Procedural Criminal Protection of Lawyers During the Practice of the Profession: A Comparative Study in Qatari and Egyptian Law.
Considering that advocacy is a free profession whose primary role is to defend the interests of litigants before judicial authorities and accused persons in criminal proceedings, it is appropriate to provide legal and criminal protection that ensures an atmosphere of security, freedom, and privacy for the practice of the legal profession. Lawyers are partners of the judiciary in achieving justice and reinforcing the rule of law.
This study examines the procedural criminal protections granted to lawyers during the practice of their profession under Qatari and Egyptian legislation. It analyzes the legal protection afforded to law offices as repositories of professional and defense secrets, the restrictions on searching lawyers’ offices, and the procedural guarantees available when such searches occur. The study also addresses the protection afforded to lawyers during court sessions, including protection from immediate criminal proceedings related to courtroom offenses and the legality of arresting lawyers while performing their professional duties before the courts.
انطلاقا من كونها مهنة حرة تُمارس دورها الأساسي في الدفاع عن مصالح المتخاصمين أمام جهات التقاضي في الدعاوى المختلفة والمتهمين في الدعاوى الجنائية، كان من الملائم توفير حماية قانونية، وما يتفرع عنها من حماية جنائية، تكفل توفير أجواءٍ من الطمأنينة والحرية والخصوصية لممارسة مهنة المحاماة باعتبارها شريكا للسلطة القضائية في تحقيق العدالة وتأكيد سيادة القانون، وذلك وفقا لما هو منصوص عليه في المادة 2 من قانون المحاماة القطري الصادر بالقانون رقم 23 لسنة 20061؛ حيث تشير الفقرة الأولى من هذه المادة إلى المقاصد النبيلة والغايات الشريفة التي يجب أن يستنبطها المحامي وهو يؤدي رسالة الدفاع بحيث لا ينظر إلى مهنة المحاماة على أنها مشروع تجاري2. وقد ورد المعنى ذاته في المادة الأولى من قانون المحاماة المصري الصادر بالقانون رقم 17 لسنة 19833، وأكدته المادة 198 من الدستور المصري المُعدَّل الصادر عام 20144.
والحقيقة أن غاية الإجراءات القانونية عمومًا والإجراءات الجنائية على وجه الخصوص ليست إدانة المتهم بارتكاب الجريمة، وإنما كشف الحقيقة وإقامة العدالة الجنائية، سواء كانت هذه العدالة وتلك الحقيقة متمثلة في إدانة المتهم أو براءته. وقد استقر في الفكر القانوني العام أن إفلات عدد من المتهمين من العقاب أفضل من إدانة بريء واحد. والأفضلية هنا نسبية بطبيعة الحال؛ لأن الأفضلية المطلقة المأمولة تتمثل في اجتناب إدانة بريء والحيلولة دون إفلات مجرم من العقاب، نظرًا لما سيجنيه المجتمع من ثمار تتمثل في الاستقرار والأمان الناشئ عن انتفاء الشعور العام بالظلم والقهر أو ضياع الحقوق والمظالم.
ونظرا لأن المتهم بارتكاب جريمة، أو المتقاضي عموما، قد لا تتوافر لديه المعرفة القانونية اللازمة لممارسة حق الدفاع عن نفسه، فضلا عمَّا تحتاجه ممارسة هذا الحق من هدوء التفكير ورويَّته، وهو ما قد ينتفي لدى المتهم العارف بالقانون، فقد كفل الدستور والقانون للمتهم حق الاستعانة بمحام يعاونه في تحقيق مصالحه ويبصره بما يخفى عليه من أمور قانونية أثناء سير إجراءات الدعوى الجنائية. ونظرًا لما يوليه المتهم من ثقة في محاميه فيطلعه على كثير من تفاصيل الواقعات موضوع الدعوى، فإن المحاماة تُمارِس دورًا أساسيًّا في معاونة القضاء على الوصول إلى حكم صحيح في الدعوى المنظورة أمامه من خلال ما يعرضه المحامي أمام القاضي شفويا أو كتابيا من نقاط تتصل بموضوع الدعوى. وقد تضمنت النصوص الدستورية والتشريعية في مختلف الأنظمة القانونية العديد من أوجه الحماية الجنائية، الإجرائية منها والموضوعية، وذلك في صورة ضمانات تكفل لمهنة المحاماة خصوصيتها المستمدة من كونها مستودعًا لأسرار الدفاع. فحرية الدفاع عن الأفراد أمام جهات التحقيق والمحاكم على اختلاف أنواعها ودرجاتها لا تتحقق بشكل فعَّال إلا بضمان استقلال مهنة المحاماة5. وتجدر الإشارة في هذا الصدد إلى أن مظاهر هذه الحماية لا تعتبر من قبيل الحصانة الشخصية للمحامي، ولكنها حصانة للمهنة ذاتها تتقيد الاستفادة منها باتباع أصولها وما تستلزمه ممارسة أعمالها من قواعد وأعراف.
وبالإضافة إلى ما تتضمنه النصوص القانونية من ضمانات عملية تكفل حماية جنائية لممارسة مهنة المحاماة، وهو ما تنصب عليه دراستنا، فإن نصوص أخرى تتضمن توجيهات عامة تعد من قبيل الأدبيات القانونية، إلا أن تطبيقها في الواقع العملي يستلزم نصوصا ملزمة تتضمن آليات تحقق غاياتها وجزاءات تفرض احترامها. ومن هذه النصوص ما تنص عليه المادة 31 من قانون المحاماة القطري المعدلة بالقانون رقم 1 لسنة 2018 من أنه: "يتعين على الجهات التي يزاول المحامي مهنته أمامها، أن تقدم له التسهيلات التي يقتضيها حسن القيام بواجبه... ." وكذلك ما تقرره المادة 49/1 من قانون المحاماة المصري للمحامي من حق في أن يعامل من المحاكم وسائر الجهات التي يحضر أمامها بالاحترام الواجب للمهنة. وما تقرره المادة 198 من الدستور المصري من أن الضمانات والحماية التي يتمتع بها المحامون أثناء تأديتهم حق الدفاع أمام المحاكم تسري عليهم أيضا أمام جهات التحقيق والاستدلال.
والحقيقة أن النصوص القانونية لا تقرر فقط حقوقا وضمانات للمحامين، وإنما تشتمل كذلك على العديد من الواجبات والالتزامات، إلا أن المُلاحظ في هذا الخصوص أنها واجبات والتزامات تستهدف ـــ هي أيضا وفي المقام الأول ـــ الحفاظ على كرامة مهنة المحاماة واعتبارها ومكانتها في المجتمع. ومن ذلك ما تفرضه المادة 50 من قانون المحاماة القطري من أنه: "على المحامي أن يلتزم في سلوكه المهني والشخصي، بمبادئ الشرف والأمانة والنزاهة، وأن يقوم بجميع الواجبات التي يفرضها عليه القانون وآداب المحاماة وتقاليدها." وما تفرضه المادة 62 من قانون المحاماة المصري على كل من يُمارس مهنة المحاماة من الالتزام، ليس فقط في سلوكه المهني وإنما أيضا في سلوكه الشخصي، بمبادئ الشرف والنزاهة المستمدة من القانون واللائحة وقبل ذلك من آداب المحاماة وتقاليدها وأخلاقياتها. وهذه كلها أمور يتضمنها قَسَمُ مهنة المحاماة الوارد في المادة 18 من قانون المحاماة القطري والمادة 20 من قانون المحاماة المصري. ومن ذلك أيضا ما تشير إليه المادة 67 من قانون المحاماة المصري من مراعاة المحامي في مخاطبته المحاكم للتوقير اللازم القائم على الاحترام والتعاون المتبادل بين المحامين وبين القضاة.
وتحديدا لنطاق دراستنا فإننا سوف نتناول أوجه الحماية المقررة لمكتب المحاماة باعتباره مستودعا لأسرار المهنة عموما وأسرار الدفاع خصوصا، وتلك المقررة للمحامي نفسه أثناء مزاولته أعمال مهنته أمام المحاكم.
وعلى ضوء ما تقدم نقسم موضوع دراستنا على النحو الآتي:
المبحث الأول: الحماية المقررة لمكتب المحاماة
المطلب الأول: الطبيعة القانونية لمكتب المحاماة
المطلب الثاني: حظر تفتيش مكتب المحاماة المُستَهْدِف انتهاك أسرار الدفاع
المطلب الثالث: تفتيش مكتب المحاماة حال تجاوزه أصول مزاولة المهنة
المبحث الثاني: الحماية المقررة للمحامي أثناء انعقاد جلسات المحاكم
المطلب الأول: حماية المحامي من الإجراءات الفورية بشأن إقامة الدعوى الجنائية عن جرائم الجلسات
المطلب الثاني: مدى قانونية أمر القبض على المحامي أثناء أداء مهام عمله في الجلسة
الخاتمة والتوصيات
الحماية المقررة لمكتب المحاماة
تثير الطبيعة القانونية لمكتب المحاماة إشكاليات عملية تنعكس بدورها على ما يمكن طرحه من حلول قانونية بشأن تفتيشها كإجراء من إجراءات التحقيق أو دخولها كإجراء من إجراءات الاستدلال. ونظرًا لاتصال مكتب المحامي بممارسة مهنة المحاماة وما يرتبط بها من أسرار الدفاع وأسرار المهنة على وجه العموم، فإنه يُحظر حظرًا مطلقًا تفتيش مكاتب المحاماة حينما يكون الغرض من التفتيش انتهاك هذه الأسرار. وبالمقابل، فإن مكاتب المحاماة غير مُحصَّنة لذاتها ضد مباشرة الإجراءات المستهدِفة لكشف حقيقة الجرائم المرتكبة، ولذلك يجوز تفتيشها حين تتجاوز دورها المنوط بها والمتصل بممارسة المهنة.
ولكي نخرج من تناولنا لهذه الجزئية من الدراسة بمقترحات تشريعية تستهدف توفير ضمانات أوفر لحماية المحامي أثناء مزاولة مهنة المحاماة، أو بحلول لإشكاليات يعكسها الواقع العملي، سنقسم دراستنا في هذا المبحث إلى ثلاثة مطالب: نبين في أولها الطبيعة القانونية لمكتب المحاماة. ونتناول في ثانيها حظر تفتيش مكتب المحاماة المُستَهْدِف انتهاك أسرار الدفاع. ونعالج في ثالثها جواز تفتيش مكتب المحاماة حال تجاوزه أصول ممارسة المهنة وضمانات التفتيش الواجب مراعاتها حينئذ.
المطلب الأول
الطبيعة القانونية لمكتب المحاماة
إنَّ معالجة العديد من الإشكاليات القانونية التي يطرحها موضوع تفتيش مكاتب المحاماة ومدى ما يتوفر لها من حماية أو ضمانات في هذا الشأن يتوقف بالأساس على الطبيعة القانونية للمكان الذي تُمارس فيه مهنة المحاماة؛ تلك المهنة المتصلة بالقيام بمهمة الدفاع عن مصالح العملاء من ناحية، ومعاونة أو مشاركة القضاء في إقامة العدالة والوصول لوجه الحقيقة بشأن النزاع المطروح على جهات التقاضي المختلفة من ناحية أخرى.
والإشكالية التي تطرح نفسها في هذا الصدد، والتي تنوعت الآراء الفقهية بشأن إيجاد الحلول لها، تتمحور حول ما إذا كان مكتب المحاماة مكانًا عامًّا أم خاصًا، وما يتصل بذلك من اعتباره في حكم المسكن من عدمه. حيث لا يخفى بطبيعة الحال ما يمكن أن يترتب من آثار قانونية على خلع أي من الأوصاف المشار إليها أعلاه على مكتب المحاماة ومدى الحماية الجنائية الإجرائية التي تمنح له في مواجهة إجراءات التفتيش القسرية وما يحيط بمباشرتها من ضوابط وضمانات.
والحقيقة أن خلع وصف المكان العام بطبيعته على مكتب المحاماة يخرج بصورة مطلقة عن مجال البحث أو المناقشة6. كما لا يوجد في الفقه القانوني من يخلع على مكتب المحاماة وصف المكان العام بالتخصيص حتى في أوقات فتحه للجمهور7، والسبب في ذلك أن الدخول إلى مكتب المحاماة ليس مطلقا للكافة بدون تمييز، فهو مقيد من حيث غرضه المتمثل في طلب المشورة القانونية من المحامي8. ونحن نرى أنه وإن كان دخول مكتب المحامي مقيد من حيث الغرض منه وهو ما يكفي لانتفاء وصف المكان العام بالتخصيص عنه، فإنه غير مقيد من حيث صفة الداخل حيث يستطيع أي شخص الدخول طالما كانت أبوابه مفتوحة لاستقبال العملاء في أوقات مُعلَنة، وأن التقييد لا يرد على مجرد دخوله وإنما على استمرار التواجد فيه دون إرادة صاحبه.
وحسن أن يكون هناك إجماع فقهي بشأن النظرة إلى مكاتب المحاماة على أنها ليست أماكن عامة بالتخصيص، لما يوفره ذلك من ضمانات جوهرية أبرزها حظر مجرد دخولها9، فضلا عن حظر تفتيشها، بمعرفة مأموري الضبط القضائي بصفتهم الوظيفية لمباشرة اختصاصاتهم المتعلقة بمراقبة تطبيق المحال العامة للقوانين واللوائح المنظمة لممارسة أنشطتها التجارية أو الزراعية أو الصناعية أو غيرها، حيث إنها من أعمال الاستدلال التي لا يلزم لمباشرتها وقوع جريمة. وبالتالي فإننا نرى عدم سريان القواعد الخاصة بدخول مأمور الضبط القضائي إلى الأماكن العامة على مكتب المحاماة ولو لمجرد إلقاء نظرة على محتوياته.
وتجدر الإشارة إلى أن ذلك لا يحول دون إعمال نص المادة 49 من قانون الإجراءات الجنائية القطري10 ويقابلها نص المادة 45 من قانون الإجراءات الجنائية المصري التي تبيح لمأموري الضبط القضائي دخول أي مكان مسكون في حالات محددة. فحرمة مكتب المحامي لا يستقيم أن تعلو على حرمة المسكن بأي حال من الأحوال11. غير أن هذا الدخول إلى مكتب المحامي لا يبيح لمأمور الضبط القضائي البحث والتنقيب في ملفات الموكلين أو الاطلاع على ما تحتويه من أوراق أو مستندات لما يمثله ذلك من انتهاك لأسرار الدفاع. فكما يحظر القانون على مأموري الضبط القضائي تفتيش المسكن حينما يجوز دخوله في أي من هذه الحالات حفاظًا على حرمة الحياة الخاصة باعتباره مستودعًا للأسرار الخاصة بساكنيه12، فإنه يمتنع على مأمور الضبط القضائي تفتيش مكتب المحامي أو الاطلاع على أي من أجزائه ذات الصلة بحفظ الأوراق والمستندات المتصلة بأعمال مهنة المحاماة من منطلق كونه مستودعا لأسرار المهنة. ولذلك يقتصر دخول مأموري الضبط القضائي على مباشرة الأعمال المادية التي فرضتها إحدى الحالات التي ورد النص عليها أعلاه.
وفضلا عن ذلك فإن الحالات المقررة قانونًا والتي تفترض الدخول إلى المكان لمباشرة إجراء يجيزه القانون كالتفتيش والمعاينة لا تسري بشأن مكتب المحاماة إعمالًا لنص المادة 35 من قانون المحاماة القطري والمادة 51 من قانون المحاماة المصري التي لا تجيز تفتيش مكتب المحامي إلا عن طريق النيابة العامة، وهي الضمانة التي سنتناولها بالشرح لاحقًا. ويعد من أبرز الحالات التي تجيز لمأمور الضبط القضائي الدخول إلى المسكن، وهو ما يعد جائزًا بطريق الاستنتاج المنطقي بالنسبة لمكتب المحاماة، تعقب متهم هارب مطلوب القبض عليه باعتبار ذلك مجرد عمل مادي سنده وأساسه القانوني هو نظرية الضرورة الإجرائية13.
وإن كان الرأي مستقرًّا على استبعاد وصف المكان العام بالتخصيص عن مكاتب المحاماة، فإن الفقه وبالمقابل ليس متفقًا بشأن الطبيعة القانونية التي يمكن إسباغها على مكتب المحاماة، وهذا الاختلاف انعكس بدوره على مضمون ومدى الحماية المقررة لها.
فذهب جانب من الفقه إلى أنَّ مكتب المحاماة يعد في حكم المسكن ويسري عليه في أوقات غلقه ما يسري على المسكن من شروط وضمانات تتعلق بتفتيشه14. في حين يذهب بعض الفقه داخل نفس هذا الاتجاه إلى أنَّ مكتب المحاماة عبارة عن محل خاص يتمتع بحرمة المسكن في جميع الأوقات استنادًا إلى أن الدخول إليه ليس مطلقًا للكافة بدون تمييز، كما أن دخوله خلال أوقات فتحه للجمهور يكون مقيدًا بالغرض الذي أُعد له وهو طلب المشورة القانونية من المحامي15.
وتجدر الإشارة في هذا الصدد إلى أن أنصار الاتجاه الذي يسبغ على مكتب المحاماة حكم المسكن لا يعتبرونه مسكنًا من الناحية الفعلية؛ لأنهم يتفقون مع غيرهم من الفقهاء في أن المسكن أو المنزل الذي يحظى بالحماية القانونية المستمدة من كونه مستودعًا لأسرار الحياة الخاصة هو المكان المخصص للإقامة المعتادة أو المؤقتة؛ حيث يمارس حائزه كافة مظاهر حياته الخاصة بعيدًا عن إزعاج الآخرين وفي مأمن من تلصصهم16.
