فما الذي يمنع أنْ يصبح لهذا الذكاء إبداعاته الخاصة، وبالتالي حقوقه الفكرية الخالصة، التي يحتج بها ولا يمكن نسبتها لعنصر بشري. حالاتٌ، لا سيما مع تطور فكرة التعلم العميق للإنسآلة، أضحت اليوم موجودة ومهيأة للانتشار بشكل واسع، سواء في مجال التحرير الصحفي، أو الفن، أو الرسم أو الشعر، وغيرها من المجالات الأدبية47.
وطالما أنَّ الباب قد فتح على الجانب الأدبي لهذه الحقوق، فلا شيء يمنع من تصور حدوثه في الجانب المتعلق بالشق الاصطناعي والتجاري فيما بعد، لا سيما في إطار عمليات التصميم وغيرها، ما سيطرح سؤلًا مفصليًا حول طبيعة الحماية القانونية لحقوق الملكية الفكرية ضمن هذه الفرضية، ولمن تُقر!؟ كذلك، ثمة فرضية، لا تقل أهمية عن سابقتها، تتناول اعتداء الذكاء الاصطناعي ذاته، على حقوق الملكية الفكرية للغير، ذلك أنَّ هذا الأخير، وفي معرض وصوله لإبداعاته الخالصة، ألا يمكن أنْ يصبح هو متعديًا على حقوق الآخرين، منتهكًا لحقوق الملكية الفكرية ذات العلاقة.
في الحقيقة إنَّ الإجابة على مختلف هذه الفرضيات ليست من السهولة بمكان، وهي موضع نقاش مستفيض بين مؤيد ومعارض. علمًا بأنَّ الواقع التشريعي الحالي، إمَّا في التشريع الفرنسي أو القَطَرِي، يخلو من أي نص قانوني يعالج ذلك. حيث أشار تقرير البرلمان الأوروبي الخاص بالإنسآلة المعنون: "Rapport Delvaux"48، أنَّه لا يوجد أي نص قانوني يعالج موضوع الإبداعات الفكرية الخالصة من الذكاء الاصطناعي، وبأن القواعد الأوروبية الحالية وإنْ كانت تكفي لمعالجة بعض القضايا المرتبطة بهذه الحقوق إلا أنَّها تحتاج إلى مراجعة معمقة في العديد من الجوانب لتأمين وتحديث هذه الحماية. فالمشرع الأوروبي أو القَطَرِي هو بالخيار بين أمرين لا نعتقد أنَّ لهما ثالث:
فهو إما أنْ يترك هذه الإبداعات الفكرية دون حماية، وبالتالي يبقيها في دائرة الحقوق العامة والمباحة، ما سيترتب عليه نتائج غير محمودة بالمطلق على عجلة التنمية الفكرية المتعلقة بهذا الذكاء. فهو عدا عن أنَّه سيجعلها بعيدة عن الإطار التشريعي العام لحماية ومفهوم حقوق الملكية الفكرية في زمن الثورة الصناعية الرابعة، فإنَّ جميع إبداعات الذكاء الاصطناعي ستكون عرضة للسرقة بمختلف مسمياتها، ما سيضع، على سبيل المثال، رؤية قَطَرْ الوطنية 2030 موضع نظر حقيقي، كونها لن تكون مواكبة لمختلف تطورات العصر الحديث، لهذه الثورة الرقمية الرابعة، التي من المتفق أنَّها ستدخل حيز التنفيذ في العقد الثاني من هذا القرن؛ أي بعد أقل من ثلاث سنوات. أو أنْ يعمل، وهذا هو الخيار الثاني، على تعديل سياسته التشريعية الخاصة بالعمل الإبداعي المتعلق بالذكاء الاصطناعي، معدلًا قوانينه الوطنية المتعلقة بحماية حقوق الملكية الفكرية بما ينسجم مع هذا التوجه، وهو الأمر الذي نؤيده. فكما سعت هذه الدول إلى إعادة النظر في قوانينها الوطنية لحماية حقوق الملكية الفكرية في البيئة الرقمية، يتوجب عليها اليوم القيام بالأمر ذاته في نطاق حماية حقوق الملكية الفكرية الخالصة للذكاء الاصطناعي، من خلال وضع قانون خاص يعالج هذه الحقوق.
ونعتقد أنَّ دولة قَطَرْ إذا ما رغبت في تحقيق رؤيتها الوطنية الطموحة لعام 2030، عليها أنْ تسير بهذا النهج رغم عديد الصعوبات التي قد تواجه هذا التوجه، ومن أهمها إيجاد المبرر القانوني لحماية هذه الحقوق، ما سيطرح عليها إشكالية قانونية جديدة تتعلق بالمبرر القانوني لحماية هذه الحقوق، حيث يتفق الكثير من رجال القانون أنَّ سبب هذا التباين في الموقف القانوني من حماية حقوق الملكية الفكرية الخالصة للذكاء الاصطناعي، إنَّما يرتبط بفلسفة القانون القائمة على ارتباط فكرة استحقاق الحق ونسبته أولًا، كما حمايته ثانيًا، والمسؤولية عنه ثالثًا؛ بفكرة الشخصية القانونية، التي هي لا تزال بالنسبة للبعض، حكرًا على الإنسان دون سواه، باعتباره الكائن الوحيد الذي يمتلك الوعي لما يقوم به. في حين يذهب البعض الآخر إلى أنَّ الهدف من تقرير هذه الحقوق تأمين استفادة مالك الحق من عوائدها المالية، في حين أنَّ أنظمة الذكاء الاصطناعي، بما فيها الإنسآلة، ليس لديها أي من تلك الاحتياجات، كونها لا تتمتع بالشخصية القانونية، وليست موضع انتفاع بالحق49. الأمر الذي أكدت عليه العديد من المحاكم الأسترالية والهولندية والأمريكية التي تعرضت لمثل هذه القضايا، مؤكدةً، في مواقف متقاربة، أنَّ العمل الإبداعي المفتقد للعنصر البشري لا مجال للبحث في الحماية القانونية له50، وعلى ذلك فإنَّ مختلف الأعمال الإبداعية التي يمكن أنْ تحدث بفعل الطبيعة أو الحيوانات هي أعمال غير محمية بحقوق الملكية الفكرية، وعليه تم القياس في عدم حماية الأعمال الإبداعية من قبل أجهزة الذكاء الاصطناعي.
قياسٌ نعتقد أنَّه يستحق إعادة النظر، لا سيما، وأنَّ آلية المقارنة والإسقاط التي اعتمدها المشرع الغربي في الوصول لاستنتاجه بعدم حماية العمل الإبداعي الناجم عن الذكاء الاصطناعي غير موفقة. فبالنسبة لنا عدم حماية العمل الإبداعي المقدم بفعل الحيوان، ليس ناجمًا عن عدم الاعتراف بالشخصية القانونية بالنسبة لهذا الأخير، بقدر ما تتعلق بافتقاده لمفهوم الوعي لما يقوم به، بمعنى أنَّ فكرة الإبداع، تعتمد على فكرة الوعي "المعادل للمعرفة" للعمل الذي يقوم به المبدع، هل هو واعٍ أو عارفٍ لما يقوم به. بالنسبة للحيوان هي إجابة سلبية. ولكن هي عكس ذلك في الذكاء الاصطناعي لاسيما بالنسبة للإنسآلة! ذلك أنَّ مفهوم الوعي المعرفي بالقيام بالعمل، نظرًا للمخزون الفكري لديه، هو قائم، ما يمكن القول بأنه واعٍ وعارفٍ لما يقوم به51، وبالتالي فإنَّ فكرة الحرمان إنَّما تستند إلى سبب آخر أكثر رجاحة، يتمثل بافتقاده للشخصية القانونية، ما يطرح السؤال حول مدى أحقيته في التمتع بهذه الشخصية من عدمها!؟
المطلب الثاني
الذكاء الاصطناعي، وفكرة الشخصية القانونية
تقليديًا، أشخاص القانون هما إما الشخص الطبيعي52 وإما الشخص الاعتباري53؛ حيث لا يعترف القانون بوجه عام إلا بوجود هذين النوعين من الأشخاص القانونين، مانحًا كلًا منهما مركزًا قانونيًا يتماشى مع طبيعته وخصوصيه. بحيث إنَّ الأول يتناول مفهوم الشخص المادي الملموس المتمثل بالإنسان54 في وجوده المادي الحقيقي أو المتوقع أو المفترض55. بينما يتناول الثاني الشخص المعنوي56 غير المحسوس الذي يفترض القانون وجوده حقيقةً لأغراض معينة، المتمثل بالكيانات القانونية التي منحها القانون هذه الشخصية، إمَّا في الإطار المدني كالجمعيات والمؤسسات الأهلية، أو في الإطار التجاري كالشركات والمتاجر، أو في الإطار الإداري كالوزارات والهيئات العامة وغيرها57. هذا التوصيف القانوني الحالي لفكرة الشخصية القانونية ببعديها الطبيعي والاعتباري، هل يستوعب أو هل من الممكن له أنْ يستوعب الشخصية القانونية لواحدٍ من أهم مخرجات الذكاء الاصطناعي وهو: "الإنسآلة" "Robots"58؟ سؤال رغم بساطته إلا أنَّ الإجابة عليه شديدة التعقيد، ما يقتضي الوقوف على تبيان مفهوم الشخصية القانونية وموقع الإنسآلة فيها، قبل الحديث عن الحاجة لمنح الإنسآلة لهذه الشخصية القانونية من عدمه، تمهيدًا لبيان واقع الشخصية القانونية للإنسآلة في التشريع القَطَرِي.
