تهدف هذه الدراسة إلى استكشاف موضوع إصلاح منظمة الأمم المتحدة في ظل الأزمات الدولية، مع التركيز على حالتي أوكرانيا وقطاع غزة، مع تناول العديد من الجوانب المهمة، والتحديات العالمية المعاصرة التي تواجه الأمم المتحدة في مسألة الإصلاح لأداء دورها بشكل أفضل، وتعزيز مبادئها من أجل السلام والأمن والتنمية وحقوق الإنسان في القرن الحادي والعشرين. هذا، إضافة لتقييم دور الأمم المتحدة في التعامل مع الحرب الدائرة في كل من أوكرانيا وقطاع غزة. وتتضمن الدراسة عددا من الاستنتاجات حول فعالية جهود الأمم المتحدة في مواجهة الأزمات الدولية، وعددا من التوصيات لتحسين دورها وزيادة كفاءتها في التعامل مع النزاعات الدولية.
لقد تم النظر إلى هيئة الأمم المتحدة منذ إنشائها في عام 1945 في أعقاب الحرب العالمية الثانية، باعتبارها منارة أمل للتعاون الدولي والسلام، وكان المتوقع والمرجو منها أن تعمل كمؤسسة دولية محورية لتحقيق التسوية السلمية للنزاعات بين الدول، انطلاقا من الهدف الكبير الذي وضعته الدول المؤسسة لها، كما أوضحت ذلك في ديباجتها، وهو "أن ننقذ الأجيال المقبلة من ويلات الحرب التي في خلال جيل واحد جلبت على الإنسانية مرتين أحزانا يعجز عنها الوصف"، بعد أن عانى العالم من حربين عالميتين مدمرتين في النصف الأول من القرن العشرين، وبعد أن كان نشوب الحرب العالمية الثانية قد أدى إلى انهيار المنظمة الدولية السابقة، وهي عصبة الأمم، التي فشلت في حل النزاعات آنذاك وفي منع وقوع الحرب العالمية الثانية، بسبب طبيعة هذه المنظمة وسيطرة الدول الأوروبية عليها. ومع بزوغ عهد استقلال الشعوب في السنوات اللاحقة، بدأت عضوية هيئة الأمم المتحدة كمنظمة بديلة تتسع حتى أصبحت الآن تضم 193 دولة.1
لقد حققت المنظمة عدة نجاحات بالفعل خاصة في بداية عهدها، أي في الخمسينيات والستينيات من القرن الماضي، من حيث إنهاء حقبة الاستعمار، وصياغة معاهدات واتفاقيات دولية في مجالات عدة، وتدوين القانون الدولي، وإنشاء ونشر قوات حفظ سلام في بعض المناطق، وبعض الإنجازات على صعيد التنمية الاقتصادية والاجتماعية. كذلك تعرضت إلى العديد من حالات الإخفاق في مواجهة المشاكل الدولية التي نشأت، وخاصة فيما يتعلق بالنزاعات المسلحة. رغم حجم الآمال التي ارتبطت بمنظمة الأمم المتحدة فقد تبين لاحقا أن هناك قصورا في أدائها، سواء بسبب الخلل في تركيبتها وطرائق عملها أم بسبب ممارسات بعض الدول الفاعلة، الأمر الذي جعلها غير قادرة على تحقيق الغايات النبيلة التي أنشئت من أجلها، وفي مقدمتها تحقيق السلم والأمن الدوليين، وبات من الواضح أن المنظمة الدولية بحاجة لأن تكون أكثر كفاءة وفعالية وأفضل تمثيلا لدول وشعوب العالم بشكل ديمقراطي وعادل، حتى تتمكن بالفعل من تحقيق الأهداف المنشودة؛ لذا، فقد صدرت في العقود الأخيرة دعوات وخطط لإصلاح الأمم المتحدة لتحسين أدائها وزيادة فعاليتها في مواجهة الصراعات المعقدة والتوترات الجيوسياسية المتزايدة والتحديات العالمية التي بات العالم يشهدها في ميادين مختلفة. ولذلك، تبحث هذه الدراسة في المقترحات التي قدمت لإصلاح الأمم المتحدة وتعزيز قدرتها على تلبية طموحات الشعوب في التنمية والعدالة والسلام، سواء الإصلاحات الهيكلية، بما في ذلك التعديلات المحتملة على تكوين مجلس الأمن وولايته، وكذلك الجمعية العامة، أم الإصلاحات التشغيلية مثل تعزيز عمليات حفظ السلام وجهود الوساطة. كل ذلك مع النظر إلى الأزمة في أوكرانيا وقطاع غزة من حيث تعاطي الأمم المتحدة مع كل من هاتين الحالتين، وعجزها عن منع وقوع الأزمة ابتداء ثم عدم قدرتها على وضع نهاية للحرب وإيجاد تسوية سلمية في الحالتين.
مشكلة الدراسة:
تتمثل مشكلة الدراسة في تحديد مدى قدرة الأمم المتحدة على التكيف مع الأزمات الدولية المتزايدة، وخاصة في ظل النظام الحالي، الذي يواجه انتقادات كبيرة بسبب عدم قدرته وفعاليته في تسوية النزاعات الدولية. ولغايات البحث في هذه المشكلة والتعرف على أبعادها وجوانبها المختلفة، لا سيما في الوقت الراهن ارتأينا التركيز على قضيتين حيويتين ومهمتين واجهتا هيئة الأمم المتحدة حديثا وهما: أزمة أوكرانيا، والعدوان الاسرائيلي على غزة؛ حيث يظهر كل منهما القيود التي تعاني منها المنظمة بسبب الهيكلية الحالية لمجلس الأمن وحق الفيتو. وهو ما يطرح تساؤلات عدة تسعى الدراسة للإجابة عليها وتتمثل في:
أهمية الدراسة:
تنبع أهمية دراسة موضوع إصلاح الأمم المتحدة، سواء عمليا أم نظريا، من أن عمل الأمم المتحدة يؤثر على الشعوب في جميع أنحاء العالم فيما يتعلق بالقضايا ذات الصلة بالسلام والأمن، والتنمية وحقوق الإنسان؛ من نزع السلاح إلى جهود محاربة الإرهاب والتطرف؛ ومن منع نشوب النزاعات إلى حفظ وبناء السلام؛ والوقاية ضد الأمراض إلى تعزيز المساواة بين الجنسين وتوفير التعليم للجميع؛ ومن إعادة توطين اللاجئين إلى تقديم المساعدة الإنسانية؛ ومن سيادة القانون إلى مكافحة الجريمة عبر الوطنية. غير أنه بالنظر إلى الطرق الجوهرية التي تغير بها العالم خلال العقود السبعة الأخيرة، هناك حاجة واضحة لإصلاح الأمم المتحدة وأجهزتها الرئيسة وجعلها مواتية أكثر لمتطلبات العصر والتغييرات الجيوسياسية والتحديات العالمية الناشئة. وتطمح هذه الدراسة لتقديم استنتاجات وتوصيات تسهم في تحسين الأداء وزيادة الكفاءة.
أهداف الدراسة: تهدف الدراسة إلى ما يلي:
منهج الدراسة:
تم اختيار المنهجين التحليلي والاستقرائي في هذه الدراسة؛ حيث تم استخدام المنهج التحليلي لتحليل البيانات والمعلومات المتاحة بغرض فهم العوامل التي تؤثر في أداء الأمم المتحدة، وخاصة فيما يتعلق بحل النزاعات الدولية، وكذلك دراسة تطور دور الأمم المتحدة في القيام بدورها عبر السنوات، وفهم كيفية تأثير الأحداث التاريخية والتطورات السياسية على هذا الدور؛ إذ إن ذلك يمكن أن يوفر رؤية موضوعية حول كيفية عمل الأمم المتحدة وتأثيرها على النزاعات الدولية، وأن يكون مفيدا في تقديم التوصيات المناسبة لتعزيز دور الأمم المتحدة في هذا المجال. كما تم استخدام المنهج الاستقرائي، من خلال استقراء النصوص والقواعد المطبقة في الوقت الراهن، وتحليلها بغرض الوصول الى أوجه القصور التي تعتريها.
تقسيم الدراسة:
تحتوي هذه الدراسة على مبحثين، ينقسم كل منهما إلى مطلبين، على النحو التالي: المبحث الأول: ويتناول دوافع إصلاح الأمم المتحدة والتحديات والحلول المقترحة. وينقسم هذا المبحث إلى مطلبين، يتناول المطلب الأول: دوافع إصلاح الأمم المتحدة ومنها التغيرات في النظام العالمي وتأثيرها على الأمم المتحدة، وفي المطلب الثاني: التحديات والمقترحات لإصلاح منظمة الأمم المتحدة. المبحث الثاني: ويتناول دور الأمم المتحدة في أزمتي أوكرانيا وغزة - وينقسم هذا المبحث إلى مطلبين يتناول المطلب الأول: الأزمة الأوكرانية -الروسية وكيفية استجابة منظمة الأمم المتحدة لهذه الأزمة، وفي المطلب الثاني: أزمة غزة وكيفية استجابة منظمة الأمم المتحدة، بالإضافة لاحتواء الدراسة على مقدمة، وخاتمة، وعدد من الاستنتاجات والتوصيات.
