مع توسع العلاقات بين الأفراد وزيادتها، وتطور العقود من ناحية المفهوم وآلية إبرامها، استدعى الأمر من المشرعين - على نطاق محلي ودولي - إجراء بعض الإصلاحات التشريعية، وإقرار بعض المبادئ القانونية كالالتزام بالإعلام، وتنظيم المرحلة السابقة على التعاقد، وغيرها من المبادئ.
وأحد أهم تلك المبادئ المستحدثة: مبدأ الالتزام بالمطابقة، ذلك المبدأ الذي تأخذ به القوانين التابعة للنظام (الأنجلوسكسوني)، بجانب عدد من الاتفاقيات والمبادئ الدولية، كاتفاقية الأمم المتحدة بشأن عقود البيع الدولي للبضائع ١٩٨٠م، والمبادئ المتعلقة بالعقود التجارية الدولية (اليونيدروا).
وبدراسة أحكام مبدأ الالتزام بالمطابقة في تلك الاتفاقية والمبادئ من جهة، ومقارنتها مع أحكام القانون القطري من جهة أخرى، يتوصل إلى أن القانون القطري لم يتضمن ذلك المبدأ بشكل صريح كقاعدة عامة، وإنما نص عليه في مواضع متفرقة، ومن هذا المنطلق خلص البحث لتوصية تتمثل في اقتراح وضع نظرية عامة للالتزام بضمان المطابقة، وتحديد مناط الأحكام الخاصة به، بدلا من تناثرها بين الأحكام العامة الخاصة بالعقود في القانون المدني، وقانون التجارة، وقانون حماية المستهلك، بحيث يصبح الالتزام بالمطابقة التزاما قانونيا قائما بذاته لا يحتكم بشأن إحدى إشكالياته إلى القواعد العامة.
يعد الالتزام بالمطابقة من أهم ركائز حماية المستهلك الإلكتروني؛ فهو يشكل انعكاسا حقيقيا للعلاقة التي تنشأ في تلك البيئة الرقمية1، حيث يجسد هذا الالتزام مبدأ الثقة في المعاملات ويعكس احترام المورد )المزود( لحقوق المستهلك، فالمنتج أو الخدمة المطابقة لما تم الاتفاق عليه يعدان خير مثال للتوافق التعاقدي، وانعكاس لصدق نية أطراف العقد. ومن ثم، يصدق الوصف بأن الالتزام بالمطابقة ما هو إلا امتداد لاحترام رغبات المستهلك، إلا أن ذلك لا يخلو من التحديات نظرا لحداثة هذه العقود والبيئة التي تتم فيها، وهو الأمر الذي يؤثر في صعوبة التحقق من مطابقة المبيع لما تم التعاقد عليه تحديدا2؛ نظرا لانعدام الكثير من الأمور وأهمها خيار الرؤيا قبل التعاقد، حيث إن غالبية تلك العقود المستحدثة تبرم على نطاق دولي، أو تبرم دون التقاء أطراف العقد.
وكلما زاد احترام هذا الالتزام من قبل الموردين، انعكس ذلك على زيادة الثقة في المعاملات الإلكترونية؛ أي إن التشريعات التي تكرس مسألة حماية المستهلك عموما ومسألة المستهلك الإلكتروني على وجه أخص من ضمن منظومتها؛ فهي بذلك ترسخ قواعد العدالة والثقة في التعاملات الإلكترونية، كما أنها تحد من فرص الاستغلال أو الغش، لا سيما في ظل اتساع نطاق التجارة الإلكترونية وزيادة عدد المستهلكين المتعاملين بها، وعلى النقيض؛ فإن تجاهل هذا الالتزام يفتح المجال لظهور ممارسات خادعة تستهدف المستهلكين، وتفرغ مفهوم الحماية من مضمونه، خصوصا إذا ما كان المستهلك في موقع ضعف معرفي أو تقني أو من ناحية الخبرة، وبالتالي لا يمكنه التأكد من وجود المطابقة من عدمها3.