ويذهب اتجاه آخر في الفقه إلى أن مكتب المحاماة، وإن كان يعد مكانًا خاصًّا لما يسبغه عليه القانون من حرمة مستمدة من كونه مكانًا لمزاولة مهنة المحاماة وما يتصل بها من أسرار الدفاع، إلا أنه ليس في حكم المسكن، ولا تسري عليه تبعا لذلك القواعد والضمانات الخاصة بتفتيش المسكن؛ لأن حائزه لا يودع فيه أسرار حياته الخاصة17. وسندهم في ذلك أن المكان الخاص قد يكون مسكنًا وقد يكون مخصصًا لغرض آخر غير السكنى. وبعبارة أدق إذا كان المسكن بطبيعته مكانًا خاصًّا، فليس كل مكان خاص بالضرورة مسكنًا؛ لأن ما يميز المسكن عن غيره من الأماكن الخاصة هو تخصيصه للإقامة وممارسة مظاهر الحياة ذات الخصوصية كالنوم وغيره مما يحجبه الإنسان عن الآخرين ويحول دون اطلاعهم عليه18. وهذا المعيار في خلع وصف المسكن على مكان ما هو ذاته ما قضت به محكمة النقض المصرية من أن المسكن هو المكان الذي يتخذه الشخص مكانا يأوي إليه ويكون موضع سره وسكينته، بحيث لا يباح دخوله أو تفتيشه إلا وفقا لأحكام القانون19. وتبعًا لهذه الطبيعة القانونية فإن حرمة مكتب المحاماة لا تُعادل حرمة المسكن وبالتالي لا يمكن إخضاع تفتيشها لذات الضمانات والضوابط التي تحكم تفتيش المنازل أو المساكن. والقاعدة التي تحكم الأماكن الخاصة خلاف المساكن أن حرمتها ترتبط بحرمة صاحبها أو حائزها بحيث يجوز تفتيشها كلما كان تفتيش هذا الأخير جائزا من الناحية القانونية20.
ومما لا شك فيه أن تباين هذه الآراء الفقهية بشأن الطبيعة القانونية لمكاتب المحاماة، وجميعها قيمة ومعتبرة وتستهدف توفير حماية خاصة لمكاتب المحاماة، يتبعه تباين في مدى الحماية المقررة لهذه الأماكن المخصصة لممارسة مهنة المحاماة. ويظل التساؤل يطرح نفسه في الواقع العملي حول أي اتجاه يتعين السير على نهجه وإعمال نتائجه خاصة في ظل فراغ تشريعي يحسم الخلاف ويرفع الجدل؟
ومن جانبنا نرى أن الاتجاه الأول الذي يجعل مكتب المحاماة في حكم المسكن من حيث حرمته وضمانات تفتيشه يعوزه الأساس والسند التشريعي؛ لأنه لا يجوز تقييد إجراءات الملاحقة الجنائية، ومن بينها التفتيش، دون نص تشريعي واضح وصريح. وعلى الرغم من أن إعمال تلك الوجهة من النظر يكفل حماية أوسع وضمانات أوفر لمكاتب المحاماة ضد إجراء التفتيش، إلا أنها تفتقر إلى نص تشريعي يفرض على القضاء النزول على حكمه. ومؤدَّى ذلك أنه وفقا للنصوص التشريعية السارية، سواء في القانون المصري أو القطري، لا يمكن مد نطاق سريان الضمانات المقررة للمنازل حال تفتيشها إلى مكاتب المحاماة.
وبالمقابل فإن الاتجاه الفقهي الآخر وإن كان ينسجم مع القواعد العامة التي تجعل من أماكن مزاولة المهنة أماكن خاصة، كمكاتب المحامين وعيادات الأطباء؛ نظرًا لما يرتبط بها من أسرار مهنية تخص المترديين عليها من الأفراد وغيرهم؛ إلا أن إعمال هذه الوجهة من النظر تترتب عليه نتائج عملية خطيرة تتمثل في إضعاف الضمانات الممنوحة لها بصدد التفتيش؛ لأنها حينئذ سوف تستمد حرمتها وفقا لهذه الطبيعة القانونية من حرمة شخص صاحبها، فيجوز تفتيشها حيث يجوز تفتيش صاحبها.
وبناء على ما تقدم، ومن منطلق الحرص على أسرار الدفاع، نرى ملاءمة تدخل المشرع في كل من مصر وقطر بنص صريح يكفل حماية خاصة وضمانات أوفر لمكتب المحاماة في مواجهة إجراءات التفتيش باعتباره مستودع أسرار الدفاع. إذ حينئذ سنكون بصدد نص تشريعي مُلزم للقاضي يُضفي على مكتب المحاماة طبيعة قانونية خاصة تُخرجه من عِداد الأماكن التي يجوز تفتيشها لمجرد جواز تفتيش صاحبها أو حائزها.
المطلب الثاني
حظر تفتيش مكتب المحاماة المُستَهْدِف
انتهاك أسرار الدفاع
التفتيش القضائي بما يعنيه من بحث وتنقيب في مستودع السر للوصول إلى دليل يفيد في كشف حقيقة الجريمة محل التحقيق والتوصل إلى معرفة هوية مرتكبيها، يعد من إجراءات التحقيق الابتدائي الماسَّة بحرمة الحياة الخاصة وبالحق في الخصوصية21. والتفتيش؛ كإجراء جنائي يتضمن كشفًا لمستور واطلاعا على أسرار؛ يجد مبرره، شأنه شأن غيره من إجراءات الملاحقة الجنائية، في المصلحة العامة للمجتمع المتمثلة في إقامة العدالة الجنائية وعدم إفلات مجرم من العقاب. ونظرًا لأن المصلحة العامة للمجتمع تستلزم عدم التعدي تعسفًا على حرمة الحياة الخاصة أو الحق في الخصوصية المكفول دستوريا22، فإن التشريعات الجنائية الإجرائية تتضمن العديد من الضوابط أو الضمانات التي تكفل إقامة نوع من التوازن بين المحافظة على مصلحة التحقيق وحسن سير إجراءات الملاحقة الجنائية وبين صيانة الحق في الخصوصية.
ويعد الحق في المحافظة على سر المهنة أحد جوانب الحياة الخاصة للإنسان؛ حيث يمثل مكتب المحاماة مكانًا آمنًا للمتهم كمستودع لأسراره المتصلة بحقه في الدفاع عن نفسه أمام القضاء، فيسلم محاميه أوراقًا ومستنداتٍ ومراسلاتٍ لم يكن يسلمها إياه إلا ثقة في كون مكتبه مكانًا آمنًا لحفظها وحمايتها من الإفشاء أو الاطلاع عليها خارج نطاق الخصومة الجنائية أو للإضرار بمصلحته. ولذلك يكفل القانون حماية خاصة لما يُفضي به المتهم من أسرار لمحاميه تتعلق بالدفاع عنه بشأن التهمة الموجهة إليه.
وقد يُفضي المتهم لمحاميه بمعلوماته عن التهمة الموجهة إليه شفاهة، فيحتفظ المحامي بها في ذهنه وعقله وتصبح هذه المعلومات من قبيل السرائر التي يستحيل التنقيب عنها في مستودعها وتنتفي بصددها إمكانية الاطلاع عليها قسرًا. وقد يفضي المتهم لمحاميه بأوراق أو مستندات تتعلق بحقه في الدفاع، فيحتفظ بها المحامي في مكتبه كوديعة باعتباره المكان أو المحل الذي يزاول فيه أعمال مهنته، وقد يحتفظ بها مؤقتًا وعلى سبيل النادر من الأحوال في منزله. وعندئذ وفي جميع الحالات تصبح هذه المعلومات من الأسرار التي يتصور عقلًا البحث عنها في مستودعها والاطلاع على ما تحتويه من معلومات.
وتفاديًا لانتهاك أسرار مهنة المحاماة وإعاقة ممارسة حق الدفاع بحرية، تنص المادة 79 من قانون الإجراءات الجنائية القطري على أنه: "لا يجوز لعضو النيابة العامة أن يضبط لدى محامي المتهم أو الخبير الاستشاري الأوراق والمستندات التي سلمها المتهم لأيهما لأداء المهمة التي عهد إليه بها ولا المراسلات المتبادلة بينهما في الدعوى، ما لم تكن هي جسم الجريمة أو كان أي منهما مساهمًا في الجريمة، كما لا يجوز تسجيل المحادثات التي تتم بين المتهم ومحاميه أو الخبير الاستشاري." كما تنص المادة 96 من قانون الإجراءات الجنائية المصري على أنه: "لا يجوز لقاضي التحقيق أن يضبط لدى المدافع عن المتهم أو الخبير الاستشاري الأوراق والمستندات التي سلمها المتهم لهما لأداء المهمة التي عهد إليهما بها ولا المراسلات المتبادلة بينهما في القضية.23"
وعلى الرغم من أن هذه النصوص التشريعية تقرر ضمانة هامة تتعلق بحماية خصوصية العلاقة بين المتهم ومحاميه من خلال حظر ضبط المراسلات والأوراق المتبادلة بينهما المتصلة بحق الدفاع وأسراره، فإن إشارتنا لهذا النص في هذا الموضع نستهدف بها الاستدلال في معرض معالجتنا لإشكالية تفتيش مكتب المحاماة. ووجه هذا الاستدلال أن ضبط الأشياء التي تفيد في كشف حقيقة الجريمة يأتي في الغالب من الحالات كأثر للتفتيش24، وبمعنى آخر فإن التفتيش يمثل، في الغالب من الحالات، الوسيلة الموصلة للنتيجة أو الغاية المقصودة منه وهي ضبط الأشياء التي تفيد في تحصيل الدليل الجنائي25. فإذا كان نص المادة 79 من قانون الإجراءات الجنائية القطري ونص المادة 96 من قانون الإجراءات الجنائية المصري يحظران ضبط أشياء محددة فإنه وبطريق اللزوم العقلي يحظر التفتيش عن هذه الأشياء في مستودع سرها الذي هو مكتب المحاماة.
ومع ذلك فإن صياغة نص المادة 79 من قانون الإجراءات الجنائية القطري تثير إشكالية في هذا المجال؛ لأن عبارة النص أجازت ضبط الأوراق والمستندات التي سلمها المتهم لمحاميه لأداء المهمة التي عهد إليه بها وكذلك ضبط المراسلات المتبادلة بينهما في الدعوى طالما كانت هي جسم الجريمة. ونرى أن جواز ضبط هذه الأشياء المتصلة بصميم مهنة المحاماة، وما يسبق هذا الضبط من تفتيش في غالب الأحوال، يمثل إخلالا بالحماية الواجبة لممارسة مهنة المحاماة وتقويضا للثقة التي يوليها المتهم لمحاميه وانتهاكا لأسرار الدفاع. فحظر تحصيل الدليل الجنائي من الأوراق والمستندات الخاصة بأداء المحامي مهمته في الدفاع عن المتهم أمام القضاء يجد سنده ومبرره في مبدأ أصل البراءة؛ ذلك المبدأ الذي يلقي بعبء الإثبات على عاتق النيابة العامة باعتبارها تمثل الطرف المدعي في الدعوى الجنائية وحيث لا يلتزم المتهم بتقديم دليل براءته. وأنه في سبيل تسهيل مهمة النيابة العامة في تحصيل الدليل، وهي مهمة ليست باليسيرة في الكثير من الأحيان، خوَّلها القانون العديد من السلطات والإجراءات ووسائل القسر التي تعينها على إنجاز مهمتها والتخفيف من عبئها، ومن بين هذه الوسائل التفتيش. غير أن هذه السلطات والإجراءات القسرية تجد حدودها في احترام أصل البراءة وتتقيد بعدم انتهاك حرية الدفاع وأسراره التي تضمها الملفات والأوراق والمراسلات المتبادلة بين المتهم ومحاميه؛ والتي قد تحتوي على ما يفيد إدانته أو يضر بموقفه في الدعوى المنظورة أمام القضاء. وعلى هذا الأساس نرى ملاءمة تعديل نص المادة 79 من قانون الإجراءات الجنائية القطري بحذف عبارة "ما لم تكن هي جسم الجريمة أو كان أي منهما مساهمًا في الجريمة"؛ لأنه وفضلا عما بيناه أعلاه فإنه لا يتصور أن تمثل هذه الأوراق أو المستندات أو المراسلات جسم الجريمة حال اتصالها بقيام المحامي بمهمته أمام القضاء ومن خلال دعوى قضائية.
وعلى هذا الأساس يمكن القول بعدم جواز التفتيش مطلقًا بحثًا عن دليل جنائي في مكتب المحامي الذي يتولى مهمة الدفاع عن المتهم26، خاصة عندما يجري الحصول على هذا الدليل من أوراق أو مستندات أو مراسلات سلمها المتهم لمحاميه بغرض أداء مهمته في الدفاع عنه أمام القضاء27. وعلة حظر الضبط في هذه الحالة، وما يستتبعه بالضرورة من عدم مشروعية التفتيش، هو ضمان ممارسة المحامي دوره على نحو فعَّال في الدفاع عن المتهم خلال نظر الدعوى الجنائية، وهو دور أساسي في النظم الإجرائية الحديثة28، وأصبح من قبيل الحقوق التي تغلب في أهميتها حق المجتمع في العقاب29.
وتجدر الإشارة إلى أن حظر تفتيش مكتب المحامي المُستَهْدِف انتهاك أسرار الدفاع لا يمثل حماية أو حصانة خاصة لشخص أو مكتب المحامي؛ لأن هذا الحظر لا يرتبط بمحل التفتيش في ذاته وإنما يتصل بالغاية منه30. فإذا كان نص كل من المادة 79 من قانون الإجراءات الجنائية القطري والمادة 96 من قانون الإجراءات الجنائية المصري يحظر ضبط أشياء محددة ولغاية محددة في مكتب المحاماة، فإن حظر تفتيشه لا يكون مطلقا. فقد أجازت المادة 79 من قانون الإجراءات الجنائية القطري تفتيش مكتب المحاماة في حالات محددة. وفضلا عن ذلك تجيز كل من المادة 35 من قانون المحاماة القطري والمادة 51/1 من قانون المحاماة المصري تفتيش مكتب المحاماة ولكن بضمانات خاصة تتعلق بالجهة المختصة بمباشرة هذا التفتيش أو الأمر به. ومُؤدَّى ذلك أن تفتيش مكتب المحاماة ليس محظورًا على إطلاقه. ومن هنا كان تفتيش مكتب المحاماة جائزًا ومشروعًا عندما يتجاوز حدود ممارسة المهنة ويصير محلا لارتكاب جرائم أو لإيواء متهمين فارين من وجه العدالة، أو مخبأ لأشياء تعد حيازتها في حد ذاتها جريمة، أو لأدوات استُخدِمت في ارتكاب الجريمة أو تحصلت من ارتكابها. كما يجوز تفتيش مكتب المحاماة حال توجيه اتهام مباشر للمحامي بارتكاب جناية أو جنحة. فحصانة مكاتب المحاماة لا تعلو بأي حال على حرمة المساكن أو المنازل؛ فهذه الأخيرة، مع ما لها من حرمة وخصوصية، يجوز تفتيشها حال توجيه اتهامات مماثلة إلى أصحابها المقيمين فيها، وهو ما يسري من باب أولى على مكتب المحاماة.
المطلب الثالث
تفتيش مكتب المحاماة حال تجاوزه أصول مزاولة المهنة
مكتب المحاماة في حد ذاته لا يستعصي على التفتيش فهو، كغيره من الأماكن الخاصة والعامة، ليس خارج سلطان القانون في الدولة، ولذلك يجوز تفتيشه عندما يتجاوز دوره المتصل بممارسة مهنة المحاماة وحيث تقتضي مصلحة التحقيق هذا الإجراء بحثًا عن الدليل اللازم لكشف الحقيقة وإقامة العدالة الجنائية. فالحصانة المقررة لمكاتب المحاماة ضد التفتيش ليست مطلقة وإنما مقصورة على أسرار الدفاع وعلى ممارسة مهنة المحاماة.
ونظرًا لخلو قانون الإجراءات الجنائية أو قانون المحاماة من أية نصوص تقرر تمتع مكاتب المحاماة بذات الضمانات المقررة للمنازل عند تفتيشها31، ونظرًا لأن مكاتب المحاماة ليست من قبيل المنازل حتى تسري بشأنها قواعد تفتيش هذه الأخيرة32، فإنها تخضع بشأن تفتيشها للقواعد التي تحكم تفتيش الأماكن، تلك القواعد المنصوص عليها في المادة 79 من قانون الإجراءات الجنائية القطري أو المادة 91/2 من قانون الإجراءات الجنائية المصري33. ومع ذلك ونظرًا لكون مكاتب المحاماة أماكن ذات طبيعة خاصة مستمدة من كونها محلًّا لممارسة مهنة المحاماة وما يتصل بها من أسرار الدفاع، فقد يكون من الملائم تقنين ما يذهب إليه جانب من الفقه من اعتبارها في حكم المنازل لمنحها مزيدًا من الحماية القانونية في مواجهة إجراءات التفتيش؛ لأنه بدون هذا التقنين لا يمكن، من وجهة نظرنا، إلزام القاضي بمد ضمانات تفتيش المساكن إلى مكاتب المحاماة.
وسوف نتناول في هذا المطلب حالات تفتيش مكتب المحاماة، ثم نبين الضمانات التشريعية الخاصة بتفتيشه، وما نقترح ملاءمة تقنينه في هذا الخصوص لتوفير مزيد من الحماية الجنائية الإجرائية حفاظًا على مستودع أسرار مهنة المحاماة، وذلك في فرعين متتاليين على النحو الآتي:
الفرع الأول
حالات تفتيش مكتب المحاماة
وفقًا لنص المادة 79 من قانون الإجراءات الجنائية القطري والمادة 91/2 من قانون الإجراءات الجنائية المصري فإنه يجوز تفتيش مكتب المحاماة كغيره من الأماكن طالما لا توجد أحكام خاصة تقرر عكس ذلك34. ويجري هذا التفتيش إما لضبط جسم الجريمة كمواد مخدرة أو أسلحة غير مرخصة أو عملات مزيفة، وإما للبحث عن الأدوات التي استخدمت في ارتكاب الجريمة كمفاتيح مصطنعة أو سلاح الجريمة أو آلة تزييف العملة، وإما للبحث عن متحصلات الجريمة كالمسروقات وغيرها، وإما للبحث عمن وقعت عليه الجريمة كالمجني عليه في جريمة الخطف أو الاحتجاز بدون وجه حق، وذلك كله على سبيل المثال لا الحصر. فإذا كان المحامي يحوز في مكتبه جسم الجريمة أو ما استعمل في ارتكابها أو نتج عن ارتكابها جاز عندئذ تفتيش مكتبه لعدم تعلق الأمر عندئذ بأسرار الدفاع عن المهتم35.
ومُؤدَّى ذلك أنه يجوز تفتيش مكتب المحاماة بحثًا عن دليل بشأن الجريمة المُرتكبة إذا كان هناك اتهام موجه إلى المحامي بارتكابه جناية أو جنحة يجوز فيها التفتيش. كما أنه يجوز تفتيش مكتب المحاماة حينما لا يوجه إلى صاحبه اتهام بارتكاب جريمة وإنما توجد قرائن أو أمارات على أن مكتبه يُتخذ مكانًا لإخفاء أشياء تفيد في كشف حقيقة جريمة جاري التحقيق بشأنها. ففي هذه الفرضيات يتضح أن المحامي أو أحد العاملين معه أو لديه قد خرج بمكتب المحاماة عن كونه محلًا لممارسة المهنة ولحفظ لأسرار الدفاع، وأساء بتصرفاته وسلوكياته إلى مهنة المحاماة، مما يستوجب رفع الحماية القانونية عن محل ممارستها ومباشرة كافة الإجراءات المنصوص عليها قانونًا والمستهدفة البحث عن الدليل وإقامة العدالة الجنائية.
