The Qatari Commercial Law of 2006 addressed the regulation of the bank locker contract (Articles 362–370). Given the legislator's use of lease-related terminology in regulating this contract, the prevailing commercial doctrine view in Qatar has classified this contract as a type of lease. However, some civil law scholars in Qatar regard it as a special type of deposit. Nevertheless, this characterisation conflicts with modern trends, particularly in France, where the prevailing doctrinal opinion emphasises its unique nature and describes the contract as an application of contrats de garde. This perspective aligns with the specific obligations involved, prioritises the client’s weaker position, and balances it with the bank's economic power. The researcher aims to discuss this perspective to support its application in Qatar and other Arab countries.
Methodology/ Approach:The study adopts a synthetic and critical approach, leveraging French legal scholarship and case law.
Findings/ Observations:The study highlights the classification of the bank locker contract as a complex contract that combines elements of deposit and lease. It concludes that the contract is closer to a deposit, with unique characteristics requiring the bank to fulfill essential obligations, including ensuring access, monitoring identity, maintaining security, and preserving confidentiality.
The study also finds that French judicial precedents regarding this contract have developed a legal framework that accounts for its unique nature. These precedents serve as the historical source for the provisions of this contract in Arab commercial laws, necessitating their consideration in interpretation.
Originality/ Value:Although the study addresses a traditional topic, i.e., the classification of the bank locker contract, it stands out by critically analyzing the prevailing view of the contract as a type of lease in light of the latest comparative law trends. This analysis offers pioneering insights in this field, particularly within Arab legal scholarship and in Qatar specifically.
أولا – موضوع البحث:
ولقد ساد في مشرق العالم العربي استخدام مصطلح الخزانة الحديدية(4) أو الصناديق الحديدية للتعبير عن الخزينة الحصينة. ومع تطور خدمة الخزائن لصالح الغير، ظهرت صورة أكثر تقدما لهذه الخدمة، وهي خدمة الحجرة الحصينة(5)، والتي تحتاجها – على سبيل المثال – صالات المزايدات لتخزين اللوحات الفنية الثمينة(6). ويرجح أن تسمية العقد باصطلاح: عقد الخزانة الحديدية(7) هي محاولة لتعريب الاصطلاح الفرنسي المزدوج – السابق الإشارة إليه – والذي كان الأدق أن يترجم إلى الخزانة الحصينة.
وبذلك، نفضل من جانبنا الاكتفاء بوصف عقد تقديم خدمة الخزانة بأنه: عقد خزانة حصينة، أو بمجرد عقد خزانة، دون وصف الخزانة بأنها حديدية، حيث إن هذا العقد لا يعتمد على مادة صنع الخزانة. كذلك، فضلنا عدم وصف العقد بأنه إيجار(8)، وذلك لتجنب التطرق إلى حسم تكييف العقد، باعتبار أن هذا الأمر هو موضوع البحث.
ويمكن تصنيف عقد الخزانة المصرفية ضمن الخدمات المصرفية(12)، التي يجمعها غياب عنصر الائتمان الذي يمنحه البنك لعميله(13). علما بأن خدمة الخزانة المصرفية كانت في فرنسا ضمن ما يعرف بالخدمة المتصلة (14) بخدمات الاستثمار، بموجب القانون رقم (597) لسنة 1996، حيث وردت في المادة ق. 321-2 من التقنين الفرنسي النقدي والمالي؛ إلا أنها اختفت من النص عقب صدور القانون رقم (706) لسنة 2003؛ مما دفع الفقه الفرنسي إلى تصنيفها – فقهيا – كخدمة مصرفية فرعية(15) أو مكملة(16).
والأصل أن خدمة الخزانة المصرفية تطلب لذاتها في إطار ما يعرف بالخدمة الشاملة للبنوك. وتحرص البنوك على توفيرها ليس بهدف التربح من عائدها، حيث تعتبر أجرة الخدمة زهيدة(17)، وإنما لتحقيق رفاهية كبار العملاء وجذب المزيد منهم(18).
وإذا كان الغالب على خدمة الخزانة المصرفية استخدامها للحفظ الآمن للصكوك التجارية والوثائق المُهمَّة للأفراد؛ فضلا عن مجوهراتهم ومعادنهم ومقتنياتهم الشخصية الثمينة؛ أي لأغراض شخصية؛ فإن هذه الخدمة قد تقدم أيضا إلى محترفين من أفراد وشركات، مثل تجار المعادن الثمينة وصالات مزادات اللوحات القيمة. لذا؛ تحرص بعض البنوك على تضمين عقود خزائنها المصرفية بنودا خاصة تنظم الحصول على هذه الخدمة للأغراض المهنية(19).
وحيث إن خدمة الخزائن لصالح الغير ليست قاصرة على البنوك؛ إذ يجيز قانون التجارة القطري تقديمها من الغير بشرط الحصول على ترخيص؛ فإننا سنقتصر في بحثنا على دراسة خدمة الخزائن التي تقدمها البنوك. وبذلك، يخرج من نطاق هذا البحث الظاهرة الجديدة المتعلقة بتخزين المستندات إلكترونيا، والتي يطلق عليها في فرنسا: الخزائن الإلكترونية الحصينة(20).
على أن معظم التشريعات التجارية في دول مجلس التعاون لدول الخليج العربية (دول مجلس التعاون)(25)، ومصر(26)، قد قننت الاجتهاد القضائي والفقهي الفرنسي الغالب فيما يتعلق بأهم الأحكام الموضوعية والإجرائية بشأن الخزانة المصرفية(27). وفي هذا السياق، يأتي موقف قانون التجارة القطري، الصادر بالقانون رقم (26) لسنة 2006(28)، والذي نظم عقد الخزانة للمرة الأولى في دولة قطر، وذلك في مواده من 362 إلى 370(29). ويعرف قانون التجارة القطري عقد الخزانة بأنه:
«... عقد يتعهد بموجبه بنك أو أية جهة مرخص لها بذلك بوضع خزانة معينة في مقره تحت تصرف المستأجر للانتفاع بها لمدة معينة، وذلك مقابل أجر يتقاضاه البنك أو الجهة»(30).
ثانيا – مشكلة البحث:
المسألة الأولى موضوعية تتعلق بمدى التزام البنك بالحفاظ على محتويات الخزانة، مع الأخذ في الاعتبار أنها توصف عملا بأنها مؤجرة. وهذا يمنح البنك فرصة الدفع بأن مخاطر الخدمة يتحملها العميل المستأجر، نظرا لكونه الحائز الفعلي للمحتوى، وأن دور البنك يقتصر على تمكين المستأجر من الانتفاع بالخزانة، كما هو حال المؤجر في العقود التقليدية.
المسألة الثانية إجرائية تتعلق بتحديد النظام القانوني للحجز على محتويات الخزانة من قبل دائن العميل(36). ففي هذا الإطار، يفضل دائن العميل اعتبار محتويات الخزانة بمثابة مال مودع لدى البنك؛ مما يجعل البنك في هذه الحالة بمثابة وديع من الغير(37). وبذلك يصبح من الجائز للدائن توقيع الحجز على أموال المدين تحت يد البنك (حجز مال المدين لدى الغير)؛ أي بما يتيح الحجز التحفظي(38).
في المقابل، يفضل البنك تفسير العقد على أنه عقد إيجار للخزانة، بحيث لا تكون له صلة بمحتوياتها، وبذلك لا يمكن الحجز على تلك المحتويات إلا من خلال الحجز التنفيذي(39)، غير أن هذا النوع من الحجز يفتقر إلى الفاعلية، نظرا لما يتطلبه من إجراءات استباقية تنبه العميل المدين(40)؛ مما يتيح له الفرصة لإفراغ الخزانة من المقتنيات المالية التي تصلح للحجز عليها.
ولقد أدى اختلاف الفقه الفرنسي – قبل تعديلات قانون المرافعات الفرنسي لعام 1992 – بشأن تكييف عقد الخزانة المصرفية إلى صعوبات في تطبيق الحجز على محتوياتها من قبل الغير، وهي مشكلة عرفها النظام القانوني المصري أيضا. وتعد هذه المشكلة من الموضوعات التي تناولها الفقه المقارن تحت عنوان: «الحجز على الأموال الموضوعة في الخزانة المصرفية»(41).
إنها المشكلة الإجرائية التي حلت بتدخل المشرع – في فرنسا وأغلب التشريعات التجارية لدى الدول العربية – بتنظيم الحجز على محتويات الخزانة المصرفية، استنادا إلى تقنين الاجتهاد القضائي الفرنسي. وعلى الرغم من ثراء الاجتهاد القضائي الموضوعي الفرنسي؛ فإن بعض أوجه مسؤولية البنك (أي الشق الموضوعي) ما تزال قيد البلورة، وهي تتأثر بشكل كبير بتكييف هذا العقد.