وفي هذا السياق؛ فإن القانون بما يتضمنه من نصوص ملزمة؛ فإنه يظل السلاح الأفضل لحماية المستهلك، حيث إنه المعني بفرض الضمانات التي تكفل تطابق المنتج أو الخدمة مع ما تم عرضه أو التعاقد عليه، وتحدد فعالية هذه الحماية بكفاءة تلك النصوص التشريعية وقابليتها لمواكبة التطورات وتغير احتياجات المستهلكين.
ولما كانت الحماية التقليدية للمستهلك قائمة على المفاهيم المعروفة في العقود المدنية وفي قوانين حماية المستهلك الكلاسيكية؛ فإن التطورات الإلكترونية المتسارعة تفرض واقعا جديدا لا يمكن تجاهله، فالعقد الإلكتروني، وما يترتب عليه من التزامات، لا سيما الالتزام بالمطابقة، بات يستلزم إطارا قانونيا مرنا يتلاءم مع طبيعة تلك المعاملات الحديثة، ويضمن تحقيق التوازن بين أطراف العلاقة التعاقدية، وهنا تتضح أهمية بعض المبادئ والقواعد؛ سواء كانت مستحدثة على نطاق التشريع المحلي كالمشرع الفرنسي وتعديلاته التشريعية التي أجراها على قانونه المدني بموجب المرسوم 131-2016 والصادر في 10/02/2016م، حينما نظم المرحلة السابقة على التعاقد والمفاوضات فيها، والالتزام بالإعلام4، وما ورد في تقنين الاستهلاك الفرنسي، أم تلك التي على نطاق دولي حينما ظهرت القوانين الاسترشادية، والاتفاقيات الدولية كاتفاقية الأمم المتحدة لعام 1980م بشأن عقود البيع الدولي للبضائع، والمبادئ الدولية كالمبادئ المتعلقة بالعقود التجارية الدولية مبادئ (اليونيدروا) والصادرة من قبل المعهد الدولي لتوحيد القانون الخاص.
وقبل بيان مضمون هذا البحث سيتم التطرق لإشكاليته، وأهميته، ومنهجيته، والدراسات السابقة في ذات الموضوع، ثم تأتى الخطة المتبعة لتناوله.
إشكالية البحث:
وتتمثل مشكلة البحث بشكل رئيس في التالي: إلى أي مدى يشكل الالتزام بالمطابقة عند التسليم آلية فعالة لحماية المستهلك الإلكتروني في ضوء أحكام كل من النصوص القانونية الوطنية والمقارنة، وبخاصة في ظل تطور أنماط التجارة الإلكترونية؟ وما مدى توافقها مع ما أقرته الاتفاقيات الدولية والنماذج التشريعية المقارنة، وعلى رأسها اتفاقية الأمم المتحدة لعام 1980م (اتفاقية فيينا) ومبادئ (اليونيدروا)؟
ويتفرع عن هذه الإشكالية عدد من الأسئلة الفرعية، أبرزها:
أهمية البحث وهدفه:
تتمثل في أنه يسلط الضوء على الالتزام بالمطابقة كأداة قانونية لحماية المستهلك، تظهر آثارها بعد إبرام العقد، وتعد انعكاسا لمستوى تطور الحماية التشريعية للمستهلك الإلكتروني، وهو الأمر الذي يوجب دراسة هذا الالتزام في ضوء ما توفره النصوص من ضمانات، وما قد تعانيه من قصور أو ضعف تشريعي، مع الدعوة إلى تطويرها بما يتلاءم مع متغيرات العصر.
ويهدف البحث - في هذا الإطار – إلى بيان مفهوم الالتزام بالمطابقة وتحديد مضمونه القانوني، وتحليل الطبيعة القانونية لهذا الالتزام، وتسليط الضوء على الشروط اللازمة لقيام المسؤولية المدنية نتيجة الإخلال بالالتزام بالمطابقة، مع توضيح الآثار القانونية المترتبة على الإخلال بهذا الالتزام، ومدى فعاليتها في ضمان ردع الموردين وحماية حقوق المستهلكين، وأخيرا تقييم مدى كفاية التشريعات القطرية والقوانين المقارنة في حماية المستهلك الإلكتروني من خلال تفعيل الالتزام بالمطابقة، مع عرض لموقف المشرع من الاتفاقيات والنماذج والعقود التشريعية الدولية.
