دور الذكاء الاصطناعي في العدالة التنبؤية: بديل أم معاون للقاضي؟

الملخص

إن آليات العدالة لها عدة وسائل لتطبيقها في المحاكم، منها تدريب وتأهيل الكادر القضائي وتعيين المتميزين في هذه الوظيفة الحساسة، وكذلك استحداث التشريعات والقوانين المنظمة لعمل المحاكم وتعديل التشريعات ذات الصلة، وكذلك تطوير أنظمة العدالة والتي تتضمن الجانب الإلكتروني في عمل المحاكم وإصدار الأحكام، وفي حقيقة الأمر التقاضي الإلكتروني مطبق إلى حد ما في عدد كبير من دول العالم ومنها المحاكم القطرية وهذا نظام معني بتسجيل الدعاوى ومتابعة سيرها إلى حين الفصل فيها، وهذا النظام بلا شك يعد شكلا من أشكال العدالة الناجزة، ولكن ولد مؤخرا ما يسمى بالذكاء الاصطناعي والذي يعد من أحدث ما أنتجته شركات التكنولوجيا الكبرى لما تحمله من مميزات تيسر على الأفراد إنجاز معاملاتهم بصورة ذكية وكذلك الشركات والجهات الحكومية والأعمال التجارية؛ لا سيما إدخال هذه التقنية الجبارة في المجالات الطبية وذلك في تشخيص الأمراض وتحديد العلاجات المناسبة للمرضى، وقد تم إدخالها في جوانب محددة في القضاء والمجالات الشرطية والأمنية وذلك في بعض الدول المتقدمة - على الرغم من خطورتها إذا ما تمت برمجتها البرمجة الصحيحة التي تتلاءم مع تطبيق القوانين وبما لا يخل بحقوق الإنسان وحرياته – ذلك أن أنظمة الذكاء الاصطناعي تحاكي الذكاء البشري باعتبارها معتمدة على مجموعة من الخوارزميات التي يتم برمجتها من خلال التعلم الآلي، وقد يخشى أن يؤدي تطبيقها تطبيقا خاطئا إلى التمييز العنصري، وهذا ما حدث في الولايات المتحدة الأمريكية عندما أدى تطبيقها في المجالات الأمنية إلى التمييز العنصري ضد أصحاب البشرة السوداء عندما تم استخدام هذه الأنظمة في مسح المناطق والولايات للتنبؤ في مدى احتمال وقوع جرائم فيها وتوقع مرتكبيها، الأمر الذي أدى إلى إحداث تمييز عنصري ضد هذه الفئة، ونظرا لأهمية تطبيق أنظمة الذكاء الاصطناعي على المستوى المحلي والإقليمي والدولي؛ فقد تم إعداد المواثيق واللوائح المنظمة لاستخدام هذا النوع من التكنولوجيا وإدخاله في الأنظمة الأمنية والقضائية.
ونظرا لأن الذكاء الاصطناعي قد يكون له مكان بارز في المحاكم ومعاون لتحقيق العدالة الناجزة؛ فإن هذه الأنظمة يمكن تطبيقها في معاونة القاضي في إصدار أحكامه ومراجعة مستندات الدعاوى التي تعرض عليه وتلخيص الملفات وتنقيحها ومعرفة نواقصها وهناك تطبيقات في بعض الدول المتقدمة، ولكن هل لنا أن نتخيل يوما من الأيام أن يتنبأ نظام الذكاء الاصطناعي للخصوم في مدى ربحهم للقضية من عدمه؟ وهل يمكن تطبيق مثل هذا النظام في المحاكم القطرية على الرغم من حاجة الخصوم إلى القاضي الطبيعي؟ وما مدى حجية مثل الأحكام التي تصدر من خلال الأنظمة الذكية؟ وهل سيحل الروبوت محل القاضي البشري أم هو معاون له؟ وإذا كان من المتوقع أن يحل الروبوت محل القاضي؛ فكيف سيتم استحداث القوانين المنظمة لاستخدام الأنظمة الذكية في المحاكم؟ وما دور القاضي بعد استخدامها؟ على الرغم من أن القضاة جزء لا يتجزأ من ضمان حسن سير القانون، مع الأخذ بعين الاعتبار بأن هناك صناديق سوداء يخبئها الذكاء الاصطناعي؛ إذ لا بد من توخي الحذر عند إدخاله في النظام القضائي بما لا يخل بحقوق وحريات الإنسان، وهذا ما سأتناوله في دراستي الماثلة.

الكلمات المفتاحية: عدالة تنبؤية ذكاء اصطناعي روبوت مرافعات تقاضي ذكي العدالة الناجزة نظام "المحاكم" الإلكتروني

المقال الكامل

مما لا شك فيه أن التكنولوجيا الحديثة قد ساهمت إلى حد كبير في تيسير المعاملات المختلفة؛ سواء أكانت شخصية كالمهام اليومية، أم على مستوى الجهات الحكومية والشركات والتجارة الدولية وغيرها، وقد تخطى ذلك إلى المجالات القضائية وإدخال التكنولوجيا الحديثة في التقاضي، فعلى صعيد محلي؛ فقد تم تطبيق التقاضي الإلكتروني في المحاكم القطرية من خلال إنشاء برنامج "المحاكم" الإلكتروني، والذي يتمحور حول تسجيل الدعاوى إلكترونيا ومتابعة سيرها ومعرفة الحكم الصادر فيها دون الحاجة إلى انتقال المتقاضي إلى مقر المحكمة المختصة، كذلك يمكن استخدام هذا النظام من أي مكان وذلك من خلال جهاز الكمبيوتر أو الهاتف الذكي أو الكمبيوتر اللوحي.

وتنطلق فكرة إنشاء هذا البرنامج من خطة حكومة دولة قطر الرقمية، ومن هذا الجانب فقد عزز المجلس الأعلى للقضاء تطبيق أنظمة التقاضي الإلكترونية في المحاكم لجعلها محاكم بلا ورق (Paperless Courts) ولتيسير إجراءات التقاضي على الخصوم وسرعة إصدار الأحكام؛ وذلك لتحقيق العدالة الناجزة والتي تنشدها دولة قطر، وعلى صعيد آخر؛ فإن نظام "المحاكم" الإلكتروني يسر على القضاة إصدار أحكامهم بصورة أسرع وبجودة أعلى حيث يمكنهم النظام من الاطلاع على ملفات الدعاوى بيسر وسهولة وكذلك اعتماد محاضر الجلسات والأحكام والقرارات إلكترونيا من أي مكان دون الحاجة إلى تواجده في مكتبه. هذه التحسينات التي أدخلها المجلس الأعلى للقضاء في المحاكم تعتبر طفرة كبيرة في مجال التطوير القضائي، أو إن صح التعبير إلى تطوير أنظمة العدالة وتيسير وصول أفراد المجتمع إلى العدالة (Access to Justice)، وقد انطلق التطوير الإلكتروني في المحاكم القطرية منذ أن أصبحت الإعلانات القضائية إلكترونية كبداية لهذا التطوير، وذلك بإصدار القانون رقم (24) لسنة 2017 بإصدار قانون العنوان الوطني.

ويعد ذلك التطوير جزء من آليات العدالة الناجزة، ومما لا شك فيه بأن تلك الآليات متعددة ومتنوعة إلا أنها ترمي إلى تحقيق العدالة الناجزة وتطوير المنظومة القضائية وتيسير إجراءات التقاضي على المواطنين والمقيمين، ولكن هل لنا أن نتخذ بعدا آخر لتحقيق العدالة وتطوير الآليات لجني هذه الثمرة؟ وذلك من خلال التيسير الأمثل لإجراءات التقاضي بطريقة تخرج عن المألوف، فجميعنا يعلم بأنه لا بد من وجود قاض بشري يحكم بين الناس بالعدل وخاصة في مجتمعاتنا العربية باعتبار أن فكرة التقاضي الإلكتروني لا تزال ناشئة في بعض الدول العربية، وهل لنا أن نتصور بأن يصل التطوير القضائي إلى حد إدخال أنظمة الذكاء الاصطناعي في مجال إصدار الأحكام القضائية نيابة عن القاضي البشري؟ وهذا ما يعرف بـ "العدالة التنبؤية" (Predictive Justice) فيمكن للخصوم معرفة نتيجة الأحكام دونما اللجوء إلى القاضي فيترك أمر الحكم إلى الروبوت أو الآلة الذكية للفصل في المنازعات المعروضة عليها بعد أن تقوم بتحليل مستندات الدعوى والأحكام السابقة.

وتتمحور هذه الدراسة الماثلة حول تحديد المقصود بالعدالة التنبؤية كجزء من أدوات الذكاء الاصطناعي وأهميتها ومميزاتها وعيوبها، وكذلك الدول التي قامت بتطبيق العدالة التنبؤية ومدى إمكانية تطبيقها في المحاكم القطرية في ضوء أحكام القانون الحالية، مع الإشارة إلى ماهية المقومات اللازمة لتطبيق مثل هذه الأنظمة الذكية في مجال القضاء؛ سواء أكان الذكاء الاصطناعي من الممكن أن يكون بديلا، أم معاونا للقاضي البشري فيما يتعلق بإصدار الأحكام القضائية.

أهمية الدراسة:

إن حق وصول الجميع إلى العدالة دون تمييز من الحقوق التي لا تختلف عليها أنظمة الدول المتحضرة، على الرغم من تفاوتها من حيث الوسائل المستخدمة في المحاكم التي تؤدي إلى تحقيق تلك النتيجة، من ضمنها استخدام التقاضي الذكي، ويعد الذكاء الاصطناعي أحد الأدوات الرائدة في تحسين نظم العدالة التنبؤية، إذ يوفر إمكانيات غير مسبوقة لتحليل البيانات، واستخلاص الأنماط، وتوقع الاتجاهات المستقبلية في الأحكام القضائية. لذلك فإن هذه الدراسة تساهم في تسليط الضوء على دور الذكاء الاصطناعي في تعزيز الإنصاف والكفاءة داخل المنظومة القضائية، وتقليل التحيزات البشرية عبر الاستناد إلى تحليل موضوعي للمعطيات. بالإضافة إلى ذلك، يستكشف البحث كيفية تحقيق التوازن بين الابتكار التقني ومبادئ العدالة لضمان أن تظل الأحكام القضائية منصفة وتراعي الاعتبارات الأخلاقية والقانونية.

مشكلة الدراسة:

إن مشكلة هذه الدراسة تكمن في ظهور وتطور نمط تقني جديد في أنظمة الذكاء الاصطناعي يعرف بـ "العدالة التنبؤية"، ومما لا شك فيه؛ فإن أي تطوير لأي تقنية تولد في عالم التكنولوجيا الذكية لا بد من برمجتها برمجة آمنة، وإخضاعها للتجربة لقياس مدى إمكانية تطبيقها أو استخدامها في مجالات الحياة المتعددة، والتأكد من عدم المساس بأمن المجتمع والأفراد وخصوصياتهم الناتجة عن استخدام مثل هذه التقنيات، وبشكل خاص ما يتم إدخاله في المحاكم والجوانب ذات الصلة بإنفاذ القانون والتي من الممكن أن نصف استخدامها بأنها ذات خطورة عالية، ولذلك؛ فإنه من المعلوم لدى المختصين في مجالات الذكاء الاصطناعي بأن هذه الأنظمة قد يتم استغلالها بما يخالف القوانين وبما ينتهك حقوق الإنسان الأساسية ومبادئ القضية العادلة حيث قد يصل الأمر إلى التمييز العنصري ضد فئة معينة من الأفراد كما هو الحال بالنسبة للتحقيقات الجنائية، وكذلك في إصدار الأحكام والقرارات القضائية إذ يتطلب إدماج العدالة التنبؤية في النظام القضائي إطارا قانونيا وتنظيميا مناسبا؛ لتحقيق التوازن بين فوائد هذه التكنولوجيا وحماية الحقوق الأساسية للأفراد.

وعليه فإن هذه الدراسة تثير عدد من التساؤلات وهي:

  • ما العدالة التنبؤية وأهم مميزاتها ومشكلاتها العملية في القضاء؟
  • ما مدى ملاءمة التشريعات القطرية لتطبيق نظام العدالة التنبؤية في المحاكم؟
  • ما مدى توفر مقومات تطبيق نظام العدالة التنبؤية في المحاكم القطرية؟
  • ما أهم التحديات والمخاوف الأخلاقية لتطبيق نظام العدالة التنبؤية؟
  • هل من الممكن إحلال نظام العدالة التنبؤية مكان القاضي البشري، أم يكون فقط معاونا له؟

نطاق الدراسة:

تركز هذه الدراسة على تحليل تطبيقات الذكاء الاصطناعي المتعلقة بالعدالة التنبؤية، مع تسليط الضوء على نماذج التنبؤ القضائي المستخدمة في مختلف الأنظمة القضائية في العالم. كما تستعرض الأساليب التقنية التي تمكن الذكاء الاصطناعي من تحسين عمليات اتخاذ القرار القضائي ومدى تأثيرها على الضمانات القانونية ومبادئ القضية العادلة. وتشمل هذه الدراسة البحث في القضايا القانونية والأخلاقية المرتبطة باستخدام أنظمة الذكاء الاصطناعي في التنبؤ بالأحكام بعد قيام الخصوم بإدخال مستنداتهم ومذكراتهم ودفوعهم، بالإضافة إلى دراسة كيفية تكامل نظام "العدالة التنبؤية" مع الأنظمة القضائية التقليدية لضمان تحقيق العدالة المستدامة، وكيفية إدخال هذا النظام في المحاكم القطرية ومجالات تطبيقه مع تسليط الضوء على مدى إمكانية أن يكون هذا النظام بديلا عن القاضي البشري في بعض المجالات القضائية وعلى جانب آخر يكون فيه معاونا للقاضي فقط.

معوقات الدراسة:

لعل من أبرز المعوقات التي واجهتني أثناء إعداد الدراسة هي قلة تطبيقات نظام "العدالة التنبؤية" في الدول العربية لا سيما مع ندرة المراجع القانونية العربية التي كتبت في هذا الموضوع؛ فقد كان النصيب الأعظم للمراجع والمقالات المكتوبة بلغات أجنبية. ويعود السبب في ذلك إلى بدء تطبيق نظام "العدالة التنبؤية" في العديد من المحاكم الأوروبية وغيرها من الدول الآسيوية كالصين وسنغافورة.

منهجية الدراسة:

تعتمد هذه الدراسة على منهجية تحليلية وذلك من خلال تحليل نصوص القانون رقم (13) لسنة 1990 بإصدار قانون المرافعات المدنية والتجارية وتعديلاته والقانون رقم (8) لسنة 2023 بإصدار قانون السلطة القضائية والقانون رقم (4) لسنة 2024 بإصدار قانون التنفيذ القضائي ومقارنة تلك النصوص بما هو مقرر في تشريعات الدول التي طبقت هذا النظام مع المقارنة بين الأساليب النوعية والكمية لفهم دور الذكاء الاصطناعي في العدالة التنبؤية، وتحديد ما إذا كان يشكل بديلا للقاضي البشري أو مجرد أداة مساعدة له في عملية اتخاذ القرار القضائي وإصدار الأحكام. وسيتم الاعتماد على تحليل مقارن للأنظمة القانونية المختلفة التي تبنت تطبيقات الذكاء الاصطناعي في القضاء بشأن العدالة التنبؤية، مع دراسة بعض الدعاوى والحالات والتجارب الدولية في هذا المجال. بالإضافة إلى ذلك، ستشمل الدراسة أخلاقيات استخدام نظام العدالة التنبؤية لفهم الأطر التنظيمية والأخلاقية المتعلقة باستخدامه في العدالة، وتحليل تأثيره على مفاهيم العدالة، واستقلالية القضاء، وعدم التمييز، والانحياز.

لهذا تنقسم خطة الدراسة على النحو الآتي:

المبحث الأول: الإطار النظري للعدالة التنبؤية والذكاء الاصطناعي.

المطلب الأول: ماهية العدالة التنبؤية وأهميتها في تطوير الأنظمة القضائية وأبرز مخاطرها.

المطلب الثاني: دور الذكاء الاصطناعي في تحليل مستندات الدعاوى وتوقع الأحكام القضائية.

المطلب الثالث: الأسس القانونية والأخلاقية التي تحكم استخدام الذكاء الاصطناعي في القضاء.

المبحث الثاني: العدالة التنبؤية ما بين البديل والمعاون للقاضي في المحاكم القطرية.

المطلب الأول: أوجه الشبه والاختلاف بين دور القاضي البشري والذكاء الاصطناعي في إصدار الأحكام.

المطلب الثاني: تأثير الذكاء الاصطناعي على استقلالية القاضي وحيادية الأحكام.

المطلب الثالث: مقومات تطبيق نظام العدالة التنبؤية في المحاكم القطرية.

المبحث الأول

الإطار النظري للعدالة التنبؤية والذكاء الاصطناعي

يقول جيفري هينتون، أحد رواد الذكاء الاصطناعي: "لم أعد أعتقد أن الذكاء الاصطناعي سيحتاج إلى 50 سنة ليصبح أكثر ذكاء من البشر، بل قد يحدث ذلك قريبا جدا."

يشار إلى أن شركة التكنولوجيا (A121 Labs) قد قامت بتطور تقنية ذكية تجيب على أسئلة جمهور المحاكم بأسلوب إحدى القاضيات في الولايات المتحدة الأمريكية وهي القاضية الراحلة/ روث بادر جينسبيرغ، وقد تم استخدام تقنية ذكية تحاكي طريقة القاضية عند إدارتها لجلساتها القضائية وتحاورها مع الخصوم، ويشار إلى أن القاضية/ روث من أبرز القاضيات في الولايات المتحدة الأمريكية، وقد خدمت لمدة 27 عاما في المحكمة العليا إلى أن توفت في عام 2020، وقد أغرقت الولايات المتحدة حزنا على رحيلها واستمر الحداد عليها إلى عدة أيام، ويعد هذا النظام الذكي الذي يحاكي أسلوبها كنوع من التكريم لها، كما يشار إلى أن هذا النظام الذكي يجيب على الأسئلة ذات الصلة بالدعاوى الجنائية والتشريعية وتقديم استشارات قانونية عبر دردشة إلكترونية أصبحت متاحة بالفعل من أي مكان في العالم إلا أنها مدعومة فقط باللغة الإنجليزية1.

لقد أضحى الذكاء الاصطناعي، بعد أن كان مجرد وحيا من الخيال في الأفلام الأمريكية كفيلم (The Matrix)، واقعا عمليا يكتسح حياتنا اليومية ويظهر ذلك جليا في البرامج المتناولة في أيدينا مثل (ChatGPT) و(Co-Pilot) وغيرهما، ولم يقتصر الأمر على مجرد تزويدنا ببعض المعلومات من قبل هذه التقنية إنما وصل الأمر إلى حد تبادل الحديث معه وسرد كل ما يجول بخواطرنا له، على الرغم من عدم انكارنا لما يتسم به من القدرة الهائلة على مساعدتنا في كل ما نحتاجه من معلومات وبيانات بطريقة جذابة ومحببة، إلا أننا لا نستطيع الجزم بمخاطره، حيث إنه لا بد من أن هناك عنصرا بشريا يقبع خلف الشاشة ويحرك ذلك النظام الخالي من المشاعر، وقد يكون هذا العنصر البشري مطلع تماما على كل ما أخرجناه من جعبتنا من أسرار وموضوعات لا ينبغي البوح له بها؛ لذلك فإن السؤال المثار الآن هو: هل وعود الشركات المصنعة لتلك الأنظمة الذكية بشأن الأمان جديرة بالتصديق، أم أن الأمر لا يعدو عن كونه مجرد عبارات تسويقية، أم أن هناك بالفعل ضمانات يمكن الوثوق بها لحماية بياناتنا ومعلوماتنا الشخصية؟

ولذلك ماذا لو أدخلنا الذكاء الاصطناعي بشأن العدالة التنبؤية في محاكمنا بعد أن تكشف الأنظمة الذكية على مستندات الدعوى وبيانات أطرافها ونوع الدعاوى وما تحتويه مذكراتهم من دفوع وبيانات؟ وحتى أجيب عن هذا التساؤل يتطلب منا أولا أن نتعرف على مفهوم نظام "العدالة التنبؤية" وأهميته وأبرز المخاطر التي قد تنجم عن استخدامه استخداما خاطئا؛ لذلك سأتناول في هذا المبحث تعريف العدالة التنبؤية وأهميتها في تطوير الأنظمة القضائية وأبرز مخاطرها وذلك في المطلب الأول، وأما في المطلب الثاني سوف أسلط الضوء على دور الذكاء الاصطناعي في تحليل مستندات الدعاوى وتوقع الأحكام القضائية، وفي المطلب الثالث سأتطرق إلى الحديث عن الأسس القانونية والأخلاقية التي تحكم استخدام الذكاء الاصطناعي في القضاء.

المطلب الأول

تعريف العدالة التنبؤية وأهميتها في تطوير الأنظمة القضائية وأبرز مخاطرها

لقد أدخلت بعض الدول في محاكمها نظام العدالة التنبؤية (Predictive Justice) كما سنقرأ في هذه الدراسة، ويرمي إدخال هذا النظام الذكي إلى المساعدة في صياغة وإصدار الأحكام القضائية بجودة عالية. بل يعد هذا النظام عنصرا جوهريا في المحاكم المتطورة نظرا لما يحمله من مميزات تساعد القضاة على تطوير أحكامهم بما يتسق مع توجهات كل دولة نحو تحقيق العدالة الناجزة، ومما لا شك فيه أن القضاة بحسب القوانين والأنظمة يعتمدون على أدوات تقليدية عند نظرهم للدعاوى مثل: الخبرة العملية، وحصيلة معلوماته القانونية المتكونة لديهم عبر سنوات من العمل القضائي، وكذلك الأحكام السابقة التي أصدروها لتوقع نتائج الأحكام التي ينظرون فيها. لذلك يوفر الذكاء الاصطناعي منهجا ونظاما أكثر حداثة ويتميز بالدقة والقدرة على قراءة مستندات الدعوى وتحليلها وتحليل كافة الأحكام والسوابق القضائية بسرعة هائلة؛ مما يعزز عملية التنبؤ بنتيجة الحكم القضائي، وهذا ما يعرف بـــ "العدالة التنبؤية" 2.

وتعرف العدالة التنبؤية بأنها: "عبارة عن خوارزميات ذكاء اصطناعي تقوم بتحليل البيانات وتستخلص نماذج تصف بشكل دقيق فئات وتصنيفات البيانات المهمة، وتعتمد هذه الخوارزميات في تنبؤاتها على بيانات سابقة يتم استخدامها للقيام بالتنبؤ"3.