فمن المعلوم أن أغلب الفقه التجاري يرى أن عقد الخزانة المصرفية هو عقد رضائي، ملزم للجانبين، وتجاري دائما بالنسبة للبنك، وأن شخصية العميل فيه محل اعتبار(42). ومع ذلك؛ فإن هذا الفقه ما يزال مختلفا بشأن تكييف هذا العقد(43).
ويلاحظ أن هذا الاختلاف لم يتوقف حتى الآن في الدول العربية التي قننت أهم الاجتهادات القضائية الفرنسية فيما يخص عقد الخزانة المصرفية، بما في ذلك دولة قطر(44). ويكفي الإشارة إلى وجود اختلاف بين أهم فقهاء القانون التجاري المصري حول هذا الأمر، حتى بعد صدور قانون التجارة المصري بموجب القانون رقم (17) لسنة 1999(45).
وبالرجوع إلى رواد الفقه التجاري المصري نجد أن الأستاذ الدكتور/ علي جمال الدين عوض(46) قد تزعم الاتجاه الإيجاري لعقد الخزانة المصرفية؛ فقد تمسك بهذا الرأي قبل وبعد صدور قانون التجارة المصري لعام 1999(47). في المقابل، ظل الأستاذ الدكتور/ علي البارودي يعتبر العقد وديعة(48) ذات طابع إيجاري ثانوي، ولم يغير موقفه بعد صدور القانون(49). أما الأستاذ الدكتور/ محمود سمير الشرقاوي، فاعتبر العقد مركبا من الإيجار والوديعة(50)، بحيث تطبق أحكام كليهما، مع ترجيح الوديعة عند التعارض، وهو رأي تمسك به أيضا قبل وبعد صدور قانون التجارة(51). ومن جانب آخر، اعتبرت الأستاذة الدكتورة سميحة القليوبي العقد ذا طبيعة خاصة(52)، مستشهدة بالنظرية الفرنسية حول عقود الحفظ(53).
وفي المقابل، ذهب بعض الفقهاء الإجرائيين إلى أن هذا الخلاف يفتقر إلى الأهمية العملية، نظرا لحسم المشرع التجاري مسألة الحجز على محتويات الخزانة المصرفية. وقد عبر عن هذا الرأي بوضوح الأستاذ الدكتور/ محمد طلعت دويدار(54).
ويشترك تكييف عقد الخزانة المصرفية بين الفقهاء التجاريين وزملائهم من فقهاء القانون المدني، الذين تناولوه في سياق شرحهم لأحكام عقد الإيجار والوديعة. ومن المعلوم أن عميد الفقه المدني العربي، الأستاذ الدكتور/ عبد الرزاق السنهوري، قد انتهى إلى تكييف عقد الخزانة المصرفية على أنه وديعة مهنية، معتبرا أن هذا هو المقصود من حديث الفقه الفرنسي عن عقود الحفظ(55).
ثالثا – أهمية البحث:
وبذلك، يمكن القول: بأن الأهمية الإجرائية لتكييف عقد الخزانة تكاد تكون منعدمة(59). ومع ذلك؛ فإن الأهمية الموضوعية ما تزال قائمة؛ لا سيما بالنسبة للتشريعات التجارية العربية. وقد يصح أن يقبل من بعض الفقه الفرنسي القول: بأن تكييف عقد الخزانة لم يعد له أهمية. هذا أمر مفهوم في ظل ثراء الاجتهاد القضائي الفرنسي(60) في مجال مسؤولية البنك في تنفيذ هذا العقد(61). على أن هذا الاجتهاد القضائي لم يظهر له نظير في العالم العربي، على الأقل ليس بالثراء الذي هو عليه في فرنسا. كما أن التشريعات العربية التي استقت ما وصلها من الاجتهاد القضائي الفرنسي، اقتصر دورها على عرض موجز لأهم آثار عقد الخزانة المصرفية، ولبعض أحكام مسؤولية البنك في تنفيذ التزاماته، مع تباين في مدى استيعابها لذلك الاجتهاد.
كذلك، يرى أغلب الفقه التجاري في مصر والعديد من الدول العربية أن التكييف الإيجاري لعقد الخزانة المصرفية هو الأدق، وذلك على خلاف ما استقر عليه الاجتهاد القضائي والفقه الحديث في فرنسا، في ظل غياب اجتهاد قضائي عربي واضح في هذا الشأن(62). ولا شك أنه لو قيل إن عقد الانتفاع بالخزانة المصرفية يعد إيجارا، لانخفضت درجة التزام البنك في شأن التزامه بالحراسة(63).
ويلاحظ أن المشرع التجاري الإماراتي هو الأوضح في التشديد على التزام البنك، وفي أحكام مسؤولية البنك، حيث لم يكتف بالنص على مسؤولية البنك عن سلامة الخزانة وحراستها وصلاحيتها للاستعمال؛ بل أكد على أنه لا يجوز للبنك أن ينفي مسؤوليته إلا بإثبات القوة القاهرة أو فعل الغير الذي يرقى إلى مستواها (المادة 469/1)(64)، وبذلك يكون المشرع التجاري الإماراتي قد حسم درجة التزام البنك بالحراسة برفعها إلى درجة الالتزام بتحقيق النتيجة(65). وهذا الموقف نجده كذلك في القانون القطري(66)، والكويتي(67)، وقانون التجارة الخليجي الموحد(68). فالمشرع التجاري الإماراتي ظل متميزا في تشديده على البنك، تقديرا لجوهرية الالتزام بالحراسة في عقد الخزانة واحترافية البنك، وانتصارا للعميل الضعيف، حيث حرم البنك من شروط عدم المسؤولية عن أخطاء التابعين في حال الإهمال الجسيم أو الغش، عكس القواعد العامة.
هذا الأمر ليس بهذا الوضوح في تشريعات تجارية أخرى، كالتشريع التجاري المصري، الذي اكتفى بالنص على التزام البنك باتخاذ التدابير اللازمة لضمان سلامة الخزانة والمحافظة على محتوياتها(69)، دون أن يذكر التزامه بالحراسة. وموقف قريب من ذلك يتجلى في التشريع التجاري البحريني، الذي نص على الالتزام بالسلامة والمحافظة، دون تحديد درجة هذا الالتزام(70).
وبذلك؛ فإنه إذا كان تكييف عقد الخزانة المصرفية يتضاءل في أهميته الموضوعية في القانون الإماراتي، فإنه ليس كذلك في القانونين المصري والبحريني.
وعودة إلى فرنسا؛ فإنه على الرغم من التطور التشريعي والقضائي في شأن عقد الخزانة المصرفية هناك، إلا أن ذلك لم يمنع بعض الفقه الفرنسي من مناصرة أهميته العملية(71). بل إن أحدث الكتابات الفقهية الفرنسية في هذا الموضوع، ونقصد بذلك تحديث الفقيه (ريفار) لبحثه حول الخزانة الحصينة لعام 2020، حيث أفصح عن أن مجال البحث في هذا الموضوع لا يزال مفتوحا(72).
وحيث إن البحث يتم بالمقارنة مع أهم التشريعات والاجتهادات الفقهية والقضائية ذات الصلة؛ فإن المنهج المعزز سيكون مقارنا. علما بأن المقارنة ستنطلق من قانون التجارة القطري، مع القانون المصري والفرنسي بشكل رئيس، مع الإشارة إلى تشريعات التجارة في دول مجلس التعاون، والقانون الموحد لدول مجلس التعاون لعام 1993. علما بأن القانون الموحد لدول مجلس التعاون المشار إليه يقتصر دوره الحالي – بين دول مجلس التعاون - على الاسترشاد(73).
خامسا – تقسيم البحث:
مع ذلك؛ فإن أهم الفقهاء التجاريين ما زالوا يتمسكون بأن باب الاجتهاد لم يغلق بعد، كما سبقت الإشارة. فلا يزال هناك جدل بشأن تكييف عقد الخزانة، وبخاصة المصرفية؛ إذ يرى أنه: وديعة، أو بالأدق وديعة مهنية، أو أنه عقد مركب من إيجار ووديعة، أو أنه عقد ذو طبيعة خاصة. بل إن الفقه الفرنسي الحديث يناصر إدراج عقد الخزانة المصرفية ضمن فئة عقود جديدة يطلق عليها عقود الحفظ(79). حتى هذا الرأي الأخير يتنوع بين أصحابه؛ فالبعض يراه تعبيرا عن الوديعة في صورتها المهنية، بينما يرى رأي آخر أنه تعبير عن الطبيعة الخاصة لهذا العقد.