الدراسات السابقة:
Anticipatory Breach of Contract and the Necessity of Adequate Assurance under English Law and the UCC (2018، نشرت في (Oxford University Commonwealth Law Journal.
وقد تناول الباحث فيها مفهوم الإخلال المبتسر والخرق الجوهري في القانون الإنجليزي، وبين كيف تميز هذه المفاهيم بين الإخلال الذي يجيز الفسخ وغيره، وخلص إلى ضرورة تطوير ضمانات مسبقة للأداء في العقود الدولية. ويختلف هذا البحث عن هذه الدراسة بأنه يقارن بأحكام القانون القطري، ويقارب مفهومي الإخلال المبتسر، والإخلال الجوهري، مع بيان مدى إمكانية تطبيقهما في أحكامه.
وقد تناول الباحث مبدأ الالتزام بالمطابقة في عقد البيع الدولي، عبر بيانه لماهيته، ومفهومه، وأهميته، وأحكامه. وخلص إلى ضرورة تعزيز التعاون فيما يتعلق بالعقود الدولية، مع زيادة الوعي بشأنها. إلا أن هذا البحث سيضيف على ما انتهت إليه الدراسة - سالفة الذكر - مسألة تمييز هذا المبدأ عن غيره من المبادئ القانونية التي تتداخل معه وتتشابه – ظاهرا -، بالإضافة إلى بيان موقف المشرع القطري من هذا المبدأ، ومن غيره من المبادئ التي تتضمنها الاتفاقيات والمبادئ الدولية. بالإضافة إلى أنه سيبدأ حيث ما انتهت إليه الدراسة؛ فالعقود التي يبرمها المستهلك على نطاق محلي تأتي بعد سلسلة من العقود كانت قبلها وهي عقود البيع الدولية.
وقد تناولت هذه الدراسة هذا المبدأ على نطاق القوانين المدنية فقط، أما هذا البحث سيتميز عن تلك الدراسة في أنه سيتناول المبدأ من منظور الاتفاقيات والمبادئ الدولية، فضلا عن أنه سيتناول شيئا من التشريعات القطرية (قانون حماية المستهلك، وقانون المعاملات الإلكترونية).
وكانت هذه الدراسة في أحكام القانون الجزائري، وتبحث في حماية المستهلك الإلكتروني في حال إخلال المورد بمبدأ الالتزام بالمطابقة. وسيتميز هذا البحث عن تلك الدراسة في أنه سيضيف بعدا آخر متمثلا في الاتفاقيات الدولية، وسيبحث في أحكام القانون القطري.
منهج البحث:
سيتناول موضوع هذا البحث من خلال دراسة تحليلية مقارنة للنصوص المتعلقة بمبدأ الالتزام بالمطابقة في كل من اتفاقية فيينا، ومبادئ (اليونيدروا)، بالأحكام المقابلة لهما في التشريع القطري انتهاء ببيان مدى مواءمة أحكام القانون القطري لهما أو عدمه.
خطة البحث:
سيتم تناول موضوع البحث من خلال تقسيمه إلى مبحثين، وذلك على النحو التالي:
المبحث الأول: مفهوم الالتزام بالمطابقة
المبحث الثاني: التنظيمات التشريعية المختلفة للالتزام بالمطابقة
المبحث الأول
مفهوم الالتزام بالمطابقة
تعد مسألة تحقيق التوازن العقدي بين أطراف العلاقة التعاقدية، من أكثر الأمور إلحاحا لا سيما في العقود الإلكترونية، حيث لا يتساوى فيها العلم والخبرة – غالبا - بمحل العقد بين طرفي العلاقة، وهنا تبرز الحاجة إلى وضع قواعد قانونية تهدف إلى التوفيق بين الأطراف في تلك العلاقة، ومن تلك القواعد مبدأ الالتزام بالمطابقة.
