This research presents an analytical study of the crime of cyber-extortion, as one of the emerging crimes resulting from the rapid development of information and communications technology, and the resulting transformation of traditional crime patterns into cross-border electronic forms.
The research is divided into three main sections, each addressing a fundamental aspect of the crime under study.
The first section reviewed the nature of the crime of cyber-extortion through two sections. The first section defined cyber-extortion, highlighting its distinction from traditional forms of extortion, both in terms of methods and criminal impact.
The second section was devoted to explaining the legal and technical characteristics that distinguish this crime, in terms of the electronic nature of its means of commission and its relationship to the digital environment.
The second section analyzed the elements of the crime of cyber-extortion through two sections. The first addressed the material element, clarifying its elements represented by the criminal behavior, the electronic means used, and the criminal outcome.
The second section addresses the moral element, highlighting general and specific criminal intent and the extent to which the intent to cause harm or illicit gain is required.
The third section examines the penalties prescribed for the crime of cyber-extortion. The first section addresses the primary penalty prescribed by criminal legislation, in terms of its nature and the extent to which it is appropriate to the seriousness of the act committed.
The second section addresses the supplementary and consequential penalties that may be imposed on the offender, as well as cases of exemption from punishment, whether for considerations related to cooperation with the authorities or the absence of some of the elements of the crime.
This research aims to contribute to enriching the legal debate surrounding the crime of cyber-extortion, highlighting the shortcomings of national legislation compared to accelerating technological challenges, and presenting a reformist vision that enhances the effectiveness of legislative responses to this type of crime.
جريمة الابتزاز من الجرائم التقليدية المعروفة والتي يمكن ارتكابها من خلال النظام المعلوماتي بشكل عام، فالابتزاز التقليدي هو الذي يتم من خلال وسائل تقليدية، مثل: مواجهة الجاني بالضحية مباشرة، أو إرسال خطاب مكتوب بخط اليد يتضمن التهديد الذي يوجهه إليه الجاني، أو يتم إرسال التهديد من خلال شخص وسيط، كما قد يتم الابتزاز بشكل إلكتروني وذلك من خلال إرسال رسالة تهديد عبر إحدى الوسائل الإلكترونية بنشر بعض الأمور التي يخشي المجني عليه من إفشائها، وذلك يحدث نتيجة للتطورات التكنولوجية التي لحقت أغلب المجتمعات ومنها المجتمع القطري؛ فهذه الوسائل ساهمت في تطور هذا النوع من الجرائم وزيادتها وسرعة ارتكابها، فنقلت وسائل ارتكاب الابتزاز من أدوات تقليدية إلى أدوات متطورة تعتمد على الوسائل الإلكترونية مثل الحاسب الآلي والأجهزة اللوحية بمختلف أشكالها وإصداراتها وكافة تطبيقاتها1.
ولما كانت جريمة الابتزاز الإلكتروني أحد مظاهر الإساءة الإلكترونية؛ حيث تعد أبرز صور الجرائم الإلكترونية، وتعتبر هذه الجرائم من المستحدثات الإجرامية المستجدة نسبيا؛ فهي تضم أشكالا متعددة ومتنوعة يصعب حصرها، فتشهد تطورا ملحوظا طرأ على أساليب ارتكاب الجرائم فهي صنف جديد منها، ذلك أنه مع هذه الثورة للمعلومات والاتصالات ظهر نوع جديد من الجرائم نقل الجريمة من صورتها التقليدية إلى أخرى إلكترونية قد يصعب التعامل معها؛ حيث أدت الحداثة التي تتميز بها الجريمة الإلكترونية، واختلاف النظم القانونية والثقافية بين الدول إلى عدم الاتفاق على مصطلح موحد للدلالة عليها؛ لذا لا يوجد تعريف موحد لهذه الظاهرة، وذلك خشية حصرها في مجال ضيق، فلعل المشكلة الأولى والأساسية التي تعترض ظاهرة الجريمة الإلكترونية هي عدم وجود تعريف مجمع عليه لهذه الجريمة؛ فلقد بذل المهتمون بدراسة هذا النمط الجديد من الإجرام جهدا كبيرا من أجل الوصول إلى تعريف مناسب يتلاءم مع طبيعة هذه الجريمة إلا أن كثيرا من هذه المحاولات قد باءت بالفشل حتى قيل إن الجريمة الإلكترونية تقاوم التعريف.
نظرا لزيادة هذه الجريمة التي تعتمد بشكل كامل على التقنية الحديثة وانتشارها بشكل ملحوظ، وانتشار الجرائم الإلكترونية بشكل عام؛ فقد وضع المشرع القطري أحكاما لمواجهة هذا النوع من الجرائم الإلكترونية، وضمنها في قانون مكافحة الجرائم الإلكترونية رقم (14) لسنة 2014، الأمر الذي تطلب جعل الإشكالية الرئيسة لموضوع البحث في مدى كفاية الأحكام الواردة في هذا القانون ، وهل تختلف جريمة الابتزاز الإلكتروني عن جريمة الابتزاز التقليدية؟ فالأولى تكون فقط عن طريق استخدام وسائل تقنية المعلومات، وكذا هل تتطلب هذه الجريمة قصدا جنائيا خاصا من عدمه، بالإضافة إلى أن القانون المذكور؟ هل قرر عقوبة رادعة لمرتكب جريمة الابتزاز الإلكتروني؟
سوف يجيب هذا البحث عن عدة تساؤلات تتمثل في الآتي:
تتمثل أهمية البحث في الوقوف على ماهية جريمة الابتزاز الإلكتروني باعتبارها إحدى الجرائم المستجدة الخطيرة، والتي انتشرت بشكل كبير على مستوى عالمي؛ حيث يستخدم الجاني وسيلة الابتزاز الإلكتروني للوصول إلى غاياته من خلال التهديد والإكراه الذي يوقعه على ضحيته، وقد تكون الضحية فردا أو مؤسسة أو دولة وانعكاس ذلك على الفرد والمجتمع والدولة، كما تبرز أهمية الدراسة عمليا في الوصول إلى بيان الطرق التي يمكن بها مواجهة هذه الجريمة بشكل قانوني والتصدي لها وتوفير بيئة إلكترونية آمنة للفرد والمؤسسة والدولة، من خلال إبرام الاتفاقيات وسن القوانين والتشريعات وتسخير القدرات والإمكانيات، واتخاذ الخطوات والإجراءات التي من شأنها أن تساهم في التصدي لهذه الجريمة داخلا وخارجا.
سوف يتبع البحث المنهج الوصفي التحليلي من خلال وصف وتحليل الظاهرة المتمثلة في جريمة الابتزاز الإلكتروني، والذي سوف يعتمد عليه في تحليل النصوص القانونية الخاصة بجريمة الابتزاز الإلكتروني الواردة في التشريع القطري.