ويتم إنشاء خوارزميات في نظام الذكاء الاصطناعي للتحقق من القرار والحكم القضائي، وتقوم هذه الخوارزميات على تحليل ومعالجة كميات هائلة من المعلومات والبيانات المستندة إلى السوابق القضائية أو الأحكام السابقة وذلك للتنبؤ بنتيجة الأحكام التي قد تصدر في الدعاوى الحالية، فهذه الأنظمة الذكية تكشف عن الأنماط والاتجاهات التي قد تؤثر مستقبلا على مسار الدعاوى القادمة4، ويمكنني تعريف "العدالة التنبؤية" بأنها: استخدام الذكاء الاصطناعي والخوارزميات لتحليل البيانات والأحكام القضائية السابقة واستنباط أنماط تساعد القاضي البشري في اتخاذ قرارات وإصدار أحكام مستقبلية أكثر دقة وجودة.

ويتضح مما سبق أن العدالة التنبؤية تعتمد على تحليل معمق للسوابق القضائية بواسطة الخوارزميات على نطاق واسع. ويهدف هذا النهج إلى تقدير احتمالات نتائج الدعاوى الحالية؛ مما يحد من عدم اليقين المرتبط بالأحكام القضائية، وربما يسهم في تفادي إصدار الحكم نفسه أو منعه5، ومما لا شك فيه أن إدخال أنظمة الذكاء الاصطناعي بصورتها العامة من ضمن مؤشرات تطوير أنظمة العدالة والجهاز القضائي، فعلى الصعيد المحلي؛ فإن المجلس الأعلى للقضاء قد أعد خطة المبادرة الوطنية لتطوير أنظمة العدالة، ويعد التقاضي الإلكتروني من أبرز ما تضمنتها المبادرة؛ فتم تطبيق النظام رسميا بحيث يتم إيداع جميع المذكرات والطلبات إلكترونيا، ويعتمد النظام الإلكتروني في التقاضي بالمجلس على نظام "المحاكم" الإلكتروني، ويتم استخدام النظام لتسجيل الدعاوى وتقديم المذكرات والطلبات وتسجيل بيانات الخصوم وكذلك يتم مراجعة تلك المستندات وملف الدعوى من قبل القاضي بشكل كامل من خلال منصة "القاضي" الإلكترونية وتصدر الأحكام إلكترونيا6، وأضف إلى ذلك سعي المجلس الأعلى للقضاء نحو تطبيق بعض أنظمة الذكاء الاصطناعي، وسيتم ربطها في نظام "المحاكم" الإلكتروني، والذي سأشير إليها تفصيلا في هذه الدراسة.

وكما ذكرت سابقا؛ فإن العدالة التنبؤية قائمة على تحليل البيانات الضخمة للسوابق القضائية وموضوعات الدعاوى السابقة ذات الشبه بالدعاوى المنظورة؛ لذلك فهي معتمدة كليا على خوارزميات الذكاء الاصطناعي، وعليه؛ فإن العدالة التنبؤية تحمل بين طياتها عددا من المزايا والمخاطر جراء الاعتماد على هذا النظام الذكي، ولذلك فقد اتجهت بعض الدول في محاكمها إلى تطوير دور المحاكم وخلق بيئة قضائية أكثر حداثة وذكاء بهدف تحقيق العدالة الناجزة أو كما يسمى بـــ "ديمقراطية العدالة" فالتركيز في عصرنا الحالي ليس على التقاضي الإلكتروني إنما على ما يسمى بــ "القاضي الذكي" (Judge AI)، واستفادة القضاة والمحامين وأطراف الدعوى من المميزات التي توفرها أنظمة العدالة التنبؤية7، وعليه فإن العدالة التنبؤية تتميز بالتالي:

  • تحسين كفاءة المحاكم وتعزيز (لوجستيات التقاضي):

يساعد نظام العدالة التنبؤية في تحقيق ما يسمى بـ "لوجستيات التقاضي"؛ أي توفير الوقت والجهد والتكاليف وتبسيط إجراءات التقاضي، حيث إن هذا النظام يقضي على بطء الإجراءات كونه يساعد على تسريع وتيرة الإجراءات من خلال تقنياته، وكذلك الحال بشأن توفير الوقت حيث إنه بفضل تحليله لبيانات الأحكام السابقة، سيوفر الوقت والجهد على القاضي اللازمين لدراسة ومراجعة مستندات الدعاوى بصورة كبيرة، الأمر الذي يستتبع معه سرعة الفصل في الدعاوى والتخلص من تراكم الملفات عن القاضي، وسيتم الفصل في الدعاوى بسرعة وبجودة أفضل، مع تقليل الأخطاء البشرية والمادية التي من الطبيعي أن تقع من القاضي البشري، وكذلك من ضمن مزاياه التخفيف من التكاليف المادية الناتجة عن رفع الدعاوى بحيث إن هذا النظام الذكي يمكن استخدامه من قبل الخصوم لتوقع نتائج قضاياهم دون الحاجة إلى توكيل محام؛ فيتوقع النظام مدى ربح الدعوى من عدمه والتأكد من عدم وجود نواقص في المستندات وغيرها.

  • تحليل النصوص القانونية:

العدالة التنبؤية تستخدم خوارزميات تعالج اللغة الطبيعية، وبالتالي يتم تحليل آلاف الوثائق والمستندات في وقت وجيز؛ مما يسهل على القاضي البحث والتأصيل واتخاذ القرارات وإصدار الأحكام المناسبة والمستندة إلى الأدلة. لا سيما وأن هذا النظام الذكي يقوم بتصنيف الدعاوى بناء على نوعها، مثل الدعاوى المدنية، أو الجنائية، أو التجارية، أو الأسرة ... إلخ؛ مما ييسر على القاضي البحث القانوني بشأن تلك الدعاوى واستخراج المبادئ القانونية كمبادئ محكمة التمييز المتصلة بموضوع الدعوى؛ حتى يتمكن القاضي من إدراجها في حكمه مع استخراج النصوص القانونية ذات الصلة.

  • الكشف عن التحيز:

فمن خلال تحليلات خوارزميات أنظمة العدالة التنبؤية يتم استخراج الأحكام السابقة والكشف عن الأنماط المتكررة من التحيز ضد فئات معينة من البشر بحسب العرق، أو الجنس، أو اللون، أو الديانة، وكذلك تكشف عن الفروقات في العقوبات بين تلك الفئات. كما يبين هذا النظام الذكي مدى وجود اتجاهات غير عادلة يتخذها بعض القضاة عند إصدار أحكامهم، الأمر الذي يستتبع معه تقديم توصيات لتحسين العدالة دون تمييز بين أفراد المجتمع وتحقيق العدالة والإنصاف.8

  • تحديد قيمة التعويض في الدعاوى المدنية والإدارية:

يعتبر نظام العدالة التنبؤية وسيلة فعالة نحو تحديد قيمة التعويض عن الأضرار التي تقع على المضرور، حيث إن هذا النظام الذكي يوفر معادلة حسابية دقيقة في تحديد عناصر المسؤولية، ومن ثم تحديد قيمة التعويض بصورة تمكن القاضي من الحكم فيها بدقة.9 مع مقارنة الدعوى الحالية التي يفصل فيها القاضي مع الدعاوى الشبيهة وتحليل مدى الضرر الذي لحق بالمضرور، مثل (الخسائر المادية والمعنوية التي أصابته)؛ فيتم استخدام معايير قانونية ذكية لتحديد التعويض المناسب لضمان العدالة. وفي فرنسا تم إنشاء ما يعرف بـــ (Data Just) وهي خوارزمية تهدف إلى تطوير أساس استرشادي للتعويض عن الإصابات الشخصية، وقد تم توفير هذا النظام للقضاة والمحامين وشركات التأمين والمصابين بإصابات شخصية، من أجل تحديد مبلغ التعويض تشجيعا على إجراء تسوية في هذا النوع من الدعاوى خارج المحكمة.10

  • التنبؤ بنتيجة الحكم القضائي:

لا يقتصر نظام العدالة التنبؤية على تقديم خدماته للقضاة، وإنما أيضا يقدم خدماته للمحامين والخصوم للتنبؤ بنتيجة الحكم أو القرار القضائي، وقد تم تصميم بعض البرامج لتقوم بهذه المهمة مثل: (Case Law Analytics) ويقوم هذا البرنامج بتحليل قواعد بيانات ضخمة من الدعاوى السابقة واستخراج الأنماط من خلال إدخال التفاصيل الرئيسة للدعوى، ومن ثم يقوم البرنامج بتوقع الحكم القضائي، ويمكن لمثل هذه التقنيات أن تساعد المحامي على تطوير وتغيير حججه القانونية المستخدمة في مذكراته وتقديم الاستشارات القانونية لعملائه بدقة وتحسين كفاءة مهنته، وكذلك الحال بالنسبة للخصوم كون أن هذه التقنيات تساعدهم على معرفة الحكم المتوقع بعد إدخال البيانات والمستندات وما بها من دفوع.11

إلا أنه على الرغم من المزايا التي يوفرها نظام العدالة التنبؤية في تحسين كفاءة القضاء؛ إلا أنه يثير بعض المخاطر عند استخدامه استخداما غير آمن، وأوجز تلك المخاطر التي قد تنتج عن الاستخدام الخاطئ للعدالة التنبؤية في المحاكم على النحو التالي:

  • تعزيز التحيز الموجود في البيانات:

هذا النظام الذكي يعتمد بشكل كبير على بيانات الأحكام السابقة والتي قد تحتوي على تحيزات متأصلة ضد أعراق وفئات معينة من البشر؛ مما يؤدي إلى إعادة إصدار أحكام غير عادلة ضد ذات الفئات، فالبيانات المتحيزة تؤدي بطبيعة الحال إلى قرارات وأحكام غير عادلة؛ مما يضعف الثقة بالعدالة التنبؤية، وفي هذا الصدد أثبتت الدراسات المتعلقة بالعدالة التنبؤية الجنائية أن هناك مخاطر للاعتماد على البيانات الملوثة في أنظمة العدالة التنبؤية (Dirty Data) حيث إنه قد تم استخدام بيانات شرطية غير دقيقة في بعض الولايات الأمريكية، مثل: شيكاغو ونيو أورلينز ومقاطعة ماريكوبا وغيرها؛ مما أدى إلى نتائج منحازة أثرت في أحكام القضاء الجنائي، وقد تم الكشف عن تلك الممارسات الشرطية المنحازة من خلال تحقيقات وزارة العدل والأحكام الصادرة عن المحاكم الفيدرالية.12

  • استبدال القاضي البشري:

هذا من أكثر الأمور التي تثير إشكالية في استخدام وتطبيق نظام العدالة التنبؤية لدى بعض المشككين، وهو الاستغناء عن القاضي البشري تماما والاعتماد الكلي على نظام الذكاء الاصطناعي، بحيث يتم تسليم السلطة القضائية بالكامل للروبوتات، أو أن يظهر شكل جديد من المعلومات المعيارية يتحكم في القضاء، وهو تصور مستقبلي سوداوي يجسد غالبا بفكرة (القاضي الآلي) أو (القاضي الذكي)13، ومن وجهة نظري أن هذا الأمر بعيد كل البعد عن تحققه وخاصة في المحاكم العربية حيث إنه لا تزال هناك حاجة إلى التعامل مع القاضي البشري وهي حاجة أزلية وأبدية، وخاصة بأن العدالة التنبؤية قد تخفق في المسائل المتعلقة بالسلطة التقديرية لقاضي الموضوع في الكثير من الدعاوى، وأيضا في المسائل المتصلة باقتناع القاضي الجنائي باعتبار أنه (قاضي وجدان)، فكيف للآلة أن تطمئن إلى أقوال الشهود على سبيل المثال؟!

لذلك أرى أن هذا الافتراض غير منطقي من الناحية العملية.14

  • فقدان استقلالية القضاة:

قد يشعر القضاة بالضغوط نحو الامتثال إلى خوارزميات العدالة التنبؤية عند نظرهم في الدعاوى بدلا من السلطة التقديرية؛ مما قد يؤثر على العدالة الفردية لكل دعوى حتى ولو كان للقاضي الطبيعي رؤية قانونية مختلفة تماما عن رؤية الروبوت، الأمر الذي يستتبع معه التقليل من إمكانية القضاة من تفسيرهم وتحليلهم المستقل بدلا من أن يقوم بتقييم وتحليل الدعوى بناء على اجتهاده وممارسة دوره القانوني؛ فقد يعتمد بشكل كبير على تنبؤات الآلة وعلى النموذج التنبؤي القائم على الخوارزميات؛ مما يقلل من دوره الرئيس، كما يضعف دوره الإنساني في تقييم ظروف كل حالة من الحالات التي تعرض أمامه دون اعتبار إلى القيم الإنسانية والاجتماعية، فتصدر أحكاما لا تعدو عن كونها أحكاما ميكانيكية. لذلك فإن من أسمى المبادئ القضائية هي مبدأ حرية القاضي في تكوين عقيدته ونفاذ القاضي ببصره وبصيرته إلى روح القانون وتطبيق مبادئ العدالة بهدف تحقيق العدالة والإنصاف لمن يضطر إلى اللجوء للمحاكم بغية الحصول على حقه ومجازاة المذنب؛ لذلك هناك ما يخشى من الانتقاص من حرية القاضي في التقدير والتقييم وسلطته التقديرية والارتكان إلى السلطة التقديرية للعدالة التنبؤية.15

  • التركيز على الكم دون الكيف:

من المهم أن أشير بداءة إلى أنه من أهم الأهداف التي ينبني عليها تطوير النظام القضائي هو تحقيق "العدالة الناجزة" والتي ينبغي تطبيقها بما يحقق مصلحة المواطنين والمقيمين؛ إلا أن تطبيقها يجب ألا يخل بجودة الحكم القضائي، وينبغي ألا يكون هناك تركيز مفرط على الكم دونما الكيف؛ فلا يجوز إغراق القضاة في سرعة الفصل في الدعوى دونما الاكتراث بجودة الأحكام بغية تحقيق أقصى عدد من الأحكام التي تم الفصل فيها لتعبئة الإحصاءات الدورية لعمل المحاكم لا أكثر، الأمر الذي يستتبع معه استنزاف طاقة القضاة في كتابة الأحكام دون منحهم الوقت الكافي لفحص المستندات بدقة وصياغة الأحكام بجودة عالية والتريث عند إصدارها في ميعاد معقول؛ درءا من الوقوع في أخطاء فادحة لا تحمد عقباها بحيث تؤدي إلى زعزعة الثقة في القضاء، وبالعودة إلى مخاطر الاعتماد على نظام "العدالة التنبؤية"؛ فإن الاعتماد الكامل عليها قد يؤدي إلى تحويل القضاء إلى منظومة تهتم بالسرعة في الفصل في الدعاوى دون جودتها، حيث إن الهدف الرئيس من تطبيق هذا النظام هو سرعة الفصل من خلال التنبؤ بالأحكام المتوقع إصدارها بناء على الخوارزميات التي دققت في البيانات السابقة للأحكام والسوابق القضائية، وعليه فإن الاعتماد المفرط على تنبؤات هذا النظام ستقضي على مهارات القاضي وكفاءته في تحقيق العدالة.16

  • تجميد السوابق القضائية:

وتعرف السوابق القضائية بأنها: "المبادئ القضائية المستقرة، التي ترسخها الأحكام القضائية، بحيث تكتسب مرجعية في العمل القضائي بالنسبة لمتماثلات الوقائع في الأقضية التي تنظرها المحاكم"17، وقد اختلفت الأنظمة القضائية حول مدى إلزامية الاعتداد بتلك المبادئ أو السوابق القضائية، ففي النظام القضائي القطري؛ فإن الاعتداد بالمبادئ القانونية المستخلصة من أحكام محكمة التمييز غير إلزامي؛ إنما الاستناد عليه من قبل القضاة يكون على سبيل الاسترشاد وذلك وفقا للنهج اللاتيني، وهذه المبادئ تعتبر استرشادية بالنسبة للمحكمة التي أحيلت لها الدعوى بعد تمييز الحكم المطعون فيه18، وبناء على ما تقدم؛ فإنه من أبرز مخاطر تطبيق العدالة التنبؤية تجميد السوابق القضائية؛ مما يؤدي إلى الاعتماد المفرط على الأحكام السابقة دون مراعاة التطورات القانونية والاجتماعية. فعندما تعتمد الخوارزميات على تحليل كميات ضخمة من الأحكام السابقة؛ فإنها قد تؤدي إلى ترسيخ سوابق قضائية قديمة بدلا من إصدار مبادئ وسوابق قضائية جديدة يجتهد بشأنها القضاة.

وهديا بما تقدم؛ فإنه لا يخفى على القارئ أهمية تطبيق نظام "العدالة التنبؤية" في المحاكم بما ينعكس إيجابا على تطوير النظام القضائي وجودة الأحكام القضائية، هذا من جانب، ومن جانب آخر وجدنا كيف أن تطبيق هذا النظام بإفراط قد يؤدي إلى بعض الإشكاليات إذا لم يتم التحكم جيدا في استخدامه، وسأتناول في هذه الدراسة، كيفية تطبيق نظام "العدالة التنبؤية" بما لا يتعارض مع الحقوق الأساسية للإنسان وضمانات القضية العادلة وبما يتوافق مع أحكام القانون القطري، مع أهمية التركيز على الجوانب التي قد تخدم المحاكم القطرية، ومن أبرز الخدمات التي يقدمها نظام "العدالة التنبؤية" هو تحليل مستندات الدعاوى وتوقع الأحكام القضائية، وهذا ما سأتناوله بالتفصيل في المطلب التالي:

المطلب الثاني

دور الذكاء الاصطناعي في تحليل مستندات الدعاوى وتوقع الأحكام القضائية

مما لا شك فيه أن الذكاء الاصطناعي له دور فعال في تيسير العملية القضائية والسيطرة على بطء إجراءات التقاضي؛ لما تتسم به خوارزمياته بالسرعة والدقة وجمع المعلومات ومعالجتها بصورة هائلة، قد تصل فيه نسبة الخطأ إلى صفر مقارنة مع العنصر البشري، حيث إن عمل الذكاء الاصطناعي قائم على التعلم الآلي ومحاكاة العقل البشري. كما يساهم الذكاء الاصطناعي في تحسين سرعة ودقة القرارات والأحكام القضائية التي يصدرها القضاة وخاصة في الدعاوى التي تعتمد على تحليل البيانات والقرائن القانونية، وعليه يمكن للذكاء الاصطناعي دعم القضاة من خلال تقديم تحليلات خوارزمية مستندة إلى الأحكام السابقة والمبادئ القانونية، واقتراح الأحكام بناء على أنماط قانونية معينة، وعلى الجانب الإداري للمحاكم؛ فإن هذا النظام الذكي يقدم حلولا بشأن أتمتة العمليات الإدارية للمحاكم، وتصنيف ملفات الدعاوى، وتسجيل الدعاوى، والرد على أسئلة الجمهور (Chatbots)19؛ مما يسهم في إيجاد محاكم بلا ورق، وكذلك استغلال العنصر البشري في المهام الصعبة، وتخفيف الزحام في أقسام التسجيل بالمحاكم.

لقد اتجهت بعض المحاكم إلى تطبيق أنظمة الذكاء الاصطناعي والعدالة التنبؤية، منها دولة إستونيا حيث تم استخدام "قاض آلي" للفصل في الدعاوى المتراكمة والدعاوى صغيرة القيمة التي تقل قيمتها عن مبلغ (7000 يورو)، حيث إن تلك الدعاوى لا تتطلب إعمال السلطة التقديرية بحسب ما قرره البروفيسور/ مايكل ليج، وأما كندا؛ فقد تم تطبيق الذكاء الاصطناعي للفصل في منازعات الملكية، بينما كولومبيا البريطانية؛ فقد أدخلت ما يسمى بـ "نظام الخبراء" كشكل من أشكال الذكاء الاصطناعي.20؛ إلا أن جمهورية الصين الشعبية من أوائل الدول التي أدخلت أنظمة الذكاء الاصطناعي في محاكمها، وقد تم الفصل في ملايين الدعاوى من خلال ما يعرف بـ "محاكم الإنترنت" والتي لا تشترط الحضور الشخصي في مقر المحاكم، وتضم هذه المحكمة قضاة آليين مدعومين بالذكاء الاصطناعي، وتختص هذه المحكمة الإلكترونية في الفصل في: منازعات التجارة الإلكترونية، والمنازعات المالية، والملكية الفكرية، وبعض المنازعات الإدارية، ومسؤولية المنتج الناشئة عن المشتريات عبر المواقع الإلكترونية، حيث يتم تسجيل الدعاوى من خلال النظام الذكي المخصص لهذا الأمر مع عقد جلسات المحاكمة (جلسة الاستماع) رقميا21. ولذلك فإن الصين من أنجح الدول التي أحدثت ثورة تكنولوجية في كافة الجوانب لا سيما في القضاء، ومن باب إيمانها المطلق بمبدأ الشفافية؛ فقد نشرت محاكمها ملايين الأحكام عبر الإنترنت لتعزيز هذا المبدأ، كما تم إدخال أنظمة الذكاء الاصطناعي في محاكم الصين لتبسيط اجراءات التقاضي لتحقيق ما يعرف بـــ "الوصول إلى العدالة (Access to Justice)" واستغلال هذه التكنولوجيا الحديثة لترسيخ مكانتها في ريادة وتطبيق الذكاء الاصطناعي مع إيجاد قضاء عادل ومتطور.22

ومن المعلوم أن القاضي بحكم عمله يتطلب منه قراءة العديد من المستندات والملفات ودراسة ما بها من دفوع وأدلة للوصول إلى الحكم السديد بشأنها لضمان تحقيق العدالة23، وكذلك الحال بالنسبة للقضاء الجنائي، فيتطلب من القاضي مراجعة التحقيقات الواردة من الشرطة والنيابة العامة وأقوال الشهود وغيرها من الأدلة الجنائية؛ مما يستغرق جهدا ووقتا طويلين، وعليه يوفر الذكاء الاصطناعي خدمة مراجعة المستندات وملفات الدعاوى بسرعة فائقة مقارنة بالعنصر البشري عند المراجعة التقليدية، وقد تكون نسبة الأخطاء قليلة عندما يتم استخدام النظام الذكي.24

ونظرا لما تشهده أنظمة الذكاء الاصطناعي من تطوير؛ فقد أثرت تأثيرا إيجابيا على تيسير الأعمال اليومية والإدارية والاقتصادية وتغيير أسلوب حياة الفرد والجماعة، ولم تكن الوظائف والمهن القانونية بمنأى عن تطبيق هذه الأنظمة الذكية، وقد تم دمجها مع العمل القانوني والقضائي لدعم القضاة والمحامين والمتخصصين في مجالات القانون والعقود والبحوث والدراسات القانونية، وعلى الرغم من المزايا التي تقدمها تلك الأنظمة؛ إلا أنه من الضروري استخدامها استخداما آمنا ووضع المبادئ والأطر القانونية التي تحكم عملية إدخال وتطبيق أنظمة الذكاء الاصطناعي بما فيها العدالة التنبؤية، مع الوضع بعين الاعتبار القضايا القانونية والأخلاقية الناتجة عن تطبيقها مثل: الدقة والأمن والثقة والشفافية والمساءلة والعدالة والتمييز العنصري والتحيز وحماية خصوصية المستخدم25.