أولًا- مفهوم الشخصية القانونية وموقع الإنسآلة
الإجابة على هذا التساؤل الاستفساري ترتبط بالضرورة بأمرين أثنين: الأول، فهم حقيقة الإنسآلة، والثاني فهم حقيقة الشخصية القانونية. فما هو الإنسآلة؟ وما هي حقيقته؟ فطالما أنَّ صفة الإنسان أو الحيوان لا تنطبق عليه، فهل صفة الشيء تنطبق عليه، أم أنَّ هناك تصورًا آخر؟ في الحقيقة إنَّ المطلع على التوجه القانوني للدول الغربية عامةً، وفي مقدمتها الصين واليابان وكوريا الجنوبية يدرك أنَّ هناك ميلًا عامًا لإعادة النظر في التكييف القانوني للآلات التي تعتمد على الذكاء الاصطناعي، بتميزها عن مفهوم الشيء الذي التصق بها عقدًا طويلًا من الزمن، من خلال منحها مركزًا قانونيًا مختلفًا عن مفهوم الشيء في القانون59. ربما تمهيدًا واستشرافًا من المشرع في هذه الدول لما هو آتٍ في قادم الأيام. حقيقةٌ لم يكن للمشرع الأوروبي والدول الأوروبية أنْ تبقيها بعيدة60، رغم تأخرها في ذلك61. ذلك أنَّ هذ "الآلات" التي كانت تكييف حتى عهد قريب من قبيل الأشياء، والتي اقترنت فكرة الذكاء الاصطناعي، لا سيما منها ذات التعلم العميق والذاتي62 هو ما سيدفع المشرع الأوربي منحها هذه الخصوصية، لا لحمايتها في ذاتها ولكن لحماية المجتمع من الاستخدام غير العقلاني أو غير القانوني لها. كون هذه الآلات لها وجود مادي ملموس ووجود عقلي موجه، لا يمكن تجاهله. وبالتالي هي ليست مجرد آلات شيئية فحسب، وإنَّما آلات ذكية متعددة المهارات، لديها القدرة على التفاعل مع محيطها واتخاذ القرارات، والأهم امتلاكها لموهبة التعلم، ما يجعل منها كائنًا فريدًا63، لا يمكن وصفه بمجرد الشيء، كما لا يمكن ترقيته لمفهوم الإنسان. فهو كائن، تجاوز حدود الآلة، ولم يتخطَّ حدود الإنسان.
هذا التموضع القانوني الجديد للإنسآلة فتح الباب واسعًا حول أحقيته من عدمه بالشخصية القانونية64، الأمر الذي يقودنا إلى ضرورة فهم حقيقة الشخصية القانونية، الأمر الذي يوجب البحث في فكرة الشخصية القانونية من الناحيتين الفلسفية والقانونية، ومدى ارتباطها بفكرة الأنسنة من عدمه65. ذلك أنَّ التميز بين مفهوم الإنسان والشخصية بشكل عام هو قضية فلسفية جدلية عميقة بين أهل الفلسفة والقانون، فإنْ كانت صفة الإنسان لا تمنح إلا للكائن الطبيعي فإنَّ صفة الشخصية، بعد أنْ كانت حكرًا خالصًا للإنسان ببعده الطبيعي، تجاوزت اليوم هذا القيد. فإنْ كان ارتباط صفة الشخصية بصفة الأنسنة أمر طبيعي ومنطقي، باعتبار أنَّ صفة الأنسنة هي صفة سابقة الوجود لأي نظام قانوني، وقد ربطت بالإنسان كونه لم يكن من المتصور في العقل البشري - وفق الواقع المجتمعي آنذاك - سوى هذه الشخصية، إلا أنَّ صفة الأنسنة هي صفة منفصلة في تأصيلها الفلسفي عن صفة الشخصية ببعدها القانوني، التي هي صنعة قانونية بامتياز وجدت لتعالج بعض المشاكل القانونية التي ترتبط بنشاط الإنسان في الإطار القانوني. بتعبير آخر، الأنسنة هي مدلول فلسفي والشخصية هي مدلول قانوني، فالشخصية هي اللبوس القانوني للأنسنة. ذلك أنَّ الشخصية القانونية لم تمنح للإنسان استنادًا لمفهوم الأنسنة أي باعتباره إنسانًا، وإنَّما باعتباره أهلا ًللحقوق والالتزامات، وإثبات ذلك أنَّ الإنسان في مرحلة العبودية والرق، بالرغم من تحقق صفة الأنسنة فيه، إلا أنَّه لم يكن له شخصية قانونية وإنَّما كان يعد بحكم الأشياء، وعندما أصبح حرًا وأهلًا لاكتساب الحقوق وتحمل الالتزامات، أصالة أو نيابةً، وجدت الحاجة لمنحه الشخصية القانونية. وعلى ذلك يغدو من البديهي القول بأنَّ الشخصية القانونية هي إقرار قانوني لواقع، وليس ابتكار قانوني لافتراض.
استنادًا لذلك يجب التمييز بين الشخصية الإنسانية التي تثبت للإنسان والشخصية القانونية القائمة على القدرة على اكتساب الحقوق وتحمل الالتزامات التي تثبت للإنسان ولغيره. وفق هذا التحليل لمفهوم الشخصية القانونية، أضحت صفة الشخصية، التي غالبًا ما ارتبطت بصفة الإنسان، تخرج من هذا الحيز الضيق، وتتسع شيئًا فشيئًا. فأولى الاختراقات التي تناولت هذا القيد الحصري لصفة الأنسنة، إنَّما برزت في بدايات القرن التاسع عشر مع بروز التجمعات النقابية والمهنية والشراكات الاقتصادية التي كانت بحاجة لابتكار مركز قانوني يحدد طبيعتها وما لها وما عليها، فكانت ولادة فكرة الشخصية القانونية للشخص الاعتباري، واعتبار أنَّ هذه الأخيرة تمتلك الشخصية الاعتبارية المستقلة بذاتها والمنفصلة عن المنضوين تحتها66. وحديثًا أقرت العديد من الأنظمة القانونية الغربية، بما فيها القانون المدني الفرنسي67، مركزًا قانونيًا جديدًا للحيوان، كيَّفه العديد من رجال الفقه بمفهوم الشخصية القانونية. مانحةً إياه جملة من الحقوق الواجب احترامها وعدم التعدي عليها تحت طائلة المساءلة المدنية والجنائية68. وعليه فإنَّ صفة الشخصية اليوم تعدت الوجود المادي للوجود الاعتباري، كما تجاوزت الكيان المادي للإنسان إلى الكيان المادي لغير الإنسان كالحيوان، كل ذلك مع مراعاة خصوصية وطبيعة محددات وطبيعة هذه الشخصية القانونية لكل منها69.
وعليه، فإنَّ إمكانية القول بوجود الشخصية القانونية للإنسآلة من عدمها، توجب البحث في طبيعته الوجودية، وحقيقة وجوده المادي أو الاعتباري. فانطلاقًا من الاعتبار المادي الملموس للشخص الطبيعي، فإنه لا يمكن القول بعدم الوجود المادي للإنسآلة فهو بوصفه شيئًا مرئيًا ملموسًا لا يمكن القول بوجوده الافتراضي أو الاعتباري، إنَّما له وجود مادي محسوس. إلا أنَّ وجوده الحسي لا شك مختلف عن الوجود المادي الحسي للإنسان، وبذلك لا يمكن تصنيفه - فيما لو أردنا توصيف شخصيته أو منحه مركزًا بين هذه التوصيفات - تحت أي منهما. فهو كائن مادي ملموس لكنه ليس من دم ولحم، وهو ليس بكائن اعتباري أو افتراضي، فنحن نراه ونشعر به من حولنا.
وعليه لا يمكن القول بأنَّ له وجودًا اعتباريًّا أو افتراضيًّا، ونحن هنا لا نتكلم في الشخصية وإنَّما في الوجود. وبذلك فإنَّ هذا "الكائن" يخرج من دائرة الكيانات الاعتبارية غير الملموسة لدائرة الكيانات المادية المحسوسة. علمًا بأنَّه ليس كل شيء مادي محسوس له شخصية قانونية. فكثيرة هي الأشياء المادية المحسوسة التي لا تتمتع بالشخصية القانونية، وإنَّما يضفي عليها القانون مصطلح الشيء لينفي عنها الشخصية القانونية، جاعلًا منها موضوعًا أو محلًا للحق من حيث الامتلاك أو الاستغلال وما إلى ذلك.
إذًا ما الذي دفع المشرع في العديد من الدول الغربية، للبحث في حقيقة العمل على تأصيل فكرة وجود الشخصية القانونية للإنسآلة، الذي كان حتى عهد قريب بحكم الشيء. إجابة بسيطة وثابتة منذ تبني هذا المفهوم في النظام القانوني: "الحاجة" في تمكين هذا الكائن الجديد من الاستمتاع بالحقوق وتحمل الالتزامات. فالحاجة القانونية هي التي تملي على المشرع منح الشخصية القانونية لهذا الطرف أو ذاك، بغض النظر عن أي شرط آخر، سواء أكان يتمتع بصفة الأنسنة من عدمها، وبغض النظر عن وجوده المادي أو المفترض، وبغض النظر عن كونه من دم ولحم أو لا. فهل هناك من حاجة لمنح الشخصية القانونية للإنسآلة؟!
ثانيًا- الإنسآلة والحاجة للشخصية القانونية
قد يبدو طرح هذا السؤال في الوقت الراهن مثيرًا للجدل بشكل كبير، وقد يعتبره البعض شكلًا من أشكال الترف القانوني غير المبرر، مؤكدًا أنَّه لا حاجة قانونية لمنح هذه الشخصية القانونية للإنسآلة، مكتفيًا بتوصيفه القائم على اعتباره بحكم الأشياء، ومعتبرًا أنَّ القواعد القانونية الناظمة لهذه الأشياء كفيلة بالتعامل القانوني الصحيح معها.
موقفٌ نحترمه ولكننا نتحفظ عليه. ذلك أنَّ الجدل القانوني القائم الآن في الأوساط القانونية الغربية، إنَّما يعود بنا إلى بدايات القرن التاسع عشر والجدل الذي ثار حول منح الشخصية القانونية للشخص الاعتباري والتكييف القانوني لهذه الشخصية، وحول المبررات التي قد تحمل المشرع على ذلك، ليجد المشرع الغربي نفسه، بعد حين، أمام واقع لا مفر منه، تمثل في نقص قانوني وفراغ تشريعي في مسائل قانونية عديدة دفعت به إلى تبني هذه الشخصية القانونية، والتأكيد بأنَّ الشخصية هي إقرار قانوني وليس ابتكار قانوني70.
ذات الأمر حصل بالنسبة للمركز القانوني الجديد للحيوان الذي أقرته العديد من التشريعات الغربية71، ومن بينها المشرع الفرنسي في العام 2015، واضعًا تعريفًا قانونيًا للحيوان بكونه: "كائنًا حيًا يمتلك سمة الإحساس، مع مراعاة القوانين التي تحميه، يخضع للنظام القانوني للأشياء"72. ما اعتبره البعض بمثابة اعتراف بنوع خاص من "الشخصية القانونية للحيوان"73. فالنظام القانوني عامةً الذي يقوم من حيث الأصل على ركنين رئيسين هما: موضوع الحق "الأشياء" والقائم بالحق "الأشخاص"، اخِتُرِقَ بشكل كبير حينما منح الحيوان هذا المركز القانوني الجديد الذي أوجد نوعًا ثالثًا بين الأشياء والأشخاص هو: "الحيوان"!
