The Legal Framework of the Pre-Contractual Phase in Light of Contemporary Legal Trends“A Comparative Analytical Study ”

Abstract

Except for the Mauritanian and Saudi legal systems, most Arab civil codes lack explicit regulation of the pre-contractual phase, particularly with regard to the duties of disclosure and confidentiality and the resulting mutual obligations between negotiating parties. Traditionally, these legal systems have confined the principle of good faith to the performance stage of contracts, without extending it to negotiations.

In contrast, contemporary legal trends—most notably the 2016 reform of the French Civil Code and the UNIDROIT Principles of International Commercial Contracts—have affirmed the binding nature of good faith throughout all phases of the contractual process, including negotiations. These developments have recognized good faith as a mandatory rule of public order, not subject to contractual waiver.

This comparative analytical study seeks to assess the legislative vacuum in Arab legal systems and underscores the need for adopting explicit legal provisions to govern the pre-contractual phase. It argues that such regulation is essential for enhancing contractual security, protecting negotiating parties, and fostering economic stability, particularly in the context of international commercial transactions.

The study concludes with a recommendation for Arab legislations—excluding the Mauritanian and Saudi systems—to enact mandatory provisions modeled on Article 1104 of the French Civil Code, requiring that contracts be negotiated, formed, and performed in good faith.

Keywords: Pre-contractual Phase Good Faith Negotiations Duty of Disclosure Confidentiality Bad Faith Civil Liability International Commercial Contracts

Full Article

مقدمة

شهدت السنوات الأخيرة العديد من التطورات التشريعية في العديد من الدول في تنظيم المرحلة السابقة على التعاقد، من خلال نصوص قانونية صريحة تنظم مرحلة التفاوض بين كافة الأطراف من خلال إعمال مبدأ حسن النية على مستوى المفاوضات، وعدم الاكتفاء بسريان مبدأ حسن في مرحلة تنفيذ العقد كما هو معمول به في العديد من تشريعات القانون اللاتيني، ومنها القوانين العربية ما عدا القانونين السعودي والموريتاني.

ومن خلال هذه الدراسة، يتناول الباحث في إطار تحليلي مقارن وفي ضوء ما توصل إليه الفقه وأحكام القضاء، مدى الأثر القانوني الذي تشكله حاجة القوانين العربية - ما عدا القانونين السعودي والموريتاني – إلى تنظيم قانوني ينظم عمل مرحلة التفاوض، وهي المرحلة السابقة على التعاقد والتي تشهد مناقشات ومراسلات وتبادل للمنافع المعرفية والأسرار التجارية؛ خصوصا على مستوى عقود التجارة الدولية ذات الأهمية الاقتصادية.

ولذلك، تتناول الدراسة ابتداء من خلال المبحث الأول التنظيم القانوني لمرحلة التفاوض على العقد بالوقوف على مفهوم وأحكام التفاوض على العقد؛ متضمنا دراسة مبدأ حسن النية كمبدأ أساسي يحكم علاقة أطراف التفاوض، علاوة على المسؤولية القانونية التي تترتب على جزاء الإخلال من أحد الطرفين في مرحلة المفاوضات.

ونظرا للحاجة لمعرفة الاتجاهات القانونية الحديثة للمفاوضات التمهيدية، تتناول الدراسة التعديلات الحديثة للمشرع الفرنسي في تنظيمه لأول مرة لمرحلة التفاوض على العقد، والالتزامات التي رتبها وأخصها الالتزام بواجب الإعلام والالتزام بالسرية، ومن ضمن الاتجاهات القانونية الحديثة ما توصلت إليه مبادئ ((اليونيدروا)) الدولية الصادرة عام 2010، ونظام المعاملات المدنية السعودي الصادر عام 2023.

وفي ظل تلك الاتجاهات القانونية، تحاول الدارسة تناول مدى الأثرين الاقتصادي والقانوني لتنظيم مرحلة التفاوض على العقد ومدى حاجة القوانين العربية لتعديلات تشريعية تنظم المرحلة السابقة على التعاقد في ظل ما تعانيه من فراغ تشريعي من خلال اقتصارها لمبدأ حسن النية على مرحلة تنفيذ العقد.

أهمية البحث:

تنبع أهمية موضوع المرحلة السابقة على التعاقد من خلال كونها الانطلاقة الحقيقية التي تجسد إرادة الأطراف بالتعاقد من عدمه في ظل مبدأ الحرية التعاقدية؛ إلا أن ذلك يتطلب أن تكون هذه المرحلة – المفاوضات - ذات تنظيم قانوني صريح؛ حفاظا على استقرار المراكز القانونية لكافة الأطراف.

وعليه، في ظل وجود تنظيم قانوني لمرحلة التفاوض، مؤداه ستترتب التزامات متبادلة على الطرفين؛ سيكون لها الأثر في مرحلة تنفيذ العقد وما تنتج عنها من آثار، علاوة على مساهمة التنظيم القانوني للتفاوض في التقليل من نشوء أي نزاع بين الطرفين والقدرة على تفسير بنود العقد التي كانت محلا للتفاوض.

وتكمن الأهمية لمرحلة تنظيم التفاوض على مستوى عقود التجارة الدولية ذات التشابكات الواسعة والمراحل المتعددة التي تأخذ وقتا كبيرا من التفاوض والمناقشات والمراسلات وتبادل للأسرار التجارية، وهي مرحلة تتطلب أن يقابلها تنظيم قانوني صريح.

دراسات سابقة:

  • دور القضاء الفرنسي في الإصلاحات التشريعية الحديثة في مجال العقود: المرحلة السابقة على التعاقد والالتزام بالإعلام، بحث منشور للدكتور يوسف شندي ضمن أبحاث المؤتمر السنوي الرابع لكلية القانون الكويتية العالمية: القانون أداة للإصلاح والتطوير 9-10 مايو 2017م، ملحق خاص، العدد 2، الجزء 2، نوفمبر 2017م.

المفاوضات وأثرها على التوازن العقدي، دراسة مقارنة للدكتور هاني عبد العاطي الغيتاوي، منشورة في مجلة كلية الشريعة والقانون بطنطا، العدد 34، الجزء الثالث، 2019م.

  • مرحلة ما قبل إبرام العقد: دراسة مقارنة، للدكتور يزيد أنيس نصير، منشورة في مجلة المنارة للبحوث والدراسات، المجلد 9، العدد 3، 2003م.
  • الطبيعة القانونية لمسؤولية الأطراف في مرحلة ما قبل العقد، دراسة في العقود الدولية لنقل التكنولوجيا، للدكتور نبيل إسماعيل الشلاق، منشورة في مجلة جامعة دمشق للعلوم الاقتصادية والقانونية، المجلد 29، العدد الثاني، 2013م.
  • أثر مبدأ حسن النية في إنهاء عقود المدة: دراسة تحليلية مقارنة، للدكتور محمد ربيع الباب، منشور في المجلة القانونية، جامعة القاهرة - فرع الخرطوم، المجلد 11، العدد 1، 2022م.
  • مدى التزام الأنظمة القانونية المقارنة بمبدأ حسن النية في مرحلة التفاوض على العقد، بحث للدكتور محمود فياض منشور في مجلة الشريعة والقانون، جامعة الإمارات العربية المتحدة، السنة 27، العدد 54، أبريل 2013م.
  • التزام التفاوض بحسن نية في ضوء تعديلات القانون الفرنسي أكتوبر 2016م بالمقارنة بالقانون الكويتي، بحث للدكتور ظفر محمد الهاجري، منشور في مجلة الحقوق، جامعة الكويت، العدد3، 2017م.
  • الطبيعة القانونية للمسؤولية في حالة العدول عن مفاوضات العقد، بحث للدكتور حمدي محمود بارود، منشور في مجلة الجامعة الإسلامية للدراسات الاقتصادية والإدارية، المجلد 20، العدد2، يونيو 2012م.

إشكالية البحث:

وبناء عليه؛ فإن مشكلة البحث الرئيسة تتمثل في مدى حاجة القوانين العربية لوجود تنظيم قانوني خاص وصريح لمرحلة المفاوضات السابقة على التعاقد يتضمن قواعد آمرة على أطراف التفاوض، ويرتب فيما بينها التزامات متبادلة؛ كالالتزام بواجب الإعلام والالتزام بالسرية والجدية وفق مقتضيات الأمانة والنزاهة والشفافية تحت مظلة مبدأ حسن النية، وبحيث يترتب على الإخلال جزاء قانونيا.

وهو ما يقودنا للتساؤل بشكل رئيس، هل تكفي القواعد العامة لتنظيم مرحلة التفاوض على العقد في ظل سريان مبدأ حسن النية على مرحلة تنفيذ العقد فقط؟ أم هناك حاجة للتنظيم القانوني؟

وعليه، يتطلب ذلك طرح مجموعة من التساؤلات الفرعية:

  • ما الأساس القانوني الحالي للتعويض عن الإخلال في مرحلة التفاوض؟ وفي حال وجود نص، ماذا سيكون أساس المسؤولية؟ وهل يوجد فرق بين تأسيس المسؤولية في الحالتين؟
  • هل يوجد توجه قضائي في الدول العربية للحكم بالتعويض عن الإخلال أثناء مرحلة المفاوضات؟
  • ما الأثر الاقتصادي لتنظيم مرحلة التفاوض على العقد في ظل التطورات الاقتصادية؟
  • ما الأثر القانوني لتنظيم مرحلة التفاوض على العقد في ضوء الاتجاهات القانونية الحديثة؟

أهداف البحث:

تهدف هذه الدراسة - من خلال اتباعها للمنهج التحليلي المقارن - إلى الاستفادة من الاتجاهات القانونية الحديثة في تنظيم مرحلة التفاوض على العقد، ومنها القانون المدني الفرنسي بتعديلات عام 2016 ومبادئ ((اليونيدروا)) الدولية، وذلك لمعرفة مدى حاجة القوانين العربية لوجود تنظيم قانوني صريح لمرحلة المفاوضات وما يرتبه التنظيم من آثار اقتصادية وقانونية توفر الحماية والوقاية لمرحلة المفاوضات لكافة الأطراف، وما يرتبه تاليا من استقرار للمراكز القانونية وإعمال التوازن العقدي فيما بينهم.

منهج البحث:

تتبع الدراسة المنهج التحليلي المقارن؛ حيث تتناول الدراسة المنهج المقارن من خلال المقارنة بين الاتجاهات القانونية الحديثة في تنظيم مرحلة التفاوض، والمتمثلة بتعديلات القانون المدني الفرنسي عام 2016 ومبادئ (اليونيدروا) الدولية والقانون المدني السعودي الجديد والقانون الموريتاني، بمواجهة التشريعات المدنية العربية التي لم تنظم مرحلة التفاوض، على أن تكون المقارنة من خلال تحليل النصوص القانونية الواردة في كلا الاتجاهين محل المقارنة، وما انتهت إليه أحكام القضاء بهذا الصدد.

خطة البحث:

وفي هذا السياق، سيتم تناول الدراسة من خلال مبحثين؛ حيث يتناول المبحث الأول التنظيم القانوني لمرحلة التفاوض على العقد، على أن يتضمن من خلاله ابتداء، مفهوم وأحكام التفاوض على العقد من خلال الوقوف على تعريف مرحلة المفاوضات ومبدأ حسن النية باعتباره المبدأ الناظم للتفاوض وصولا إلى المسؤولية المترتبة على الإخلال في مرحلة المفاوضات السابقة على التعاقد.

كما يقف المبحث الأول على أبرز ما توصلت إليه الاتجاهات القانونية الحديثة في تنظيم مرحلة المفاوضات السابقة على التعاقد والالتزامات التي رتبتها، كمبادئ ((اليونيدروا)) لعقود التجارة الدولية وتعديلات القانون المدني الفرنسي لعام 2016، ونظام المعاملات المدنية السعودي الصادر عام 2023م.

وتتناول الدراسة، في المبحث الثاني، مدى حاجة القوانين العربية لتنظيم مرحلة التفاوض في ظل ما تكتنفه المفاوضات من أثر اقتصادي في ضوء التطورات الحديثة لعقود التجارة الدولية وأثر قانوني لتنظيم مرحلة التفاوض، في ضوء الاتجاهات القانونية الحديثة.

المبحث الأول

التنظيم القانوني لمرحلة التفاوض على العقد

لتحديد ماهية التنظيم القانوني لمرحلة التفاوض على العقد، يتطلب تقسيم المبحث الأول، بحيث نتناول في (المطلب الأول) مفهوم وأحكام التفاوض على العقد عبر دراسة تعريف مرحلة المفاوضات وما تتضمنه من مبدأ حسن النية الذي يعتبر هو القيد على التفاوض، على أن يتضمن ذلك المسؤولية المترتبة كجزاء للإخلال بمرحلة التفاوض، ونتناول في (المطلب الثاني) دراسة الاتجاهات القانونية الحديثة في تنظيم المفاوضات التمهيدية وما رتبته من التزامات متبادلة على جميع الأطراف.

المطلب الأول

مفهوم وأحكام التفاوض على العقد

تمثل مرحلة التفاوض على العقد أهم المراحل في إبرام العقود، وتستمد أهميتها ليس فقط من خلالها مرحلة تكوين العقد ابتداء فحسب، بل أيضا أن أهميتها من منطلق أن هذه المرحلة يكون كلا الطرفين فيها على مسافة واحدة للتفاوض، مع ترتيب كافة الالتزامات والواجبات المفترضة على كل طرف؛ وصولا لمرحلة انعقاد العقد ومن ثم لتنفيذه، وما يترتب عليه لاحقا من آثار.