ويشار إلى أن هناك العديد من البرمجيات متنوعة المهام، فعلى صعيد البحث القانوني؛ فإن برنامج (e-discovery) يقوم على مسح عدد كبير من الوثائق وتحديد ما يتوافق منها مع معايير البحث، وهو أول تطبيق مدعوم بالذكاء الاصطناعي لإجراء البحوث القانونية، واستخراج السوابق القضائية، وأحكام القانون، والمقالات القانونية ذات الصلة بسرعة هائلة وبدقة عالية مقارنة بجهود الفرق القانونية البشرية، وهذا يساعد القانونيين والمحامين في بناء حجج قانونية مقنعة في مذكرات دفاعهم ويبقيهم على اطلاع دائم على التطورات القانونية، ويشار إلى أن أدوات الذكاء الاصطناعي - كما ذكر العديد من المحامين المستخدمين لهذا البرنامج وأدوات الأنظمة الذكية المتنوعة - أنه قد تم التغلب على ما يسمى بـ "مشكلة الصفحة البيضاء“ أثناء صياغتهم لمذكراتهم، حيث إن تلك الأدوات تتيح لهم تبادل الأفكار وتحسين الصياغة من خلال إدخال السؤال في النظام المخصص؛ فيجيب نظام الذكاء الاصطناعي خلال ثوان؛ مما يستتبع معه تطوير عمل المحامين.26

ويعالج النظام الذكي الذي يطلق عليه (NLP) اللغة الطبيعية، ويساعد على تحديد مدى ارتباط المستندات بالمعلومات المطلوبة من قبل المستفيد كقاض أو محام أو أي شخص مستفيد؛ فيجيب على الأسئلة القانونية البسيطة ويسترجع الأحكام القضائية بسرعة هائلة27؛ فلذلك تمكن أدوات الذكاء الاصطناعي من العمل على تحليل مستندات ووثائق الدعاوى القضائية للتنبؤ بنتائج الأحكام القضائية كخدمة متطورة للقضاة والمحامين وموكليهم، مع إمكانية استفادة المحامين من هذه الأدوات الذكية القائمة على أتمتة المهام المتكررة لتحسين الخدمات القانونية التي يتم تقديمها في مكاتبهم28. وكذلك الحال بالنسبة للبرنامج الذكي (Ross Intelligence) وهو عبارة عن محرك أبحاث قانوني يستخدم الذكاء الاصطناعي لأتمتة العمليات القانونية؛ مما يجعلها أكثر كفاءة وأقل تكلفة، وهذا المحرك يعالج اللغة الطبيعية للبحث وتوفير المعلومات القانونية من الاستشهادات إلى الملخصات القانونية الكاملة29.

ولعل ما يميز أدوات الذكاء الاصطناعي عن غيرها من البرامج الإلكترونية هو التعلم الآلي - أي محاكاة العقل البشري-، ولذلك يقول دان براون بأن: "الشيء الذي سيجعل الذكاء الاصطناعي قويا للغاية هو قدرته على التعلم، والطريقة التي يتعلم بها الذكاء الاصطناعي هي النظر إلى الثقافة الإنسانية". ناهيك عن قدرتها الهائلة على تحليل البيانات الضخمة في كل قطاع لا سيما القضاء، ولذلك يشار إلى أن الباحث/ دانيال مارتن كانز قد استكشف تطبيق ذكي قائم على التعلم الآلي فيتوقع قرارات المحكمة العليا بالولايات المتحدة الأمريكية، وقد استخدم مصنف يعرف بـ (مصنف الغابة العشوائية Random Forest) لتحليل البيانات الضخمة لقرارات المحكمة العليا واستيعاب الأنماط المعقدة في عملية صنع القرار القضائي وإصدار الأحكام القضائية، مع معالجة اللغة الطبيعية، وتصنيف الدعاوى باستخدام تقنية (NLP)، وقد قام عدد من المختصين باستخدام تقنيات ذكية لتحليل لغة أوصاف الدعاوى الصادرة عن المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان؛ مما أبرز التطبيقات المحتملة لهذه التقنيات الذكية في التنبؤ بالأحكام القضائية، وعلى الرغم من أن هذه الدراسات والبحوث لم تركز تحديدا على القانون الأمريكي؛ إلا أنها أثرت في مناهج مماثلة ضمن السياق القانوني في الولايات المتحدة.30

أما تقنية (Premonition) فهي مختصة أيضا بالتنبؤ بنتيجة الحكم القضائي؛ فتقوم بتحليل بيانات الأحكام القضائية السابقة لتصور الحكم القضائي القادم، وتقوم نتيجة التنبؤ بالحكم على عدد من العوامل منها: القاضي المنظورة أمامه الدعوى، والاختصاص القضائي للدائرة، والتمثيل القانوني، وتساعد هذه التقنية الذكية المحامين وموكليهم في تقييم جدوى الدعاوى المزمع رفعها أمام القضاء.31

ويذكر بأنه قد تم إدخال أدوات العدالة التنبؤية إلزاميا في بعض الولايات الأمريكية لتقييم المخاطر، حيث تكشف التقنيات المستخدمة في العدالة التنبؤية نية الجاني في العودة مجددا إلى ارتكاب جريمة ما، وذلك من خلال إلزامه بالإجابة عن 137 سؤالا يتم توجيهه إليه وبموجب إجاباته ووضعه الاجتماعي وبياناته الشخصية يتم التنبؤ حول مدى إمكانية إقدامه مستقبلا على ممارسة الجرائم من عدمها، ويتم تقديم هذه التحليلات إلى قاضي المحكمة الجنائية.32

وتنطلق أهمية إدخال الذكاء الاصطناعي في تحليل المستندات القانونية والقضائية إلى النقاط الرئيسة التالية33:

  • رفع مستوى الكفاءة من خلال أتمتة المهام القانونية الروتينية، مثل: مراجعة مستوى كفاءة الجهة المعنية بإنفاذ القانون، كمراجعة مستندات الدعاوى، والمستندات القانونية، ومراجعة العقود؛ مما يوفر الوقت والجهد على المختص لممارسة المهام الأكثر تعقيدا، الأمر الذي يستتبع معه تعزيز جودة العمل القانوني والقضائي.
  • إن الخوارزميات المستخدمة في الذكاء الاصطناعي لها القدرة على تحليل بيانات ضخمة من الأحكام والعقود وكافة البيانات القانونية بسرعة تفوق قدرة البشر مع قلة الأخطاء المادية؛ مما يعزز من الهدف الأسمى للعمل القضائي والقانوني، وهو الجودة.
  • توفير الجهد والوقت على القاضي، ويزيد من إمكانية تفرغه للتأصيل والتفسير القانوني بفضل الأدوات الذكية المستخدمة في البحث القانوني فيمكن استغلال تلك الأدوات للوصول إلى السوابق القضائية والأحكام ذات الصلة بالدعوى محل النظر.
  • تساعد أنظمة الذكاء الاصطناعي القضاة على اتخاذ قرارات أكثر دقة بفضل الأدوات المستخدمة فيها، وتساعد المحامين في مسائل تقييم احتمالات ربح الدعوى من عدمها، بفضل معالجة البيانات وتحليلها.
  • توفر أدوات الذكاء الاصطناعي تحليلات قائمة على البيانات؛ مما يقلل من تأثير التحيزات البشرية في الدعاوى ويضمن الموضوعية وتقليل التحيز.

وتنطلق أهمية إدخال الذكاء الاصطناعي في توقع نتائج الأحكام القضائية بالنسبة للقضاة والمحامين والخصوم على النحو التالي:

أولا: بالنسبة للسادة القضاة:

دعم اتخاذ القاضي للقرار المناسب بشأن الدعوى المنظورة أمامه من خلال تحليل بيانات الأحكام السابقة واقتراح الحكم الملائم والمتوافق مع التشريعات ذات الصلة بالدعوى، مع الإشارة إلى أن هذا النظام يوفر الوقت والجهد على القاضي فيما يتعلق بالدعاوى المتكررة. فيمكن للنظام الذكي أن يعاون القاضي في مراجعة وتحليل الدعاوى المتكررة، على سبيل المثال: دعاوى الأسرة (الفسخ أو إثبات الطلاق …إلخ) وتوقع أو اقتراح الحكم الملائم لها؛ مما يمنح القاضي الفرصة للتركيز في المسائل المعقدة في الدعاوى الأخرى. مع الإشارة إلى أن تطبيق نظام العدالة التنبؤية يؤدي إلى منع التحيز، وذلك من خلال استخدام نماذج موحدة لتقليل التأثر بالعوامل الانفعالية والشخصية.

ثانيا: بالنسبة للمحامين:

يتيح نظام العدالة التنبؤية الفرصة للمحامين لمعرفة مدى كسب الدعوى من عدمه بناء على معالجة بيانات الدعاوى القضائية السابقة وتحليلها، الأمر الذي يستتبع معه معرفة المحامي بالتوجه القضائي المحتمل بشأن الدعوى محل النظر، وكذلك يتيح هذا النظام تطوير الحجج القانونية في مذكرات الدفاع بفضل الخدمات التي يقدمها نظام العدالة التنبؤية.

ثالثا: بالنسبة للخصوم:

إن هذا النظام الذكي يتيح للخصوم فهم احتمالات نتائج الأحكام القضائية وكذلك يمكن الخصوم من دعم قرارهم بشأن اللجوء إلى وسائل فض المنازعات البديلة بدلا عن إجراءات المحاكم طويلة المدى، وكذلك يساهم توقع النتيجة المحتملة في تقليل التوتر والغموض المحيط بمسار الإجراءات القضائية.

وأضع بين يدي القارئ بعض البرامج التقنية الذكية الأخرى التي يمكن تطبيقها في الأنظمة القضائية والأعمال القانونية:

م

البرنامج/ التقنية المستخدمة

نطاق التطبيق

الموقع الإلكتروني

1

COMPAS

تحليل البيانات الشخصية للمتهم للوقوف على مدى إمكانية تكراره لارتكاب جرائم أخرى من عدمه قبل إصدار الحكم أو الإفراج المشروط.

https://www.equivant.com/compas/

2

ROSS Intelligence

إعداد بحوث قانونية ذكية تعتمد على أنظمة الذكاء الاصطناعي، كما تستخدم في معالجة اللغة الطبيعية لتحليل المستندات وتوفير الأحكام القضائية السابقة ذات الصلة بالدعوى المنظورة في المحكمة بسرعة ودقة.

https://blog.rossintelligence.com

3

LexisNexis AI Tools

تحليل بيانات الدعاوى وتوقع الأحكام التي سيصدرها القاضي.

https://www.lexisnexis.com/en-us/gateway.page

4

Premonition Analytics

تحليل أداء القضاة والمحامين.

https://premonition.ai

5

Legal Robot

تحليل المستندات القانونية والعقود بلغة بسيطة ومفهومة للمستخدم.

https://legalrobot.com

6

Kira Systems

تحليل العقود واكتشاف الثغرات والمشكلات الناتجة عن تنفيذ بنود العقد، كما يقوم البرنامج بمراجعة العقود بسرعة وبجودة عالية.

https://www.litera.com/products/kira

7

Lex Machina

توفر التحليلات القانونية اللازمة التي تسهم في استكشاف أنماط الأحكام القضائية لمعرفة اتجاهاتها، وتعزز اتخاذ قرارات استراتيجية في القضاء.

https://www.lexisnexis.com/en-us/products/lex-machina.page

8

HART (Harm Assessment Risk Tool)

UK34

يتم استخدام هذه الخوارزمية من قبل الشرطة البريطانية لتقييم مدى إمكانية تكرار المتهم لارتكاب الجريمة، وتحليل البيانات التاريخية للمتهمين؛ لتصنيفهم بناء على درجات: (منخفض، متوسط، عالي الخطورة).

https://www.cam.ac.uk/research/features/helping-police-make-custody-decisions-using-artificial-intelligence

وهديا بما تقدم؛ فإن تلك البرامج والخوارزميات متعددة ويتم تطويرها بصورة مستمرة؛ لذلك فإن هذه الأنظمة من أفضل الأدوات التي أحدثت طفرة نوعية في تطوير الأنظمة القضائية؛ لا سيما نظام "العدالة التنبؤية" الذي يقوم بإجراء تحليلات دقيقة لبيانات ضخمة من الأحكام القضائية السابقة لاستخلاص الأنماط والعوامل المؤثرة في مجريات الدعاوى القضائية؛ سواء من خلال دراسة السوابق القضائية، أم تحليل سلوك القضاة، أم الظروف المحيطة بالدعوى، وكذلك استرجاع القوانين والتشريعات المنطبقة على الدعوى المنظورة، وكذلك يمكن توظيف أنظمة الذكاء الاصطناعي في مراجعة مستندات الدعاوى وتقديم ملخصات مستندة إلى تصنيف الدعاوى وموضوعاتها وربط الدعاوى المتشابهة واستنباط الأحكام السابقة ذات الصلة، وعلاوة على ذلك، تعزز هذه الأنظمة من مستوى الشفافية والحيادية داخل المنظومة القضائية، عبر الحد من التأثيرات الذاتية غير الموضوعية، وتوفير رؤى معمقة قائمة على البيانات والخوارزميات التحليلية، ولذلك أرى أن إعمال تطبيق أنظمة الذكاء الاصطناعي في المحاكم القطرية يجب أن يخضع إلى إنشاء خوارزميات دقيقة تراعي طبيعة النظام القضائي القطري وأحكام القانون والهوية الوطنية، ويجب تصميمها وفقا لمعايير قانونية صارمة تضمن احترام مبادئ القضية العادلة والحقوق الأساسية للإنسان وأحكام الدستور، وحماية خصوصية الأفراد، وضمان الشفافية في إصدار الأحكام.

وتشمل هذه الأسس ضرورة خضوع خوارزميات الذكاء الاصطناعي للرقابة والتدقيق القانوني المستمر من قبل المختصين، ومراعاة عدم التمييز بين أفراد المجتمع، وضمان حق أطراف الدعوى في معرفة كيفية الوصول إلى نتيجة الحكم القضائي الذي اتجه إليه نظام العدالة التنبؤية، ولكن يجب أن يخضع هذا الأمر إلى إشراف ورقابة القاضي البشري؛ حتى لا يستبدل الحكم القضائي الإنساني بمنظومة رقمية تفتقر إلى البعد القيمي والإنساني، ولا يخفى على القارئ بأنه مع استمرار تطور أنظمة الذكاء الاصطناعي، لا بد من مسايرة ذلك التطوير بما يخدم القضاء، حيث إن الذكاء الاصطناعي سيصبح شريكا محوريا في دعم الأنظمة القضائية، ومن الضروري أن يتم تطبيق أسس وأطر قانونية وأخلاقية لإدخال أنظمة الذكاء الاصطناعي في المحاكم وهذا ما سأتناوله في المطلب التالي:

المطلب الثالث

الأسس القانونية والأخلاقية التي تحكم استخدام الذكاء الاصطناعي في القضاء

إن أنظمة الذكاء الاصطناعي قائمة على التعلم الآلي؛ أي محاكاة العقل البشري؛ إلا أن بعض أدواتها قد أثارت جدلا حول قدرتها الحقيقية على التعلم وإمكانيتها حول التفكير الإنساني ومعرفة الثقافة الإنسانية والإدراك الحسي والتخطيط كما هو الحال بالنسبة للعنصر البشري؛ لذلك فمن الضروري أن يتم إنشاء تقنياتها بطرق آمنة حتى لا تقع في أخطاء فادحة لا تحمد عقباها. 35 خاصة لو أدخلت تلك الأنظمة في مجال القضاء وإنفاذ القانون؛ إذ لا بد من توخي الحذر أثناء إنشاء تلك الخوارزميات تحت إشراف المتخصصين ورقابة القضاة فيما يتعلق بإصدار الأحكام الرقمية، حيث إن تلك الأنظمة الذكية قد تكون مساعدا أو معاونا للقاضي، وقد تكون بديلا عنه في بعض الحالات. ويذكر أنه قد تم إنشاء بعض البرامج التقنية المدعومة بالذكاء الاصطناعي لتحل محل القاضي في حساب مبالغ التعويض كبرنامج (Dalloz) واستخراج السوابق القضائية المتوافقة مع الدعوى المعروضة على القاضي، بالإضافة إلى تقييم فرص قبول الطلبات المحددة في الدعوى، وتقدير متوسط المدة المتوقعة التي سيتم فيها إصدار الحكم القضائي بحسب إجراءات التقاضي المقررة بموجب القانون.36

وقد يؤدي الاعتماد المفرط على أنظمة الذكاء الاصطناعي في المحاكم إلى التأثير السلبي على حقوق الإنسان الأساسية ومبادئ القضية العادلة واستقلالية القضاء والشفافية؛ مما قد يؤدي إلى زعزعة ثقة أفراد المجتمع بالمحاكم إذا ما روعيت تلك الأسس والضوابط الأخلاقية، وقد يحول القضاء إلى منظومة قضائية مفتقرة للبعد الإنساني وخالية من الاجتهاد والسلطة التقديرية وإعمال مبادئ العدالة التي يمتلكها القاضي؛ لذلك وحتى لا يفوت المحاكم في أنحاء العالم ما تشهده التكنولوجيا من تطوير هائل يساعد بلا شك في تطوير منظومتها القضائية وتحقيق العدالة الناجزة التي تنشدها كافة الدول المتحضرة. فقد سارعت اللجنة الأوروبية للعدالة الناجزة بإصدار الميثاق الأخلاقي الأوروبي بشأن استخدام الذكاء الاصطناعي في النظم القضائية وبيئتها (CEPEJ) (European Commission for the Efficiency of Justice). والذي يهدف إلى تعزيز كفاءة العدالة وجودتها من خلال تطبيق أنظمة الذكاء الاصطناعي في الدعاوى المدنية والتجارية والإدارية، ويسعى الميثاق إلى معالجة الأحكام القضائية من خلال إدخال أنظمة الذكاء الاصطناعي ووفقا لتنظيم مطورو هذه الأنظمة؛ مما قد يسهم في تحسين صنع القرار بما يتفق مع أحكام القانون، ويوصي الميثاق بضرورة التزام الدول الأوروبية بما جاء فيه من مبادئ وأطر تحكم استخدام هذه الأنظمة في تلك الدعاوى، وأما في الدعاوى الجنائية فيجب أخذ الحيطة والحذر أثناء استخدامها وبأقصى درجات التحفظ لتجنب الوقوع في فخ التمييز العنصري والتحيز بناء على بيانات شخصية حساسة، وأيضا يجب مراعاة ضمانات القضية العادلة.37

وقد تضمن الميثاق الأخلاقي الأوروبي بشأن استخدام الذكاء الاصطناعي في النظم القضائية وبيئتها عدة مبادئ وسأتطرق لها على النحو التالي:

أولا: مبدأ احترام الحقوق الأساسية (Principle of Respect for Fundamental Rights): ضرورة التأكد من ضمان توافق تصميم وتنفيذ أدوات وخدمات الذكاء الاصطناعي مع الحقوق الأساسية للإنسان، مع الحفاظ على مبدأ استقلال السلطة القضائية وضمان عدم التأثير على الأحكام القضائية الصادرة عن القضاة بشأن الدعاوى المعروضة عليهم. ويؤكد هذا المبدأ على ضرورة توافق تقنيات الذكاء الاصطناعي مع الحقوق الأساسية للإنسان، ووجوب توظيفها في معالجة البيانات والقرارات القضائية لأغراض محددة وواضحة، مع الالتزام التام بما تنص عليه الاتفاقية الأوروبية لحقوق الإنسان، واتفاقية حماية الأفراد فيما يتعلق بالمعالجة الآلية للبيانات الشخصية (الاتفاقية رقمETS 108) بصيغتها المعدلة بالبروتوكول (CETS) رقم (223). وبناء عليه، ينبغي ألا يمس استخدام هذه التقنيات الحديثة بحق التقاضي العادل أو الوصول إلى القاضي الطبيعي، كما يجب ألا يخل بمبدأ سيادة القانون أو باستقلال السلطة القضائية في إصدار الأحكام ويستحسن اعتماد نماذج تصميم أخلاقية تدمج الاعتبارات الحقوقية منذ المراحل الأولى للتطوير والتعلم، وعليه يتطلب الأمر ألا يؤثر استخدام أنظمة الذكاء الاصطناعي على الحق في الحصول على محاكمة عادلة والوصول إلى القاضي الطبيعي.38 وتجدر الإشارة إلى ما نصت عليه المادة الثامنة من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، والتي قررت حق اللجوء إلى المحاكم الوطنية المختصة للمطالبة بحقوقه الأساسية المكفولة بموجب القانون أو الدستور في حال وقوع الاعتداء عليها. ونجد بأن لهذه الحقوق صدى واضحا في الدستور الدائم لدولة قطر الذي كفل صون تلك الحقوق وحمايتها، كما ورد في المواد: (36، 37، 42، 44، 46، 47، 48، 50، 51)، حيث يتجلى التزام الدولة بضمان العدالة لجميع المواطنين والمقيمين على أرض دولة قطر. وقد حرص الدستور على بيان هذه الحقوق وتأكيد صونها من أي انتهاك، مؤكدا في الوقت نفسه أن السلطة القضائية تمثل الجهة الوحيدة المخولة بحمايتها.39