دوافع إصلاح منظمة الأمم المتحدة والتحديات والحلول المقترحة
تمهيد:
خضعت الأمم المتحدة لعدد من الإصلاحات منذ إنشائها عام 1945، لتكييفها مع الاحتياجات والتوقعات المتغيرة للنظام الدولي. وعلى مر السنين، كلف الأمناء العامون السابقون الهيئات الفرعية بتقديم مقترحات للإصلاح. وقد شملت هذه الإصلاحات مجموعة متنوعة من القضايا، بما في ذلك إعادة هيكلة العضوية الدائمة في مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة، وزيادة شفافية الأمانة العامة للأمم المتحدة، والمساءلة والكفاءة، والإصلاح المالي، والدعوة إلى التنوع والديمقراطية من خلال تنفيذ نظام التصويت التمثيلي في الجمعية العامة، وإصلاح نظام الالتماسات لحقوق الإنسان، من بين أمثلة أخرى. ومع ذلك، واجهت الدول الأعضاء صعوبة في استخدام مصطلح "الإصلاح"؛ لأنه يفتقر إلى الوضوح، وكان من الصعب التوصل إلى إجماع بشأن تنفيذه. وكان هناك انقسام بين الدول التي تدعو إلى حضور أكبر للمنظمة على المسرح العالمي، وتلك التي ترغب في التراجع عن تفويضات الأمم المتحدة ورؤيتها محصورة فقط في العمل الإنساني.2
دوافع إصلاح منظمة الأمم المتحدة
أولا: تحولات النظام العالمي وتأثيرها على منظمة الأمم المتحدة:
أدت التحولات التي لحقت بالنظام العالمي، لا سيما في العقد الأخير من القرن الماضي، من زوال النظام ثنائي القطب ووجود قوتين مسيطرتين على الساحة الدولية إلى اختلال النظام الدولي بشكل كبير. وقد تسبب هذا الوضع بمزيد من التقاعس والعجز في قدرات الأمم المتحدة، باعتبارها الجهة الرئيسة المنوط بها إنهاء النزاعات وتحقيق السلم والأمن الدوليين في مختلف أنحاء العالم. فقد أحدث انهيار الاتحاد السوفيتي وتفكك المعسكر الشرقي حالة من النشوة لدى الولايات المتحدة اعتبرتها انتصارا لنموذجها السياسي – الثقافي (أي الديمقراطي – الليبرالي) على ما سواه؛ مما دفعها لتبني فكرة أو مفهوم "نظام عالمي جديد"، تسيطر فيها وحدها على الساحة الدولية، وهي العبارة التي استخدمها الرئيس الأمريكي الأسبق جورج بوش الأب عقب غزو العراق للكويت في آب/ أغسطس 1990، وذلك في خطاب ألقاه في جلسة مشتركة للكونغرس الأمريكي بتاريخ 11 أيلول من نفس العام.3
وبالتالي، فقد رأى البعض أنه "في النظام الدولي الجديد - حيث الرأسمالية تعولمت، والتوازنات الدولية التقليدية انهارت، والأوحادية القطبية ترسخت - تتنامى ظواهر وقواعد جديدة في العلاقة بين المجتمعات والدول: لم تعد السيادة مقدسة ومشمولة بالحماية القانونية الدولية، ولم تعد الدولة الوطنية قادرة على حفظ بقائها سيدة متماسكة في وجه نتائج العولمة على داخلها الاقتصادي والاجتماعي والسياسي".4
لقد تم السيطرة على المجتمع الدولي من نظام أحادي القطبية تمثل في الولايات المتحدة التي استغلت كل الأدوات بما فيها أجهزة الأمم المتحدة لفرض سيطرتها على العالم والتلويح بقطع التمويل المادي عن الأمم المتحدة، وفي مقابل تحقيق مصالحها لم تعد هناك مراعاة لأي من مبادئ أو ميثاق الأمم المتحدة كإرساء السلام العالمي أو الديمقراطية أو الدفاع عن الأقليات وحقوق الإنسان التي صارت تنتهك تحت مظلة الدفاع عن النفس كما حدث في معاملة السجناء على سبيل المثال في سجن أبو غريب بعد غزو العراق وإسقاط النظام فيه، والتي مثلت فضيحة كبرى للولايات المتحدة على المستوى الدولي بعد أن تبين تورط أكثر من 600 شخص في تعذيب المحتجزين.5
ثانيا: ضرورة حفظ السلم والأمن الدوليين:
يعد حفظ السلم والأمن الدوليين من الأهداف التي نص عليها ميثاق الأمم المتحدة، كما جاء في الفقرة (1) من المادة الأولى من الميثاق. كما أكد الفصل السادس من الميثاق في 6 مواد على مسألة حل النزاعات سلميا موضحا طرق وآليات معالجة هذه النزاعات بالطريق السلمي كالدبلوماسية الوقائية والمفاوضة والتحقيق والوساطة وغيرها من الآليات والوسائل التي تحافظ على المجتمع الدولي من الحروب والصراعات.6
وعلى الرغم من أن المهمة الأساسية للأمم المتحدة هي حفظ السلام العالمي، إلا أن الانقسام بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي سابقا، ونشوب ما يعرف بالحرب الباردة بين المعسكرين غالبا ما أعاقت عمل المنظمة وتسببت في عجز تام لمجلس الأمن في أداء وظيفته المتمثلة في حفظ السلم والأمن الدوليين؛ مما نتج عنه تحويل بعض اختصاصات مجلس الأمن إلى الجمعية العامة بقرار صدر في 3-11-1950 المعروف باسم "الاتحاد من أجل السلام" منح من خلاله صلاحيات جديدة للجمعية العامة تعود أصلا لمجلس الأمن الدولي، وعلى الرغم من المعارضة الشديدة للاتحاد السوفيتي سابقا باعتباره تعديلا واقعيا للميثاق، إلا أن الجمعية العامة لجأت إليه في أكثر من مناسبة، مثل العدوان الثلاثي على مصر، 1956 أزمة المجر، 1956 أزمة الكونغو في، 1960 مشكلة الشرق الأوسط في عام، 1967 ومشكلة أفغانستان في 1967.7
ثالثا: المعوقات المالية والإدارية:
بعد انتهاء الحرب الباردة، أصبح العالم يواجه أنواعا جديدة من التهديدات للسلام والاستقرار. فقد أصبحت الصراعات الإقليمية والمحلية القائمة على عوامل تاريخية واجتماعية واقتصادية وعرقية وغيرها من العوامل المتجذرة، متفشية؛ مما يهدد بدفع العالم إلى مزيد من عدم الاستقرار. فضلا عن ذلك؛ فإن مشكلة الزيادة السكانية الهائلة، والفقر، والتدهور البيئي تؤثر على الكوكب بأسره. وفي هذه البيئة الدولية الجديدة، كان من المتوقع أن تلعب الأمم المتحدة دورا أكثر أهمية من ذي قبل. ولكي تتمكن الأمم المتحدة من الوفاء بمسؤولياتها على نحو فعال، يتعين عليها أن تتعهد بالإصلاحات المؤسسية والمالية.8
فزيادة الفجوة بين الالتزامات والتمويل المتاح جعلت الأمم المتحدة تواجه تحديات كبيرة في تلبية التزاماتها المالية؛ حيث تعتمد على مساهمات الدول الأعضاء التي قد لا تنتظم في دفع حصتها، أو قد تكون حصتها غير كافية لتغطية الاحتياجات المالية المتزايدة. كذلك من الأسباب الداعية للإصلاح مسألة التوزيع غير المتساوي للتمويل؛ حيث بعض الدول الأعضاء تدفع أكثر من غيرها لتمويل ميزانية الأمم المتحدة؛ مما يخلق شعورا بعدم التوازن في الالتزامات المالية، وقد يعطي شعورا بسيطرة مثل تلك الدول على المؤسسة الدولية لصالحها. إضافة إلى ما سبق؛ فإن ارتفاع التكاليف التشغيلية للمنظمة نتيجة لزيادة المسؤوليات والالتزامات تمثل عبئا ماليا على المنظمة، كما قد تدفع الضغوط والأزمات الاقتصادية الدول الأعضاء العالمية إلى تقليل أو حجب مساهمتها المالية بالشكل المعتاد، بل قد تدفع تلك الأزمات بعض الدول لطلب المساعدات الإنسانية والتنموية في ظل النزاعات والكوارث الطبيعية؛ مما يعرض المنظمة لمخاطر مالية نظرا لضعف التمويل الحالي وعدم القدرة على الاستجابة للالتزامات المفروضة على المنظمة.
رابعا: مشكلات الأمانة العامة:
تعاني الأمانة العامة للأمم المتحدة من مشاكل إدارية حادة. فبالنسبة للعديد من الناس؛ فإن الأمانة العامة للأمم المتحدة تمثل بيروقراطية ضخمة وغير فعالة، بالإضافة إلى عملية صنع القرار غير الفعالة التي تشمل 193 حكومة عضو، هذا بالإضافة إلى عدم تكيفها مع متغيرات العولمة، والتكنولوجيا العالية، والاتصالات الحديثة، وصعوبة إدارة الموارد البشرية.9 كذلك من المشكلات التي تستدعي إجراء إصلاح بالأمانة العامة للأمم المتحدة أن هناك نقصا في التنسيق في منظومة الأمم المتحدة، فهناك العديد من الوكالات واللجان والبرامج المتداخلة والمتنافسة التي انتشرت على مر السنين، إضافة إلى الافتقار إلى التمويل الكافي. ويعتمد نظام الأمم المتحدة بأكمله على الاشتراكات المقررة من الدول الأعضاء، على الرغم من اختلاف طريقة التوزيع.
فوفقا للميثاق؛ فإن مسؤولية تحديد الاشتراكات تقع على عاتق الجمعية العامة، كونها الجهاز الرئيس الذي يتمتع بسلطة الموافقة على الميزانية10. وتعتبر المساهمات الطوعية هي المصدر الرئيس الثاني للتمويل. فهي توفر جزءا غير مكلف من إجمالي مصادر التمويل، ومع ذلك، يمكن للمانحين الرئيسين استخدام المساهمات الطوعية لمكافأة بعض البرامج ومعاقبة برامج أخرى. ويقال إن الأمم المتحدة تنفق ببساطة أكثر مما ينبغي.11
خامسا: الخلل الهيكلي في منظمة الأمم المتحدة (مجلس الأمن وحق الفيتو):
فيما يتعلق بمجلس الأمن تحديدا؛ أي الذراع التنفيذي الأهم في الأمم المتحدة من حيث مسؤوليته عن حفظ السلم والأمن الدوليين، وبالنظر لمجموعة السلطات المتاحة له؛ فإنه يمكننا اعتباره نوعا غريبا من السلطة التنفيذية؛ نظرا لأن المشكلة التي كانت لدى واضعي الميثاق "في مراحل التخطيط المبكرة لإنشاء منظمة دولية جديدة لصون السلم الدولي ومن أجل تأمين التعاون الدولي الوثيق في المسائل الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، كانت هي كيفية تنظيم جهاز تنفيذي فعال وتحديد وظائفه وسلطاته" 12.
وبحسب الخبير القانوني (آلان بيليت)؛ فإن معنى العديد من مواد الميثاق قد تغير مع التطورات والتغيرات التي حدثت في المجتمع الدولي منذ إنشاء المنظمة؛ فقد كانت الأمم المتحدة صنيعة الحرب العالمية الثانية، ثم استجابت لاحتياجات عالم منقسم لمعسكرين متعارضين بشدة؛ حيث غيرت الحرب الباردة المعادلة، وبات لزاما على المنظمة الدولية أن تتكيف مع الوضع الجديد المتمثل بنشوء الكتلتين الغربية والشرقية، في تحول للسلطة - أو على الأقل للأهمية - من مجلس الأمن (المشلول بسبب الفيتو) إلى الجمعية العامة13.