وبذلك، قد يكون من المناسب أن نبدأ بمناقشة دور المشرع في حسم تكييف العقود (المبحث الأول)، ثم نستعرض الآراء الفقهية المختلفة حول عقد الخزانة المصرفية لدى المتحررين من مصطلحات المشرع (المبحث الثاني).
المبحث الأول
أثر لغة النص في حسم تكييف عقد الخزانة المصرفية
المطلب الأول
نظرية الحسم التشريعي للتكييف
وتدور حجج الاتجاه الفقهي الغالب بشأن التكييف الإيجاري لعقد الخزانة المصرفية حول أمرين: أولا، حجة شكلية تتمثل في أن المشرع قد استخدم مصطلحات الإيجار؛ وثانيا، حجة موضوعية تتمثل في أن تعريف المشرع يقوم على الفكرة الجوهرية في الإيجار.
أولا – الحجة الشكلية (لغة النص):
ثانيا – الحجة الموضوعية (التعريف):
ونضيف من جانبنا – وإن كنا من المنتقدين للتكييف الإيجاري – أن بعض النصوص الخاصة بالخزانة المصرفية توحي – موضوعيا – بترجيح صفة التأجير، كما هو الحال في شأن تقرير حق امتياز للبنك على محتويات الخزانة، لصالح دين أجرة الخزانة(84).
المطلب الثاني
تفنيد نظرية الحسم التشريعي للتكييف
أولا – تفنيد الحجة الشكلية:
إنها حالات التكييف التشريعي: غير الدقيق(89)، وغير المفيد(90)، والتكييف التشريعي غير الدقيق المتعمد(91).
وفي رأينا، يعد قيام المشرع التجاري في الدول العربية بوصف عقد خدمة الخزانة بأنه عقد إيجار من قبيل مجاراة لغة الصناعة، أكثر منه رغبة في إخضاع هذا العقد لآثار الإيجار، والحاصل أن العديد من نصوص القانون التجاري حول عقد الخزانة المصرفية – وكما سنرى لاحقا - لا ينسجم مع الإيجار. فالتكييف التشريعي هنا غير دقيق وغير مفيد.
ومن المعلوم أن عدم دقة التكييف قد يكون مصدره الأطراف أو القضاء، وعندما أرادت المدرسة الحديثة في التكييف أن تضرب مثلا لعدم دقة التكييف القضائي، ذكرت موقف محكمة النقض الفرنسية بشأن وصف عقد الخزانة المصرفية بأنه إيجار، حيث رأت فيه نموذجا للتكييف القضائي غير الدقيق، وفي الوقت ذاته غير المفيد(92). ولنا عودة تفصيلية إلى هذه المسألة(93).
ثانيا – تفنيد الحجة الموضوعية:
في رأينا، هذه الحجة الموضوعية لا تستعصي على التفنيد. فصحيح أن نص تعريف عقد الخزانة المصرفية يركز على الانتفاع من الخزانة، غير أن المشرع لم يغفل عن كون هذا العقد ليس إيجارا بالمعنى المدني، والدليل على ذلك أنه حمل البنك التزاما غير معهود في شأن المؤجر؛ إذ ألزمه بالحراسة، كما هو الحال بالنسبة إلى المودع لديه(94). فالمادة 363(95) من قانون التجارة القطري تنص على أن:
«يلتزم البنك باتخاذ جميع الإجراءات لتهيئة الخزانة للانتفاع بها. ويكون البنك مسؤولا عن حراستها وضمان سلامتها وصلاحيتها للاستعمال، ولا يجوز له أن ينفي مسؤوليته إلا بإثبات السبب الأجنبي».
ويعد هذا الالتزام الثقيل الواقع على البنك نتيجة لسببين رئيسين: أولهما، سيطرة البنك على الخزانة؛ وثانيهما، أن الأداء الجوهري في العقد – كما سنرى لاحقا بمزيد من التفصيل – يتمثل في التزام البنك بالحفظ، لا في تمكين العميل من الانتفاع بالخزانة. إذ يعد التمكين من الانتفاع التزاما فرعيا، بينما الالتزام بالحفظ هو الالتزام الجوهري في هذا العقد.
وتعليقا على نصوص عقد إيجار الخزائن في قانون التجارة القطري، يقول الأستاذ الدكتور/ حسن البراوي:
«... لا ينبغي أن يكون للعناصر الثانوية في هذا العقد والمأخوذة من عقد الإيجار أثر في التكييف؛ لأننا لو فعلنا ذلك فكأننا نغلب الفرع على الأصل، أو ما هو ثانوي على ما هو أساسي»(96).
إذن، لا يكفي تعريف المشرع التجاري لعقد الخزانة المصرفية للوصول إلى تكييف العقد بأنه إيجار بمفهومه في القانون المدني، فالتفسير لا يكون بنص دون بقية النصوص.
ومن ثم، نرى أن ألفاظ نص قانون التجارة لا تقيد القاضي في بحث تكييف عقد الخزانة بصفة عامة، وخدمة الخزانة المصرفية بصفة خاصة. فالتكييف، وإن كان مسألة قانون؛ فإن القاضي هو الجهة المختصة بالقيام به، في ضوء إرادة الأطراف وظروف التعاقد. والفقه - وإن تدخل المشرع بنص - يظل حرا في بحثه عن الحقيقة، غير مقيد بظاهر النص. وهو ما ينقلنا إلى نتاج الفكر الحر؛ أي الفكر غير النصي، في شأن تكييف عقد الخزانة المصرفية، وهو ما نخصص له المبحث الثاني.
المبحث الثاني
الاتجاهات الفقهية حول تكييف عقد الخزانة المصرفية
يعد عقد الخزانة من أمثلة العقود غير البسيطة؛ إذ يجمع – للوهلة الأولى – بين التزامات جوهرية ناشئة عن أكثر من عقد مسمى. وقد رأى الفقهاء الموضوعيون في البداية – رغم اختلاف نتائجهم – إمكانية ترجيح طابع الإيجار على الوديعة أو العكس، بغية تحديد التكييف القانوني لعقد الخزانة المصرفية. وهذا ما نطلق عليه الاتجاه التقليدي (المطلب الأول)، وهو الاتجاه الذي سبق ظهور نظرية عقود الحفظ التي قدمها الفقيه الفرنسي (أندريه تونك)، والتي كان لها أثر بالغ في نشوء اتجاه فقهي جديد يرى في عقد الخزانة عقدا ذا طبيعة خاصة، وهو الاتجاه الذي يمكن وصفه بالاتجاه الحديث (المطلب الثاني).
المطلب الأول
الاتجاه التقليدي في تكييف عقد الخزانة المصرفية
أولا – نظرية الوديعة:
وترتبط نظرية الوديعة(102) في تكييف عقد الخزانة المصرفية بالفقه الفرنسي الفذ جورج ريبير (Georges Ripert)(103)، ومن أهم مناصريها في الفقه التجاري العربي، أستاذنا الدكتور/ علي البارودي، الذي ظل على ولائه لهذه النظرية حتى بعد صدور قانون التجارة المصري لعام 1999(104)، على الرغم من أن المشرع التجاري المصري – كما سبقت الإشارة – استخدم مصطلح الإيجار لوصف موضوع هذا العقد وأطرافه(105).
إنها النظرية التي تبناها أيضا عميد الفقه المدني العربي الأستاذ الدكتور/ عبد الرزاق السنهوري(106)، وإن كان أول من قال بها بين الفقهاء المدنيين هو الأستاذ الدكتور/ منصور مصطفى منصور(107). وهو الرأي الغالب في الفقه المدني المصري(108)، ومنه انتقل إلى الفقه المدني القطري(109)، والعديد من فقهاء القانون المدني في الدول العربية الأخرى(110).
وينطلق مناصرو نظرية الوديعة من أن موضوع عقد الخزانة المصرفية يتمثل في وضع أشياء العميل في حيازة البنك، وهو ما يعززه تاريخيا أن العملاء بدؤوا بالاحتفاظ بممتلكاتهم في منازلهم، ثم في مرحلة لاحقة لجؤوا إلى شخص أكثر أمنا، وهو البنك(111).
ونتناول نظرية الوديعة كتكييف لعقد الخزانة المصرفية من حيث: أسس ذلك، وموقف الاجتهاد القضائي الفرنسي، ونتائج النظرية، وتقييمها.
ولقد رد (ريبير) على الاعتراض بأن البنك لا يعرف مضمون ما يوجد في الخزانة بأن الوديعة يمكن أن تتحقق دون نقل للحيازة، ومن أمثلة ذلك إيداع السيارات في أماكن الإيقاف العامة، وإيداع الأمتعة في الفنادق(115). إلا أن هذا الرأي قد تم التراجع عنه في الطبعات الحديثة لمطول (ريبير وروبلو)(116)، وذلك بفعل تأثير التحديث الذي أدخله فقهاء جدد، حيث وصفوا العقد بأنه من تطبيقات ما أسموه عقود الحفظ(117). ومع ذلك، حاول الفقهاء في النسخة الحديثة – لمطول (ريبير وروبلو) - الإبقاء على ارتباط قريب من نظرية الوديعة، كما سنبين لاحقا(118).