ثانيا: مبدأ المساواة وعدم التمييز (Principle of non-discrimination): منع انتهاك مبدأ المساواة بين الأفراد على صعيد عرقي أو سياسي أو اجتماعي .... إلخ، ويعكس هذا المبدأ الحاجة إلى ضمان أن استخدام تقنيات وبرامج المعالجة الآلية - بما فيها خوارزميات التعلم الآلي - لا يؤدي إلى التمييز العنصري أو تفاقمه، لا سيما عند التعامل مع البيانات الشخصية الحساسة والتي تتعلق بالهوية، أو الانتماء، أو الدين، أو الخصوصية الفردية، ويتطلب ذلك من الجهات المختصة وأصحاب القرار في القطاعين العام والخاص توخي الحذر في مراحل التطوير والتطبيق وتبني تدابير تصحيحية وفعالة في حال اكتشاف أنماط تمييزية ضد فئة معينة من المجتمع. كما يشجع المبدأ على توظيف الأدوات التحليلية والتكنولوجية، لا لمراكمة وتفاقم الانحيازات، بل لمواجهتها عبر مقاربات متعددة التخصصات تسهم في تحقيق العدالة والإنصاف.40

ثالثا: مبدأ الجودة والأمن (Principle of Quality and Security): استخدام مصادر موثوقة وبيانات غير مادية ضمن نماذج مصممة بأسلوب متعدد التخصصات، وذلك ضمن بيئة تكنولوجية آمنة، ويؤكد هذا المبدأ على أهمية تبني مقاربة متعددة التخصصات في تصميم نماذج التعلم الآلي في السياق القضائي، وذلك من خلال إشراك القضاة، والمحامين، والأكاديميين في مجالات القانون والعلوم الاجتماعية، مثل علم الاجتماع والفلسفة والاقتصاد. ويوصي الميثاق بتشكيل فرق عمل متنوعة الاختصاصات تعمل في دورات تصميم قصيرة لضمان فاعلية النماذج المنتجة. كما يشدد على أهمية مشاركة الضمانات الأخلاقية المعتمدة وتحسينها باستمرار عبر التغذية الراجعة. وبالنسبة للبيانات القضائية، يجب أن تكون مأخوذة من مصادر موثوقة، دون تعديل قبل استخدامها فعليا، مع ضمان إمكانية تتبع العمليات للحفاظ على سلامة المعنى القانوني. ويجب أن تتمتع النماذج والخوارزميات الناتجة بإمكانية الحفظ والتنفيذ ضمن بيئة تكنولوجية آمنة.41

رابعا: مبدأ الشفافية والحياد والعدالة (Principle of Transparency, Impartiality and Fairness): ضرورة معالجة البيانات بصورة متاحة ومفهومة، مع السماح بإجراء تدقيق خارجي، فمن جانب الشفافية؛ فإنه من المهم أن تلتزم الجهات المعنية بمعالجة البيانات وجمعها أن تكون واضحة وتشرح كل ما يتم بشأن تلك البيانات من إجراءات، ولأي غرض يتم استغلال البيانات؟ وهل يتم مشاركتها مع أطراف أخرى من عدمها؟ مع التأكيد على أن يتم معالجة البيانات بلغة يفهمها أفراد المجتمع وبدون أي تعقيدات قانونية، وأما بشأن الحياد؛" فإنه لا بد أن تحرص الجهة المعنية على معالجة البيانات دون تمييز أو تحيز بحسب الجنس والأصل والدين أو أي معيار آخر، وذلك لتحقيق العدالة بين جميع الناس، وتلك العدالة كجزء من هذا المبدأ تضيف بعدا أخلاقيا؛ فيلزم هذا المبدأ الجهة المعنية بإعداد إجراءات صارمة تضمن عدم استخدام البيانات لإضرار فئة معينة من الناس أو أي فرد من أفراد المجتمع، ولذلك لا بد من أن يتم التدقيق على كل ما يتم إجراؤه بشأن البيانات من قبل جهة خارجية مستقلة، أو خبراء مختصين في التدقيق، أو التصديق على أساليب المعالجة للتأكد من سلامة العمليات المتخذة بشأن البيانات ونزاهتها.42

خامسا: مبدأ تحت سيطرة المستخدم (Principle Under User Control): يمنع اتباع نهج صارم أو إلزامي، ويضمن هذا المبدأ أن المستخدم يظل متحكما ومستقلا في خياراته مع ضمان منحه الأدوات والمعلومات الكافية لاتخاذ قرارات مبنية على فهم مجرد وليس اتباع تعليمات مفروضة عليه من قبل أدوات الذكاء الاصطناعي، وبمعنى آخر أكثر بساطة هو أن التقنيات الذكية تخدم الإنسان لا تملي أو تسيطر عليه. وعليه يقرر هذا المبدأ أن القضاة والمختصين لهم الحق في أي وقت في مراجعة الأحكام والقرارات القضائية، حتى لو كان هذا الحكم أو القرار قد صدر نتيجة استخدام خوارزميات الذكاء الاصطناعي فهم غير ملزمين بالأخذ بها؛ لذلك للقاضي الحق في اتخاذ القرار المناسب بشأن الدعاوى المنظورة أمامه بكل حرية وبما لا يخالف أحكام القانون، وهو غير ملزم نهائيا بالقرار أو الحكم الصادر آليا من قبل خوارزميات الذكاء الاصطناعي، كما يقرر هذا المبدأ أنه يجب إبلاغ المستخدم بلغة واضحة ومفهومة حول ما إذا كانت الحلول التي تقدمها أدوات الذكاء الاصطناعي ملزمة أم لا، وكذلك الخيارات المتاحة أمامه وللمستخدم الحق في الحصول على استشارة قانونية والوصول إلى المحكمة كما يجب إبلاغه بوضوح بأية معالجة لبيانات دعواه بواسطة أدوات الذكاء الاصطناعي وله الحق في الاعتراض على ذلك، كما أنه له كامل الحرية في رفع دعواه للمحكمة وأن يفصل فيها القاضي البشري وفقا لنص المادة رقم (6) من الاتفاقية الأوروبية لحقوق الإنسان، وبشكل عام؛ فإن تطبيق أي نظام ذكي يجب أن يستتبع معه إعداد برامج لمحو الأمية الرقمية للمستخدمين وعقد نقاشات تضم قضاة ومختصين للعمل على برامج لتدريب المستخدمين على استخدام أدوات الذكاء الاصطناعي لضمان انسجامها مع مبادئ العدالة والإنصاف.43

هذه هي مجموعة المبادئ التي قررها الميثاق الأخلاقي الأوروبي بشأن استخدام الذكاء الاصطناعي في النظم القضائية وبيئتها، مع الإشارة إلى أنه في غضون عام 2020 تم اعتماد دراسة جدوى من قبل المفوضية الأوروبية لكفاءة العدالة حول إمكانية إنشاء آلية لإصدار الشهادات لأدوات وخدمات الذكاء الاصطناعي، وتستند هذه الدراسة إلى الميثاق الأخلاقي الأوروبي المشار إليه44، وفي تاريخ 13/ 3/ 2024 وافق البرلمان الأوروبي على قانون الذكاء الاصطناعي (Artificial Intelligence Act) وهو أول قانون شامل للذكاء الاصطناعي في العالم، وهذا القانون تابع للاتحاد الأوروبي ويهدف إلى ضمان تطوير واستخدام أدوات الذكاء الاصطناعي بطريقة آمنة وسليمة، ويركز القانون على تقييم المخاطر الناشئة عن استخدام تلك التقنية، منها المخاطر غير المقبولة وهي ممنوعة تماما ولا يسمح بها هذا القانون، والمخاطر العالية: التي تخضع لتنظيم صارم للغاية، والمخاطر المحدودة: التي تخضع لبعض الضوابط المعتدلة، وكذلك المخاطر الضئيلة: والتي تعتبر آمنة إلى حد كبير.45 كما أن هذا القانون قد قرر فرض بعض القواعد لنماذج الذكاء الاصطناعي العامة، مثل: (Granite) و(Llama 3)، وقد فرض القانون عقوبات على عدم الالتزام بما جاء به كفرض 7.5 مليون يورو أو 1.5٪ من حجم المبيعات السنوي في جميع أنحاء العالم إلى 35 مليون يورو أو 7٪ من حجم المبيعات السنوي في جميع أنحاء العالم بحسب نوع المخالفة، وينطبق هذا القانون على جميع مقدمي خدمات الذكاء الاصطناعي من أفراد أو مؤسسات ممن يقومون بتطوير أدوات وتقنيات ذكية تستخدم للأغراض العامة GPAI، وكذلك الحال بالنسبة للناشرين من أفراد ومؤسسات تستخدم الأنظمة الذكية والمستوردين في دول الاتحاد الأوروبي الذين يستوردون تلك الأنظمة والتقنيات التابعة لأفراد أو شركات منشأة خارج دول الاتحاد الأوروبي إلى سوق الاتحاد الأوروبي، وكذلك ينطبق هذا القانون على جميع مقدمي خدمات الذكاء الاصطناعي والناشرين من خارج دول الاتحاد الأوروبي، وذلك في حال ما إذا تم استخدام تلك التقنيات التابعة لهم، أو مخرجات الذكاء الاصطناعي داخل الاتحاد الأوروبي، وقد استثنى القانون بعض حالات استخدامات الذكاء الاصطناعي من الالتزام بما جاء به وذلك في حالات الاستخدام الشخصية للأفراد العاديين لهذه التقنيات والأنظمة الذكية كاستخدامها في مجالات البحث العلمي.46

وقد حظر القانون بعض الممارسات التي قد يتم استغلالها من خلال استخدام أنظمة الذكاء الاصطناعي أشير إليها على النحو التالي47:

أولا: التلاعب والخداع: حظر القانون استخدام أو تشغيل أي نظام ذكي يستخدم أدوات وتقنيات خفية تتجاوز وعي الأفراد، أو أدوات تستخدم التلاعب والخداع بصورة متعمدة تؤدي إلى تشويه سلوك فرد أو مجموعة من الأفراد بشكل ملموس، من خلال إضعاف قدرتهم على اتخاذ القرار السليم؛ مما يدفعهم إلى اتخاذ قرار لم يكونوا سيتخذونه لولا استخدام تلك الأدوات الخفية التي سيطرت على قدرتهم؛ مما قد يسبب أضرار كبيرة أو محتملة للمستخدم أو أشخاص آخرين، وأضرب مثالا على ذلك: استخدام أدوات الذكاء الاصطناعي في برنامج تجاري يستخدم مؤثرات بصرية أو صوتية تشعر المستخدم بالضغط النفسي بهدف إرغامه على شراء منتج عالي التكلفة دون الحاجة إليه؛ مما يؤدي إلى وقوع أضرار مادية كبيرة على المستخدم.

ثانيا: استغلال نقاط الضعف لدى أفراد المجتمع: يمنع استخدام وتشغيل الأنظمة الذكية التي تستغل نقاط الضعف لدى شخص أو مجموعة من الأشخاص بحسب السن مثل: (الأطفال وكبار السن) أو الإعاقة الجسدية، أو العقلية، أو الوضع الاجتماعي، أو الاقتصادي مثل: (الفئات الفقيرة أو المهمشة)؛ مما يؤدي إلى تشويه سلوكهم بشكل كبير، الأمر الذي يستتبع معه التسبب في أضرار كبيرة لهم ولأي شخص آخر، ومثال ذلك: استغلال الإعلانات التسويقية للأطفال لشراء منتجات ضارة، ويتم ذلك من خلال إدخال الأدوات الذكية في تلك الإعلانات.

ثالثا: تقييم وتصنيف الأفراد: يحظر القانون طرح أو تشغيل أو استخدام الأنظمة الذكية لتقييم وتصنيف الأشخاص على مدى فترة زمنية محددة استنادا إلى سلوكهم الاجتماعي، أو خصائصهم الشخصية المعروفة، أو المستنتجة، أو المتوقعة؛ مما يؤدي إلى تصنيفهم بناء على تقييمات غير منصفه وخارجة عن سياقها، ومثال ذلك: تأخر شخص ما في دفع فاتورة الهاتف؛ فيتم تصنيفه من خلال البرامج الذكية بأنه شخص "غير موثوق"، الأمر الذي قد يؤدي إلى عدم تحقيق العدالة.

رابعا: التنبؤ باحتمالية ارتكاب الجرائم: حظر استخدام نظام الذكاء الاصطناعي في إجراء تقييمات مخاطر للأشخاص بهدف تقييم أو التنبؤ باحتمالية ارتكاب هذا الشخص لجريمة ما وفقا لنظام التنميط الشخصي، أو وفقا لتقييم سمات وخصائص الشخصية لذلك الشخص المشكوك في أمره دون أدلة ملموسه، وقد تستخدم تلك الأدوات بيانات تحليلية للشخص بناء على نمط حياته كسلوكه أو خلفيته الاجتماعية، وكذلك بناء على سماته الشخصية؛ كأن يكون حاد الطباع أو انطوائي .... إلخ؛ مما قد يؤدي إلى تحقيق التمييز العنصري والظلم ضد فئات معينة في المجتمع. إلا أن هذا الحظر لا يسري في حال ما إذا كان استخدام أنظمة الذكاء الاصطناعي لمساعدة أفراد الشرطة والمختصين في المجال الأمني لتقييم مشاركة الشخص في ارتكاب جريمة ما مع ضرورة أن يكون التقييم قائم على أدلة وحقائق ترتبط بالنشاط الإجرامي محل التحقيق.

خامسا: أجهزة التعرف: حظر استخدام أنظمة الذكاء الاصطناعي التي تقوم بإنشاء قاعدة بيانات للتعرف على وجوه وملامح الأفراد والتي تم التقاطها من خلال كاميرات المراقبة (CCTV) أو من خلال الإنترنت، وكذلك حظر استخدامها للكشف عن مشاعر الأشخاص الطبيعيين في مجالات العمل والمؤسسات التعليمية إلا في حال ما إذا كان هذا النظام مخصصا للأغراض الطبية مثل: (كشف الأمراض النفسية) وكذلك للأغراض الأمنية (للمطارات والمختبرات)، مع إخضاع الاستخدام للمراقبة البشرية من قبل المختصين وبما لا يخالف الأنظمة والقوانين.

سادسا: البيانات البيومترية: حظر استخدام أدوات الذكاء الاصطناعي القائمة على تصنيف الأفراد وفقا لبياناتهم البيومترية، وعرقهم (كالتمييز العنصري ضد أصحاب البشرة السوداء) وعضويتهم في النقابات (كالنقابات العمالية وغيرها) ومعتقداتهم الدينية (كونهم مسلمين، أو مسيحيين، أو يهود، أو ملحدين.... إلخ)، أو الفلسفية، وكذلك حياتهم الجنسية، ولا يشمل الحظر تصنيفات الأشخاص التي تم الحصول عليها بشكل قانوني، حيث إن هذا الحظر يمنع أي فعل قد يؤدي إلى التمييز العنصري وانتهاك حرمات الأشخاص وحرياتهم.

سابعا: التعرف البيومتري عن بعد: يحظر القانون استخدام أدوات الذكاء الاصطناعي القائمة على نظام التعرف البيومتري عن بعد في الأماكن العامة لأغراض إنفاذ القانون، وهذه التقنيات تشمل أنظمة التعرف على الوجه، أو بصمة العين، وهي تستخدم من قبل الجهات الأمنية كالشرطة لتحديد هوية المارة في الشوارع والأماكن العامة، ويستثني القانون بعض الحالات التي يمكن استخدام مثل هذه الأدوات الذكية فيها، وذلك في حالات البحث عن الضحايا في جرائم الاختطاف والاتجار بالبشر والاستغلال الجنسي، وكذلك في حالة البحث عن الأشخاص المفقودين، ويسمح باستخدامها كذلك في مجالات التحقيق في وقوع الجرائم الخطيرة لملاحقة الجناة والمجرمين ولمنع تهديد وشيك قد يودي بحياة الآخرين وفي حال وجود تهديد بوقوع هجمات ارهابية في الدولة أو المناطق المختلفة.

وقد قرر القانون تصنيف أدوات الذكاء الاصطناعي وفقا للمخاطر التي قد تتسبب بها، أو كما يسمى بــ "مستوى الخطورة"، وقد صنف الأنظمة بأنها عالية الخطورة إذا تم استخدامها في منتجات ذكية خاضعة لقوانين الاتحاد الأوروبي، أو تلك المدرجة في الملحق الثالث ويتضمن استخدامات قد تؤثر على الحقوق الأساسية للإنسان كمجالات إنفاذ القانون والتعليم ومجالات التوظيف، وكذلك الهجرة والخدمات الصحية والمالية؛ لذلك حظر القانون كل تطبيق لهذه الأنظمة قد يؤثر سلبا على حقوق الإنسان الأساسية حرياته، أو كل ما من شأنه أن يؤدي إلى التمييز العنصري، أو التحيز ضد فئة معينة من البشر بحسب العرق واللون والمعتقد الديني والتوجهات السياسية وغيرها، كما حظر بعض الاستخدامات التي لا تعد مقبولة وفقا للتشريعات مثل التلاعب السلوكي أو التصنيف الاجتماعي؛ لذلك قرر القانون إلزام المستخدمين والمطورين لتلك الأدوات بتقييمها تقييما صارما وأن تكون خاضعة للإشراف البشري، وقد وضع القانون قواعد وأحكام صارمة بشأن الأنظمة التوليدية العامة (GPAI) التي تقوم على إنشاء ومعالجة البيانات من تلقاء نفسها كإنشاء النصوص والأكواد البرمجية والصور والموسيقى وغيرها، وقد قرر احترام حقوق النشر بشأنها وإنشاء مكتبا أوروبيا للذكاء الاصطناعي لمراقبة امتثال المستخدمين والمطورين لأحكام هذا القانون وحدد عقوبات مالية رادعة لمن يخالف أحكامه، ويعتبر إصدار هذا القانون غاية لتحقيق التوازن بين الابتكار التكنولوجي الذكي الذي يخدم الإنسان وبين حماية حقوقه وحرياته، كما يعد خطوة رائدة نحو تقرير أسس ومبادئ أخلاقية لاستخدام وإدخال الأنظمة الذكية في أوروبا ودول العالم.48

المبحث الثاني

العدالة التنبؤية ما بين البديل والمعاون للقاضي في المحاكم القطرية

مما لا شك فيه أن أنظمة الذكاء الاصطناعي قد غيرت مفاهيم البشر على مستوى واسع من المجالات الحياتية لا سيما في مفهوم العدالة الناجزة وتسريع إجراءات التقاضي التي طالما عانى منها الكثير في دول العالم في سنوات سابقة وظلت مستمرة لزمن طويل قبل أن تشرق شمس التقاضي الإلكتروني الذي ساهم في تطوير المنظومة القضائية بشكل كبير لدى محاكم الدول المتقدمة التي آثرت تحقيق العدالة الناجزة ومنها دولة قطر ممثلة بالمجلس الأعلى للقضاء بإعداد خطط متواترة لتطوير أنظمة العدالة من نواح عدة منها: التشريعية واللوجستية والإلكترونية. وقد تم إنشاء موقع وتطبيق نظام "المحاكم" الإلكتروني وما يندرج تحت مظلته من برامج إلكترونية تصب في تعزيز العدالة الناجزة وتيسر على الخصوم تسجيل قضاياهم ومتابعة سير الإجراءات فيها وانتهاء بإصدار الأحكام بشأنها من خلال هذا النظام الإلكتروني المتميز، وعليه؛ فقد توالى التقدم في مجالات تطوير أنظمة التقاضي تكنولوجيا في عدد كبير من دول العالم وانتهى بها المطاف إلى تطبيق التقاضي الذكي وما فيه من تقنيات هائلة يسرت بصورة كبيرة إجراءات التقاضي، ومن ضمن هذه التقنيات نظام "العدالة التنبؤية".

وهديا بما أسلفت القول بشأنه حول هذه التقنية؛ فإنه يثور النقاش في كثير من الدراسات المتخصصة حول استخدام هذه التقنية في المحاكم كبديل عن القاضي أو معاونا له ومدى جدواه في التطوير بما لا يخالف مبادئ القضية العادلة وأحكام القوانين وحقوق الإنسان الأساسية، وفي هذا المبحث سألقي الضوء على أوجه الشبه والاختلاف بين دور القاضي البشري والذكاء الاصطناعي في إصدار الأحكام وذلك في المطلب الأول منه، وفي المطلب الثاني سأتناول موضوع تأثير الذكاء الاصطناعي على استقلالية القاضي وحيادية الأحكام، وأما المطلب الثالث فسأتناول فيه مقومات تطبيق نظام العدالة التنبؤية في المحاكم القطرية.

المطلب الأول

أوجه الشبه والاختلاف بين دور القاضي البشري والذكاء الاصطناعي في إصدار الأحكام

على الرغم من تسارع تطوير أنظمة الذكاء الاصطناعي في المجالات العدلية والقضائية، وإمكانياتها اللامحدودة في تحليل البيانات الكبرى، واتخاذ القرارات، وإبداء الرأي القانوني، ومراجعة العقود، وإصدار الأحكام القضائية وتفوقه على العنصر البشري في السرعة والدقة؛ إلا أن الذكاء الاصطناعي يفتقر إلى السلطة التقديرية التي يتمتع بها القاضي البشري، وكذلك السياق الإنساني والمبادئ الأخلاقية وإعمال مبادئ العدالة ووجدان القاضي الجنائي؛ إلا أن الذكاء الاصطناعي قد يكون متميزا في تطبيق القانون حرفيا، ولكنه يفتقر إلى ما يمتلكه القاضي البشري من سلطة تقديرية، وتوازن بين الجوانب الإنسانية والاجتماعية عند نظره في الدعوى. ولذلك يقرر بعض القضاة بأنه من المستبعد أن يحل الذكاء الاصطناعي محل القضاة البشريين، كما أشارت إحدى الدراسات بأنه قد تمت تجربة تطبيق إحدى الأنظمة الذكية التي تستخدم نموذج لغوي (LLM) فحكمت تلك الأنظمة في بعض الدعاوى في ظروف معينة تكاد تكون مطابقة لتلك التي فصل فيها مجموعة من القضاة البشريين، وكانت النتيجة أن النظام الذكي قد طبق القانون بدقة أكبر من القضاة البشريين مع افتقاره للجوانب الأخرى الاجتماعية والإنسانية والسلطة التقديرية49.