فكان لهذا التحول تبعات ليس فقط في مجال صيانة السلم والأمن الدوليين، - كما يشهد على ذلك قرار "الاتحاد من أجل السلام" الذي كان بمثابة إعطاء الإذن للجمعية العامة لاتخاذ إجراءات لحفظ السلام وعقد دورات طارئة خاصة، وإنما أيضا، وربما الأهم من ذلك، أن هذا القرار قد حدد الوزن النسبي لمواضيع مختلفة تقع ضمن اختصاص الأمم المتحدة".14
كما تركت التحولات الهيكلية التي طرأت على النظام الدولي منذ إنشاء الأمم المتحدة وحتى الآن، آثارا واسعة على أسلوب عملها وعلى قدرتها على الاضطلاع بمهامها، إضافة لتعطل نظام الأمن الجماعي الذي نص عليه الميثاق، نظرا لاحتفاظ الدول الخمس دائمة العضوية في مجلس الأمن بتفوقها كدول كبرى لا يمكن لأحد أن يتطلع لمنافستها على مركز القيادة في العالم.15
وبالتالي، فليس من المستغرب أن تركز الدول ـــ وخاصة تلك الراغبة في السلام والعدالة الدولية حقا ـــ اهتمامها على مجلس الأمن، باعتباره اليد الفاعلة في صنع السلام إذا ما أريد له ذلك؛ لذا، تتسابق الدول للفوز بمقعد غير دائم في مجلس الأمن في الانتخابات الدورية الخاصة بذلك، على أمل أن تتمكن من المساهمة في تحقيق السلام والأمن الدوليين وحل النزاعات بالطرق السلمية.16
ومن المعلوم أنه عند وضع ميثاق الأمم المتحدة، قررت الدول الرئيسة التي خرجت منتصرة من الحرب العالمية الثانية، أن تخص نفسها بامتياز معين يمكنها من الاستفادة من المنظمة بشكل يحفظ لها مصالحها الخاصة وموقعها المتميز على الساحة الدولية، فصنعت لنفسها حق النقض (الفيتو).
وفي حين أن هذا الامتياز تم تبريره بحجة أن تلك الدول تتحمل مسؤولية أكبر فيما يتعلق بحفظ الأمن والسلم الدوليين، إلا أنها، أو عددا منها على الأقل، قد أساءت استخدام هذا الامتياز عديد المرات على مدى عمر المنظمة الدولية. فبعد أن كان الاتحاد السوفيتي السابق هو الأكثر استخداما للفيتو في العقود الأولى من عمر المنظمة؛ فقد أصبحت الولايات المتحدة على مدى العقود اللاحقة هي صاحبة الاستخدام الأكثر له، وذلك في معظم الحالات لمنع مجلس الأمن من تبني قرارات لا ترضى عنها حليفتها إسرائيل، وخاصة فيما يتعلق بالقضية الفلسطينية.17
وبالطبع؛ فإن امتياز "الفيتو" الذي تتمتع به الدول الخمس دائمة العضوية يجب ألا يساء استعماله فيكون أداة لهذه الدول لخدمة مصالحها الوطنية الخاصة (أو مصالح حلفائها) على حساب مصلحة السلم والأمن الدوليين. إلا أن واقع الحال يقول غير ذلك. "ويبقى موضوع الفيتو إشكالية في ممارسة الدول الكبرى، وبالرغم من أن الدول الكبرى تتمتع بهذا الحق؛ فإنها يجب أن تبقي معايير الإنسانية أكبر وأعمق من القدرة العملية والقانونية في إطار استخدامها لحق النقض (الفيتو)، وقد اعتبر العديد من الخبراء القانونيين أن قرار "الاتحاد من أجل السلام" يحد من مشكلة استخدام حق الفيتو، لكن عمليا، لم تستطع الجمعية العامة أن تحقق الكثير في هذا الإطار، ولم تستطع ممارسة مسؤولية أولية في الحفاظ على السلم والأمن الدوليين، باعتبار أن قراراتها – والتي تشكل مصدرا من مصادر القانون الدولي – لا تتمتع بصفة الإلزام".18
ونظرا لهيمنة الدول الخمس دائمة العضوية على مجلس الأمن، وللدور السلبي لاستخدام الفيتو؛ فقد دعت بعض الدول إلى إعادة النظر في تشكيل مجلس الأمن بما يشمل إلغاء الفيتو، أو إلغاء العضوية الدائمة للدول الخمس. وبمقابل تمسك الدول الخمس دائمة العضوية بامتياز الفيتو الذي تملكه؛ فقد صدرت دعوات لها بألا تستخدم الفيتو - على الأقل - في حالات معينة. وتتزايد الأصوات المطالبة بزيادة عدد الدول الدائمة العضوية في مجلس الأمن؛ إذ لا يوجد تمثيل دائم في المجلس للقارة الإفريقية وأمريكا اللاتينية والجنوبية. وتصطدم هذه المطالبات بمواقف الدول دائمة العضوية حاليا. وتقول بريطانيا وفرنسا إنهما تؤيدان ذلك بينما يكتنف الغموض موقفي واشنطن وموسكو، أما الصين فتعارض ذلك بشدة لأن منافستها الإقليمية الهند ستكون أولى الدول المرشحة لدخول مجلس الأمن بشكل دائم عند توسيعه، ومن بين الدول المرشحة إلى جانب الهند هناك البرازيل وألمانيا واليابان وجنوب أفريقيا.19 وبناء عليه، يمكن القول إن التوسع في تشكيل مجلس الأمن قد يكون إيجابيا، شريطة أن يتم إلغاء حق النقض "الفيتو"، وأن يكون التصويت على مشروعات القرارات بنظام الأغلبية المطلقة أو بأغلبية الثلثين مثلا.
تحديات ومقترحات إصلاح منظمة الأمم المتحدة
أولا: التحديات التي تواجهها الأمم المتحدة:
يعتبر إصلاح الأمم المتحدة قضية معقدة تواجه العديد من التحديات السياسية، القانونية، والهيكلية. تجعل هذه التحديات تحقيق الإصلاحات المطلوبة أمرا صعبا، على الرغم من الاعتراف بالحاجة الملحة لإصلاح المنظمة كي تتمكن من التعامل بفاعلية مع القضايا العالمية المعاصرة؛ حيث تتطلب جهودا مشتركة من جميع الدول والمنظمات الدولية الأخرى للتغلب عليها. ومما لا شك فيه، أن التحدي الأكبر الذي تواجهه الأمم المتحدة ويعيق عملها هو تفاوت ميزان القوى بين دولها الأعضاء، الأمر الذي يجعل عددا قليلا من الدول ذات الإمكانيات العسكرية والاقتصادية الهائلة تعمل على فرض هيمنتها على العالم وتحول دون تحقيق الأمم المتحدة لأهدافها أو مقاصدها الأساسية، وخاصة تحقيق الأمن والسلم الدوليين. وبالإضافة لهذا التحدي؛ فإن المنظمة الدولية تواجه عددا من التحديات يمكن إجمالها بالآتي:
يعد حق النقض للقرارات الصادرة من مجلس الأمن أو (الفيتو) أحد أكبر العوائق أمام إصلاح الأمم المتحدة. حيث إن الأعضاء الدائمين في مجلس الأمن (الولايات المتحدة، روسيا، الصين، فرنسا، والمملكة المتحدة) يتمتعون بحق النقض الذي يتيح لهم تعطيل أي قرار حتى لو حظي بتأييد الأغلبية. لذا يحتاج أي اقتراح لإصلاح مجلس الأمن، بما في ذلك توسيع العضوية أو تقييد استخدام الفيتو، إلى موافقة هؤلاء الأعضاء. كما أن المصلحة الذاتية للدول الكبرى هي عائق لا يقل أهمية عن (الفيتو)، والذي يتم استخدامه تدعيما لمصالح الدول الدائمة والتي لا ترغب عادة في تقليص نفوذها داخل المنظمة. على سبيل المثال، روسيا والصين قد تكونان أكثر ترددا بالمقارنة مع غيرهما من الدول في قبول إصلاحات تؤدي إلى تقييد سلطتهما أو إدخال دول جديدة تتمتع بالحق في الفيتو خوفا بطبيعة الحال على مصالحهما السياسية. ولا شك، أن بقية الدول الأعضاء الأخرى لديها كذلك نفس الشعور حيال تعديل تركيبة مجلس الأمن الحالية والمساس بحق الفيتو أو المقاعد الدائمة لهذه الدول. فالدول الأعضاء عموما عبرت عن رغبتها وموافقتها المبدئية في كثير من المرات على دراسة المقترحات المتعلقة بزيادة عدد المقاعد الدائمة في المجلس؛ لكنها أبدت رفضها لمنح أي دولة عضو جديدة حق الفيتو؛ حيث أرادت هذه الدول الاحتفاظ بهذا الحق لهذه الدول فقط دون غيرها.
يظهر الانقسام واضحا بين الدول الأعضاء في الأمم المتحدة حول كيفية إصلاح المنظمة، فكل معسكر له أهدافه ومصالحه التي تختلف عن الجانب الآخر. فدول الغرب مثل: (الولايات المتحدة، وفرنسا، وبريطانيا) تركز بشكل أكبر على تعزيز المساءلة وحقوق الإنسان، بينما الدول النامية مثل: (الصين، والهند، والبرازيل) تسعى إلى توسيع العضوية في مجلس الأمن وزيادة تمثيلها. كذلك تعقد الانقسامات الإقليمية أيضا من المفاوضات. على سبيل المثال، هناك تنافس بين الدول الإفريقية على من سيمثل القارة في مجلس الأمن، وأيضا تنافس بين اليابان والهند للحصول على مقعد دائم يمثل القارة الآسيوية.