موقفٌ قد يبدو مستغربًا لنا في الفقه العربي! لكن المدقق في نصِّ المادة الجديدة74 التي، بخلاف نص المادة السابقة التي كانت تنص صراحة على اعتباره صراحة وبالنص بحكم الأشياء75، هجر توصيف الحيوان بالشيئية من ناحية المفهوم. ما دفع جانبًا معتبرًا من الفقه إلى التأكيد أنه، وفي ضوء الاعتراف القانوني بمركز قانوني متقدم للحيوان في القانون الزراعي من جهة76، وتجريم الاعتداء على "آدمية" الحيوان في القانون الجنائي77.... والآن هجر المشرع المدني الفرنسي هذا المصطلح "الشيئية" في النص القانوني الجديد، كل ذلك هو دلالة واضحة على أن ثمة تحول قد جرى في طبيعة التعامل القانوني مع الحيوان، ورغبة ضمنية من المشرع المدني الفرنسي في إخراجه من حيز الأشياء78. وهو الرأي الذي يذهب إليه جانب معتبر من الفقه الفرنسي79. وهذا ما تم حقيقة في تعديل النصوص القانونية الخاصة بالأشياء المنقولة وغير المنقولة من القانون المدني الفرنسي، وإفراد مادة قانونية خاصة بالحيوان في مقدمة مواد هذا القسم، كما تمَّ تعديل العديد من النصوص القانونية ذات العلاقة بما يتناسب مع المركز القانوني الجديد للحيوان80.
من هذه البوابة يمكن أنْ يدخل مفهوم الإنسآلة. فسواء شئنا أم أبينا، فإنَّ الذكاء الاصطناعي سيُنشِئ جيلًا جديدًا إلى جانب الإنسان، على المشرع أنْ يحدد طبيعة تعاملاته القانونية البينية، كما تعاملاته ضمن المجتمع ومع الإنسان في إطار قواعد أخلاقية وقانونية تبين مختلف هذه الحدود الفاصلة، ما يوجب منحه شخصية قانونية تميزه عن غيره من الأشخاص الطبيعيين والاعتبارين والحيوان.
شخصيةٌ قانونيةٌ ستختلف عن مثيلتها الممنوحة للأشخاص والحيوان، بهدف ضمان أمنه "هــــو" وأمننا "نحن"، إمَّا من حيث حدود هذه الشخصية أو نوعية الحقوق التي يمكن أنْ يتمتع بها.
المطلع على نصوص القرار الأوروبي المتعلق بقواعد القانون المدني للإنسآلة يدرك بوضوح أنَّ المشرع الأوروبي لم يوصِ بمنح هذه الشخصية لمختلف آلات الذكاء الاصطناعي وإنَّما للبعض منها، الأكثر تقنيةً والتي تعمل بمفهوم التعلم العميق "81Deep Learning". مشيرًا إلى أنَّ منح الإنسآلة هذه الشخصية القانونية يجب أنْ يتم وفق ما يتناسب مع احتياجات وطبيعة الإنسآلة، لكن ليس في إطار الحق في الانفصال عن الإنسان، على الأقل في الوقت الراهن، ولكن في إطار الحماية82.
بتعبير آخر، إنْ كان البحث عن هذه الشخصية القانونية يتم في إطار كون الإنسآلة يمتلك الآن إرادة مستقلة عن البشر، فالإجابة هي للنفي أقرب، أما إذا كان في إطار حمايته وتحديد ضوابط عمله، فالإجابة هي أقرب للإقرار منها للنفي. ذلك أنَّه لكي يستطيع الإنسآلة أنْ يتخذ قرارًا ما يجب أنْ يمتلك قدرة المحاكمة بعيدًا عن حدود البرامج الموضوعة له، وبالتالي يجب أنْ يمتلك الوعي والإدراك، ما يوجب تجاوز مرحلة الذكاء الاصطناعي إلى مرحلة الإدراك الاصطناعي، هذه المرحلة التي لا يزال بعيدًا عنها في وقتنا الحاضر. ولعل هذا التحليل كان وراء الموقف الذي تبناه المجلس الاقتصادي والاجتماعي الأوروبي حول منح الشخصية القانونية المستقلة للإنسآلة، مفضلًا استخدام مصطلح: "الشخص المنقاد "Human in Command"83، على مصطلح الشخصية القانونية، والذي رأى فيه وسيلة عقلانية تساعد على تأمين تطور منطقي ومتدرج لهذه الآلات، لا يخرج عن هذه المحددات بكونها محكومة حصرًا في الإرادة الإنسانية ومنقادة وفق توجيهات هذه الإرادة، الأمر الذي نتفق معه. ولا نرى خلافه، بخلاف ما ذهب إليه بعض الفقه الغربي، الذي اعتبره رفضًا من المجلس لفكرة منح الشخصية القانونية للإنسآلة84.
فالمجلس، باعتقادنا، رفض منح الإنسآلة شخصية قانونية مستقلة، لا منحه صفة الشخصية القانونية، بدليل التعبير المصطلحي الذي اعتمده لجهة "الشخص المنقاد"، والذي تبرز فيه كلمة "الشخص-Human"، معاملًا إياه معاملة مفهوم الشخصية القانونية المنقادة لكل كائن حي لا يملك الإدراك، كما هو حال الإنسان غير العاقل، الذي اعترف لهم بالشخصية القانونية غير المستقلة، والحيوان الذي اعترف ببعض من خصائص هذه الشخصية المتصلة بالقدرة على اكتساب الحقوق واحترام "الآدمية" الحيوانية85.
ذلك أنَّ صفة الاستقلالية في الشخصية ستطرح قضية المسؤولية، الأمر الذي لم يرغب المجلس الاقتصادي والاجتماعي، وهو محق، في منحها للإنسآلة، والتي بالأصل لم يبحث فيها تقرير البرلمان الأوروبي الخاص بالإنسآلة86. بل إنَّنا نعتبر أنَّ موقف كل من البرلمان الأوروبي والمجلس الاقتصادي والاجتماعي الأوروبي متكاملان لا متنافران، فالبرلمان أقرَّ مبدأ منح الإنسآلة الشخصية القانونية، والمجلس بَيَّنَ طبيعة هذه الشخصية ومحدداتها87.
من خلال مجموعة من الضوابط المحددة للكينونة القانونية لهذه الشخصية، أوضح القرار الأوروبي المتعلق بقواعد القانون المدني للإنسآلة، نوعية الحقوق التي من الممكن أنْ يتمتع بها الإنسآلة؛ بحيث يكون لكل آلة منها شخصية إلكترونية تحمل تسلسل رقمي يتضمن الاسم واللقب والرقم التعريفي؛ إضافة لما يمكن تسميته بالعلبة السرية "العلبة السوداء" التي تتضمن كامل المعلومات المتعلقة به، وشهادة تأمين. بحيث إنَّه في حال حدوث أي ضرر له أو عليه، يمكن أنْ يُستخرج له ما يمكن تسميته بــــ: "إخراج القيد المدني" الخاص به، والذي على أساسه تتم الإجراءات القانونية الخاصة به. كذلك أقر القرار إحداث صندوق تأميني لمعالجة الأضرار التي يمكن أنْ تقع نتيجة النشاط القانوني للإنسآلة، يمول من قبل فئات عدة، لاسيما مُصنِّعيه للتعويض عن الأضرار التي يحدثها، ما يمكن معه القول بوجود مسؤولية قانونية يمكن أنْ تقع نتيجة عمله، معتبرين أنَّ بعض الإنسآلة يمكن أنْ يعتبر كأشخاص قانونين مسؤولين عن الضرر الحاصل للغير. بالمقابل، وفيما يتعلق بتحمل الإنسآلة للضرائب، لا سيما لمصلحة فئات العمال الذين سيخسرون وظائفهم نتيجة الدخول الإيجابي لهذه الروبوتات لسوق العمل فقد تم رفضه بغالبية أحزاب اليمين في هذه الدول88.
بالرغم من ذلك تبقى العديد من الجوانب القانونية المتصلة بالشخصية القانونية موضع تساؤل لا سيما فيما يتعلق بالحقوق المتصلة بالحريات الأساسية كالحق في العمل والحق في التملك والحق بالذمة المالية المستقلة والحق بحرية التعبير، إضافة للحق في اللجوء للقضاء والحق بالمساوة وغيرها من الحقوق89. مختلف هذه الحقوق لم يتطرق لها القرار الأوروبي، بالرغم من إمكانية تصور الإقرار الضمني لبعضها، لا سيما الحق بالعمل والحق باللجوء للقضاء والحق بالتملك، إضافة للحق بوجود ذمة مالية مستقلة، كونها يمكن أنْ تمارس من قبل الهيئات التي تتولى الدفاع عن مصالح الإنسآلة، ونعني بذلك الوكالة الأوروبية للإنسآلة التي قضى القرار الأوروبي بإحداثها بهدف أخلقة عملية التصنيع والإتجار بالإنسآلة90. بل حتى الحق في احترام الذات الإلكترونية من حيث عدم الاعتداء على قاعدة البيانات الخاصة بالإنسآلة، لا سيما الذاكرة الخاصة به، بما يضمن بالضرورة الحق بالمعاملة الكريمة91.
في حين أنَّ باقي الحقوق المتصلة بالجوانب الإدراكية التي ترتبط بالحس العقلي، لا نستطيع القول إنه يمكن للإنسآلة الحق بالمطالبة بها، كما الحق بحرية التعبير. فعلى الرغم من أنَّ شركة أمازون حاولت التمسك بهذا الحق معترضة على مذكرة تطالبها بتسليم الملفات الصوتية من إحدى أجهزة إيكو على أساس حماية حق حرية التعبير للذكاء الاصطناعي "أليكسا" وفقًا للتعديل الأول على دستور الولايات المتحدة الذي يحمي الحق بحرية التعبير البشري92، معتبرةً أنَّ هذا الحق يمتد كذلك للمساعد الرقمي ذي الذكاء الاصطناعي "أليكسا". إلا أنَّ الآراء القانونية تميل إلى خلاف ذلك، طالما أنَّ الذكاء الاصطناعي لم يستطع حتى حينه أنْ يُنشئ وعيًا اصطناعيًا خاصًا به.