وفي جميع الأحوال والفرضيات المشار إليها أعلاه يتعين عدم امتداد الضبط، باعتباره أثرا للتفتيش، إلى أي أوراق أو مستندات أو مراسلات تكون مُسلَّمة للمحامي من أجل أداء مهمته في الدفاع لتعلق الأمر حينئذ بأسرار المهنة36. وإذا ثارت أثناء التفتيش أية إشكاليات بشأن مدى تعلق ما يتم ضبطه بممارسة المحامي أعمال المهنة، يكون لمحكمة الموضوع وحدها سلطة تقدير تعلق هذه الأشياء بأداء مهمة الدفاع من عدمه37. ومن الأمثلة على الأشياء التي يجوز ضبطها في مكتب المحامي لعدم اتصالها بأسرار المهنة أن تكون هذه الأشياء مُسلَّمة إلى المحامي على سبيل الوديعة38 لإخفائها عن سلطات التحقيق.
ومما سبق يمكننا القول بوجود فرضيتين يجوز استنادًا لأي منهما إخضاع مكتب المحامي للتفتيش القضائي. الفرضية الأولى – حينما يكون المحامي نفسه متهمًا بارتكاب جناية أو جنحة يجوز بصددها إجراء التفتيش. والفرضية الثاني – حينما لا يكون المحامي متهمًا في الجريمة محل التحقيق وإنما توافرت قرائن أو أمارات على وجود أو إخفاء شيء بمكتبه يتعلق بالجريمة ويفيد في كشف حقيقتها.
ففي الفرضية الأولى؛ حيث يكون المحامي نفسه متهمًا بارتكاب أو المساهمة في ارتكاب جناية أو جنحة، فإن سلطة التحقيق المختصة تملك إصدار أمر بالتفتيش يشمل ليس فقط مسكن المحامي وإنما كذلك مكتبه، إعمالا لنص المادتين 75 و79 من قانون الإجراءات الجنائية القطري39 وكذلك المادة 91 أو المادة 199 من قانون الإجراءات الجنائية المصري. وهذه الفرضية لا تثير إشكالية كبيرة من حيث جواز تفتيش مكتب المحاماة؛ لأنه يجوز اتخاذ كافة إجراءات الملاحقة الجنائية ضد المتهم بارتكاب الجريمة طالما كانت لازمة للبحث عن أدلتها وتأكيد هوية مرتكبيها؛ ومن ذلك إجراء التفتيش أيا كان المكان المراد تفتيشه طالما كانت الغاية من التفتيش ضبط ما يفيد في كشف حقيقة الجريمة المرتكبة40، سواء أكان هذا المكان مسكنًا أو محلًّا خاصًّا أو عامًّا. فإذا كانت سلطة التحقيق تملك تفتيش المنزل على الرغم من حرمته استنادًا إلى توجيه اتهام بارتكاب جناية أو جنحة إلى شخص يقيم فيه41، فإنه يجوز لها مباشرة الإجراء ذاته بشأن مكتب المحاماة إذا توافرت شروط التفتيش ذاتها.
ويذهب جانب من الفقه إلى أنه لو صدر الإذن بتفتيش مسكن المتهم وكان هذا الأخير محاميًا، فإن هذا الإذن يشمل مكتب المحاماة كون هذا الأخير يستمد حرمته إما من الاتصال بشخص صاحبه أو بمسكنه42. غير أننا نرى أن خصوصية مكتب المحامي المستمدة من كونه مستودعًا لأسرار المهنة وأسرار الدفاع الخاصة بالعملاء، وهم من الغير، تستوجب إصدار إذن قضائي خاص بتفتيش مكتب المحامي المتهم بارتكاب جناية أو جنحة، أو على الأقل اشتمال الإذن الصادر بتفتيش مسكنه على تفتيش مكتبه كذلك وعلى نحو صريح.
وفي الفرضية الثانية؛ حيث توجد قرائن أو أمارات تدل على وجود أو إخفاء شيء بمكتب المحامي يتعلق بالجريمة المرتكبة وقد يفيد في كشف حقيقتها، فإن المسألة لا تخرج عن احتمالين:
الاحتمال الأول: أن تشير هذه القرائن أو الأمارات إلى أن المحامي يحوز في مكتبه وهو عالم بذلك أشياء تتعلق بالجريمة المرتكبة وتفيد في كشف الحقيقة بشأنها، دون أن يكون مساهمًا في ارتكابها بأية صورة من الصور. ومواجهة هذا الاحتمال لا تثير أية إشكالية قانونية كما هو الحال بالنسبة للفرضية الأولى السابق معالجتها. فيجوز تفتيش مكتب المحامي إذا قامت قرائن قوية على أنه يُخفي في مكتبه أشياء تفيد في كشف الحقيقة بشأن جريمة جاري التحقيق فيها، كإخفاء أداتها أو متحصلاتها، طالما لا يتصل موضوع التفتيش بضبط أية أشياء تتصل بممارسة حق الدفاع أو بأسرار الموكلين43.
والحقيقة أنه في الغالب من الحالات يكون المحامي نفسه، في هذا الاحتمال، متهمًا بارتكاب جريمة خاصة به لمجرد هذه الحيازة أو هذا الإخفاء لأشياء معينة في مكتبه. وعندئذ سيجري تفتيش مكتبه باعتباره متهمًا بارتكاب جناية أو جنحة وفقًا لنموذج تشريعي محدد. ومن ذلك جريمة معاونة المحامي لأحد المتهمين بارتكاب جناية أو جنحة على الفرار من وجه القضاء بإيوائه أو بإخفاء أدلة الجريمة في مكتبه وهو عالم بارتكاب المتهم لهذه الجنحة أو تلك الجناية، وهي الجريمة المنصوص عليها في المادتين 199 و200 من قانون العقوبات القطري الصادر بالقانون رقم 11 لسنة 2004، والمادة 145 من قانون العقوبات المصري الصادر بالقانون رقم 58 لسنة 1937. وكذلك جريمة إخفاء المحامي في مكتبه لأشياء مسروقة أو متحصلة من جناية أو جنحة مع علمه بذلك، المنصوص عليها في المادة 367 من قانون العقوبات القطري والمادة 44 مكرر من قانون العقوبات المصري.
في هذه الأمثلة التشريعية جميعها يكون المحامي نفسه، كما في الفرضية الأولى المشار إليها أعلاه، متهمًا بارتكاب جناية أو جنحة تستوجب تفتيش مكتبه حال وجود قرائن أو أمارات تدل على ارتكابه لأي من هذه الجرائم المشار إليها. وفي هذه الحالة قد تتعدد جرائمه تعددًا معنويًّا وفقًا لما ينطبق على سلوكه المادي من أوصاف قانونية. ولذلك فإن تفتيش مكتب المحامي في هذه الفرضيات جميعها لا يستوجب إثارة أية إشكاليات قانونية بشأن مشروعية التفتيش؛ لأن المحامي حين يُقْدِمُ على مثل هذه التصرفات التي يُجرِّمُها القانون يكون قد تخلَّى بسلوكه المخالف للقانون عن الحماية المقررة قانونًا لمكتبه باعتباره محلًّا لممارسة مهنة المحاماة. والقول بغير ذلك يجعل من مكاتب المحاماة أماكن آمنة لمرتكبي الجرائم تمكنهم من الفرار من وجه العدالة، بدلًا من أن تكون مهنة المحاماة مشاركة للقضاء في تحقيق العدالة وفرض سيادة القانون.
والاحتمال الثاني: أن تشير القرائن أو الأمارات إلى وجود شيء أو إخفائه بمكتب المحامي يفيد في كشف الحقيقة بشأن جناية أو جنحة لا يكون المحامي مساهمًا في ارتكابها ولا يعلم بوجودها أو بإخفائها في مكتبه. ومُؤدَّى ذلك أنه لا يوجد أي اتهام يمكن توجيهه إلى المحامي صاحب المكتب. وهذا الاحتمال ليس مستغربًا من الناحية العملية؛ لأنه قد تكون هذه الأشياء قد أُخفيت في مكتب المحامي بمعرفة أحد العاملين معه أو لديه ودون علم منه بذلك.
ولا يثير هذا الاحتمال بدوره أية إشكاليات قانونية في حال كانت السلطة التي تتولى التحقيق الابتدائي هي قاضي التحقيق، إعمالا لنص المادة 64 أو المادة 65 من قانون الإجراءات الجنائية المصري؛ لأن هذا الأخير يملك الحق في إصدار أمر بتفتيش أي مكان بصرف النظر عن طبيعته القانونية44، وبصرف النظر عمَّا إذا كان صاحب المكان أو حائزه هو المتهم بارتكاب الجريمة محل التحقيق أم كان غير متهم. والأساس القانوني لتفتيش مكتب المحامي غير المتهم بارتكاب جريمة يقوم على أنه لا توجد حصانة مطلقة لمكتب المحاماة ضد التفتيش عندما تكون هناك ضرورة عملية تستوجب ذلك الإجراء لكشف حقيقة الجريمة المرتكبة وإقامة العدالة الجنائية. فإذا كان يجوز لقاضي التحقيق تفتيش منزل غير المتهم حال توافر قرائن قوية على أنه حائز لأشياء تفيد في كشف الحقيقة، فإنه يجوز له ذلك بالنسبة لمكتب المحامي عندما تتوافر القرائن ذاتها. والفرض هنا أن غير المتهم، الجاري تفتيش مسكنه أو مكتب المحاماة الخاص به على حسب الأحوال، لا يعلم أن هذه الأشياء متحصلة من جريمة أو تعد حيازتها في ذاتها جريمة وإلا جاز اعتباره متهما بارتكاب جريمة قائمة بذاتها ومباشرة الإجراءات الجنائية ضده على هذا الأساس القانوني45.
فإذا كانت النيابة العامة هي التي تتولى التحقيق، وهذا هو الاحتمال الوحيد في القانون القطري حيث سلطة التحقيق هي النيابة العامة دون غيرها46، وتوافرت قرائن أو أمارات على أن مكتب المحامي يُتخذ مخبأ أو ملجأ لإخفاء متهمين فارين من وجه العدالة أو أشياء تتعلق بالجريمة محل التحقيق وتفيد في كشف حقيقتها، دون أن يكون المحامي صاحب المكتب مساهمًا في ارتكابها أو عالمًا بإخفاء هؤلاء المتهمين أو هذه الأشياء في مكتبه، فإن تفتيش مكتب المحامي عندئذ لا يخلو من إشكالية قانونية تتصل بالسلطة صاحبة الاختصاص في إصدار أمر التفتيش. والتساؤل الذي يطرح نفسه عندئذ يدور حول مدى جواز قانونية إذن التفتيش الصادر من النيابة العامة، ومدى التزامها بالحصول مقدمًا على أمر مسبب من القضاء لإجراء هذا التفتيش.
ففي القانون القطري وبالرجوع لنص كل من المادتين 79 من قانون الإجراءات الجنائية و35 من قانون المحاماة فإنه يجوز للنيابة العامة مباشرة إجراءات التفتيش لضبط أدلة الجريمة دون استصدار أمر بذلك من القاضي المختص وذلك على خلاف ما تشترطه المادة 35 من قانون المحاماة القطري. وسندنا في ذلك، على الرغم من أننا نراه نصًّا مُنتقَـدًا يستأهل التعديل، أن عبارات نص المادة 35 من قانون المحاماة القطري التي يستوجب الحصول على أمر من القاضي المختص لتفتيش مكتب المحامي قيَّدت هذا الإجراء وتلك الضمانة على إجراءات التحقيق، ومنها التفتيش، المتصلة مباشرة بمزاولة أعمال مهنة المحاماة وفي غير حالات التلبس47. ومُؤدَّى ذلك جواز تفتيش مكتب المحاماة، إعمالًا لنص المادة 35 من قانون المحاماة القطري، إذا كانت الجريمة المنسوب ارتكابها للمحامي لا تتعلق بممارسة أعمال مهنته سواء كانت في حال تلبس من عدمه، أو إذا كانت الجريمة المتصلة بممارسة أعمال مهنته واقعة في إحدى حالات التلبس48. وحيث إننا بصدد جريمة لا تتعلق بأداء المحامي لأعمال مهنته فقد سقط القيد وانتفى مجال إعمال الضمانة الشكلية المنصوص عليها في المادة 35 من قانون المحاماة القطري. ويستتبع ذلك أيضًا عدم التقيد لدى مباشرة التفتيش بالضمانة المتمثلة في وجوب مباشرته بمعرفة عضو نيابة لا تقل درجته الوظيفية عن رئيس نيابة. وعلى الرغم من رؤيتنا لتحليل عبارات نص المادة 35 من قانون المحاماة القطري على هذا النحو، فإننا نرى ملاءمة تعديله على نحو يوفر لمكتب المحاماة الضمانات الواردة فيه حال مباشرة إجراء التفتيش على وجه التحديد ولو كان التفتيش يجري بشأن أمور لا تتعلق بممارسة المحامي أعمال مهنته. ونرى أن هذا التعديل لا يصب بأي حال في تحصين مكتب المحاماة ضد إجراءات التفتيش وما يستهدفه من ضبط أدلة الجريمة فهذه الحصانة غير قائمة ولن تكون، وإنما يستهدف هذا التعديل بالأساس حماية أسرار المهنة وأسرار العملاء والموكلين حال مباشرة التفتيش داخل مكتب المحاماة.
أما في القانون المصري، فإن الإجابة على هذا التساؤل القانوني المثار أعلاه يحيلنا للإشكالية السابق تناولها لدى معالجتنا للطبيعة القانونية لمكتب المحاماة، وما إذا كان يُعد في حكم المسكن أم أنه مكان ذو طبيعة خاصة وليس في حكم المسكن. وإعمالًا لمضمون الرأي الفقهي الذي يذهب إلى أن الأماكن المخصصة لممارسة مهن معينة كمكاتب المحاماة لها حرمة المنازل أو المساكن49، فإنه يتوجب على النيابة العامة، إعمالًا لنص المادة 206 من قانون الإجراءات الجنائية، الحصول على إذن القاضي الجزئي قبل تفتيش مكتب المحامي في الحالة التي يكون فيها هذا الأخير غير متهم بارتكاب جريمة، وذلك قياسًا على حالة تفتيش مسكن غير المتهم؛ حيث يتعين الحصول على إذن القاضي الجزئي50 من أجل إحاطة هذا الإجراء المتخذ ضد شخص غير متهم بمزيد من الضمانات51. وفي ذات السياق يرى جانب من الفقه أن صدور الإذن بتفتيش مسكن المحامي إذا كان غير متهم بارتكاب جريمة يجيز تفتيش مكتبه طالما لا يتعلق الأمر بضبط أوراق أو مستندات سُلِّمت إليه لأداء مهمته في الدفاع عن المتهم52، ويُستفاد من هذا الرأي أن مكتب المحامي يخضع لذات الضمانات المقررة بشأن التفتيش حال كون صاحبه غير متهم بارتكاب جريمة، وخاصة ما يتعلق بوجوب الحصول على إذن القاضي الجزئي لإجراء التفتيش، إلا أنه وفقا لهذا الرأي لا يشترط صدور إذن خاص بتفتيش مكتب المحامي ويكتفي بتفتيشه لمجرد صدور إذن بتفتيش مسكنه.
ومن جانبنا وعلى الرغم من قناعتنا بضرورة توفير ضمانات أوفى بشأن تفتيش مكاتب المحاماة، خاصة في الحالة التي لا يكون فيها المحامي متهمًا بارتكاب جريمة، وذلك من منطلق الحرص على حماية أسرار الدفاع وتمكين المحامي من أداء مهام مهنته بحرية واطمئنان، فإن خَلع وصف المسكن على مكتب المحاماة أو اعتباره من قبيل ذلك لا يوجد له سند أو أساس من القانون. ومُؤدَّى ذلك أنه وفقا للنصوص التشريعية السارية فإن النيابة العامة تملك من تلقاء نفسها ودون الحصول على إذن من القاضي الجزئي إصدار أمر بتفتيش مكتب المحامي ولو كان هذا الأخير غير متهم بارتكاب جريمة أو جنحة، وذلك وفقا لسلطتها المقررة بموجب المادة 199 من قانون الإجراءات الجنائية التي تمنحها سلطات قاضي التحقيق طالما لا تتضمن النصوص اللاحقة على هذه المادة خلاف ذلك. ونرى أن القيود الواردة على سلطة النيابة العامة بموجب نص المادة 206 من قانون الإجراءات الجنائية، والخاصة تحديًدا بتفتيش منزل غير المتهم، لا تسري ولو عن طريق القياس بشأن تفتيش مكتب المحامي عندما يكون غير متهم لعدم خضوع هذه الحالة لمجال تطبيق المادة 206 المشار إليها. ونرى أن منح هذه الضمانة الإجرائية بشأن تفتيش مكتب المحامي غير المتهم بارتكاب جريمة يستوجب تدخلًا تشريعيًّا؛ وذلك على النحو الذي سنبينه لدى تناولنا للضمانات المقررة حال تفتيش مكتب المحاماة وعلى النحو التالي:
الفرع الثاني
الضمانة الخاصة بتفتيش مكتب المحاماة
يتبين مما تقدم أن مكتب المحاماة ليس محصنا لذاته ضد إجراءات التفتيش القضائي الهادفة للبحث عن الدليل الجنائي وكشف حقيقة الجريمة المرتكبة، وأن حظر الضبط الذي هو غاية التفتيش يقتصر على الأوراق والمستندات الخاصة بالعملاء وتلك المتبادلة بينهم وبين محاميهم والمتضمنة أسرارهم المهنية. غير أن مكتب المحاماة باعتباره مستودعًا للأسرار المهنية يقتضي منحه أهمية خاصة وتقرير ضمانات إجرائية أوفر عند تفتيشه، فضلا عن الضمانات العامة، تكفل صيانة أسرار الموكلين بصفة عامة وأسرار الدفاع الجنائي بصفة خاصة.