لا يوجد مكان بالعالم الآن دون أن تمسه النزاعات المسلحة فأينما نظرت حولك تجد صراعات ونزاعات، وقد تستمر تلك النزاعات المسلحة لفترات غير معروف نهايتها في عدة مناطق حول العالم مثل فلسطين، أوكرانيا، سوريا، اليمن، أفريقيا الوسطى، الصومال؛ مما يؤدي إلى تشريد الملايين وتفاقم الأوضاع الإنسانية في تلك البلدان. وهو الأمر الذي يمثل عبئا ثقيلا على منظمة الأمم المتحدة وأجهزتها، وتهديدا لأهميتها وفاعلية قراراتها. كما يواجه العالم تحديات في التعامل مع تدفقات الهجرة واللجوء بسبب النزاعات والفقر والتغير المناخي.
يعد ميثاق الأمم المتحدة هو الوثيقة الأساسية التي تحكم عمل المنظمة؛ لذا فإن تعديل الميثاق يعد أمرا بالغ الصعوبة. فوفقا للمادة 108 من الميثاق، يجب أن يوافق ثلثا الأعضاء في الجمعية العامة على أي تعديل، بما في ذلك جميع الأعضاء الدائمين في مجلس الأمن. وهو ما يعني أن أي إصلاح كبير يحتاج إلى إجماع نادر.20 فإصلاح مجلس الأمن أو أي تعديل في صلاحيات الدول الدائمة يتطلب تغييرات دستورية معقدة في الميثاق، وهو أمر يتطلب اتفاقا سياسيا واسع النطاق، وهو ما يصعب تحقيقه. وفي ظل تعزيز النزعات والمصالح الذاتية يصل إلى مرحلة شبه استحالة تحقيقها.
تعاني العديد من مناطق العالم أوضاعا إنسانية خطيرة بسبب الصراعات والفقر ونقص الغذاء والمياه والرعاية الصحية، وتوفير مثل هذه المساعدات يتوقف على دعم وتمويل غير متاح في معظم الأوقات؛ مما يمثل عبئا على المنظمة في تحقيق دورها؛ حيث تواجه الأمم المتحدة تحديا كبيرا في تأمين التمويل اللازم لتنفيذ برامجها وعملياتها الإنسانية، إضافة لبرامجها الإنمائية.
6.التغير المناخي:
يعتبر التغير المناخي تحديا عالميا يهدد البيئة والحياة البشرية، ويتطلب تعاونا دوليا قويا واستراتيجيات مشتركة؛ لذا فقد التزمت جميع الأطراف في اتفاقية باريس بتعزيز الاستجابة العالمية لتغير المناخ من خلال زيادة قدرة الجميع على التكيف وبناء القدرة على الصمود والحد من التأثر، كما اعتمدت الدول الأطراف في مؤتمر (COP26)، ميثاق غلاسكو للمناخ الذي يدعو إلى مضاعفة التمويل لدعم الدول النامية في التكيف مع آثار تغير المناخ وبناء المرونة، وتم إنشاء برنامج عمل لتحديد هدف عالمي بشأن التكيف، والذي سيحدد الاحتياجات الجماعية والحلول لأزمة المناخ التي تؤثر بالفعل على العديد من الدول. ومنذ عام 2011، قامت عدة بلدان بإعداد خطط تكيف وطنية بموجب الاتفاقية الإطارية بشأن تغير المناخ، غير أنه حتى الآن لم يتم تحقيق الأهداف المرجوة بشكل كامل نظرا لنقص التمويل المطلوب.21
ثانيا: مقترحات إصلاح الأمم المتحدة:
قدمت الكثير من المقترحات من الدول الأعضاء بشأن مسألة الإصلاح والتكوين المستقبلي لمجلس الأمن وأدواره ومسألة حق النقض (الفيتو)؛ غير أن هذه المقترحات والمناقشات لم تسفر عن أي إصلاحات كبرى حتى هذه النقطة، وقد لا تسفر عن أي إصلاحات ما لم تبذل جهود حثيثة لإحداث إصلاحات حقيقية للمنظمة. هذا بالإضافة إلى وجود مقاومة عميقة الجذور للتغيير داخل الأمم المتحدة نفسها، وهناك إجماع ضئيل بين الدول الأعضاء إلى جانب الشعور بأن التغيير والتحديث ضروريان لتمكين الأمم المتحدة من مواجهة التحديات الجديدة. وبشكل عام، يمكننا إجمال المقترحات والآراء التي قدمتها الدول فيما يلي:
يتألف مجلس الأمن من خمسة عشر عضوا وتنقسم العضوية فيه إلى نوعين:
النوع الأول ويتمثل في العضوية الدائمة، وهي محددة وفقا لنص المادة (23) من الميثاق، ولا يتم طرح مقاعدها للانتخاب، ولا يجوز تعديلها أو إجراء أي تغيير عليها؛ حيث نصت المادة المشار إليها على ذكر الدول المنتصرة الخمس بالاسم نظرا لأهمية الدور العسكري الذي قامت به هذه الدول في حربها ضد دول المحور في الحرب العالمية الثانية.22
والنوع الثاني، هو العضوية غير الدائمة التي يشغلها باقي الدول العشر عن طريق الانتخاب من قبل الجمعية العامة والذي يراعى فيها مساهمة أعضاء الأمم المتحدة في حفظ السلم والأمن الدوليين، والمقاصد الأخرى، كما يراعى فيه التوزيع الجغرافي العادل، وينتخب هؤلاء الأعضاء غير الدائمين لمدة سنتين23. ويعد توسيع عضوية مجلس الأمن من أهم المقترحات المطروحة من الدول الأعضاء؛ نظرا لتغير الأوضاع والمتغيرات الدولية ولضمان التمثيل العادل للدول الأعضاء وخاصة الدول النامية؛ إذ إن عدد عضوية مجلس الأمن بنوعيها لا يتجاوز الـ (15) عضوا وهو لا يتماشى ولا يعكس عدد الدول الأعضاء في المنظمة، ولا يمثل مصالحهم جميعا. ومن الدول التي تطالب بتوسيع العضوية، الهند وألمانيا والبرازيل واليابان؛ حيث ترى هذه الدول وغيرها الكثير أن توزيع القوة الجيوسياسية تغير منذ إنشاء الأمم المتحدة في عام 1945، ويجب أن يكون المجلس بالتالي أكثر تمثيلا للقوى العالمية الحالية، وقد يشار إلى هذه الدول أحيانا بمجموعة (G4)، وتطالب بأن تصبح أعضاء دائمين في المجلس. كما تسعى الدول الإفريقية أيضا للحصول على مقعدين دائمين في المجلس لتعزيز تمثيل القارة؛ حيث لا يوجد حتى الآن أي عضو دائم أفريقي، رغم أن العديد من القضايا التي يناقشها المجلس تخص قارة إفريقيا.
يعد استخدام حق الفيتو من قبل الأعضاء الخمسة الدائمين من أكثر النقاط المثيرة للجدل في عمل مجلس الأمن. تاريخيا؛ حيث استخدم هذا الحق في مواقف أوقفت اتخاذ قرارات حيوية تخص النزاعات العالمية. كما قدمت فرنسا مقترحا يقضي بضرورة امتناع الدول الأعضاء التي لها حق النقض (الفيتو) عن استخدامه في حالات الجرائم الإنسانية الكبرى، مثل جرائم الحرب أو الإبادة الجماعية.24 في حين اقترح البعض إلغاء الفيتو كليا أو تقليص عدد الدول التي يحق لها استخدامه، لضمان اتخاذ قرارات أكثر فعالية وإنهاء الجمود السياسي الذي قد ينشأ عن حق الفيتو، كما قدم أمناء الأمم المتحدة خلال العقود الثلاثة الأخيرة خططا ومقترحات في مجال الإصلاح، تمثلت في تقارير رسمية ومبادرات محددة تناولت مختلف المجالات داخل المنظمة، على سبيل المثال عام 2005 قدم الأميــــن العـــــــام السابق كوفي أنان تقريـرا مرحليـا إلى الجمعيـة العـامة بعنــوان: (In Larger Freedom: Towards Development, Security and Human Rights) تضمن اقتراحات عديدة لإصلاح الأمم المتحدة، وأوصى فيه، من بين أمور أخرى، بأن تحسم الدول الأعضاء أمرها وتعتمد قرارا لتوسيع مجلس الأمن، واقترح عنان كذلك إدخال تغييرات كبيرة في الجمعية العامة ومجلس الأمن بتوسيع عضويته إلى 24 عضوا بدلا من 15، وتأسيس مجلس لحقوق الإنسان بدلا من لجنة حقوق الإنسان (السابقة) التي تعاني من انخفاض في المصداقية والكفاءة المهنية على أن تنتخب الجمعية أعضاء المجلس وذلك بأغلبية ثلثي الحاضرين والمشتركين في التصويت.25
3. بعض المقترحات الأخرى التي قدمها الأمناء السابقون للأمم المتحدة:
كذلك قدم بان كي مون (2007-2016) عدة مقترحات ضرورية لتعزيز الأمم المتحدة، كما استحدث الأمين العام تدابير جديدة تهدف إلى جعل الأمم المتحدة أكثر شفافية وفعالية وكفاءة، ومن بين هذه التدابير زيادة متطلبات الإقرار المالي، وإبرام اتفاقات مع كبار المديرين، والمواءمة بين الممارسات التجارية وشروط الخدمة، واعتماد المعايير المحاسبية الدولية للقطاع العام، ومواصلة الاستثمار في تكنولوجيا المعلومات وتنمية قدرات الموظفين.26
وبخصوص إصلاح مجلس الأمن الدولي، أكد على إجماع الدول الأعضاء في منظمة الأمم المتحدة على ضرورة إدخال تغييرات في المجلس ليكون أكثر تمثيلا وشفافية وديمقراطية، وأن هذا مطلب الدول، لكنه أوضح أن المعضلة تكمن في عدد الدول التي يمكن أن تحصل على حق الفيتو.27