وما قيل سابقًا، ينطبق كذلك على الحقوق ذات الطبيعة المعنوية كالحق بالسمعة أو الشرف أو عدم التعرض للمضايقة المعنوية أو الجسدية، فهذه الحقوق بمجملها مرتبطة بالجانب الحسي والعاطفي الذي يقتصر على الجوانب المرتبطة بالمشاعر الإنسانية، والتي لا يمكن - حتى حينه - تصور حدوثها بالنسبة للإنسآلة93. كل ذلك مع ورود بعض الاستثناءات التي لا بد أنْ نعترف بها بالنسبة للحيوان والشخص الاعتباري في بعض الحالات، والتي لا تنطبق على الإنسآلة في الوقت الراهن، كالحق بعدم التعذيب أو إساءة المعاملة للحيوان، والحق بالمحافظة على السمعة في إطار المنافسة الشريفة، بل وحتى الحق في التعويض عن الضرر المعنوي بالنسبة للشخص الاعتباري94.
ثالثًا- واقع الشخصية القانونية للإنسآلة في التشريع القَطَرِي
ثمة سؤال يطرح، يتعلق بالوضع القانوني لطرح مثل هذا التساؤل حول الشخصية القانونية للإنسآلة في التشريعات العربية عمومًا، والتشريع القَطَرِي خاصةً. في الحقيقة من الصعب، على الأقل في المدى المنظور، تصور حدوث تدخل تشريعي من المشرع القَطَرِي لوضع إطار قانوني يَمنح بموجبه الشخصية القانونية للإنسآلة، لأسباب عديدة من أهمها عدم انتشار هذه الظاهرة في البيئة العربية عامة والقَطَرِية خاصة، بشكل يدفع المشرع القَطَرِي لاتخاذ مثل هذا التدخل التشريعي، فالقانون، كعلم اجتماعي تفرضه الحاجة المجتمعية بالضرورة، وطالما لم توجد هذه الحاجة، فليس من المتصور حدوث مثل هذا التدخل.
أضف إلى ذلك، إنَّ واقع الشخصية القانونية في التشريعات العربية عمومًا ومن ضمنها القَطَرِية، والاختراقات التي تمت عليها مختلفة عن نظيرتها الغربية، فالمشرع العربي بما فيه المشرع القَطَرِي، لم يمنح "الشخصية القانونية للحيوان" بعد، مبقيًا إياه في إطار الأشياء. فهو يقرن هذه الشخصية حصرًا بالأنسنة، ومستتبعها الوحيد المتعلق بالشخص الاعتباري، وليس من المتصور في المدى المنظور أنْ يعترف بمثل هذه "الشخصية للحيوان"، وبالتالي فإنَّ المرتكز الذي يستند إليه رجال الفقه الغربي في منح الشخصية القانونية للإنسآلة، والذي فيه نقل المشرع الغربي فكرة الشيء إلى فكرة الشخص ألا وهي: "الحيوان"، مفتقدة كليًا في التشريعات العربية. ما يجعل من غير الممكن تصور حدوث مثل الاختراق في التشريعات العربية95.
بالرغم من ذلك يبقي التصور الابتكاري من المشرع العربي عامةً والقَطَرِي خاصةً في منح هذه الشخصية القانونية للإنسآلة ممكنًا وبصفة إبداعية عربية، من خلال منح الشخصية القانونية للإنسآلة بغض النظر عن البحث في المركز القانوني للحيوان. فالحاجة التشريعية التي أملت على المشرع الغربي منح "الشخصية القانونية للحيوان"، في الوقت الراهن مفتقدة في التشريعات العربية لاعتبارات دينية ومجتمعية عديدة. لكن لا نعتقد أنَّه بعد فترة من الزمن، حينما تفرض الاعتبارات المجتمعية وجود معاملة قانونية خاصة للإنسآلة أنْ يكون ثمة عائق في نقلها من حيز الأشياء إلى حيز الأشخاص.
بذلك إنْ كان المشرع الغربي سجل اختراق فكرة الشخصية القانونية المرتبطة بالأنسنة بفكرة الحيوان، فإنَّ لا شيء يمنع المشرع القَطَرِي من أنْ يسجل ذات الاختراق، لكن في إطار فكرة الإنسآلة. فاليوم العديد من الدول العربية، لاسيما الخليجية منها وفي مقدمتها دولة قَطَرْ، وفي ضوء رؤيتها الوطنية لعام 2030 إنَّما تتطلب توسعًا كبيرًا في الاستخدام المدني للإنسآلة في العديد من القطاعات الخدمية والمجتمعية، كما في أعمال النفط والغاز، وأعمال المشافي والطرقات وأعمال البناء وحقول البحث العملي وغيرها من المجالات الاجتماعية والاقتصادية والبيئية، وحتى في بعض الأعمال الإدارية الحكومية الخدمية، كوزارة العدل والداخلية والصحة وغيرها، ما يوجب حقيقة التدخل القانوني الفاعل للاعتراف بالشخصية القانونية الخاصة لهذا القادم الجديد96.
الحماية القانونية من الذكاء الاصطناعي
يجب على الذكاء الاصطناعي، والقائمين عليه احترام الحقوق والحريات الأساسية للفرد، وبالتالي عدم الاعتداء على أي منها، إمَّا بشكل مباشر أو غير مباشر. ما يوجب البحث في طبيعة هذه الحقوق والحريات97، وطبيعة المسؤولية القانونية المترتبة عليها.
المطلب الأول
الذكاء الاصطناعي، وحماية الحقوق والحريات
ضمن هذا الإطار يجب التأكد من ألا ينقلب الذكاء الاصطناعي بمفهومه العام وَبَالًا على الإنسان أولًا والبشرية ثانيًا، من حيث حماية الحقوق والحريات المرتبطة بالفرد والمجتمع، الأمر الذي أكدت عليه القواعد الأوروبية في القانون المدني للإنسآلة لعام 2017 من خلال وضع إطار أخلاقي عام ينظم عملية مراعاة الذكاء الاصطناعي في شكله الأرقى المتمثل بالإنسآلة. علمًا بأنَّ مجموعة هذه الملاحظات التوجيهية المدرجة في هذه القواعد إنَّما هي، وفي الوقت الراهن، موجهة لكل من يمكن أنْ يكون طرفًا في التعامل مع الإنسآلة، سواء أكان صانعًا أو مبرمجًا أو مصممًا أو مشتريًا أو مستأجرًا أو حائزًا أو مستعملًا، أو تحت أي توصيف قانوني كان. ولا يتناول الإنسآلة بحد ذاتها، بحيث إنَّ الوقت لا يزال، في ضوء غياب مفهوم الاستقلالية الكلية المدركة والواعية للإنسآلة، باكرًا في الحديث عن إلزامه "هــــو" باحترام وحماية هذه الحقوق.
بتعبير آخر، الخطاب هنا هو حول أخلاقيات التعامل البيني بين الإنسآلة والإنسان "L’éthique de la robotique"، وليس أخلاقيات الإنسآلة "L’éthique du Robot" بحد ذاته والمتعارف عليه بقانون أسيموف الثلاثي98. ضمن هذا الإطار يمكن الإشارة إلى واجب الحفاظ على الكرامة الإنسانية، وحماية الحقوق المدنية والاقتصادية للإنسان.
أولًا- الحفاظ على الكرامة الإنسانية
ضمن هذا الإطار يتوجب على الإنسآلة عدم القيام بأي عمل يفضي إلى الإضرار بالإنسان كفرد أو كمجموعة، وبالتالي عدم القيام بأي عمل يتضمن الاعتداء المادي أو المعنوي على الإنسان. والحقيقة إنَّ هذا الالتزام في وقتنا الحالي إنَّما يقع على كافة المتعاملين مع الإنسآلة على اختلاف مراكزهم القانونية من مصنعين، ومبرمجين ومشترين، ومستخدمين ..... ولعل المسؤولية الكبرى تقع على مبرمجي الإنسآلة، ما يوجب تلقينها احترام الذات الإنسانية وعدم التعدي عليها وفق الإطار القانوني العام الناظم لفكرة الحق الإنساني على المستوى الدولي والإقليمي والوطني99.
فمفهوم الكرامة الإنسانية يعتبر جوهر حقوق الإنسان100. لاسيما وأنَّ الإعلان العالمي لحقوق الإنسان أكد على الاعتراف بالكرامة المتأصلة في جميع أعضاء الأسرة البشرية وبحقوقهم المتساوية الثابتة التي هي أساس الحرية والعدل والسلام في العالم، وبأنَّ تناسي هذه الحقوق وازدراءها قد أفضيا إلى أعمال همجية آذت الضمير الإنساني101. مسلماتٌ، أعيد التأكيد عليها في ديباجة كل من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية ونظيره المتعلق بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية، بالإشارة لِمَا لجميع أعضاء الأسرة البشرية من كرامة أصيلة فيهم، ومن حقوق متساوية وثابتة تعتبر أساس الحرية والعدل والسلام في العالم102.
التوجه ذاته أكدته نصوص العهدين، مؤكدة وجوب احترام مجموع الدول الأطراف المنضمة إليهما للحقوق والحريات المعترف بها فيها، إضافة لكفالتها لجميع الأفراد الموجودين في إقليمها والداخلين في ولايتها، دون أي تمييز يستند إلى الجنس أو البعد الاثني أو الديني أو اللغوي103. هذه النقاط وغيرها نجد كذلك ترجمتها في نصوص الدستور القَطَرِي104، ورؤية قَطَرْ الوطنية 2030105. وحتى في القوانين الوطنية القَطَرِية106.
ومما لا شك فيه أنَّ إقرار مفهوم المساواة في الحقوق وعدم التمييز، إنَّما يشكل الضامن الأكبر لاحترام الذات الإنسانية، كونه يعتبر المرتكز الرئيس لقدرة الأفراد على التمتع المنصف والعادل بهذه الحقوق بعيدًا عن أي اعتبارات تمييزية، ومن أي نوع، ولا سيما التمييز بسبب العنصر أو اللون أو الجنس أو اللغة أو الدين أو الرأي أو الأصل الوطني أو الاجتماعي أو الثروة أو المولد أو أي وضع آخر107.