ولكي يتم الحديث عن هذا الالتزام، يتناول المطلب الأول من هذا المبحث مضمون هذا الالتزام من أكثر من منظور – وفق ما سيتم بيانه -، ومن ثم يتناول المطلب الثاني الطبيعة القانونية للالتزام بالمطابقة، والأثر المترتب قانونا على الإخلال به، من خلال بيان المسؤولية الناشئة عن الإخلال بهذا الالتزام، وذلك على الوجه التالي بيانه:
مضمون الالتزام بالمطابقة
يتناول هذا المطلب مفهوم الالتزام بالمطابقة، ثم يتناول مسألة تمييز هذا الالتزام عن غيره، وذلك وفق التالي:
ماهية الالتزام بالمطابقة
تجدر الإشارة إلى أن المطابقة التي يلتزم بها المورد، هي مطابقة المنتج أو الخدمة للمواصفات المتفق عليها في العقد، في حين أن عدم المطابقة هو تسليم منتج أو خدمة لا تتطابق مع المعقود عليه، وبعبارة أخرى الاختلاف بين المنتج أو الخدمة المتفق عليه في العقد وبين المنتج أو الخدمة المسلمة للمستهلك5، ويشمل ذلك بشكل خاص اختلافا في الجودة أو الكمية المحددة في العقد بين ما هو متفق عليه وبين ما تم تسليمه، كما تعني المطابقة أيضا أن يكون ما تم تسليمه خاليا من العيوب الظاهرة6.
ويفهم عدم المطابقة في إطار القانون المدني على أنه اختلاف في المنتج أو الخدمة التي تم تسليمها مقارنة بالخصائص المتفق عليها مع المستهلك في العقد أو في أمر الشراء، ويؤخذ بعين الاعتبار أن المنتج أو الخدمة، إذا كان خاضعا لمعايير قانونية أو تنظيمية، أو لمواصفات تقنية، أو حتى لعادات تجارية؛ فإن الامتثال لهذه القواعد يعد جزءا من العقد، حتى وإن لم تذكر صراحة فيه7.
لقد خلا القانون القطري من وضع تعريف وتنظيم مباشر لمبدأ الالتزام بالمطابقة، إلا أنه يتبين - باستقراء المواد القانونية ذات الصلة - وجود ضوابط عامة لهذا المبدأ، حتى وإن وردت بشكل عابر، حيث تم النص على ذلك المبدأ بصورة صريحة في بعض النصوص وبصورة غير مباشرة في أكثر من قانون؛ ففي القانون المدني، وفي قانون حماية المستهلك، كما ورد أيضا في قانون التجارة القطري رقم (27) لسنة 2006م، وكذلك في الفصل الثامن من المرسوم بقانون رقم (16) لسنة 2010 بإصدار قانون المعاملات والتجارة الإلكترونية.
وسيتم التعرض لما ورد من تنظيم هذا المبدأ من قبل المشرع القطري بشكل تفصيلي في المبحث القادم، وعلى الرغم مما تقدم؛ فإن خلو القانون القطري من تعريف صريح للالتزام بالمطابقة لا يشكل قصورا تشريعيا، حيث إن هذا الأمر معني به الفقه القانوني.
وعلى المستوى الفقهي، يعرف جانب من الفقه الالتزام بالمطابقة بأنه: "تعهد محله عمل يلزم به البائع بتقديم البضاعة والمستندات الخاصة بها وفقا لما يفرضه العقد والقانون"8، وهنالك من عرفه بأنه: "تعهد البائع بأن يكون المبيع وقت التسليم موافقا للشروط المتفق عليها في العقد صراحة أو ضمنا ومحتويا على المواصفات التي تجعله صالحا للاستعمال بحسب طبيعته ووفقا لغرض المشتري بما يشمل حسن الانتفاع به وتوقي أضراره"9.