وفي ظل تلك الأهمية، لا بد من الوقوف على تعريف مفهوم التفاوض على العقد، والذي لا يخرج عن إطار كون أن هذه المرحلة التفاوضية تتعلق بتكوين العقد؛ مما يعني وجود تبادل للاقتراحات بين أطراف التفاوض يتضمنها المساومات للوصول إلى الالتزامات النهائية التي سيتم كتابتها في العقد المبرم بين أطراف التفاوض من دون أن يكون جميع الأطراف ملزمين ابتداء بتتويج مفاوضاتهم بإبرام العقد1.

وفي ظل تعدد تعريفات الفقه لمرحلة التفاوض على العقد2، إلا أن الباحث يتفق مع ما توصلت إليه غرفة التجارة الدولية بباريس بتعريفها للتفاوض3، من كون مرحلة التفاوض "يتعهد من خلالها الطرفان بالتفاوض أو متابعة التفاوض بغرض التوصل إلى إبرام عقد لم يتحدد موضوعه إلا بطريقة جزئية لا تكفي في جميع الأحوال لانعقاد العقد".

علاوة على ذلك؛ فإن التعريف يشير إلى أن مرحلة التفاوض تتضمن تعهدا من كلا الطرفين بالدخول في المفاوضات والسير والمضي فيها لغاية منتظرة تتعلق بإبرام العقد بمقتضيات مبدأ حسن النية، ومتطلبات التفاوض بتميزها كمرحلة عملية تحقق التواصل والمناقشات بين الأطراف لغاية معينة، ما لم تنصرف نية أحدهما إلى انقطاع المفاوضات من دون إبرام العقد4.

وفي الوقت الذي تركت فيه تشريعات القانون اللاتيني - ما عدا التشريع المدني في فرنسا بتعديلاته الحديثة وقانون المعاملات المدنية السعودي الجديد والقانون المدني الموريتاني - فراغا تشريعيا بعدم تنظيم مرحلة التفاوض على العقد، وهو ما سنتناوله بشكل موسع من خلال دراستنا؛ فلا يمكن إغفال مدى الأهمية التي تكتسبها مرحلة المفاوضات باعتبارها مرجعا مهما لتفسير العقد من خلال مرحلة التنفيذ في حال نشوء أي نزاع بين أطراف العقد حول أي شرط أو بند من بنوده5.

ومؤدى ذلك، يرى الباحث أن مرحلة المفاوضات تكشف عن إرادة الأطراف؛ بحيث تتضمن وضع الأطر العامة والخاصة لكافة آليات تنفيذ العقد من خلال المناقشات بين أطراف العقد، بالإضافة إلى الاتفاق - خلال مرحلة المفاوضات - على الجهة المختصة للفصل في أي نزاع بينهما في حال حدوثه؛ سواء كان اللجوء إلى طريق القضاء عبر المحاكم أم عن طريق التحكيم أو أي وسيلة أخرى.

وفي الوقت الذي تعتبر فيه مرحلة المفاوضات كتنظيم قانوني ضمن إطار مرحلة تكوين العقد، فليس هناك أثر قانوني لتلك المفاوضات حتى ينعقد العقد بالإيجاب والقبول، وذلك كون أن جوهر العقد يتضمن وجود اتفاق يتفق فيه الأطراف على إحداث أثر قانوني، وهو ما يتبين من ظروف وملابسات المفاوضات، وتحقق ما يتطلبه العقد من إيجاب وقبول؛ وصولا لإحداث الأثر القانوني عبر إبرام العقد6.

ويعتبر مبدأ حسن النية المبدأ القانوني الأساسي المنظم لمرحلة المفاوضات قبل التعاقد7، وذلك نظير الأهمية التي يمثلها وجود المبدأ للحفاظ على حالة عدم التوازن التي قد تنشأ نتيجة اختلاف المراكز القانونية لطرفي التعاقد بعد إبرام العقد، وما يرتبه تاليا مبدأ حسن النية من آثار على مستوى حقوق والتزامات طرفي التعاقد خلال تنفيذ شروط العقد.

ويعرف جانب من الفقه مبدأ حسن النية بكونه: واجب أخلاقي يفرضه القانون على المتعاقدين؛ سواء في مرحلة ما قبل التعاقد، أم في مرحلة إبرام العقد أم في مرحلة تنفيذه، أم مرحلة انتهائه، يتعين بمقتضاه على كل متعاقد أن يتعامل مع الآخر بصدق وأمانة ونزاهة، وأن يمتنع عن اتخاذ أي موقف ينبع من سوء نية؛ سواء ترتب على ذلك الإضرار بالمتعاقد الآخر أم لا"8.

ومع تلك الأهمية يلاحظ أن معظم التشريعات ومن بينها تشريعات القانون اللاتيني، التفتت عن وضع تعريف محدد لمبدأ حسن النية على الرغم من الإشارة إليه ضمن تشريعاتها وأخصها التقنينات المدنية؛ رغبة منها بمنح القاضي الوطني سلطة التعامل معه وافتراض وجوده على العلاقة التعاقدية محل المنازعة، وفي المقابل هناك من أنكر وجود المبدأ من أساسه؛ إلا أن المشرع الأمريكي انفرد بوضع تعريف لمبدأ حسن النية؛ حيث جاء تعريف هذا المبدأ على أنه: "الإخلاص في تنفيذ ما تم الاتفاق عليه ومراعاة مصالح الطرف المقابل عند التعاقد".9

ويرى الباحث، أنه ليست هناك حاجة لوضع تعريف محدد لمبدأ حسن النية، وترك الأمر للقاضي الوطني لبحث محل الموضوع طبقا للوقائع والظروف والملابسات بتكييف مبدأ حسن النية حسب بحثه، كون وضع تعريف محدد لأي مبدأ قانوني سيجعل القاضي الوطني مقيدا في إطار كلمات التعريف المنصوص عليه ويغل يده عن التوسع المحمود.

وتظهر أهمية مبدأ حسن النية في مرحلة المفاوضات السابقة على التعاقد، باعتباره قيدا يضبط سلوك الأطراف خلال مرحلة المفاوضات؛ منعا من التعسف؛ فوفقا لمبدأ الحرية التعاقدية فهو الأصل بدءا من مرحلة تكوين العقد بحرية كل طرف الدخول في المفاوضات والاستمرار فيها أو الانسحاب منها دون ترتيب أي مسؤولية ولكن أن يكون ذلك تحت ضابط يتمثل بمبدأ حسن النية10.

وفي ظل تلك الأهمية لمبدأ حسن النية، هناك ما يستدعي السؤال، عن غاية التشريعات التي قصرت مبدأ حسن النية في مرحلة تنفيذ العقد من دون سريان المبدأ على مرحلة المفاوضات؛ فإذا كانت مرحلة تنفيذ العقد لها من الأهمية التي تتطلب وجود مبدأ حسن النية، فكان لزاما أن يكون مبدأ حسن النية حاضرا منذ بداية اتجاه إرادة أطراف التفاوض لانعقاد العقد.11

وفي الوقت الذي تمثل مرحلة المفاوضات أهمية قصوى من حيث كونها مرحلة مؤسسية للعقد نظير ما تمثله مرحلة التفاوض من مناقشات ومراسلات ومساومات على العرض المقدم لكل طرف بقيد يؤسسه مبدأ حسن النية تحت مظلة الحرية التعاقدية؛ إلا أن ذلك يقابله بمسؤولية تترتب على وجود أي إخلال في حال حدوثه بحسب مآل الإخلال.

ومؤدى ذلك؛ أن على مستوى المرحلة التفاوضية الأصل لا وجود لأي أثر قانوني، باعتبار أن كل طرف في المفاوضات لديه الحرية في قطع التفاوض في الوقت الذي يريد ولا مسؤولية على عدل ولا يكلف إثبات أنه قد عدل لسبب جدي فهي – المفاوضات - ليست سوى عملا ماديا.12

وغني عن القول، أن جزاء الإخلال بمرحلة التفاوض سيكون من خلال مسؤوليتين إما العقدية أو التقصيرية؛ فإذا كانت الأولى جزاؤها نتيجة الإخلال بالعقد، فالثانية جزاؤها العمل غير المشروع، فالمسؤولية العقدية تتطلب ابتداء وجود عقد صحيح مبرم بين الطرفين، وفي المقابل فالمسؤولية التقصيرية نتيجة إخلال في مرحلة التفاوض وقبل إبرام العقد وتحقق الإيجاب والقبول.13

وفي هذا الصدد، أن الأصل في مرحلة المفاوضات التي تسبق إبرام العقد أن حرية العدول لكل طرف هو مبدأ أصيل في ظل عدم ترتيب القانون أي أثر لقطع المتفاوض لأسباب تتعلق به؛ إذا ما رأى أن إبرام العقد غير صالح له، وبالتالي من حيث المبدأ، لا مسؤولية على الطرف الذي تراجع خلال المفاوضات.

إلا أن حرية العدول لكل طرف من قطع التفاوض سيترتب عليه مسؤولية؛ إذا كان قطع التفاوض عملا خاطئا تقوم معه المسؤولية التقصيرية على أساس العمل غير المشروع14؛ فهي مرحلة مفاوضات بين مختلف الأطراف لم تصل لنتيجة إبرام العقد التي تتطلب الإيجاب والقبول المتبادل15.

على أن الباحث يرى: الإشكالية الرئيسة في مرحلة المفاوضات وما قد ينشأ عنها من خطأ يستوجب قيام المسؤولية التقصيرية، مقيدة بمقتضيات مبدأ حسن النية وهو قيد على مبدأ الحرية التعاقدية16؛ إلا أن تلك الحدود المرسومة لكلا المتفاوضين في إطار مبدأ حسن النية تتطلب وجود تنظيم قانوني ينظم المرحلة السابقة للتعاقد من خلال الواجبات المفروضة على كل طرف، وهو ما أخذت به الاتجاهات القانونية الحديثة، وهذا ما سنتناوله في المطلب التالي.

المطلب الثاني

الاتجاهات القانونية الحديثة للمفاوضات التمهيدية

شهدت بعض الاتجاهات القانونية الحديثة طفرة تشريعية كبيرة في تنظيم المرحلة السابقة على التعاقد، وذلك من خلال سريان مبدأ حسن النية، ليس على مستوى مرحلتي إبرام وتنفيذ العقد فحسب، بل على مستوى مرحلة التفاوض التي تكون من خلال مرحلة إبرام العقد؛ علاوة على ترسيخ مجموعة من الالتزامات المتبادلة بين الطرفين كمرحلة الالتزام بالإعلام والالتزام بواجب السرية؛ لتصبح مرحلة المفاوضات وفقا لتلك الاتجاهات ذات تنظيم قانوني يتواءم مع الأهمية القانونية للتفاوض.17

وفي الوقت الذي لا زالت تعاني فيه التشريعات العربية عموما18- ما عدا المشرع الموريتاني19- من حالة جمود تشريعي بعدم تنظيم مرحلة المفاوضات السابقة على التعاقد، جاءت الاتجاهات القانونية الحديثة- كمبادئ (اليونيدروا) 2010 "المبادئ المتعلقة بالعقود التجارية الدولية"، وتعديلات القانون المدني الفرنسي 2016، بالإضافة إلى نظام المعاملات المدنية السعودي الصادر حديثا في يونيو 2023- بتنظيم قانوني للمفاوضات التمهيدية.

فمن جهتها، نظمت مبادئ (اليونيدروا) المرحلة السابقة على التعاقد؛ فأكدت ابتداء على مبدأ حرية التعاقد وعدم المسؤولية عن العدول عن التعاقد20، ومؤدى ذلك، أن المبادئ اعتبرت مبدأ حسن النية من النظام العام مع الأخذ بالطبيعة الآمرة لواجب احترام حسن وأمانة التعامل؛ سواء على مستوى مرحلة التفاوض على العقد مرورا بمرحلة تنفيذ العقد.

إلا أن الفقه اعتبر - وهو ما لا يتفق معه الباحث - أن المبادئ رتبت مسؤولية ناشئة بجزاء وفقا لقواعد المسؤولية التقصيرية21 في حالتي التفاوض أو قطع التفاوض بسوء نية عما يلحق الطرف الآخر من أضرار، كما أشارت المبادئ وبشكل صريح – كمثال - إلى سوء نية دخول طرف في التفاوض أو استمراره فيه بالرغم من نيته عدم التوصل إلى اتفاق مع الطرف الآخر.

ويرى الباحث، أن أساس المسؤولية وفقا لمبادئ (اليونيدروا) في مرحلة التفاوض وإن كان مصدرها قواعد مبادئ (اليونيدروا)؛ إلا أنها لا تخضع لقواعد المسؤولية التقصيرية وهي ـــ قطعا ـــ ليست مسؤولية عقدية لعدم وجود عقد مبرم وإن كانت ناتجة قبل مرحلة التعاقد، بل يرى الباحث؛ أن أساس المسؤولية هي مسؤولية استثنائية ذات طبيعة خاصة يعود أساسها إلى المبادئ في ظل ما بينته مبادئ (اليونيدروا) من بيان نوع الأضرار التي لحقت بالطرف الآخر في حال وجود الإخلال.

وغني عن القول، أن عناصر الضرر في المسؤولية التقصيرية مقصورة على الخطأ والضرر والعلاقة السببية بينهما؛ إلا أنه ثمة أضرار لا يجوز التعويض عنها، بما لا يتناسب مع إطار المفاوضات بسوء نية، لذلك يرى الباحث؛ أن تحديد المشرع بالنص على تعويض من نوع خاص يتناسب مع خصوصية الالتزام بالتفاوض بحسن نية، وهو ما أخذت به مبادئ (اليونيدروا) والقانون المدني الفرنسي من خلال نص المادة 111222، وإعمالا بهذا النص يرى الباحث؛ من كون إعمال المسؤولية من حيث كونها مسؤولية استثنائية – ليست تقصيرية أو عقدية بطبيعة الحال – ذلك من حيث كون القطع التعسفي للمفاوضات كمثال يقتصر فيه التعويض على الضرر الفعلي وليس عن ما فاته من كسب23.