ففضلا عن الضمانات العامة بتفتيش الأماكن، ومنها مكاتب المحاماة، وهي الضمانات المتعلقة بالشروط العامة للتفتيش من حيث الجريمة المستوجبة لإجراء التفتيش ومحله وبتوجيه اتهام إلى الشخص المراد تفتيشه، أو بوجود قرائن تدل على أنه حائز لأشياء تتعلق بالجريمة، والتقيد بالغرض من التفتيش وتسبيب إذن التفتيش53، فإن قانون المحاماة في كل من مصر وقطر يقرر ضمانة إجرائية خاصة بتفتيش مكتب المحاماة. ومن الملائم أن يتدخل المشرع لمنح مكتب المحاماة ضمانات أوفى، قياسًا على ضمانات تفتيش المنازل، حينما يكون المحامي نفسه غير متهم بارتكاب جريمة؛ حيث يكون التفتيش عندئذ غير قائم على اتهام موجه إلى المحامي صاحب المكتب. ونتناول فيما يلي هذه الضمانة التشريعية الخاصة بتفتيش مكتب المحاماة، ثم نبين ملامح المقترح الذي نرى ملاءمة تقنينه تشريعيا:
أولا: قصر تفتيش مكتب المحاماة على سلطة التحقيق
تنص المادة 35 من قانون المحاماة القطري على أنه: "لا يجوز في غير حالات التلبس، القبض على المحامي، أو حبسه احتياطيًّا، أو التحقيق معه، أو تفتيش مكتبه، لأمور تتعلق بأداء مهنته، إلا بمعرفة رئيس نيابة على الأقل، بناء على أمر صادر من القاضي المختص." وتنص المادة 51/1 من قانون المحاماة المصري على أنه: "لا يجوز التحقيق مع محام أو تفتيش مكتبه إلا بمعرفة أحد أعضاء النيابة العامة." ومُؤدَّى ذلك أن تفتيش مكتب المحاماة، في الحالات التي يكون فيها هذا التفتيش جائزًا، لا يتم من الناحية المادية إلا بمعرفة النيابة العامة ذاتها وعن طريق أحد أعضائها54، وبحيث لا تقل درجته الوظيفية وفقًا للقانون القطري عن درجة رئيس نيابة، فضلا عمَّا يستلزمه القانون القطري من استصدار أمر بالتفتيش من القاضي المختص. ويترتب على ذلك أنه لا يجوز للنيابة العامة ندب أحد مأموري الضبط القضائي لتنفيذ الأمر الصادر بتفتيش مكتب المحامي، وإن حدث ذلك كان الندب باطلًا ويبطل تبعًا لذلك التفتيش الذي يُجريه مأمور الضبط القضائي، ويُستبعد أي دليل متحصل من هذا الإجراء الباطل، لتعلق الأمر بإجراء جوهري55. فإذا كانت مهمة التحقيق يتولاها قاضي تحقيق وفقًا للقانون المصري وندب هذا القاضي النيابة العامة لإجراء التفتيش، فإنه لا يجوز لهذه الأخيرة ندب مأمور الضبط القضائي لتنفيذ أمر قاضي التحقيق بتفتيش مكتب المحامي وإنَّما عليها أن تنفذ أمر الندب بمعرفة أحد أعضائها.
وبالرجوع لنص المادة 35 من قانون المحاماة القطري نجد أن إعمال هذه الضمانات الإجرائية الواردة فيه مشروط بعدم توافر حالة تلبس بارتكاب جريمة وبكون هذه الجريمة تتصل بأداء المحامي لأعمال مهنته. ويعني ذلك بمفهوم المخالفة أنه في حالة تلبس المحامي بارتكاب جريمة ولو كانت تتعلق بأعمال مهنته، أو إذا كانت الجريمة التي تستوجب تفتيش مكتبه الذي يُمارس فيه مهنة المحاماة لا تتصل بأداء مهنته لن يكون هناك مجال للتقيد بهذه الضمانات الإجرائية حال مباشرة تفتيش مكتب المحاماة. وعلى هذا النحو فإن مفاد عبارات نص المادة 35 من قانون المحاماة القطري أن المحامي لا يتمتع بأية حصانة عند مزاولة مهنته وهو ما يمثل تناقضًا مع ما جاء في المادة 47/4 من قانون العقوبات، والفقرة الأخيرة من المادة 57 من قانون المحاماة ذاته. وهذا الأمر يستلزم تدخل المشرع لرفع التناقض بين النصوص التشريعية وكفالة عدم مساءلة المحامي جنائيًّا أو تأديبيًّا أو مدنيًّا عما يرتكبه أثناء أدائه واجبات مهنته وبصفة خاصة ما يتصل بمهمة الدفاع56. ونحن إذ لا نتفق مع صياغة نص المادة 35 من قانون المحاماة القطري فإنَّـنَا ننطلق من الحرص على توفير حماية فعَّالة لممارسة مهنة المحاماة وللحفاظ على أسرار الموكلين. ونرى أن تفتيش مكتب المحامي المتهم بارتكاب جريمة تتعلق بأعمال مهنته إذا توافرت بشأنها إحدى حالات التلبس، تبعًا لتفتيش شخصه باعتبار مكتب المحاماة ليس له حرمة المسكن، أو لجريمة لا تتعلق بممارسة أعمال مهنته، سواء كانت في حال تلبس أم لا، لا يجوز إلا بمعرفة أحد أعضاء النيابة العامة. ومُؤدَّى ذلك أنه يحظر حظرًا مطلقًا على مأمور الضبط القضائي مباشرة إجراء التفتيش داخل مكاتب المحاماة، سواء كان مندوبًا من سلطة التحقيق أو كان تفتيش شخص المحامي صاحب المكتب يجري استنادًا لتوافر إحدى حالات التلبس بالجريمة.
وتكمن العلة من حظر تنفيذ تفتيش مكتب المحاماة إلا بمعرفة أحد أعضاء النيابة العامة فيما ينطوي عليه التفتيش من بحث وتنقيب قد يترتب عليه الاطلاع على أسرار عملاء المحامي بصفة عامة وأسرار الدفاع عن المتهمين بصفة خاصة، فيكون الحظر المشار إليه في هذا الخصوص ضمانة للمحافظة على عدم إفشاء الأسرار. وما يؤكد أهمية ترسيخ هذه الضمانة الخاصة بشأن تفتيش مكتب المحاماة أن القواعد العامة تجيز ندب مأمور الضبط القضائي لتنفيذ الأمر الصادر بتفتيش المنازل، وهو ندب غير جائز بشأن تفتيش مكتب المحاماة حرصًا على المحافظة على أسرار الدفاع والأسرار المهنية للموكلين.
وعلى الرغم من وضوح نص المادة 51 من قانون المحاماة المصري من حيث حظر تفتيش مكتب المحاماة إلا بمعرفة أحد أعضاء النيابة العامة، فإنه يمكن تأكيد هذا الحظر قانونًا من خلال نصوص قانون الإجراءات الجنائية بالقياس على سلطة ضبط الخطابات والرسائل وغيرها لدى مكاتب البريد، وهو قياس جائز من وجهة نظرنا كونه يصب في مصلحة المتهم ويمثل ضمانة إجرائية تحمي حقوق عملاء مكتب المحامي وأسرارهم المتعلقة بالدفاع. وبيان ذلك أن المادة 97/1 من قانون الإجراءات الجنائية المصري تُلزم قاضي التحقيق، وهو ما يسري على النيابة العامة في مصر حال توليها مهمة التحقيق57، بالاطلاع وحده دون غيره على الخطابات والرسائل والأوراق المضبوطة. كما تمنح المادة 97/2 من قانون الإجراءات الجنائية المصري قاضي التحقيق عند الضرورة سلطة تكليف أحد أعضاء النيابة العامة، وليس مأموري الضبط القضائي، بفرز الأوراق المضبوطة وفحصها.
فإذا كانت القواعد العامة الواردة في قانون الإجراءات الجنائية بشأن ضبط الأوراق بصفة عامة تُوجب على السلطة المختصة بالتحقيق الابتدائي أن تُباشر بنفسها مُطالعة وفرز وفحص الأوراق المضبوطة، وتحظر عليها ندب مأمور الضبط القضائي للقيام بفرز الأوراق أو الخطابات أو المستندات المضبوطة وفحصها58، فإن هذه القواعد تكون بذاتها واجبة التطبيق والاحترام حين يكون التفتيش محله مكتب المحاماة، والسند في ذلك أن التفتيش قد يقتضي، في بعض الظروف وتبعًا لمحل هذا التفتيش، الاطلاع على بعض الملفات أو المستندات والأوراق التي يضمها مكتب المحامي، فضلا عن فحصها ثم فرزها، الأمر الذي يعني إمكانية كشف ما تحتويه من أسرار الدفاع أو الأسرار المهنية عمومًا، فكان لزامًا والحالة هكذا توفير مثل هذه الضمانة الجوهرية لدى تفتيش مكتب المحاماة حفاظًا على أسرار المهنة من الإفشاء. وما يؤكد هذا الاستدلال المنطقي من وجهة نظرنا أن المادة 58 من قانون الإجراءات الجنائية المصري تُلزم مأمور الضبط القضائي بعدم إفشاء أية معلومات تكون قد وصلت إلى علمه بسبب التفتيش إلى غير ذي صفة، وذلك تحت طائلة العقاب المقرر لجريمة إفشاء الأسرار المنصوص عليها في المادة 310 من قانون العقوبات المصري59. وعلى الرغم من ذلك تحظر المادة 97 من قانون الإجراءات الجنائية المصري60 إمكانية ندب مأمور الضبط القضائي للاطلاع على الخطابات والرسائل والبرقيات وغيرها التي يجري ضبطها، كما تحظر عليه فرزها أو فحصها، وهو ما يشير إلى أهمية المحافظة على سرية الخطابات والمراسلات المتبادلة بين المواطنين، فما بالنا لو تعلق الأمر بمراسلات أو أوراق متبادلة بين المتهم ومحاميه وتتصل بأسرار الدفاع.
ثانيا: ملاءمة تمتع مكتب المحاماة بحرمة المسكن
بيَّـنَّا فيما سبق أن بعض الفقه يرى أن مكتب المحاماة يُعدُّ في حكم المسكن وبالتالي يتعين مراعاة أحكام تفتيش المسكن عندما تستلزم مصلحة التحقيق تفتيشه. ونحن مع اعترافنا بأهمية إحاطة مكاتب المحاماة بضمانات أوفر عند تفتيشها باعتبارها مستودعًا لأسرار المهنة والدفاع أمام المحاكم، فإننا لا نجد لهذه المساواة بين مكاتب المحاماة والمنازل أي سند من النصوص التشريعية. وفضلا عن ذلك، نرى أن الإشكالية القانونية بشأن تفتيش مكتب المحاماة لا تثور من الناحية العملية إلا عندما توجد قرائن أو أمارات تدل على إخفاء شيء في مكتب المحامي يفيد في كشف الحقيقة بشأن جريمة يُجْرَى التحقيق فيها، ويتبين أن المحامي صاحب المكتب ليس مساهمًا في هذه الجريمة بأية صورة من الصور ولا يعلم بإخفاء هذه الأشياء في مكتبه. حيث يكون المحامي صاحب مكتب المحاماة المراد تفتيشه غير متهم بارتكاب جريمة ما.
ونرى من الملائم تقنين هذه الحالة من خلال تدخل المشرع بنص صريح يمنح مكتب المحاماة في هذه الفرضية تحديدًا ضمانة إضافية تتمثل في وجوب الحصول على إذن القاضي قبل مباشرة إجراء تفتيش مكتب المحامي غير المتهم. وقد يتم ذلك بتعديل على المادة 51 من قانون المحاماة المصري وإضافة فقرة جديدة تحتوي على هذه الضمانة، أو بتعديل نص المادة 206 من قانون الإجراءات الجنائية المصري بإضافة فقرة جديدة بذات المضمون. فإذا كان التحقيق يتولاه قاضي تحقيق وفقًا للقانون المصري فإنَّ الإشكالية محل البحث لا يكون لها محل استنادًا لما يتمتع به قاضي التحقيق من ضمانات تُعادل، إن لم تكن تفضل، ما يتمتع به القاضي الجزئي من ضمانات. وبالمقابل إعادة صياغة نص المادة 35 من قانون المحاماة القطري على النحو الذي يوفر هذه الضمانات الإجرائية حال تفتيش مكتب المحاماة في جميع الأحوال دون استثناء.
والعلة من اقتراح المساواة في ضمانات التفتيش بين منزل غير المتهم ومكتب المحاماة عندما يكون المحامي غير متهم بارتكاب جريمة تتمثل في امتداد التفتيش إلى المساس بحقوق الغير. فالحكمة التي من أجلها قيد المشرع في المادة 206/3 من قانون الإجراءات الجنائية المصري61 سلطة النيابة العامة بشأن تفتيش منزل غير المتهم بضرورة الحصول على إذن مسبق ومسبب من القاضي الجزئي تتمثل في مساس التفتيش بأسرار الحياة الخاصة لغير المتهم62. وهو ما يتوافر بشأن تفتيش مكتب المحامي عندما يكون هذا الأخير غير متهم بارتكاب جريمة؛ حيث ينطوي التفتيش عندئذ على مساس بالأسرار المهنية للمحامي ولموكليه، تلك الأسرار التي يُفضي بها عملاء المحامي والمتهمون جنائيًّا بحريَّة واطمئنان من منطلق الثقة التي يضعونها في مكتب المحاماة باعتباره مكانًا آمنًا لحفظ أسرارهم الخاصة بأعمالهم وقضاياهم وأسرار دفاعهم أمام المحاكم.
ونظرًا لخصوصية مكتب المحامي المستمدة من أهمية المحافظة على أسرار الدفاع والعملاء عمومًا، فإنه يتعين أن تكون القرائن والأمارات التي تستند إليها النيابة العامة في طلبها تفتيش مكتب المحاماة قوية، وهذا لن يتأتى إلا بقيام مأموري الضبط القضائي بعمل تحريات جادة ودقيقة وكافية63. وبالإضافة إلى ذلك، يتعين أن يأتي تسبيب إذن التفتيش الذي سيصدر حينئذ من القاضي الجزئي، وفقا لما نقترحه، تسبيبا فعليًّا وجادًّا وليس مجرد تسبيب شكلي، ولن يتحقق ذلك إلا إذا قامت الجهة المختصة بإصدار أمر التفتيش بتدقيق وتمحيص ما يشتمل عليه محضر التحريات من معلومات64.
وإذا كانت القواعد العامة بشأن تفتيش منزل غير المتهم لا تجيز للقاضي الجزئي إلزام النيابة العامة بمباشرة تفتيش منزل غير المتهم بمعرفة أحد أعضائها؛ حيث يجوز لها ندب أحد مأموري الضبط القضائي لتنفيذ التفتيش؛ كون سلطة القاضي الجزئي تقتصر على منح الإذن أو حجبه وفقًا للضوابط التي ينص عليها القانون65، فإنه في حال تقنين التعديل المقترح أعلاه بشأن تفتيش مكتب المحامي غير المتهم، فإن سلطة القاضي الجزئي لن تخرج عن هذه الحدود، غير أن إلزام النيابة العامة بتنفيذ أمر التفتيش بمعرفة أحد أعضائها وليس عن طريق ندب أحد مأموري الضبط القضائي يكون حينئذ مصدره وأساسه القانوني والنص التشريعي.
الحماية المقررة للمحامي أثناء انعقاد جلسات المحاكم
نتناول في هذا المبحث ما يوفره القانون من حماية للمحامي أثناء ممارسة أعمال مهنة المحاماة أمام القضاء وخلال تواجده في جلسات المحاكم، ونعالج في هذا الخصوص عدم سريان الإجراءات الفورية للملاحقة الجنائية عن ارتكاب جرائم الجلسات من المحامي، ثم نبحث إشكالية القبض على المحامي أثناء تواجده في جلسات المحاكم لأداء مهام عمله في الدفاع أو المرافعة، وذلك في مطلبين متتاليين على النحو الآتي:
المطلب الأول
حماية المحامي ضد الإجراءات العاجلة
لإقامة الدعوى الجنائية عن جرائم الجلسات
تمنح القوانين المحاكم سلطة مباشرة العديد من الإجراءات الجنائية التي تكفل احترام مجالس القضاء وفرض هيبتها على الجميع، وتحقق الردع الفوري لمن يتجرأ على حرمتها أو يستهين بمقامها. وهذه الإجراءات منها ما هو مقرر لمواجهة الإخلال بنظام جلسات المحاكم66، أو لمواجهة ارتكاب جناية أو جنحة أثناء انعقادها67، ومنها ما يتمثل في سلطة المحكمة في الأمر بالقبض على المتهم بارتكاب جريمة أثناء انعقاد الجلسة68. والحقيقة أن التعرُّض لتفاصيل هذه القواعد القانونية يخرج عن النطاق المحدد لهذه الدراسة ولذلك نكتفي فيها بالإشارات الواردة في الهوامش ذات الصلة لكي يتمكن القارئ من الرجوع إليها عند الاحتياج.
ومراعاة لخصوصية مهنة المحاماة ولأهمية ممارسة حق الدفاع بحرية أمام المحاكم، استثنى المشرع الجرائم التي يرتكبها المحامي أثناء الجلسة من الخضوع للإجراءات المتبعة بشأن إقامة الدعوى الجنائية والحكم فيها بمعرفة المحكمة التي ارتُكِبت الجريمة في جلستها. وقد تعددت النصوص التشريعية المقررة لهذا الاستثناء؛ حيث ورد النص عليه في المادة 55 من قانون المحاماة القطري69، والمواد 12 و185 و186 من قانون الإجراءات الجنائية القطري70، المادة 245 من قانون الإجراءات الجنائية المصري71، والمادة 49/2 من قانون المحاماة المصري72، والمواد 104 و106 و107 من قانون المرافعات المدنية والتجارية المصري73.
ومُؤدَّى هذه النصوص جميعها أن القانون يقرر معاملة خاصة للمحامي المتواجد في جلسة المحاكمة لأداء مهام عمله بحيث لا يجوز للمحكمة أن تستعمل سلطتها المقررة قانونًا بشأن الإخلال بنظام الجلسة أو ارتكاب جريمة أثناء انعقادها حال وقوع هذه الجريمة أو ذاك الإخلال من المحامي، وذلك خلافًا لما عليه الحال عند حدوث الإخلال أو ارتكاب الجريمة ممن لا يحمل صفة المحامي. فلا يجوز للمحكمة التي وقع الإخلال أو ارتُكبت الجريمة في جلستها إقامة الدعوى الجنائية ضد المحامي والحكم فيها، وتقتصر سلطتها على توجيه الاتهام وإحالة الأمر إلى النيابة العامة لمباشرة إجراءات التحقيق74. وسوف نقسم هذا المطلب إلى فرعين نتناول في أولهما حدود استثناء المحامي من إجراءات إقامة الدعوى الجنائية عن جرائم الجلسات ومبررات ذلك الاستثناء، ونتناول في ثانيهما مظاهر حماية المحامي أثناء تواجده في الجلسة لأداء مهام مهنته.