وهنالك جانب آخر من الفقه قد توسع في مفهوم ذلك المبدأ بحيث استعرض جانبين منه، فالأول؛ يتعلق بالمطابقة الوصفية: وذلك حين التعاقد على مبيع فإنه يستوفي مواصفات معينة بناء على اتفاق أطراف العقد، أو صدور تعهد صريح بذلك من قبل البائع، أو صدور ذلك التعهد كأثر لاشتراط المشتري وجود تلك الصفات في المبيع10. أما الجانب الثاني؛ فإنه يتعلق بالمطابقة الوظيفية، ويقصد بها: أنه لا يكفي أن يقوم البائع بتسليم مبيع تتوفر فيه الصفات المتفق عليها، بل يلزم أيضا أن يكون صالحا لوجهة استعماله المخصص لها11، وتجدر الإشارة إلى أن القضاء الفرنسي توسع في ذلك المفهوم12.
ورجوعا لموضوع البحث الرئيس؛ فإن مبدأ الالتزام بالمطابقة في مجال العقود الإلكترونية يختلف عن العقود الكلاسيكية، حيث إن له شيئا من الخصوصية؛ لأن المستهلك الذي تعاقد إلكترونيا لا يمكنه معاينة السلعة وفحصها على أرض الواقع – في الأغلب من العقود – فتعاقده يكون على ما رآه في العرض الإلكتروني13.
ومما يؤخذ على التعريفات أعلاه، أنها تقتصر على المنتجات المبيعة دون أن تشمل الخدمات، في حين أن المستهلك الإلكتروني قد يشتري خدمة إلكترونية، لا منتجا ماديا، وبالتالي؛ فإن الالتزام بالمطابقة يجب أن يمتد ليشمل كلا من المنتجات والخدمات على حد سواء.
حيث إن المزود الإلكتروني يلتزم بتسليم منتج أو خدمة صالحة للاستعمال في الأغراض الخاصة التي يرغبها المستهلك الإلكتروني، فالمنتجات أو الخدمات التي لا تحقق الغرض الخاص المنشود منها تعد غير مطابقة لعقد البيع، حتى لو كانت صالحة للاستخدام العادي14.
ويفترض هذا الفهم في بيئة التعاقد الإلكتروني، بأن المزود الإلكتروني يتمثل بكل شخص يقوم بالتسويق أو الترويج أو بيع منتج أو خدمة من خلال الوسائل الإلكترونية، وبالمقابل؛ فإن المستهلك الإلكتروني يتمثل بكل من يستفيد أو يشتري من مزود إلكتروني منتج أو خدمة بواسطة وسائل إلكترونية سواء كان للاستخدام الشخصي أم التجاري، وهذا يستتبع بالضرورة أن يلتزم المورد بأن يكون المنتج أو الخدمة - وقت التسليم سواء كان منتجا أم خدمة - مطابقا للمواصفات والشروط والرغبات المشروعة للمستهلكين، سواء الواردة في القوانين واللوائح والمقاييس والعادات المهنية، أم الواردة في أحكام العقد المتفق عليه بما يضمن الصلاحية لوجهة الاستعمال.
وبالمقابل؛ حسنا فعل المشرع القطري في المرسوم بقانون رقم 16 لسنة 2020م بإصدار قانون المعاملات والتجارة الإلكترونية، حيث فصل ما بين المعاملة الإلكترونية، والخدمة الإلكترونية. فنص في المادة الأولى من المرسوم بقانون على المعاملة الإلكترونية والتي عرفها بأنها: "أي تعامل، أو تعاقد، أو اتفاق، يتم إبرامه أو تنفيذه، بشكل جزئي أو كلي، بواسطة اتصالات إلكترونية"، وكذلك عرف خدمة التجارة الإلكترونية بأنها: "خدمة تقدم عادة مقابل أجر، أو ذات طبيعة غير تجارية، تقدم بواسطة جمع بين نظام معلومات وأي شبكة أو خدمة اتصالات سلكية أو لاسلكية، بما في ذلك خدمات الحكومة الإلكترونية"15، إلا أنه يؤخذ عليه عدم التطرق لما يتم التعاقد عليه لغرض تجاري؛ ففي الواقع العملي أغلب العقود بين التجار تتم عن طريق إلكتروني.