وجدنا من الملائم تقسيم خطة البحث إلى ثلاثة مباحث، وذلك على النحو الآتي:
المبحث الأول: ماهية جريمة الابتزاز الإلكتروني
المطلب الأول: تعريف الابتزاز الإلكتروني
المطلب الثاني: خصائص جريمة الابتزاز الإلكتروني
المبحث الثاني: أركان جريمة الابتزاز الإلكتروني
المطلب الأول: الركن المادي لجريمة الابتزاز الإلكتروني
المطلب الثاني: الركن المعنوي لجريمة الابتزاز الإلكتروني
المبحث الثالث: العقوبات المقررة لجريمة الابتزاز الإلكتروني
المطلب الأول: العقوبة الأصلية لجريمة الابتزاز الإلكتروني
المطلب الثاني: العقوبة التكميلية والتبعية والإعفاء من عقوبة الابتزاز الإلكتروني
ماهية جريمة الابتزاز الإلكتروني
جريمة الابتزاز الإلكتروني جريمة تؤرق الأشخاص وتحول حياتهم من حياة مستقرة وهادئة إلى حياة يغمرها الخوف والاضطراب من أذى يهددهم وينتظرون وقوعه، ومع التطور التكنولوجي السريع والمذهل والذي أثر على طبيعة الجريمة والوسائل المستخدمة فيها، جعل لهذه الجريمة خصوصية واختلافا كبيرا يميزها عن جريمة الابتزاز التقليدي وهذا الاختلاف بين الجريمتين - التقليدي والإلكتروني - يجعل ارتكاب هذا الأخير يعتمد على وسائل التكنولوجيا بشكل أساسي؛ فجريمة الابتزاز الإلكتروني قضية شائكة لها آثارها الوخيمة على أمن المجتمع وأفراده، كما أنها تساهم في انتشار الجرائم الأخرى؛ لذا يقتضي التعرض لماهية جريمة الابتزاز الإلكتروني وبيان مفهومها وأنواعها والخصائص التي تميزها عن غيرها من خلال المطالب التالية:
يعرف الابتزاز بأنه محاولة الحصول على مكاسب مادية أو معنوية عن طريق الإكراه من شخص أو أشخاص أو حتى مؤسسات ويكون ذلك الإكراه بالتهديد بفضح سر من أسرار من وقع عليه التهديد، والابتزاز الإلكتروني هو عملية تهديد وترهيب للضحية بنشر صور أو مواد فيلمية أو تسريب معلومات سرية تخص الضحية، مقابل دفع مبالغ مالية أو استغلال الضحية للقيام بأعمال غير مشروعة لصالح المبتز كالإفصاح بمعلومات سرية خاصة بجهة العمل أو غيرها من الأعمال غير القانونية، أو هو استعمال الشبكة المعلوماتية أو استخدام وسيلة من وسائل تقنية المعلومات في تهديد شخص طبيعي أو اعتباري لحمله على القيام بفعل أو الامتناع عنه، أو هو كل تهديد يقوم به الجاني أو وسيط عنه يتم عبر وسيلة إلكترونية ويؤثر في نفسية المجني عليه أو شخص عزيز لديه ويدفعه إلى القيام بما طلبه منه الجاني أو كلفه به؛ سواء أكان مشروعا أم غير مشروع2.
ويعرف الابتزاز في التشريع القطري على أنه التهديد بإيذاء مقترن بطلب، حتى ولو لم ينص بشكل صريح على الابتزاز ولكنه دل على فعل الابتزاز بالمعنى حيث نص على أنه: "يعاقب بالحبس مدة لا تجاوز ثلاث سنوات، وبالغرامة التي لا تزيد على عشرة آلاف ريال، أو بإحدى هاتين العقوبتين، كل من هدد غيره بإلحاق الضرر بنفسه أو سمعته أو ماله، أو بنفس أو سمعة أو مال شخص يهمه أمره، سواء كان التهديد كتابيا أو شفويا أو عن طريق أفعال توحي بالعزم على الاعتداء على النفس أو السمعة أو المال، قاصدا بذلك حمل المجني عليه على القيام بعمل أو الامتناع عنه.
وتكون العقوبة الحبس مدة لا تجاوز خمس سنوات، إذا كان التهديد بالقتل."3
وإذ نصت المادة التاسعة من قانون رقم 14 لسنة 2014 بشأن مكافحة الجرائم الإلكترونية القطري على أنه: "يعاقب بالحبس مدة لا تجاوز ثلاث سنوات، وبالغرامة التي لا تزيد على (100,000) مائة ألف ريال، أو بإحدى هاتين العقوبتين، كل من استخدم الشبكة المعلوماتية أو إحدى وسائل تقنية المعلومات، في تهديد أو ابتزاز شخص، لحمله على القيام بعمل أو الامتناع عنه."4
ويتبين من المادتين السابقتين أن المشرع القطري لم ينص بشكل صريح على تعريف الابتزاز، ولكن يمكن أن يفهم مضمونه من نصوصهما؛ بأنه الفعل الذي يقوم به المجني عليه والذي يقوم من خلاله بدفع شخص على القيام بفعل أو الامتناع عن فعل من خلال تهديده.
فيحصل الابتزاز الإلكتروني بقيام الجاني المبتز بالحصول على معلومات تخص المجني عليه؛ إما عن طريق سرقة تلك المعلومات أو الحصول عليها بعد كسب ثقة المجني عليه، أو تكون تلك المعلومات اطلع عليها بسبب طبيعة عمله، وسواء أكانت صورا شخصية أم تسجيلات صوتية، أو ما يتعلق بحياة المجني عليه الخاصة أو بعائلته أو حتى عمله، ويتم ذلك الضغط والإكراه من خلال التهديد بنشر المعلومات التي يحتفظ بها الجاني بواسطة الوسائل الحديثة، وهذه المعلومات تكون خفية بمعنى أن المجني عليه لا يريد الإفصاح عنها فيجد نفسه مرغما على التنفيذ ويصبح مسلوب الإرادة حتى لا يقع في دائرة التشهير والفضيحة، وجريمة الابتزاز الإلكتروني لها طرفان مثل أي جريمة من الجرائم العادية، هما: الجاني والمجني عليه. فالجاني يقوم بابتزاز الغير وتهديدهم بكشف أشياء مستورة ذات أهمية بالغة عند الشخص المجني عليه، ولا يتصور وجود جريمة ابتزاز دون هذا الطرف، ولا بد أن يكون هذا الجاني على علم بهذه الأشياء المستورة أو مطلعا عليها أو حصل عليها من قبل الغير؛ فقد تكون هذه الأشياء صورا أو مقاطع فيديو أو مقاطع صوتية أو محادثات عبر الشات في أحد مواقع التواصل الاجتماعي5. ولا بد أن يكون قادرا على تنفيذ عملية الابتزاز، فلا يتصور قيام جريمة الابتزاز الإلكتروني في حالة عدم قدرة الجاني على تنفيذ ما يهدد به عادة.
والمجني عليه في جريمة الابتزاز الإلكتروني قد يكون من الأفراد العاديين سواء رجالا أم نساء أم أحداثا أم يكون من الأشخاص المعنويين، مثل: الحكومات والشركات والمؤسسات فهم مثل الأفراد العاديين عرضة للابتزاز ويتم العدوان عليهم وتهديدهم، مع أن جانبا من الفقه يرى أن الابتزاز لا يقع على الشخص المعنوي، وذلك لأن هذه الجريمة عدوان على حرية الشخصية وهي من الحريات الفردية التي لا تثبت إلا للأفراد، وإذا وجه التهديد إلى ممثل الشخص المعنوي؛ فإن المجني عليه في هذه الحالة ليس الشخص المعنوي وإنما من وجه إليه التهديد6.
وقد يتعدد المجني عليهم في جريمة الابتزاز الإلكتروني كما في حالة حصول الجاني على مقطع فيديو لعدد من الشباب فيقوم بتهديدهم أو تهديد ذويهم إن لم يدفع له مبلغ من المال أو تقديم ما يريده الجاني، بل قد يتعدد الجناة في هذه الجريمة فلم تعد جريمة الابتزاز تلك الجريمة الفردية التي يرتكبها فرد، إنما أصبحت الجريمة المتطورة والعنيفة من أكبر الجرائم العصرية والمنظمة التي انتشرت وبدأت في الانتشار بشكل كبير وعلى نطاق واسع في الآونة الأخيرة؛ فقد استغلت العصابات الدولية الفرص المتاحة داخل العالم الافتراضي ومقدرة الجاني على التخفي خلف شاشات الكمبيوتر وأصبحت لها مواقع خاصة بها تساعدها في اصطياد الضحايا وتوسيع أعمالها. وضحايا الابتزاز الإلكتروني بصفة عامة لا يشترط أن يكونوا من المشهورين في المجتمع، أو أصحاب مناصب قيادية أو عالية أو من أصحاب الأموال، إنما يكفي فقط أن يكون لديهم شيء يريده الجاني فيمارس الضغط عليهم للحصول عليه، ولا يشترط المشرع أن يكون الفعل أو الامتناع غير المشروع بل تقوم الجريمة ولو كان الفعل أو الامتناع مشروعا؛ إذ يكفي فعل التهديد الذي يهدف إلى الابتزاز، بغض النظر عن مشروعية الفعل أو الامتناع، ولا عبرة بطريقة التهديد، التي يمكن أن تتم من خلال البريد الإلكتروني أو عبر منصات التواصل الاجتماعي، أو عن طريق أي وسيلة أخرى من وسائل التواصل الحديثة والتي تهدف إلى حمل المجني عليه إلى إحداث نتيجة معينة هي القيام بفعل أو الامتناع عنه7.