الفرع الأول
حدود استثناء المحامي
من الإجراءات المقررة بشأن جرائم الجلسات
بداية يتعين الإشارة إلى أن الحماية المقررة للمحامي أثناء مباشرة مهام عمله في جلسات المحاكم لا تعني إعفاءه من المسؤولية الجنائية أو التأديبية عما يرتكبه من جرائم أو مخالفات تأديبية أثناء انعقاد أي من هذه الجلسات واستحقاق العقاب المقرر قانونًا لأي منها حال ثبوتها. ذلك أن هذه الحماية لا تخرج عن كونها حماية إجرائية في مواجهة إجراءات إقامة الدعوى والحكم فيها بصورة عاجلة؛ وهي حماية مستمدة من كون المحامي يباشر دورًا أساسيًّا في معاونة القضاة من أجل تحقيق العدالة. ولذلك منح القانون لرئيس جلسة المحاكمة الحق في تحرير مذكرة أو محضر يثبت فيه ما وقع من المحامي وإحالته للنيابة العامة لاتخاذ شؤونها وإحالته إلى إدارة شؤون المحاماة وفقا للقانون القطري، أو إخطار نقابة المحامين الفرعية المختصة وفقا للقانون المصري75، وذلك دون منحه الحق في اتباع الإجراءات المخوَّلة له قانونًا في حال كان المتهم بارتكاب إحدى جرائم الجلسات لا يحمل صفة محام يباشر مهام عمله في الجلسة.
وتجدر الإشارة كذلك إلى أن هذه الحماية المقررة للمحامي ضد إجراءات جرائم الجلسات أو الإخلال بنظامها ليست مقررة للمحامي شخصيًّا، فهي ليست حماية أو حصانة شخصية، وإنما هي حماية تستهدف تمكينه من أداء مهام عمله في الجلسة بطمأنينة من منطلق الاحترام الواجب لمهنة المحاماة وتطبيقا لما تنص عليه المادة 49/1 من قانون المحاماة المصري على أن: "للمحامي الحق في أن يعامل من المحاكم وسائر الجهات التي يحضر أمامها بالاحترام الواجب للمهنة."
ومن هذا المنطلق ثار خلاف في الفقه، منبعه اختلاف عبارات النصوص التشريعية ذات الصلة، حول حدود سريان هذه الحماية. فذهب البعض إلى أن الاستفادة من هذه الحماية تقتصر على المحامي أثناء قيامه بواجبه في الجلسة وبسببه، وذلك نزولا على عبارة نص المادة 245 من قانون الإجراءات الجنائية المصري76. ومُؤدَّى هذا الرأي أنه إذا لم يكن المحامي قائمًا بممارسة مهام عمله فعليًّا في الجلسة، أو كان ما ارتكبه منقطع الصلة بعمله، جرى معاملته كغيره من جمهور الحاضرين.
في حين يذهب البعض الآخر، وهو الرأي الغالب فقهيًّا، إلى أن هذه الحماية تسري على المحامي أثناء وجوده بالجلسة لأداء واجبه أو بسببه، إعمالا لعبارة نص المادة 49 من قانون المحاماة المصري، باعتبار أن هذا القانون الأخير هو الواجب التطبيق كونه اللاحق من حيث الصدور77، فضلًا عن أن عبارة نص قانون المحاماة تشمل الحالتين معا78؛ أي حالة قيام المحامي بممارسة أعمال مهنته فعليًّا في الجلسة، وحالة وجوده في الجلسة لأداء مهمة الدفاع في الدعوى المُوكَّل فيها ولو كان وقت نظر دعواه لم يأتِ بعد79. وهذا الرأي الأخير هو الواجب الاتباع إعمالًا لحكم الصياغة الواردة بنص المادة 55 من قانون المحاماة القطري والمادة 186 من قانون الإجراءات الجنائي القطري، تلك الصياغة التي تشمل المحامي المتواجد بجلسة إحدى المحاكم لأداء واجبه أو بسببه.
ومن جانبنا نميل إلى تأييد الاتجاه الأخير ليس فقط من منطلق كون نص قانون المحاماة هو الواجب التطبيق باعتباره النص اللاحق والخاص في ذات الوقت بالنسبة لقانون الإجراءات الجنائية، وليس فقط من منطلق ما ينص عليه قانون المرافعات من ضرورة مراعاة أحكام قانون المحاماة في هذا الشأن، وإنما كذلك من منطلق الحرص على حقوق المتقاضين وكفالة حق الدفاع للمتهمين. فقصر نطاق الحماية المقررة بموجب النصوص المشار إليها أعلاه على المحامي أثناء أو بسبب قيامه فعليًّا بمهام عمله في الجلسة ينعكس سلبًا على أداء المحامي ويخل بالاحترام الواجب لمهنة المحاماة، فضلا عما يمكن أن يسببه ذلك من تعطيل لنظر الدعاوى والفصل فيها. وبالمقابل فإنه وطالما أن هذه الحماية الإجرائية مقررة لمهنة المحاماة ذاتها ولكفالة ممارسة أعمالها بحرية وطمأنينة، فإنها تمتد فقط إلى المحامين المتواجدين في الجلسة ممن لهم دعاوى منظورة أمام المحكمة، ولا تمتد لغيرهم من المحامين الحاضرين لمجرد الاستماع للمرافعات أو متابعة دعاوى لا وكالة لهم فيها أو أولئك الذين انتهى نظر الدعاوى الحاضرين فيها.
وتتمثل علة استثناء المحامي من الإجراءات العادية المقررة بشأن جرائم الجلسات في تمكينه من أداء مهمته المتعلقة بالدفاع في أجواء من الحرية والاطمئنان80، وهو ما ينعكس إيجابًا على مهمته التي تستهدف مشاركة القضاء في تحقيق العدالة. وفضلا عن ذلك، فإن المحامي يتمتع بمركز قانوني مختلف عن غيره من الجمهور الحاضر في الجلسة، هذا المركز يستند إلى دوره كمدافع عن المتهم أو كممثل لأحد الخصوم في الدعوى، وهو ما يقتضي إقرار حماية خاصة أثناء قيامه بدوره في جلسات المحاكم تختلف عن تلك المقررة بشأن الآخرين81.
ومن الناحية العلمية، فإن العلة من استثناء المحامي من إجراءات جرائم الجلسات، وخاصة ما يتعلق منها بإقامة الدعوى الجنائية والحكم فيها بصورة فورية، تتمثل في تجنب مباشرة إجراءات المحاكمة، حال استمرارها بطبيعة الحال، في أجواء مشحونة بالغضب أو التوتر. بينما إرجاء محاكمة المحامي عن جريمته أمام محكمة أخرى غير التي وقعت الجريمة في جلستها يجعل محاكمته تتم في أجواء من الهدوء بعيدًا عن التوتر، لأنها ستُجرَى حينئذ أمام قضاة آخرين تتوافر فيهم الحيادية كونهم ليسوا خصومًا وحكمًا في ذات الوقت. كما أن هذا التراخي في الوقت بين وقوع جريمة المحامي في الجلسة وبين الفصل فيها في جلسة أخرى قد يفتح الباب أمام الصلح بين المحامي وبين هيئة المحكمة التي وقعت الجريمة في جلستها، وهو ما يساعد على عودة الوئام بين القضاة والمحامين على نحو يعود بالنفع على حسن سير مرفق العدالة82.
الفرع الثاني
مظاهر حماية المحامي
أثناء تواجده في الجلسة لأداء مهام عمله
للوقوف على نطاق الحماية المقررة للمحامي، أثناء تواجده في الجلسة لممارسة أعمال مهنته، نرى تناول الموضوع من عِدَّة زوايا مختلفة: أولها يتعلق بإخلال المحامي بنظام الجلسة، وثانيها يتعلق بارتكاب المحامي جريمة أثناء تواجده في الجلسة لممارسة أعمال مهنته، وثالثها يتعلق بارتكاب المحامي جريمة تعدٍّ على هيئة المحكمة أو أحد قضاتها أو أي من العاملين بالمحكمة. وسوف نبين سلطة المحكمة في كل فرضية للوقوف على ما يوفره القانون للمحامي من حماية بخصوص كل منها. وسنخصص لإمكانية القبض على المحامي أثناء أداء أعمال مهنته في الجلسة مطلبًا تاليًا نظرًا لما تثيره هذه المسألة من إشكاليات خاصة83.
أولا: إخلال المحامي بنظام الجلسة
إذا وقع الإخلال بنظام الجلسة من المحامي المتواجد في جلسة المحاكمة لأداء مهمته في الدفاع أو المرافعة عن المتهم أو موكله عمومًا، فإنه لا يجوز تطبيق أي من المواد 185 من قانون الإجراءات الجنائية القطري أو 243 من قانون الإجراءات الجنائية المصري أو 104 من قانون المرافعات المصري. ومُؤدَّى ذلك أنه لا يجوز لرئيس الجلسة إصدار أوامره بإخراج المحامي من الجلسة، كما لا يجوز للمحكمة الحكم عليه بالحبس لمدة أربع وعشرين ساعة أو الغرامة المقررة حال تماديه في هذا الإخلال. والأساس القانوني في ذلك مستمد من نصوص المواد 185 و186 من قانون الإجراءات الجنائية القطري والمادة 55 من قانون المحاماة القطري، وكذلك المادة 245 من قانون الإجراءات الجنائية المصري والمادة 49/2 من قانون المحاماة المصري، التي تنص كل منها صراحة على استثناء المحامي من الخضوع للإجراءات القانونية المقررة حال ارتكابه أثناء قيامه بواجبه في الجلسة أو بسببه تشويشا مُخلًّا بالنظام في الجلسة. وفي ذات السياق فإن المادة 104 من قانون المرافعات المدنية والتجارية المصري قيدت سلطة رئيس الجلسة أو المحكمة التي يرتكب المحامي في جلستها إخلالًا بالنظام بمراعاة أحكام قانون المحاماة.
وتجدر الإشارة من جديد إلى أن هذه الحماية ليست مقررة لشخص المحامي، وإنما تستهدف حماية مهنة المحاماة ذاتها ممثلة في المحامي الذي يُمارس أعمالها في الجلسة بما يستوجب حفظ كرامته واعتباره أمام زملائه وموكليه. وفضلا عن ذلك فإن هذه الحماية تصب في النهاية في ضمان حق المتهم في الدفاع أمام المحاكم، حيث إن إخراج المحامي من قاعة المحكمة يترتب عليه إخلال بحق الدفاع، فضلًا عن عدم قانونية استمرار إجراءات نظر الدعوى في بعض الحالات كما في الجنايات على سبيل المثال.
وفي هذه الحالة لا تملك المحكمة سوى رفع الجلسة إذا قدرت صعوبة الاستمرار في انعقادها نظرًا لاستمرار المحامي في الإخلال بنظامها. ويجوز للمحكمة العودة لعقد الجلسة إذا تهيأت الظروف لذلك أو إصدار قرار بتأجيلها إذا اقتضى الحال ذلك. وفي جميع الأحوال، يجوز للمحكمة، وفقًا للقانون المصري، تحرير مذكرة أو محضر بالواقعة وإحالتها إلى رئيس المحكمة، والمقصود هنا الرئيس الإداري للمحكمة الابتدائية أو محكمة الاستئناف على حسب الأحوال، وإخطار نقابة المحامين الفرعية المختصة باعتبار أن ما وقع من المحامي يستوجب مؤاخذته تأديبيًّا. وبالمقابل فإنه وفقا للقانون القطري يحرر رئيس الجلسة محضرًا بما حدث من المحامي، ويجوز للمحكمة إحالة المحامي للتحقيق أمام الجهة المختصة بمساءلة المحامين تأديبيًّا وهي إدارة شؤون المحاماة بوزارة العدل لاتخاذ الإجراءات التأديبية بحقه طبقًا لأحكام قانون المحاماة، على أن تخطر لجنة قبول المحامين بما تنتهي إليه الإجراءات للتصرف في التحقيق. وتتمثل حدود سلطة لجنة قبول المحامين في الآتي: إما حفظ التحقيق في حال رأت عدم وجود داعٍ لرفع الدعوى التأديبية، أو تطلب من إدارة شؤون المحاماة إقامة الدعوى التأديبية أمام مجلس تأديب المحامين، أو إعادة الأوراق لإدارة شؤون المحاماة لاستكمال التحقيق إذا رأت أن نقصًا يشوبه، ولا تملك لجنة قبول المحامين توقيع أي جزاء تأديبي على المحامي84، وذلك كله إعمالًا لنصوص المواد 66 و67 من قانون المحاماة القطري رقم 23 لسنة 2006 المعدل بالقانون رقم 1 لسنة 201885.
وعلى أية حال، لا يوجد ـــ قانونًا ـــ ما يمنع رئيس الجلسة من استدعاء المحامي لغرفة المداولة والتنبيه عليه بالتزام الهدوء وعدم التشويش أثناء انعقاد الجلسة، حرصًا على توفير السكينة اللازمة لسير العمل القضائي ولتحقيق العدالة التي تُساهم فيها مهنة المحاماة. وفي هذا الصدد يتعين الإشارة إلى المادة 67 من قانون المحاماة المصري التي تنص على أن: "يراعي المحامي في مخاطبته المحاكم عند انعقادها أن يكون ذلك بالتوقير اللازم وأن يعمل على أن تكون علاقته بأعضاء الهيئات القضائية قائمة على التعاون والاحترام المتبادل." وهذا النص في غاية الأهمية؛ لأنه يحدث توازنًا بين حق المحامي المنصوص عليه في المادة 49/1 من قانون المحاماة المصري86، وبين واجبه تجاه هيئة المحكمة والقضاة المنصوص عليه في المادة 67 المشار إليها أعلاه. كما أن المادة 50 من قانون المحاماة القطري تنص على أنه: "على المحامي أن يلتزم في سلوكه المهني والشخصي، بمبادئ الشرف والأمانة والنزاهة، وأن يقوم بجميع الواجبات التي يفرضها عليه القانون وآداب المحاماة وتقاليدها." ومما لا شك فيه أن هذا الاحترام والتعاون المتبادل بين المحامين وبين سلطة التحقيق والقضاة يرسخ لعلاقة طيبة بينهم87.
ثانيا: ارتكاب المحامي جريمة أثناء تواجده في الجلسة
إذا ارتكب المحامي المتواجد في الجلسة لأداء مهمته في الدفاع عن المتهمين أو مصالح موكليه جريمة أثناء انعقادها، سواء كانت هذه الجريمة جناية أم جنحة أم مخالفة، يمتنع على المحكمة، ولو كانت محكمة جنائية، أن تقيم الدعوى الجنائية على المحامي أو تصدر حكمًا فيها بطبيعة الحال، أو مباشرة أي إجراء من إجراءات التحقيق بشأنها. ويجوز لها فقط تحرير محضر بما حدث وإحالته إلى النيابة العامة لمباشرة التحقيق مع المحامي المتهم واتخاذ شؤونها وفقًا للقانون، على أن يتم إخطار لجنة قبول المحامين وفقًا للقانون القطري أو نقابة المحامين الفرعية المختصة وفقًا للقانون المصري بما تنتهي إليه الإجراءات. ومُؤدَّى ذلك استثناء المحامي من الخضوع لما تنص عليه المواد 12 من قانون الإجراءات الجنائية القطري و64 من قانون المرافعات المدنية والتجارية القطري، وكذلك المواد 244 من قانون الإجراءات الجنائية المصري، و206 من قانون المرافعات المدنية والتجارية المصري.
والأساس القانوني لهذا الاستثناء يتمثل في نصوص المواد 186 من قانون الإجراءات الجنائية القطري و55 من قانون المحاماة القطري، وبالمقابل المواد 245 من قانون الإجراءات الجنائية المصري، و49/2 من قانون المحاماة المصري. فعبارات نصوص هذه المواد التشريعيَّة من الوضوح والصراحة التي تقطع بعدم جواز إخضاع المحامي، الذي يرتكب جريمة ما أثناء تواجده في الجلسة لأداء مهام عمله أو بسبب أداء هذه المهام، لإجراءات إقامة الدعوى الجنائية والحكم فيها بمعرفة المحكمة التي وقعت الجريمة في جلستها. وما يؤكد حظر إقامة الدعوى الجنائية والحكم فيها بمعرفة قضاة المحكمة التي ارتكب المحامي جريمته أثناء انعقاد جلستها، ما تنص عليه المادة 186 من قانون الإجراءات الجنائية القطري، والفقرة الأخيرة من المادة 245 من قانون الإجراءات الجنائية المصري من عدم جواز أن يكون رئيس الجلسة التي ارتُكِبت الجريمة فيها أو أحد أعضاء هذه المحكمة عضوًا في هيئة المحكمة التي تنظر الدعوى، وذلك على فرض أن النيابة العامة قد أقامت الدعوى الجنائية على المحامي لاحقًا عقب انتهاء تحقيقاتها. وقد أكدت على هذا المعنى أيضًا المادة 55/2 من قانون المحاماة القطري حيث حظرت على رئيس الجلسة التي وقعت فيها المخالفة المنسوبة إلى المحامي أو أي من أعضائها، المشاركة في عضوية مجلس تأديب المحامين أو المحكمة التي تحاكم المحامي تأديبيًّا أو جنائيًّا، أو في المحكمة التي تنظر الطعن في القرار الصادر من مجلس التأديب88. ووجه الاستدلال من هذه النصوص التشريعيَّة المشار إليها أن القانون يحظر على المحكمة التي ارتكب المحامي جريمة أثناء انعقاد جلستها أن تكون هي ذاتها التي تفصل في الدعوى الجنائية الناشئة عنها. ونرى أن ذلك الحكم يبرره الحرص على تجنب كل ما من شأنه تعكير صفو العلاقة المهنية بين القضاة والمحامين الهادفة في النهاية إلى تحقيق العدالة، خاصة أن المحامي باعتباره صاحب مهنة يتردد على المحاكم ويحضر أمام الدوائر ذاتها في العديد من الدعاوى المُوكَّل فيها، وذلك على خلاف غيره من الحاضرين جلسات المحاكم، والذين غالبًا ما تكون صلتهم بهذه الجلسات عابرة أو غير متكررة.