- كما قدم الأمين العام الحالي أنطونيو غوتيريش (2017 - حتى الآن) العديد من الأفكار والمقترحات التي رأى أنها ضرورية لتعزيز الأمم المتحدة وجعلها أكثر قدرة على الاستجابة لتحديات الوقت الراهن، بما يشمل تقديم نموذج إداري جديد في الأمانة العامة، وتمكن المديرين والموظفين، وتبسط العمليات، وزيادة الشفافية، والمساءلة داخل المنظمة، وتعزيز مجال العمل الإنمائي للمنظمة، وتشجيع العمل على تعزيز التحالفات الإقليمية والدولية لمواجهة التحديات الدولية؛ حيث ستتطلب خطة عام 2030 إدخال تغييرات جريئة على منظومة الأمم المتحدة الإنمائية، بحيث يتمحور عملها حول إطار الأمم المتحدة الاستراتيجي للمساعدة الإنمائية ويقودها منسقون مقيمون يتسمون بالاستقلال والحياد ويتمتعون بالصلاحيات اللازمة، كذلك وتعزيز دور مجلس الأمن السلام والأمن الدوليين؛ حيث تتمثل الأهداف الرئيسة للإصلاح في إعطاء الأولوية للوقاية والحفاظ على السلام؛ وتعزيز فاعلية واتساق عمليات حفظ السلام والبعثات السياسية الخاصة، والانتقال إلى ركيزة واحدة متكاملة للسلام والأمن.28
وفي إطار إعادة هيكلة ركن السلام والأمن في سكرتاريا الأمم المتحدة، قدم (غوتيريش) إلى الجمعية العامة تقريرا عام 2017 بالوثيقة رقم (A/72/525)، تضمن اقتراحات لإجراء تعديل شامل في هذا المجال، بما في ذلك إنشاء إدارتين جديدتين هما: إدارة الشؤون السياسية وبناء السلام، وإدارة عمليات السلام. وقد باركت الجمعية العامة هذا التوجه بقرارها رقم A/RES/72/199 تاريخ 20 كانون الأول/ ديسمبر 201729، وقد طلبت منه الجمعية العامة أن يقدم لاحقا تقريرا آخر يتضمن تفصيلا لرؤيته حول التغييرات المقترحة، بما في ذلك هاتين الإدارتين من حيث التكوين والمهام وغير ذلك من التفاصيل. وقد قدم الأمين العام التقرير المفصل المطلوب في وقت لاحق، وثيقة الأمم المتحدة التي تحمل الرقم 72/772.30
كما دعا (غوتيريش) خلال كلمته في الجلسة الافتتاحية للدورة (78) لاجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة الى إصلاح مجلس الأمن، خاصة وأن العالم يتجه نحو عالم متعدد الأقطاب، وحذر من أن التمزق والتشرذم هو بديل الإصلاح، خاصة وأن كل مؤسسات الأمم المتحدة بما فيها مجلس الأمن الدولي لم تعد تعكس الواقع السياسي للعالم في الوقت الحاضر؛ لكنه لم يوضح أو يقدم أية مقترحات جديدة فيما يتعلق بمجلس الأمن أو حق الفيتو.31
غير أنه على الرغم من دعوات الإصلاح المستمرة داخل الأمم المتحدة سواء من الدول الأعضاء أم من الأمناء العامين للأمم المتحدة، إلا أنه مازال هناك قصور في تنفيذ هذه الدعوات وخاصة فيما يتعلق بإصلاح مجلس الأمن وإزاحة السيطرة على قراراته من الدول الكبرى الدائمة، واستخدام حق الفيتو لعرقلة القرارات التي تخالف تحقيق مصالحها، وخاصة في الأزمات الدولية المتعلقة بالحروب والنزاعات المسلحة والأمثلة كثيرة والتي سنتناول اثنتين منهما في الجزء التالي من هذه الدراسة كمحاولة لإظهار المفارقة في مواقف الأمم المتحدة -الدول التي لها حق الاعتراض - وتعاطيها تجاههما.
موقف الأمم المتحدة تجاه الأزمات الدولية (حالتا أوكرانيا وغزة)
تمهيد:
أدى انهيار الاتحاد السوفيتي سابقا وغيابه عن الساحة الدولية إلى اختلال النظام الدولي بشكل كبير، وتسببه بمزيد من العجز في قدرات الأمم المتحدة وفاعليتها، خاصة لجهة إنهاء النزاعات وتحقيق السلم والأمن الدوليين. فلقد أحدث انهيار الاتحاد السوفيتي المفاجئ وتفكك المعسكر الشرقي الذي كان يتزعمه حالة من النشوة لدى الولايات المتحدة الذي اعتبرته انتصارا لنموذجها السياسي – الثقافي (أي الديمقراطي – الليبرالي) على ما سواه، ما دفعها لتبني فكرة أو مفهوم "نظام عالمي جديد".
وعلى الرغم من أن المهمة الأساسية للأمم المتحدة هي حفظ السلام العالمي، إلا أن الانقسام بين الولايات المتحدة واتحاد الجمهوريات الاشتراكية السوفيتية السابق (الاتحاد السوفيتي) غالبا ما أعاق عمل المنظمة؛ مما جعلها تتدخل فقط في النزاعات البعيدة عن مجال الحرب الباردة بين البلدين.
وقد كان هناك استثناءان بارزان في السنوات الأولى من عمر المنظمة: الأول هو قرار مجلس الأمن في 7 يوليو 1950 الذي سمح بتشكيل تحالف بقيادة الولايات المتحدة لصد غزو كوريا الشمالية لجارتها الجنوبية (تم اعتماده في غياب الاتحاد السوفيتي)، والثاني كان توقيع اتفاقية الهدنة الكورية في 27 يوليو 1953.32
وخلال العقود الثلاثة الأخيرة وقعت في العالم العديد من النزاعات المسلحة التي كانت لها تداعياتها وآثارها المزلزلة على العالم بأسره كالحرب الأمريكية على أفغانستان والعراق وغيرها. واستمر مسلسل الحروب والصراعات في العالم وبوتيرة متصاعدة تمثلت أسوأها في اندلاع الحرب في أوكرانيا في فبراير 2022، والعدوان الإسرائيلي على قطاع غزة الذي جاء عقب هجوم السابع من أكتوبر عام 2023، وما بين الحرب الروسية - الأوكرانية، والحرب الإسرائيلية الوحشية على قطاع غزة، بدا وكأن العالم قد دخل في مرحلة جديدة أخرى من الاستنزاف والنفس الطويل، لم يتأثر بها فقط الأطراف المتحاربة، ولكن تأثر بها العالم أجمع بدولة ومنظماته مع اختلاف استجابة المجتمع الدولي لكل أزمة منهما، وهو ما سنحاول توضيحه في الجزء التالي من الدراسة.
الأزمة الأوكرانية الروسية وكيفية استجابة منظمة الأمم المتحدة
أولا: خلفية الأزمة وتطوراتها:
بدأت الأزمة في أوكرانيا منذ عام 2013؛ وذلك بعد اندلاع أعمال عنف بين متظاهرين والشرطة في العاصمة كييف احتجاجا على رفض الرئيس (يانوكوفيتش) توقيع اتفاقية للتجارة الحرة والشراكة مع الاتحاد الأوروبي. تصاعدت بعدها الأزمة بشكل دراماتيكي حتى أدت في نهاية المطاف إلى سقوط الحكومة وفرار الرئيس (فيكتور يانوكوفيتش) إلى روسيا.33 وتبع ذلك اندلاع مواجهات في شرق أوكرانيا بين القوات الأوكرانية ومواطنين موالين لروسيا قادت إلى تدخل روسيا في شبه جزيرة القرم وضمها إليها رسميا بعد استفتاء تم في 16 مارس 2014، وتم إبرام معاهدة جمهورية القرم مع دولة روسيا الاتحادية في 18 مارس من نفس العام بشأن انضمامها.34
من جانبها استنكرت الولايات المتحدة الأمريكية والدول الأوروبية ضم روسيا شبه جزيرة القرم، كما رفضت الحكومة الأوكرانية انضمام إقليم القرم لروسيا دون موافقة السلطة المركزية، وهو ما اعتبرته مخالفة صريحة للقانون الدولي الذي يشترط موافقة السلطة المركزية على إجراء الاستفتاء.35 واستمر التوتر بين البلدين؛ حيث اتهمت أوكرانيا مواطنيها ذوي العرق الروسي في المناطق الشرقية من أوكرانيا بالمولاة لروسيا، كما اتهمت روسيا أوكرانيا بتهديد أمنها القومي بسعيها للانضمام إلى حلف الناتو وإعلان وزراء دفاع الدول الأعضاء في الحلف إنشاء قوة جديدة سميت "رأس الحربة" على الحدود مع روسيا مهمتها التصدي لروسيا في حال قيامها بأي تصعيد؛ إذ وافقت كل من ألمانيا وفرنسا وإيطاليا وإسبانيا، وبريطانيا وبولندا على الانضمام إلى هذه القوة وتتألف من كتيبة برية نحو 5 آلاف مقاتل؛ حيث تتلقى الإشارات والعمليات من قوات جوية وبحرية وقوات خاصة.36
كان لا بد وأن يفضي استفزاز الحلف والاتحاد الأوروبي إلى رد فعل عنيف من جانب روسيا تمثل بغزوها لأوكرانيا في 24 فبراير 2022؛ حيث شنت روسيا هجمات عنيفة أدت إلى مقتل وإصابة مدنيين، وألحقت أضرارا جسيمة بالبنية التحتية في أوكرانيا. لقد رأى البعض أن هذه الهجمات هي بالفعل خطوة دفاعية استباقية لوجود تهديد أمني واستراتيجي لروسيا متمثلا في وجود حلف الناتو قريبا من حدودها؛ حيث عمل الحلف تدريجيا على التوسع في ضم بعض الدول التي كانت تتبع لحلف وارسو وثلاث دول سابقة كانت جزءا من الاتحاد السوفيتي سابقا، وهو ما اعتبرته روسيا خطرا كبيرا على أمنها القومي.37
بالنظر إلى تطورات الوضع في أوكرانيا والزحف الروسي المستمر داخل المناطق والأقاليم الأوكرانية، نجد أن القيادة الروسية نجحت في توظيف الأوضاع الجيوسياسية بهدف الدفاع عن مصالح الدولة، ورسم مستقبل لروسيا ممتد على المنطقة الأوراسية التي تشمل أوكرانيا ذات الموقع الجغرافي المهم للتصدي للمحاولات الغربية لتطويق روسيا الاتحادية. من ناحية أخرى، رأت القيادة السياسية أن احتمالية انضمام أوكرانيا لحلف الناتو هو أمر مرفوض تماما؛ لأنه بالتبعية سيؤدي إلى إنشاء قواعد للناتو على حدود روسيا الاتحادية الأمر الذي يهدد الأمن القومي الروسي.38
جدير بالذكر أن العديد من الدول الغربية دعمت الجانب الأوكراني عسكريا، وخاصة الولايات المتحدة ودول الاتحاد الأوروبي، ورغم هذا الدعم فر العديد من الأشخاص من أوكرانيا إلى الدول المجاورة؛ مما أدى إلى حدوث أزمة إنسانية كبيرة، كما ارتفعت حصيلة القتلى بشكل مستمر بسبب القصف.