ولم يذكر المشرع تحديدا جسامة التهديد وحجمه؛ حيث إنه لا عبرة بالشكل الذي يتم فيه عبارات الابتزاز إذا كان يفهم منها تخويف المجني عليه ودفعه إلى أداء شيء معين؛ حيث يكفي أن يؤدي التهديد إلى دفع الشخص إلى القيام بفعل أو الامتناع عن فعل حتى ولو كان هذا الفعل أو الامتناع عنه في إطار مشروع. وبناء على ذلك؛ فقد ترك المشرع تقدير جسامة التهديد لقاضي الموضوع والتهديد في جريمة الابتزاز الإلكتروني ليس فعلا مجردا، وإنما يجب أن يكون مقترنا بطلب ويكون هذا الطلب هو الهدف الذي يسعى إليه مرتكب الجريمة، واقتران التهديد بطلب هو ما يميزه عن شكل التهديد على اعتبار أنه جريمة مستقلة وما يميز التهديد في جريمة الابتزاز عن غيره في الجرائم الأخرى، وكذلك يتميز بأن العمل الذي يطلبه الجاني من المجني عليه قد يكون ممنوعا نظاما وقد يكون مسموحا8.
خصائص جريمة الابتزاز الإلكتروني
تتسم جريمة الابتزاز الإلكتروني بمجموعة من الخصائص والسمات التي تميزها عن غيرها من الجرائم؛ سواء التقليدية منها أم المستحدثة فهذه السمات والخصائص جعلت منها ظاهرة إجرامية جديدة لم تكن معروفة في العالم من قبل؛ حيث أعطتها لونا أو طابعا قانونيا خاصا يميزها عن غيرها من الجرائم، وتتمثل أهم خصائص هذه الجريمة في الآتي:
ترتكب هذه الجريمة في البيئة أو الشبكة المعلوماتية وتعتبر تكنولوجيا المعلومات ميدانا لها، وذلك باستخدام تقنيات المعلومات الرقمية، وأجهزة الحاسب الآلي والهواتف المحوسبة؛ حيث يتعامل الجاني مع البيانات والمعلومات؛ فهو يحتاج إلى الحاسب الآلي أو أي جهاز لوحي متطور موصول بشبكة الإنترنت ويحتاج إلى برامج خاصة للدخول إلى المعلومات والبيانات الخاصة بالمجني عليه، ولا بد أن يكون لديه مهارات تقنية حتى لو كانت بسيطة تمكنه من ارتكاب الجريمة9.
لا تشكل الحدود السياسية أو الجغرافية عائقا أمام هذا النوع من الجرائم؛ فمرتكبها لا تعوقه الحدود السياسية عن فعله الإجرامي؛ حيث يمكنه ارتكاب جريمة الابتزاز الإلكتروني عن بعد، وذلك يرجع إلى تطور وسائل الاتصال والارتباط العجيب بين الأجهزة من خلال الشبكة الإلكترونية العالمية؛ حيث أصبح العالم على اتساعه مسرحا متاحا لمرتكبي جرائم الابتزاز الإلكتروني؛ حيث يمكن أن يكون الجاني في قارة والمجني عليه في قارة أخرى أو في مدينة أخرى من نفس الدولة، وهذه الخاصية تضفي على جريمة الابتزاز الإلكتروني الصبغة العالمية؛ مما يجعل من الصعب تتبع وملاحقة أو ضبط مرتكبيها مما يتطلب تعاونا دوليا لمواجهتها10.
يطلق على الجريمة المعلوماتية أو الإلكترونية مصطلح الجريمة النظيفة، وذلك يرجع إلى صعوبة اكتشاف أدلة ثبوتها، فلا أثر فيها لأي عنف أو قسوة، إنما أرقام وبيانات يتم تغييرها أو حذفها من السجلات المخزنة في ذاكرة الحواسب الآلية وليس لها أثر مادي خارجي، ومن هنا ندرك مدى الصعوبات التي تواجهها الأنظمة الأمنية والقضائية، ونظرا إلى قلة الآثار المادية التي تنتج عن هذا النوع من الجرائم، يمكن وضع بعض النقاط الأساسية التي تعد من أهم الصعوبات التي تواجه إثبات واكتشاف هذا النوع من الجرائم:
ومن أهم مظاهر وخطورة هذه الجريمة أنها جريمة سهلة لا تحتاج إلى مجهود عضلي؛ مما يجعلها من الجرائم الناعمة التي تتم بهدوء شديد وبسرية بالغة بين الجاني المبتز والمجني عليه؛ فهي لا تحدث مباشرة بين الجاني والضحية كونها ترتكب عن بعد ومسرح الجريمة فيها افتراضي، فالتقنيات شجعت وساعدت المجرمين على زيادة عدد وحجم جرائمهم دون زيادة في الجهد المبذول عما كانوا يبذلونه مع الوسائل التقليدية، بل مع انخفاض احتمالات انكشاف أمرهم، وتسمح الشبكات للمجرمين بأن يرتكبوا جرائمهم بعيدا عن مسرح الجريمة، كما تسمح لهم بمهاجمة أكثر من ضحية في وقت واحد، كما لا يحتاج ارتكابها لفترة طويلة، أو أن ترتكب في زمن أو مكان معين؛ مما يشكل عامل إغراء للجناة لارتكاب هذا النوع من الجرائم باستخدام الوسائل التقنية الحديثة، ولا سيما الابتزاز الإلكتروني الذي يكون دافعه غالبا هو الحصول على المال، وبذلك تكون هذه الجريمة ذات مردود مالي كبير، وتحقق في الغالب أرباحا كبيرة أكثر مما يتم في الجرائم التقليدية؛ سواء بالسرقة أم بغسل الأموال كما يحدث عندما تبتز الدول أو الشركات والمؤسسات الكبرى13.
يمكن تصنيف مرتكبي جرائم الابتزاز الإلكتروني باعتبار أن هذه الجريمة صورة من صور الجرائم الإلكترونية إلى الأنماط التالية:
ومن خصائص جريمة الابتزاز الإلكتروني أيضا أنه عدوان على الحرية الشخصية وعلى أساس أن الحق بالأمن هو أحد عناصر الحرية الشخصية، فالتهديد في ذاته مجرم؛ سواء اقترن بطلب أم تكليف أم لأنه إكراه لإرادة المجني عليه لتنفيذ ما طلب منه؛ مما يدفع الفرد غالبا إلى العزلة وعدم الاختلاط بالغير، والخوف من إقامة روابط اجتماعية ربما تعود عليهم بالضرر؛ مما يترتب على ذلك انهيار وتفكك الصلات الاجتماعية بين الأفراد؛ فهي تهدد المستقبل الاجتماعي للضحية وتعرضه للمعاناة التي تؤثر على حياته ومستقبله وتدفعه أحيانا إلى ارتكاب جرائم أخرى، كما أنه اعتداء على حق الملكية للمجني عليه، وكذلك الشرف والسمعة، والكرامة، والسلامة الشخصية وتساعد في انتهاك حقوق الآخرين خاصة في المجتمعات المحافظة.