وتجدر الإشارة في هذا الصدد إلى أن قانون المحاماة المصري يقرر ضمانة خاصة للمحامي لدى مثوله أمام النيابة العامة؛ حيث يتعين على النيابة العامة أثناء التحقيق مع المحامي المتهم بجريمة خاصة بأعمال مهنته أن تراعي الضمانة الواردة في المادة 51/2 من قانون المحاماة المصري التي تنص على أنه: "ويجب على النيابة العامة أن تخطر مجلس النقابة أو مجلس النقابة الفرعية قبل الشروع في تحقيق أية شكوى ضد محامٍ بوقت مناسب. وللنقيب أو رئيس النقابة الفرعية إذا كان المحامي متهمًا بجناية أو جنحة خاصة بعمله أن يحضر هو أو من ينيبه من المحامين، التحقيق." ومُؤدَّى هذه الضمانة أن النيابة العامة تلتزم فقط بإخطار نقابة المحامين أو النقابة الفرعية المختصة قبل مباشرة إجراءات التحقيق مع المحامي بمدة معقولة تسمح بحضور نقيب المحامين أو من ينيبه حضور التحقيق صحبة المحامي المتهم. فإذا لم يحضر نقيب المحامين أو لم يحضر من ينيبه خلال وقت معقول، فإنه يجوز للنيابة العامة بدء إجراءات التحقيق مع المحامي المتهم فورًا؛ لأن المشرع جعل حضور نقيب المحامين أو من ينيبه مسألة تقديرية لهم، بحيث لا يترتب على عدم حضورهم التحقيق أي بطلان شريطة قيام النيابة العامة بواجبها في إخطارهم على النحو الموضح أعلاه.
وبالمقابل يكتفي قانون المحاماة القطري بأن يتم التحقيق مع المحامي المتهم بمعرفة عضو نيابة عامة لا تقل درجته الوظيفية عن رئيس نيابة، وذلك وفقًا لما ورد النص عليه في المادة 35 من قانون المحاماة القطري89. والحقيقة أننا لو اعتبرنا المحامي متلبسًا بالجريمة التي ارتكبها أثناء تواجده في جلسة المحكمة لأداء واجبه أو بسببه فإن هذه الضمانة المتمثلة في صفة القائم بالتحقيق الجنائي مع المحامي تضحي غير ذي موضوع، نظرًا لأن المادة 35 من قانون المحاماة القطري استثنت من مراعاة الضمانات المنصوص عليها فيها حال التلبس بالجريمة. ويترتب على ذلك تفريغ الحماية المقررة للمحامي أثناء ممارسة أعمال مهنته من مضمونها، الأمر الذي يجعل من الملائم، وعلى نحو ما بينا في مواضع سابقة، تعديل نص المادة 35 من قانون المحاماة القطري.
ثالثا: ارتكاب المحامي جنحة تعدٍّ على هيئة المحكمة
يثور التساؤل حول ما إذا كان المحامي يستفيد من الحماية المقررة له استثناء من إجراءات إقامة الدعوى الجنائيَّة ضده والحكم عليه فيها من المحكمة التي وقعت الجريمة أثناء انعقاد جلستها حال ارتكابه جريمة أثناء قيامه بأعمال مهنته في الجلسة عندما تتجسد هذه الجريمة في واقعة تعدٍّ، جسدي أو لفظي أو بالإشارة، على هيئة المحكمة أو على أحد قضاتها أو على أي ممن يدخلون في تشكيل المحكمة بحكم القانون أو أحد العاملين فيها، أم أنه يخضع في هذه الحالة للقواعد القانونية العامة المقررة عندما تُرتكب هذه الجريمة من أي شخص من الجمهور الحاضر في الجلسة؟
والإجابة على هذا التساؤل بسيطة وواضحة في القانون القطري؛ حيث لا تقرر النصوص التشريعية ذات الصلة وضعًا خاصًّا للمحامي في هذه الفرضية محل البحث، وبالتالي لا يوجد ـــ قانونًا ـــ ما يفيد إمكانية استثناء المحامي من الخضوع للقواعد التي تقرر إقامة الدعوى من المحكمة المجني عليها والحكم فيها فورًا. ولتوضيح هذا الحكم القانوني نشير بداية المادة 65/1 من قانون المرافعات المدنية والتجارية القطري التي تنص على أنه: "للمحكمة أن تحاكم من تقع منه أثناء انعقادها جنحة تعدٍّ على هيئتها أو على أحد أعضائها أو أحد العاملين بالمحكمة، وتحكم عليه فورًا بالعقوبة." ثم جاءت المادة 55/3 من قانون المحاماة القطري حاسمة في هذا الشأن بنصها على أنه: "واستثناء من أحكام الفقرة الأولى، يجوز للمحكمة أن تحاكم المحامي إذا وقعت منه جنحة التعدي المنصوص عليها في المادة 65 من قانون المرافعات المدنية والتجارية الصادر بالقانون رقم 13 لسنة 1990." ومُؤدَّى إعمال حكم هذه الفقرة الثالثة من المادة 55 من قانون المحاماة القطري أن استثناء المحامي من الخضوع لإجراءات إقامة الدعوى الجنائية والحكم فيها فورًا من المحكمة التي وقعت الجريمة في جلستها لا يمتد إلى حالة ارتكابه جنحة تعدٍّ على هيئة المحكمة أو على أحد أعضائها أو أحد العاملين بالمحكمة، وإن ترك الأمر في النهاية لتقدير المحكمة التي وقعت الجريمة في جلستها بحيث يجوز لها مباشرة إجراءات إقامة الدعوى الجنائية ضد المحامي المتهم وإصدار الحكم فيها فورًا أو تحرير محضر بالواقعة وإحالة المحامي للنيابة العامة وفقًا للقواعد العامة. فإذا استقرأنا نص المادة 12 من قانون الإجراءات الجنائية القطري الذي يتناول ذات الفرضية نجده لا يتضمن أي استثناء بشأن المحامي المتهم ارتكابه جنحة تعدٍّ على هيئة المحكمة أو على أحد العاملين بها فيخضع حينها لذات الإجراءات الفورية إذا قدرت المحكمة ذلك. وفي جميع الأحوال ووفقًا لنصوص المادتين: 65 من قانون المرافعات المدنية والتجارية القطري والمادة 12 من قانون الإجراءات الجنائية القطري فإن الحكم الصادر من المحكمة ضد المحامي المتهم وفقًا لإجراءات المحاكمة الفورية يكون نافذًا ولو حصل استئنافه.
وبالمقابل فإن الإجابة على هذا التساؤل فيما يتعلق بالوضع في القانون المصري ليست باليسيرة وسنحاول بيان الحل القانوني لهذه الإشكالية في ضوء النصوص التشريعية السارية إعمالًا لمبدأ سيادة القانون، وسنبدي رأينا ومقترحاتنا التي يمكن أن تُعالج خللًا تشريعيًّا أو تُهيِّئُ الظروف لبيئة قضائية تفرض احترام هيبة المحكمة وقضاتها وتحول دون التضحية بكرامة المحامي واعتباره.
فمن ناحية أولى، تنص المادة 107/1 من قانون المرافعات المدنية والتجارية المصري على أنه: "مع مراعاة أحكام قانون المحاماة للمحكمة أن تحاكم من تقع منه أثناء انعقادها جنحة تعدٍّ على هيئتها أو على أحد أعضائها أو أحد العاملين بالمحكمة وتحكم عليه فورًا بالعقوبة.90" ومُؤدَّى هذا النص صراحة وجوب مراعاة ما يتضمنه قانون المحاماة من قواعد تتعلق بارتكاب جنحة تعدٍّ على هيئة المحكمة ذاتها أو على أحد قضاتها أو على أحد العاملين بالمحكمة91. وبالرجوع لقانون المحاماة المصري فإن مادته 49/2 جاءت عباراتها عامة بشأن جرائم الجلسات دون أن تستثني من هذه الجرائم تلك الواقعة على هيئة المحكمة أو أحد قضاتها. ومحصلة ذلك هو استثناء المحامي من الخضوع للأحكام الخاصة بجرائم الجلسات المنصوص عليها في قانون المرافعات وقانون الإجراءات الجنائية، وهو ما يعني قطعًا عدم سريان حكم المادة 107 من قانون المرافعات المصري على المحامي الذي يرتكب جنحة التعدي المشار إليها أعلاه أثناء تواجده في الجلسة لأداء مهام عمله أو بسببه.
وبالإضافة إلى ذلك، فإنه يمكن الوصول إلى ذات الاستدلال بنص المادة 107 من قانون المرافعات ذاته، تلك المادة التي تُعطي المحكمة سلطة إقامة الدعوى الجنائية والحكم فيها على سبيل الاستثناء عندما تكون الجريمة المرتكبة جنحة تعدٍّ على هيئة المحكمة، في حين تحظر المادة 106 من قانون المرافعات على المحكمة استعمال هذه السلطة فيما عدا ذلك من جرائم جلسات أيًّا كان مرتكب الجريمة. ووجه الاستدلال بهذه النصوص أن المادة 107 من قانون المرافعات تسري فقط بشأن نوعية واحدة من الجرائم وهي جنح التعدي على هيئة المحكمة أو على أحد قضاتها أو أحد العاملين بها92، وعندما تُقيِّد سريانها في هذا الخصوص بمراعاة الأحكام المنصوص عليها في قانون المحاماة المصري، دلَّ ذلك على وجوب استثناء المحامي من الخضوع لحكم المادة 107 من قانون المرافعات، بمعنى انحصار سلطة المحكمة في إثبات الواقعة وإحالة المحامي المتهم إلى النيابة العامة دون التحقيق أو إقامة الدعوى وبطبيعة الحال دون الحكم فيها93 لا عاجلًا ولا آجلًا.
ومن ناحية ثانية، جاءت عبارات نص المادة 245 من قانون الإجراءات الجنائية المصري عامّة من حيث الاستثناء المقرر فيها لصالح المحامي، وتوضيح ذلك أن المادة 244/1 من قانون الإجراءات الجنائية المصري التي تعطي للمحكمة التي ارتُكِبت أية جنحة أو مخالفة في جلستها سلطة إقامة الدعوى الجنائية على المتهم والحكم فيها، لم تميز بين ما إذا كانت الجريمة المرتكبة مُوجَّهة ضد القضاة أنفسهم أم ضد غيرهم من المتواجدين في جلسة المحاكمة؛ حيث جاء نصها مُطلقا يشمل كافة الجنح والمخالفات التي تقع في الجلسة بصرف النظر عن مرتكبها أو صفة المجني عليه فيها94، أي سواء وقعت الجريمة على القضاة أم على غيرهم95. وبناء عليه، إذا كان المتهم في جريمة إهانة المحكمة خلال انعقاد الجلسة محاميًا يُؤدي أعمال مهنته في الجلسة، فإن إجراءات ملاحقته جنائيًّا تخضع لقواعد خاصة وفقًا لما هو منصوص عليها في المادة 245 من قانون الإجراءات الجنائية المصري والمادة 49 من قانون المحاماة المصري، بحيث تقتصر سلطة المحكمة على الإحالة إلى النيابة العامة دون إقامة الدعوى الجنائية أو الحكم فيها96. فحماية المحامي أثناء أداء واجبه في الجلسة من إجراءات جرائم الجلسات تمتد إلى كل ما يقع منه بالجلسة على الإطلاق97.
ومن ناحية ثالثة، لو افترضنا عدم وضوح عبارات نص المادة 244 من قانون الإجراءات الجنائية المصري بشأن انصرافها إلى جنحة التعدي على هيئة المحكمة أو قضاتها أو العاملين بها من عدمه، فليس هناك ما يمنع قانونًا من الاستئناس والاسترشاد بنص المادة 107 من قانون المرافعات المدنية والتجارية المصري لاستجلاء هذا الغموض، على فرض وجوده. ذلك أنه لا يوجد ما يحول دون قيام المحكمة الجنائية، وإن كانت غير ملزمة بتطبيق نصوص قانون المرافعات، من الاستئناس والاسترشاد بهذه الأخيرة لاستجلاء غموض أو نقص ما في نصوص قانون الإجراءات الجنائية98، خاصة عندما يكون هذا الاسترشاد بنصوص قانون المرافعات لا يتعارض مع المبادئ السائدة في قانون الإجراءات الجنائية، تلك المبادئ النابعة من جوهر الخصومة والدعوى الجنائية، ومن هذه المبادئ العامة أصل البراءة في المتهم وحقه في الدفاع عن نفسه99، وكذلك مبدأ الفصل بين سلطتي الاتهام والحكم. وبناء على ذلك، نرى ضرورة التقيد بمضمون نص المادة 107 من قانون المرافعات المدنية والتجارية المصري فيما تنص عليه من مراعاة قانون المحاماة، وبما مُؤدَّاه عدم جواز إقامة الدعوى الجنائية والحكم فيها فورًا على المحامي المتهم بارتكاب جنحة تعدٍّ على هيئة المحكمة أو على أحد أعضائها أو العاملين بها أثناء انعقادها طالما وقعت هذه الجريمة من المحامي أثناء تواجده في جلسة المحاكمة لأداء مهام عمله أو بسبب ذلك، وسواء كانت المحكمة التي وقعت جنحة الإهانة في جلستها محكمة مدنية أم جنائية.
وخلاصة ما تقدم، أن استثناء المحامي وفقا للقانون المصري من الخضوع لإجراءات جرائم الجلسات يظهر بصورة جلية في مجال جنحة التعدي على هيئة المحكمة أو أحد أعضائها أو أحد العاملين فيها؛ حيث لا تملك المحكمة قانونًا ـــ سواء كانت محكمة جنائية أم محكمة غير جنائية ـــ إقامة الدعوى الجنائية ضد المحامي المتهم وإصدار الحكم فيها طالما اتصل ارتكابها بأداء المحامي أعمال مهنته في الجلسة100. والحكمة في ذلك تكمن في كفالة قيام المحامي بواجبه في الجلسة بحرية وطمأنينة وتجنب تعسف المحكمة في إنزال وصف التجريم على سلوك المحامي على خلاف حقيقة الواقع، خاصة أن المحكمة هي المختصة بخلع وصف جرائم الجلسات على ما يرتكب في جلستها101، فكان من الأفضل أن يترك سلطة تقدير ذلك والحكم بشأنه لمحكمة أخرى محايدة102.
فحكم القاضي وهو غاضب لن يلقى قبولا مهما كانت الجريمة المرتكبة جسيمة، وهي كذلك في هذه الفرضية من دون أدنى شك كونها مُوجَّهة إلى المحكمة أو قضاتها وهم في محرابهم وحصنها يؤدون مهمتهم في إقامة العدالة وفرض سيادة القانون. غير أن إمساك القاضي بسلطة تكييف الواقعة ابتداء، وما إذا كانت تشكل تعديًا على هيئتها أو أحد قضاتها أو أحد العاملين بها أثناء انعقاد جلستها، ثم منحها سلطة إقامة الدعوى الجنائية والحكم فيها، أخذًا في الاعتبار أن المتهم محاميًا يُؤدِّي ـــ بدوره ـــ أعمال مهنته في الدفاع عن المتهمين ومصالح مُوكِّليه، قد يُوحي بتعسف المحكمة واستعمالها ما يمنحه القانون لها من سلطات خارج إطارها المرسوم لها، وإن كانت الواقعة المنسوبة للمحامي في حقيقتها صحيحة التكييف ومستحقة العقاب الرادع. ولذلك نرى أن اعتبارات الملاءمة، فضلا عن القانونية، تستوجب اقتصار سلطة المحكمة في هذه الحالة على تحريك الدعوى الجنائية ضد المتهم وإحالته للنيابة العامة لمباشرة إجراءات التحقيق الابتدائي، ومن ثم إحالته من النيابة العامة حال توافر الأدلة الكافية على الاتهام لمحاكمة عاجلة تحقيقًا للردع الذي تستلزمه مثل هذه الجريمة.
وقد هدانا بحثنا إلى حكم صادر من محكمة النقض المصرية، نعتقد أنه يحسم المسألة من الناحية العملية كذلك، قضت بموجبه أنه: "لما كان مقتضى نص المادة 245 من قانون الإجراءات الجنائية، والمادتين 49، 50 من قانون المحاماة أنه إذا وقع من المحامي أثناء قيامه بواجبه في الجلسة وبسببه ما يستدعي مُؤاخذته جنائيًّا فإن رئيس الجلسة يحرر محضرًا بما حدث وتتم إحالته إلى النيابة العامة لإجراء التحقيق، ولا يجوز تحريك الدعوى الجنائية في هذه الحالة إلا بصدور أمر من النائب العام أو من ينوب عنه من المحامين العامين الأول. لما كان ذلك، وكان الثابت من مدونات الحكم المطعون فيه أن المحكمة قضت بحبس الطاعن وهو محامٍ لمدة سنة مع الشغل لارتكابه جريمة إهانة المحكمة أثناء مثوله بالجلسة لتأدية واجبه بعد أن أمر ممثل النيابة العامة الحاضر بالجلسة بتحريك الدعوى الجنائية قِبله، دون أن تفطن المحكمة لمُؤدَّى المواد ـــ سالفة البيان ـــ، فإنها تكون قد أخطأت في تطبيق القانون، مما يتعين معه نقض حكمها المطعون فيه وتصحيحه بالقضاء بعدم قبول الدعوى الجنائية103."
المطلب الثاني
مدى قانونية أمر القبض على المحامي
أثناء أداء مهام عمله في الجلسة
يمثل إجراء القبض على المتهم مساسًا بالحرية الشخصية ولو لفترة محدودة من الزمن، ولذلك تضع التشريعات المقارنة العديد من الشروط والضوابط التي تكفل عدم التعسف في اللجوء إلى هذا الإجراء104. والقبض على المتهم يُقصد به من الناحية العملية الإمساك به وتقييد حريته في الحركة فترة من الزمن إلى حين عرضه على النيابة العامة باعتبارها السلطة المختصة بمباشرة إجراءات التحقيق الابتدائي105.
وقد منح القانون لرئيس المحكمة "رئيس الجلسة" سلطة الأمر بالقبض على المتهم بارتكاب جريمة أثناء انعقاد الجلسة؛ حيث يجوز لرئيس المحكمة الجنائية إصدار أمر القبض بشأن كافة الجرائم وفقا لما ورد بنص المادة 12 من قانون الإجراءات الجنائية القطري والمادة 244/3 من قانون الإجراءات الجنائية، بينما تقتصر سلطة رئيس المحكمة غير الجنائية في إصدار أمر القبض فقط على الجنايات والجنح التي تقع أثناء انعقاد الجلسة وذلك وفقًا لنص المادة 64 من قانون المرافعات المدنية والتجارية القطري ونص المادة 106 من قانون المرافعات المدنية والتجارية المصري. أي إنه يجوز لرئيس جلسة المحاكمة إصدار أمر بالقبض على المتهم إذا اقتضى الحال ذلك، سواء كانت الجريمة مما يجوز للمحكمة بصددها إقامة الدعوى الجنائية على المتهم والحكم فيها فورًا، أو كانت سلطتها بشأنها تقتصر على تحريك الدعوى الجنائية وإحالة المتهم إلى النيابة العامة106.