ثانيا: كيف استجابت الأمم المتحدة للحرب الروسية - الأوكرانية؟
دعت معظم دول العالم - منذ بدأت الأزمة الروسية - الأوكرانية - الجانبين لوقف إطلاق النار واللجوء للمحادثات المباشرة لتسوية النزاع بالوسائل السلمية. وفي حين أن الدول الغربية، بقيادة الولايات المتحدة قد وقفت بقوة إلى جانب أوكرانيا، بما في ذلك تقديم الدعم العسكري بمختلف أشكاله؛ فإن دولا أخرى، بما في ذلك الصين، قد تعاطفت مع مخاوف روسيا الأمنية الناجمة عن توجه أوكرانيا، بقيادة رئيسها الحالي (فولودمير زيلينسكي)، للانضمام إلى حلف شمال الأطلسي (الناتو)، في الأسابيع التي أعقبت غزو روسيا لأوكرانيا في فبراير/ شباط 2022، اعتمدت الحكومة الصينية نبرة دعم حذرة لموسكو؛ حيث أكد المتحدثون باسم الحكومة الصينية مرارا وتكرارا أن روسيا لها الحق في إدارة شؤونها كما تراه مناسبا، وزعموا أن كلمة "غزو" كانت تفسيرا غربيا للأحداث، وأشاروا إلى أن الولايات المتحدة قامت باستفزاز الرئيس الروسي (فلاديمير بوتن) بدعم توسع حلف شمال الأطلسي، وأعرب وزير الخارجية الصيني (وانغ يي) عن تعاطفه مع "المخاوف المشروعة" لروسيا.39 أما فيما يتعلق بالأمم المتحدة وموقفها وجهودها إزاء هذه الحرب؛ فقد كانت كالتالي:
وعلى الرغم من جهوده الدبلوماسية إلا أنه أظهر موقفا واضحا بتصريحاته من أنه بالنسبة للأمم المتحدة، يعتبر الغزو الروسي انتهاكا لوحدة أراضي أوكرانيا ويتعارض مع ميثاق الأمم المتحدة.41 كما أشار إلى أنه كلما تم الإسراع في إنهاء هذه الحرب، كان ذلك أفضل لشعب أوكرانيا، وشعب الاتحاد الروسي، ولمن هم أبعد من ذلك، كما أشار إلى التقارير المتكررة عن الانتهاكات، فضلا عن جرائم الحرب المحتملة، مطالبا بإجراء تحقيق مستقل من أجل تحقيق مساءلة فاعلة، كما أكد على "الحاجة الماسة إلى ممرات إنسانية آمنة وفعالة حقا ويحترمها الجميع لإجلاء المدنيين وتقديم المساعدة التي تشتد الحاجة إليها"، ذاكرا الآثار الأوسع للحرب مشيرا إلى "الصدمات القوية" التي يشعر بها جميع أنحاء العالم، مثل "التسارع الكبير" في ارتفاع تكاليف الغذاء والطاقة، والتي تؤثر بشكل خاص على ملايين الأشخاص الضعفاء في العالم. كما أكد أهمية الحفاظ على قيم التعددية، والحاجة إلى عالم "متعدد الأقطاب"؛ بحيث يلتزم الجميع بميثاق الأمم المتحدة والقانون الدولي، ويعترف بمبدأ المساواة الكاملة بين الدول.42
جدير بالذكر أن الجانب الأوكراني استمر في تصدير الحبوب الغذائية بعد أن دشنت مسارات جديدة لصادراتها، تتاخم الساحل الغربي؛ حيث المياه في تلك المنطقة تتميز بالضحالة ولا تصلح لإبحار الغواصات الروسية، وعلى الرغم من الهجمات الروسية على موانئ الحبوب الأوكرانية ومرافق التخزين منذ انتهاء الاتفاقية، إلا أن أوكرانيا في الفترة ما بين نهاية الاتفاقية في يوليو 2023 وحتى فبراير 2024 صدرت حوالي 20 مليون طن من الحبوب إلى 42 دولة بحسب تصريح نائب الرئيس الأوكراني (ألكسندر كوبراكوف).53
وفي ظل عجز الأمم المتحدة عن إيقاف الحرب، دعت سويسرا لمؤتمر سلام دولي استضافته في 15 يناير 2024، وشارك فيه مسؤولون من حوالي 90 دولة، بحضور الرئيس الأوكراني (زيلينسكي) دون مشاركة روسيا في المؤتمر؛ حيث جاء في البيان الختامي (الذي لم يوقع عليه عدد من الدول المشاركة في المؤتمر): "أن المؤتمر قد عقد من أجل تعزيز حوار رفيع المستوى حول مسارات نحو التوصل إلى سلام شامل وعادل ودائم لأوكرانيا على أساس القانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة ...، وأن التوصل إلى السلام يتطلب مشاركة جميع الأطراف وحوارا بينها"، وتضمن البيان التزام الدول المشاركة بالامتناع عن التهديد باستخدام القوة، أو استخدامها ضد سلامة أراضي أي دولة أو استقلالها السياسي، والتزامها بمبادئ السيادة وسلامة أراضي جميع الدول، ومنها أوكرانيا.54
ومما سبق نرى، أنه رغم كل هذه الجهود المبذولة من منظمة الأمم المتحدة وكياناتها التابعة لها، لم تتمكن حتى الآن من تحقيق تقدم كبير في وقف النزاع الروسي الأوكراني، بسبب تعقيداته الجيوسياسية وعدم التوصل إلى توافق بين القوى الكبرى في مجلس الأمن واستخدام الطرف الروسي لسلاح الفيتو تجاه أي قرارات لا تخدم مصالحه. إذ أظهرت الحرب الروسية - الأوكرانية نقاط الضعف في منظومة الأمم المتحدة، وفشلها في اتخاذ قرارات ملزمة تجاه الدول الكبرى الأعضاء ممن يملكون حق الاعتراض - الفيتو والذين يلوحون به كلما حاولت الأمم المتحدة اتخاذ قرار لا يتماشى مع مصالحهم؛ مما جعل الانتقادات تجاه الأمم المتحدة ترتفع من جديد مع دعوات بضرورة الإصلاح وخاصة فيما يتعلق بمجلس الأمن وتوسيع العضوية به، وكذلك المقترحات المطروحة فيما يتعلق بحق الاعتراض على القرارات التي تصدر عنه.
أزمة غزة وكيف استجابت منظمة الأمم المتحدة
أولا: خلفية الأزمة الأخيرة في غزة وتطوراتها:
في 29 من نوفمبر من عام 1947 تبنت الجمعية العامة للأمم المتحدة القرار 181 وهو القرار الذي يعرف باسم قرار التقسيم والذي تم بموجبه تقسيم فلسطين التي كانت تحت الانتداب البريطاني، إلى دولتين، إحداهما عربية والأخرى يهودية. وبعد ستة أشهر صوتت الأمم المتحدة على إعلان دولة إسرائيل، وكانت تلك بداية ظهور دولة إسرائيل، التي شهدت بعدها موجة هجرة كبيرة لليهود من جميع أنحاء العالم إليها. بينما بدأ تهجير الفلسطينيين من مدنهم وقراهم إلى أنحاء العالم كافة، بعد أن توسعت إسرائيل أكثر في سيطرتها على الأراضي الفلسطينية.55
منذ ذلك الوقت يعتبر الصراع الفلسطيني الإسرائيلي، وبخاصة الأحداث في غزة، واحدا من أطول وأعقد الأزمات التي واجهتها الأمم المتحدة منذ تأسيسها. على مدار عقود، أصدرت الأمم المتحدة العديد من القرارات التي تدعو لحل الدولتين ووقف العنف. لكن، على الرغم من ذلك، لم تستطع المنظمة الدولية إحداث تأثير كبير في حل الأزمة. لقد تركز دور الأمم المتحدة في غزة بشكل رئيس على الجانب الإنساني من خلال وكالة الأمم المتحدة لإغاثة وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (الأونروا) التي تقدم الدعم للاجئين الفلسطينيين في المجالات الصحية والتعليمية، كما حاولت الأمم المتحدة التوسط في وقف إطلاق النار بين إسرائيل والفصائل الفلسطينية، ولكن التوترات المستمرة في المنطقة تعقد من فرص تحقيق تسوية شاملة.56
ويعيش قطاع غزة تحت حصار إسرائيلي خانق منذ عام 2007، عقب فوز حركة حماس في الانتخابات التشريعية في يناير 2006، ثم شددته بعد سيطرة الحركة عسكريا على القطاع في 2007؛ حيث أعلنت قطاع غزة "كيانا معاديا" وفرضت عقوبات إضافية مست على نحو مباشر بالحقوق الأساسية للسكان، وشمل ذلك فرض قيود مشددة على دخـــول الوقـــود والبضائع وحركـــة الأفراد مـــن وإلـــى القطـــاع. وعلى مر السنين، عملـت السـلطات الإسرائيلية علـى ترسـيخ سياسـة عـزل قطـاع غـزة، مـن خـلال فصلـه عـن الأراضي الفلسطينية في الضفـة الغربيـة والقدس الشرقية، إلى جانب التحكم في كمية ونوعية البضائع والمواد التي تدخل إلى قطاع غزة وحظر المئات منها، ما تسبب بركود اقتصادي شامل في القطاع، وارتفاع حاد في معدلات الفقر والبطالة. وعلاوة على ذلك، أثر الحصار الإسرائيلي على نحو خاص على القطاع الصحي في قطاع غزة عموما، إذ لا تتوفر كثير من الأصناف واللوازم الطبية الأساسية، ويضطر كثير من المرضى للانتظار لأشهر لإجراء العمليات الجراحية.57
وخلال سنوات الحصار، شهد القطاع تدهورا للأوضاع الإنسانية، وتردي في الخدمات وانقطاع في التيار الكهربائي في اليوم الواحد ما يقرب من 16 ساعة، ومن ناحية الخدمات الصحية عانى القطاع خلال فترة الحصار من تدهور شديد مقارنة بعام 2005؛ إذ أصبح لكل 1000 شخص متاح عدد 1.4 أسرة بالمستشفيات، أما بالنسبة للأمن الغذائي؛ فقد عانى بما يماثل نسبة 5 من كل 10 عائلات من انعدام الأمن الغذائي.58
كما شنت إسرائيل أربع هجمات عسكرية مدمرة على القطاع، أسفرت عن مقتل آلاف المدنيين وتدمير عشرات آلاف المنازل والمنشآت المدنية، وأحدثت دمارا واسعا في مرافق البنى التحتية. وبرغم فداحة الوضع الحالي في القطاع؛ فإنه لا يمكن النظر إليه بمعزل عن الصراع التاريخي في فلسطين.59 فالحرب العدوانية التي تشنها إسرائيل على قطاع غزة لم تبدأ حقيقة في 7 أكتوبر 2023، حين قامت فصائل المقاومة هناك بعملية عسكرية ضد مواقع عسكرية ومستوطنات إسرائيلية قريبة من القطاع، بل إن جذور الصراع تعود إلى عقود طويلة خلت. فقد جاء في نص إعلان قيام دولة إسرائيل، الذي وقعه قيادات في الحركة الصهيونية: "أقرت الجمعية العامة للأمم المتحدة في 29 نوفمبر عام 1947 مشروعا يدعو إلى إقامة دولة يهودية في أرض إسرائيل، وطالبت الجمعية العامة سكان أرض إسرائيل باتخاذ الخطوات اللازمة من جانبهم لتنفيذ ذلك القرار".60، ثم ضمت القدس وأعلنتها عاصمة لها وشرعت بممارسة إجراءات تهدف لتهويدها، كما أخذت تصادر الأراضي وتبني المستعمرات اليهودية عليها، في مختلف مناطق الأراضي الفلسطينية التي احتلتها عام 1967، بما في ذلك في مدينة القدس وحولها.