ونستنتج مما سبق أن تجريم الابتزاز الإلكتروني ليس فقط لحماية المجني عليه من الناحية المادية، وإنما كذلك حماية إرادته من القيام بتصرفات أو أعمال لا يرغب بها، وكذلك حماية شرفه وسمعته ومكانته الاجتماعية وحماية حقه في الخصوصية وغيرها من المصالح التي جاء القانون ليكفل حمايتها للأفراد15.
أركان جريمة الابتزاز الإلكتروني
إن المشرع يتطلب - كأصل عام - ضرورة توفر أركان التجريم لقيام جريمة الابتزاز الإلكتروني؛ فالمبدأ العام الذي تقوم عليه أي جريمة أن الجريمة لا تفترض، بل لا بد من وجود أركان محددة لقيام الجريمة وفي غيابها تنتفي الجريمة، وجريمة الابتزاز الإلكتروني كسائر الجرائم التقليدية والمستحدثة لا بد لها من الناحية القانونية من تحقيق أركان تؤسس عليها وإذا انتفى أي ركن من أركانها أصبحت جريمة معدومة لا يعاقب عليها16.
الركن المادي لجريمة الابتزاز الإلكتروني
الركن المادي للجريمة بصورة عامة هو مادياتها أي ما يدخل في كيانها المادي؛ فهو الفعل الظاهري الذي يبرز الجريمة ويعطيها وجودها وكيانها في الخارج، كما أنه سلوك إجرامي بارتكاب فعل أو الامتناع عن فعل أمر به القانون وعاقب على مخالفته؛ فهو السلوك المادي الخارجي الذي ينص القانون على تجريمه، وعليه فإن وجود أي جريمة يتحقق بوجود ركنها المادي وهو مبدأ عام في كل الجرائم ولا يرد على ذلك استثناء، فمن الضروري أن يكون هناك تجسيد خارجي لما يدور في الأذهان من رغبات وأفكار جرمية له ما يبرره من جهة صعوبة معرفة ما في أعماق النفس لإثبات حالة نفسية مجردة، فما يدور في الأذهان من أفكار ورغبات طالما لم تتخذ سبيلها إلى الحيز الخارجي بمظهر ملموس لا تعد جريمة لانعدام الركن المادي فيها.
والركن المادي في الجرائم الإلكترونية كمثيلها في الجرائم التقليدية أو غير المعلوماتية يتكون من ثلاثة عناصر، وهي السلوك الإجرامي والنتيجة والعلاقة السببية؛ إلا أن النشاط أو السلوك المادي في الجريمة الإلكترونية يتطلب وجود بيئة رقمية وجهاز كمبيوتر واتصالا بشبكة الإنترنت، وباعتبار أن جريمة الابتزاز الإلكتروني صورة من صور الجرائم الإلكترونية فينطبق عليها ما ينطبق على باقي الجرائم الإلكترونية بحسب ما يتوافق مع طبيعتها؛ إذ لا بد من توفر ثلاثة عناصر لقيام ركنها المادي وهي: السلوك الإجرامي، والنتيجة التي تترتب على السلوك الإجرامي، والعلاقة السببية بين السلوك الإجرامي والنتيجة، ومتى اكتملت عناصر الركن المادي وتحققت النتيجة الإجرامية كانت الجريمة تامة ووجب العقاب على مرتكبها؛ أما إذا لم تتحقق النتيجة وكان عدم تحققها راجعا لأسباب خارجة عن إرادة الجاني؛ فإن الفعل يقف عند حد الشروع ويجب عقاب مرتكبها عند هذا الوصف. والجاني عندما يقدم على ارتكاب السلوك الإجرامي قد يقدم عليه وحده، وقد يتعاون على ارتكابه جماعة يتفقون على الجريمة فينفذها أحدهم أو بعضهم أو يحرض بعضهم بعضا أو يساعد بعضهم البعض الآخر، وهذا ما يسمى بالاشتراك في الجريمة أو المساهمة الجنائية17.
وتتمثل أهم عناصر الركن المادي لجريمة الابتزاز الإلكتروني في الآتي:
أو ما يسمى بالنشاط الجرمي، ويقصد به النشاط الخارجي الذي يقوم به الجاني ويبرز في العالم الخارجي مكونا لماديات الجريمة؛ مسببا لما يترتب عليه من ضرر أو خطر ويتمثل في نشاط مادي ملموس يأتيه الجاني ويتخذ مظهرا خارجيا يسهل الاستدلال عليه بالحواس والسلوك لزم في كل الجرائم ولكن بصورة تختلف من جريمة لأخرى، ويختلف السلوك الإجرامي حسب المرحلة التي قطعها الجاني؛ فالأعمال التحضيرية التي تسبق الفعل الإجرامي ليست جزءا من الركن المادي، والقانون لا يعاقب على العمل التحضيري ما لم يشكل في ذاته جريمة أخرى، مثلا: من يقوم بشراء سلاح أو استنساخ المفاتيح لخزنة أو منزل، والسبب ذلك أن الشخص قد يتراجع عن ارتكاب الجريمة ولكن في مجال تكنولوجيا المعلومات فإن الأمر مختلف، فمثلا: من يقوم بحيازة صور مخلة بالآداب؛ سواء كانت للأشخاص أم للأطفال، أو من يقوم بشراء برامج اختراق أو يقوم بإعدادها بنفسه؛ فإن مثل هذه الأفعال تعد جريمة بحد ذاتها لوجود نصوص عقابية تجرم هذه الأفعال. والسلوك الإجرامي في جريمة الابتزاز الإلكتروني لا بد أن يتم من خلال استخدام الحاسب الآلي أو الشبكة المعلوماتية ولا يمنع أن يمتد جزء من السلوك العام إلى العالم المادي، وعليه؛ فإنه لا بد من الأخذ بالاعتبار النشاط الذي لا بد من وجوده لقيام الركن المادي وهو ما يعد من الأسس التي يجب أن يرتكز عليها بناء الركن المادي لهذا النوع من الجرائم18.
فالسلوك الإجرامي لهذه الجريمة يتمثل بكل سلوك من شأنه بث الذعر لدى المجني عليه بتهديده أو ابتزازه أو إيقاع الرعب فيه؛ لحمله على القيام بأمور أو الامتناع عن أمور؛ سواء كانت مشروعة أم غير مشروعة، وقد تكون هذه الجريمة لاحقة على فعل الدخول غير المشروع، ولكن يكون هذا الدخول بقصد محدد وهو التهديد أو الابتزاز بأي وسيلة كانت باستخدام الشبكة المعلوماتية؛ فالسوك الإجرامي يتمثل بالدخول بطريقة متعمدة إلى الحاسب الآلي أو موقع إلكتروني أو نظام معلوماتي، غير مصرح له الدخول إليها وقيامه بتهديد عن طريق كتابة عبارات التهديد وإرسالها إلى شخص بهدف حمله على القيام بعمل أو الامتناع عنه، وبغض النظر عن مشروعية الفعل أو الامتناع، فالفعل الرئيس لجريمة الابتزاز هو التهديد بفضح الأمر، وهو في جوهر الأمر وعيد بإيقاع شر بهدف الضغط على إرادة المجني عليه؛ ليحقق من خلاله الجاني الهدف من هذا التهديد، فالتهديد منصب على إرادة المجني عليه بالتأثير عليه سلبا لدرجة أنه يمكن أن يرضخ للجاني وينفذ عملا أو يمتنع عن القيام به لم يكن ليقوم به المجني عليه لولا هذا التهديد والضغط الذي وقع عليه19.