وقد قررت المحكمة إعفاء البنك من المسؤولية – خلافا لحكم محكمة الاستئناف – لتحقق القوة القاهرة. واستنتج الفقه من ذلك الحكم أن المحكمة اعتبرت عقد الخزانة المصرفية بمثابة وديعة. فمن المعلوم أن المودع لديه يتحمل التزاما بالمحافظة على الوديعة، ويعد التزامه في ذلك بمثابة التزام بتحقيق نتيجة، لا يعفى منه إلا بثبوت سبب أجنبي، مثل القوة القاهرة. ولا شك أن إثبات القوة القاهرة أمر بالغ الصعوبة؛ مما يجعل من السهل على العميل مساءلة البنك(120).
على أنه لم يحدث أن صرحت محكمة النقض الفرنسية بأن عقد الخزانة المصرفية هو بمثابة عقد وديعة، وإن كانت قد فعلت ذلك في حكم منعزل(121)، صدر في 14 فبراير 1990(122)، بشأن عقد خزانة فندق. في هذا السياق، اعتبرت المحكمة أن العلاقة بين الفندق والعميل تتسم بخصائص عقد الإيجار، حيث يمنح العميل حق استخدام الخزانة مقابل دفع رسوم، مع احتفاظه بالسيطرة الكاملة على محتوياتها. وبالتالي؛ فإن الفندق لا يتحمل مسؤولية مباشرة عن محتويات الخزانة، ما لم يثبت تقصيره في توفير وسائل الأمان المناسبة. هذا التكييف الإيجاري يشير إلى أن التزامات الفندق تقتصر على توفير الخزانة وصيانتها، دون تحمل مسؤولية عن محتوياتها، ما لم يكن هناك إهمال أو تقصير من جانبه. وبذلك، يختلف هذا التكييف عن مفهوم الوديعة، الذي يفرض على المودع لديه التزاما بالحفاظ على الشيء المودع.
يفرق الفقه الإنجليزي بين حالتين؛ الأولى عندما يتيح البنك حجرة لحفظ منقولات العملاء تحت إشرافه المباشر، فيتسلمها البنك ويودعها ثم يعيدها عند طلب العميل، وهنا يكون الحديث عن خدمات الإيداع الآمن(123)، والتي تتم داخل قبو البنك المعروف باسم (vault)، أما الثانية فعندما يوفر البنك صناديق فردية يشترك العملاء معه في طريقة الإيداع فيها، فيطلق عليها صناديق الإيداع الآمن(124)، وهي الحالة التي تشكل محل دراستنا.
بداية، يلاحظ أن التكييفات القانونية المتاحة لخدمة صندوق الإيداع الآمن أمام القضاء الإنجليزي تدور بين (bailement) وهو ما يمكن وصفه بالأمانة، والإيجار (lease)(125).
وينبغي عدم الخلط بين الأمانة في القانون الإنجليزي وعقد الوديعة في نظم القانون اللاتيني(126). فعكس عقد الوديعة؛ فإن نظام الأمانة الإنجليزي يتسع لكل حالات انتقال حيازة منقول مؤقتة إلى الغير، كما في حال النقل أو الإصلاح أو الإيجار، وسواء بناء على عقد أم بدونه(127)، والأمين فيه يلتزم بعناية، ولكنها بالقدر المعقول دون الوصول إلى درجة الالتزام بنتيجة، مع التشدد في الأمانة بعوض عنها في التبرعية(128).
كذلك لا يختلط نظام الأمانة في القانون الإنجليزي مع عقد الإيجار، فعلى خلاف نظام الأمانة؛ فإن الإيجار ينقل حق انتفاع وسيطرة؛ سواء كان محل المستأجر منقولا أم عقارا، وهو يستند إلى عقد، ويلزمه المقابل(129).
ويتوقف تكييف علاقة البنك بعميله في القانون الإنجليزي والناتجة عن خدمة صندوق الإيداع الآمن على مدى سيطرة البنك على الولوج(130) إلى عناصر(131) الصندوق والسيطرة عليها(132). فمن المعلوم أن نظام الأمانة الإنجليزي يتطلب الحيازة الحصرية(133) أو احتضان(134) محل الأمانة(135).
وبذلك؛ فإنه إذا كان البنك يتمتع بسلطة فحص محتويات الصندوق بشكل دوري، ويتمتع بمفتاح احتياطي لفتح الصندوق عند الطوارئ، ومعه مفتاح يفتح كل الصناديق، أو أن الصندوق يفتح بمفتاحين أحدهما بحوزة البنك، وإن لم يكن البنك مفوضا بالفتح في عدم وجود العميل؛ فإنه من الراجح أن تصبح العلاقة أمانة(136)، ويكون البنك بمثابة أمين(137). وعند وجود المقابل نكون بصدد أمين بعوض(138)، حيث يسأل بذات القدر عندما يكون البنك قد تلقى المحتويات في خزائنه(139).
في حين إذا كان البنك لا يتمتع بحق في الولوج إلى محتويات الصندوق؛ فإن العلاقة لا تكون علاقة نظام أمانة، ولكن تأجير لصندوق الإيداع الآمن(140).
ويتميز تكييف عقد الخزانة المصرفية بأنه عقد وديعة – من منظور الحجز على محتوياتها – بأنه يسمح بالحجز التحفظي، بنظام حجز مال المدين لدى الغير (البنك). وبذلك يمكن إعلان البنك بالأمر بالحجز؛ فيلتزم البنك – من ثم – بعدم السماح للعميل بالدخول إلى صالة الخزائن، إلى أن يفصل القضاء في صحة الحجز(141).
ويرى الأستاذ الدكتور/ محمد لبيب شنب أن عقد الخزانة المصرفية عقد مركب يجمع بين الإيجار والوديعة، ويغلب عليه الوديعة لأن التزامها هو جوهر العقد، على أن ذلك لا يمنع - لديه - من إمكانية تطبيق نصوص الإيجار حيثما يسمح الأمر بذلك(142)، حيث يقول معلقا على هذا العقد بأنه:
«ويترتب على اعتبار هذا العقد عقدا مركبا من الإيجار والوديعة، أنه يجب أن تطبق عليه أحكام الإيجار فيما يتعلق بالانتفاع بالخزانة ومدة العقد والأجرة، وأحكام الوديعة فيما يتعلق بحفظ الخزانة وحراستها؛ فإذا تعارضت أحكام هذين العقدين، وجب تغليب أحكام الوديعة لأن الغرض الأساسي من العقود هو الحفظ، في حين لم يكن إيجار الخزانة إلا وسيلة لتحقيق ذلك الغرض، وعلى ذلك لا تنطبق أحكام الإيجار الخاصة بالتزام المستأجر بالمحافظة على العين المؤجرة، وردها بالحالة التي سلمت عليها إلا بالقدر الذي لا تتعارض فيه مع التزام المودع لديه بالمحافظة على الأشياء المودعة، ويجب عند الحجز على محتويات الخزانة اتباع إجراءات حجز ما للمدين لدى الغير»(143).
والملاحظ أن قضاء العديد من الدول العربية، والتي شهدت اضطرابات أدت إلى ضياع محتويات الخزائن المصرفية، كما هو الحال في الأردن، والعراق، ولبنان؛ قد سلك الطريق ذاته، بنقل المخاطر إلى البنوك بوصفها الطرف الأقوى؛ نظرا لاحترافها، واصفا عقود الخزائن المصرفية أنها عقود ودائع(144).
ثانيا – نظرية الإيجار:
ونتناول نظرية الإيجار في تكييف عقد الخزانة المصرفية من حيث: أسس هذه النظرية، وموقف الاجتهاد القضائي منها، ونتائجها، وتقييمها.
وتتمثل الفكرة الجوهرية لدى هذا الاتجاه في أن العميل عندما يضع مالا في الخزانة المصرفية؛ فإن هذا المال لا ينتقل إلى الذمة المالية للبنك، فتزال حيازة محتويات الخزانة لدى العميل، أثناء تنفيذ العقد، بل الأصل أن البنك لا يعرف تفاصيل محتويات الخزانة. فالبنك لا يتلقى متعلقات العميل ثم يضعها له في الخزانة، كما يفعل في وديعة الأوراق المالية(150). فدور البنك – إذن وفق المنظور الإيجاري - يقتصر على وضع خزانة تحت تصرف العميل ينتفع بها، لمدة معينة(151). وهذا إيجار، لا يغيره أن العميل قد استهدف اقتصاديا الحصول من البنك على الأمان، وأن البنك يلتزم بالمحافظة على الخزانة والغرفة التي توجد فيها. فلا يغير من الأمر أن البنك – وعكس المؤجر التقليدي – يضمن التعرض المادي للغير؛ فهذا أمر تستلزمه الحيازة المادية للمكان الذي توجد فيه الخزانة(152). ووجود هذا الضمان أم عدم وجوده ليس معيارا لتمييز الإيجار عن غيره(153).