ويثور التساؤل في هذا الصدد عن الموقف القانوني الصحيح في حالة وقوع الجريمة خلال انعقاد جلسة المحكمة من أحد المحامين أثناء أو بسبب ممارسته أعمال مهنته، ومدى خضوعه لأحكام النصوص التشريعية المشار إليها أعلاه، على نحو ما ينطبق على غيره من الجمهور الحاضر أو المتواجد في الجلسة.
والمطالعة الأولية للنصوص التشريعية ذات الصلة في كل من القانون المصري والقطري تفصح عن منهجية متباينة بشأن جواز القبض على المحامي الذي يرتكب جريمة أثناء أو بسبب ممارسة أعمال مهنته في الجلسة.
في القانون القطري، نجد من مطالعة النصوص التشريعية ذات الصلة، سواء في قانون الإجراءات الجنائية أو قانون المرافعات المدنية والتجارية أو أيضًا قانون المحاماة، أنه لا تتوافر للمحامي حماية إجرائية في مواجهة إجراءات القبض عليه حال ارتكابه جناية أو جنحة، خارج نطاق الإباحة المقررة لاستعمال حق الدفاع وفقا لنص المادة 47 من قانون العقوبات القطري، أثناء أو بسبب أداء أعمال مهنته في الجلسة؛ وسواء أكانت هذه الجريمة مُوجَّهة ضد هيئة المحكمة أم أحد القضاة أم أحد العاملين بالمحكمة أم كانت مُوجَّهة ضد أي من الحاضرين في الجلسة من المحامين أو من الجمهور. وسندنا القانوني في ذلك هو نص المادة 64 من قانون المرافعات المدنية والتجارية القطري107 التي لم يرد بها أي تحفظ يتعلق بكون مرتكب الجريمة محامٍ يُؤدي عمله في الجلسة، ونص المادة 12 من قانون الإجراءات الجنائية القطري108 التي وإن جاءت صياغتها مُلزمة بمراعاة أحكام قانون المحاماة، فإن قانون المحاماة القطري ذاته لا يوفر مثل هذه الحماية؛ حيث تنص المادة 35 من هذا القانون الأخير على أنه: "لا يجوز في غير حالات التلبس، القبض على المحامي، أو ...، أو ...، أو ...، لأمور تتعلق بأداء مهنته، إلا بمعرفة رئيس نيابة على الأقل، بناء على أمر صادر من القاضي المختص." فالضمانات الواردة في المادة 35 من قانون المحاماة بشأن عدم جواز القبض على المحامي يتحدد مجالها أو نطاق إعمالها بحالة واحدة فقط تتمثل في ارتكاب المحامي جريمة تتعلق بممارسة أعمال مهنته على ألا تكون في حالة تلبس. فإذا كانت الجريمة في حالة تلبس انتفى مجال سريان الضمانات المقررة في المادة 35 المشار إليها أعلاه ولو كانت هذه الجريمة تتعلق بأداء المحامي أعمال مهنته. وبناء على ذلك فإن ارتكاب المحامي جناية أو جنحة أثناء أو بسبب تواجده في جلسة المحاكمة لأداء أعمال مهنته يمنح الحق لرئيس المحكمة في إصدار أمر بالقبض عليه، وذلك كله وفقا لنصي المادتين 64 من قانون المرافعات القطري و12/5 من قانون الإجراءات الجنائية القطري وإعمالًا لصياغة نص المادة 35 من قانون المحاماة القطري. وقد سبق، حين تناولنا للإشكاليات الخاصة بتفتيش مكاتب المحاماة، أن انتقدنا الصياغة الحالية لنص المادة 35 من قانون المحاماة القطري ورأينا من الملائم تدخل المشرع لتعديله من أجل توفير حماية فعَّالة للمحامي أثناء ممارسة أعمال مهنته، وهي حماية إجرائية لا تمثل عائقا ضد مُساءلة المحامي موضوعيًّا سواء كانت مسؤوليته الموضوعية جنائية أم تأديبية.
وبالمقابل في القانون المصري، فإنه وبالرجوع لنص المادة 245 من قانون الإجراءات الجنائية يتبين وفقًا لصريح عباراتها أنها تستثني المحامي من الأحكام المنصوص عليها في المادة 244 من ذات القانون إذا وقع منه أثناء قيامه بواجبه في الجلسة وبسببه ما يمثل جريمة جنائية. كما يتبين أن سلطة رئيس الجلسة تنحصر عندئذ في تحرير محضر بالواقعة وإحالة المحامي إلى النيابة العامة لمباشرة إجراءات التحقيق الابتدائي.
غير أن التساؤل الذي يطرح نفسه في هذا الصدد يتعلق بمدى جواز إحالة المحامي المتهم إلى النيابة العامة مقبوضًا عليه بأمر صادر من رئيس الجلسة. ونرى أن الإجابة يمكن استخلاصها أيضًا وبشكل صريح من نص المادة 245 من قانون الإجراءات الجنائية المصري المشار إليها أعلاه والتي خلت عباراتها من أية إشارة تفيد تبني هذا التفسير، وبالتالي فإنه لا يمكن منح هذه السلطة لرئيس الجلسة خاصة أنها تتصل بإجراء يمس الحرية الشخصية للمتهم لا يجوز مباشرته دون نص صريح أو بالمخالفة لضوابطه القانونية. ومن ناحيتها كذلك فإن المادة 106 من قانون المرافعات المدنية والتجارية المصري قيَّدت سلطة رئيس المحكمة بشأن إصدار أمر بالقبض على المتهم الذي يرتكب جريمة جنائية أو جنحة في الجلسة بمراعاة أحكام قانون المحاماة. فإذا استعرضنا نص المادة 50 من قانون المحاماة المصري109، سنخلص إلى ذات النتيجة المتمثلة في عدم جواز القبض على المحامي الذي يرتكب جريمة في الجلسة أثناء أو بسبب ممارسته أعمال مهنته، وإلا كان الإجراء باطلًا110، ومُستوجبًا المساءلة الجنائية عن جريمة القبض على شخص واحتجازه دون سند من القانون.
ويثور في هذا الصدد تساؤل آخر أدق وأشد تعقيدًا يتعلق بمدى جواز القبض على المحامي أثناء ممارسة أعمال مهنته في الجلسة إذا كانت الجريمة المُرتكبة تُشكِّل تعديًا على هيئة المحكمة ذاتها أو على أحد قضاتها أو على أحد العاملين فيها. ونرى أن الإجابة على هذا التساؤل الدقيق يتعين أن تتوافق هي أيضا مع النصوص التشريعية السارية المفعول وفقًا للعقل والمنطق القانوني بعيدًا عن الهوى والتعسف. فإذا كان صحيح القانون وفقًا لهذه النصوص لا يلبي أو يتوافق مع متطلبات فرض احترام هيبة القضاء، فإن الوسيلة المشروعة لتفادي ذلك الخلل المتصور تتمثل في تعديل التشريع، احترامًا لمبدأ سيادة القانون، ولا يتعين أن تتمثل في مخالفة القانون وفرض سلطة الأمر الواقع.
فمن ناحية أولى، لم يستثنِ نص المادة 245 من قانون الإجراءات الجنائية المصري جرائم معينة من حظر القبض على المحامي أو إخضاعه بصفة عامة للإجراءات المُتَّبعة بشأن جرائم الجلسات؛ حيث وردت عباراتها صريحة بشأن استثنائه من الخضوع لهذه الإجراءات جميعها إذا ما وقع منه ما يستدعي مؤاخذته جنائيًّا. ومما لا شك فيه أن عبارة "مؤاخذته جنائيا" تشمل كل فعل أو قول ينطبق عليه نموذج تشريعي لجريمة ما بصرف النظر عن طبيعتها أو وصفها القانوني أو صفة المجني عليه فيها.
ومن ناحية ثانية، فإن المادة 107 من قانون المرافعات المدنية والتجارية المصري التي تمنح المحكمة؛ التي وقعت أثناء انعقاد جلستها جنحة تعدٍّ على هيئتها أو على أحد أعضائها أو أحد العاملين بالمحكمة؛ سلطة إقامة الدعوى الجنائية ضد المتهم والحكم عليه فورًا بالعقوبة، هي ذاتها التي أوجبت على المحكمة مراعاة أحكام قانون المحاماة في هذا الخصوص. ويستدل من ذلك عقلًا ومنطقًا أنه يُحظر الأمر بالقبض على المحامي طالما وقعت منه الجريمة أثناء أو بسبب ممارسته أعمال مهنته وفقا لعبارات نص هذه المادة وما ورد فيها من إشارة صريحة لنصوص قانون المحاماة تلك النصوص التي تحظر القبض على المحامي الذي يرتكب جريمة في الجلسة أثناء أو بسبب ممارسته أعمال مهنته.
ومن ناحية ثالثة، فإن نص المادة 50/1 من قانون المحاماة المصري، المستبدلة بالقانون رقم 197 لسنة 2008، تقرر صراحة عدم جواز القبض على المحامي لارتكابه جريمة من الجرائم المنصوص عليها في المادة السابقة111، أو ارتكابه أيًّا من جرائم القذف والسب والإهانة أثناء أو بسبب ممارسته أعمال مهنته. وتجدر الإشارة إلى أن المادة 50 من قانون المحاماة قبل تعديلها في عام 2008 لم تكن تتضمن الإشارة إلى جرائم القذف والسب والإهانة، وكانت تكتفي بالنص على حظر القبض على المحامي إذا ما نُسِب إليه ارتكاب جريمة من الجرائم المنصوص عليها في المادة 49 من ذات القانون. ونعتقد أن أهمية التعديل الذي أُدْخِل على نص المادة 50 من قانون المحاماة المصري في عام 2008 يتمثل في تأكيد عدم جواز القبض على المحامي أثناء ممارسة أعمال مهنته في الجلسة أيا كانت الجريمة المنسوب إليه ارتكابها دون تفرقة قائمة على صفة المجني عليه فيها.
ومُؤدَّى هذه النصوص التشريعية جميعها أنه يُحْظر القبض على المحامي أثناء أو بسبب ممارسته أعمال مهنته في الجلسة لارتكابه جريمة أثناء انعقادها، ولو كانت هذه الجريمة تشكل جنحة تعدٍّ على هيئة المحكمة أو أحد قضاتها أو أحد العاملين بها. وإعمالا لنصوص المادة 245 من قانون الإجراءات الجنائية المصري، والمادتين 106 و107 من قانون المرافعات المدنية والتجارية المصري، والمادتين 50 و51 من قانون المحاماة المصري، لا تملك المحكمة سوى إثبات الواقعة المُشكِّلة للجريمة في محضر أو مذكرة وتحيلها للنيابة العامة لمباشرة إجراءات التحقيق الابتدائي، على أن تُخطر نقابة المحامين أو النقابة الفرعية المختصة قبل بدء النيابة العامة تحقيقاتها بوقت مناسب. ووفقا لنص المادة 51 من قانون المحاماة المصري فإن البدء في التحقيق مع المحامي يكون بناء على أمر من النائب العام، ويمكن أن يكون بأمر من المحامي العام الأول لدى محكمة الاستئناف112، نظرًا لأن هذا الأخير يملك مباشرة كافة اختصاصات النائب العام في حدود الاختصاص المكاني لمحكمة الاستئناف التي يتولى الإشراف عليها، سواء في ذلك الاختصاصات العادية أو الاستثنائية أو الذاتية113.
والحقيقة أن ما انتهينا إليه من اجتهاد مستند إلى الاستدلال المنطقي من مجموع النصوص التشريعية ذات الصلة يجد له سندًا من آراء الفقهاء؛ حيث يرى البعض أن مدلول نص المادة 245 من قانون الإجراءات الجنائية المصري والمادتين 106 و107 من قانون المرافعات المصري يعني خضوع جرائم المحامين، المُرتكبة أثناء قيامهم بأعمال المهنة في جلسات المحاكم، لذات القواعد الخاصة المنصوص عليها في المادة 245 المشار إليها والمادة 50 من قانون المحاماة، سواء ارتكبت في جلسات المحاكم الجنائية أو في جلسات المحاكم المدنية114، فلا يجوز إصدار أمر بالقبض على المحامي من أجل الجريمة التي وقعت منه في الجلسة115. ومُؤدَّى النصوص التشريعية المشار إليها أعلاه، سواء في ذلك نصوص قانون الإجراءات الجنائية أم قانون المرافعات أم قانون المحاماة، عدم جواز القبض على المحامي أثناء أو بسبب ممارسته أعمال مهنته في الجلسة، على الرغم من أن جريمته في حالة من حالات التلبس.
ومما لا شك فيه أن هذا الحظر يمثل ضمانة إجرائية هامة تكفل الطمأنينة للمحامي أثناء ممارسة مهنته داخل قاعات المحاكم ومجالس القضاء. فالقبض على المحامي أمام مُوكِّليه وزملائه وغيرهم من الجمهور، أثناء تواجده في الجلسة لممارسة أعمال مهنته في الدفاع عن المتهمين أو رعاية مصالح مُوكِّليه، ينال من كرامة مهنة المحاماة ويُصيب المحامي شخصيًّا بألم نفسي قد يُفسد الروابط المهنية والتعاون المتبادل الذي يتعين أن يسود بين القضاة والمحامين داخل قاعات المحاكم116. وتجدر الإشارة إلى أن هذه الحماية لا تعني بأي حال من الأحوال إعفاء المحامي من المسؤولية الجنائية عمَّا يرتكبه من جرائم في الجلسة متجاوزًا في ذلك حدود الإباحة المقررة له استنادًا لحق الدفاع أمام المحاكم. ومع ذلك كله فإن نص المادة 198 من الدستور المصري المُعدَّل الصادر عام 2014 يثير إشكالية قانونية في هذا الخصوص حيث تنص على أنه: "ويحظر في غير حالات التلبس القبض على المحامي أو احتجازه أثناء مباشرته حق الدفاع، وذلك كله على النحو الذي يحدده القانون." ومفاد هذا النص، وبمفهوم المخالفة، أنه يجوز في حالات التلبس بالجريمة القبض على المحامي إذا ارتكب جريمة أثناء مباشرته حق الدفاع، وحق الدفاع يباشره المحامي بصفة أساسية في جلسات المحاكم. ومما لا شك فيه أن ما يرتكبه المحامي من جرائم أثناء انعقاد جلسة المحاكمة يجعل جريمته من الناحية القانونية في حالة تلبس.
ونرى أن نص العبارة الأخيرة من المادة 198 من الدستور المصري لا ينسف فقط ما تتضمنه النصوص القانونية المشار إليها أعلاه من ضمانة تتمثل في حظر القبض على المحامي أثناء ممارسته أعمال مهنته أمام المحاكم، وإنما تتناقض هذه العبارة مع ذاتها، وتحديدًا مع ما تشير إليه في نهايتها من أن جواز القبض على المحامي في حالة التلبس يكون على النحو الذي يحدده القانون. بل إن مضمون هذه العبارة الأخيرة المشار إليها يتعارض مع ما تنص عليه المادة 198 من الدستور ذاتها من تمتع المحامين أثناء تأديتهم حق الدفاع أمام المحاكم بالضمانات والحماية التي تقررت لهم في القانون مع سريانها عليهم أمام جهات التحقيق والاستدلال.
ففي الوقت الذي تقرر فيه هذه المادة سريان الضمانات والحماية المقررة للمحامين أثناء تأديتهم حق الدفاع، ليس فقط أمام المحاكم، وإنما كذلك أمام جهات التحقيق والاستدلال، إذ بها تسحب عنهم إحدى الضمانات الأساسية لممارسة مهنة المحاماة؛ وهي حظر القبض عليهم أثناء أو بسبب ممارستهم أعمال مهنتهم في جلسات المحاكم. وإذا اعتبرنا أن جواز القبض على المحامي في حال التلبس، وفقًا للعبارة الأخيرة من نص المادة 198 من الدستور المصري، مقصود به حالة التلبس بارتكاب جريمة لا تتصل بممارسة المحامي أعمال مهنته، لكان مُؤدَّى ذلك اعتبار النص الدستوري من قبيل اللغو عديم القيمة؛ لأن القبض على المحامي عندئذ سيكون مُستندًا للقواعد العامة المنصوص عليها في المادة 34 من قانون الإجراءات الجنائية المصري التي تجيز القبض في حال التلبس، ليس فقط على الأشخاص العاديين أو المحامين، بل أيضًا على المتمتعين بحصانة قضائية أو برلمانية.
من المستقر عليه في الأنظمة الإجرائية الحديثة أن كفالة حق الدفاع يُمثل أحد العناصر الأساسية للمحاكمة العادلة أو المنصفة. وأن ممارسة هذا الحق واقعيًا على نحو فعَّال لا يتأتى إلا بتوفير ضمانات جنائية، إجرائية وموضوعية، لمهنة المحاماة تكفل حمايتها وتمنحها خصوصيتها كمهنة مشاركة للقضاء في تحقيق العدالة. وتتمحور هذه الحماية وتلك الضمانات حول عناصر ممارسة مهنة المحاماة وهي: المحامي ومكتب المحاماة والعلاقات المهنية بين المحامين وموكليهم. وهي ليست حماية شخصية للمحامي وإنما هي حماية مهنية تنعكس إيجابًا على حُسن سير منظومة العدالة وتُسهم بفاعلية في كشف الحقائق والفصل في المنازعات على نحو يُرسِّخ مفهوم سيادة القانون.
وفي مقابل هذه الحماية يتعيَّن على المحامي الالتزام بأصول المهنة وأدبيات وأخلاقيات ممارستها، وأن يتجنب كل سلوك يُسِيء لشرف مهنة المحاماة ومبادئها وتقاليدها، ويحيد بممارستها عن الغايات المستهدفة منها وهي بالأساس الدفاع عن مصالح المتقاضين أمام القضاء. ويلزم على وجه الخصوص ألَّا يحيد المحامي بتصرفاته عمَّا يفرضه الاحترام الواجب للقضاة ولسلطة التحقيق في إطار من المهنيَّة؛ لكي تسود حالة من التقدير المتبادل بينهم تصب في مصلحة المتقاضين والسير المنضبط لمرفق العدالة.