وتتحقق جريمة الابتزاز الإلكتروني باستخدام الجاني سلوكا واحدا أو متعددا، ويجب أن يكون الجاني جادا فيما يهدد به بدرجة تجعل المجني عليه متيقن وقوعه؛ مما يؤثر على إرادة المجني عليه، ولا عبرة بالطريقة التي لجأ إليها الجاني لتهديد المجني عليه، المهم استخدام الشبكة المعلوماتية أو من خلال التقنية الحديثة؛ إذ إنها من الممكن أن تتم من خلال البريد الإلكتروني أو خلال غرف المحادثات أو إحدى وسائل التواصل الاجتماعي أو عن طريق الألعاب الإلكترونية، وقد جعل المشرع القطري لوسيلة ارتكاب جريمة الابتزاز الإلكتروني أهميته؛ حيث اعتبرها من عناصر الجريمة، ورتب على ارتكاب جريمة الابتزاز عن طريق شبكة الإنترنت أو إحدى الوسائل الحديثة عقوبات مقدرة على خلاف ارتكابها بالطرق التقليدية20.
وقد يقع السلوك الإجرامي مباشرة من الجاني ضد المجني عليه، أو قد يقع بواسطة طرف ثان وبصورة غير مباشرة؛ كأن يقوم هذا الطرف الثاني بإبلاغ المجني عليه بتهديد الجاني، فالعبرة في وصول مادة التهديد إلى المجني عليه؛ سواء تم إيصالها عن طرق الجاني مباشرة أم عن طريق طرف آخر، ويتم التهديد بأقوال توجه للمجني عليه أو بأي عبارات؛ سواء كانت بطريقة صريحة أم غير صريحة لكن تدل على التهديد وتوجه للمجني عليه والتي يكون من شأنها إلقاء الفزع والخوف في نفسه، مثل إرسال مقطع صوتي أو مقطع مرئي أو صورة تحمل في مضمونها تهديدا وابتزازا، ويقع الابتزاز سواء كانت العبارات دالة عليه بشكل صريح أم ضمني؛ وسواء كانت واضحة أم غامضة طالما أن المجني عليه يستطيع فهمها وإدراك مضمونها؛ إذ المهم أن يكون من شأنها ترويع المجني عليه وحمله على أداء المطلوب21.
ومن الجدير بالذكر؛ أن التهديد كسلوك إجرامي في جريمة الابتزاز الإلكتروني ليس تهديدا باستعمال القوة، إنما هو إكراه معنوي يؤثر على حرية المجني عليه؛ بحيث يحمله على تنفيذ مطالب الجاني، ولا بد أن يعلم المجني عليه بالابتزاز الواقع عليه، ولا تقع جريمة الابتزاز دون تهديد، وبالتالي ليس ثمة جريمة ابتزاز في أي طلب يطلبه شخص ويستجيب إليه المجني عليه بإرادة حرة واختيار صحيح، وذلك لأن العبرة في فعل التهديد ذاته، وأثر هذا الفعل في نفس المجني عليه، والجريمة كذلك لا تقوم في حال حدث خوف تلقائي لدى المجني عليه، ولا بد أن يكون الابتزاز والأمر الذي هدد به الجاني جديا بدرجة تكفي لجعل المقصود به يعتقد تحقيقه؛ أي إنه أحدث أثره في نفس المجني عليه، فضابط التهديد هو أن يؤدي إلى حمل شخص على القيام بفعل أو الامتناع عنه، ولو كان الفعل أو الامتناع مشروعا، أما بالنسبة لتقدير مدى جسامة التهديد، وهل فعلا وقع على المجني عليه تهديد أثر على إرادته؟ فهذه المسألة متروكة لتقدير القاضي22.
والتهديد في جريمة الابتزاز لا بد أن يكون مقترنا بطلب، وهذا الطلب هو الغاية التي يسعى الجاني إلى تحقيقها. والطلب قد يكون ماليا أو منفعة مادية أو معنوية أو غير ذلك، أي كل ما يعود على الشخص من ميزة ما كان يحصل عليها لولا قيامه بالتهديد، فلا تقع جريمة الابتزاز بتهديدها فقط، بل لا بد من أن يكون مقرونا بطلب، فالتهديد الذي لا يطلب فيه بأي شيء أو بطلب شيء لا ينطوي على قيمة، هو خارج عن نطاق الابتزاز، وبالتالي لا بد أن يكون الطلب محددا، فلا يجوز أن يكون مبهما ولكن يمكن أن يكون مضمون التهديد مبهما؛ كمن يقول لآخر: إنه سيؤذيه ما لم يقم بإعطائه مبلغا من المال، ويترك تقدير ذلك من عدمه للقاضي وفق ظروف كل دعوى، ويجب أن يراعي في تقديره مدى دلالة الطلب ومقداره على جدية التهديد.
ولا يهم أن تكون الواقعة التي يهدد الجاني المجني عليه واقعة بإسنادها إليه صحيحة أو غير صحيحة، ولا يهم أيضا أن يكون من ستناله الواقعة هو المجني عليه بالذات؛ فقد يكون شخصا آخر يهم المجني عليه كزوجته أو ابنته أو أحد أقاربه، والعبرة في ذلك من حيث المحل المادي لجريمة الابتزاز الإلكتروني أن يكون من شأن الواقعة المساس بشرف المجني عليه أو الحط من مكانته أو مكانة أحد أقربائه، ويجب كذلك أن يكون الابتزاز على جريمة يعاقب عليها القانون23.
المقصود بالنتيجة الأثر الذي يحدثه السلوك الإجرامي والذي يرتب عليه المشرع أحكاما قانونية، والنتيجة الجرمية عنصر من العناصر المكونة للركن المادي للجريمة ولا تكتمل عناصره إلا بتحقق النتيجة، فلكل جريمة نتيجة، وذلك لأن الاعتداء على الحق هو علة تدخل المشرع لتجريم الفعل وتقرير العقاب عليه، والنتيجة في جريمة الابتزاز الإلكتروني تتحقق بالهلع والخوف الذي يحدثه الجاني في نفس المجني عليه؛ مما يدفعه لإتيان أفعال أو الامتناع عنها هذه هي النتيجة التي تترتب على جريمة الابتزاز الإلكتروني، ولا يلزم حتى تتحقق النتيجة أن يقوم المجني عليه بتحقيق ما يطلبه الجاني، ولا يلزم كذلك لتحقق النتيجة في هذه الجريمة أن يقوم الجاني بتنفيذ ما يهدد به، فالنتيجة تتحقق بمجرد قيامه باستخدام عبارات الابتزاز والتهديد؛ سواء كان ذلك التهديد في أمر مشروع أم لا، فالشاهد هنا هو إثارة الهلع والخوف في المجني عليه والتأثير على نفسيته وإلقاء القلق والرعب فيها24.
ويقصد بها أن يكون السلوك الإجرامي هو السبب في تحقق النتيجة الإجرامية؛ فهو الذي أدى بذاته إلى تحقيق النتيجة وإلا ما أمكن القول بتوفر الركن المادي لها؛ فلا بد حتى تكتمل جميع عناصر الركن المادي من وجود رابطة سببية تربط بين السلوك الإجرامي وما تحقق عنه من نتيجة إجرامية؛ بحيث يمكن القول بأن هذه النتيجة مترتبة على ذلك السلوك؛ بحيث إذا انتفت العلاقة السببية بينهما فلا مجال لمساءلة الفاعل، وفي جريمة الابتزاز الإلكتروني توجد صعوبة بالغة في تحديد توفر العلاقة السببية من عدم توفرها، وذلك نتيجة تشعب المراحل التي تمر بها وارتكابها في الفضاء الإلكتروني؛ فتحديد وجود العلاقة السببية من عدمها أمر صعب ومعقد في مثل هذا النوع من الجرائم وذلك بالنظر إلى تعقيدات الجريمة نفسها وتطور التقنية المستمر وتنوع وتعدد طرق الابتزاز، وقد تتداخل هذه الجريمة بجرائم أخرى، فكل ذلك يؤدي إلى صعوبة في تحديد وجود العلاقة السببية وهنا تظهر أهمية وضع معيار لمعرفة تحقق قيام العلاقة من عدم توفرها؛ فاستحقاق العقوبة مرهون دائما بقيام الرابطة السببية، والتي تنشأ من نشاط الجاني والواقعة الإجرامية التي تستوجب العقاب، فما دام الجاني يعاقب على النتيجة التي أدى إليها فعله؛ فإنه ينبغي لكي تتم مساءلته وتقرير العقوبة عليه أن تكون هناك علاقة تربط بين الفعل الإجرامي، أي ماديات الفعل والنتيجة، وفيما يتعلق بالعلاقة السببية فلا يضع معيارا محددا لتحديد قيام العلاقة السببية تاركا ذلك لاجتهاد الفقه والقضاء25.