ومؤدى ذلك، في ظل ما انتهت إليه المبادئ - لبيان نوع المسؤولية - في تحديد الضرر، فمن خلال المبادئ فإنه: للدائن استرداد النفقات التي تكبدها خلال المفاوضات، ويمكن أيضا التعويض عن ضياع الفرصة لإبرام عقد آخر مع الغير، ولكن عموما لا يسترد الأرباح التي من شأنها أنها أدت إذا تم إبرام العقد الأصلي (التي تسمى أحيانا توقع أو الفائدة الإيجابية)24.

ويلاحظ، أن المبادئ بخلاف القانون الفرنسي الجديد، فقد رتبت التزاما وحيدا على طرفي التفاوض يتمثل بالالتزام بالسرية25 بخلاف التزامي الإعلام والسرية في تعديلات القانون المدني الفرنسي، ونرى أن الالتزام بواجب الإعلام من كلا الطرفين لا يقل أهمية عن التزام السرية.

وهناك رأي أخر26 بهذا الصدد؛ مفاده أن النص دمج بين الالتزام بالسرية وواجب الإعلام على فرضية أنه: "بالتقدم في مرحلة المفاوضات لا بد للأطراف من كشف بعض الوقائع بحيث يقرر الطرف الآخر بجدية وإدراك نحو إكمال المفاوضات عدم الإعلام عن بعض المعلومات؛ مما يضع مسألة إبرام العقد وصحته موضع التساؤل والإعلام قد يعرض الأطراف لخطر إفشاء المعلومات لكونها قد تذهب لمنافس أو تتسرب؛ مما يوجب التقيد بضمانات لعدم إفشاء السر".

ومن الاتجاهات التشريعية الجديدة التي نظمت مرحلة المفاوضات، جاء القانون المدني الفرنسي بتعديلاته 2016 بمجموعة من النصوص القانونية التي تنظم المرحلة السابقة على التعاقد27، فمن جهة العقد كمصدر للالتزام؛ فقد عرفه القانون بأن اتفاق إرادات بين شخصين أو عدة أشخاص يهدف إلى إنشاء التزامات أو تعديلها أو نقلها أو إنهائها، كما نظم القانون الجديد ولأول مرة سريان مبدأ حسن النية على مرحلة التفاوض ليكون واجبا، علاوة على تنظيم القانون للمسؤولية الناشئة عن الأخطاء المرتكبة في مرحلة المفاوضات.

على أن المشرع الفرنسي قبل التعديلات، كان يقتصر مبدأ حسن النية على مرحلة تنفيذ العقد كشأن سائر التشريعات العربية؛ إذ كانت المادة 1134 بالقانون القديم تنص على أن: "تقوم الاتفاقات المبرمة بشكل قانوني مقام القانون بالنسبة إلى من أبرموها، ولا يمكن الرجوع عنها إلا برضاهم المتبادل أو للأسباب التي يجيزها القانون. ويجب أن يتم تنفيذها بحسن نية"28.

ويتبين من واقع تعديلات القانون المدني الفرنسي، أنه قصر التعويض عن المسؤولية كجزاء للإخلال في مرحلة التفاوض على الضرر اللاحق دون الكسب الفائت بوجود خطأ وضرر وعلاقة سببية بينهما29.

ويتفق الباحث مع اتجاه المشرع الفرنسي بتحديد تعويض من نوع خاص يتناسب مع خصوصية الالتزام بالتفاوض بحسن؛ ليكون مؤدى ذلك أن أساس المسؤولية مصدرها القانون وليست مسؤولية عقدية أو مسؤولية تقصيرية بالعودة للقواعد العامة في حال لم ينص القانون عليها.

وتأكيدا على مدى الأهمية التي تكتسبها مرحلة المفاوضات وخصوصا في إطار العقود ذات الطابع التجاري الدولي؛ فقد نظم القانون المدني الفرنسي بتعديلاته الجديدة التزامين مهمين ينظمان مسؤولية التفاوض في إطار مبدأ حسن النية، هما الالتزام بواجب الإعلام والالتزام بالسرية30.

ويلاحظ أن المشرع الفرنسي أولى أهمية قصوى للالتزام بواجب الإعلام بنص فريد من نوعه، ليس على صعيد اعتباره التزاما واجبا على أطراف مرحلة التفاوض وبيان حدوده وعبء إثبات القيام به وجزاء الإخلال بهذا الالتزام فحسب، بل اعتبر الالتزام بواجب الإعلام من جميع الأطراف من النظام العام ورتب جزاء بطلان العقد لاحقا في حال الإخلال به من أحد الطرفين في مرحلة المفاوضات31.

وفي ظل تعديلات القانون المدني الفرنسي، أصبح مبدأ حسن النية ملزما على جميع مراحل التفاوض والإبرام والتنفيذ للعقد؛ بحيث شمل تنظيمه لمرحلة التفاوض بوجود التزامات متبادلة على عاتق الأطراف المتفاوضة تمثل النتيجة الطبيعية والمنطقية لمبدأ حسن النية من خلال التزام قبل التعاقد بالإعلام، والتزام قبل التعاقد بالسرية32.

ومن جهته، جاء نظام المعاملات المدنية السعودي الجديد الصادر عام 2023، ليتضمن تنظيما قانونيا لمرحلة التفاوض على العقد، بالتأكيد على مبدأ الحرية التعاقدية وحرية العدول عن التعاقد دون ترتيب أي التزام، إلا أن ذلك مشروط بألا يكون التفاوض أو إنهاء التفاوض بسوء نية؛ مما يستوجب تعويضا عن الضرر الذي أصاب الطرف الآخر.33

ويلاحظ أن المشرع السعودي وبخلاف مبادئ (اليونيدروا) والقانون الفرنسي بتعديلاته الجديدة لم يشر إلى الالتزامات الواجبة على طرفي التفاوض كواجب الالتزام بالإعلام وواجب الالتزام بالسرية.

إلا أنه بين ـــ على سبيل المثال ـــ جانبا من أحكام التفاوض بسوء نية باعتبار أن مبدأ حسن النية أصبح التزاما واجبا في المرحلة السابقة على التعاقد، مثل عدم الجدية في التفاوض، أو تعمد عدم الإدلاء ببيان جوهري مؤثر في العقد وهو ما يراه الباحث - عبارة عدم الإدلاء ببيان جوهري - تعني ضمنيا الالتزام بواجب الإعلام.

ويتبين من اتجاه المشرع السعودي في ترتيب المسؤولية الناشئة عن الإخلال بمرحلة التفاوض، النص بشكل صريح بالإشارة إلى نوع التعويض عن الضرر الذي أصاب الطرف الآخر، على أن يكون التعويض عن الضرر المحقق فقط ولا يشمل عما فاته من كسب متوقع من العقد محل التفاوض34، على أن يكون أساس المسؤولية - برأي الباحث - هي مسؤولية أساسها القانون ذو طبيعة خاصة وليس عقدية أو تقصيرية.

وفي ظل تطور الاتجاهات القانونية بتنظيمها لمرحلة التفاوض في إطار مبدأ حسن النية، إلا أنه يلاحظ أن المشرع الموريتاني كان له الأسبقية - قياسا على الاتجاهات القانونية الحديثة - في أن تكون جميع التصرفات القانونية بما فيها المرحلة السابقة على التعاقد بسريان مبدأ حسن النية، ويرى فيه الباحث، نصا فريدا من نوعه سبق به المشرع الموريتاني الاتجاهات القانونية الحديثة متجاوزا جمود التشريعات العربية.

وبالوقوف على ما ورد في تنظيم المشرع الموريتاني، فهو لم يكتف بوجوب مبدأ حسن النية في مرحلة المفاوضات بل فرض التزامات متعددة في مرحلة التفاوض، منها التزام الأمانة في التفاوض والالتزام بواجب الإعلام، علاوة على ترتيب جزاء المسؤولية التقصيرية في حال وجود أي ضرر - في ظل عدم تحديده في النص لنوع الضرر؛ مما يستوجب العودة للقواعد العامة - وهو ما أكد عليه اتجاه القضاء الموريتاني35.

ويشير الباحث إلى، أن ثمة خصوصية في أساس المسؤولية في المرحلة السابقة؛ بحيث أصبحت مسؤولية استثنائية ذات طبيعة خاصة مصدرها القانون36؛ سواء على مستوى مبادئ (اليونيدروا) أم على مستوى القانون المدني الفرنسي أم على مستوى المشرع السعودي، وذلك بتحديد تلك التشريعات لنوع الضرر في المسؤولية بمرحلة التفاوض، أما في المسؤولية التقصيرية؛ فالنطاق يكون أوسع وفقا للقواعد العامة؛ لأن وعاء التعويض يكون عن الضرر المتوقع وغير المتوقع.

على أن اتجاه المشرع الموريتاني ومع خلو تنظيمه للمرحلة السابقة على التعاقد لبيان نوع الضرر، جاء متفقا مع اتجاهات التشريعات العربية التي لم تنظم مرحلة التفاوض في الرجوع للقواعد العامة في المسؤولية التقصيرية في المرحلة السابقة على التعاقد.

المبحث الثاني

حاجة القوانين العربية لتنظيم مرحلة التفاوض على العقد

في ظل الفراغ التشريعي للقوانين العربية لعدم تنظيمها لمرحلة التفاوض على العقد وما انتهت إليه الاتجاهات القانونية الحديثة، نتناول في المبحث الثاني حاجة القوانين العربية وذلك بدراسة الأثر الاقتصادي لتنظيم مرحلة التفاوض على العقد (المطلب الأول) من خلال تطورات عقود التجارة الدولية وتعدد وضخامة مراحلها، على أن يقودنا ذلك لدراسة الأثر القانوني لتنظيم مرحلة التفاوض على العقد في (المطلب الثاني).

المطلب الأول

الأثر الاقتصادي لتنظيم مرحلة التفاوض على العقد

شهدت عقود التجارة الدولية في العقود الأخيرة تطورا واسعا وتوسعا هائلا، ومعه خلقت أنواع كثيرة من العقود تميزت بالتعقيد وتعدد المراحل والجوانب، نظير ما تمثله تلك العقود من قيمة اقتصادية لطرفي العقد، علاوة على ما تمثله تلك العقود بتطوراتها التكنولوجية من انطوائها على مخاطر في جميع مراحل العقد.37

وفي ظل ذلك، باتت تلك العقود بتشعب مراحلها وتكوينها تتطلب أن تكون من خلالها المرحلة السابقة للتعاقد على قدر كاف من الضمانات والالتزامات المتبادلة، نظير أهمية مرحلة التفاوض التي قد تستغرق وقتا من الزمن، لا سيما أن تلك العقود تكون باهظة التكاليف ماليا، وهو ما يستدعي أن يكون الجانب القانوني على قدر من تغطية آثار رحلة التفاوض من مخاطر قانونية قياسا مع أهمية عقود التجارة الدولية.

ومن التطبيقات القانونية، التي أولت اهتماما لعقود التجارة الدولية، اتفاقية الأمم المتحدة لسنة 1980 بشأن عقود البيع الدولي للبضائع38، التي تناولت تنظيم المرحلة السابقة على التعاقد من كافة التصرفات بما فيها سوء نية المتفاوض والالتزامات المترتبة عليه طبقا للعرف الجاري في المعاملات التجارية39.

وغني عن القول، أن عقود التجارة الدولية ونظير أهميتها الاقتصادية الكبيرة؛ فهي لا يتم إبرامها من خلال إيجاب وقبول فوريين، بل إن التفاوض من قبل مختلف الأطراف يأخذ حقه وكفايته ودراسته، ويقابل ذلك فراغ تشريعي من مختلف التشريعات العربية كما ذكرنا بالمبحث الأول بمقابل وجود اتجاهات قانونية حديثة نظمت مرحلة التفاوض والالتزامات الناتجة عن التفاوض على قدر أهمية مرحلة المفاوضات.40

وفي ظل تلك الأهمية لمرحلة التفاوض في إطار عقود التجارة الدولية، وغياب تنظيم تشريعي صريح، فذلك مدعاة أن هذه الحرية التعاقدية قد تكون سببا أو مصدرا لتعسف أحد الطرفين في استغلالها من خلال إتيان بعض التصرفات غير المشروعة كقطع التفاوض وسوء النية41 في ظل وصول مرحلة التفاوض لمرحلة متقدمة.42

ويؤكد الباحث، أن تنظيم مرحلة التفاوض في مختلف أنواع العقود عموما، وعقود التجارة الدولية على وجه الخصوص، تلعب دورا مهما من خلال عدة أوجه، منها خفض احتمال وقوع أي نزاع بين مختلف الأطراف في حال إبرام العقد وتنفيذه وما يترتب عليه من آثار، كون أن مرحلة المفاوضات - بوجود تنظيم قانوني - ستكون منضبطة بكافة البنود التي تؤدي لخفض وقوع أي نزاع.