وظلت منذ ذلك الوقت تمارس مختلف أنواع الاضطهاد ضد المواطنين الفلسطينيين. ورغم محاولات صدور قرارات عديدة من الأمم المتحدة، بما في ذلك من مجلس الأمن، تؤكد على عدم شرعية الإجراءات الإسرائيلية في الأراضي الفلسطينية المحتلة ومخالفتها للقانون الدولي، إلا أن إسرائيل لم تعر ذلك اهتماما، واستمرت في تلك الإجراءات طوال العقود الماضية، وذلك لحصولها على الدعم المطلق دائما داخل الأمم المتحدة من جانب الولايات المتحدة واستخدامها لحق الفيتو لعرقلة أي مشروع قرار يدين أو يستهدف إسرائيل. كما أن محاولات إبرام اتفاقات السلام برعاية الولايات المتحدة مثل (اتفاق أوسلو) كانت تفشل نظرا لتعنت الحكومة الاسرائيلية ومماطلتها وتهربها من أي التزامات تجاه القضية الفلسطينية. لذا شهدت عملية السلام والمفاوضات حالة من البرود ثم الجمود التام بين الجانبين. وازدادت السياسة الإسرائيلية تشددا تحت قيادة الليكود ورئيس الحكومة بنيامين نتنياهو الذي يقود حاليا "أكثر حكومة متطرفة" في تاريخ إسرائيل. وقد أطلق محللون وصف الحكومة الأكثر يمينية أو تطرفا في تاريخ إسرائيل، على حكومة نتنياهو الحالية منذ تشكيلها في ديسمبر 202261.
ثانيا: كيف استجابت الأمم المتحدة لأزمة غزة الأخيرة (عملية طوفان الأقصى -7 أكتوبر 2023)؟
أصبح وضع القضية الفلسطينية حرجا أكثر مما سبق بعد عملية طوفان الأقصى التي قامت بها حركة حماس في الـ 7 من أكتوبر 2023، والتي نتج عنها خسائر مادية وبشرية في الجانبين الفلسطيني والإسرائيلي.62
لا شك أن هذا الوضع دعا عددا من الدول لبذل جهود كبيرة لاستصدار قرار من المجلس لوقف إطلاق النار، وفي حين نجحت بعض الجهود باعتماد قرارات تتعلق بالاستجابة للجانب الإنساني في الأزمة، كتقديم مساعدات إنسانية أو فتح المعابر؛ فقد فشلت كل مشاريع القرارات التي كانت تدعو لوقف إطلاق النار بسبب استخدام الولايات المتحدة للفيتو ضدها، ويعد قرار مجلس الأمن رقم 2712 لعام 2023 من أهم القرارات التي صدرت خلال سنوات معاناة القضية الفلسطينية، وهو القرار الذي يدعو إلى إقامة هدن وممرات إنسانية عاجلة ممتدة في جميع أنحاء قطاع غزة والإفراج الفوري وبدون شروط عن كل الرهائن، والذي قدمت مشروعه دولة مالطا بعد عدة محاولات كانت تلك هي المحاولة الخامسة في المجلس لاعتماد مشروع قرار حول التصعيد في غزة وإسرائيل منذ السابع من أكتوبر 2023. ولم يتمكن المجلس في المرات السابقة من اعتماد أي من مشاريع القرارات التي طرحت عليه إما لاستخدام الفيتو أو عدم الحصول على العدد الكافي من الأصوات.63
لقد أظهرت عمليه طوفان الأقصى ضعف أجهزة الأمم المتحدة، ليس فقط من ناحية إصدار قرارات تتعلق بالسلم والأمن الدوليين، ولكن حتى القرارات التي تراعي الأوضاع الإنسانية في الدول المنكوبة، فخلال الشهر الأول من الأزمة، قدمت البرازيل (التي كانت ترأس المجلس حينذاك) مشروع قرار يدعو إلى "هدنة إنسانية لإيصال المساعدات المنقذة للحياة" إلى غزة، إلا أن الولايات المتحدة استخدمت الفيتو ضده، بحجة أنه لم يتضمن عبارة "حق إسرائيل في الدفاع عن نفسها"، وقال المندوب الدائم للبرازيل في تلك الجلسة (سيرجيو فرانسا دانيزي): "لقد استجبنا للنداء بشعور من الإلحاح والمسؤولية، وإنه كان على مجلس الأمن اتخاذ إجراءات بسرعة كبيرة ... إن شلل المجلس في مواجهة كارثة إنسانية ليس في مصلحة المجتمع الدولي".64
ونظرا لحالة الجمود في مجلس الأمن من حيث عدم قدرته على اتخاذ قرار بوقف إطلاق النار؛ فقد طلب عدد من الدول أن تستأنف الجمعية العامة دورتها الاستثنائية الطارئة العاشرة الخاصة بفلسطين (التي كانت قد انعقدت للمرة الأولى في أبريل من عام 1997، بناء على طلب دولة قطر، عملا بقرار الجمعية العامة المعنون "متحدون من أجل السلام" الصادر في 3 نوفمبر 1950).65
وبالفعل؛ فقد استأنفت الجمعيــة العامة دورتها المذكــورة بتاريـــخ 26-27 أكتوبر، واعتمدت القرار رقــم ES-10/21 الذي قدمته الأردن، بمؤازرة أكثر من 40 دولة. واستعرض وزير الخارجية الأردني (أيمن الصفدي) باسم المجموعة العربية، مشروع القرار عند تقديمه قائلا: "إن مشروع القرار جاء "لأن مجلس الأمن لم يتحمل مسؤولياته"، وأنه يهدف إلى تحقيق ما تأسست الأمم المتحدة لأجله وهو السلام والامتثال لأحكام القانون الدولي. وقال: "نعلم جميعا أن إسرائيل ستتجاهل هذا القرار؛ لأنها تجاهلت الكثير من قرارات الأمم المتحدة قبله".66
وجاء في القرار الذي اعتمد بأغلبية 121 صوتا، مقابل 14 صوتا ضده، مع امتناع 44 عضوا وغياب 14 عضوا عن التصويت، أن الجمعية العامة تدعو لـ "هدنة إنسانية فورية ودائمة ومستدامة تؤدي إلى وقف الأعمال العدائية"، ولـ "وصول المساعدات الإنسانية بشكل فوري وكامل ومستدام وآمن ودون عوائق". كما تضمن إدانة لـ "جميع أعمال العنف التي تستهدف المدنيين الفلسطينيين والإسرائيليين". كما تضمن الطلب من إسرائيل إلغاء أمرها للمواطنين الفلسطينيين بإخلاء شمال غزة والتوجه جنوبا، والدعوة لـ "الإفراج الفوري وغير المشروط عن جميع المدنيين المحتجزين بشكل غير قانوني".67
غير أن الولايات المتحدة أدانت القرار المشار إليه بحجة أنه لم يذكر اسم "حماس" باعتبارها الخاطف وأدانته بحجة أنه لا يتضمن انتقادا صريحا لـ "حماس". كما صوتت ضده إسرائيل.68
ثم فشل مجلس الأمن في تمرير مشروع قرار لاحق اقترحته الولايات المتحدة يدعو إلى وقف إطلاق النار المرتبط بإطلاق سراح الرهائن في غزة، وذلك بعد أن استخدمت روسيا والصين حق النقض ضد المشروع؛ حيث يدعو مشروع القرار المرفوض إلى "وقف فوري ومستدام لإطلاق النار فيما يتصل بإطلاق سراح جميع الرهائن المتبقين". وكانت واشنطن قد استخدمت حق النقض ضد ثلاث قرارات سابقة للأمم المتحدة تدعو إلى وقف إطلاق النار. كما صوتت الجزائر، العضو غير الدائم في المجلس، ضده باعتباره "لم يكن رسالة سلام واضحة، وكان سيسمح بقتل المزيد من المدنيين الفلسطينيين"، بحسب مندوبها الدائم.69
وفي 10 يونيو 2024 اعتمد مجلس الأمن قرارا بأغلبية كبيرة مع 14 صوتا وامتناع روسيا عن التصويت، يستند في مضمونه على خطة كان الرئيس الأمريكي (جو بايدن) قد أعلنها في 31 أيار/ مايو 2023، لوقف إطلاق النار وتبادل الأسرى، تتكون من ثلاث مراحل. وتضمن نص القرار التزام مجلس الأمن بحل الدولتين، ورفضه إجراء تغييرات ديموغرافية أو إقليمية في القطاع، وأهمية توحيده مع الضفة الغربية تحت السلطة الفلسطينية. وطالب القرار "حماس بالموافقة على الخطة"، باعتبار "أن إسرائيل قد وافقت عليها". وهو الأمر الذي لم يستسغه المندوب الدائم لروسيا، ما جعله يمتنع عن التصويت؛ حيث قال: إن هناك غموضا بشأن "ما وافقت عليه إسرائيل بالضبط في القرار"؛ حيث إن المسؤولين الإسرائيليين، وفي مقدمتهم (نتنياهو)، ما زالوا يكررون قولهم إن هدفهم من الحرب هو القضاء تماما على حماس، لا التوصل إلى اتفاق معها. وأضاف السفير الروسي قوله هناك الكثير من الأسئلة دون إجابة، وأن تفاصيل خطة (بايدن) غير معروفة أو واضحة بما يكفي لتقدم موسكو دعمها لها.70
وفي 11 أكتوبر 2024، بمناسبة مرور عام على الهجوم الإسرائيلي والإبادة في غزة، أصدرت مجموعة من خبراء حقوق الإنسان المستقلين بيانا بعنوان "النظام القانوني الدولي ينهار في غزة" وأن العالم يواجه أعمق أزمة منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، والتي جعلت هناك تصميما جماعيا نظرا لما حدث بها من فظائع على ألا يحدث هذا الأمر مرة أخرى، وكان سببا في إنشاء الأمم المتحدة لتحقيق هذا الهدف. ومع ذلك، وبعد مرور عام على هجوم حماس وغيرها من الجماعات المسلحة الفلسطينية ضد إسرائيل، شهد العالم تصعيدا وحشيا للعنف؛ مما أدى إلى هجمات إبادة وتطهير عرقي وعقاب جماعي للفلسطينيين؛ مما يهدد بانهيار النظام الدولي المتعدد الأطراف.71