أما من منظور دولي، فمن خلال النظر في النصوص التي تطرقت لذلك الالتزام في اتفاقية فيينا بشأن عقود البيع الدولي للبضائع؛ نجد أن الاتفاقية قد نصت على ذلك الالتزام في أكثر من موضع16، ولم تورد له تعريفا صريحا، ولكنها تخلص إلى نتيجة مفادها أنها وضعت ضوابط عامة في النصوص المنظمة له، من حيث الكمية والنوع والأوصاف .... إلخ17. ويشار إلى أن الاتفاقية اعتبرت مفهوم المطابقة كالتزام مستقل عن الالتزام بالتسليم18.
ومن جانب آخر؛ فمبادئ (اليونيدروا) قد تضمنت هذا الالتزام فيما يسمى بعدم التنفيذ، وذلك في الفصل السابع منها19، ويتضح أن عدم التنفيذ يشمل جميع أنواع الالتزامات التي تنشأ عن العقد20؛ أي إنه في حال عدم تنفيذ البائع التزامه من خلال عدم مطابقة المنتج لما تم التعاقد عليه؛ فإنه في هذه الحالة يكون قد أخل بالتزام مفروض عليه، ويكون للمشتري الحق في مواجهة هذا الإخلال21.
مما تقدم، يمكن القول بأن مبدأ الالتزام بالمطابقة يلزم المدين (المتمثل بالتاجر أو مزود الخدمة) بتوفير المنتج (السلعة أو الخدمة) محل التعاقد، وتسليمها للدائن (المتمثل في المستهلك) بحالة تكون فيها مشتملة على المواصفات التي تجعلها صالحة للاستعمال بحسب طبيعتها، ووفقا للغرض الذي تعاقد من أجله المستهلك.
وعلى ذلك يمكن الانتهاء إلى تعريف الالتزام بالمطابقة بما يشمل بيئة التعاقد الإلكتروني بأنه: "التزام المورد الإلكتروني بأن يكون المنتج أو الخدمة اللذان يقدمهما مطابقين للمواصفات والشروط والرغبات للمستهلك، وبما يضمن الصلاحية لوجهة الاستعمال".
ومن سياق ما تقدم يمكن بيان الخصائص المميزة للالتزام بالمطابقة، وهي كالتالي22:
أولا: أنه التزام يفرضه القانون أو العقد على المزود (البائع) لصالح المستهلك (المشتري).
ثانيا: أن تتحقق المطابقة وقت التسليم ولو لم تكن متوفرة وقت إبرام البيع.
ثالثا: أن الحد الأدنى للالتزام بالمطابقة يتحدد وفق الشروط والمواصفات المتفق عليها بين الطرفين.
رابعا: يستلزم تحقق المطابقة أن يكون المنتج أو الخدمة صالحا للاستعمال بحسب طبيعته وتخصيصه ووفقا لغرض المستهلك وتوقعه المشروع.
تمييز الالتزام بالمطابقة عن غيره
منذ وقت ليس بالبعيد، كان المشرعون يكتفون بضمان العيوب الخفية والالتزام بالتسليم حتى استدعت الحاجة لقواعد ومبادئ غايتها حماية الأطراف، خاصة مع توسع نطاق العقود وإبرامها، وظهور أنواع جديدة من العقود (مثل العقد الإلكتروني)، والتي تقتضي بطبيعتها وجود ضمانات أكبر للمتعاقد الآخر (المتمثل في الطرف الأضعف).