كما أن تنظيم مرحلة التفاوض له أثر اقتصادي بالوضوح والشفافية؛ حيث يعرف من خلال المرحلة كل طرف الحقوق والالتزامات المتبادلة بينهما والمسؤولية الناتجة عن وجود أي إخلال بمرحلة التفاوض، علاوة على ما يمثله وجود تنظيم قانوني صريح من أن المفاوضات بين مختلف الأطراف تعد بمثابة مرجع أساسي في تفسير العقد خلال مرحلة تنفيذه في حال نشوء أي نزاع حول أي بند من بنود العقد في حال وجود خطابات متبادلة ومناقشات ودراسات ليكون كل طرف على بينة، كما يساعد ذلك الجهة التي تنظر في محل النزاع بين طرفي العقد لتمكينها في الفصل بالنزاع.

ومن نماذج تلك العقود التي تعتبر ذات أهمية قصوى في ميدان التجارة الدولية، هي عقود الشراكة بين القطاعين العام والخاص43 التي تولي لها مختلف دول المنطقة اهتماما خاصا من خلال تشريعات قانونية تنظمها سعيا منها لجذب الاستثمارات44.

ومؤدى ذلك، تعتبر تشريعات تنظيم عقود مشروعات الشراكة بين القطاعين العام والخاص إحدى أهم الركائز الأساسية في جذب الاستثمارات، إلا أن ذلك يتوقف على مدى قدرة نصوصها ومواءمتها بشكل أساسي على تحفيز المستثمر للمضي قدما في العقد بمواجهة القطاع العام، وبلا شك تنظيم مرحلة التفاوض ليست بمعزل عن تلك الأهمية.

ولذلك؛ باتت اليوم مشروعات الشراكة بين القطاعين العام والخاص، تمثل أبرز التحديات القانونية التي تتعلق بالمجال الاقتصادي في مختلف دول العالم؛ ولذلك تتسابق الدول من خلال سن تشريعاتها الخاصة بتنظيم إصدار مشاريع الشراكة بين القطاعين العام والخاص، وشهدنا ذلك في العقدين الأخيرين بقيام العديد من الدول بسن قوانين متعلقة بتنظيم مشاريع الشراكة، ومنها قطر والكويت، وسبقتهم مصر في ذلك.45

وعلى سبيل المثال، فمبدأ توزيع وتقاسم المخاطر يعتبر هو الجوهر الأساسي في خصوصية عقود مشاريع الشراكة بين القطاع العام والخاص، نظرا لضخامة تلك المشاريع الاقتصادية التي تتعلق بمجالات متعددة في المرافق العامة والبنية التحتية، علاوة على الفترة الزمنية طويلة المدى في عقود الشراكة لتصل حتى خمسين عاما مثلما فعل المشرع الكويتي.46

كما أن توزيع وتقسيم المخاطر في مشروعات الشراكة بين القطاعين – في ظل تعريف الشراكة47- والتي تكون غالبا مشاريع ضخمة تتضمن العديد من المراحل العقدية التي تتخللها اتفاقيات، والتي ستكون معرضة لأخطار تنشأ عنها العديد من الصعوبات القانونية48.

وتتمثل الصعوبات القانونية في تحديد المسؤولية عن المخاطر، والكيفية التي يمكن مواجهتها والسيطرة عليها، علاوة على إنهائها حتى يتم إنجاز المشروع كما هو مخطط له49، وهي حيثيات محلها مرحلة التفاوض على العقد على أن تكون منضبطة بتنظيم قانوني صريح ينظم مرحلة التفاوض من خلال الالتزام بعدة واجبات أخصها الإعلام والسرية والجدية في التفاوض.

وفي ظل ذلك، نرى أن الصعوبات القانونية في عقود التجارة الدولية ومنها عقود الشراكة بين القطاعين العام والخاص، تتطلب وجود تنظيم قانوني ينظم كافة الإشكاليات القانونية التي قد تتمخض عن غياب تنظيم مرحلة التفاوض التي ستمكن أطراف العلاقة في العقد من الوقوف على كافة الإشكاليات التي قد تعترض تنفيذ العقد في حال إبرامه وتقليل كافة المخاطر القانونية بدلا من امتداد تأثيرها خلال مرحلة التنفيذ.

ونرى، أن الأثر الاقتصادي لوجود تنظيم قانوني صريح ينظم مرحلة المفاوضات السابقة على العقد إلى مستوى عقود التجارة الدولية التي تسعى من خلالها الدول إلى جذب الاستثمارات، سيكون له أثر قانوني يتمثل في توفير بيئة حمائية ووقائية لأطراف مرحلة التفاوض بوجود ضمانات والتزامات مبتادلة50.

ويرى الباحث، أن القيمة الفنية للأثر الاقتصادي حيث تلعب المفاوضات دورا هاما ومحوريا في حال تنظيمها قانونيا51، من خلال تعزيز العلاقات التجارية الدولية كون أن المفاوضات تساهم في بناء وتعزيز العلاقات بين مختلف الأطراف وضمان أن جميع الأطراف على علم ودراية بكافة الشروط والأحكام المتفق عليها؛ مما يساهم في إدارة المخاطر المحتملة بالعقد وتحديدها وتقييمها، علاوة على مساهمة المفاوضات بتعزيز الابتكار والتطوير من خلال تبادل الأفكار والخبرات بين أطراف التفاوض.

المطلب الثاني

الأثر القانوني لتنظيم مرحلة التفاوض على العقد

في ظل ما يمثله الأثر الاقتصادي بضرورة وجود تنظيم قانوني لمرحلة التفاوض بين أطراف التفاوض قبل إبرام العقد، فذلك - كنتيجة طبيعية - يقودنا إلى الأثر القانوني لتنظيم التفاوض من خلال ما يشكله وجود تنظيم قانوني صريح لمرحلة التفاوض من آثار متبادلة بين مختلف الأطراف، أهمهما الالتزام بواجب الإعلام والالتزام بالسرية.

وتتمثل أهمية مرحلة التفاوض من الناحية القانونية، كون أن تلك المرحلة بقدر ما يكون هناك وضوح من كافة أطراف مرحلة التفاوض، بقدر ما ينعكس ذلك على وضوح تنفيذ العقد والآثار الناتجة عنه؛ فعملية التفاوض هي كلام متبادل تتخلله مناقشات ومراسلات، وبخلاف الوضوح قد ينشأ سوء فهم يتسبب بالغلط أو تغرير من أحد الأطراف وهو ما ينعكس تاليا على آثار العقد52.

وبالتالي، يقتضي الأثر القانوني لتنظيم مرحلة التفاوض من خلال سريان مبدأ حسن النية على المرحلة السابقة على التعاقد؛ كما هو الحال على سريان مبدأ حسن النية في مرحلة تنفيذ العقد بحسب النص الموجود الحالي، والذي تأخذ به أغلب تشريعات النظام اللاتيني وعلى وجه الخصوص القوانين المدنية العربية53.

وغني عن القول، لا يمكن القول من خلال الأخذ بكفاية النص الموجود حاليا لمبدأ حسن النية من حيث المستلزمات ليدخل في إطار مرحلة المفاوضات54، وذلك كون النص ينظم التزام مبدأ حسن النية في مرحلة تنفيذ العقد بوجود عقد مبرم بين الطرفين؛ بخلاف مرحلة التفاوض التي تبقى في إطار مرحلة تكوين العقد وقبل أن ينتقل الأطراف إلى مرحلة الإيجاب والقبول لانعقاد العقد، وبالتالي لا محل هنا للحديث عن تطبيق النص على حالة التفاوض. كما أن الفراغ التشريعي بعدم تنظيم مرحلة التفاوض لدى التشريعات، نتج عنه عدم قدرة التطبيقات القضائية العربية بالتعامل مع مختلف النزاعات المتعلقة بمرحلة التفاوض على العقد، وعدم مواءمة القواعد العامة للتعامل مع الفراغ التشريعي55.

ومؤدى ذلك؛ أن الأثر القانوني لوجود تنظيم قانوني صريح لمرحلة التفاوض، يعد بمثابة وسيلة حمائية ووقائية يتمكن من خلالها أطراف مرحلة التفاوض أن ينخرطوا بالمفاوضات بكل يسر وطمأنينة في ظل وجود التزامات متبادلة أهمها الالتزام بالإعلام والسرية؛ لتحقيق التوازن العقدي ويجعل تلك العلاقة بمنأى عن الوقوع بأي اختلال تعاقدي.56

ويرى الباحث، أن غياب تنظيم قانوني لمرحلة التفاوض بعدم سريان مبدأ حسن النية في ظل ما يشهده العالم من متغيرات اقتصادية؛ أدى إلى وجود تفاوت في المراكز القانونية بين مختلف أطراف العلاقة التعاقدية وغياب التوازن العقدي57.

في حين أن تنظيم عملية التفاوض- علاوة على خلق حالة التوازن العقدي - ستمنع توغل أحد الطرفين على حساب الآخر وإملاء الشروط عليه في ظل غياب الالتزامات المترتبة على كل طرف من سريان مبدأ حسن النية وما يرتبه تاليا من النزاهة والأمانة وواجبي الإعلام والسرية58.

ولو نظرنا إلى الاتجاهات القانونية الحديثة ـــ والتي تناولناها في وقت سابق من دراستنا ـــ نجد أن المشرع الفرنسي بتعديلاته في عام 2016 على القانون المدني حقق طفرة تشريعية واسعة في الأثر القانوني لمرحلة التفاوض، من خلال تنظيم المرحلة السابقة على التعاقد.

ويرى الباحث، أن الاتجاه الحديث للمشرع الفرنسي، أخذ بالأثر القانوني المفترض لتنظيم مرحلة التفاوض، من خلال قواعد آمرة نص عليها، ابتداء من خلال ما نصت عليه المادة 1104 على وجوب أن يكون التفاوض على العقد وإبرامه وتنفيذه بحسن نية، وبذلك أصبح الالتزام بحسن النية واجبا منذ مرحلة التفاوض على العقد إلى تنفيذه، مرورا بمرحلة إبرامه.

كما أن تعديلات المشرع الفرنسي، لم تقف عند هذا الحد، بل أولت اهتماما للمسؤولية المترتبة جزاء الإخلال بالتفاوض بسوء نية من خلال ما نصت عليه المادة 1112 عن المسؤولية الناشئة عن الأخطاء المرتكبة في هذه المرحلة من قبل أطراف مرحلة التفاوض.

ويتفق الباحث مع اتجاه المشرع الفرنسي، بالنص على الالتزامات المترتبة على مرحلة التفاوض ومنها الالتزام بالإعلام59 باعتباره واجبا على أطراف مرحلة التفاوض واعتباره أن الالتزام بواجب الإعلام من جميع الأطراف من النظام العام مع ترتيب جزاء بطلان العقد في حال الإخلال به من أحد الطرفين.

كما أن الالتزام بالسرية لا يقل أهمية وخصوصية في عقود التجارة الدولية كونه أحد أهم عناصر التجارة الدولية؛ حيث بات السر التجاري من المقومات الرئيسة التي تعتمد عليها المشروعات لتحافظ على تفردها في البيئة التنافسية، نظير ما تحمله تلك العقود من معارف فنية سرية؛ حيث تقتضي عملية المفاوضات إفصاح أحد الطرفين للآخر عن أسرار هذه المعارف، ليقف الآخر على نوع الأسرار التجارية وحجم المنافع التي سيتحصل عليها من خلال إبرامه للعقد.60

وعلى نطاق العقود التجارية الدولية، لم يعد من المتصور أن يقوم أحد الأطراف بعرض الأفكار والخدمات وعلى الآخر من دون نقاش وتفاوض للوصول إلى بنود العقد من دون مقتضيات حسن النية وترتيب التزامات متبادلة كالالتزام بالإعلام والالتزام بالسرية.

وغني عن القول، أن مرحلة المفاوضات، كلما كانت محاطة بعناية وبسياج من الضمانات القانونية، كان ذلك مدعاة لاستقرار المراكز القانونية لأطراف مرحلة التفاوض؛ فهي لا تخرج عن كونها مرحلة إعداد للعقد، وكلما جاء العقد محققا وملبيا لمصالح الطرفين انطلاقا من مرحلة التفاوض؛ فذلك يحول دون نشوء أي نزاع بينهم ما أمكن.

ومؤدى ذلك، أن الالتزامات المتبادلة بين أطراف مرحلة التفاوض في ظل تنظيم قانوني صريح، بمثابة مرجع أساسي في تفسير العقد خلال مرحلة تنفيذه؛ حيث سيكون من السهولة الرجوع إلى ما تضمنته مرحلة المفاوضات من مراسلات وخطابات متبادلة ومناقشات، وهو ما يساعد أطراف التفاوض ليكونوا على قدر من الوضوح والبينة، علاوة على مساهمة ذلك في حال نشوء نزاع لبيان ذلك أمام الجهة التي تنظر محل النزاع.61

كما أن، وجود تنظيم قانوني صريح، سيعزز الثقة في المفاوضات وجديتها وحماية كافة الأطراف وتحقيق الأمان التعاقدي؛ فهو التزام ضروري لتسهيل التفاوض وعدم التخوف من التحايل وسوء نية المتعاقد الآخر؛ سواء فشلت المفاوضات أم نجحت وتم إبرام العقد، إضافة إلى احترام جوانب الأمانة والنزاهة من خلال التزام حسن النية62 في هذه المرحلة.63

ويتفق الباحث مع اتجاه المشرع الموريتاني بهذا الصدد من خلال تقنينه المدني بتنظيم مرحلة التفاوض بوجوب مبدأ حسن النية64؛ فهو يتواءم مع الأثر القانوني المنشود بفرض التزامات متعددة منها التزام الأمانة والإعلام وبنص صريح يفرض حسن النية على كل شخص التزام الأمانة في التصرف اتجاه شريكه وخاصة إعلامه على وجه صحيح بالوقائع التي يمكن أن تنعكس على علاقاتهما.