إن النظام القانوني الدولي ينهار في مواجهة هذه الفظائع. ولا يزال طلب المدعي العام للمحكمة الجنائية الدولية لإصدار أوامر اعتقال معلقا دون قرار في الوقت المناسب من المحكمة بينما تستمر حملة الإبادة الجماعية. ولا تزال التدابير المؤقتة التي أمرت بها محكمة العدل الدولية لمنع أعمال الإبادة الجماعية والحفاظ على أدلة الجرائم المرتكبة في غزة غير محققة. ولا يزال الرأي الاستشاري لمحكمة العدل الدولية الذي أعلن أن احتلال إسرائيل غير قانوني ويرقى إلى مستوى التميز والفصل العنصري والذي تلاه قرار صادر عن الجمعية العامة يحظى بدعم واسع النطاق، ينتظر التنفيذ، في مواجهة المشاعر العامة الساحقة في المجتمع الدولي، تواصل إسرائيل التصرف بتجاهل صارخ للقانون والنظام الدوليين.72
إن فشل المجتمع الدولي في تأمين وقف إطلاق النار ومحاسبة كل المسؤولين عن الجرائم البشعة أو المتواطئين فيها، لم يسمح فقط باستمرار الوحشية غير المسبوقة، بل ووسعها إلى المنطقة الأوسع؛ مما أشعل لبنان بالعنف والدمار؛ لذلك فإنه يجب أن تنتهي دوامة الدمار هذه، ويجب على المجتمع الدولي أن يتحرك بأقصى سرعة لتغيير مسار العنف إذا أردنا تجنب اندلاع حريق واسع النطاق بعواقب لا يمكن تصورها وأشدها فظاعة73.
مما سبق يتبين لنا أنه كان يمكن لمنظمة الأمم المتحدة القيام بدور أكثر فاعلية وجدوى من دورها الآن، إلا أن التحديات السياسية الدولية والوضع الجيو - إسترتيجي في العالم يمثل عائقا أساسيا أمامها. فالأمم المتحدة، كأي منظمة إقليمية أو دولية، ليس لها إرادة مستقلة خاصة بها من الناحية الواقعية، وإنما هي تمثل مجموع إرادات الدول الأعضاء فيها. وعلى أية حال، فلا بد من الإقرار بأن الأمم المتحدة قامت، وما تزال، بعمل جيد في مجالات عديدة مثلما ذكرنا، وبدرجات متفاوتة بالطبع، كالتنمية، والبيئة والمناخ، وحقوق الإنسان، وتدوين القانون الدولي، وذلك من خلال إداراتها وأجهزتها المعنية ووكالاتها المتخصصة، كوكالة الأونروا وبرنامج الغذاء العالمي واليونيسف واليونسكو ومنظمة الصحة العالمية، وسواها.
كذلك، لا بد هنا من ذكر ذراعها القانوني، وهي محكمة العدل الدولية. ولا يفوتنا أن نذكر بهذا الصدد القضية التي رفعتها جنوب أفريقيا ضد إسرائيل أمام المحكمة في 29 ديسمبر 2023، بتهمة ارتكابها "إبادة جماعية" بحق الشعب الفلسطيني في قطاع غزة؛ حيث أصدرت المحكمة قرارا مبدئيا في 26 من الشهر التالي يفيد بأن المحكمة قد وجدت أن إسرائيل ربما تكون قد انتهكت بعض الحقوق المكفولة للفلسطينيين في غزة بموجب اتفاقية الإبادة الجماعية.
وقد أمرت المحكمة إسرائيل باتخاذ إجراءات معينة، وضمان عدم ارتكاب قواتها أي أعمال إبادة جماعية ضد الفلسطينيين، وتقديم تقرير إلى المحكمة حول ذلك بعد شهر. ولعله من المفيد أن نشير بهذا الخصوص، أي جانب العدالة الدولية، إلى المحكمة الجنائية الدولية، رغم أنها محكمة مستقلة غير تابعة للأمم المتحدة (وإن كانت فكرتها قد ولدت داخل الأمم المتحدة)؛ حيث إنها تنظر هي الأخرى في اتهامات لإسرائيل بارتكاب جرائم حرب خلال عدوانها على غزة. وقد أوصى مدع عام المحكمة (كريم خان) في 20 أيار/ مايو 2024، بأن يصدر القضاة أوامر قبض بحق (نتنياهو) ووزير دفاعه (يوآف غالانت)، ولم تصدر المحكمة تلك الأوامر بعد.
ومع إقرارنا بالعمل الجيد الذي تقوم به الأمم المتحدة، مثلما أشرنا بأعلاه، فلا يمكننا إلا أن نركز على ضعف أدائها فيما يتعلق بالهدف الأسمى لوجودها أصلا، وهو صنع السلام العالمي وتسوية النزاعات بالطرق السلمية. فهذا الجانب هو الذي يحتاج إلى عمل جاد ومخلص حقا من جميع الدول، وخاصة الدول الكبرى ذات المسؤولية السياسية والأخلاقية الأكبر على الساحة الدولية، لتحسين هيكلية ووسائل عمل مجلس الأمن بشكل رئيس.
وهكذا، فبعد استعراضنا لمختلف العناصر التي ينطوي عليها موضوع إصلاح الأمم المتحدة، من حيث تكوينها الحالي وآليات عملها، ومن حيث المقترحات التي تحتاج للنظر فيها من أجل تحسين أداء المنظمة الدولية وزيادة فعالية آليات عملها، خاصة فيما يتعلق بمسألة تسوية النزاعات بين الدول، بعدما تناولنا الحالة في كل من أوكرانيا وقطاع غزة كمثالين؛ فإنه يمكننا الخلوص إلى عدد من الاستنتاجات والتوصيات المبينة أدناه.
الاستنتاجات:
التوصيات:
أولا: المراجع العربية:
https://www.un.org/ar/ga/sessions/emergency.shtml
https://peacekeeping.un.org/ar/role-of-general-assembly
chromeextension://efaidnbmnnnibpcajpcglclefindmkaj/https://documents.un.org/doc/undoc/gen/n18/057/64/pdf/n1805764.pdf
3. الدوريات:
https://www.un.org/ar/climatechange/climate-adaptation#:~:text=
https://news.un.org/ar/story/2005/03/35992
https://www.un.org/sg/ar/formersg/ban.shtml
https://reform.un.org/ar#:~:text=
https://news.un.org/ar/story/2022/04/1100022
https://news.un.org/ar/story/2022/02/1095042
https://www.un.org/ar/ukrainecrisisresponse/humanitarian-response
https://news.un.org/ar/story/2022/03/1095332
https://news.un.org/ar/story/2022/09/1111641
https://www.un.org/ar/ga/sessions/emergency10th.shtml
https://news.un.org/ar/story/2023/11/1126082
https://www.ajnet.me/encyclopedia/2017/12/17/
https://www.skynewsarabia.com/world/1685231
https://www.bbc.com/arabic/world-42400008
https://www.bbc.com/arabic/articles/cjmxgr0djewo
https://www.bbc.com/arabic/media-64071815
" بان كي مون، إصلاح الأمم المتحدة أمر معقد"، أناضول، عربي 21، تم الاطلاع في 15-11-2024، في:
https://arabi21.com/story/883631/
https://egypt.mid.ru/ar/crimea_ar/
https://www.siyassa.org.eg/News/18248.aspx
https://arabic.rt.com/world/1603794-8A،
https://www.hrw.org/ar/news/2006/04/25/230667
https://www.idsc.gov.eg/Article/details/8964
https://www.almayadeen.net/articles/
3- E-Sources:
https://www.nytimes.com/2022/02/24/opinion/ukraine-russia-biden.html#
https://www.foreignaffairs.com/china/china-denial-about-war-ukraine-jude-blanchette
https://www.swissinfo.ch/eng/politics/why-the-black-sea-grain-deal-is-so-important/48669562
https://edition.cnn.com/2024/03/22/middleeast/us-gaza-ceasefire-proposal-veto-intl/index.html
https://euromedmonitor.org/en/gaza
https://www.project-syndicate.org/commentary/security-council-veto-limit-by-gareth-evans-2015-02
https://archive.globalpolicy.org/security/membship/veto/vetosubj.htm
https://www.mofa.go.jp/policy/un/pamph96/reform.html
https://www.sdg16.plus/ar/policies/
https://research.un.org/en/docs/sc/quick/veto
https://web.archive.org/web/20201031234102/http://undocs.org/a/res/72/199
https://news.un.org/en/story/2023/10/1142507
https://www.un.org/unispal/document/un-experts-press-release-11oct24/
أستاذ مساعد في القانون الدولي، كلية القانون، جامعة لوسيل
الأستاذ الدكتور مخلد إرخيص الطراونة أستاذ القانون الدولي بأكاديمية الشرطة / كلية الشرطة، دولة قطر.
المشاهدات
التحميلات
الاستشهادات
المؤلفون
إصدار
السنة