وقد تضمنت التشريعات ذات الصلة العديد من مظاهر الحماية الجنائية لممارسة مهنة المحاماة وما يتصل بها من أسرار الدفاع. فحظرت حظرًا مطلقًا تفتيش مكتب المحاماة حينما يتمثل الغرض من التفتيش في انتهاك هذه الأسرار في مستودعها. ونظرًا لأن حظر تفتيش مكتب المحاماة لا يمثل حصانة خاصة لشخص المحامي أو مكتبه، كون هذا الحظر لا يرتبط بمحل التفتيش في ذاته وإنما يتصل بالغاية منه، فقد أجاز القانون إجراء التفتيش حين يتجاوز دوره المنوط به والمتمثل في مباشرة الأعمال التي تستلزمها أصول مهنة المحاماة. ومع ذلك يكتنف التشريع نقص يثير إشكاليات عمليَّة بشأن الضمانات التي يتعين مراعاتها بشأن تفتيش مكاتب المحاماة. ومرد هذه الإشكاليات يتركز حول تحديد الطبيعة القانونيَّة لمكتب المحاماة باعتباره محلًّا لممارسة المهنة. وبصرف النظر عن الآراء الفقهية المتنوّعة في هذا الصدد، فإنَّها لن تكون مُلزمة للقضاء دون سند من القانون أو أساس من التشريع. ونظرًا لأن مجال الحماية القانونية التي يمكن إسباغها على مكاتب المحاماة يتوقف على طبيعتها القانونيّة، كان من الملائِم تَدخُّل المشرع بنصوص واضحة تحسم الجدل وترفع الخلاف وتكفل حماية خاصة لمكاتب المحاماة باعتبارها أماكن لممارسة المهنة وما يتصل بها من أسرار الدفاع.
ومن مظاهر الحماية الجنائية الإجرائية لمهنة المحاماة، ومراعاة لأهمية ممارسة حق الدفاع بحرية وطمأنينة أمام المحاكم، ما تقرره التشريعات من استثناء المحامي من الخضوع للإجراءات المُتَّبعة بشأن الإخلال بنظام الجلسة أو ارتكاب جريمة أثناء انعقادها. فلا يجوز لرئيس الجلسة إصدار أوامره بإخراج المحامي من الجلسة، كما لا يجوز للمحكمة الحكم عليه بالعقوبة المقررة حال تماديه في هذا الإخلال. كما يمتنع على المحكمة، سواء كانت جنائية أم غير جنائية، إذا ارتكب المحامي جنحة أو مخالفة أثناء تواجده في الجلسة لأداء أعمال مهنته، أن تُقيم الدعوى الجنائية وتُصدر فيها حكمًا فوريًّا.
وتقتصر سلطة المحكمة على تحريك الدعوى الجنائية وإحالة المحضر الذي حررته إلى النيابة العامة لمباشرة التحقيق مع المحامي المتهم واتخاذ شؤونها وفقًا للقانون، وإخطار الجهة المسؤولة عن اتخاذ إجراءات المُساءلة التأديبيّة في مُواجهة المحامي. ويتعيّن على النيابة العامة وفقًا للقانون المصري حينئذٍ إخطار نقابة المحامين أو النقابة الفرعية المختصة قبل مباشرة إجراءات التحقيق مع المحامي بمدة معقولة تسمح بحضور نقيب المحامين أو من يُنيبه حضور التحقيق صحبة المحامي المتهم. فإذا لم يحضر نقيب المحامين أو لم يحضر من ينيبه خلال وقت معقول، فإنه يجوز للنيابة العامة بدء إجراءات التحقيق مع المحامي المتهم فورًا، على أن يُجرَى التحقيق وفقًا للقانون القطري بمعرفة رئيس نيابة على الأقل.
ونرى أن إعمال صحيح القانون، وفقًا للنصوص التشريعية السّارية في القانون المصري وإعمالًا لمبدأ سيادة القانون، وليس من منظور ما جرى عليه التطبيق العملي المخالف لصحيح القانون، يفرض استفادة المحامي من الحماية المقررة له استثناء من الإجراءات الفورية لإقامة الدعوى الجنائية والحكم عليه فيها لارتكابه جريمة أثناء قيامه بأعمال مهنته في الجلسة، عندما تكون الجريمة المُرتكبة جنحة تعدٍّ على هيئة المحكمة أو أحد قضاتها أو أحد العاملين بها. ويحقق ذلك ضمانة جوهرية للمحامي أثناء قيامه بأعمال مهنته في الجلسة ضد احتمال تعسف المحكمة لما تملكه قانونًا من سلطة تكييف الواقعة المُرتكبة، ومن أنها تشكل تعديًا على هيئتها أو أحد قضاتها، ثم منحها سلطة إقامة الدعوى الجنائية والحكم فيها. وتجدر الإشارة إلى أن الحماية المقررة للمحامي حال مباشرة مهام عمله أثناء انعقاد جلسات المحاكم لا تعني إعفاءه من المسؤولية الجنائيّة أو التأديبيّة عمَّا يرتكبه من جرائم جنائيّة أو مخالفات تأديبيّة أثناء انعقاد أي من هذه الجلسات واستحقاق العقاب المقرر قانونًا لأي منها.
ويثور في هذا الصدد تساؤلٌ ليس بأقل تعقيدًا من سابقه، يتعلق بمدى جواز إصدار رئيس الجلسة أمرًا بالقبض على المحامي المتهم بارتكاب جريمة، أيًّا كان وصفها أو صفة المجني عليه فيها، أثناء تواجده في الجلسة وإحالته إلى النيابة العامة مقبوضًا عليه. والحقيقة أن مُؤدَّى كافة النصوص التشريعية ذات الصلة في القانون المصري، وذلك على خلاف صراحة النصوص التشريعية في القانون القطري، تحظر القبض على المحامي أثناء أو بسبب ممارسته أعمال مهنته في الجلسة لارتكابه جريمة أثناء انعقادها، ولو كانت هذه الجريمة تشكل جنحة تعدٍّ على هيئة المحكمة أو أحد قضاتها أو أحد العاملين بها. ونعتقد أن الرأي الذي انتهينا إليه يتفق عقلًا ومنطقًا مع صحيح القانون بعيدًا عن الهوى أو التعسف. فإذا كان صحيح القانون وفقًا لهذه النصوص لا يُلبِّي أو يتوافق مع متطلبات فرض احترام هيبة القضاء، فإن الوسيلة المشروعية لتفادي ذلك تتمثل في تعديل التشريع، وليس فرض سلطة الأمر الواقع، احترامًا لمبدأ سيادة القانون.
وفضلًا عن ذلك، فإن القبض على المحامي أو الحكم عليه مباشرة أمام موكليه وزملائه وغيرهم من الجمهور، أثناء تواجده في الجلسة لممارسة أعمال مهنته في الدفاع عن المتهمين أو رعاية مصالح مُوكِّليه، ينال من كرامة مهنة المحاماة ويصيب المحامي شخصيًّا بألمٍ نفسيٍّ قد يُفسد التعاون المتبادل الذي يتعين أن يسود بين القضاة والمحامين داخل قاعات المحاكم. ومع ذلك كله فإن نص المادة 198 من الدستور المصري المُعدَّل الصادر عام 2014 قد نسف ما تضمنته النصوص التشريعية العديدة من ضمانة في هذا الخصوص؛ حيث حظرت هذه المادة القبض على المحامي أثناء مباشرته حق الدفاع باستثناء حالة التلبس بالجريمة. ومفاد هذا النص وبمفهوم المخالفة أنه يجوز في حالة التلبس بالجريمة القبض على المحامي إذا ارتكب جريمة أثناء مباشرته حق الدفاع، وهو الحق الذي يباشره المحامي بصفة أساسية في جلسات المحاكم.
وعلى الرغم من مظاهر الحماية الجنائيّة وضماناتها المقررة بموجب العديد من التشريعات، سواء في ذلك قانون الإجراءات الجنائية أم قانون المرافعات المدنية والتجارية أم قانون المحاماة، فإن قِدَم هذه التشريعات من حيث صدورها في مصر من ناحية، وتطور أساليب الحياة داخل المجتمع عمومًا وفي إطار ممارسة العمل القضائي خصوصًا، كشفت جميعها عن أهمية تدخل المشرع لحسم الجدل بشأن مجال إعمال عدد من الضمانات وسد الفراغ التشريعي بشأن أخرى.
وسوف نُبين في السطور الأخيرة من هذه الدراسة ما يمكن أن يمثل توصيات نرى من الملائِم مراعاتها من أجل توفير حماية أوفر لممارسة مهنة المحاماة.
1- تعديل نص المادة 79 من قانون الإجراءات الجنائية القطري بحذف عبارة "ما لم تكن هي جسم الجريمة أو كان أي منهما مساهمًا في الجريمة"؛ لأن هذه العبارة تُجيز ضبط الأوراق والمستندات التي سلَّمها المتهم لمحاميه لأداء المهمة التي عهد إليه بها، وكذلك ضبط المراسلات المتبادلة بينهما في الدعوى طالما كانت هي جسم الجريمة، أو كان أي منهما مساهمًا في ارتكابها، الأمر الذي يمثل مساسًا خطيرًا بمبدأ حرية الدفاع وبأسرار مهنة المحاماة وما يرتبط بها من أسرار المتهمين والمتقاضين ويخلُّ بالثقة القائمة في مهنة المحاماة.
2- تعديل صياغة نص المادة 35 من قانون المحاماة القطري على نحو يوفر لمكاتب المحاماة حال تفتيشها الضمانات الواردة فيها سواء كانت الجريمة في حالة تلبس من عدمه، وسواء كانت الجريمة المستوجبة للتفتيش تتعلق بأداء المحامي أعمال مهنته أم بغير ذلك. ونرى أن هذا التعديل لا يستهدف تحصين مكتب المحاماة ضد إجراءات التفتيش وضبط أدلة الجريمة، وإنما يستهدف بالأساس حماية حق الدفاع باعتباره ضمانة من ضمانات العدالة الجنائية، فضلا عن ارتباطه بأسرار المهنة وأسرار العملاء والموكلين.
3- تعديل صياغة نص المادة 35 من قانون المحاماة القطري على نحو يوفر للمحامي حماية إجرائية في مواجهة إجراءات القبض حال ارتكابه جناية أو جنحة أثناء أو بسبب أداء أعمال مهنته في الجلسة أو أمام جهات التحقيق وسلطات جمع الاستدلال سواء توافرت بالنسبة لجريمته حالة تلبس أم لا. وهذا التعديل لا يشكل تحصينًا لمهنة المحامين وإنما مجرد توفير حماية إجرائية للمحامي أثناء ممارسة أعمال مهنته، وذلك دون إخلال بتحمله المسؤولية الجنائيّة والتأديبيّة عن جرائمه أو تصرفاته المنافية لأصول ممارسة مهنة المحاماة.
4- تعديل نص المادة 198 من الدستور المصري المُعدَّل الصادر عام 2014 لضبط صياغتها على نحو لا يخلُّ بالضمانات المقررة بموجب التشريعات السارية بشأن حماية المحامي من القبض عليه أثناء قيامه بأعمال مهنته أو بسببها في الجلسة.
5- تعديل النصوص التشريعية على نحو يكفل تفعيل ما ورد بالمادة 198 من الدستور المصري المُعدَّل الصادر عام 2014 بشأن سريان الضمانات والحماية المقررة قانونًا لممارسة حق الدفاع أمام جهات التحقيق والاستدلال وليس فقط أمام المحاكم.
6- نرى ملاءمة تدخل كل من المشرعين في قطر وفي مصر بنص صريح يكفل حماية خاصة وضمانات أوفر لمكاتب المحاماة في مُواجهة إجراء التفتيش باعتبارها مستودع أسرار الدفاع، يُضفي على مكاتب المحاماة طبيعة قانونيّة خاصة بحيث لا يجوز تفتيشها لمجرد جواز تفتيش صاحبها أو حائزها.
7- نرى ملاءمة تقنين نص تشريعي تلتزم بموجبه سلطة التحقيق الابتدائي بإصدار إذن قضائي خاص بتفتيش مكتب المحامي المتهم بارتكاب جناية أو جنحة إذا كان لهذا الإجراء فائدة في كشف الحقيقة، بحيث لا يُجرَى التفتيش لمجرد وجود إذن بتفتيش مسكن المحامي دون الإشارة إلى مكتبه صراحة.
8- نرى ملاءمة تدخل المشرع لمنح مكتب المحاماة ضمانات أوفى بشأن تفتيشه، قياسًا على ضمانات تفتيش المنازل، عندما يكون هذا الأخير غير متهم بارتكاب الجريمة الجاري بشأنها التحقيق أو غير عالم بارتكابها.
دكتور/ أحمد عوض بلال، الإجراءات الجنائية المقارنة والنظام الإجرائي في المملكة العربية السعودية، دار النهضة العربية، القاهرة، 1990.
دكتور/ أحمد فتحي سرور، الوسيط في قانون الإجراءات الجنائية – الكتاب الأول، دار النهضة العربية، القاهرة، 2016.
الدكتور الشيخ/ ثاني بن علي بن سعود آل ثاني (المحامي)، دراسة مقارنة في قانون المحاماة القطري، 2016، بدون دار نشر.
دكتور/ جلال ثروت، نظم الإجراءات الجنائية، بدون دار نشر، 1997.
دكتور/ حسن السيد ودكتور/ نور الحجايا، التنظيم القانوني لمهنة المحاماة في دولة قطر، دراسة مقارنة مع قانون نقابة المحامين النظاميين الأردني، الطبعة الأولى، دار النهضة العربية، القاهرة، 2011.
دكتور/ حسن صادق المرصفاوي، أصول الإجراءات الجنائية، منشأة المعارف، الإسكندرية، 1996.
دكتور/ رؤوف عبيد، المشكلات العمليّة الهامة في الإجراءات الجنائية - الجزء الأول، دار الفكر العربي، القاهرة، الطبعة الثالثة، 1980.
دكتور/ رمسيس بهنام، الإجراءات الجنائية تأصيلا وتحليلا، منشأة المعارف، الإسكندرية، 1984.
دكتور/ عبد الرؤوف مهدي، شرح القواعد العامة للإجراءات الجنائية، دار النهضة العربية، القاهرة، 2015.
الأستاذ/ عبد العزيز بن صالح الخليفي (المحامي)، أضواء على قانون المحاماة الجديد، محاضرة منشورة ضمن سلسلة إصدارات الموسم الثقافي 2016/2017، لمركز الدراسات القانونية والقضائية بوزارة العدل، دولة قطر.
دكتور/ عبد المهيمن بكر، إجراءات الأدلة الجنائية – الجزء الأول – التفتيش، الطبعة الأولى، بدون دار نشر، 1997.
دكتور/ عمر السعيد رمضان، مبادئ قانون الإجراءات الجنائية – الجزء الأول، دار النهضة العربية، القاهرة، 1993.
دكتور/ عمر محمد سالم، الوجيز في شرح قانون الإجراءات الجنائية – الجزء الأول، دار النهضة العربية، القاهرة، 2013.
دكتور/ عوض محمد عوض، المبادئ العامة في قانون الإجراءات الجنائية، منشأة المعارف، الإسكندرية، 2011.
دكتور/ عوض محمد عوض، التفتيش في ضوء أحكام النقض – دراسة مقارنة، دار الجامعة الجديدة، الإسكندرية، 2011.
دكتورة/ فوزية عبد الستار، شرح قانون الإجراءات الجنائية وفقا لأحدث التعديلات، دار النهضة العربية، القاهرة، الطبعة الثانية، 2010.
دكتور/ مأمون محمد سلامة، الإجراءات الجنائية في التشريع المصري – الجزء الأول، دار النهضة العربية، القاهرة، 1997.
دكتور/ محمد زكي أبو عامر، الإجراءات الجنائية، دار الجامعة الجديدة، الإسكندرية، 2014.
أستاذ/ محمود سعد عبد المجيد، ضوابط وأحكام ممارسة مهنة المحاماة، المكتب الجامعي الحديث، الإسكندرية، 2009.
دكتور/ محمود محمود مصطفى، شرح قانون الإجراءات الجنائية، دار النهضة العربية، القاهرة، 1988.
دكتور/ محمود نجيب حسني، شرح قانون الإجراءات الجنائية، دار النهضة العربية، القاهرة، 1998.
مصادر أخرى:
الدستور الدائم لدولة قطر الصادر عام 2004.
قانون الإجراءات الجنائية القطري الصادر بالقانون رقم 23 لسنة 2004.
قانون العقوبات القطري الصادر بالقانون رقم 11 لسنة 2004.
قانون المرافعات المدنية والتجارية القطري الصادر بالقانون رقم 13 لسنة 1990.
قانون المحاماة القطري الصادر بالقانون رقم 23 لسنة 2006 وتعديلاته الصادرة بالقانون رقم 1 لسنة 2018.
دستور جمهورية مصر العربية الصادر عام 2014.
قانون الإجراءات الجنائية المصري الصادر بالقانون رقم 150 لسنة 1950.
قانون العقوبات المصري الصادر بالقانون رقم 58 لسنة 1937.
قانون المرافعات المدنية والتجارية المصري الصادر بالقانون رقم 13 لسنة 1968.
قانون المحاماة المصري الصادر بالقانون رقم 17 لسنة 1983 وتعديلاته الصادرة بالقانون رقم 197 لسنة 2008.
مجموعة أحكام محكمة التمييز القطرية.
مجموعة أحكام محكمة النقض المصرية.
Procedural Criminal Protection of Lawyers During the Practice of the Profession: A Comparative Study in Qatari and Egyptian Law.
Considering that advocacy is a free profession whose primary role is to defend the interests of litigants before judicial authorities and accused persons in criminal proceedings, it is appropriate to provide legal and criminal protection that ensures an atmosphere of security, freedom, and privacy for the practice of the legal profession. Lawyers are partners of the judiciary in achieving justice and reinforcing the rule of law.
This study examines the procedural criminal protections granted to lawyers during the practice of their profession under Qatari and Egyptian legislation. It analyzes the legal protection afforded to law offices as repositories of professional and defense secrets, the restrictions on searching lawyers’ offices, and the procedural guarantees available when such searches occur. The study also addresses the protection afforded to lawyers during court sessions, including protection from immediate criminal proceedings related to courtroom offenses and the legality of arresting lawyers while performing their professional duties before the courts.
Views
Downloads
Citations
Authors
Issue
Year