وقد أشارت بعض الدراسات إلى أن هناك ما يسمى بأدبيات السلوك القضائي ويعد مشروعا ممتدا لعقود، وهذه الأدبيات هي مجموعة كبيرة من البحوث والدراسات القانونية والقضائية التي تعمقت في فهم سلوك القضاة عند إصدار أحكامهم، ليس فقط من واقع النصوص والتشريعات التي تم تطبيقها في أحكامهم، وإنما أيضا من خلال مدى تجردهم من أي تأثيرات خارجية كالتوجهات السياسية أو الشخصية أو التأثر بالرأي العام عند إصدار أحكامهم؛ لذلك بدأ ظهور الحركة الواقعية القانونية في القرن العشرين حيث يقرر أصحاب هذه الحركة بأن الدراسات القانونية والقضائية التقليدية تفترض بأن القضاة يصدرون أحكامهم بموجب القانون؛ أي تطبيق القانون على وقائع الدعاوى، في حين يؤمن هؤلاء الواقعيون بأن هذه الدراسات غير صحيحة، حيث إن القضاة بالأساس يتأثرون إما باعتبارات سياسية خارج نطاق القانون، أو تحيزات شخصية ونفسية عند إصدارهم للأحكام، وتتناول الأدبيات الحديثة لسلوك القضاة هذه الفرضيات وما يشابهها مثل: (فكرة أن القضاة يتأثرون بمخاوف تتعلق بمسيرتهم المهنية)، وذلك باستخدام التحليل الإحصائي للأحكام القضائية وأصوات القضاة والسلوك المرتبط بها ووجهات النظر الأيدولوجية. وقد اتجهت الأدبيات الحديثة إلى دراسة مدى تأثير تركيبة الهيئة القضائية على قرارات الهيئة الاستئنافية بالمحكمة؛ لذلك أشارت هذه الدراسة إلى أنه بمقارنة ما سبق بأنظمة الذكاء الاصطناعي؛ فإن الأدوات الذكية تحاول بقدر الإمكان أن تحاكي العقل البشري في كيفية إصدار القاضي لأحكامه؛ إلا أنها ستطبق القانون حرفيا ولكنها لن تفهم الدوافع الإنسانية والاجتماعية، ولن ترجح وجدان القاضي البشري عند إصدار الأحكام؛ أي إنها لن تشعر وتتفاعل كما يفعل القاضي البشري الطبيعي عند نظره لموضوع الدعوى وما يقوم به في جلسات الاستماع بالمحكمة من تحاور مع الخصوم؛ لذلك هناك شك كبير في مدى إمكانية "القاضي الآلي" بأن يكون بديلا عن القاضي الطبيعي.50

وهديا بما تقدم؛ فإنه من المهم أن أشير إلى أن الحكم في الدعاوى لا يتطلب فقط التطبيق الصحيح للقانون، وإنما يدخل في سياقه وجدان القاضي والسلطة التقديرية التي منحه إياها القانون، وهذا ما قررته محكمة التمييز القطرية في أن تقدير أقوال الشهود مرهون بما يطمئن إليه وجدان قاضي الموضوع ولا سلطان لأحد عليه في ذلك؛ إلا أن يخرج بتلك الأقوال إلى ما لا يؤدي إليه مدلولها، وله أن يأخذ ببعضها دون البعض الآخر51، كما قررت أيضا من أنه لا يصح النعي على المحكمة أنها قضت ببراءة المتهم بناء على احتمال ترجح لديها بدعوى قيام احتمالات أخرى قد تصح لدى غيرها؛ لأن ملاك الأمر كله يرجع إلى وجدان قاضيها وما يطمئن إليه، مادام قد أقام قضاءه على أسباب تحمله52.

كما أنه من المقرر - في قضاء محكمة التمييز- أن استخلاص الخطأ الموجب للمسؤولية وعلاقة السببية بينه وبين الضرر هو مما يدخل في حدود السلطة التقديرية لمحكمة الموضوع، ما دام هذا الاستخلاص سائغا ومستمدا من عناصر تؤدي إليه من وقائع الدعوى53، أضف إلى ذلك أن وظيفة القاضي تحكمها أخلاقيات ومبادئ، بل لا بد من أن يتمتع القاضي بالتوازن النفسي وخلو نفسه من أية شوائب قد تؤدي إلى القضاء عن جهل، ولا بد أن يكون القاضي حليما ووقورا وسمح الطباع مترفعا عن الغضب وحسن السيرة والسمعة بين الناس، وبدلالة ذلك ما تضمنته رسالة سيدنا عمر بن الخطاب - رضي الله عنه وأرضاه - إلى أبي موسى الأشعري: "وإياك والغضب والقلق والضجر والتأذي بالناس عند الخصومة"54، ويقول الإمام ابن القاص - رحمه الله - أن القاضي يجب أن يكون: "جامعا للعفاف، نزيها بعيدا عن الطمع عدلا رشيدا بريئا عن الشحناء والمماطلة والحيف والعصبية صدوق اللهجة ذا رأي ومشورة، لكلامه لين إذا قرب، ومساواة إذا حاور وهيبة إذا أوعد، وجد إذا حكم وفصل لا تأخذه في الله لومة لائم، ذا هيبة وأداة وسكينة ووقار".55

لذلك لا يمكن للذكاء الاصطناعي أن يتحلى بتلك الصفات؛ لأنها لصيقة بالطبيعة البشرية وتدور معها وجودا وعدما56؛ إلا أنه يمكن القول بأن الذكاء الاصطناعي يحكمه عدد من المبادئ والأسس التي تم ذكرها سابقا، وأنها تتأثر بالثقافة الإنسانية بحسب آلية التعلم التي تخضع لها الخوارزميات المنشئة لها؛ إلا أن الصفات الإنسانية التي يتمتع بها القاضي العادل قد تكون بعيدة كل البعد من أن يمتلك الذكاء الاصطناعي جزءا منها كالتي ذكرتها سابقا.

وهديا بما تقدم؛ يمكنني القول بأن هناك أوجه شبه واختلاف بين القاضي البشري والقاضي الآلي عند إصدار الأحكام وذلك على النحو التالي:

أولا: أوجه الشبه في إصدار الأحكام بين القاضي البشري والقاضي الآلي:

  • إصدار حكم عادل: يشترك كلاهما نحو تطبيق القوانين والتشريعات على الدعاوى المعروضة عليهما على أن يكون الحكم عادلا، فكلا الطرفين يعمل ضمن إطار قانوني نحو حل المنازعات بما يضمن حقوق طرفي التداعي وبما يحقق من تعزيز مبدأ المساواة أمام القانون، وعليه؛ فإن الذكاء الاصطناعي يتم برمجته بتقنيات التعلم الآلي ليحاكي التشريعات والقوانين المطبقة بهدف إصدار أحكام منصفة.
  • الاعتماد على البيانات القانونية: يستند كلاهما على المصادر القانونية المتاحة والمتصلة بموضوع النزاع من تشريعات وقوانين وسوابق ومبادئ قانونية وكذلك على الوقائع ومستندات وأوراق الدعوى، في حين أن القاضي يعتمد على معلوماته القانونية وخبرته القضائية، أما الذكاء الاصطناعي فإنه يعتمد على تحليل البيانات السابقة للأحكام القضائية؛ إلا أن كليهما يستخدمان ذات المصادر.
  • الانسجام القانوني والقضائي: كما ذكرت سابقا بأن الذكاء الاصطناعي يتم برمجته على أساس الأنماط القانونية ويستخدم نظام التعلم الآلي؛ أي إنه يحاكي العقل البشري؛ لذلك يتم تدريب الذكاء الاصطناعي على آلية تحاكي الاتساق والانسجام القانوني؛ فالقاضي البشري عندما يفصل في الدعوى المعروضة أمامه يقوم بتطبيق القوانين ذات الصلة بموضوع النزاع على الوقائع؛ لذلك فإن الأحكام القضائية السليمة تكون منسجمة مع التشريعات والقوانين والسوابق القضائية، وكذلك الحال بالنسبة للذكاء الاصطناعي فإنه يصدر الأحكام بناء على تحليل البيانات وبما يتسق مع التشريعات والأنظمة القانونية والقضائية.

ثانيا: أوجه الاختلاف في إصدار الأحكام بين القاضي البشري والقاضي الآلي:

م

وجه الاختلاف

القاضي البشري

القاضي الآلي

1

الإدراك

له القدرة على تطبيق روح النص القانوني لا تطبيق النص حرفيا، ويمتلك القدرة على التفسير القانوني وتطبيق مبادئ العدالة.

يعتمد على الخوارزميات وعلى تقنيات التعلم الآلي فقط، ولا يدرك المفهوم الذاتي للأخلاق والنوايا.

2

التفاعل الإنساني

يتفاعل مع أطراف التداعي في جلسة المحاكمة ولديه الفراسة لفهم تصرفاتهم ومراوغاتهم وله القدرة على فهم لغة أجسامهم.

لا يمكنه تفسير لغة أجسام الخصوم ولا يفهم جيدا تعبيراتهم ومدى صدقهم أو كذبهم أثناء المحاكمة؛ لذلك فهو يعتبر من قبيل الحوسبة المجردة.

3

السلطة التقديرية

يستطيع تكوين قناعاته من الأدلة دون الالتزام بدليل معين، وله الحق في الاطمئنان أو عدم الاطمئنان لأقوال الشهود دون معقب57.

لا يمتلك السلطة التقديرية حيث إن قدرته مرهونة بحسب تحليل بيانات الأحكام والسوابق القضائية والتشريعات.

4

الاجتهاد القانوني

في حال عدم وجود نص قانوني يحكم الدعوى التي يفصل فيها القاضي؛ فإنه يمتلك صلاحية الاجتهاد بما يحقق العدالة والإنصاف للخصوم.

مقيد بما تتم برمجته عليه وبحسب تقنيات التعلم الآلي.

وختاما؛ فإنه يتضح للقارئ أن هناك فروقا بين طريقة القاضي البشري في إصدار أحكامه وماله من سلطات تنبع من فلسفة قانونية تمثل قيمة إنسانية واجتماعية بهدف تحقيق العدل لكل من يطالب بحقه، وهذا أمر لا يقتصر على المسائل المتعلقة بالسلطة التقديرية للقاضي ومدى اقتناعه بأقوال الشهود والأدلة المعروضة عليه وما يملكه من صلاحيات وأخلاقيات وفراسة تعجز عنها الآلة، إنما أيضا في حق أي فرد من أفراد المجتمع في الوصول للعدالة (Access to Justice)، والحق في المحاكمة الحضورية كمبدأ من مبادئ القضية العادلة، وحقه في بث ما تكنه نفسه للقاضي البشري من معاناة قد قاساها وجعلته يلجأ إلى القضاء كملاذ أخير، لا طلبا للانتقام، بل استردادا لكرامته وإنصافا لحقوقه التي ربما غيبتها الظروف، ولعلمه أن القاضي البشري "العادل" هو من يستطيع أن يوازن بين القانون والحق والضمير، وأن يستمع إليه القاضي بهدف إنصافه واسترداد حقه. ووجدنا بأن الذكاء الاصطناعي على الرغم من تفوقه على العنصر البشري في عملية تحليل جميع بيانات الأحكام القضائية السابقة ومراجعة التشريعات والمبادئ ذات الصلة بموضوع النزاع وتطبيق القانون حرفيا؛ إلا أنه يفتقر للبعد الإنساني الذي يملكه القاضي البشري؛ لذلك فمن وجهة نظري بأن تطبيق الذكاء الاصطناعي في إصدار الأحكام يجب أن يخضع لإشراف القاضي المختص وللرقابة المستمرة ويمكن أن يتم تطبيق هذه الأنظمة الذكية لإصدار الأحكام في بعض الدعاوى كمرحلة أولى مثل: دعاوى التعويض أو حساب قيمة التعويض عن إصابات العمل ودعاوى تقسيم التركات والدعاوى المتعلقة بالعقود ودعاوى الإفلاس وأيضا إصدار الأحكام التمهيدية مثل: ندب الخبراء والمحكمين في دعاوى الأسرة وبعض الدعاوى التنفيذية، أما الدعاوى الجنائية والأسرية فلها خصوصيتها، وقد يعجز الذكاء الاصطناعي عن فهم وإصدار الأحكام بشأنها نظرا لطبيعتها الخاصة.

وفي جميع الأحوال فإن تطبيق الذكاء الاصطناعي في القضاء مهم؛ لتحقيق العدالة الناجزة، وتطوير النظام القضائي، وتقديم خدمات لجمهور المحاكم، مع توفير الوقت والجهد وتقليل التكاليف وتيسير اجراءات التقاضي؛ إلا أن القضاء العادل لا يزال امتيازا بشريا يصعب استنساخه برمجيا، وإن وجدنا أنه من الممكن أن يتم إدخال هذه الأنظمة في إصدار الأحكام القضائية في بعض الدعاوى إلا أن له تأثيرا بعض الشيء على استقلالية القاضي وحيادية الأحكام القضائية بحسب بعض الدراسات والبحوث، وهذا ما سأتناوله في المطلب التالي:

المطلب الثاني

تأثير الذكاء الاصطناعي على استقلالية القاضي وحيادية الأحكام

لقد حرص المشرع في الدستور الدائم لدولة قطر على استقلالية القضاة وعدم التدخل في شؤون العدالة من قبل أي سلطة وأي طرف كان؛ لذلك نصت المادة الخامسة منه على أنه: "القضاة مستقلون، وغير قابلين للعزل إلا وفقا لأحكام هذا القانون، ولا يجوز المساس باستقلال القضاء، أو التدخل في شؤون العدالة"، وينطلق الهدف من تقرير هذا المبدأ إلى تحقيق ما يسمى بحيادية القضاء وتعزيز ثقة أفراد المجتمع في المحاكم؛ مما ينعكس إيجابا على حماية حقوق المتقاضين وحرياتهم. ويقصد باستقلال القضاء وحياده أن السلطة القضائية هي الجهة الوحيدة المنوط بها الفصل في الدعاوى المعروضة أمام المحاكم دون المساس بهذه السلطة من قبل سلطات الدولة الأخرى58. ويترتب على هذا المبدأ عدد من القواعد التي من شأنها أن تبني الحد الفاصل بين السلطة القضائية وباقي السلطات الأخرى في الدولة، ومنها بأنه لا يجوز للقاضي أن يشارك في أعمال السلطة التشريعية، فلا يملك الحق في أن ينشئ نصا قانونيا أو قاعدة عامة لها صفة التشريع، ولا يملك السلطة في أن يمتنع عن تطبيق التشريعات التي تصدرها الدولة، كما يمتنع على القاضي تعطيل أعمال السلطة الإدارية وذلك من خلال اتخاذ تدابير معينة تعطل سير المرفق العام، ولا يجوز له أن ينظر في أعمال السيادة، وفي المقابل لا يجوز للسلطة التنفيذية أن تتدخل في أعمال السلطة القضائية أو أن تدخل أي تعديلات في الأحكام القضائية، وليس لها الصلاحية في أن تفصل في المنازعات59، كما أن استقلالية القضاء تتضمن الاستقلال المالي والذي يشمل تحديد رواتب القضاة وبدلاتهم؛ فقد نصت المادة (88) من القانون رقم (8) لسنة 2023 بإصدار قانون السلطة القضائية على أنه: "يصدر بلائحة شؤون القضاة وتحديد رواتبهم وبدلاتهم، قرار من الأمير"، الأمر الذي يستتبع معه النأي بالمحاكم عن أي تأثير من السلطتين التشريعية والتنفيذية والذي قد يلقي بظلاله للتدخل في تحديد رواتب القضاة، وعليه؛ فقد آثر المشرع القطري فرض هذه الضمانة لصون استقلالية القضاء وحمايتها حتى في الجوانب المالية، ومن الضمانات الأخرى لهذا الأمر هو منح القاضي الحصانة وعدم جواز عزله أو نقله إلا وفقا لأحكام القانون60. ونظرا لأن استقلالية القضاء تصب في مصلحة العدالة؛ فإن لهذا المبدأ منظور إنساني ومؤسسي يتمثل بأهمية توفير بيئة قضائية سليمة تمكن القاضي من ممارسة سلطته دون أي تأثير داخلي أو خارجي ويعزز قدرته على مقاومة ما قد يتعرض له من ضغوط تهدد استقلاليته، ونظرا لأهمية هذا الجانب على المستوى الدولي؛ فقد أقرت الأمم المتحدة يوم 25 تموز/ يوليه يوما دوليا لرفاه القضاء، باعتبار أن رفاه القضاء جزء لا يتجزأ من استقلالية القضاء ونزاهته وكفاءته، ويهدف هذا اليوم إلى تعزيز الصحة النفسية والجسدية والاجتماعية للقضاة، وتوفير البيئة القضائية السليمة، والاعتراف بأن القضاة بشر يواجهون ضغوطا نفسية جراء طبيعة عملهم، ولذلك فهم بحاجة إلى الدعم الإنساني والمؤسسي61، ولا يقف الأمر عند هذا الحد، بل أن رفاه القضاء أمر أساسي لصحة القضاة وظيفيا واستدامتها ولتعزيز جودة العدالة، وفي نهاية الأمر لتحقيق ثقة الجمهور في المحاكم، وعليه؛ فإن رفاه القضاء يستحق الاهتمام والاستثمار بما يتناسب مع أولويات مؤسسية أخرى مثل الوصول إلى العدالة (Access to Justice)، وترسيخ القيم والمبادئ القضائية، والتدريب القضائي، ورفع كفاءة النظام القضائي62.

وقد يطرح التساؤل حول تأثير أنظمة الذكاء الاصطناعي على استقلالية القضاء وحيادية الأحكام؛ إذ تثور الشكوك حول هذه الأنظمة، على الرغم مما توفره من سرعة في تحليل البيانات ودقتها العالية التي تفوق كفاءة العنصر البشري بهذا الشأن؛ فإنها بحسب ما أشير في بعض الدراسات قد تؤثر في سلطة وصلاحيات القاضي وتضعفها، وكذلك الحال بالنسبة إلى التدخل في اتخاذ القرار القضائي بصورة غير عادلة وإصدار أحكام قضائية قائمة على التحيز الخوارزمي مع فقدان السياق الإنساني في المعالجة الخوارزمية، وقد أشرت في المطلب الأول من المبحث الأول إلى أبرز المخاطر التي تثيرها العدالة التنبؤية عند تطبيقها في المحاكم، وأشير هنا إلى أن تلك الأنظمة على الرغم من المخاوف حولها إلا أنني أرى أنها تدعم استقلال القضاء بصورة كبيرة بدءا من توفير المعلومات الدقيقة والمحايدة بشأن بيانات الأحكام والسوابق القضائية خاصة في حال ما إذا ما كانت الخوارزميات مصممة بشكل أخلاقي وتكون خاضعة للرقابة والإشراف من قبل المختصين والقضاة والقائمين على هندسة تلك الخوارزميات والتقنيات الذكية، الأمر الذي يستتبع معه تقليل تأثير التحيزات الشخصية التي قد تؤثر على الأحكام القضائية، لا سيما بأنه بفضل تحليل تلك البيانات والأحكام والتشريعات؛ فإن ذلك الأمر يساعد القاضي على اتخاذ القرار الملائم بشأن الدعاوى المعروضة أمامه، وبناء على ذلك فقد قرر الميثاق الأخلاقي الأوروبي بشأن استخدام الذكاء الاصطناعي في النظم القضائية وبيئتها (European Commission for the Efficiency of Justice (CEPEJ)) مبدأ المساواة وعدم التمييز (Principle of non-discrimination)، ومبدأ الشفافية والحياد والعدالة (Principle of Transparency Impartiality and Fairness)، ومبدأ تحت سيطرة المستخدم (Principle Under User Control)63. والتي تضمن حماية استقلالية وحيادية القضاء وعدم التحيز إذا ما روعيت مضامينها.

مع الإشارة إلى أن قانون الذكاء الاصطناعي الأوروبي قد صنف الأنظمة الذكية المستخدمة في القضاء ضمن الفئة "عالية الخطورة"، ويشمل الأدوات التي تعاون القاضي في إصدار الأحكام القضائية والبحوث القانونية؛ مما تستتبع معه ضرورة إخضاع هذه الأدوات لمتطلبات صارمة لضمان الشفافية والحياد، وقد أشارت إحدى الدراسات إلى أن مزود النظام الذكي له دور كذلك في استقلالية القضاء؛ لذلك لا بد أن يكون مزود النظام مستقل عن السلطتين التشريعية والتنفيذية لتجنب أي تأثير مباشر أو غير مباشر على استقلال القضاء، وكذلك لا ينصح أن يتواجد المزود في دولة أجنبية حتى لا يخضع الذكاء الاصطناعي إلى تحكم خارجي أو رقابة في ضوء فضائح بيغاسوس (Pegasus) وبريزم (PRISM)64، ولذلك أرى أنه يمكن إنشاء مراكز بيانات وطنية لتخزين الأحكام القضائية والبيانات المتصلة بها مع توفير تشفير متقدم خاضع للإشراف والرقابة، ولمنع كل أنواع التحيز عند استخدام أنظمة الذكاء الاصطناعي ونظام العدالة التنبؤية في المحاكم؛ فإنه من الضروري أن يتم إشراك القضاة والخبراء القانونيين والمختصين في مجال الذكاء الاصطناعي وغيرهم في تصميم تلك الأنظمة كما قرر الميثاق الأوروبي في مبدأ الجودة والأمن (Principle of Quality and Security) والذي مفاده إشراك المختصين والأكاديميين في تصميم الأنظمة الذكية لضمان فاعلية النماذج المنتجة، ولضمان الشفافية في إصدار الأحكام القضائية؛ فإنه يمكن اعتماد آليات الذكاء الاصطناعي القابل للتفسير65 (Explainable AI) وإنشاء لجان للإشراف والرقابة لمراجعة الخوارزميات المستخدمة في المحاكم بصورة دورية.

وقد يثور التساؤل أيضا حول ما إذا كان تطبيق نظام الذكاء الاصطناعي في المحاكم قد يؤدي إلى تجميد السوابق القضائية باعتبار أنه أحد مخاطر استخدامه، وأرى بأن هذا الأمر عار عن الصحة باعتبار أن السوابق القضائية أو المبادئ القانونية تتطور مع الزمن وتحكمها تشريعات وقوانين ولا يمكن للذكاء الاصطناعي أن يجمدها طالما كانت خاضعة للإشراف والرقابة، وينحصر دوره في تحليل تلك السوابق لمعاونة القضاة في اتخاذ قرارات سليمة بشأن الدعاوى المعروضة أمامهم؛ لا سيما وأن الأحكام القضائية لا تقوم فقط على السوابق القضائية أو المبادئ القانونية، إنما أيضا تحكمها النصوص القانونية والتشريعات وتقدير القضاة للظروف المحيطة بالدعاوى، ولذلك ينحصر دور الذكاء الاصطناعي في التحليل والتوازن ويقدم الأدوات التحليلية التي تعاون المحكمة، ومن ثم يبقى الحكم القضائي خاضعا لأحكام القانون والاجتهاد والتقدير القضائي الإنساني بشكل كامل، وبموجب ذلك قرر الميثاق الأوروبي مبدأ تحت سيطرة المستخدم (Principle Under User Control) والذي جاء في مضمونه أن القضاة والمختصين لهم الحق في أي وقت بمراجعة الأحكام والقرارات القضائية؛ حتى لو كان هذا الحكم أو القرار قد صدر نتيجة استخدام خوارزميات الذكاء الاصطناعي، فهم غير ملزمين بالأخذ بها؛ لذلك للقاضي الحق في اتخاذ القرار المناسب بشأن الدعاوى المنظورة أمامه بكل حرية وبما لا يخالف أحكام القانون وهو غير ملزم نهائيا بالقرار أو الحكم الصادر آليا من قبل خوارزميات الذكاء الاصطناعي.