وتطبيقا لأهمية مرحلة المفاوضات وتحقيقا للأثر القانوني المنشود بعد قطع التفاوض بسوء النية من قبل أي طرف؛ فقد أكد القضاء الموريتاني، على أنه: "إذا تم التأكد من توفر المفاوضات وتقدمها، فيتعين أن يظهر من خلال الوقائع وجود تعسف من أحد الطرفين في قطع العلاقة التفاوضية ويحصل ذلك من خلال إثبات تصرف غير مبرر يحمل على القول بوجود سوء نية؛ كأن يتم قطع المفاوضات فترة وجيزة قبل التوقيع لعقد أصبح شبه جاهز على نحو لم يعد يخالج الطرف الآخر شك أنه سيأخذ شكله التعاقدي"65.

ويرى الباحث، أن الأثر القانوني لتنظيم مرحلة التفاوض على التعاقد، كلما كانت المفاوضات محاطة بحمائية ووقاية وفقا لضمانات قانونية صريحة لا ضمنية، ساهمت في خلق حالة من التوازن العقدي، من خلال سريان مبدأ حسن النية؛ فلذلك سيترتب عليه العديد من الالتزامات والواجبات المتبادلة ليس على صعيد عدم الإفشاء بالسرية وواجب الإعلام فحسب، بل بالجدية في التفاوض وبحظر المفاوضات الموازية.

الخاتمة

من خلال دراسة مدى حاجة القوانين العربية لوجود تنظيم قانوني لمرحلة المفاوضات السابقة على التعاقد يتضمن قواعد آمرة على أطراف التفاوض، ويرتب اتجاههم التزامات متبادلة كالالتزام بواجب الإعلام والالتزام بالسرية والجدية وفق مقتضيات الأمانة والنزاهة والشفافية تحت مظلة مبدأ حسن النية، وفي ضوء الاتجاهات القانونية الحديثة، توصلنا إلى النتائج التالية:

أولا: تنظيم مرحلة التفاوض، يعرف من خلالها كل طرف الحقوق والالتزامات المتبادلة بينهما والمسؤولية الناتجة عن وجود أي إخلال بمرحلة التفاوض، علاوة على ما يمثله وجود تنظيم قانوني صريح من أن المفاوضات بين مختلف الأطراف تعد بمثابة مرجع أساسي في تفسير العقد خلال مرحلة تنفيذه في حال نشوء أي نزاع حول أي بند من بنود العقد في حال وجود خطابات متبادلة ومناقشات ودراسات؛ ليكون كل طرف على بينة، كما يساعد ذلك الجهة التي تنظر في محل النزاع بين طرفي العقد لتمكينها من الفصل في النزاع.

ثانيا: لا يمكن القول من خلال الأخذ بكفاية النص الموجود حاليا - في القوانين العربية المدنية بتنفيذ العقد وفقا لمبدأ حسن النية ومنها المادة 172 في القانون القطري من حيث المستلزمات ليدخل في إطار مرحلة المفاوضات -، وذلك كون النص ينظم التزام مبدأ حسن النية في مرحلة تنفيذ العقد بوجود عقد مبرم بين الطرفين بخلاف مرحلة التفاوض التي تبقى في إطار مرحلة تكوين العقد وقبل أن ينتقل الأطراف إلى مرحلة الإيجاب والقبول لانعقاد العقد، وبالتالي لا محل هنا للحديث عن تطبيق النص على حالة التفاوض.

ثالثا: مرحلة المفاوضات، كلما كانت محاطة بعناية وبسياج من الضمانات القانونية، كان ذلك مدعاة لاستقرار المراكز القانونية لأطراف مرحلة التفاوض؛ فهي لا تخرج عن كونها مرحلة إعداد للعقد، وكلما جاء العقد محققا وملبيا لمصالح الطرفين انطلاقا من مرحلة التفاوض؛ فإن ذلك يحول دون نشوء أي نزاع بينهم ما أمكن.

رابعا: على نطاق العقود التجارية الدولية، لم يعد من المتصور أن يقوم أحد الأطراف بعرض الأفكار والخدمات وعلى الآخر من دون نقاش وتفاوض للوصول إلى بنود العقد من دون مقتضيات حسن النية وترتيب التزامات متبادلة كالالتزام بالإعلام والالتزام بالسرية.

خامسا: مبادئ (اليونيدروا) لعقود التجارة الدولية والقانون المدني الفرنسي ونظام المعاملات المدنية السعودي، تضمنت مسؤولية استثنائية ذات طبيعة خاصة في تحديدها لنوع الضرر الناتج عن الإخلال في مرحلة التفاوض وفقا لوعاء محدد من الضرر؛ ليصبح أساس المسؤولية وفقا للقانون وليس تأسيسا على مسؤولية عقدية أو مسؤولية تقصيرية تحتمل الضرر المتوقع وغير المتوقع بالرجوع للقواعد العامة.

وبناء على النتائج السابقة؛ فإن الدراسة توصي بما يلي:

أولا: يوصي الباحث المشرعين في الدول العربية، بتبني نص خاص ينظم المرحلة السابقة على التعاقد بمبدأ حسن النية في جميع مراحل العقود (التفاوض – الإبرام - التنفيذ)، على أن يتضمن النص قاعدة آمرة بعدم الجواز على الاتفاق على مخالفتها، وذلك على غرار ما أخذ به المشرع الفرنسي بتقنينه المدني بنص المادة 1104 بتعديلاته الحديثة، والتي تنص على: "يجب التفاوض على العقود وإبرامها وتنفيذها بحسن نية. يعتبر هذا الحكم من النظام العام"، وما نصت عليه مبادئ (اليونيدروا) عبر المادة 1.7 "1- يلتزم كل طرف بأن يتصرف وفقا لما يقتضيه حسن النية وأمانة التعامل في التجارة الدولية 2- لا يجوز للأطراف استبعاد هذا الالتزام أو تقييده".

ثانيا: يوصي الباحث المشرعين في الدول العربية: بتبني نص خاص ينظم واجب الالتزام بالإعلام والالتزام بالسرية خلال المرحلة السابقة على التعاقد، نظير أهمية هذا الالتزام بما يتضمنه من بيانات جوهرية مؤثرة في العقد مع اعتباره من النظام العام وترتيب جزاء بطلان العقد لمخالفة الالتزام، وذلك على غرار ما أخذ به المشرع الفرنسي بتقنينه المدني من خلال ما نصت عليه المادة: 1112-1 بتنظيم واجب الالتزام بالإعلام والمادة 1112-2 بتنظيمها لعدم إفشاء السرية وفقا للقواعد العامة، وما أخذت به مبادئ (اليونيدروا) لعقود التجارة الدولية، من خلال ما ورد نص المادة 2.1.15 والمادة 2.1.16، وكذلك ما نصت عليه الفقرة الثانية من المادة 41 من نظام المعاملات المدنية السعودي الصادر عام 2023 بالنص على الالتزام بالإعلام أنه: "يعد من سوء النية عدم الجدية في التفاوض، أو تعمد عدم الإدلاء ببيان جوهري مؤثر في العقد".

المراجع

أولا: باللغة العربية:

  • شرح مبادئ (اليونيدروا) لعقود التجارة الدولية 2010 - تأليف مجموعة من الأساتذة العرب، الجزء الأول، منشورات الحلبي الحقوقية، الطبعة الأولى، 2017م.
  • أحمد السيد الشوبري، التفاوض التعاقدي: إطاره القانوني وأثره في الالتزام، مجلة كلية الدراسات الإسلامية والعربية بدمنهور، العدد الرابع، الجزء الأول، 2019م.
  • أمين دواس، اتفاقية الأمم المتحدة لسنة 1980 بشأن عقود البيع الدولي للبضائع في ضوء أحكام القضاء والفقه، الجامعة العربية الأمريكية، جنين، 2013.
  • بوناح عبد النور، التفاوض على عقود التجارة الدولية - مبدأ حرية التفاوض وحسن النية، المجلة الجزائرية للحقوق والعلوم السياسية، المجلد 7، العدد 2، 2022م.
  • جابر محجوب علي، الجزء الأول، النظرية العامة للالتزام - مصادر الالتزام في القانون القطري (المصادر الإرادية وغير الإرادية)، الطبعة الثالثة، كلية القانون، جامعة قطر، 2019م.
  • حمدي محمود بارود، الطبيعة القانونية للمسؤولية في حالة العدول عن مفاوضات العقد، مجلة الجامعة الإسلامية للدراسات الاقتصادية والإدارية، المجلد 20، العدد 2، يونيو 2012م.
  • رناد عبد الله الغامدي، الإطار القانوني للالتزام بالسرية في مفاوضات عقود نقل التكنولوجيا، المجلة العربية للنشر العلمي، الإصدار السابع، العدد 68، يونيو 2024م.
  • سيف باجس الفواعير، عقود الشراكة بين القطاعين العام والخاص - مفهومها وطبيعتها القانونية، دراسة قانونية، المجلة الدولية للقانون، كلية القانون قطر، مارس 2017م.
  • ظفر محمد الهاجري، التزام التفاوض بحسن نية في ضوء تعديلات القانون الفرنسي أكتوبر 2016م بالمقارنة بالقانون الكويتي، مجلة الحقوق، جامعة الكويت، العدد 3، 2017م.
  • عبد الرزاق السنهوري، نظرية العقد، شرح القانون المدني، النظرية العامة للالتزامات، دار الكتب المصرية، 1934م.
  • عبد الرسول عبدالرضا وجمال فاخر النكاس، الوجيز في النظرية العامة للالتزامات - الكتاب الأول: مصادر الالتزام والإثبات، الطبعة الرابعة، مؤسسة دار الكتب، الكويت، 2014م.
  • محمد حسن قاسم، قانون العقود الفرنسي الجديد باللغة العربية، المواد 1100 إلى 7-1231، منشورات الحلبي الحقوقية، 2016م.
  • محمد عبد الله عبد الحفيظ، ركن الضرر كشرط لقيام المسؤولية المدنية، مجلة البحوث القانونية والاقتصادية، جامعة المنصورة، المجلد 13، العدد 86، ديسمبر 2023م.
  • محمد ربيع الباب، أثر مبدأ حسن النية في إنهاء عقود المدة: دراسة تحليلية مقارنة، المجلة القانونية، جامعة القاهرة - فرع الخرطوم، المجلد 11، العدد 1، 2022م.
  • محمود فياض، مدى التزام الأنظمة القانونية المقارنة بمبدأ حسن النية في مرحلة التفاوض على العقد، مجلة الشريعة والقانون، جامعة الإمارات العربية المتحدة، السنة 27، العدد 54، أبريل 2013م.
  • محمود سمير الشرقاوي، العقود التجارية الدولية، دراسة خاصة لعقد البيع الدولي للبضائع، دار النهضة العربية، القاهرة، 1992م.
  • نبيل اسماعيل الشلاق، الطبيعة القانونية لمسؤولية الأطراف في مرحلة ما قبل العقد - دراسة في العقود الدولية لنقل التكنولوجيا، مجلة جامعة دمشق للعلوم الاقتصادية والقانونية، المجلد 29، العدد الثاني، 2013م.

هاني عرفات صبحي حمدان، النظام القانوني لعقود الشراكة بين القطاعين الحكومي والخاص (ppp)- دراسة مقارنة، دار النهضة العربية، القاهرة، 2016م.

هاني عبد العاطي الغيتاوي، المفاوضات وأثرها على التوازن العقدي - دراسة مقارنة، مجلة كلية الشريعة والقانون بطنطا، العدد 34، الجزء الثالث، 2019م.

  • وفاء حلمي السعيد، الالتزام بالتفاوض في عقود التجارة الدولية، مجلة الشريعة والقانون، كلية الشريعة والقانون بالقاهرة، العدد 42، أكتوبر 2023م.
  • يزيد أنيس نصير، مرحلة ما قبل إبرام العقد: دراسة مقارنة، الجزء الثالث: التفاوض عبر النماذج المتضاربة، مجلة المنارة للبحوث والدراسات، المجلد 9، العدد 3، 2003م.

يوسف شندي، دور القضاء الفرنسي في الإصلاحات التشريعية الحديثة في مجال العقود: المرحلة السابقة على التعاقد والالتزام بالإعلام، أبحاث المؤتمر السنوي الرابع لكلية القانون الكويتية العالمية: القانون أداة للإصلاح والتطوير 9-10 مايو 2017م، ملحق خاص، العدد 2، الجزء 2، نوفمبر 2017م.

Second: English sources:

  1. Michael Gedds making private partnership work, London, Gower, puplishing limited, 2005, p3, available on website, last visit 20 October 2024:

https://www.routledge.com/Making-Public-Private-Partnerships-Work-Building-Relationships-and-Understanding/Geddes/p/book/9781138380936#

  1. Nur Alkaf Abd Karin, Risk Allocation in Public Private Partnership (PPP) Project: A Review on Risk Factors, International Journal of Sustainable Construction Engineering Technology, Vol 2, Issue 2, December 2011, page7, available on www.resaerchgate,net, last visit 20 October 2024.

ثالثا: الأحكام القضائية:

محكمة النقض المصرية، الطعن رقم 11706 لسنة 78 قضائية - الدائرة المدنية والتجارية والأحوال الشخصية – جلسة بتاريخ 2018-05-10 مكتب فني 69.

  • محكمة تمييز دبي، الطعن رقم 282 لسنة 2022، جلسة 21 يوليو 2022.
  • محكمة تمييز دبي، الطعن رقم 270 لسنة 2001 قضائية بتاريخ 2001-11-18 مكتب فني 12 رقم الجزء 1 رقم الصفحة 867.
  • محكمة التمييز في البحرين، الطعن رقم 48 لسنة 2022 قضائية بتاريخ 2022-07-04.