ومشكلة العلاقة السببية لا تثور في الحالات التي يفضي فيها الفعل إلى النتيجة الإجرامية المحظورة إذا كانت طبيعة الفعل وظروف ارتكابه والفترة الزمنية التي تفصل عن النتيجة تقطع للوهلة الأولى أن الفعل هو السبب الوحيد للنتيجة وأنه لم يتدخل عامل آخر إلى جانبه ساعد في تحققها كما وقعت، كما يحدث في مرحلة ابتزاز الفتيات، عندما يبدأ السلوك الإجرامي من الجاني بإيهام المجني عليها على خلاف الحقيقة برغبته في الزواج منها وبعد ذلك يطلب منها صورا لها، فتقوم بإرسال كل ما يطلب وهي على ثقة تامة فيه؛ إلا أنه يبدأ بعد ذلك بتهديدها بأنها إن لم تنصع لأوامره، وذلك بقبول طلباته؛ سواء كانت مادية أم جنسية أم غيرها بأنه سيفضحها ويشهر بها، فهذا كله لا يدع مجالا للشك بأن النتيجة الإجرامية التي حدثت ما هي إلا نتيجة للسلوك الإجرامي الذي فعله الجاني، وارتباط هذه النتيجة بهذا الفعل وتكون هذه النتيجة هي ثمرة الفعل الإجرامي26.
فتوجد العلاقة السببية في هذه الجريمة متى ما كان ابتزاز الجاني هو الذي دفع بالمجني عليه للقيام بعمل أو الامتناع عنه، فما أحدثه الجاني في نفس المجني عليه من خوف ورهبة هو الذي أثر على إرادة المجني عليه وأجبره على هذا الفعل أو الامتناع عنه، فلو كان هذا الابتزاز لغرض مالي وقام المجني عليه بتسليمه المال نتيجة ما أحدثه الجاني في نفس المجني عليه بسبب التهديد والضغط فهنا تقوم العلاقة السببية بين الفعل والنتيجة، أما إذا لم يحدث التهديد أي أثر وكان الدافع للمجني عليه اعتبارات أخرى فهنا تنقطع العلاقة السببية، فجريمة الابتزاز تقوم بفعل الجاني الذي يقوم بدخول غير مشروع، بهدف التهديد والابتزاز بالترهيب لأجل القيام بفعل، وكذلك تقوم على النتيجة التي تحدث من فعل الدخول غير المشروع لقصد الترويع أو التهديد الواقع على المجني عليه، ولقيام الركن المادي هنا لا بد من أن تنسب النتيجة إلى الفاعل برابطة سببية؛ فإن لم يكن هناك علاقة تربط النتيجة بالنشاط فلا يقوم الركن المادي.
ولا يشترط لقيام العلاقة السببية أن يكون السبب من قيام المجني عليه بعمل أو الامتناع عنه أن يكون الابتزاز سابقا بشكل مباشر بل يكفي أن يكون سابقا عليه أيا كانت المدة التي تفصل بينهم المهم أن يكون هو الذي أحدث التأثير على المجني عليه ودفعه للقيام أو الامتناع عن أداء العمل27.
عوارض الركن المادي لجريمة الابتزاز الإلكتروني:
الشروع هو البدء في تنفيذ فعل بقصد ارتكاب جريمة إذا أوقف أو خاب أثره لأسباب لا دخل لإرادة الفاعل فيها، ولا يعتبر شروعا في الجريمة مجرد العزم على ارتكابها ولا الأعمال التحضيرية لها، ولكي يتوفر الشروع في الجريمة فيلزم لذلك أن يبدأ الجاني في تنفيذ الجريمة، وأن يكون قاصدا لتمامها، غير أنه لم يستطع إتمامها، وذلك لأسباب خارجة عن إرادته فلا يسأل الشخص عن جريمة الشروع، إذا كان التنفيذ قد توقف في وقت سابق على ارتكاب الجريمة من جهة، أو بسبب يرجع إلى إرادة الفاعل من جهة أخرى، وهو ما يسمى بالعدول الاختياري28.
والأسباب الخارجة عن إرادة الجاني التي تمنع من إتمام النتيجة تتمثل في ثلاث صور:
ويثار تساؤل وهو، هل من الممكن أن يشرع شخص في جريمة الابتزاز الإلكتروني؟ وللإجابة على هذا السؤال يجب توضيح رأي الفقه الجنائي في تحديد مدلول نتيجة جريمة الابتزاز الإلكتروني؛ حيث انقسم رأي الفقه إلى اتجاهين وهما كالتالي:
ذهب الاتجاه الأول إلى أن جريمة الابتزاز الإلكتروني هي جريمة شكلية؛ فتتم بمجرد خرق النص العقابي وإتيان السلوك الاجرامي المكون لجريمة الابتزاز، وبالنتيجة فهي وفقا لهذا الاتجاه تكون جريمة خطر لا يتطلب فيها نتيجة مادية ملموسة على أرض الواقع، وبالتالي أسوة بجريمة التهديد لا يتصور فيها الشروع30.
وذهب الاتجاه الثاني إلى أن جريمة الابتزاز الإلكتروني هي جريمة ذات نتيجة مادية؛ أي ينبغي ظهور نتيجتها على أرض الواقع لتحققها، وبذلك فهي وفقا لهذا الاتجاه من جرائم الضرر التي يشترط وقوع نتيجة مادية فيها، والتي تتمثل في تنفيذ المجني لمطالب الجاني (المبتز)، ومن ثم متى ما امتنع المجني عليه من الانصياع لرغبات الجاني؛ فإن الجريمة تقف على حد الشروع31.
ويرى الباحث مما أسلف، الذهاب مع الاتجاه الثاني كونه هو الأقرب إلى العقل والمنطق؛ حيث تكون الجريمة تامه اذا قام المجني عليه بتنفيذ أوامر الجاني، وبالتالي؛ فإن مجرد التهديد بالإيذاء المادي أو المعنوي مع عدم خضوع المجني عليه لرغبات الجاني، تكون الجريمة في حالة الشروع، وبمعنى آخر عندما لا يتم تنفيذ العمل أو الفعل المطلوب تقف الجريمة عند حد الشروع، كما أن المشرع القطري وفي المادة رقم 50 من قانون مكافحة الجريمة الإلكترونية عاقب على الشروع في الجرائم الإلكترونية؛ مما يدل معه تصور المشرع للشروع في كافة الجرائم الإلكترونية32.
يقصد بالاشتراك أو المساهمة الجنائية تدخل أكثر من جان في ارتكاب ذات الجريمة تدخلا مقصودا متى كان تدخلهم لا يستلزمه القانون لتجسيد النموذج القانوني للجريمة، أو هي الحالة التي يتعدد فيها الجناة ويتحد فيها المشروع الإجرامي؛ فإنه لكي يتوفر الاشتراك لا بد أن تقع جريمة واحدة وأن يشترك في تلك الجريمة شخصان فأكثر؛ سواء قام كل منهم بارتكاب الركن المادي للجريمة أو ارتكبه أحدهم وقام الآخر بعمل ثانوي خارج عنه، وهذا ما أكدت عليه المادة رقم 49 من قانون مكافحة الجريمة الإلكترونية33، فالجريمة تمثل الغرض الإجرامي الذي يسعى إليه المساهمون جميعا.