وتطبيقا لذلك؛ يشار إلى أنه في غضون عام 2013 تم اعتقال (إيريك لوميس) في ولاية ويسكونسن لقيامه بقيادة سيارة استخدمت في حادث إطلاق نار، وقد أقر بهروبه من الشرطة ولم يعارض تهمة قيادة السيارة دون إذن مالكها، وقد حكم عليه القاضي بالحبس لمدة ست سنوات مستندا في حكمه على تقييم خوارزمي (جزئيا) يدعى (COMPAS) لتحديد مدى خطورة عودة لوميس لارتكاب الجرائم من عدمها، وهذه الخوارزمية تعتمد على بيانات سلوكية وجنائية وديموغرافية وليس على السجل الجنائي لوحده، وقد طعن لويس على الحكم أمام المحكمة العليا في ويسكونسن دافعا في طعنه بأنه قد تم إصدار الحكم عليه باستخدام خوارزميات غير شفافة، وأنه قد حرم من محاكمة عادلة باعتبار أنها مستندة على خوارزميات الذكاء الاصطناعي والتي انعكست سلبا على الحكم معتمدة على البيانات الجماعية وتأخذ الجنس كعامل في التقييم؛ مما يعتبر ذلك تمييزا ضده؛ إلا أن المحكمة العليا قد أيدت استخدام الخوارزمية (COMPAS) ولكنها قد اشترطت ألا يتم التعويل عليها كأساس في الحكم مع تأكيد المحكمة العليا على أن هناك مخاوف مثارة بشأن صعوبة فهم المحكمة لتقييمات المخاطر الخوارزمية، كما نوهت المحكمة العليا إلى ضرورة اشتراط تنويه مكتوب يرافق تقارير (COMPAS) بشأن تقاييم ارتكاب الجرائم66.

وفي إسبانيا، تم إنشاء إطار عمل يسمح للنظام القضائي بتنفيذ إجراءات مؤتمتة بمساعدة الذكاء الاصطناعي، ومن بين هذه الإجراءات توليد مسودات الأحكام القضائية من خلال أنظمة الذكاء الاصطناعي، تأتي هذه المبادرة ضمن المرسوم الملكي - القانون رقم 6/ 2023، الصادر في 19 ديسمبر، والذي يهدف إلى تحديث عمليات المحاكم وكفاءتها، ومع ذلك، ظهرت مخاوف بين القضاة في إسبانيا، الذين دعوا إلى إيجاد وسائل تضمن احترام استخدام الذكاء الاصطناعي في العمل القضائي للحقوق الأساسية واستقلال القضاء، وفي المملكة المتحدة، أصدر المكتب القضائي البريطاني في ديسمبر من عام 2023 إرشادات تتضمن التوصيات والضوابط اللازمة في كيفية استخدام روبوتات المحادثة العامة بشكل فعال مع التحذير من المخاطر التي قد تنتج عنها، وقد أشارت الإرشادات إلى الأداة الذكية (Copilot) التي تم إنتاجها من قبل شركة (Microsoft) على أنها مناسبة للاستخدام في الأعمال الإدارية في المحاكم بشرط ضمان السرية وعدم المساس باستقلالية القضاء.67 وقد تناولت محكمة العدل التابعة للاتحاد الأوروبي موضوع القرارات والأحكام الصادرة من الذكاء الاصطناعي والمتعلقة بقوانين حماية البيانات؛ ففي الحكم الصادر في الدعوى رقم C-634/21 بتاريخ 7/ 12/ 202 بشأن إحدى البنوك الألمانية التي استخدمت نظاما ذكيا لتقييم الجدارة الائتمانية لعملائه عند منح أو رفض القروض، وقد انتهى حكم محكمة العدل إلى أنه لا يجوز رفض القرض تلقائيا دون تدخل المتخصصين من العنصر البشري في مراجعة مثل هذه التعاملات – ما لم يكن العميل قد وافق صراحة على هذا الإجراء - وذلك حفاظا على حماية البيانات68.

وهديا بما تقدم؛ فإن الذكاء الاصطناعي لا بد أن يكون معاونا للقاضي لا بديلا عنه إلا في الدعاوى البسيطة؛ حتى لا يؤدي ذلك إلى تآكل السلطة التقديرية للقاضي في الدعاوى الكبرى، حيث إن الحفاظ على استقلالية القضاء وحيادية الأحكام لا يعني رفض تطوير الأنظمة القضائية من خلال إدخال الخوارزميات الذكية، بل لا بد من ضبط العلاقة بين العنصر البشري والآلة بما يخدم العدالة وتحقيق ما يسمى بالعدالة الناجزة، وعليه من الضروري أن يتم تأطير استخدام الأنظمة الذكية وتطبيق التشريعات والقوانين بشأنها لضمان الشفافية؛ فالآلة بصفتها المجردة لا تملك أحكامها حجية قانونية مستقلة، وليست مصدرا ملزما للأحكام القضائية ولا تغني عن البصيرة القضائية، إنما هي أدوات مساعدة لا يمكنها أن تحل محل السلطة التقديرية للقاضي؛ إذ لا بد من التوازن بين عملها الخوارزمي وعمل القاضي البشري دون إخلال بأحكام القانون ومبادئ القضية العادلة والحقوق الأساسية للإنسان، لا سيما وأنه يتحتم على المحكمة أن تتوفر فيها كافة المقومات اللازمة لتطبيق الأنظمة الذكية وهذا ما سأتناوله في المطلب التالي:

المطلب الثالث

مقومات تطبيق نظام العدالة التنبؤية في المحاكم القطرية

تسعى دولة قطر ممثلة بالمجلس الأعلى للقضاء نحو تطوير أنظمة العدالة وذلك لتحقيق العدالة الناجزة، وعليه؛ فقد قام المجلس بتحقيق هذه الرؤية من خلال إعداد الخطط التطويرية للجهاز القضائي، وقد أقر "المبادرة الوطنية لتطوير أنظمة العدالة"، وهي عبارة عن رؤية مستقبلية شاملة وطموحة نحو تحقيق العدالة الناجزة وبناء منظومة قضائية أكثر كفاءة وعدالة، وقد تضمنت بين طياتها توجه نحو توفير خدمات العدالة للمتقاضين بجودة عالية، وتيسير إجراءات التقاضي وتقصير أمد التقاضي وسرعة الفصل في الدعاوى وإنفاذ الأحكام القضائية، وقد شملت هذه المبادرة عددا من المشاريع والبرامج التي تحقق الهدف المنشود منها لخدمة العدالة، منها إنشاء المحاكم المتخصصة وسن التشريعات المتصلة بالتطوير القضائي ومنظومة العدالة، كما شملت المبادرة مشروع تحديث الهيكل التنظيمي للمجلس وتقطير السلك القضائي وتطوير جودة الخدمات القضائية التي يتم تقديمها لجمهور المتقاضين ولم تتجاهل هذه المبادرة التطوير التكنولوجي؛ فقد تم إدخال أنظمة التقاضي الإلكتروني من خلال نظام "المحاكم" الإلكتروني ومنصة القاضي إلى أن أصبح العمل القضائي والخدمات المقدمة في المحاكم إلكترونية بشكل كامل، ويمكن القول بأن محاكمنا أضحت محاكم بلا ورق (Paperless Courts)69، لا سيما وأن المجلس الأعلى للقضاء قد أدخل بعض أدوات الذكاء الاصطناعي في أنظمته، وذلك بهدف تيسير الإجراءات والخدمات على الجمهور، ومن ضمن تلك الأنظمة: خدمة الموظف الافتراضي (Chatbots) عبر تطبيق الواتس آب، وهي خدمة قائمة على تقنية أتمتة بيانات الدعاوى، ويمكن من خلال هذه الخدمة إيداع مذكرات الدعاوى والحصول على ملخص الدعوى ومحاضر الجلسات ونسخة من الحكم القضائي70، وكذلك يتوفر نظام الدردشة الآلي بشكل عام في الموقع الداخلي للمجلس الأعلى للقضاء ولكنه لا يزال قيد التطوير71، ويشار إلى أن المجلس بصدد الانتهاء من تنفيذ مشروع استخدام تطبيقات الذكاء الاصطناعي بأنظمة المحاكم، وهو من ضمن خطة المبادرة الوطنية لتطوير أنظمة العدالة، وتشمل الخطة الخدمات التي ستوفرها أنظمة الذكاء الاصطناعي في المحاكم والتي تستهدف القضاة والجمهور، فعلى مستوى القضاة؛ فإنه سيتم تطبيق ما يسمى بالمعاون القضائي والذي سيتم ربطه في منصة القاضي الإلكترونية، ويتضمن الخدمات التالية: 1) عرض الأحكام المتشابهة والمتوقعة للدعاوى المعروضة على القاضي. 2) التشريعات والقوانين ذات الصلة بموضوع النزاع المعروض. 3) عرض البحوث القانونية والتحليلات الإحصائية. 4) محضر الجلسة الافتراضي. 5) الترجمة والطباعة الصوتية.

وعلى مستوى جمهور المحاكم؛ فستتضمن الخدمات الذكية ما يلي: 1) خدمة إيداع مذكرة. 2) تقدير أتعاب الدعوى واحتمالية النتيجة. 3) خدمة منع وإلغاء منع السفر. 4) القاضي الافتراضي (مزادات). 5) الكاتب الافتراضي (مزادات)72، وتهدف هذه الخدمات إلى تيسير إجراءات التقاضي وتطوير النظام القضائي بشكل عام، علما بأنه قد تم تفعيل بعض هذه الخدمات تجريبيا للوقوف على مدى فاعليتها، مع الإشارة إلى أنه قد تم تفعيل أداة (Copilot) التابعة لشركة (Microsoft) للأعمال الإدارية اليومية وإعداد التقارير والملخصات73.

وبطبيعة الحال بأن المشروعات - سالفة الذكر - هي نتاج خطط وبحوث ودراسات وتجارب دول أخرى؛ لذلك يسعى المجلس إلى تطبيق كل ما هو متوافق مع البيئة القضائية القطرية وبما لا يخالف التشريعات والقوانين، وقد أحسن المجلس حينما بدأ بخطوات فعالة نحو التحول الرقمي الكامل وذلك لتعزيز استراتيجية حكومة قطر الرقمية، لا سيما إدماج أدوات الذكاء الاصطناعي في منظومة العدالة وإن كانت في مراحلها الأولى التجريبية، ولا يزال نظام العدالة التنبؤية في طور الإعداد، وعليه أرى أن يتم تفعيل هذه الأداة الذكية كأداة مساندة للقاضي بهدف زيادة كفاءة النظام القضائي وتطويره دون المساس باستقلالية القضاء، وحقوق الإنسان الأساسية، وأحكام القانون ومبادئ القضية العادلة؛ أي أن تكون هذه الأداة مساعدة لا بديلة عن القاضي إلا في أعمال ودعاوى معينة مع خضوعها إلى الإشراف المباشر والرقابة من قبل القضاة والمختصين، وأرى بأن البيئة القانونية والقضائية ملائمة لتطبيق نظام العدالة التنبؤية في المحاكم القطرية، وذلك لتوفر المقومات اللازمة لتطبيقه والتي سأسردها على النحو التالي:

أولا: تهيئة البيئة التشريعية والقضائية:

لقد أصدر المشرع القطري مجموعة من القوانين التي تسهم في تطوير المنظومة القضائية مثل القانون رقم (21) لسنة 2021 بإصدار قانون إنشاء محكمة الاستثمار والتجارة، والقانون رقم (3) لسنة 2019 بتعديل بعض أحكام قانون المرافعات المدنية والتجارية الصادر بالقانون رقم (13) لسنة 2019، والقانون رقم (8) لسنة 2023 بإصدار قانون السلطة القضائية، والقانون رقم (4) لسنة 2024 بإصدار قانون التنفيذ القضائي، وقد تضمنت تلك التشريعات بعض النصوص ذات الصلة بالتقاضي الإلكتروني لا سيما القانون رقم (24) لسنة 2017 بشأن العنوان الوطني وهو يعد نقلة نوعية في اعتماد البيانات الشخصية الإلكترونية التي يتم إدخالها في النظام المخصص لذلك، ومنتجا لآثاره القانونية، حيث يتم إرسال كافة الإعلانات والإخطارات الرسمية إلكترونيا من خلال النظام المخصص لذلك. ففي قانون التنفيذ القضائي عالج المشرع المسائل المتعلقة بالربط الإلكتروني بين المحكمة والجهات الحكومية لتيسير إجراءات التنفيذ؛ فقد نصت المادة (101) من القانون رقم (4) لسنة 2024 بإصدار قانون التنفيذ القضائي على أنه: "... كما يجب على تلك الجهات توفير الربط الإلكتروني مع المحكمة، وتمكين القاضي من الاستعلام والحجز إلكترونيا". كما قرر المشرع في المادة (25) من القانون رقم (21) لسنة 2021 بإصدار قانون إنشاء محكمة الاستثمار والتجارة بأنه: ".... وللمحكمة أن تسمح لأي من أطراف الدعوى، أو ممثليهم، أو الشهود، أو الخبراء بالحضور أمامها عن طريق أي وسيلة من وسائل الاتصال الإلكترونية المرئية، على أن تتحقق المحكمة من هويته"، وأما بشأن القانون رقم (8) لسنة 2023 بإصدار قانون السلطة القضائية فقد نصت المادة (17) منه على أنه: ".... ويجوز عقد المحاكمات وسماع الشهود وغير ذلك من الإجراءات القضائية بالطريق الإلكتروني، وفقا للضوابط التي يحددها المجلس، وبما لا يخل بضمانات المحاكمة ..."، وهذه التطويرات المتعلقة بالتقاضي الإلكتروني تعتبر امتدادا لتطبيق الأنظمة الذكية في المحاكم؛ لذلك أرى أهمية سن التشريعات اللازمة لتطبيقها وتعديل قانون المرافعات المدنية والتجارية وإضافة نصوص تتناول إجراءات تطبيق العدالة التنبؤية، وكذلك إصدار ميثاق أخلاقي قطري بشأن استخدام الذكاء الاصطناعي في النظم القضائية على غرار الميثاق الأخلاقي الأوروبي بشأن استخدام الذكاء الاصطناعي في النظم القضائية وبيئتها؛ بهدف تحديد الضوابط الأخلاقية والقانونية التي تحكم استخدام الذكاء الاصطناعي في القضاء، وبما يضمن حماية الخصوصية واحترام حقوق المتقاضين، وتعزيز الشفافية والإنصاف في الإجراءات القضائية، كما يمكن أن يتضمن الميثاق المبادئ المتصلة بعدم التحيز الخوارزمي وعدم التمييز وحماية البيانات القضائية وعمليات الرقابة والإشراف على أنظمة الذكاء الاصطناعي؛ لا سيما العدالة التنبؤية مع الإشارة إلى الدور الجوهري للقاضي البشري في إصدار الأحكام، ويعد إصدار هذا الميثاق امتدادا للتحول الرقمي في دولة قطر ويضع إطارا قانونيا ممنهجا يوازن بين الابتكار الذكي والقيم والمبادئ القضائية. ولعل ما يساعد على إعداد مثل هذا الميثاق المهم وجود لجنة متخصصة في الذكاء الاصطناعي بدولة قطر، وقد تم إنشاؤها بموجب قرار مجلس الوزراء رقم (10) لسنة 2021 بإنشاء لجنة الذكاء الاصطناعي74، مع بيان أنه قد تم إعداد استراتيجية تحت عنوان "استراتيجية قطر الوطنية في مجال الذكاء الاصطناعي"، وتم إصدار دراسة مستفيضة بين وزارة المواصلات والاتصالات – وزارة الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات (حاليا) بالتعاون مع جامعة حمد بن خليفة، وقد تم إعداد هذه الاستراتيجية في ظل اهتمام دولة قطر في مجالات التكنولوجيا وكل ما هو حديث وذلك بهدف تنويع اقتصادها75؛ لذلك يمكن الاستفادة من الخبرات التي تقدمها اللجنة في مجال الذكاء الاصطناعي وإعداد المبادئ والأخلاقيات التي تنظم العملية القضائية الخوارزمية. وأشير إلى أن إدخال أنظمة الذكاء الاصطناعي تعد من ضمن الجوانب التطويرية التي يتبناها المجلس الأعلى للقضاء من أجل تطوير منظومة العدالة والجهاز القضائي وهو من أهم تطلعات دولة قطر لتحقيق العدالة الناجزة ولتحقيق رؤية قطر الوطنية 2030 التي أرسى دعائمها صاحب السمو الشيخ/ تميم بن حمد آل ثاني، أمير البلاد المفدى.

ثانيا: تهيئة السلطة التنفيذية:

مما لا شك فيه؛ فإن دولة قطر تسعى إلى تطوير وتأهيل الكوادر البشرية، وذلك لتعزيز كفاءة مؤسساتها المختلفة بهف تحقيق جودة عالية في الأداء المؤسسي وفقا للمعايير العالمية، ولقد أثبت المجلس الأعلى للقضاء اهتمامه في النهوض بجودة عمل الجهاز القضائي وتعيين الكوادر المتخصصة من قضاة وإداريين وكذلك المتخصصين في مجال تكنولوجيا المعلومات لتحقيق هذه الأهداف، لا سيما مع توفر الموارد المالية التي تستمد قوتها من تنوع مصادر الدخل وتطوير الاقتصاد المحلي والتشجيع على الاستثمار في دولة قطر، وإصدار التشريعات الداعمة لاستثمار رأس المال الأجنبي، ولعل إنشاء محكمة الاستثمار والتجارة خير مثال على اهتمام دولة قطر في زيادة قوة اقتصادها وانعكاسها إيجابا على المستوى المعيشي للأفراد، كما أن إدخال أنظمة الذكاء الاصطناعي في مؤسسات الدولة تعزز كذلك من القوة الاقتصادية للدولة، وذلك لرفع كفاءة الأداء لا سيما في العمل القضائي؛ لذلك قام المجلس بإعداد الخطط الاستراتيجية اللازمة لتطوير النظام القضائي على جميع الأصعدة لا سيما على صعيد التحول الرقمي في المحاكم كما أسلفت القول، ومن ثم فإن البيئة القضائية قادرة على احتضان أنظمة الذكاء الاصطناعي بصورته الكاملة لا سيما العدالة التنبؤية، ومن المهم أن أشير إلى أنه من ضمن الضوابط اللازمة لتطبيق هذه الأنظمة الذكية هو تأهيل الكوادر القضائية والإدارية على كيفية استخدامها، وفي حقيقة الأمر؛ فإن التدريب بصورته العامة من ضمن الأهداف التي تضمنتها رؤية قطر الوطنية 2030 هو "إعداد قوة عمل كفؤة وملتزمة" ومن هذا المنطلق؛ فإن هناك اهتماما كبيرا في مجال تدريب الكوادر المختلفة في جميع التخصصات لتطوير وصقل مهاراتهم بما ينعكس إيجابا على عملهم الوظيفي، ويظهر ذلك جليا من خلال توفير المعاهد المتخصصة في الدولة للقيام بهذه المهمة، ويولي المجلس الأعلى للقضاء اهتماما واسعا في مجال التدريب القضائي وكافة التخصصات التي تدعم العمل القضائي وترفع كفاءة العاملين فيه وخاصة مع وجود إدارة متخصصة في التدريب القضائي في المجلس إلى جانب الجامعات والمعاهد المحلية، خاصة وأنه قد تم تدريب جميع القضاة على التقاضي الإلكتروني؛ مما يؤكد إمكانية تدريب جميع الكوادر القضائية على استخدام أنظمة الذكاء الاصطناعي من خلال الخبراء المتخصصين في هذا المجال بما يخدم العدالة الناجزة 76.

الخاتمة

إن إدماج أنظمة الذكاء الاصطناعي في العملية القضائية يتطلب التوازن ما بين الكفاءة والتطوير التقني، وما بين تحقيق الضمانات القانونية لتحقيق العدالة بين الخصوم، دون المساس في استقلالية القضاء وحيادية الأحكام التي تصدر من خلال استخدام خوارزميات الذكاء الاصطناعي، ويمكن لهذه الخوارزميات أن تسهم في تطوير استراتيجيات المحاكم بعد استغلالها الاستغلال الأمثل في العملية القضائية؛ فهي تساعد العنصر البشري ممثلا بالقاضي في الوصول إلى القرار السليم عند إصدار أحكامه.

ولقد خلصت هذه الدراسة إلى بعض من النتائج، أوجزها على النحو الآتي:

إن العدالة التنبؤية تعتمد على تحليل معمق للسوابق القضائية بواسطة الخوارزميات على نطاق واسع. ويهدف هذا النهج إلى تقدير احتمالات نتائج الدعاوى الحالية؛ مما يحد من عدم اليقين المرتبط بالأحكام القضائية، وربما يسهم في تفادي إصدار الحكم نفسه أو منعه.

إن العدالة التنبؤية تحمل بين طياتها عددا من المزايا والمخاطر جراء الاعتماد على هذا النظام الذكي، ولذلك؛ فقد اتجهت بعض الدول في محاكمها إلى تطوير دور المحاكم وخلق بيئة قضائية أكثر حداثة وذكاء بهدف تحقيق العدالة الناجزة أو كما يسمى بـ "ديمقراطية العدالة"، وتتمحور المميزات التي يقدمها الذكاء الاصطناعي في تحسين كفاءة المحاكم وتعزيز "لوجستيات التقاضي"، وتحليل النصوص والبيانات القانونية، والكشف عن التحيز وتحديد قيمة التعويض في الدعاوى المدنية والإدارية، والتنبؤ بنتيجة الحكم القضائي.