وإذا كان البنك يلتزم بالحفظ؛ فإن ذلك لا يعني أنه وديع، فهو لا يحفظ محتويات الخزانة – فهي ليست في عهدته – ولكنه يحفظ المكان الذي تتواجد فيه الخزانة، فضلا عن الخزانة ذاتها، فالبنك لم يتلق الخزانة ليحفظها لديه، بل إنها تظل في حوزة العميل، وله وحده فتحها(154).
كذلك لا يمس بالطبيعة الإيجارية لعقد الخزانة المصرفية أن تقيد حرية العميل في توقيت استخدام الخزانة، أو أن يتمتع البنك بدور مشترك في فتحها. فالإيجار لا يستلزم عدم تقييد المستأجر، ومثاله الاتفاق على إيجار مكان مع الالتزام بعدم الدخول إليه ليلا؛ فهذا لا يمنع صفة الإيجار(155).
ولم يتفق أصحاب الفقه المناصر لنظرية الإيجار في الخزانة المصرفية – مع ذلك – حول محل الإيجار، وذلك عندما تتخذ الخزانة شكل صندوق يتمتع بإمكانية تغيير مكانه. فالبعض رأى في ذلك تأجيرا لمنقول، في حين ذهب البعض الآخر إلى أن الإيجار محله عقار؛ لأن الخزانة تلتحق بالعقار، وتصبح عقارا بالتخصيص(156).
ويلاحظ أن نصوص التقنينات التجارية العربية التي تنظم التزام البنك بالحراسة لم ترد على نسق واحد؛ فإذا كان النص في التقنين التجاري الإماراتي واضحا وحاسما في شأن الارتفاع بالالتزام بالحراسة – جوهر عقد الخزانة – إلى مرتبة الالتزام بتحقيق نتيجة، مع الحد من مبدأ سلطان الإرادة في شأن شروط الإعفاء من المسؤولية؛ فإن هذا الأمر غير واضح في العديد من التشريعات العربية التي اكتفت بالنص على التزام البنك بالحراسة دون أن تشير إلى درجة هذا الالتزام، ومدى إمكانية اشتراط البنك الإعفاء منه.
وحيث إن الالتزام بالحراسة موجود أيضا في عقد الإيجار، ولكن بشكل ثانوي، ودون أن يصل إلى درجة الالتزام بتحقيق النتيجة؛ فإن تبني نظرية الإيجار في تكييف عقد الخزانة المصرفية سينعكس بنتائج خطيرة، تتمثل في الانخفاض بهذا الالتزام إلى مستوى الالتزام ببذل العناية، مع التوسع في شروط الإعفاء من المسؤولية عن الإخلال به، في ظل غلبة انفراد البنوك بصياغة عقود الخزائن المصرفية.
صحيح أن بعض الفقه الفرنسي يردد أن تكييف عقد الخزانة لديه، لم يعد ذا أهمية عملية(158)؛ إلا أن ذلك عائد إلى أن الاجتهاد القضائي الفرنسي في شأن مسؤولية مقدم خدمة الخزانة المصرفية ثري وحاسم في تشديد مسؤولية مقدم الخدمة، على أن ذلك غائب أمام القضاء العربي، في ظل عدم وجود اجتهاد عربي مثيل للفرنسي.
وحيث إن التكييف الإيجاري لعقد الخزانة يخفف من مسؤولية البنوك – بالمقارنة بتكييف العقد على أنه وديعة –؛ فقد اشتهر هذا التأصيل بأنه المفضل لدى البنوك عند دفاعها عن نفسها أمام القضاء بمناسبة دعاوى المسؤولية عن فقد أو سرقة أو تلف محتويات الخزانة. فالبنك تقف مسؤوليته على أعتاب تمكين العميل من الانتفاع، واتخاذه ما يلزم من محافظة على سلامة الخزانة، وليس محتوياتها، وهذا التزام ببذل عناية. هذا ما حاولت البنوك أن تنجزه أمام القضاء الفرنسي، على أن نتيجة هذا المسعى لم تنجح أبدا أمام محكمة النقض الفرنسية، على النحو التالي بيانه.
وصحيح أن حكم محكمة النقض الفرنسية لعام 1952 قد سجل انتصارا لنظرية عقد الإيجار؛ إلا أنه كان انتصارا شكليا؛ فالحكم في حقيقة الأمر – وبإقرار الأستاذ الدكتور/ علي جمال الدين عوض – «... يعتبر ... تكملة للحكم الصادر سنة 1946 من حيث النتيجة التي وصلا إليها، ...»(161).
ويشير الأستاذ الدكتور/ محسن شفيق في كتابه حول عمليات البنوك في نسخته المنشورة في العام 1961، إلى أن تكييف عقد الخزانة المصرفية بأنه عقد إيجار كان الرأي الغالب أمام القضاء الفرنسي، وبخاصة النقض الفرنسية(162). على أن المراجع الفرنسية الحديثة، والتي سوف نشير إليها لاحقا، تعلن عن وجود تحول عن هذا الاتجاه، بدأ بحكم محكمة النقض الفرنسية الصادر في 2005.
ولقد رد أصحاب نظرية الإيجار - مع ذلك - بأن تواجد الخزانة في مبنى البنك، وتنظيمه أوقات الدخول، ومنعه تخزين الأشياء الخطرة، لا يتنافى مع طبيعة الإيجار، طالما أن القيود لا تفرغ حق العميل بالانتفاع من مضمونه. فذلك هو مثل تأجير الشقة في قرية سياحية محاطة بأسوار وقيود أمنية تنظم الانتفاع دون أن تمس بجوهره(165).
هذا هو ما يفسر، قبل صدور قانون التجارة المصري لعام 1999، تصريح الفقهاء التجاريين(167) والإجرائيين(168) بأن طريق الحجز الواجب على محتويات الخزانة هو الحجز التنفيذي، ولا محل للحجز التحفظي في شأنه(169)، وهو ما حكم به القضاء المختلط(170). بالطبع هذا الأمر قد انتهى بموجب تدخل المشرع بنصوص خاصة في شأن الحجز على محتويات الخزائن.
يتعلق حكم النقض الفرنسي لعام 2005 بتمسك بنك (كريدي ليونيه) بالتكييف الإيجاري لعقد الخزانة، لأجل تفادي الحكم عليه بالتعويض في دعوى مسؤولية مدنية، رفعتها عميلة تستأجر منه خزنة مصرفية جاءت هذه الدعوى بسبب تضرر العميلة من منعها من الوصول إلى خزانتها التي كانت تحتوي على صكوك تجارية؛ مما أدى إلى فوات فرصة تحصيل فوائد، حيث كان مطلوبا منها أن تتقدم ماديا بهذه الصكوك إلى الجهة التي أصدرتها في مواعيد استحقاق معينة لطلب الوفاء، وهو ما لم تستطع القيام به.
وتعود وقائع هذه القضية إلى عقد خزانة مصرفية مبرم في 9 يوليو 1987، حيث تعرض موقع الخزانة في باريس لحريق في 5 مايو 1996، أعقبه صدور أمر من شرطة باريس بوجود مخاطر(176).
تواصل البنك مع العميلة بتاريخ 17 يونيو 1996، مخطرا إياها بواقعة الحريق وعدم تضرر خزانتها، على أنه لا يمكن السماح لها بالولوج إلى الخزانة إلا عقب إصلاحات قد تستغرق عدة أشهر. ولم تتحقق إمكانية وصول العميلة إلى خزانتها إلا في 8 أبريل 1997؛ أي عقب قرابة عام من وقوع الحريق، ما أدى إلى ضرر الحرمان من الاستفادة من الصكوك التجارية التي كانت العميلة تحتفظ بها في الخزانة.
استجاب قضاء الموضوع لطلب العميلة وحكم لها بمبلغ يقارب 80 ألف يورو، فلجأ البنك إلى محكمة النقض الفرنسية، مستندا إلى أن عقد الخزانة المصرفية هو عقد إيجار، وأن المادة 1722 من القانون المدني الفرنسي تقرر انقضاء الإيجار بهلاك محل الإيجار بسبب القوة القاهرة(177). كما دفع البنك، كمؤجر، لم يقصر في تنفيذ عقد الإيجار، وأن حرمان العميلة من الوصول إلى الخزانة كان بسبب لا يعود إليه (الحريق)، وقرار شرطة باريس بوجود مخاطر، وهو ما يعتبر – في نظر البنك - قوة قاهرة.