والاشتراك أو المساهمة في الجريمة ينقسم إلى قسمين:
الركن المعنوي لجريمة الابتزاز الإلكتروني
يتمثل الركن المعنوي في العنصر النفسي الذي دفع الجاني إلى ارتكاب الجريمة، أو الحالة الذهنية التي كان عليها لحظة ارتكابه، أو النية التي دفعته إلى القيام بذلك العمل الإجرامي، فلا يمكن إدانة أحد بجريمة من الجرائم ما لم يكن السلوك الإجرامي الذي قام بارتكابه مصحوبا بالركن المعنوي المتمثل في القصد الجنائي؛ أي اتجاه إرادة المجرم إلى إحداث النتيجة الإجرامية وعلمه بعناصرها، فلا يكفي لتوقيع العقوبة أن يقوم الفاعل بارتكاب الفعل المكون للركن المادي للجريمة أي العنصر المادي فيها، وأن يكون هناك نص يعاقب عليها، وإنما يلزم فوق ذلك أن يصدر النشاط المادي عن إرادة؛ أي يجب أن توجد رابطة نفسية بين النشاط الإجرامي ونتائجه، وبين الجاني الذي صدر عنه هذا النشاط36.
وتعتبر جريمة الابتزاز الإلكتروني باستخدام شبكة معلوماتية أو إحدى وسائل تقنية المعلومات جريمة عمدية والتي لا يمكن تصورها مطلقا دون قصد جنائي، كحصولها بالخطأ أو النسيان بأي صورة من الصور، ويتحقق فيها القصد الجنائي العام متى كان الجاني مكلفا مدركا مختارا بما أقدم عليه من أفعال دون إكراه أو إجبار من أحد، بل بالعكس هو الذي يجبر المجني عليه بالقيام أو الامتناع عن عمل وإلا قام بتنفيذ ما يهدد به ولحق المجني عليه الإيذاء المادي أو المعنوي؛ فالركن المعنوي في هذه الجريمة يتمثل في اتجاه إرادة الجاني إلى إحداث نتيجة جرمية متمثلة في إحدى صور الابتزاز التي يجرمها القانون، وبناء على ما سبق تتمثل أهم صور القصد الجنائي في جريمة الابتزاز الإلكتروني في الآتي37:
وهو المعرفة والمقدرة والتمييز على تحديد طبيعة الفعل والآثار المترتبة عليه، ولذلك فإنه يجب أن يكون مرتكب الجريمة على علم بنص الجريمة وتكييف الفعل القانوني؛ لأن العلم بذلك هو أمر مفترض، بل يكون العنصر الأول في علم الجاني بالنتيجة الناشئة عن السلوك المرتكب، والوقائع المتصلة به والتي تعتبر من عناصر العلم بالجريمة وموضوعها؛ حيث إنه من الضروري أن يعرف الجاني أنه يقوم بارتكاب جريمة من خلال شبكة الإنترنت وهي أحد الأفعال المجرمة في القانون، كما يجب أن يكون علمه منصبا على أن الفعل الذي يقوم به، مثل أن يحصل على صور فاضحة لشخص ما والقيام بتهديده بهذه الصور في مقابل أن يحصل على منفعة منه هو أمر يعاقب عليه القانون، كما يجب عليه أيضا أن يكون على معرفة بطبيعة الفعل أو الامتناع عن الفعل المجرم من قبل القانون، وأيضا أن يكون على علم أن الفعل الذي يقوم به يسبب ضررا للمجني عليه، وأن ما الأقوال أو الأفعال التي تصدر عنه هي ما تبث الخوف والفزع في نفس المجني عليه وتدفعه للقيام بالأمور التي يطلبها منه، وأيضا ما يمكن أن يصيبه من القلق النفسي لانتظار ما ينتج من ضرر من فعل الجاني؛ سواء في ماله أم في نفسه أم أن يصيب هذا الضرر شخص آخر قريب من المجني عليه؛ لحمله على القيام بعمل ما أو الامتناع عنه مهما كانت طبيعة هذا العمل مشروعة أو غير مشروعة، وبغض النظر عما إذا كان الجاني قد عزم على تنفيذ تهديده أو عدم تنفيذه، وبالتالي، يمكن القول بأن العلم في جريمة الابتزاز الإلكتروني مفترض بمجرد فعل التهديد والابتزاز المقرون بطلب معين38.
تعتبر الإرادة هي العنصر الثاني للقصد الجنائي، وهي عبارة عن قوة نفسية، أو نشاط نفسي يوجه كل أعضاء الجسم أو بعضها نحو تحقيق هدف معين وهذا الهدف غير مشروع، فالإرادة هي المحرك الأساسي للسلوك الإجرامي وتقوم الإرادة على عنصرين إرادة الفعل وإرادة النتيجة، ولكي تقوم المسؤولية الجنائية على الجاني يجب إثبات أن إرادة الفاعل اتجهت إلى القيام بهذا الفعل، واتجاه الإرادة إلى ارتكاب الفعل يفترض علم الجاني بماهية فعله، وخطورته على الحق الذي يحميه القانون ثم تتجه إرادته لفعل ذلك رغما عن القانون، دون أن يقع بأي عيب من عيوب الإرادة، وذلك بأن يكون مدركا مختارا؛ فلا تقوم المسؤولية على الفاعل المكره، ولا بد أن يتحقق كذلك العنصر الثاني وهو إرادة تحقيق النتيجة الإجرامية التي حدثت بالفعل أو تخلفت لسبب غير اختياري، وهي ذات الإرادة التي يلزم توفرها لقيام الجريمة التامة؛ فالإرادة متجهة في الحالتين نحو إتمام الجريمة، بغض النظر عن تحقق النتيجة من عدمها39.
وإن إرادة النتيجة تتحقق في جريمة الابتزاز الإلكتروني بمجرد فعل التهديد أو الابتزاز فهي مفترضة؛ سواء انصاعت الفتاة إلى رغبات الشاب المبتز، أم حصل المبتز على المال الذي يطلبه أم إشباع رغبات معينة أم قام المجني عليه بإبلاغ السلطات المختصة قبل حصول الجاني على ما يريد؛ فقيام الضحية بفعل أو الامتناع ليس له أي قيمة من ناحية إثبات إرادة تحقق النتيجة وترتيب المسؤولية على الجاني.
للقصد العديد من الصور تختلف باختلاف الجرائم ونية المجرم؛ فقد يكون القصد عاما أو يكون القصد خاصا، وقد يكون قصدا معينا أو قصدا غير معين، أو قصدا مباشرا أو قصدا غير مباشر، والتمييز بين صور القصد الجنائي في جريمة الابتزاز الإلكتروني أمر مهم؛ حيث تطلب المشرع في بعض صور ارتكاب جريمة الابتزاز الإلكتروني توفر صورة من صور القصد الجنائي.
ويتضح مما سبق؛ أن جريمة الابتزاز الإلكتروني جريمة عمدية، والتي لا يمكن تصور وقوعها نتيجة خطأ أو نسيان؛ أي إن لدى الجاني القصد الجنائي في إحداث الخوف والتأثير على قرار المجني عليه، وهو القصد العام الذي يكتفي المشرع فيه بوجود العلم والإرادة، ولا تنتفي هذه الجريمة إذا كان غرض الجاني من الحصول على المنفعة غير المشروعة؛ فتقع حتى لو كانت المنفعة التي يقصدها الجاني مشروعة، كتهديد المجني عليه بفضح أمره إذا لم يتوقف عن تعاطي المخدرات، أو كان الغرض من الابتزاز حمله على الوفاء بدين، أو يقوم بتهديده لتعويض الجاني عن أضرار سببها المجني عليه للجاني؛ فلا أهمية للباعث أو الدافع على ارتكاب الجريمة؛ فقيام الشخص بالدخول غير المشروع للابتزاز والتهديد يتمثل جريمة القصد الخاص، بينما قد يكون الدافع لمثل ذلك إما الانتقام أو الحصول على مبالغ مالية أو حتى كان بدافع التسلية وتضييع الوقت أو اكتشاف هل المجني عليه ممكن أن يخاف من ابتزاز الجاني؟ وكذلك لا يشترط المشرع أن يكون لدى مرتكب جريمة الابتزاز نية تحقيق الفعل المهدد بارتكابه، فجريمة الابتزاز الإلكتروني معاقب عليها بذاتها وذلك لما تحدثه من رعب في نفس المجني عليه وإكراه تحت وطأة الابتزاز على القيام أو الامتناع عن القيام به.