وهنا تبرز ضرورة التعامل المتزن والمسؤول مع الإنسآلة، لا سيما في إطار عملية البرمجة الذهنية، من حيث عدم إدخال أي معلومات تميزية نحو عرق أو جنس أو لون أو تحت أي معيار تميزي آخر، أو إدراج ما يمكن من الحض على الكراهية أو العنف تجاه جنس أو طائفة معينة، وبالتالي تحميل الذكاء الاصطناعي بذور الكراهية غير الواعي لجنس أو عرق معين، بما ينطوي على المعاملة الدونية لهم؛ بحيث يضمن العدل والمساواة في كافة الخدمات التي يمكن أنْ يقدمها الذكاء الاصطناعي في مختلف المجالات والقطاعات التي يمكن أنْ تساهم فيها الإنسآلة، بالتأكيد عليها على ضرورة احترام الذات البشرية ببعدها الإنساني الدولي، وليس المحلي الوطني108.
ثانيًا- حماية الحقوق المدنية والاقتصادية
ضمن هذا الإطار يمكن الإشارة إلى العديد من الحقوق ذات الدلالة المدنية والاقتصادية والاجتماعية التي أكد عليها كل من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان لعام 1948، وكذلك العهدان الدوليان المعنيان بالحقوق المدنية والسياسية من جهة، والحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية من جهة أخرى. غير أنَّه، ونظرًا لطبيعة البحث، فسنقتصر على ذكر أهم هذه الحقوق لا سيما المرتبط بالحق بالمحافظة على الخصوصية، والتي يمكن التمثيل عليه بالحق بحماية البيانات الخاصة كمعبر عن الحقوق المدنية. لنتناول بعده الحق بالعمل كمعبر عن الحقوق الاقتصادية والاجتماعية.
المحور العصبي للذكاء الاصطناعي يعتمد بالضرورة على قاعدة البيانات التي تتوافر لهذا الذكاء، فكلما توسعت هذه القاعدة تعمق مفهوم الذكاء لديه وأصبح أكثر حرفية وفاعلية في أداء الغايات المرجوة109، وطالما أنَّ البيانات تتسم بالعموم، فليس هناك مشكلة قانونية تُصَوُر، غير أنَّ الإشكالية تبرز فيما يتعلق بالبيانات الخاصة. ذلك أنَّ الذكاء الاصطناعي في بعده المدني أو التجاري، إنَّما يعتمد على قاعدة بيانات هائلة عن الأشخاص الذين يتعامل معهم، من حيث الأسماء والمهن، والعمل والجنس، والحالة الصحية، والتاريخ العائلي، وأرقام الضمان الاجتماعي، وأرقام الحسابات المصرفية وغيرها من المعلومات، التي قد تندرج تحت مفهوم البيانات الخاصة المحمية وفق التعريف الأوروبي لمفهوم البيانات الخاصة من حيث كونها: معلومات تتعلق بشخص طبيعي محدد أو يمكن تحديده، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، بالرجوع إلى رقم معرف أو إلى عنصر واحد أو أكثر من عناصره التعريفية.
هذا المفهوم هو مفهوم واسع بحيث يشمل المعلومات التعريفية للشخص سواء بشكل مباشر أو غير مباشر ما يوجب واجب الحيطة والحذر في التعامل معها بشكل كبير110. ويُحَمِّل القائمين على التعامل معها مزيدًا من الاهتمام والحرص111. حيث يجب حماية هذه البيانات، عبر تحديد طبيعة المسموح منها وعدم المسموح، وكيفية التعامل معها، وصولًا للغايات المرجوة منها بعيدًا عن أي اعتبارات أخرى تخالف القانون، لا سيما في ضوء أحكام قانون حماية البيانات والحريات الفرنسي لعام 1121978، الذي أوجب على المتعاملين مع هذه البيانات، بما فيها حقل الذكاء الاصطناعي احترامه، لاسيما بالنسبة للآلات الذكية ذات التخزين الرقمي، بحيث لا يساء استخدام هذه البيانات الشخصية، أو يتم التهاون في الحفاظ عليها. أو استخدامها لغير الأغراض التي أعدت لها. هذا الموقف من المشرع الفرنسي تم تدعيمه اليوم بموجب التوجيه الأوروبي الحديث لعام 2016 والمقرر دخوله حيز التنفيذ في العام 2018 والمتعلق بحماية البيانات الخاصة للأشخاص الطبيعيين وتداولها113، والذي شدد الإجراءات القانونية الخاصة بذلك، ومع هذا التوجيه الأوروبي الأخير أضحت الحماية القانونية للبيانات الخاصة تتناول محاور ثلاثة: الجمع، والتحليل، والتداول.
موقفٌ، لم يكن المشرع القَطَرِي بعيدًا عنه إلى حدٍ ما؛ حيث أكد القانون رقم (13) لعام 2016 المتعلق بحماية خصوصية البيانات الشخصية، على أنَّ لكل فرد الحق في حماية خصوصية بياناته الشخصية؛ بحيث لا يجوز معالجة هذه البيانات إلا في إطار الشفافية والأمانة واحترام كرامة الإنسان والممارسات المقبولة، بما ينسجم مع أحكام هذا القانون. لاسيما لجهة الحصول على موافقة الشخص، ما لم تكن المعالجة ضرورية لتحقيق غرض مشروع للمراقب أو الغير الذي تُرسل إليه البيانات. مع الاحتفاظ بحق الشخص في أي وقت سحب موافقته السابقة على معالجة بياناته الشخصية، أو الاعتراض على معالجة هذه البيانات إذا كانت غير ضرورية لتحقيق الأغراض التي جمعت من أجلها، أو كانت زائدة على متطلباتها، أو تمييزية أو مجحفة أو مخالفة للقانون. أو حتى طلب حذفها. كما له الحق في طلب تصحيح بياناته الشخصية، وطلب مراجعتها، وحتى الحصول على نسخة عن هذه البيانات114.
بذات الوقت، فرض القانون القَطَرِي مجموعة من الالتزامات والواجبات على كل من المراقب الذي يتولى عملية جمع هذه البيانات، والمعالج الذي يتولى عملية معالجة هذه البيانات لصالح المراقب من حيث ضرورة احترام حقوق الأشخاص الذين يتم جمع البيانات الخاصة بهم، والتي يجب أنْ تبقى في حدود البيانات الخاصة المعتبرة بحكم العامة، في حين أنَّه لا يمكن جمع أي من البيانات الشخصية ذات الطبيعة الخاصة كالبيانات المتعلقة بالأصل العرقي، والأطفال، والصحة أو الحالة الجسدية أو النفسية، والمعتقدات الدينية، والعلاقة الزوجية، والجرائم الجنائية. إلا بموافقة من الإدارة المختصة115.
في جميع الأحوال، وفي ضوء توجهات كُلٍّ من المشرع الأوروبي والفرنسي والقَطَرِي، نعتقد أنَّ على القائمين على هذه المعلومات، لاسيما في مشاريع الذكاء الاصطناعي في القطاعين العام والخاص مراعاة جانب الشفافية في الحصول على هذه البيانات، من حيث الحصول على الرضا الصريح والمباشر من الطرف الآخر بهذه البيانات، وتوضيح نوعية البيانات المطلوبة والغاية المرجوة منها، وطرق معالجتها، وغير ذلك من البيانات التي قد تهم الطرفين في إطار أي عملية تعاقدية نزيهة. أما عملية معالجة هذه البيانات، فهنا أيضًا يجب على القائمين على هذه البيانات القيام بعملية معالجتها بما يضمن الغايات المرجوة في إطار آمن، بما يضمن عدم التعدي عليها أو إساءة استخدمها، ما يلزم الشركات بتأمين مبدأي السرية لهذه البيانات، والتناسبية في معالجة هذه البيانات؛ بحيث لا يستخدم منها سوى البيانات الضرورية للعملية المرجوة، مع التأكيد والاحتفاظ بحق الشخص المعني بهذه البيانات بالقدرة على الولوج إلى بيانته للتأكد من صحة استخدامها أو الاعتراض على سوء استخدمها116، ويمكن أنْ يكون هناك إطار اتفاقي بين الطرفين في إطار تحديث هذه البيانات.
ذات الإجراء الآمن يجب التأكد من ضمانه في إطار تداول هذه البيانات، من حيث ضمان سرية هذه البيانات، وتداولها الآمن، وربما يمكن هنا للقائمين على الذكاء الاصطناعي وضع حواجز افتراضية في عمليات التداول الرقمي لهذه البيانات بين المستفيدين والمعنيين فيها، بمعنى أنَّ عملية الذكاء الاصطناعي قد تجد الآليات القانونية والبرمجية في توظيف وتصنيف هذه البيانات بين المتاح وغير المتاح، بين المشفر وغير المشفر، وذلك بحسب المتعاملين مع هذه البيانات في البيئة الرقمية، بين مبرمج ومصنع، ومورد، ومشترٍ، ومستهلك، وما إلى ذلك من المراكز القانونية الأخرى. ومما لا شك فيه أنَّ حماية البيانات الشخصية يرتبط كذلك، بجملة من الحقوق المرتبطة بالفرد من أهمها الحق في احترام الخصوصية، والحق في الحياة الخاصة، لا سيما الحق المحافظة على سرية المعلومات. وبالتالي عدم الاطلاع عليها دون علم الشخص وموافقته، كذلك الحق في عدم الكشف عن هوية صاحب البيانات، والحق في العزلة، أو بالأصح تحديد الوسط المادي الذي يرغب في التعامل معه من دونه، والحق بالنسيان، والحق في التحديث الآلي للبيانات الممنوحة من قبله، وغيرها من الحقوق الأخرى المتفرعة من ذلك117.
هذه النقاط وغيرها أعاد التركيز عليها القرار الأوروبي المتعلق بالإنسآلة بالتأكيد على احترام مبدأ الشفافية في التعامل مع أي من البيانات التي تستخدم في الذكاء الاصطناعي118، وعليه اقترح القرار الأوروبي أنْ يكون في كل إنسآلة ما يمكن تسميته بالعلبة السواء، التي تحتوي جميع المعلومات المتعلقة بالبيانات المخزنة لديه، والآليات اللوغاريتمية التي تم استخدمها في عملية المعالجة البرمجية لهذه البيانات119، وصولًا إلى العمل على وضع إطار قانوني مرجعي لتعامل إنترنت الأشياء مع مختلف هذه البيانات والحفاظ على طابع السرية والأمان في مختلف هذه البيانات، بما يضمن الوصول لمنتجات آمنة ومأمونة ومتكيفة مع الاستخدام المقصود بها.
بالنسبة لدولة قَطَرْ، فنعتقد أنَّ الفهم الصحيح لرؤية قَطَرْ الوطنية لعام 2030، لا سيما المبادئ التوجيهية لهذه الرؤية، وتحديدًا الثاني والرابع منها والمتعلقان بصون الحريات العامة والشخصية، وكفالة الأمن والاستقرار ضمن الدولة120، إنَّما يوجبان على المشرع القَطَرِي التطبيق الفاعل والدقيق لحماية هذه البيانات من قبل جميع المؤسسات العامة والخاصة العاملة في الدولة، والعمل على تفعيل هذا القانون بشكل فعلي من قبل جميع الجهات المعنية بتطبيق نصوصه واحترامها.