المحكمة العليا في موريتانيا، الحكم رقم 28 لسنة 2013 قضائية بتاريخ 2013-10-27.

Footnotes

  1. 1 وفاء حلمي السعيد، الالتزام بالتفاوض في عقود التجارة الدولية، مجلة الشريعة والقانون، كلية الشريعة والقانون بالقاهرة، العدد 42، أكتوبر 2023م، ص 988.
  2. 2 من ضمن تعريفات الفقه لمرحلة التفاوض، بأنها: "عمليات تمهيدية تشتمل على المباحثات والمساعي والمشاورات وتبادل وجهات النظر، وذلك بهدف الوصول إلى اتفاق محدد المعالم والعناصر"، كما يعرفه أحد الفقهاء بأنه: "تبادل الاقتراحات والتقارير والمكاتبات والدارسات الفنية والاستشارات القانونية التي يتبادلها أطراف التفاوض؛ ليكون كل منهما على بينة من أفضل الأشكال القانونية التي تحقق مصلحة الأطراف"، راجع في ذلك: وفاء حلمي السعيد، المرجع السابق، ص 1008 وما بعدها. وانظر أيضا: نبيل إسماعيل الشلاق، الطبيعة القانونية لمسؤولية الأطراف في مرحلة ما قبل العقد - دراسة في العقود الدولية لنقل التكنولوجيا، مجلة جامعة دمشق للعلوم الاقتصادية والقانونية، المجلد 29، العدد الثاني، 2013م، ص 307 وما بعدها.
  3. 3 نبيل إسماعيل الشبلاق، المرجع سابق، ص310.
  4. 4 ومن التعريفات التي يراها الباحث تمثل الواقع العملي لمرحلة التفاوض، هي رغبة طرفين في إبرام عقد من خلال إطلاع كل منهما على التفاصيل الدقيقة الخاصة لكل طرف والمواصفات الخاصة بالمحل المتفاوض عليه؛ بحيث يعرض كل طرف ما لديه عبر الحوار والنقاش الذي سيمكنهما من الوصول إما إلى تبادل أو عدم تبادل الإيجاب والقبول.. راجع في ذلك: يزيد أنيس نصير، مرحلة ما قبل إبرام العقد: دراسة مقارنة، الجزء الثالث: التفاوض عبر النماذج المتضاربة، مجلة المنارة للبحوث والدراسات، المجلد 9، العدد 3، 2003م، ص 209 وما بعدها.
  5. 5 أحمد السيد الشوبري، التفاوض التعاقدي: إطاره القانوني وأثره في الالتزام، مجلة كلية الدراسات الإسلامية والعربية بدمنهور، العدد الرابع، الجزء الأول، 2019م، ص1185.
  6. 6 عبد الرزاق السنهوري، الوسيط في شرح القانون المدني، الجزء الأول، مصادر الالتزام، ص 118.
  7. 7 وضع خبراء القانون المقارن عدة تعاريف لمبدأ حسن النية من خلال البعد الوظيفي ومعيار التوقع ومعيار الأمانة، وبناء على تلك المعايير توصلوا إلى أن التعريف الجامع لمبدأ حسن النية هو "التزام الطرف المتعاقد بمراعاة مصالح وتوقعات الطرف المقابل بما يضمن نزاهة المعاملات القانونية وتمثيل مصالح أطراف العلاقة التعاقدية بشكل متوازن"، راجع في ذلك: محمود فياض، مدى التزام الأنظمة القانونية المقارنة بمبدأ حسن النية في مرحلة التفاوض على العقد، مجلة الشريعة والقانون، جامعة الإمارات العربية المتحدة، السنة 27، العدد 54، أبريل 2013م، ص231.
  8. 8 محمد ربيع الباب، أثر مبدأ حسن النية في إنهاء عقود المدة: دراسة تحليلية مقارنة، المجلة القانونية، جامعة القاهرة - فرع الخرطوم، المجلد 11، العدد 1، 2022م، ص 297 وما بعدها.
  9. 9 محمود فياض، مدى التزام الأنظمة القانونية المقارنة بمبدأ حسن النية في مرحلة التفاوض على العقد، مجلة الشريعة والقانون، كلية القانون، جامعة الإمارات العربية المتحدة، السنة 27، العدد 54، أبريل 2013م، ص 229، للمزيد راجع:It is defined as "faithfulness to an agreed common purpose and consistency with the justified expectations of the other party”. See: W Tetely, Good Faith in Contract Particularly in Contract of Arbitration and Chartering, 35 Journal of maritime law and commerce 594 (2004); R Kolb, Principles as Sources of International Law (With Special Reference of Good Faith), Netherlands international law review 20 (2006).
  10. 10 يوسف شندي، دور القضاء الفرنسي في الإصلاحات التشريعية الحديثة في مجال العقود: المرحلة السابقة على التعاقد والالتزام بالإعلام، أبحاث المؤتمر السنوي الرابع لكلية القانون الكويتية العالمية: القانون أداة للإصلاح والتطوير 9-10 مايو 2017م، ملحق خاص، العدد 2، الجزء 2، نوفمبر 2017م، ص 450.
  11. 11 اختلفت الأنظمة القانونية المقارنة في تنظيم مبدأ حسن النية خلال مرحلة التفاوض على العقد إلى ثلاث اتجاهات رئيسة: نص التوجه الأول صراحة على هذا الالتزام في نصوص القانوني المدني وأخذ به المشرع الألماني والإيطالي ومبادئ (اليونيدروا)، بينما أغفل المشرع في التوجه الثاني صراحة على هذا الالتزام في قانونه المدني ومنها تشريعات القانون اللاتيني كالقانون الفرنسي قبل تعديلات 2016 والقوانين العربية ما عدا القانون الموريتاني أما القانون السعودي؛ فقد جاء بتنظيم قانوني مدني لأول مرة في عام 2023 ونص على هذا التوجه، أما في التوجه الثالث، أنكر المشرع الوطني صراحة التطبيق المطلق لهذا المبدأ على الالتزامات التعاقدية ومنها المشرع الإنجليزي، وقصره مؤخرا على طائفة معينة من العقود عقود الاستهلاك، راجع في ذلك: محمود فياض، مرجع سابق، ص 229 وما بعدها.
  12. 12 السنهوري، مرجع سابق، ص 172 وما بعدها.
  13. 13 وفي ذلك يقول الدكتور السنهوري: لا شك في أن المسؤوليتين العقدية والتقصيرية تقومان على مبدأ واحد، فكلتاهما جزاء للإخلال بالتزام سابق، ولا فرق بينهما في هذه الناحية، لا من الأهلية ولا من حيث الإثبات ولا من حيث الإعذار، ولكن تختلفان في أن الالتزام السابق الذي ترتب على الإخلال به تحقق المسؤولية هو التزام عقدي في المسؤولية العقدية بينما هو التزام قانوني في المسؤولية التقصيرية، راجع في ذلك: السنهوري، المرجع السابق، ص 621 وما بعدها.
  14. 14 وفقا لمبدأ الحرية التعاقدية، فالمتفاوض غير ملزم بالإفصاح عن سبب قطعه للتفاوض وعما إذا كان سبب جدي أم لا؛ حيث لا مسؤولية على من عدل، على أن القطع مشروط في حال سوء النية وحينها يستوجب المسؤولية على أساس العمل غير المشروع، وعليه ما دامت المفاوضات لم تصل إلى إيجاب وقبول، فلكل مفاوض قطعها في الوقت الذي يختاره إذا ما رأى أن إتمام الصفقة في غير صالحه لسبب أو لآخر، انظر: حمدي محمود بارود، الطبيعة القانونية للمسؤولية في حالة العدول عن مفاوضات العقد، مجلة الجامعة الإسلامية للدراسات الاقتصادية والإدارية، المجلد 20، العدد2، يونيو 2012م، ص 551 وما بعدها.
  15. 15 وفي ذلك قضت محكمة التمييز في إمارة دبي: "الهدف من المفاوضات السابقة على العقد هو التحضير والتمهيد والدعوة إلى التعاقد؛ لأن كثيرا من العقود تحتاج إلى الأناة وإمعان النظر، ولا إلزام على الطرفين خلالها بالاستمرار فيها ــ ويجوز لأيهما العدول عنها ــ على أن العدول عن المفاوضات قد يرتب مسؤولية من قطعها؛ إذ اقترن هذا العدول بخطأ صدر منه ترتب عليه الإضرار بالطرف الآخر ــ ومصدر هذه المسؤولية ليس هو قطع المفاوضات في ذاته وإنما هو الخطأ الذي ارتكبه من عدل عنها"، الطعن رقم 270 لسنة 2001 قضائية - بتاريخ 2001-11-18 مكتب فني 12 رقم الجزء 1 رقم الصفحة 867، متوفر على شبكة قوانين الشرق، تاريخ آخر زيارة 3 نوفمبر 2024م.
  16. 16 وفي ذلك قضت محكمة التمييز بالدائرة المدنية في البحرين أن: "المفاوضات ليست إلا عملا ماديا لا يترتب عليها بذاتها أثر قانوني؛ فكل متفاوض حر في قطع المفاوضة ولا يرتب هذا العدول مسؤولية على من عدل إلا إذا اقترن به خطأ تتحقق معه المسؤولية التقصيرية إذا نتج عنه ضرر بالطرف الآخر المتفاوض وعبء إثباتهما يقع على عاتق الأخير"، الطعن رقم 48 لسنة 2022 قضائية بتاريخ 2022-07-04، متوفر على شبكة قوانين الشرق، تاريخ آخر زيارة 4 نوفمبر 2024م.
  17. 17 يوسف شندي، مرجع سابق، ص 447 وما بعدها.
  18. 18 وفي ذلك تنص المادة (172) من قانون رقم (22) لسنة 2004 بإصدار القانون المدني القطري، على سريان مبدأ حسن النية في مرحلة تنفيذ العقد من دون أن يشمل ذلك مرحلة التفاوض على العقد، فتنص على أن: "1- يجب تنفيذ العقد طبقا لما اشتمل عليه، وبطريقة تتفق مع ما يوجبه حسن النية. 2- ولا يقتصر العقد على إلزام المتعاقد بما ورد فيه، ولكن يتناول أيضا ما هو من مستلزماته وفقا للقانون والعرف والعدالة بحسب طبيعة الالتزام، وكذلك يقصر المشرع المصري مبدأ حسن النية في العقود في مرحلة تنفيذها فقط من خلال ما نصت عليه المادة 148 من القانون المدني المصري، وكذلك اتجاه المشرع الكويتي، الذي يعتبر حسن النية التزاما قانونيا في مرحلة تنفيذ العقد فقط، وفي ذلك نصت المادة 197 من القانون المدني على ذلك.
  19. 19 وفي ذلك نصت المادة 16 من الأمر القانوني رقم 89 الصادر بتاريخ 14 سبتمبر 1989 المتضمن قانون الالتزامات والعقود المعدل بالقانون رقم 31-2001 الصادر بتاريخ 7 فبراير 2001 على أن: تضبط جميع التصرفات بمبدأ حسن النية. يفرض حسن النية على كل شخص التزام الأمانة في التصرف اتجاه شريكه وخاصة إعلامه على وجه صحيح بالوقائع التي يمكن أن تنعكس على علاقاتهما وألا يسبب له أضرارا لا مبرر لها. يفترض حسن النية دائما ما لم يثبت العكس، متوفر على موقع المحكمة العليا في موريتانيا، تاريخ آخر زيارة 2 نوفمبر 2024:http://www.coursupreme.mr/
  20. 20 ورد نص المادة 2.1.15 من مبادئ (اليونيدروا) ليقرر التفاوض بسوء نية بأنه: "1- ﻟﻸطراف ﺤرﻴﺔ اﻟﺘﻔﺎوض وﻻ ﻴﺴﺄﻟون ﻋﻨد ﻋدم اﻟﺘوﺼﻝ إﻟﻰ اﺘﻔﺎق. 2- ﻤﻊ ذﻟك، ﻴﺴﺄﻝ اﻟطرف اﻟذي ﻴﺘﻔﺎوض أو ﻴﻘطﻊ اﻟﻤﻔﺎوﻀﺎت، ﺒﺴوء ﻨﻴﺔ، ﻋﻤﺎ ﻟﺤق ﺒﺎﻟطرف اﻵﺨر ﻤن أﻀرار. 3- وﻴﻌد ﻤن ﻗﺒﻴﻝ ﺴوء اﻟﻨﻴﺔ، ﺒوﺠﻪ ﺨﺎص، دﺨوﻝ طرف ﻓﻰ اﻟﺘﻔﺎوض أو اﺴﺘﻤرارﻩ ﻓﻴﻪ ﺒﺎﻟرﻏم ﻤن ﻨﻴﺘﻪ ﻋدم اﻟﺘوﺼﻝ إﻟﻰ اﺘﻔﺎق ﻤﻊ اﻟطرف اﻵﺨر".
  21. 21 وفي هذا الصدد، يعتبر أغلب الفقه، أن مسؤولية المتفاوض الذي يقطع عملية التفاوض بسوء نية تدخل في نطاق المسؤولية التقصيرية، على اعتبار وقوع الفعل الضار في مرحلة المفاوضات؛ فلا محل للحديث عن المسؤولية العقدية، راجع في ذلك: محمود سمير الشرقاوي، العقود التجارية الدولية، دراسة خاصة لعقد البيع الدولي للبضائع، دار النهضة العربية، القاهرة، 1992م، ص 74.
  22. 22 تنص المادة 1112 من القانون المدني الفرنسي: (في حال ارتكاب خطأ في المفاوضات؛ فإن تعويض الضرر الناجم عن ذلك، لا يجوز أن يتضمن تعويضا عن فقدان المكاسب التي يمكن تحقيقها من العقد الذي لم يبرم).
  23. 23 راجع في ذلك: يوسف شندي – مرجع سابق ص 457.