وأخيرا؛ فإن القصد الجنائي العام ركن في جريمة الابتزاز الإلكتروني ويترتب على عدم وجود القصد الجنائي عدم وجود الجريمة؛ إذ إن من عناصر هذه الجريمة وجود إرادة محققة إلى إيقاع الأذى وإثارة الخوف في نفس المجني عليه.
المبحث الثالث
العقوبات المقررة لجريمة الابتزاز الإلكتروني
الابتزاز الإلكتروني سلوك إجرامي يجمع عددا من صور التعدي، والانتهاك للحقوق ويمس أعراض وحرمات الناس، ويصدم حرمة الإنسان وكرامته المقررة شرعا والمكفولة قانونا، وفيها تعد على ضروريات المجتمع ورعايتها، لهذا أقر المشرع القطري أن كل من يقوم بارتكاب جريمة الابتزاز الإلكتروني باستخدام إحدى الوسائل الحديثة تطبق عقوبات ملائمة بحق الجاني تتناسب مع الجرم الذي اقترفه بحق المجني عليه.
العقوبة الأصلية لجريمة الابتزاز الإلكتروني
العقوبة هي الجزاء الذي يقرره القانون لمصلحة المجتمع تنفيذا لحكم قضائي على من تثبت مسؤوليته عن الجريمة لمنع ارتكاب الجريمة مرة أخرى من قبل المجرم نفسه أو من قبل بقية المواطنين، وتمثل العقوبة ردة فعل المجتمع تجاه الجريمة والمجرم والتي تهدف إلى تحقيق منافع معينة أو أغراض؛ قد تتمثل في إيلام الجاني، أو تحقيق العدالة، أو جبر الضرر الناشئ عن الجريمة أو غير ذلك من الأغراض، يعيد من خلالها التوازن المفقود في المجتمع بسبب الجريمة وبين مصلحة الجاني مرتكب الجريمة، وتتفاوت جسامة تلك العقوبة بحسب جسامة الاعتداء الواقع من الجاني على المصلحة المحمية اجتماعيا وقانونيا، وبحسب أهمية تلك المصلحة والمصالح الضرورية المعتبرة في الشريعة الإسلامية وفي كل الشرائع هي: حفظ الدين والنفس والعقل والعرض والمال، وفي الاعتداء على هذه المصالح ضرر بالغ على المجتمع؛ لذا وجب على المجتمع حفظ هذه المصالح وعدم التفريط بها، والعقاب يطبق على من يعتدي عليها لحفظ مصالح المجتمع ولصيانة النظام الذي تقوم عليه.
وجريمة الابتزاز من الجرائم التي عقوبتها التعزير؛ فتقديرها وبيان نوعها متروك للسلطة التنظيمية المختصة، ولقد سن المشرع القطري عقوبة جريمة الابتزاز عبر تقنية المعلومات الحديثة؛ حيث ورد في قانون مكافحة الجرائم الإلكترونية عقوبة جريمة الابتزاز الإلكتروني أن كل شخص قام باستخدام الشبكة المعلوماتية أو إحدى وسائل تقنية المعلومات بأن قام بتهديد شخص أو ابتزازه لحملة على القيام بعمل أو الامتناع عنه يعاقب بالحبس مدة لا تتجاوز ثلاث سنوات وبالغرامة التي لا تزيد على مائة ألف ريال قطري أو بإحدى هاتين العقوبتين43، كما أنه يعاقب بنفس العقوبة كل شخص قام بالاشتراك بطريق الاتفاق أو التحريض أو المساعدة على هذه الجريمة موضوع البحث.
كما نص القانون على أن ظروف تشديد العقوبة تكون بالمضاعفة في الجرائم المعاقب عليها في هذا القانون؛ إذا قام بارتكابها موظف عام أو سهل لارتكاب هذه الجريمة إذا استغل من ذلك صلاحياته وسلطاته لارتكاب هذه الجريمة44. أما إذا تم ارتكاب الجريمة من قبل شخص معنوي؛ فإن العقوبة تكون بالغرامة التي لا تزيد عن مليون ريال قطري إذا تم ارتكاب الجريمة باسم الشخص المعنوي أو لحسابه على ألا يخل بالمسؤولية الجنائية للشخص الطبيعي الذي يتبع له45.
ويرى الباحث مما تقدم، أن العقوبات السالبة للحرية والعقوبات المالية تعتبر عقوبات رادعة - نوعا ما -سواء كان هذا الردع عاما وهو النية في ردع عامة الأشخاص من ارتكاب مثل هذه الجرائم من خلال معاقبة أولئك الأشخاص الذين يرتكبون هذه الجرائم، وكذا الردع الخاص والمقصود به التأثير الفردي الذي تحدثه العقوبة على شخصية المحكوم عليه مرتكب الجرم؛ مما يحول دون عودته إلى ارتكاب الجريمة مرة أخرى، ولكن نرى في جريمة الابتزاز الإلكتروني وتحديدا اذا كان هذا الابتزاز متعلقا بأمور أخلاقية وجنسية وترتب على الابتزاز قيام الجاني المبتز بنشر أخبار أو صور متعلقة بالمجني عليه؛ فإنه من الأحرى إضافة عقوبة تكميلية أو تبعية وهي التشهير بهذا الجاني، ويرجع تقدير تلك العقوبة لقاضي الموضوع.
العقوبة التكميلية والتبعية والإعفاء من عقوبة الابتزاز الإلكتروني
ورد في التشريع القطري أنه يجوز للمحكمة القطرية بعد الحكم بعقوبة أصلية على جريمة من الجرائم المنصوص عليها في قانون الجرائم الإلكترونية أن تحكم بعقوبة أخرى تكميلية للعقوبة الأصلية، مثل: عقوبة الإبعاد إذا كان مرتكب هذه الجريمة شخصا غير قطري46.
أما عن العقوبة التبعية؛ فقد قرر المشرع أنه في كافة الأحوال بالإضافة إلى العقوبات الواردة في قانون الجرائم الإلكترونية بأن يتم مصادرة كافة الأجهزة أو البرامج أو الوسائل التي تم استخدامها في ارتكاب أي جريمة نص عليها في قانون الجرائم الإلكترونية، وأيضا مصادرة كافة الأموال التي تم التحصل عليها من هذه الجرائم، كما يتم الحكم بإغلاق المحل أو حجب الموقع الإلكتروني الذي تم ارتكاب الجريمة عن طريقه47.
كما ورد في القانون أنه يتم الإعفاء من العقوبة لكل شخص قام بالمبادرة بتزويد السلطات المختصة بمعلومات تخص الجريمة والأشخاص المشتركين فيها قبل أن تعلم السلطات بهذه الجريمة وقبل وقوع الضرر؛ أما اذا حصل الإبلاغ بعد علم السلطات وأدت تلك المعلومات إلى ضبط باقي المجرمين الآخرين، يمكن للمحكمة أن تحكم بوقف تنفيذ العقوبة48.
الخاتمة
النتائج:
المراجع
تشريعات:
Master's Degree in Cybercrime Law. Public Prosecutor
Views
Downloads
Citations
Authors
Issue
Year