لعل من أهم الحقوق الاجتماعية والاقتصادية التي سينافس فيها الذكاء الاصطناعي المتمثل بالإنسآلة نظيره البشري هو الحق بالعمل، ما سيطرح إشكاليات قانونية متعددة، لا سيما في إطار الطبيعة الخاصة لهذا "العامل" الآلي، الذي لا يكل ولا يمل، المنخفض التكاليف اجتماعيًا واقتصاديًا، إذا ما قورن مع نظيره البشري121. فهل لهذا الكائن الحق بالعمل؟ وهنا نحن نتكلم عن فكرة الحق بالعمل وليس القدرة على العمل.
من المعلوم أنَّ الاتفاقيات الدولية والقوانين الوطنية تقضي بصريح النص على الحق بالعمل للمواطن، وتلتزم بالقيام بما يلزم لتمكين الشخص بالوصول لهذا الحق، لكن السؤال هل للإنسآلة كذلك المطالبة بالحق بالعمل.
في الحقيقة بالمدى المنظور، لا يمكن تصور وجود هذا الحق، لاسيما في إطار غياب أي نص قانوني دولي أو وطني يسمح بذلك. كما لا نعتقد أنَّ الإنسآلة بحاجة حاليًا، لمثل هذا النص، بل إنَّ ما نحتاجه هو العكس. أي وضع نص قانوني يحافظ على حقوق العامل الطبيعي من الدخول غير المعهود للإنسآلة لعالم العمل الذي كان، حتى عهد قريب حكرًا على العامل البشري، والمهدد بفقدان خمسة ملايين فرصة عمل خلال الخمس سنوات القادمة فقط122. ما يوجب البحث في حماية حق الإنسان الطبيعي بالعمل، والضمانات القانونية التالية له في حال فقده لهذا العمل. حيث يلاحظ غياب أي نص قانوني أو تشريعي ينظم هذه الحماية للحق بالعمل، والدخول الكاسح للذكاء الاصطناعي مجال العمل البشري، وهذا برأينا موقف قانوني فيه نظر كبير.
فحتى حينه لم يتحدث المشرع الدولي أو الأوروبي عن هذه الحماية متخذًا بذلك موقفًا صامتًا من الاتجاهين، فهو لم يعترف للإنسآلة بالحق بالعمل، كما لم يحمِ الحق بالعمل بالنسبة للإنسان، وإذا كان التوجه الأول مبررًا ومقبولًا، فإنَّ الثاني عليه لغط كبير، ذلك أنَّ على المشرع التدخل الفاعل لتأمين حماية العامل لا سيما في حال ضياع فرصة العمل. فالتوجه الذي يذهب إليه المشرع حتى حينه، إنَّما يبين أنَّه يتعامل مع هذه الظاهرة بمدلول اقتصادي صرف، بعيدًا عن الاعتبارات الاجتماعية. موقفٌ يحتاج بالنسبة لنا إلى إعادة نظر. لا سيما من خلال تحمل الأعباء والتكاليف الاقتصادية الناجمة عن اجتياح الإنسآلة مجال العمل. لا سيما في إطار التزام الإنسآلة بدفع الضرائب الناجمة عن الاستخدامات الخاصة به، ومساهمته في صندوق الإعانات الاجتماعية، وعلى الرغم من أنَّ التقرير الأوروبي الخاص بالقواعد المدنية للإنسآلة قد أشار إلى ذلك، وإلى إمكانية مساءلة الإنسآلة عن المساهمة في التكاليف الاقتصادية لفقدان العمل، إلا أنَّ المجتمعين في البرلمان الأوروبي رفضوا تبني هذا التوجه التشريعي، لأسباب عديدة من أهمها عدم وجود شخصية قانونية مستقلة توجب تحميله هذه التكاليف، والخوف من أنَّ يشكل هذا التكليف عائقًا أمام التطور الصناعي في هذا المجال123، علمًا بأنَّ مختلف هذه الملاحظات بالنسبة لنا لا تعفيه من تحمل التكاليف الاقتصادية الناجمة عن دخوله سوق العمل. ذلك أنَّ القضية لا تتعلق فقط بالجانب الإنساني للعمل، رغم أهميته، وإنَّما تتناول كذلك، التكاليف الاقتصادية الواجب على المؤسسة الاقتصادية بمختلف أشكالها تحملها والمساهمة فيها مع المجتمع، فأمام غياب الشخصية القانونية أو مساءلة الإنسآلة عن الضرائب القانونية عن العمل، ستفقد مؤسسات الضمان الاجتماعي جانبًا كبيرًا من مواردها في إطار تغطية تكاليف البطالة وصناديق الضمان الاجتماعي. والسؤال هنا من يعوضها؟!
أضف إلى ذلك، إنَّ قضية إنهاء عقود العمل بالنسبة للكثير من العمال، ستكون قضية أخلاقية أكثر منها قانونية، لا سيما وأنَّ هذه العمليات من التسريح إنَّما ستتم في إطار قانوني محض، وفق التسريح لأسباب اقتصادية المستند إلى التحول التكنولوجي للمؤسسة، الأمر المقبول والمبرر في مختلف قوانين العمل، بما فيها الفرنسي والقَطَرِي124، وبالتالي سيجد الكثير من العمال أنفسهم خارج المؤسسات التشغيلية، في إطار إنهاء للعقد لأسباب مبررة تستند إلى معيار اقتصادي، أو إعادة هيكلة المؤسسات وما إلى ذلك. هذا الأمر يوجب على المشرعين الفرنسي والقَطَرِي أنْ يعملا على تبني سياسة تشريعية أكثر تلاؤمًا مع هذه المتغيرات، لا سيما في إطار تعديل أحكام قانون التسريح الجماعي أو الفردي المستند لأسباب اقتصادية، وتعزير مسؤولية صاحب العمل عن مفهوم إعادة التصنيف الوظيفي والمهني للعامل في المنشأة قبل العمل على إحلال الإنسآلة قبل العامل في هذا المجال. علمًا بأنَّ الآثار الاقتصادية والاجتماعية لا تتناول فقط هذه الطروحات، وإنَّما تتجاوزها إلى دلائل أخرى، وما هذه الحيثيات إلا رأس جبل الجليد.
المطلب الثاني
الذكاء الاصطناعي والمسؤولية القانونية
في الإطار القانوني العام تنقسم المسؤولية إلى قسمين رئيسين هما: المسؤولية المدنية والمسؤولية الجنائية125، وقيام هذه المسؤولية ببعديها المدني والجنائي يقوم على ارتكاب فعل غير مشروع في كلتا المسؤوليتين، وإنْ مع شيء من التفصيل. حيث يشترط في المسؤولية المدنية وجود الخطأ المفضي لحدوث ضرر بالمفهوم المدني مع قيام العلاقة السببية بين الخطأ والضرر، الأمر الذي يوجب التعويض. في حين أنَّ المسؤولية الجنائية تتحقق بمجرد الخطأ المتعلق بالاعتداء على حق عام أو خاص سواء ترتب عليه ضرر أم لم يترتب عليه ضرر126. وبالتالي فإنَّ فكرة المسؤولية المدنية127 تقتضي ألا يترك أي ضرر دون تعويض وأي خطأ دون عقاب؛ بحيث يكون كل شخص مسؤولًا عن أفعاله. عليه يغدو السؤال عن الأساس القانوني لفكرة المسؤولية المدنية هو الفيصل في تحديد إمكانية انطباق هذه الفكرة على الإنسآلة من عدمه128. ما يوجب البحث في مدى توافق فكرة المسؤولية القانونية مع الإنسآلة، قبل البحث في مدى كفاية النصوص القانونية الحالية لتغطية جوانب المسؤولية القانونية المدنية للإنسآلة، تمهيدًا لبيان واقع المسؤولية القانونية للإنسآلة في التشريع القَطَرِي.
أولًا- فكرة المسؤولية القانونية والإنسآلة
من الناحية القانونية تقوم فكرة المسؤولية المدنية على قدرة الشخص على محاكمة الأمور محاكمة عقلية يستبين من خلالها ما هو قانوني من عدمه. وهو ما يمكن تسميته بالإدراك المتمثل باكتمال العقل مع بلوغ سن الرشد129. وعليه اعتبر المشرع أنَّ الشخص يعد مسؤولًا عن تصرفاته حينما يرتكب خطأً يحاسب عليه القانون ترتب عليه ضرر للطرف الثاني. فلا مسؤولية إلا بالإدراك المنسوب إلى شخص معين. من هذه الناحية هل يمكن اعتبار الإنسآلة مسؤولًا. إنَّ الإجابة على هذا السؤال ليست بالسهولة التي يمكن أنْ يتصورها البعض. وتحتاج إلى تفصيل معمق في مدى ارتباط المسؤولية بالشخصية، من خلال محاولة الرد على جملة من النقاط التي ترتبط بهذا التداخل بين فكرة المسؤولية وفكرة الشخصية. لاسيما لجهة تبيان هل المسؤولية تقتضي وجود الشخصية؟ وأيهما أسبق في الوجود الشخصية أم المسؤولية؟ وهل فكرة المسؤولية منفصلة عن الشخصية؟ وغيرها من الأسئلة الاستفهامية المفصلية.
في الحقيقة، ومن خلال العرض السابق لقضية الشخصية القانونية والإنسآلة، يمكن التأكيد بأنَّ وجود الشخصية القانونية لا يرتبط مطلقًا بوجود الأنسنة، وبالتالي هو منفصل عن وجود العقل والإدراك. بمعنى أنَّ التمتع بالشخصية القانونية شيء، والوجود القانوني شيء آخر منفصل عن الوجود المادي والوجود الإدراكي، أي كونه عاقلًا مدركًا لتصرفاته أو غير مدرك130. عليه قسم القانون المدني أهلية الشخص إلى قسمين: الأولى ما اصطلح على تسميته بـ: "أهلية الوجوب"، وهي تثبت لكل شخص سواء أكان عاقلًا أو غير عاقل كون هذه الأهلية مناطها الحياة "الإنسانية"، أو بالأصح صفة الأنسنة، فكل إنسان لديه الأهلية القانونية لاكتساب الحقوق، وعليه منح المجنون ومن في حكمه كما العاقل الحق في الميراث على سبيل المثال. علمًا بأنَّ هذه الحصرية لصفة الأنسنة أصبحت اليوم مع منح "الشخصية القانونية للحيوان"، موضع شك. والثانية تتناول ما يسمى في القانون: "أهلية الأداء"، وهي القدرة على التصرف في هذه الحقوق، الأمر الذي يقتضي وجود العقل، ليتمكن الشخص من تحديد مدى صوابية تصرفاته من عدمها. هذه الأهلية لا يمكن أنْ تكون إلا لعاقل، فالتصرف بالضرورة سيترتب عليه نتائج قانونية قد تكون نافعة وقد تكون ضارة وبالتالي عليه تحملها، ما يوجب القول بوجود فكرة المسؤولية131.