  24. 24 راجع في ذلك: شرح مبادئ (اليونيدروا) لعقود التجارة الدولية 2010 - تأليف مجموعة من الأساتذة العرب، الجزء الأول، منشورات الحلبي الحقوقية، الطبعة الأولى، 2017م، ص 452.
  25. 25 ورد نص المادة 2.1.16 من مبادئ (اليونيدروا) في تنظيم الالتزام بالسرية بمرحلة المفاوضات بالنص على أنه: يلتزم من يحصل على معلومة معينة خلال المفاوضات بألا يفشى هذه المعلومة أو يستخدمها بطريقة غير سليمة في أغراضه الشخصية. يستوي في ذلك أن يكون العقد قد انعقد أو لم ينعقد، وقد ترتب على الإخلال بهذا الالتزام تعويضا يشمل، كلما كان ذلك مناسبا، ما عاد على الطرف الآخر من نفع.
  26. 26 راجع في ذلك: شرح مبادئ (اليونيدروا) لعقود التجارة الدولية 2010 - تأليف مجموعة من الأساتذة العرب، الجزء الأول، منشورات الحلبي الحقوقية، الطبعة الأولى، 2017م، ص 354.
  27. 27 حقق المشرع الفرنسي بتعديلاته في عام 2016 على القانون المدني طفرة تشريعية واسعة في مرحلة التفاوض، من خلال تنظيم المرحلة السابقة على التعاقد، وابتداء، بشأن العقد كمصدر للالتزام عرفت المادة 1101 العقد، في حين نصت المادة 1104 على وجوب أن يكون التفاوض على العقد وإبرامه وتنفيذه بحسن نية، وبذلك أصبح الالتزام بحسن النية واجبا منذ مرحلة التفاوض على العقد إلى تنفيذه، مرورا بمرحلة إبرامه، كما نظمت المادة 1112 المفاوضات التعاقدية والمسؤولية الناشئة عن الأخطاء المرتكبة في هذه المرحلة، أما المادة 1-1112 تضمنت تنظيما للالتزام بالإعلام وبينت حدوده، وعبء إثبات القيام به وجزاء الإخلال بهذا الالتزام، راجع في ذلك: محمد حسن قاسم، قانون العقود الفرنسي الجديد باللغة العربية، المواد 1100 إلى 7-1231، منشورات الحلبي الحقوقية، 2016م.
  28. 28 محمد ربيع الباب، مرجع سابق، ص 177.
  29. 29 وفي هذا الصدد، يدور خلاف فقهي في فرنسا، يرى فيه معظم الفقه: وجوب التعويض عن تفويت الفرصة استنادا لتعديلات القانون المدني الفرنسي، على اعتبار كونه من جهة ضرر محقق، وضرر مستقل عن الكسب الفائت من جهة أخرى.. راجع في ذلك: يوسف شندي، مرجع سابق، ص 476 وما بعدها، وغني عن القول إن المادة 1112 جاء فيها: يكون اقتراح المفاوضات قبل التعاقد وسيرها وقطعها حرا. يجب لزاما أن تراعي هذه المسائل مقتضيات حسن النية. تعويض الضرر الناجم عن الخطأ الحاصل خلال المفاوضات لا يشمل خسارة المزايا التي كانت منتظرة من العقد الذي لم يتم إبرامه.
  30. 30 وفي ذلك تنص المادة 1112-2 بتنظيمها للالتزام بالسرية على أنه: يكون مسؤولا وفقا للقواعد العامة، كل من يستخدم أو يفشي دون إذن معلومة سرية حصل عليها بمناسبة المفاوضات.
  31. 31 تنص المادة: 1112-1 على أنه: يجب على من يعرف من الأطراف معلومة لها أهميتها الحاسمة بالنسبة لرضاء الطرف الآخر أن يعلمه بها متى كان جهل هذا الأخير بالمعلومة مشروعا أو كان قد وضع ثقته بالمتعاقد معه. على الرغم من ذلك؛ فإن هذا الواجب بالإعلام لا يرد على تقدير قيمة الأداء. تعد معلومات لها أهمية حاسمة تلك التي لها صلة مباشرة وضرورية بمضمون العقد أو صفة الأطراف يقع على من يدعي أن معلومة كانت واجبة له إثبات أن الطرف الآخر كان مدينا له بها، ويقع على هذا الطرف الآخر إثبات تقديمها له. لا يجوز للأطراف الحد من هذا الواجب أو استبعاده. فيما عدا مسؤولية المدين بواجب الإعلام؛ فإن الإخلال بهذا الواجب يمكن أن يؤدي إلى بطلان العقد وفقا للشروط المنصوص عليها في المواد 1130 وما بعدها.
  32. 32 في التعديلات الجديدة، كان للقضاء الفرنسي دور مهم وجوهري في تنظيم المفاوضات السابقة على التعاقد، فمعظم النصوص والأحكام الواردة في التعديلات الجديدة كانت من صنع القضاء، ومؤدى ذلك أن نصوص مرحلة التفاوض، رسخت ذات المبادئ التي رسخها القضاء لحكم مرحلة المفاوضات وهي مبدأ حرية التعاقد ومبدأ حسن النية مع جعل المبدأ الثاني قيدا على الأول، وكذلك اشتراط تحقق أركان المسؤولية السابقة على التعاقد ووجوب حمل الدليل على وجود خطأ وضرر وعلاقة سببية بينهما، راجع في ذلك: يوسف شندي، دور القضاء الفرنسي في الإصلاحات التشريعية الحديثة في مجال العقود: المرحلة السابقة على التعاقد والالتزام بالإعلام، أبحاث المؤتمر السنوي الرابع "القانون أداة للإصلاح والتطوير" 9-10 مايو 2017م، كلية القانون الكويتية العالمية، ملحق خاص، العدد 2، الجزء الثاني، نوفمبر 2017م، ص 476.
  33. 33 وفي ذلك تنص المادة 41 من نظام المعاملات المدنية السعودي على أنه: "1- إذا تم التفاوض على عقد فلا يرتب ذلك على أطراف التفاوض التزاما بإبرام هذا العقد، ومع ذلك يكون من يتفاوض أو ينهي التفاوض بسوء نية مسؤولا عن الضرر الذي أصاب الطرف الآخر، ولا يشمل ذلك التعويض عما فاته من كسب متوقع من العقد محل التفاوض. 2- يعد من سوء النية عدم الجدية في التفاوض، أو تعمد عدم الإدلاء ببيان جوهري مؤثر في العقد". راجع في ذلك: تشريعات المملكة العربية السعودية، موقع وزارة العدل، تاريخ آخر زيارة 28 أكتوبر 2024:https://laws.moj.gov.sa/legislation
  34. 34 يتبين أن المشرع السعودي أخذ باتجاه المشرع الفرنسي بتعديلاته الحديثة للقانون المدني بأن التعويض في مرحلة المفاوضات تقتصر على الضرر اللاحق دون الكسب الفائت، وفي ذلك تنص المادة 1112 من القانون المدني الفرنسي على: يكون اقتراح المفاوضات قبل التعاقد وسيرها وقطعها حرا. يجب لزاما أن تراعي هذه المسائل مقتضيات حسن النية. تعويض الضرر الناجم عن الخطأ الحاصل خلال المفاوضات لا يشمل خسارة المزايا التي كانت منتظرة من العقد الذي لم يتم إبرامه.
  35. 35 المحكمة العليا في موريتانيا أكدت على تنظيم مرحلة التفاوض بالإشارة إلى أنه: "إذا تم التأكد من توفر المفاوضات وتقدمها، فيتعين أن يظهر من خلال الوقائع وجود تعسف من أحد الطرفين في قطع العلاقة التفاوضية، ويحصل ذلك من خلال إثبات تصرف غير مبرر يحمل على القول بوجود سوء نية؛ كأن يتم قطع المفاوضات فترة وجيزة قبل التوقيع لعقد أصبح شبه جاهز على نحو لم يعد يخالج الطرف الآخر شك أنه سيأخذ شكله التعاقدي"، الحكم رقم 28 لسنة 2013 قضائية بتاريخ 2013-10-27 رقم الصفحة 209، متوفر في شبكة قوانين الشرق، تاريخ آخر زيارة 3 نوفمبر 2024.
  36. 36 محمد عبد الله عبد الحفيظ، ركن الضرر كشرط لقيام المسؤولية المدنية، مجلة البحوث القانونية والاقتصادية، جامعة المنصورة، المجلد 13، العدد 86، ديسمبر 2023م، ص 34.
  37. 37 نبيل إسماعيل الشلاق، مرجع سابق، ص 306.
  38. 38 وفي ذلك تنص المادة 8 من الاتفاقية على أنه: "1- في حكم هذه الاتفاقية تفسر البيانات والتصرفات الصادرة عن أحد الطرفين وفقا لما قصده هذا الطرف متى كان الطرف الآخر يعلم بهذا القصد أو لا يمكن أن يجهله. 2- في حالة عدم سريان الفقرة السابقة. تفسر البيانات والتصرفات الصادرة عن أحد الطرفين وفقا لما يفهمه شخص سوي الإدراك ومن نفس صفة الطرف الآخر إذا وضع في نفس الظروف. 3- عندما يتعلق الأمر بتعيين قصد أحد الطرفين أو ما يفهمه شخص سوي الإدراك يجب أن يؤخذ في الاعتبار جميع الظروف المتصلة بالحالة، لا سيما المفاوضات التي تكون قد تمت بين الطرفين والعادات التي استقر عليها التعامل بينهما والأعراف وأي تصرف لاحق صادر عنهما."، راجع في ذلك: اتفاقية الأمم المتحدة لسنة 1980 بشأن عقود البيع الدولي للبضائع، ص 3.
  39. 39 تناولت المادة 8 من الاتفاقية، تفسير كافة البيانات والتصرفات الصادرة عن أي من المتعاقدين، والمتعلقة؛ سواء بالعقد المبرم بين الطرفين أو المفاوضات السابقة، راجع في ذلك: أمين دواس، اتفاقية الأمم المتحدة لسنة 1980 بشأن عقود البيع الدولي للبضائع في ضوء أحكام القضاء والفقه، الجامعة العربية الأمريكية، جنين، 2013م، ص 82.
  40. 40 بوناح عبد النور، التفاوض على عقود التجارة الدولية - مبدأ حرية التفاوض وحسن النية، المجلة الجزائرية للحقوق والعلوم السياسية، المجلد 7، العدد 2، 2022م، ص 5.
  41. 41 عالجت مبادئ (اليونيدرو)ا سوء التفاوض، من خلال ما ورد في نص المادة 2.1.15: "... ﻴﺴﺄﻝ اﻟطرف اﻟذي ﻴﺘﻔﺎوض أو ﻴﻘطﻊ اﻟﻤﻔﺎوﻀﺎت، ﺒﺴوء ﻨﻴﺔ، ﻋﻤﺎ ﻟﺤق ﺒﺎﻟطرف اﻵﺨر ﻤن أﻀرار..، وﻴﻌد ﻤن ﻗﺒﻴﻝ ﺴوء اﻟﻨﻴﺔ، ﺒوﺠﻪ ﺨﺎص، دﺨوﻝ طرف ﻓﻰ اﻟﺘﻔﺎوض أو اﺴﺘﻤرارﻩ ﻓﻴﻪ ﺒﺎﻟرﻏم ﻤن ﻨﻴﺘﻪ ﻋدم اﻟﺘوﺼﻝ إﻟﻰ اﺘﻔﺎق ﻤﻊ اﻟطرف اﻵﺨر".
  42. 42 من الحالات العملية التي تبين سوء نية المتفاوض في عقود التجارة الدولية: وصول التفاوض لمرحلة متقدمة، واعتقاد الطرف الآخر أن العقد المتفاوض عليه سيتم إبرامه حتما، الذي من شأنه الإضرار بمصالح هذا الأخير، الذي يكون قد بذل جهده ووقته، وأنفق أموالا كبيرة في سبيل ذلك: انظر: بوناح عبد النور، مرجع سابق، ص 6 وما بعدها.
  43. 43 تعتبر دولة قطر نموذجا في ذلك، من خلال اهتمامها البالغ بتطوير بيئة الأعمال وجذب الاستثمار وتحقيق الفائدة من البنية التحتية المتاحة لجذب الاستثمارات من خلال تفعيل بنود قانون تنظيم الشراكة بين القطاعين الحكومي والخاص في جميع الـمشاريع وتطوير التشريعات المنظمة للاستثمار، راجع للمزيد: خطاب سمو أمير دولة قطر الشيخ تميم بن حمد آل ثاني في افتتاح دور الانعقاد السنوي الـ 52 لمجلس الشورى بتاريخ 24 أكتوبر 2023م، متوفر على شبكة الإنترنت، تاريخ آخر زيارة 27 أكتوبر2024 :https://www.diwan.gov.qa/briefing-room/speeches-and-remarks/2023/october/24/hh-the-amir-speech-at-shura-council
  44. 44 تتمثل فكرة الشراكات بين القطاعين العام والخاص من خلال طائفة عريضة من الترتيبات التعاقدية بين السلطات العمومية للدول بمقابل القطاع الخاص الذي يكون إما أجنبيا أو محليا أو بالتحالف بين كيانين أجنبي ومحلي؛ حيث تسهم الشراكات في تلبية الاحتياجات الوطنية من البنية التحتية وتحقيق أهداف التنمية المستدامة. غير أن هذه الترتيبات التعاقدية معقدة وتتطلب وجود سياسات وطنية قوية ومتسقة لاجتذاب الاستثمار، راجع في ذلك: دليل الأونسيترال التشريعي بشأن الشراكات بين القطاعين العام والخاص (2019)، متوفر على، تاريخ آخر زيارة 20 نوفمبر 2024م:https://uncitral.un.org/ar/lgppp