وبالإضافة إلى ذلك، أشار البنك إلى أن العقد يتضمن شرطا يعفيه من المسؤولية حال القوة القاهرة، بناء على ذلك، دفع بأن محكمة الموضوع قد أخطأت في تطبيق القانون في غياب خطأ منه.
ولقد رفضت محكمة النقض الفرنسية أن تكون المادة 1722 من القانون المدني واجبة التطبيق على عقد الخزانة، مذكرة بطبيعته الخاصة المتمثلة في الالتزام بالحراسة، وأن العميلة لا تستطيع الولوج إلى الخزانة بدون مساعدة البنك. كما أنها رفضت اعتبار قرار الشرطة قوة قاهرة، فسببه الحريق، والحريق لا يعد حادثا غير متوقع وغير قابل للتغلب عليه.
ويهمنا هنا استبعاد تطبيق المادة 1722 من القانون المدني، التي يفترض سريانها لو اعتبر العقد عقد إيجار. ومن ثم استنتج الفقه الفرنسي أن محكمة النقض بموجب حكم عام 2005 تكون قد حسمت بأن عقد الخزانة المصرفية ليس بإيجار، وذلك على الرغم من أن هذا الفقه قد انتقدها في أنها استمرت تصف العقد بأنه إيجار.
وعلى كل حال، فإن المهم أن محكمة النقض الفرنسية قد رفضت أن تكون المادة 1722 من القانون المدني، والمتعلقة بالإيجار، واجبة التطبيق على عقد الخزانة، مذكرة بالطبيعة المختلفة لعقد الخزانة، وبخاصة ما تستلزمه الطبيعة الخاصة لهذا العقد من التزام بالحراسة، فالعميلة لا تستطيع الولوج إلى الخزانة بدون مساعدة البنك(178). ومن ثم استنتج الفقه الفرنسي أن محكمة النقض، بحكمها الصادر عام 2005، حسمت بأن عقد الخزانة المصرفية لا يعد عقد إيجار، رغم استمرارها في وصفه بذلك في بعض مواضع الحكم (179).
على أن حسم المشرع الفرنسي والعربي للمسائل الشائكة بشأن الحجز على محتويات الخزانة من جهة، وبلورة القضاء الفرنسي لأحكام تفصيلية موضوعية لآثار هذا العقد، وهي الأحكام التي انتقلت إلى التشريعات التجارية العربية، من جهة أخرى؛ قد خفف من عدم الأمان القانوني، وفتح المجال إلى أن ينادي البعض بإبعاد عقد الخزانة المصرفية عن العقود المسماة التقليدية؛ فهو عقد ذو طبيعة خاصة، قائم بذاته. هذا ما نتعرف عليه في المطلب الثاني.
المطلب الثاني
الاتجاه الحديث في تكييف عقد الخزانة المصرفية
في الواقع، يرى أنصار نظرية عقد الحفظ أن موقف القضاء الفرنسي كان متحفظا، وقد ظهر ذلك بوضوح في حكم محكمة النقض عام 2005 في قضية (كردي ليونيه) المشار إليها سابقا، حيث رفضت المحكمة تطبيق أحكام الإيجار على مسؤولية البنك في تنفيذ عقد الخزانة المصرفية. ويفسر هذا التحفظ بأن المحكمة لم ترغب في اعتبار العقد وديعة، رغم أنها كان يمكنها استخدام هذا الوصف؛ فقد ذهب بعض الفقه إلى أن القضاء الفرنسي ينظر إلى عقد الخزانة المصرفية على أنه عقد غير مسمى يجمع خصائص خاصة لا تنتمي تماما إلى أي من العقود التقليدية(187).
ولفهم نظرية عقد الحفظ على نحو دقيق، ينبغي أولا توضيح المقصود بمصطلح الحفظ، ثم استعراض نشأة هذه النظرية وتطورها التاريخي، وبيان موقف القضاء الفرنسي منها بوجه عام، قبل الانتقال إلى عرض أهم نتائجها، تمهيدا لتقييمها في الختام.
أولا – ضبط ترجمة لفظ «garde»:
فمن المعلوم أن: «الحراسة عقد يعهد ذوو الشأن بمقتضاه إلى شخص آخر بمنقول أو عقار أو مجموع من المال يقوم في شأنه نزاع أو يكون الحق فيه غير ثابت، فيتكفل هذا الشخص بحفظه وبإدارته وبرده مع غلته المقبوضة إلى من يثبت له الحق فيه» (المادة 754 مدني). ولا شك أن هذا ليس هو المقصود عند وصف عقد الخزانة بأنه: (contrat de garde)، ومن هنا فقد يكون من الأنسب أن يعرب المصلح إلى عقد الحفظ(193).
ثانيا – تاريخ نشأة نظرية «عقود الحفظ»:
وتتميز نظرية عقد الحفظ بأنها نشأت لكي تكون عقدا مسمى(199)؛ فضلا عن أنها تحاول تكييف عدة عقود، وليس عقد الخزانة وحده(200)، حيث وجد فيها الحل لتكييف عقود مثل: عقد جراج السيارة، وعقد تخزين المتعلقات من منقولات وأثاث وسجاد وأمتعة(201). ولقد عرف (تونك) عقد الحفظ بأنه: «العقد الذي يضع بموجبه شخص لدى محترف يقبله، شيئا يمتلكه، لكي يكون آمنا»(202).
ويعود الفضل للفقيه تونك في تفنيد نظرية الإيجار لأجل تحديد طبيعة عقد الخزانة المصرفية، وبخاصة إبرازه دور البنك كمحافظ(203) على الخزانة ومحتوياتها، واختلاف ما يقع عليه من التزام بالحفظ(204) عن التزام المؤجر بتمكين المستأجر من الانتفاع من العين المؤجرة(205).
ثالثا – موقف القضاء الفرنسي من نظرية الحفظ:
فمن المعلوم أن حكم النقض الفرنسي لعام 1993 – المشار إليه – يتعلق بنزاع حول لوحات ثمينة، أودعها شخص يوغسلافي يدعى (إريخ سلوموفيك - Erich Slomovic)، عندما كان طالبا في فرنسا في عام 1939، في خزانة لدى البنك الفرنسي (سوسيتيه جنرال - La Société Générale). وعقب اختفاء العميل خلال الحرب العالمية الثانية، فتح البنك الخزانة في العام 1946 وأعاد إيداع اللوحات في صندوق بمدينة (نانت)، حيث بقت هناك حتى العام 1977. في ذلك التاريخ، بدأت إجراءات بيع اللوحات بالمزاد العلني تحت مراقبة حارس قضائي. وعقب إعلان واسع وقع في 19 و20 مارس 1981، وصل الخبر إلى العديد من أقرباء مالك اللوحات، فثار النزاع بشأن مسؤولية البنك عن عدم إخطار الورثة في العام 1946 بإنهاء عقد الخزانة المصرفية، ومدى تقادم دعوى استحقاق ملكية المنقول بين الورثة، وهو نزاع وصل إلى القضاء، وصدر بشأنه حكم عن محكم استئناف باريس في 26 فبراير 1987.
أقرت محكمة النقض الفرنسية في حكمها الصادر في 2 يونيو 1993 محكمة الاستئناف في عدم مساءلة البنك عن عدم إخطار الورثة في العام 1946، تحت تأثير السر المصرفي؛ على أنها لم تقرها في شأن ما حكمت به من تقادم دعوى استحقاق ملكية المنقولات بالنسبة لبعض الورثة؛ فألغت الحكم جزئيا في هذا الشأن الأخير.
ويهمنا هنا أن كلا من المسألتين (مسؤولية البنك وتقادم دعوى الاستحقاق) لم يتوقف أي منها على تحديد تكييف عقد الخزانة المصرفية. ومع ذلك يجمع الفقه الفرنسي عند إشارته إلى نظرية عقد الحفظ الإشارة إلى حكم التمييز لعام 1993(209). فما السبب في ذلك؟
يعود السبب في الربط بين حكم 1993 ونظرية الحفظ إلى عدم استخدام محكمة النقض مصطلح الإيجار (location)؛ فضلا عن عدم استخدامها مصطلح عقد الخزانة (contrat de coffre-fort) ، حيث حرصت محكمة النقض على استخدام مصطلح (contrat de garde)؛ أي عقد الحفظ، وهو ما تحقق مرتين(210). هذا الاستخدام لم يكن – في رأينا – وظيفيا، ولكنه تم بشكل عارض. فحكم محكمة النقض الفرنسية لعام 1993 في قضية (سوسيتيه جنرال) لا يضع مبدأ قضائيا جديدا في مجال عقد الخزانة المصرفية، وإن كان يعد من أهم الأحكام ذات المبادئ في شأن آخر، ألا وهو عدم تقادم دعوى الاستحقاق التي يكون محلها منقولات(211).