على الرغم من المزايا التي يوفرها نظام العدالة التنبؤية في تحسين كفاءة القضاء؛ إلا أنه يثير بعض المخاطر عند استخدامه استخداما غير آمن: كتعزيز التحيز الموجود في البيانات، والاستغناء عن القاضي البشري، وفقدان استقلالية القضاة، والتركيز على الكم دون الكيف، وتجميد السوابق القضائية.

يمكن للذكاء الاصطناعي دعم القضاة من خلال تقديم تحليلات خوارزمية مستندة إلى الأحكام السابقة والمبادئ القانونية، واقتراح الأحكام بناء على أنماط قانونية معينة، وعلى الجانب الإداري للمحاكم؛ فإن هذا النظام الذكي يقدم حلولا بشأن أتمتة العمليات الإدارية للمحاكم، وتصنيف ملفات الدعاوى، وتسجيل الدعاوى والرد على أسئلة الجمهور، كما يوفر الذكاء الاصطناعي خدمة مراجعة المستندات وملفات الدعاوى بسرعة فائقة مقارنة بالعنصر البشري عندما يتم مراجعتها مراجعة تقليدية، وقد تكون نسبة الأخطاء قليلة عندما يتم استخدام النظام الذكي.

هناك العديد من خوارزميات الذكاء الاصطناعي متنوعة المهام منها: للبحث القانوني، وللكشف عن مرتكبي الجرائم والتحقيقات الجنائية، ومراجعة العقود، وتحليل بيانات الأحكام القضائية، ومعالجة اللغة الطبيعية، وتلخيص المستندات القضائية، والتنبؤ بنتيجة الحكم القضائي، وغيرها من الخوارزميات التي تقوم بتحليل البيانات الشخصية للمتهم للوقوف على مدى إمكانية تكراره لارتكاب جرائم أخرى من عدمه قبل إصدار الحكم أو الإفراج المشروط؛ لا سيما بأن هذه الخوارزميات متطورة بصورة هائلة ولها مميزاتها وكذلك مخاطرها ويتطلب استخدامها بصورة آمنة وقانونية.

أصدرت اللجنة الأوروبية للعدالة الناجزة الميثاق الأخلاقي الأوروبي بشأن استخدام الذكاء الاصطناعي في النظم القضائية وبيئتها (European Commission for the Efficiency of Justice). والذي يهدف إلى تعزيز كفاءة العدالة وجودتها من خلال تطبيق أنظمة الذكاء الاصطناعي في الدعاوى المدنية والتجارية والإدارية، ويسعى الميثاق إلى معالجة الأحكام القضائية من خلال إدخال أنظمة الذكاء الاصطناعي، وقد تضمن الميثاق عددا من المبادئ وهي: احترام الحقوق الأساسية، المساواة وعدم التمييز، الجودة والأمن، الشفافية والحياد والعدالة، وتحت سيطرة المستخدم. وفي تاريخ 13/ 3/ 2024 وافق البرلمان الأوروبي على قانون الذكاء الاصطناعي (Artificial Intelligence Act) وهو أول قانون شامل للذكاء الاصطناعي في العالم، وهذا القانون تابع للاتحاد الأوروبي ويهدف إلى ضمان تطوير واستخدام أدوات الذكاء الاصطناعي بطريقة آمنة وسليمة، ويركز القانون على تقييم المخاطر الناشئة عن استخدام تلك التقنية.

هناك أوجه شبه واختلاف في إصدار الأحكام القضائية بين القاضي البشري والقاضي الآلي، وللذكاء الاصطناعي تأثير على استقلالية القضاء وحيادية الأحكام.

البيئة القانونية والقضائية ملائمة لتطبيق نظام العدالة التنبؤية في المحاكم القطرية، وذلك لتوفر البيئة التشريعية والقضائية والموارد المالية والتقنية والكوادر المتخصصة؛ خاصة وأن المجلس الأعلى للقضاء يتبنى تطبيق كل ما هو حديث لتحقيق العدالة الناجزة التي تنشدها دولة قطر، وقد عمد إلى إعداد استراتيجية المبادرة الوطنية لتطوير أنظمة العدالة ومن ضمن خططها تطبيق أنظمة الذكاء الاصطناعي في العملية القضائية والأعمال الإدارية بالمحاكم وقد تم تطبيق بعضا منها.

وتخلص هذه الدراسة إلى مجموعة من التوصيات أوجزها على النحو الآتي:

تطبيق أنظمة الذكاء الاصطناعي في المحاكم القطرية كمساعد للقاضي وليس كبديل عنه خاصة في بداية إدخال الأنظمة الذكية في العملية القضائية، ويمكن أن يتم تطبيق هذه الأنظمة الذكية لإصدار الأحكام في بعض الدعاوى كمرحلة أولى، مثل: دعاوى التعويض، أو حساب قيمة التعويض عن إصابات العمل، ودعاوى تقسيم التركات، والدعاوى المتعلقة بالعقود، ودعاوى الإفلاس، وأيضا إصدار الأحكام التمهيدية مثل: ندب الخبراء والمحكمين في دعاوى الأسرة، وبعض الدعاوى التنفيذية، أما الدعاوى الجنائية والأسرية فلها خصوصيتها وقد يعجز الذكاء الاصطناعي عن فهم وإصدار الأحكام بشأنها نظرا لطبيعتها الخاصة.

إنشاء مراكز بيانات وطنية لتخزين الأحكام القضائية والبيانات المتصلة بها، مع توفير تشفير متقدم خاضع للإشراف والرقابة، ولمنع كل أنواع التحيز عند استخدام أنظمة الذكاء الاصطناعي ونظام العدالة التنبؤية في المحاكم؛ فإنه من الضروري أن يتم إشراك القضاة والخبراء القانونيين والمختصين في مجال الذكاء الاصطناعي وغيرهم في تصميم تلك الأنظمة.

من الضروري أن يتم تأطير استخدام الأنظمة الذكية وتطبيق التشريعات والقوانين بشأنها لضمان الشفافية، وعليه؛ فإن الآلة بصفتها المجردة لا تملك أحكامها حجية قانونية مستقلة وليست مصدرا ملزما للأحكام القضائية ولا تغني عن البصيرة القضائية، إنما هي أدوات مساعدة لا يمكنها أن تحل محل السلطة التقديرية للقاضي؛ إذ لا بد من التوازن بين عملها الخوارزمي وعمل القاضي البشري دون إخلال بأحكام القانون ومبادئ القضية العادلة والحقوق الأساسية للإنسان.

سن التشريعات اللازمة لتطبيقها وتعديل قانون المرافعات المدنية والتجارية وإضافة نصوص تتناول إجراءات تطبيق العدالة التنبؤية، وكذلك إصدار ميثاق أخلاقي قطري بشأن استخدام الذكاء الاصطناعي في النظم القضائية على غرار الميثاق الأخلاقي الأوروبي بشأن استخدام الذكاء الاصطناعي في النظم القضائية وبيئتها؛ بهدف تحديد الضوابط الأخلاقية والقانونية التي تحكم استخدام الذكاء الاصطناعي في القضاء، بما يضمن حماية الخصوصية واحترام حقوق المتقاضين وتعزيز الشفافية والإنصاف في الإجراءات القضائية، كما يمكن أن يتضمن الميثاق المبادئ المتصلة بعدم التحيز الخوارزمي وعدم التمييز وحماية البيانات القضائية وعمليات الرقابة والإشراف على أنظمة الذكاء الاصطناعي، وكذلك الاستفادة من الخبرات التي تقدمها لجنة الذكاء الاصطناعي في مجال التقنيات الذكية وإعداد المبادئ والأخلاقيات التي تنظم العملية القضائية الخوارزمية.

إعداد الدراسات والبحوث القضائية بشأن تطبيق أنظمة الذكاء الاصطناعي والعدالة التنبؤية في المحاكم ونقل تجارب الدول التي أدخلتها في محاكمها، مع ضرورة توفير البرامج والدورات التدريبية اللازمة لتأهيل الكوادر القضائية والعاملين في المحاكم على كيفية استخدام الأدوات الذكية في العملية القضائية بما يخدم العدالة الناجزة.

وختاما فإن وفقت في الطرح، فذلك من فضل الله وتيسيره، وإن شاب العمل نقص أو خطأ؛ فذلك مني ومن ضعف اجتهادي، وأسأل الله العفو والمغفرة.

قائمة المراجع والمصادر

أولا: العربية:

  1. الكتب والمقالات:
  • إبراهيم، خالد ممدوح. التنظيم القانوني للذكاء الاصطناعي. الإسكندرية: دار الفكر الجامعي، 2022.
  • ابن القاضي. أدب القاضي. الطبعة الأولى.
  • بلال، فاطمة عبد العزيز حسن أحمد. دور الذكاء الاصطناعي في تعزيز العدالة الناجزة أمام القضاء: دراسة مقارنة مع النظام القانوني والقضائي في دولة قطر. الإمارات: دار النهضة العلمية، 2024.
  • جيلرمه، ف. السر في خطأ القضاء: دراسة تحليلية. ترجمة: عوض محمد عوض. الكويت: دار النهضة للدراسات والنشر، سلسلة الدراسات القانونية، الطبعة الثانية، 2018.
  • حافظ، أحمد عبد السلام أحمد. "فكرة العدالة التنبؤية بين الوهم والواقع بالتطبيق على النظام الفرنسي." مجلة القانونية، العدد الخامس عشر (مملكة البحرين: 2024).
  • الرئيسي، ناصر أحمد محمد، حساني محمد نور، وعلي العايدي. "استخدام الذكاء الاصطناعي في القضاء الشرعي: دراسة تحليلية لمدى ملائمته كبديل للنظام القضائي في ضوء الفقه الإسلامي." المجلة الأكاديمية للبحوث والدراسات – مجلة العلوم الإسلامية والقانون، المجلد 1، العدد 1 (2025).
  • زغلول، طارق. العدالة الجنائية في ظل التحول الرقمي: دراسة تحليلية. القاهرة: المركز العربي للبحوث القانونية والقضائية، 2023.
  • شرفي، عبد الرحمن محمد عبد الرحمن. قيم وتقاليد القضاء: دراسة تأصيلية مقارنة. الدوحة: المكتب الفني بمحكمة التمييز، المجلس الأعلى للقضاء، 2020.
  • صيهود، إياد مطشر. استشراف الأثر القانوني لتكنولوجيا الذكاء الاصطناعي (الإنسالة - الروبوت الذكي) ما بعد الإنسانية. القاهرة: دار النهضة العربية، 2021.
  • قطان، عماد عبد الكريم. شرح قانون المرافعات المدنية والتجارية (التنظيم القضائي – التداعي أمام المحاكم – الأحكام). الدوحة: كلية القانون، جامعة قطر، ٢٠٢٠.
  • الكسواني، جهاد. "استقلال القضاء وحياده." مجلة العلوم القانونية والسياسية، جامعة القدس، العدد 201 (2019).
  • مصبح، عمر عبد المجيد. "توظيف خوارزميات 'العدالة التنبؤية' في نظام العدالة الجنائية: الآفاق والتحديات." المجلة الدولية للقانون، المجلد 10، العدد المنتظم الأول (الدوحة: جامعة قطر، 2021).
  • يوسف، كريستيان. المسؤولية المدنية عن فعل الذكاء الاصطناعي. بيروت: منشورات الحلبي الحقوقية، الطبعة الأولى، 2022.
  1. التشريعات:
  • دولة قطر. الدستور الدائم لدولة قطر. الدوحة: الجريدة الرسمية، العدد 6، 8 يونيو 2004.
  • دولة قطر. القانون رقم (12) لسنة 2005 بشأن إجراءات الطعن بالتمييز في غير المواد الجنائية. الدوحة: الجريدة الرسمية، العدد 6، 15 مايو 2005.
  • دولة قطر. القانون رقم (13) لسنة 1990 بإصدار قانون المرافعات المدنية والتجارية وتعديلاته. الدوحة: الجريدة الرسمية، العدد 6، 15 يوليو 1990.
  • دولة قطر. القانون رقم (21) لسنة 2021 بإصدار قانون إنشاء محكمة الاستثمار والتجارة. الدوحة: الجريدة الرسمية، العدد 15، 4 نوفمبر 2021.
  • دولة قطر. القانون رقم (34) لسنة 2017 بإصدار قانون العنوان الوطني. الدوحة: الجريدة الرسمية، العدد 23، 19 ديسمبر 2017.
  • دولة قطر. القانون رقم (4) لسنة 2004 بإصدار قانون التنفيذ القضائي. الدوحة: الجريدة الرسمية، العدد 6، 15 أبريل 2004.
  • دولة قطر. القانون رقم (8) لسنة 2023 بإصدار قانون السلطة القضائية. الدوحة: الجريدة الرسمية، العدد 5، 30 مارس 2023.
  • دولة قطر. مجلس الوزراء. قرار مجلس الوزراء رقم (10) لسنة 2021 بإنشاء لجنة الذكاء الاصطناعي. الدوحة: الجريدة الرسمية، العدد 6، 15 فبراير 2021.
  1. الأحكام القضائية:
  • محكمة التمييز القطرية. الطعن التجاري رقم (27) لسنة 2020، صادر بتاريخ 7 أبريل 2020.
  • محكمة التمييز القطرية. الطعن الجنائي رقم (141) لسنة 2011، صادر بتاريخ 5 ديسمبر 2011.
  • محكمة التمييز القطرية. الطعن المدني رقم (418) لسنة 2017، صادر بتاريخ 28 ديسمبر 2017.
  1. تقارير غير منشورة:
  • المجلس الأعلى للقضاء. مشروع استخدام تطبيقات الذكاء الاصطناعي بأنظمة المحاكم. دولة قطر، 2022–2023. غير منشور.

ثانيا: الأجنبية:

  • Books & Reviews:
  • American Bar Association. "How AI Enhances Legal Document Review." Law Technology Today. Accessed June 11, 2025. https://www.americanbar.org/groups/law_practice/resources/law-technology-today/2025/how-ai-enhances-legal-document-review/.
  • Ball, James, and Charles Arthur. "US Tech Giants Complicit in NSA Data Collection, Says Guardian." The Guardian, June 6, 2013. https://www.theguardian.com/world/2013/jun/06/us-tech-giants-nsa-data.
  • British Institute of International and Comparative Law. Use of Artificial Intelligence in Legal Practice. London: Law Notion, 2023.
  • Carly Schrever, "Judicial Well-being: From an 'Unmentionable Topic' to a Global Conversation," Judicature 109, no. 1 (2025).
  • Chen, Benjamin Minhao, and Zhiyu Li. “How Will Technology Change the Face of Chinese Justice?” Columbia Journal of Asian Law 34, no. 1 (2020).
  • Eric A. Posner and Shivam Saran, Judge AI: Assessing Large Language Models in Judicial Decision-Making, Coase-Sandor Institute for Law and Economics Research Paper No. 25-03 (Chicago: The University of Chicago Law School, January 2023).
  • Galli, Federico, and Giovanni Sartor. “AI Approaches to Predictive Justice: A Critical Assessment.” Humanities and Rights Global Network Journal 5, no. 2 (2023).
  • Giulia Gentile, "AI in the Courtroom and Judicial Independence: An EU Perspective," SSRN Electronic Journal, January 2022, https://ssrn.com/abstract=4198145.
  • IBM. "What Is a Chatbot?" IBM Think. Accessed June 9, 2025.

https://www.ibm.com/think/topics/chatbots/.

  • Impact News Service. "France: Data Just – Towards a Predictive Justice." LexisNexis, April 23, 2020. Accessed June 30, 2025. https://advance.lexis.com.
  • Khanna, Bhishm. Predictive Justice: Using AI for Justice. Kochi: Centre for Public Policy Research, 2021.
  • Lippiello, Michele, and Sirio Zolea. “Predictive Justice: Between Opportunities and Dangers.” The CoESPU Magazine: The Online Journal of Stability Policing – Advanced Studies 2, no. 1 (2023): 9. Accessed June 30, 2025. https://www.coespu.org/articles/predictive-justice-between-opportunities-and-dangers.
  • Lo, Dawn. "Can AI Replace a Judge in the Courtroom?" UNSW Sydney, October 1, 2021. Accessed June 30, 2025. https://newsroom.unsw.edu.au/news/business-law/can-ai-replace-judge-courtroom.
  • Lopes, Giovana. “Artificial Intelligence and Judicial Decision-Making: Evaluating the Role of AI in Debiasing.” TATuP – Journal for Technology Assessment in Theory and Practice 33, no. 1 (2024): 28. Accessed June 30, 2025. https://www.tatup.de/index.php/tatup/article/download/7099/11911?inline=1
  • Quteishat, Enas M. A., Ahmed Qtaishat, and Anas M. A. Quteishat. “Exploring the Role of AI in Modern Legal Practice: Opportunities, Challenges, and Ethical Implications.” Journal of Electrical Systems 20, no. 6s (2024).
  • Sourdin, Tania. “Judge v Robot? Artificial Intelligence and Judicial Decision-Making.” UNSW Law Journal 41, no. 4 (2018).
  • State v. Loomis, 881 N.W.2d 749 (Wis. 2016), "Criminal Law—Sentencing Guidelines—Wisconsin Supreme Court Requires Warning Before Use of Algorithmic Risk Assessments in Sentencing," Harvard Law Review 130, no. 6 (2017).
  • Sushina, Tatyana, and Andrew Sobenin. “Artificial Intelligence in the Criminal Justice System: Leading Trends and Possibilities.” In Proceedings of the 6th International Conference on Social, Economic, and Academic Leadership (ICSEAL-6-2019), Paris: Atlantis Press, 2019.
  • University of Cambridge. "Helping Police Make Custody Decisions Using Artificial Intelligence." University of Cambridge Research Features. Accessed August 12, 2025.

https://www.cam.ac.uk/research/features/helping-police-make-custody-decisions-using-artificial-intelligence.

  • Zhong, Huixin. “Implementation of the EU AI Act Calls for Interdisciplinary Governance.” AI Magazine 45, no. 3 (2024).
  1. Legislations:
  • European Commission for the Efficiency of Justice (CEPEJ). European Ethical Charter on the Use of Artificial Intelligence in Judicial Systems and Their Environment. Strasbourg: Council of Europe, 2018.
  • European Parliament and Council. Regulation (EU) 2024/1689 of 13 June 2024 laying down harmonised rules on artificial intelligence (Artificial Intelligence Act), Article 5. Official Journal of the European Union, L 1689, 2 July 2024.
  • European Union. "Regulation (EU) 2024/1689 of the European Parliament and of the Council of 13 June 2024 on Harmonised Rules on Artificial Intelligence (Artificial Intelligence Act)." EUR-Lex. Accessed July 19, 2025.

https://eur-lex.europa.eu/legal-content/EN/TXT/?uri=CELEX%3A32024R1689.

  1. Cases:

ثالثا: المصادر الإلكترونية:

  • جريدة الشرق. "الأعلى للفضاء يتوسع في تطبيقات الذكاء الاصطناعي." ٢٠ يناير ٢٠٢٥. تم الدخول في ١٧ أغسطس ٢٠٢٥.

https://al-sharq.com/article/20/01/2025/الأعلى-للفضاء-يتوسع-في-تطبيقات-الذكاء-الاصطناعي.

  • المجلس الأعلى للقضاء. "خدمة الموظف الافتراضي عبر تطبيق الواتس." المركز الإعلامي. تم الدخول في ١٦ أغسطس ٢٠٢٥.

https://www.sjc.gov.qa/ar/News/Pages/خدمة-الموظف-الافتراضي-عبر-تطبيق-الواتس.aspx.

  • وزارة المواصلات والاتصالات. استراتيجية قطر الوطنية في مجال الذكاء الاصطناعي. الدوحة: وزارة المواصلات والاتصالات، دون تاريخ. https://www.motc.gov.qa/ar/documents/document/national–artificial–intelligence–strategy–qatar. تم الدخول في 17 أغسطس 2025.
  • IBM. "ما هو قانون الذكاء الاصطناعي الصادر عن الاتحاد الأوروبي؟" تم الدخول في 16 يوليو 2025.

https://www.ibm.com/qa-ar/think/topics/eu-ai-act.

https://www.britannica.com/topic/Pegasus-spyware.

https://www.ie.edu/insights/articles/will-ai-change-litigation/.

  • LawGeex. Contract Review Automation with AI. Accessed August 19, 2025. https://www.lawgeex.com
  • LegalProd. "Predictive Justice." LegalProd. Accessed May 15, 2025.

https://www.legalprod.com/en/predictive-justice/.

  • Lexis+ AI. Generative AI Legal Research Platform. Accessed August 19, 2025.

https://www.lexisnexis.com/en-us/products/lexis-plus-ai.page

  • Luminance. AI-Powered Legal Document Review. Accessed August 19, 2025.

https://www.luminance.com

  • ROSS Intelligence. AI Legal Research Platform. Accessed August 19, 2025.

https://www.rossintelligence.com

https://www.un.org/ar/observances/judicial-well-being-day

"اليوم الدولي لرفاه القضاء." تم الدخول في 12 أغسطس 2025.