  45. 45 نظمت مصر عقود الشراكة بين القطاعين العام والخاص من خلال قانون رقم 67 لسنة 2010م بإصدار قانون تنظيم مشاركة القطاع الخاص في مشروعات البنية الأساسية والخدمات والمرافق العامة، منشور في الجريدة الرسمية، العدد 19 مكرر (أ) في 18 مايو 2010م. وتعديل بعض أحكام قانون مشاركة القطاع الخاص في مشروعات البنية الأساسية والخدمات والمرافق العامة بالقانون رقم 153 لسنة 2021م، منشور في الجريدة الرسمية، العدد 50 مكرر (أ) في 18 ديسمبر 2021م. في حين نظمت الكويت ذلك عبر إصدارها قانون رقم (116) لسنة 2014م بشأن الشراكة بين القطاعين العام والخاص، منشور في الجريدة الرسمية (الكويت اليوم)، السنة 69، العدد رقم 1197 الصادر في 17 أغسطس 2014م. أما قطر فجاءت بتشريع قانون رقم 12 لسنة 2020م الخاص بتنظيم الشراكة بين القطاعين الخاص والحكومي، منشور في الجريدة الرسمية، السنة 60، العدد 10 الصادر في تاريخ 11 يونيو 2020م.
  46. 46 المادة 18 من قانون رقم 116 لسنة 2014م بشأن الشراكة بين القطاعين العام والخاص في الكويت.
  47. 47 Michael Gedds making private partnership work, London, Gower, puplishing limited, 2005, p3, available on website, last visit 4 October 2023: https://www.routledge.com/Making-Public-Private-Partnerships-Work-Building-Relationships-and-Understanding/Geddes/p/book/9781138380936#
  48. 48 Nur Alkaf Abd Karin, Risk Allocation in Public Private Partnership (PPP) Project: A Review on Risk Factors, International Journal of Sustainable Construction Engineering Technology, Vol 2, Issue 2, December 2011, page7, available on www.resaerchgate,net, last visit 4 October 2023.
  49. 49 هاني عرفات صبحي حمدان، النظام القانوني لعقود الشراكة بين القطاعين الحكومي والخاص (ppp)- دراسة مقارنة، دار النهضة العربية، القاهرة، 2016م، ص 231 وما بعدها.
  50. 50 وفي هذا يقول أحد فقهاء القانون المصري: "إن نجاح العقد أو فشله مرهون بمستوى إعداد العقد في مرحلة المفاوضات، فكلما كان الإعداد جيدا جاء العقد متوازنا لا يشوبه نقص أو غموض بما يكفل تنفيذه دون منازعات أو خلاف، وعلى العكس كلما كان الإعداد رديئا جاء العقد غير متوازن ومشوبا بالثغرات والغموض الأمر الذي يفتح باب النزاع والصراع بين الطرفين مستقبلا.، انظر: هاني الغيتاوي، مرجع سابق، ص 137.
  51. 51 جزء من ورشة عمل نظمتها وزارة التجارة والصناعة في دولة قطر حول المفاوضات التجارية بالتعاون مع معهد التدريب التجاري الدولي التابع لمنظمة التجارة العالمية في 29 أبريل 2024م، متوفر على:https://www.moci.gov.qa/mec_news/%D9%88%D8%B2%D8%A7%D8%B1%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D8%AA%D8%AC%D8%A7%D8%B1%D8%A9-%D9%88%D8%A7%D9%84%D8%B5%D9%86%D8%A7%D8%B9%D8%A9-%D8%AA%D9%86%D8%B8%D9%85-%D9%88%D8%B1%D8%B4%D8%A9-%D8%B9%D9%85%D9%84-%D9%88/
  52. 52 يزيد أنيس نصير، مرحلة ما قبل إبرام العقد: دراسة مقارنة: الجزء الأول- نظرية الخطأ أثناء التفاوض والقطع التعسفي للمفاوضات، مجلة المنارة للبحوث والدراسات، المجلد 7، العدد 3، 2001م، ص 209 وما بعدها.
  53. 53 وفي ذلك تنص المادة (172) من قانون رقم (22) لسنة 2004 بإصدار القانون المدني القطري، على سريان مبدأ حسن النية في مرحلة تنفيذ العقد من دون أن يشمل ذلك مرحلة التفاوض على العقد، فتنص على أن: "1- يجب تنفيذ العقد طبقا لما اشتمل عليه، وبطريقة تتفق مع ما يوجبه حسن النية. 2- ولا يقتصر العقد على إلزام المتعاقد بما ورد فيه، ولكن يتناول أيضا ما هو من مستلزماته وفقا للقانون والعرف والعدالة بحسب طبيعة الالتزام."، وكذلك يقصر المشرع المصري مبدأ حسن النية في العقود في مرحلة تنفيذها فقط من خلال ما نصت عليه المادة 148 من القانون المدني المصري، وكذلك اتجاه المشرع الكويتي الذي يعتبر حسن النية التزاما قانونيا في مرحلة تنفيذ العقد فقط، وفي ذلك نصت المادة 197 من القانون المدني على ذلك.
  54. 54 ظفر محمد الهاجري، التزام التفاوض بحسن نية في ضوء تعديلات القانون الفرنسي أكتوبر 2016م بالمقارنة بالقانون الكويتي، مجلة الحقوق، جامعة الكويت، العدد 3، 2017م، ص 105 وما بعدها.
  55. 55 ولذلك جاءت التطبيقات القضائية العربية بالاتفاق على أن المسؤولية التقصيرية هي جزاء الإخلال لمرحلة التفاوض كونها نتيجة عمل غير مشروع وليس عمل عقدي بين الطرفين، إلا أن التطبيقات القضائية عجزت عن تناول متطلبات مرحلة التفاوض كالالتزام بالإعلام والسرية، راجع في ذلك: أحكام محكمة النقض المصرية، الطعن رقم 11706 لسنة 78 قضائية - الدائرة المدنية والتجارية والأحوال الشخصية - بتاريخ 2018-05-10 مكتب فني 69، ومحكمة تمييز دبي، الطعن رقم 282 لسنة 2022، جلسة 21 يوليو 2022م، ومحكمة تمييز دبي، الطعن رقم 270 لسنة 2001 قضائية بتاريخ 2001-11-18 مكتب فني 12 رقم الجزء 1 رقم الصفحة 867، ومحكمة التمييز في البحرين، الطعن رقم 48 لسنة 2022 قضائية بتاريخ 2022-07-04، ومحكمة التمييز القطرية، الطعن رقم 258 لسنة 2017 قضائية - الدائرة المدنية والتجارية - بتاريخ 2018-02-20 مكتب فني 14 رقم الصفحة 101.
  56. 56 وفي هذا يقول أحد فقهاء القانون المصري: "إن نجاح العقد أو فشله مرهون بمستوى إعداد العقد في مرحلة المفاوضات، فكلما كان الإعداد جيدا جاء العقد متوازنا لا يشوبه نقص أو غموض بما يكفل تنفيذه دون منازعات أو خلاف، وعلى العكس كلما كان الإعداد رديئا جاء العقد غير متوازن ومشوبا بالثغرات والغموض الأمر الذي يفتح باب النزاع والصراع بين الطرفين مستقبلا، راجع في ذلك: هاني الغيتاوي، مرجع سابق، ص 137.
  57. 57 وفي ذلك قضت محكمة النقض المصرية بأنه: أن لكل مقدم على التعاقد حرية كاملة – في هذه المرحلة - في العدول عن إبرام العقد، دون أن يسأل عن أسباب عدوله، إلا أنه إذا اقترن هذا العدول بواقعة معينة، مستقلة عن واقعة العدول ذاتها، تعتبر خطأ في جانبه تنهض مسؤوليته عن التعويض، كمن يستحث المفاوضات العقدية، دون أن تتوافر لديه نية جادة في التعاقد، حين يكون سيء النية أو مستهترا، أو من يوجه الدعوة إلى التعاقد، مع الإيحاء للطرف الآخر بالثقة في إتمام إبرام العقد، أو تأكيد الرغبة في إبرامه، انظر: الطعن رقم 11706 لسنة 78 قضائية - الدائرة المدنية والتجارية والأحوال الشخصية - بتاريخ 2018-05-10 مكتب فني 69 رقم الصفحة 755، متوفر على شبكة قوانين الشرق، تاريخ آخر زيارة 30 أكتوبر 2024.
  58. 58 تطبيقا لذلك أصدرت محكمة النقض الفرنسية حكمها في عام 1969، فقضت بأن: "وقف التفاوض دون سند مشروع يعد صورة من صور التعسف في استخدام التعسف في استخدام الحق ودون الحاجة إلى البحث في نية هذا الطرف وهو ما يستوجب معه التعويض"، كما قضت المحكمة بحكم آخر بأن: "قطع التفاوض دون سبب مشروع يعد مظهرا من مظاهر سوء نية المتفاوض في حالة ما إذا وصلت المفاوضات لمرحلة اعتقد فيها الطرف المتفاوض بوجوب التعاقد؛ فإن قطع المفاوضات دون مبرر مشروع يعد مخالفا لمقتضيات حسن النية لو تسبب ذلك في ضرر للطرف الآخر". محمود فياض، مرجع سابق، ص 249. وفي نفس الاتجاه: محكمة تمييز دبي، الطعن رقم 282 لسنة 2022، جلسة 21 يوليو 2022.
  59. 59 وفي ذلك تنص المادة: 1112-1 على أنه: "يجب على من يعرف من الأطراف معلومة لها أهميتها الحاسمة بالنسبة لرضاء الطرف الآخر أن يعلمه بها متى كان جهل هذا الأخير بالمعلومة مشروعا أو كان قد وضع ثقته بالمتعاقد معه. على الرغم من ذلك فإن هذا الواجب بالإعلام لا يرد على تقدير قيمة الأداء. تعد معلومات لها أهمية حاسمة تلك التي لها صلة مباشرة وضرورية بمضمون العقد أو صفة الأطراف. يقع على من يدعي أن معلومة كانت واجبة له إثبات أن الطرف الآخر كان مدينا له بها، ويقع على هذا الطرف الآخر إثبات تقديمها له. لا يجوز للأطراف الحد من هذا الواجب أو استبعاده. فيما عدا مسؤولية المدين بواجب الإعلام؛ فإن الإخلال بهذا الواجب يمكن أن يؤدي إلى بطلان العقد وفقا للشروط المنصوص عليها في المواد 1130 وما بعدها."
  60. 60 رناد عبدالله الغامدي، الإطار القانوني للالتزام بالسرية في مفاوضات عقود نقل التكنولوجيا، المجلة العربية للنشر العلمي، الإصدار السابع، العدد 68، يونيو 2024م، ص 275.
  61. 61 هاني عبد العاطي الغيتاوي، مرجع سابق، ص 107.
  62. 62 نظم المشرع الأمريكي مقتضيات الأمانة في تنظيم حسن النية خلال مرحلة المفاوضات؛ حيث تنص المادة 203-1 من القانون التجاري الأمريكي الموحد على أن: "كل عقد أو واجب في إطار هذا القانون يفرض التزاما بحسن النية في تنفيذه أو إنفاذه"، وتعرف المادة 201-1 حسن النية بأنه: "الأمانة الحقيقية في السلوك المعني أو المعاملة المعنية"، انظر: أحمد السيد الشوبري، مرجع سابق، ص 1181.
  63. 63 ظافر الهاجري، مرجع سابق، ص 107.
  64. 64 المادة 16 من الأمر القانوني رقم 89 الصادر بتاريخ 14 سبتمبر 1989 المتضمن قانون الالتزامات والعقود المعدل بالقانون رقم 31-2001 الصادر بتاريخ 7 فبراير 2001، متوفر على موقع المحكمة العليا في موريتانيا، تاريخ آخر زيارة 2 نوفمبر 2024:http://www.coursupreme.mr/
  65. 65 المحكمة العليات الموريتانية، حكم رقم 28 لسنة 2013 قضائية بتاريخ 2013-10-27 رقم الصفحة 209، متوفر في شبكة قوانين الشرق، تاريخ آخر زيارة 3 نوفمبر 2024.

Usage Statistics

Views
PDF Views

Author's Info

Ahmed Salem Turki Qattami — PhD Researcher, College of Law, Qatar University

Ahmed Salem Turki Qattami is a PhD Researcher at the College of Law, Qatar University. His research interests focus on civil law, contract law, comparative legal studies, and contemporary developments in private law.

Ahmed Yousef Ahmed Al-Emadi

Ahmed Yousef Ahmed Al-Emadi is a PhD Researcher at the College of Law, Qatar University. His academic interests include civil law, commercial law, contract law, and comparative legal research.

How to Cite

How to Cite

The Legal Framework of the Pre-Contractual Phase in Light of Contemporary Legal Trends“A Comparative Analytical Study ”. (2025). The Legal & Judicial Journal, 19(1), 192-236. https://ljj.qa/ojs/index.php/MOJ/article/view/53

Views

6

Downloads

4

Citations

0

Authors

2
June 2025
Pages 192-236

Issue

1

Year

2025