رابعا – نتائج نظرية عقد الحفظ:
فهو، بوجه خاص، التزام بتحقيق نتيجة، لا يمكن التحلل منه إلا بإثبات القوة القاهرة. هذا الالتزام، في صورته هذه، يستند في فرنسا إلى الاجتهاد القضائي، وهو ما انتقل إلى التشريعات التجارية العربية التي حرصت على عدم الاكتفاء بالنص على التزام البنك باتخاذ التدابير اللازمة لضمان سلامة الخزانة والمحافظة على محتوياتها، ولكن بالتأكيد على أن البنك لا يعفى من المسؤولية إلا بإثبات القوة القاهرة. وبالطبع، المقصود هو إثبات السبب الأجنبي، بما في ذلك القوة القاهرة، فلا يكفي أن يثبت البنك بأنه قد بذل عنايته.
خامسا – تقييم نظرية عقد الحفظ:
فعلى خلاف التقنين المدني المصري (والتقنينات العربية التي حذت حذوه)، تنص المادة 1917 من التقنين المدني الفرنسي على أن: "الوديعة بمعنى الكلمة هي في جوهرها مجانية"(215).
وبناء عليه، يذهب أغلب رواد الفقه المدني المصري إلى أن وصف عقد الخزانة المصرفية، من قبل بعض الفقه الفرنسي، بعقد الحفظ هو للتغلب على مجانية الوديعة لديهم. فعقد الحفظ ما هو إلا صورة خاصة من الوديعة، وإن لم تكن الوديعة العادية، بل الوديعة «المهنية»(216)، والتي يتقبلها التقنين المدني المصري – مثلا – بموجب مصطلح الوديعة بأجر (المادة 720 من التقنين)(217).
فعلى سبيل المثال يقول أستاذنا الدكتور/ سمير تناغو بأنه: "... لا مانع من اعتبار عقد الخزانة الحديدية عقد حفظ للتغلب على صعوبة استحقاق الأجر فيه، مع اعتباره في نفس الوقت عقد وديعة؛ لأن الحفظ نوع من الوديعة. ويلاحظ أن القانون المصري يسمح بأن تكون الوديعة بأجر (م 724)، ولذلك لا توجد أدنى صعوبة في اعتبار عقد الخزانة الحديدية عقد وديعة لهذا السبب، ولا مبرر حتى لتسميته عقد حفظ"(218).
والحقيقة أن وجود الأجر في الوديعة لا يمنع من تكييفها كوديعة في القانون الفرنسي؛ فهو وإن كان الأصل في هذا القانون أن الوديعة مجانية؛ إلا أنه يعرف أيضا: الوديعة المأجورة(219).
ومن ثم؛ فإنه ليس كل من قال في الفقه الفرنسي بجواز وصف عقد الخزانة المصرفية بأنه عقد حفظ؛ فإنه بالضرورة يبشر بأن هذا العقد يتمتع بطبيعة خاصة. فكما سبق وذكرنا؛ فإن (ريبير) عميد نظرية الوديعة، وفي مجلده الثالث حول المطول في قانون الأعمال، والمشترك مع (روبلو)، والمحدث من قبل (دولبيك وبيكتن وأندرو)، يؤكد على تكييف عقد الخزانة المصرفية بأنه وديعة. هذا المطول لا يهمل – في الوقت ذاته - الفقه التجاري الحديث، فهو يصف هذا العقد – أيضا - بأنه من ضمن عقود الحفظ. على أنه يعلق على ذلك بالقول: "إن الفقه استخرج الخصائص العامة من نوع خاص من الوديعة، أطلق عليها عقد الحفظ، واقترح أن يدرج إيجار الخزانة المصرفية في تلك الفئة"(220).
إذن، لا يرى الفقه الفرنسي المعتبر غضاضة في الجمع بين وصف عقد الخزانة بأنه عقد حفظ، وكذلك وصفه بأنه صورة خاصة من الوديعة في الوقت ذاته.
وعلى الرغم من أن محكمة النقض الفرنسية قد وصفت في حكم منعزل لها صدر في العام 1993 (قضية بنك سوسيتيه جنرال) عقد الخزانة المصرفية بأنه عقد حفظ؛ إلا أن ذلك قد تم بشكل عرضي، وليس من الدقة القول: بأن القضاء الفرنسي قد تبنى نظرية الحفظ في هذا الحكم.
ولا تستعصي نظرية الحفظ على النقد، فهي لا تقدم حلا للمشاكل بالنسبة للبعض، بل إنها تعد في نظر البعض الآخر صورة خاصة من الوديعة، ألا وهي الوديعة المهنية.
وبذلك يبقى أن نحدد موقفنا من كل نظريات تكييف عقد الخزانة المصرفية، وهو ما نخصص له خاتمة هذا البحث.
الخاتمة
على أنه ما لبث أن تطور القانون الروماني، ففصل بين الدعوى والحق، وأصبح ميلاد الحق هو المبرر لنشأة الدعوى. وبذلك كانت فكرة العقود محل تطور مستمر. وقد تطور القانون الروماني إلى مرحلة أصبح فيها كل عقد ملزما، وإن لم يندرج ضمن عقد مسمى. ومن ثم انطلق الأطراف إلى آفاق غير محدودة نسبيا في إنشاء العقود. ومن هنا نشأت نظرية العقد المسمى والعقد غير المسمى (225).
ومن المعلوم أن العقد يكون مسمى إذا تمتع بنظام قانوني خاص بسبب التزام جوهري يدور حوله العقد. ويمكن التعرف على هذا النظام القانوني الخاص من خلال اسم مميز للعقد، وذلك في مقابل العقود غير المسماة التي لا تتمتع بنظام قانوني خاص، بل تكتفي بالأحكام العامة للعقود، وإن كانت معروفة بين الناس بمسمى ما. وهكذا وصل الفقه إلى تقسيم ثنائي للعقود بين عقود مسماة وأخرى غير مسماة.
وترى المدرسة الحديثة للعقود أن العقود لم تتوقف عن التطور؛ سواء كانت مسماة أم غير مسماة، إلى حد يستوجب الاعتراف بأن هذا التقسيم الثنائي نسبي في حقيقته، وأن بعض العقود تولد وأخرى تندثر، فالعقد ذو سمة اجتماعية خاضعة لنظرية التطور.
فمن حيث نسبية تقسيم العقود بين مسماة وغير مسماة؛ فإن العقد في حقيقة الأمر يتطور؛ مما يستوجب الاعتراف بوجود درجات بين العقود غير المسماة وصولا إلى نهاية السلم بالعقود المسماة. فصحيح أن هناك عقودا (غير مسماة بشكل كامل)(226)؛ إذ لا تتضمن أيا من صفات العقود المسماة(227)؛ إلا أنه لا يوجد ما يمنع من نشوء عقود مسماة جديدة.
ومن أهم أمثلة ذلك عقد البيع الإيجاري(228). هذه العقود الأخيرة يحاول بعض الفقه الحديث وصفها بالعقود غير المسماة (المتفردة)(229)، بينما يرى آخرون أن الدقة تقتضي وصفها بالعقود (ذات الطابع الخاص)(230).
وعلى كل حال، يرى البعض أن ضمن العقود غير المسماة ما يعتبر عقدا (غير متفرد)(231)، وهي عقود يمكن تقريبها من عقد مسمى موجود، ولكن دون أن تصل إلى مرحلة عقد مسمى جديد(232).
وهناك من العقود ما يمكن اعتباره مسمى بدرجة منخفضة، فعلى الرغم من تمتعه بمسمى ونظام خاص؛ إلا أن هذا النظام غير كامل. وهذا هو حال العقود الحديثة التي قرر المشرع الفرنسي – مثلا – تنظيمها، كعقد البيع الإيجاري(233).
علما بأن من العقود المسماة ما قد اختفى عمليا، حيث يضرب الفقه الحديث المثل لذلك بما يعرف في فرنسا بعقد (الامتياز العقاري) (قانون 30 ديسمبر 1967)(234).
وبذلك يمكن القول: إن صعوبة تكييف عقد الخزانة المصرفية تندرج ضمن تحديات تطور نظرية العقد في العصر الحديث، بوصفها آلية لتلبية حاجات المجتمع المتغيرة والمتطورة. فالتقسيم بين العقود المسماة وغير المسماة هو في حقيقته تقسيم نسبي.