ومما لا شك فيه أنَّ هذا التقسيم القانوني التقليدي لفكرة الأهلية، لا سيما فيما يتعلق بأهلية الوجوب القائمة على الحق في اكتساب الحقوق قد خضع تحديدًا في التشريعات الغربية للعديد من التجاوزات، خصوصًا منها ما يتعلق بالاعتراف بـ: "الشخصية القانونية للحيوان" في بعض جوانبها؛ من حيث قدرة بعض الحيوانات على اكتساب الحقوق، سواء في إطار ضوابط القانون الجنائي أو المدني؛ من حيث تجريم الاعتداء على الحيوانات أو من حيث إمكانية توريث هذه الحيوانات. فهذه الإحداثيات لا يقرها القانون إلا في إطار الاعتراف بمركز قانوني معتبر قائم على الاعتراف بالشخصية القانونية لهذه الحيوانات. لكن القانون حتى حينه لم يعترف لهذه الحيوانات بالشخصية القانونية الكاملة لجهة تحمل المسؤوليات لجهة انتفاء العقل لديها. هذا الإسقاط السابق يدفعنا للتأكيد مجددًا في حقيقة إمكانية القول بوجود الشخصية القانونية للإنسآلة، دون أنْ يمنحنا إجابة قطعية في مسألة مسؤولية الإنسآلة132.
لكن ولما كانت قضية المسؤولية تتناول قضية الإدراك، فهل يمكن القول بأنَّ الإنسآلة بوضعها الحالي هي تدرك تصرفاتها؟ وعليه هل هي مسؤولة عن تصرفاتها؟
في الحقيقة في الوقت الحالي، وبغض النظر عن مرحلة الذكاء الاصطناعي للإنسآلة، والذي قد يصل لمستوى الذكاء الطبيعي أو يتجاوزه133 فلا يمكن القول بأنه مسؤول عن تصرفاته، فالمسألة ونؤكد لا تتعلق بالذكاء الاصطناعي وإنَّما تتعلق بالإدراك والوعي134، فهل وصل الإنسآلة رغم ذكائه العالي لمرحلة الإدراك الاصطناعي الذي يجب على الأقل أنْ يماثل الإدراك الطبيعي لنستطيع القول بأنه مسؤول في هذه الفرضية. الإجابة في جميع الفرضيات هي بالنفي كوننا لا زلنا نتحدث في الذكاء الاصطناعي، وبعيدين كل البعد عن الإدراك الاصطناعي. وعليه لا يمكن القول بإمكانية وجود مسؤولية قانونية على الإنسآلة بحد ذاته، دون أنْ يعني ذلك بحال من الأحوال انتفاء المسؤولية135. ما يطرح السؤال حول مدى كفاية قواعد القانون المدني الحالي في الإحاطة بمختلف قضايا المسؤولية المدنية التي قد يثيرها النشاط القانوني للإنسآلة.
ثانيًا- الإنسآلة وقواعد المسؤولية القانونية
في القانون المدني القاعدة العامة للمسؤولية المدنية جِدُّ بسيطة: "كل خطأ سبب ضررًا للغير يلتزم من ارتكبه بالتعويض"136. هذه القاعدة ترتكز على عناصر ثلاثة: الخطأ، الضرر والعلاقة السببية بين الخطأ والضرر137. بالتالي لا يوجد من الناحية القانونية - أي في الواقع القانوني - أي انتفاء لمفهوم التعويض عن الضرر حال تحققه، وهذا أساس فكرة قيام المسؤولية المدنية ببعديها التعاقدي والتقصيري. لكن السؤال، هل قواعد القانون المدني النافذة قادرة على استيعاب حالات الخطأ للإنسآلة ومعالجة حالات الضرر الناجمة عن ذلك؟ هنا أيضًا الإجابة ليست قاطعة!
ففي حين يرى البعض أنَّ قواعد المسؤولية القانونية المدنية القائمة كافية للإحاطة بمختلف حالات الخطأ والضرر الناجم عن الإنسآلة، يرى البعض الآخر أنَّ في هذا التحليل تبسيط للأمور، وتجاهل لواقع التطور الحاصل نتيجة اقتحام الذكاء الاصطناعي عالم القانون، ناقلًا الإنسآلة من حيز الأشياء لحيز الأشخاص138. حيث يستند الفريق الأول إلى القواعد القانونية الناظمة لأحكام المسؤولية في القانون المدني، سواء المتعلقة بالمسؤولية التعاقدية139 والمسؤولية التقصيرية140. مؤكدين على القاعدة الذهبية للمسؤولية التعاقدية القائمة على أنَّ العقد شريعة المتعاقدين، وعليه فإنَّ قواعد المسؤولية الناظمة لمختلف حالات الخطأ والضرر في هذه الفرضية تخضع للشروط التعاقدية بين الطرفين141. ومشددين أنَّ القواعد القانونية الخاصة بالمسؤولية التقصيرية، لا سيما المتعلقة بالمسؤولية عن الأشياء والمسؤولية عن ضمان العيوب الناشئة عن سوء التصنيع تضمن كذلك مختلف حالات الخطأ والضرر142.
بالمقابل، بالنسبة للفريق الآخر، هذا التوجه بالرغم من عقلانيته إلا أنَّه يبقى في جوانب عديدة منه قاصرًا عن فهم طبيعة وخصوصية المسؤولية القانونية ببعديها التعاقدي والتقصيري في هذه المسؤولية، التي يتداخل فيه عنصر الذكاء البشري مع عنصر الذكاء الاصطناعي، فهذا الأخير بالرغم من كونه تابعًا للأول ومنقادًا له، إلا أنَّ له وجوده وحضوره. فالإنسآلة، إنْ لم يكن لديه تفكيره الخاص، إلا أنَّ لديه تحليله الخاص، وبالتالي محاكمته الخاصة المفترضةً للأمور ضمن الخيارات المتاحة له، لا سيما بالنسبة للإنسآلة الذي يمكنه، من خلال برمجيته أنْ يتخذ قرارات منفصلة عن صانعيه، في إطار ما يسمى بالقرارات الاستنتاجية التي تكون من جملة من الاحتمالات المخزنة في الإنسآلة، والتي لديه القدرة على الاختيار فيما بينها وفقًا لطبيعة الموقف بعيدًا عن القول بحتمية علم المصنع أو المبرمج بهذا القرار، وإنَّما بمروحة هذه القرارات. بمعنى أنَّ الإنسآلة لديه جملة من الخيارات عليه أنْ يختار فيما بينها، جميعها صحيحة بالنسبة له، لكن سلطة الانتقاء بين هذه القرارات ليس بيد الصانع أو المبرمج وإنَّما بيده هو، كما هو الحال في قضية جهاز المحادثة (Tay) من مايكروسفت لعام 2016، الذي أرسل عبر حساب توتير، وفي ثماني ساعات فقط آلاف الرسائل الإلكترونية التي كانت جميعها صحيحة بالنسبة له، بذات الوقت التي كانت تنطوي على تعابير ومصطلحات عنصرية مناقضة للقوانين143.
بالنسبة لنا، وأمام غياب فكرة الإدراك الاصطناعي المستقل للإنسآلة، يغدو الحديث عن مسؤوليته القانونية الخاصة أمرًا مستبعدًا، على الأقل في المدى المنظور. غير أنَّ ذلك لا يعني بحال من الأحوال انتفاء قيام قواعد المسؤولية المدنية عن نشاطه القانوني، ما يحتم بالضرورة البحث عن تأصيل فكرة هذه المسؤولية في القواعد القانونية المدنية النافذة، والتي تبقى بالنسبة لنا قاصرة عن الإحاطة بمختلف الجوانب المتأتية من هذه المسؤولية لأمرين اثنين: أولًهما الطبيعة القانونية الخاصة للإنسآلة، وثانيهما خصوصية المسؤولية القانونية الناجمة عن نشاط الإنسآلة.
فالتحليل والتفكير المتأني بهذا الكائن الجديد "الفريد" المتعدد المهارات144، يجعل من اعتباره، في ضوء أحكام هذه المسؤولية بحكم الأشياء الصرفة أمر فيه نظر، فسمة الجمود التي تطبع فكرة الشيء في القانون لا يمكن إطلاقها على الإنسآلة، كما أنَّ سمة الانقياد الأعمى المنعدم التفكير، لا توجد كذلك في الإنسآلة ما يجعله أيضًا بعيدًا عن فكرة الحيوان. هذا التداخل بين العنصر البشري والعنصر الاصطناعي له نتائجه في إضفاء طابع خاص على المسؤولية القانونية الناجمة عن الإنسآلة، ما يبعد التحليل القانوني لهذه المسؤولية عن التحليل التقليدي لقواعد المسؤولية الشيئية، ليقربها من قواعد المسؤولية الطبية، مع بعض الاختلاف.