الهوامش

  1. 1 CE Noticias Financieras English. “This Is the First Judge Created with Artificial Intelligence.” LexisNexis, 2021. Accessed June 30, 2025.https://advance.lexis.com
  2. 2 Bhishm Khanna, “Predictive Justice: Using AI for Justice” (Kochi: Centre for Public Policy Research, 2021), 4.
  3. 3 عمر عبد المجيد مصبح، "توظيف خوارزميات 'العدالة التنبؤية' في نظام العدالة الجنائية: الآفاق والتحديات"، المجلة الدولية للقانون، المجلد 10، العدد المنتظم الأول (جامعة قطر، 2021)، ص 328.
  4. 4 LegalPond. “Predictive Justice.” LegalPond. Accessed May 15, 2025. https://www.legalpond.com/en/predictive-justice/
  5. 5 Michele Lippiello and Sirio Zolea, “Predictive Justice: Between Opportunities and Dangers,” The CoESPU Magazine: The Online Journal of Stability Policing – Advanced Studies 2, no. 1 (2023): 9, accessed June 30, 2025, https://www.coespu.org/articles/predictive-justice-between-opportunities-and-dangersتاريخ الدخول: 15/5 / 2025.
  6. 6 فاطمة عبد العزيز حسن أحمد بلال، دور الذكاء الاصطناعي في تعزيز العدالة الناجزة أمام القضاء: دراسة مقارنة مع النظام القانوني والقضائي في دولة قطر (الإمارات: دار النهضة العلمية، 2024)، ص 53 وما بعدها.
  7. 7 Tania Sourdin, “Judge v Robot? Artificial Intelligence and Judicial Decision-Making,” UNSW Law Journal 41, no. 4 (2018): 1119–1120.وتجدر الإشارة إلى أن المجلس المدني للعدالة في المملكة المتحدة قد أوصى بإنشاء محكمة جلالة الملكة الإلكترونية للمنازعات المدنية التي تقل قيمتها عن 25.000 جنيه إسترليني، وكان من المخطط أن تعمل المحكمة وفق نظام حديث يتكون من ثلاث مراحل:المرحلة الأولى: تتيح للمتنازعين تقييم نزاعاتهم عبر إدخال المعلومات في نظام إلكتروني، يقوم بتصنيف الدعاوى، وتقديم معلومات عن الحقوق والاستحقاقات، واقتراح خيارات لحل النزاع. وتهدف هذه المرحلة إلى تشجيع الأطراف على حل النزاع بأنفسهم بناء على المعلومات المقدمة.المرحلة الثانية: تشمل مراجعة الوسطاء عبر الإنترنت للمعلومات والوثائق المقدمة من المتنازعين، مع تقديم المساعدة في تسوية المسألة من خلال الوساطة، الاستشارة، أو تشجيع المفاوضات. تشبه هذه المرحلة إلى حد كبير وسائل فض المنازعات البديلة (ADR).المرحلة الثالثة: تتضمن الحكم القضائي عبر الإنترنت بواسطة قضاة المحكمة، بناء على الطلبات الإلكترونية، والمرافعات والدفوع المقدمة عبر الإنترنت، إلى جانب استخدام وسائل الاتصال عبر الهاتف.Ibid., 1120.
  8. 8 Giovana Lopes, “Artificial Intelligence and Judicial Decision-Making: Evaluating the Role of AI in Debiasing,” TATuP – Journal for Technology Assessment in Theory and Practice 33, no. 1 (2024): 28, accessed June 30, 2025. https://www.tatup.de/index.php/tatup/article/download/7099/11911?inline=1.
  9. 9 أحمد عبد السلام أحمد حافظ، فكرة العدالة التنبؤية بين الوهم والواقع بالتطبيق على النظام الفرنسي، مجلة القانونية، العدد الخامس عشر (مملكة البحرين: 2024)، ص 27.
  10. 10 Impact News Service, “France: Data Just – Towards a Predictive Justice,” LexisNexis, April 23, 2020, accessed June 30, 2025.https://advance.lexis.com.
  11. 11 Federico Galli and Giovanni Sartor, “AI Approaches to Predictive Justice: A Critical Assessment,” Humanities and Rights Global Network Journal 5, no. 2 (2022): 183.
  12. 12 Rashida Richardson, Jason M. Schultz, and Kate Crawford, “Dirty Data, Bad Predictions: How Civil Rights Violations Impact Police Data, Predictive Policing Systems, and Justice,” New York University Law Review Online 94, no. 15 (2019): 26–27.
  13. 13 Galli and Sartor, “AI Approaches to Predictive Justice,” 195.
  14. 14 بلال، مرجع سابق، ص 107 – 108.
  15. 15 حافظ، مرجع سابق، ص 27–28.
  16. 16 وفي هذا الصدد ذكر أ. د. عوض محمد عوض ما يلي: "ولا شك أن تحميل القضاة عموما، وشبابهم على وجه الخصوص في مستهل عملهم القضائي، بأعداد من القضايا تتجاوز طاقتهم، هو أهم سبب لما يشكو منه الجميع اليوم من تفشي أخطاء الواقع في أحكام القضاء بمختلف مستوياته؛ فقد دلت التجربة على أن العلاقة بين الكم والكيف عكسية؛ لأن لكل إنسان طاقة؛ فإذا كلف شخص بأداء كم من العمل على نحو معين في زمن محدد؛ فإن مستوى أدائه يتوقف على مدى هذا الزمن ومقدار ذلك الكم. وكلما زاد الكم كان ذلك على حساب الكيف. وكيف يتوقع منصف من قاض متخم بالقضايا التي يطلب منه الفصل فيها في خلال أجل محدود أن يبذل الجهد اللازم في تحري حقيقة الواقع في كل قضية حتى يبلغ به حد اليقين! ولا نعتقد أن هذا الأمر يخفى على من يكلفون بالتفتيش على أعمال القضاة، وأنه لا ينعكس على تقويمهم لما يصدر عن هؤلاء القضاة من أحكام. وهذه حقيقة لا تقبل المكابرة ولا الإنكار؛ سواء كانت محل رضا أم سخط من جانب الكثيرين. ومع ذلك فليس ما ذكرناه هو مكمن الخطر الوحيد، وإنما يكمن الخطر الأكبر في أن القاضي إذا تعود في بداية عمله على أن يبذل بعض الجهد في تحري حقيقة الواقع دون أقصاه؛ فإن هذا المستوى من الأداء يصبح دأبه وديدنه، بل قد يطبعه لما يجعله من طبيعة شخصيته، ويظل هذا حال القاضي حتى وإن رقي من بعد إلى درجة أعلى فقل عدد القضايا التي يعهد بها إليه وصار في حدود طاقته. وهذا أمر يلمسه من يطالع أحكام القضاة المعاصرين ويقارنها بأحكام السلف".ف. جيلرمه، السر في خطأ القضاء: دراسة تحليلية، ترجمة: أ. د. عوض محمد عوض (الكويت: دار النهضة للدراسات والنشر، سلسلة الدراسات القانونية، الطبعة الثانية، 2018)، ص 52.
  17. 17 عبد الرحمن محمد عبد الرحمن شرفي، قيم وتقاليد القضاء: دراسة تأصيلية مقارنة (الدوحة: المكتب الفني بمحكمة التمييز، المجلس الأعلى للقضاء، 2020)، ص 112.
  18. 18 المرجع نفسه، ص 112 وما بعدها.فقد نصت المادة (22) من القانون رقم (12) لسنة 2005 بشأن إجراءات الطعن بالتمييز في غير المواد الجنائية على أنه: ".... تلتزم المحكمة التي أحيلت إليها القضية، بحكم محكمة التمييز في المسائل التي فصل فيها".
  19. 19 روبوت المحادثة هو: "برنامج حاسوبي يحاكي التفاعل البشري مع المستخدمين على الرغم من أن بعض هذه الروبوتات لا تعتمد على الذكاء الاصطناعي؛ إلا أن الأنواع الحديثة تستخدم تقنيات متقدمة لفهم الأسئلة المطروحة مثل معالجة اللغة الطبيعية (NLP) وتقديم ردود آلية عليها".IBM, “What Is a Chatbot?” IBM Think. Accessed June 9, 2025.https://www.ibm.com/thought-leadership/chatbots/.
  20. 20 Dawn Lo, “Can AI Replace a Judge in the Courtroom?” UNSW Sydney, October 1, 2021. Accessed June 30, 2025.https://newsroom.unsw.edu.au/news/business-law/can-ai-replace-judge-courtroom.
  21. 21 بلال، مرجع سابق، ص 83.
  22. 22 Benjamin Minhao Chen and Zhiyu Li, “How Will Technology Change the Face of Chinese Justice?” Columbia Journal of Asian Law 34, no. 1 (2020): 1.
  23. 23 خالد ممدوح إبراهيم، التنظيم القانوني للذكاء الاصطناعي (الإسكندرية: دار الفكر الجامعي، 2022)، ص 77.
  24. 24 American Bar Association, “How AI Enhances Legal Document Review,” Law Technology Today, June 11, 2025.https://www.americanbar.org/groups/law_practice/resources/law-technology-today/2025/how-ai-enhances-legal-document-review/.
  25. 25 تجدر الإشارة بأن خوارزميات الذكاء الاصطناعي تم إدخالها في مجال التحقيقات الجنائية والكشف عن مرتكبي الجرائم وملاحقتهم والتنبؤ بوقوع الجرائم لمنع وقوعها، وكذلك التنبؤ بالأفراد الذين قد يرتكبون تلك الجرائم مستقبلا، وفي بريطانيا يتم استخدام أدوات الذكاء الاصطناعي للكشف عن المعاملات المالية المشبوهة، وأما الإنتربول؛ فقد استخدم تلك الأدوات للتعرف على المجرمين وضحاياهم وتحليل الصور والفيديوهات المتعلقة بجرائم الاستغلال الجنسي للأطفال، كما تم استخدامها في المحاكم الجنائية ولجان المراقبة في الولايات المتحدة مثل نظام (Harcourt)، وقد اعتمدت بعض وكالات إنفاذ القانون على بعض الخوارزميات حول هذا الأمر للتنبؤ بالجرائم التي قد ترتكب مثل:(PredPol) سانتا كروز، كاليفورنيا، الولايات المتحدة.(HunchLab) فيلادلفيا، الولايات المتحدة.(Precobs) زيورخ، سويسرا وميونخ، ألمانيا.(Maprevelation) فرنسا.Tatyana Sushkina and Andrey Sobolev, “Artificial Intelligence in the Criminal Justice System: Leading Trends and Possibilities,” in Proceedings of the 6th International Conference on Social, Economic, and Academic Leadership (ICSEAL-6-2019) (Paris: Atlantis Press, 2019), 434.
  26. 26 British Institute of International and Comparative Law. Use of Artificial Intelligence in Legal Practice. London: Law Notion, 2023, 2.
  27. 27 Ibid., 3.
  28. 28 Enas M. A. Qutaishat, Ahmed Qutaishat, and Anes M. A. Qutaishat, “Exploring the Role of AI in Modern Legal Practice: Opportunities, Challenges, and Ethical Implications,” Journal of Electrical Systems 20, no. 6 (2024): 3041. وتجدر الإشارة إلى أن مراجعة العقود المتنوعة وصياغتها في عصرنا الحالي أصبحت أكثر دقة وذلك بفضل استخدام الخوارزميات القائمة على تحليل بنود العقد وتوقع المخاطر المحتملة التي قد تنتج عند الإخلال بالعقد، ومن ضمن هذه الأنظمة الذكية (Kira Systems) و(Law Geex) فهذان النظامان يوفران حلولا ذكية لمراجعة العقود ويتيحان تحليل بنود العقد بدقة وجودة؛ مما يساعد المحامين والمختصين في إدارات العقود في تحسين جودة الصياغة وتسريع عملية التفاوض على العقود، كما يحقق قيمة وجذب للعملاء والمستفيدين.Ibid. 3041.
  29. 29 بلال، مرجع سابق، ص 65 وما بعدها.
  30. 30 Ibid., 7–8.
  31. 31 Quteishat, “Exploring the Role of AI in Modern Legal Practice,” 3042.
  32. 32 طارق زغلول، العدالة الجنائية في ظل التحول الرقمي: دراسة تحليلية (القاهرة: المركز العربي للبحوث القانونية والقضائية، 2023)، ص 124 وما بعدها.
  33. 33 Eboigbe, “AI in Legal Analytics,” 11–13.
  34. 34 تقوم شرطة (Durham) في بريطانيا باتخاذ قرارات صعبة مبنية على تقييم أخطار ارتكاب الجرائم، وقد تم إدخال أنظمة الذكاء الاصطناعي في تقييم هذه المخاطر بعد أن تم تدريب الأنظمة الذكية من قبل علماء الجريمة في جامعة كامبريدج، وذلك لمساعدة الشرطة في تقديم الإرشادات اللازمة بشأن النتائج المبنية على السجلات الجنائية؛ لذلك تهدف خوارزمية (HART) إلى تصنيف الجاني وفقا لمدى احتمالية ارتكابه للجرائم وفقا لثلاث فئات: مرتفع: جرائم قتل، جرائم جنسية، جرائم عنف، سطو مسلح ... إلخ، متوسط: ارتكاب جرائم غير خطيرة، منخفض: من غير المحتمل ارتكابه لأية جريمة.انظر:University of Cambridge, “Helping Police Make Custody Decisions Using Artificial Intelligence,” University of Cambridge Research Features, August 12, 2015. https://www.cam.ac.uk/research/features/helping-police-make-custody-decisions-using-artificial-intelligence.
  35. 35 كريستيان يوسف، المسؤولية المدنية عن فعل الذكاء الاصطناعي (بيروت: منشورات الحلبي الحقوقية، الطبعة الأولى، 2022)، ص 26.
  36. 36 إياد مطشر صيهود، استشراف الأثر القانوني لتكنولوجيا الذكاء الاصطناعي (الإنسالة – الروبوت الذكي) ما بعد الإنسانية (القاهرة: دار النهضة العربية، 2021)، ص 114.
  37. 37 European Commission for the Efficiency of Justice (CEPEJ), European Ethical Charter on the Use of Artificial Intelligence in Judicial Systems and Their Environment (Strasbourg: Council of Europe, 2018), 5.
  38. 38 CEPEJ, European Ethical Charter, 8.
  39. 39 شرفي، مرجع سابق، ص 30.
  40. 40 CEPEJ, European Ethical Charter, 9.
  41. 41 Ibid., 10.
  42. 42 Ibid., 11.
  43. 43 Ibid., 12.
  44. 44 بلال، مرجع سابق، ص 168.
  45. 45 Haitian Zhang. “Implementation of the EU AI Act Calls for Interdisciplinary Governance.” AI Magazine 45, no. 3 (2024): 333.
  46. 46 " IBM) "ما هو قانون الذكاء الاصطناعي الصادر عن الاتحاد الأوروبي؟ "IBM(. Accessed July 16, 2025. https://www.ibm.com/geo-ar/think/digital/overview-ai-act
  47. 47 European Parliament and Council. Regulation (EU) 2024/689 of 13 June 2024 laying down harmonised rules on artificial intelligence (Artificial Intelligence Act), Article 5. Official Journal of the European Union, L 168/2, July 2024.
  48. 48 European Union. “Regulation (EU) 2024/689 of the European Parliament and of the Council of 13 June 2024 on Harmonised Rules on Artificial Intelligence (Artificial Intelligence Act).” EUR-Lex. July 19, 2025. https://eur-lex.europa.eu/legal-content/EN/TXT/?uri=CELEX%3A32024R0689
  49. 49 Eric A. Posner and Sitaram Seeran. Judge AI: Assessing Large Language Models in Judicial Decision-Making. Coase-Sandor Institute for Law and Economics Research Paper No. 25-03 (Chicago: The University of Chicago Law School, January 2023), 1.
  50. 50 Ibid., 4-5.
  51. 51 محكمة التمييز القطرية، الطعن المدني رقم (418) لسنة 2017، صادر بتاريخ 28 ديسمبر 2017.
  52. 52 محكمة التمييز القطرية، الطعن الجنائي رقم (141) لسنة 2011، صادر بتاريخ 5 ديسمبر 2011.
  53. 53 محكمة التمييز القطرية، الطعن التجاري رقم (27) لسنة 2020، صادر بتاريخ 7 أبريل 2020.
  54. 54 شرفي، مرجع سابق، ص 131- 132.
  55. 55 ابن القاضي، أدب القاضي، الطبعة الأولى، ص 98.
  56. 56 ناصر أحمد محمد الرئيسي، علي العايدي، حساني محمد نور، "استخدام الذكاء الاصطناعي في القضاء الشرعي: دراسة تحليلية لمدى ملائمته كبديل للنظام القضائي في ضوء الفقه الإسلامي"، المجلة الأكاديمية للبحوث والدراسات – مجلة العلوم الإسلامية والقانون، المجلد 1، العدد 1 (2025)، ص 15.
  57. 57 محكمة التمييز القطرية، الطعن المدني رقم (418) لسنة 2017، صادر بتاريخ 28 ديسمبر 2017.
  58. 58 جهاد الكسواني، "استقلال القضاء وحياده"، مجلة العلوم القانونية والسياسية، جامعة القدس، العدد 201 (2019)، ص 69–70.
  59. 59 عماد عبد الكريم قطان، شرح قانون المرافعات المدنية والتجارية (التنظيم القضائي – التداعي أمام المحاكم – الأحكام) ، من إصدارات كلية القانون، جامعة قطر، دولة قطر، 2020، ص 33.
  60. 60 شرفي، مرجع سابق، ص 35 – 37.
  61. 61 United Nations. “اليوم الدولي لرفاه القضاء.” United Nations Observances. August 12, 2025. https://www.un.org/ar/observances/judicial-well-being-day.
  62. 62 Carly Schrever, “Judicial Well-being: From an ‘Unmentionable Topic’ to a Global Conversation,” Judicature 109, no. 1 (2025): 54.
  63. 63 انظر: المطلب الثالث من المبحث الأول.
  64. 64 Giulia Gentile, “AI in the Courtroom and Judicial Independence: An EU Perspective,” SSRN Electronic Journal, January 2022, 1.https://ssrn.com/abstract=4198145.بيغاسوس (Pegasus) هي برمجية تجسس طورتها شركة (NSO Group) الإسرائيلية والمختصة بالاستخبارات السيبرانية، وقد أثارت هذه البرمجة الجدل بعد أن تم استخدامها لتعقب قادة الحكومات والسياسيين ونشطاء حقوق الإنسان والمعارضين والصحفيين.Britannica. “Pegasus Spyware.” Encyclopedia Britannica. Accessed August 13, 2025. https://www.britannica.com/topic/Pegasus-spyware.وأما بشأن بريزم (PRISM)؛ فقد حصلت صحيفة (The Guardian) على وثيقة سرية مفادها بأن وكالة الأمن القومي الأمريكية (NSA) لها صلاحية الوصول المباشر إلى أنظمة شركات الإنترنت الأمريكية الكبرى مثل: (Google) و(Facebook) و(Apple)، وهذه التقنية تتيح للمسؤولين في الوكالة الوصول إلى جميع سجلات البحث والاطلاع على رسائل البريد الإلكتروني ونقل الملفات والدردشات المباشرة.Ball, James, and Charles Arthur. “US Tech Giants Complicit in NSA Data Collection, Says Guardian.” The Guardian. June 6, 2013.https://www.theguardian.com/world/2013/jun/06/us-tech-giants-nsa-data.
  65. 65 الذكاء الاصطناعي القابل للتفسير (XAI): هو مجموعة من العمليات والأساليب التي تمكن المستخدم البشري من فهم وموثوقية النتائج والمخرجات التي تنتجها خوارزميات التعلم الآلي.IBM. “What Is Explainable AI?” IBM Think. August 14, 2025.https://www.ibm.com/thought-leadership/think/what-is-explainable-ai.
  66. 66 State v. Loomis, 881 N.W.2d 749 (Wis. 2016), “Criminal Law—Sentencing Guidelines—Wisconsin Supreme Court Requires Warning Before Use of Algorithmic Risk Assessments in Sentencing,” Harvard Law Review 130, no. 6 (2017): 1530–1537.
  67. 67 IE University, “Will AI Change Litigation?,” IE Insights, accessed August 15, 2025, https://www.ie.edu/insights/articles/will-ai-change-litigation/.
  68. 68 Court of Justice of the European Union. Judgment of the Court (Grand Chamber) of 7 December 2023 – OQ v. Land Hessen (Case C‑634/21). EUR-Lex. August 15, 2025.https://eur-lex.europa.eu/eli/c/2024/3123/oj/eng.
  69. 69 بلال، مرجع سابق، ص 141 – ص 146.
  70. 70 المجلس الأعلى للقضاء، "خدمة الموظف الافتراضي عبر تطبيق الواتس"، المركز الإعلامي، تم الوصول إليه في 16 أغسطس 2025، https://www.sjc.gov.qa/ar/News/Pages/خدمة-الموظف-الافتراضي-عبر-تطبيق-الواتس.aspx.
  71. 71 بلال، مرجع سابق، ص 94.
  72. 72 المجلس الأعلى للقضاء. مشروع استخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي بأنظمة المحاكم بدولة قطر 2021–2023. منشور رسمي، 10 يونيو 2025.
  73. 73 جريدة الشرق، "الأعلى للقضاء يتوسع في تطبيقات الذكاء الاصطناعي"، 20 يناير 2025، تم الوصول إليه في 17 أغسطس 2025. https://al-sharq.com/article/20/01/2025/الأعلى-للقضاء-يتوسع-في-تطبيقات-الذكاء-الاصطناعي
  74. 74 لقد نصت المادة 3 من قرار مجلس الوزراء رقم (10) لسنة 2021 بإنشاء لجنة الذكاء الاصطناعي على أنه: "تختص اللجنة بما يلي: وضع آليات تنفيذ استراتيجية قطر للذكاء الاصطناعي، ومتابعة ذلك، بالتنسيق مع الوزارات والجهات المعنية في الدولة.الإشراف على البرامج والمبادرات المتعلقة بالذكاء الاصطناعي التي تطلقها الوزارات والجهات المعنية في الدولة، وضمان وصولها للقطاعات وإنجازها ومراجعتها، بالتنسيق مع تلك الوزارات والجهات.وضع التوصيات الخاصة بخطط وبرامج إعداد الكوادر البشرية في مجال تطبيقات الذكاء الاصطناعي، بالتنسيق مع الجهات المعنية في الدولة.اقتراح أنشطة وفعاليات، لدعم الشركات الناشئة في مجال الذكاء الاصطناعي والبحث العلمي في هذا المجال.إنشاء قنوات الاتصال مع المؤسسات الدولية والجهات الخارجية المختصة، ووضع أطر التعاون معها، ومتابعة التطورات والمستجدات في مجال الذكاء الاصطناعي، بالتنسيق مع الجهات المختصة في الدولة.المشاركة في المؤتمرات والندوات المحلية والإقليمية والدولية ذات العلاقة بالذكاء الاصطناعي.إعداد التقارير الدورية عن مدى تقدم تنفيذ استراتيجية قطر للذكاء الاصطناعي".
  75. 75 وزارة المواصلات والاتصالات. استراتيجية قطر الوطنية في مجال الذكاء الاصطناعي. الدوحة: وزارة المواصلات والاتصالات، دون تاريخ. (تم الوصول إليه في 17 أغسطس 2025).https://www.motc.gov.qa/ar/documents/document/national-artificial-intelligence-strategy-qatar
  76. 76 بلال، مرجع سابق، ص 156 – 158.

إحصائيات الاستخدام

المشاهدات
تحميلات PDF

كيفية الاقتباس

كيفية الاقتباس

دور الذكاء الاصطناعي في العدالة التنبؤية: بديل أم معاون للقاضي؟. (2026). المجلة القانونية والقضائية, 20(1). https://ljj.qa/ojs/index.php/MOJ/article/view/144

المشاهدات

16

التحميلات

22

الاستشهادات

0

المؤلفون

1
يوليو 2026
الصفحات —

إصدار

1

السنة

2026