كذلك نذكر بأن تكييف العقد يسبقه تفسير إرادة الأطراف، ومن ثم يكون البدء بتساؤل عما يريده الأطراف من عقد الخزانة المصرفية. ولا شك في وجاهة الرأي الفقهي الذي يرى أن عميل البنك يلجأ إليه ليؤمن مقتنياته بحثا عن الأمان، فالبنك، باعتباره تاجرا للنقود، يعد من أقدر من يحفظ أموال الغير؛ لأنه يحفظ أمواله هو ذاته.
وبذلك؛ فإن الالتزام الجوهري الذي ينتظره عميل البنك هو أن يوفر له مكانا آمنا لحفظ مقتنياته الثمينة والعزيزة، وهو المكان الذي يلتزم البنك بحراسته وصون أمنه.
لذا نتفق مع الفقيه (روديير)، ومعه في الفقه العربي الأستاذ الدكتور علي البارودي، على أن العميل يستهدف – ضمن ما يستهدف – الوديعة. غير أن عقد الخزانة لا يعد وديعة كاملة؛ إذ يقول الأستاذ الدكتور محسن شفيق: "... بيد أن هذا الوصف غير صحيح؛ لأن وظيفة البنك تقتصر على وضع الخزانة تحت تصرف العميل وتسليمه مفتاحها ولا يعلم البنك شيئا عن الأشياء التي يضعها العميل فيها، فلا يجوز والحال كذلك أن يقال: إن هذه الأشياء قد سلمت للبنك على سبيل الوديعة؛ إذ لا تنتقل حيازتها إليه، وإنما تظل الحيازة للعميل»(236).
إذن، يعد عقد الخزانة عقدا مركبا يجمع بين بعض عناصر الوديعة وبعض عناصر الإيجار، غير أنه أقرب إلى الوديعة، مع ملاحظة أن الوديعة فيه لا تتطابق تماما مع الوديعة الكاملة.
لقد راعى الاجتهاد الفرنسي هذه الخصوصية، واهتم الفقه بإبرازها وتطوير معالمها، وانتهى الأمر إلى وضع تنظيم خاص للنظام القانوني المتعلق بالحجز على محتويات الخزانة؛ فضلا عن الأحكام المميزة التي تنظم آثار عقد الخزانة المصرفية، وبوجه خاص التزامات البنك.
ويعزى الفضل في نشوء تلك الحلول إلى الثراء الذي تميز به القضاء الفرنسي، والذي شهد تطورا ملحوظا منذ الحرب العالمية الثانية؛ إذ دفعت ظروف الحرب القضاء إلى حماية عملاء البنوك بنقل مخاطر تنفيذ العقد إلى عاتق البنوك؛ لما تتمتع به من قوة وخبرة مهنية.
لقد انتهى الفقه الفرنسي إلى تصنيف عقد الخزانة المصرفية بوصفه عقدا مركبا يجمع بين بعض عناصر الوديعة وبعض عناصر الإيجار، غير أنه أقرب إلى الوديعة، مع الإقرار بأن الوديعة فيه لا تتطابق تماما مع الوديعة الكاملة. وقد عالج الفقه الغالب هذه الخصوصية باعتبار العقد ذا طبيعة خاصة، يمكن وصفها بأنها من تطبيقات عقد الحفظ.
لقد راعى الاجتهاد القضائي الفرنسي خصوصية عقد الخزانة المصرفية، واهتم الفقه الفرنسي بإبرازها وتطويرها؛ مما أسفر عن نشوء نظام قانوني خاص يتعلق بالحجز على محتويات الخزانة، إلى جانب الأحكام التي تنظم آثار عقد الخزانة المصرفية، ولا سيما الالتزامات الملقاة على عاتق البنك. ويعزى الفضل في نشوء هذه الحلول إلى ثراء القضاء الفرنسي ووضوح سياسته في حماية العميل على حساب البنك. وقد برز هذا التوجه بوضوح منذ ظروف الحرب العالمية الثانية، ولا يزال قائما حتى اليوم، ومؤداه تحميل البنك، بوصفه طرفا محترفا، أغلب مخاطر تنفيذ العقد. على أن هذا الاجتهاد القضائي لم يعف العميل من التزاماته، على الأقل إثبات محتوى الخزانة المصرفية(237).
وفي تقديرنا؛ فإن الأحكام الموضوعية التي تبنتها التشريعات التجارية العربية – محل هذا البحث – تمثل تقنينا للاجتهاد القضائي الفرنسي، لا استنادا إلى أعراف مصرفية محلية. ومن ثم؛ فإن النهج السليم في تفسير تلك النصوص يقتضي الرجوع إلى الاجتهاد القضائي الفرنسي بوصفه المرجع الأساس.
فيلتزم البنك بأن يضمن للمستحق(239) حرية الوصول إلى الخزانة(240)، غير أن هذا الحق لا يعد مطلقا؛ إذ يجب ممارسته في حدود ضوابط موضوعية، من بينها أن يتم الوصول إلى الخزانة خلال أوقات عمل البنك(241)، بالطبع ما لم يتفق على خلافه.
أما الالتزام الثاني، فيتمثل في مراقبة الصفة وحق الوصول(242) لكل شخص يدخل قاعة الخزائن؛ سواء أكان العميل نفسه أم وكيله الحامل للمفتاح(243). وقد قررت محكمة النقض الفرنسية في حكمها الصادر عام 2016(244) أن هذا الالتزام هو التزام ببذل عناية، غير أنها وصفته بأنه التزام ببذل عناية مشددة(245).
ويأتي ثالثا الالتزام بالحفظ(246)، وهو التزام بتحقيق نتيجة(247)، لا يعفى البنك من أدائه إلا إذا أثبت وجود سبب أجنبي، كالقوة القاهرة، التي يتشدد القضاء الفرنسي في تفسيرها. وقد استقر القضاء على أن الحريق(248) أو السطو المسلح(249) أو الغمر بالمياه(250) تعد حوادث متوقعة يمكن تفاديها في ضوء الاحترافية التي يتمتع بها البنك. ويعتبر الالتزام بالحفظ – أو ما يعرف أيضا بالالتزام بالحراسة – من قبيل الالتزام بالضمان(251)، وهو التزام لا يجوز للمدين به أن يعفي نفسه منه مطلقا، وإن كان يمكن تقييد آثاره بشروط محددة، كاستبعاد مسؤوليته في حال عدم توفر الخطأ الجسيم أو الغش، مع مراعاة الضوابط المقررة لحماية المستهلك(252).
أما الالتزام الرابع، فهو التزام فرعي(253) يتمثل في السرية(254)، تطبيقا لمبدأ السر المصرفي. ويقتضي هذا الالتزام عدم الإفصاح عن وجود الخزانة أو رقمها؛ إلا في الحالات التي يوجب فيها القانون الإخطار للسلطات العامة، أو عند إبلاغ الورثة بمحتويات الخزانة إذا صادف أن كان البنك على علم بها(255).
ويجوز من حيث المبدأ لعقد الخزانة المصرفية أن يتضمن شروطا تعاقدية تنظم المسؤولية، تخفيفا أو تشددا؛ سواء لمسؤولية البنك أم عميله، ولكن بضوابط(256). فلا يجوز أن يكون هدف هذه الشروط استبعاد التزام البنك بالحفظ؛ لأنه التزام جوهري في طبيعة العقد؛ فإذا كان الأمر كذلك، وجب اعتبار تلك الشروط باطلة(257). ويرى الفقه المقارن أن هذه الشروط لا تعفي البنك إلا من الأخطاء البسيطة، أما الأخطاء الجسيمة فلا يمكن التذرع بها للإعفاء من المسؤولية(258).
هذا التشدد يتوافق مع ترجيح تكييف عقد الخزانة المصرفية بوصفه عقد وديعة، وإن كان يعد وديعة ذات أحكام خاصة. وتظهر هذه الخصوصية في النصوص القانونية التي تناولت عقد الخزانة في التشريعات التجارية، وفي الاجتهاد القضائي الفرنسي الذي رسخ معالمه.
وبناء على ذلك، نرى أن عقد الخزانة هو عقد مركب تطور ليصبح عقدا مسمى يتمتع بنظام قانوني خاص، تشريعيا وقضائيا، تستكمل أحكامه أولا بالأعراف المصرفية، ثم بالقواعد العامة للوديعة – لكونها العنصر الرئيس فيه – وذلك بالقدر الذي ينسجم مع طبيعته، دون الرجوع إلى قواعد الإيجار، إلا استثناء، إذ لا يعد الإيجار فيه إلا عنصرا فرعيا.
المراجع
أولا – المراجع العربية:
ثانيا – المراجع الأجنبية:
أستاذ القانون التجاري - كلية القانون - جامعة قطر
Views
Downloads
Citations
Authors
Issue
Year