تصورٌ قد يفاجئ البعض، وإنْ كان يستحق النظر. ذلك أنَّ التداخلات التي تعترض تحديد المسؤولية بشكل دقيق في المسؤولية الطبية هي التدخلات التي ترتبط مع العنصر الاصطناعي، أو الخطأ البشري للعنصر الطبي مع الخطأ الذي قد يقع فيه العنصر البشري للمريض، أي خطأ بشري لجهة الطبيب أو المريض. حتى هنا الأمر طبيعي، لكن قد يحدث ما هو أكبر من ذلك في إطار ما يسمى بالمضاعفات الطبية والتداخل الدوائي. هنا تغدو النتائج المتحصلة غير متوقعة للطبيب أو غير مسؤول عنها، ما ينفي صفة المسؤولية في هذه الفرضية. والأمثلة في المجال الطبي عديدة حول ذلك. ولعل ذلك ما دفع بعض الفقه إلى التأكيد بوجوب أنْ يتم البحث في الآثار الجانبية للبرمجيات على عملية الذكاء الاصطناعي للإنسآلة، بمعنى أنَّه عندما يوضع برنامج معين في إطار الذكاء الاصطناعي المعتمد على التعليم بالتتابع، فيجب أنْ يوضع هذا البرنامج تحت التجربة وعلى فترة زمنية معقولة للبحث في آثاره الجانبية في هذا المجال لتحديد مدى كفاءته وصحته، وبعد ذلك يمكن اعتماده على نظرائه من الإنسآلة، شأنه في ذلك شأن الاختبارات السريرية للأدوية التي تخضع لمراحل متعددة لمعرفة مدى نجاعتها والآثار الجانبية التي يمكن أنْ تترتب عليها. فالذكاء الاصطناعي في تداخله مع العمل البشري له دور في النتائج التي قد تترتب على عمله، بذات الوقت، ونظرًا لافتقاده لعنصر الإدراك، لا يكون مسؤولًا عنها هو. لكنها موجودة ومحققة، يسأل عنها العنصر البشري الذي ساهم في تكوين الإنسآلة، ما سيقودنا إلى مجموعة من العناصر البشرية المساهمة في تكوينه وبلورته، من الصانع، إلى المروج، إلى المبرمج، إلى المطور، وصولًا إلى المالك ومن ثم المستخدم145. كما هو الحال في إطار الحوادث التي يمكن أنْ تقع من قبل السيارات الذكية تجاه الغير146، أو المنصات الرقمية التي لديها القدرة على المحاكاة وإعطاء النصائح أو الإرشادات بل وحتى التقييمات، والتي يمكن فيها أنْ يتم الاعتداء على الحياة الخاصة للأفراد أو التجريح بهم147، وما إلى ذلك. وهنا نشير أنَّه حتى لو أنَّ بعض الشركات قد أدرجت في عقودها أو برامجها شروط تخلي مسؤوليتها، في إطار ما يسمى في القانون بشروط الإعفاء من المسؤولية، فهذه الشروط لا يمكن الركون إليها دومًا، لا سيما حينما توسم هذه الشروط بالسمة التعسفية، ففي هذه الفرضية لا قيمة قانونية لهذه الشروط، وتبقى المسؤولية القانونية قائمة148.
جميع هذه الاستنتاجات توجب على المشرع المدني الأوروبي التدخل الفاعل لوضع قواعد قانونية خاصة تنظم أحكام المسؤولية المدنية للإنسآلة، لا تركها في إطار جملة من القواعد القانونية العامة والمتفرقة، فالقواعد القانونية الحالية، رغم عظيم أهميتها، إلا أنَّها تبقى غير كافية، لا سيما في إطار تحديد قواعد المسؤولية القانونية، وطرق الإثبات، وطبيعة التعويض القانوني، وكنا نأمل لو أنَّ المشرع المدني الفرنسي قد تنبه إلى أهمية هذه الحالة، وأدخل ضمن التعديل الأخير لأحكام القانون المدني سواء فيما يتعلق بتعديل نظرية العقد أو نظرية المسؤولية المدنية أحكامًا قانونية خاصة، تتناول طبيعة المسؤولية القانونية للإنسآلة، الأمر الذي نأسف له، ونتمنى من المشرع المدني الفرنسي تلافيه في أقرب فرصة تشريعية ممكنة149.
ثالثًا- واقع المسؤولية القانونية للإنسآلة في التشريع القَطَرِي
أمام غياب النص التشريعي المنظم لهذه المسؤولية في القانون المدني القَطَرِي، وعدم تعرض الاجتهاد القضائي القَطَرِي خاصةً لمسائل قانونية ذات صلة بالمسؤولية القانونية للإنسآلة، يمكن القول إنَّ الوضع القانوني في التشريع القَطَرِي، بشكل عام، يكاد يكون مماثل لما عليه واقع الحال في التشريع الغربي، ونعني بذلك المدرسة الفرنسية. وبالتالي لا يزال يُدخل أحكام هذه المسؤولية في إطار قواعد المسؤولية المدنية ببعديها التعاقدي والتقصيري، لا سيما لجهة المسؤولية الشيئية، نظرًا لكون التكييف القانوني للإنسآلة لا يزال في اعتباره بحكم الشيء، لا الشخص150.
بالرغم من ذلك، تبقى النصوص القانونية الفرنسية سباقة في الإحاطة الأشمل لمختلف جوانب هذه المسؤولية أكثر من نظيرتها القَطَرِية، لا سيما بعدما أدخل المشرع الفرنسي فكرة المسؤولية عن عيوب التصنيع في التقنين المدني الفرنسي في العام 1998151، التي استند إليها كثير من الفقه الفرنسي في الدفاع عن قابلية قواعد المسؤولية المدنية في التشريع الفرنسي في الإحاطة بمختلف الحالات التي يثيرها الدخول القانوني لهذا القادم الجديد في البيئة المجتمعية الفرنسي، والتي بيَّنا رأينا فيه، ناهيك عن أنَّ مشروع تعديل قانون المسؤولية المدنية الفرنسي المطروح حاليًا تضمن كذلك مادة قانونية تناقش قضية المسؤولية للإنسآلة في إطار المسؤولية الشيئية واضعًا هذه المسؤولية على عاتق المستخدم، ما لم يثبت عكس ذلك152. ولذلك نعتقد أنَّ على المشرع المدني القَطَرِي تبني سياسة تشريعية أكثر جرأة حيال قواعد المسؤولية المدنية للإنسآلة، في تحديد طبيعة المسؤولية القانونية عن أعمال الإنسآلة، ونعتقد أنَّ نصوص القانون المدني الفرنسي، مع غيرها من التجارب التشريعية المقارنة، قد تكون دليلًا إرشاديًا لا بأس به للمشرع القَطَرِي في هذا المضمار بما يضمن تأطير قواعد المسؤولية المدنية للإنسآلة وفق التطور الرقمي الذي يحيط بنا، وبما يضمن تحقيق رؤية قَطَرْ الوطنية 2030.
تناول موضوع البحث الذكاء الاصطناعي والقانون الذي يعد اليوم واحدًا من القضايا الأكثر حضورًا في الفقه القانوني الغربي، والذي لا محالة سيكون موضع بحث قريب من قبل رجال الفكر والقانون في العديد من الدول العربية، وفي مقدمتها دولة قَطَرْ، رغبة في توضيح العديد من النقاط الجدلية التي تتناول هذه العلاقة الثنائية بين الذكاء الاصطناعي والقانون، إمَّا من حيث حمايته "هــــو" أو من حيث حمايتنا "نحــــن". كل ذلك، في ضوء أحكام القواعد الأوروبية في القانون المدني للإنسآلة لعام 2017 ورؤية قَطَرْ الوطنية 2030.
حيث بين البحث أنَّ ثمة نقصًا تشريعيًا واضحًا في طبيعة المعالجة القانونية للعديد من النقاط التي يطرحها الذكاء الاصطناعي. فالقواعد القانونية الخاصة بحماية حقوق الملكية الفكرية تحتاج إلى إعادة مواءمة أفضل، لاسيما في قضية حماية حقوق الملكية الفكرية الخاصة بالذكاء الاصطناعي. ما يوجب تدخلًا تشريعيًا واضحًا يكمل هذا النقص التشريعي من خلال وضع نصوص قانونية توضح قواعد حماية الملكية الفكرية الخالصة في هذا المجال. كما بَيَّنَ البحث أنَّه إذا لم تنظم عملية استخدام الذكاء الاصطناعي في مجال الحقوق والحريات الأساسية، فإنه سيكون لها بالغ الأثر على العديد من هذه الحقوق، لا سيما الحق بالكرامة الإنسانية، إضافة للعديد من الحقوق المدنية والحقوق الاقتصادية، ما يستدعي من المشرع القطري عملًا أكثر فاعليةً في قضية حماية هذه الحقوق والحريات، بما فيها تعديل قواعد قانون العمل لجهة قواعد التسريح لأسباب اقتصادية مستندة إلى التقدم التكنولوجي للمنشأة، بما يضمن حماية حقوق العامل في هذه الفرضية، وتعزيز مسؤولية الذكاء الاصطناعي في تحمل تكاليف خسارة العمل والنفقات الاجتماعية والاقتصادية المترتبة على ذلك.
كما بَيَّنَ البحث، أنَّ فكرة الاعتراف بالشخصية القانونية للشكل الحسي للذكاء الاصطناعي المتمثل بـ: "الإنسآلة" أمرٌ يجب البحث والتفكير فيه بشكل معمق، ففكرة الشخصية القانونية وإنْ كانت مرتبطة بفكرة الشخصية الإنسانية ابتداءً إلا أنَّها ليست معلقةً بها انتهاءً، موصيًا المشرع القَطَرِي بضرورة النظر بشكل فعلي في وضع قواعد قانونية تُقر بالاعتراف بهذه الشخصية القانونية للإنسآلة ضمن قواعد قانونية خاصةً تراعي خصوصيته وطبيعته، دون أن تلقي عليه بالمسؤولية القانونية. مؤكدًا على أن الخطأ الذي يحدثه يبقى في أساسه خطأً بشريًا، يوجب مساءلة هذا الأخير، ما يجعل التحليل القانوني لمفهوم الخطأ في العالم الرقمي لا يختلف من حيث التأصيل القانوني عن مفهوم الخطأ في العالم التقليدي، دون أن ينفي ذلك ضرورة منحه عناية أكبر، عبر وضع ضوابط قانونية خاصة به، ما يوجب على المشرع المدني القَطَرِي إعادة النظر في القواعد القانونية الناظمة لفكرة المسؤولية القانونية في الذكاء الاصطناعي، لوضع ضوابط قانونية خاصة تراعي مختلف هذ الخصوصيات، بما فيها أخلقة استخدام هذا الذكاء عبر وضع ميثاق عمل أخلاقي يبين أوجه العمل المختلفة له، كما يبين الحقوق والواجبات المترتبة على ذلك، بما يضمن إعادة مواءمة مختلف هذه النصوص ضمن روح وفلسفة المشرع القطري ورؤية قَطَرْ الوطنية لعام 2030.
المراجع153
http://www.qnrf.org/ar-qa/
http://www.qnrf.org/ar-qa/
F. Burgat, L'animal dans nos sociétés, La documentation française, n° 896 janvier 2004.
Professor of Civil Law, Department of Law, Ahmed Bin Mohammed Military College, Qatar.
Views
Downloads
Citations
Authors
Issue
Year