وعليه، سيتم بيان أوجه الاختلاف ما بين مبدأ الالتزام بالمطابقة، وبعض أهم المبادئ الأخرى التي تتداخل معه – ظاهرا - وذلك على النحو التالي بيانه:
أولا: تمييز الالتزام بالمطابقة عن ضمان العيوب الخفية:
نظم المشرع القطري ما يتعلق بالعيوب الخفية في المبيع في القانون المدني، حيث خص بعض مواده لضمان تلك العيوب23، وجدير بالذكر أن المشرع لم يفرد تعريفا للعيب من خلال تنظيمه للعيوب الخفية24، وهذا على عكس المشرع العراقي الذي نص في الفقرة الثانية من المادة 558 من القانون المدني العراقي على أنه: "العيب هو ما ينقص ثمن المبيع عند التجار وأرباب الخبرة أو ما يفوت به غرض صحيح إذا كان الغالب في أمثال المبيع عدمه، ويكون قديما إذا كان موجودا في المبيع وقت العقد أو حدث بعده وهو في يد البائع قبل التسليم"25، وبين المشرع الأردني معنى العيب الخفي في المادة 513/4 من القانون المدني الأردني بقوله: (... هو الذي لا يعرف بمشاهدة ظاهر المبيع أو لا يتبينه الشخص العادي أو لا يكشفه غير خبير أو لا يظهر إلا بالتجربة)، وقد يكون المبيع سليما وخاليا من العيوب، غير أن تخلف صفة من صفات كان البائع قد تعهد بها للمشتري أثناء العقد بوجودها في المبيع، وعادة ما تكون هذه الصفة من الصفات التي تقتضي طبيعة المبيع وجودها فيه26. ومن المعلوم أن الالتزام بضمان ما ينشأ عن العيب الخفي يتمثل في الشروط التالية: ١- أن يكون العيب مؤثرا، ٢- أن يكون قديما، ٣- أن يكون خفيا، ٤- أن يكون غير معلوم للمشتري27.
وتبرز الاختلافات بين مبدأ الالتزام بالمطابقة والعيب الخفي في التالي:
ووفقا لما تم بيانه، يتضح وجود اختلاف بين الالتزام بالمطابقة، وضمان العيوب الخفية، من الحيثيات التي ذكرت.
ثانيا: التمييز بين الالتزام بالمطابقة والالتزام بالتسليم:
يتضح ظاهرا أنه لا يوجد فرق يذكر بين الالتزامين وأنهما مرتبطان ببعضهما، ولكن بالبحث في ثنايا النصوص المنظمة لكل منهما – في اتفاقية فيينا وفي مبادئ (اليونيدروا) - وفي أحكام القانون القطري.
فتظهر اتفاقية فيينا لعام 1980 مسارا تشريعيا متسقا مع اتفاقية لاهاي لعام 1964 المتعلقة بالبيع الدولي للمنقولات المادية، حيث صنفت الالتزام بالمطابقة كفرع من فروع الالتزام بالتسليم 35، ويتجلى ذلك في الفصل الثاني من الاتفاقية المعنون بـ "التزامات البائع"، والذي ينقسم إلى ثلاثة أجزاء رئيسة: الجزء الأول يختص بواجبات تسليم البضائع والمستندات، والجزء الثاني يتناول شروط مطابقة البضائع وحقوق الغير وادعاءاتهم، أما الجزء الثالث فيعنى بالعقوبات والجزاءات التي تترتب على مخالفة البائع لبنود العقد، حيث تنص المادة 30 من الاتفاقية على وجوب تسليم البائع للبضائع والمستندات المتعلقة بها، ونقل ملكية هذه البضائع بما يتفق مع أحكام العقد والاتفاقية، حيث جاء فيها:
"يجب على البائع أن يسلم البضائع، والمستندات المتعلقة بها، وأن ينقل ملكية البضائع على النحو الذي يقتضيه العقد وهذه الاتفاقية"، أما المادة 35، فقد تناولت الالتزام بالمطابقة بشكل خاص، حيث نص البند الأول منها على أن: "على البائع أن يسلم بضائع تكون كميتها ونوعيتها وأوصافها، وكذلك تغليفها أو تعبئتها، مطابقة لأحكام العقد."
يعكس هذا التقسيم الدقيق التفصيل القانوني للالتزامات التي تقع على عاتق البائع؛ مما يؤكد على أهمية مطابقة المبيع للشروط المتفق عليها كجزء لا يتجزأ من الالتزام بالتسليم.
ومن جانب آخر؛ فإن مبادئ (اليونيدروا) - كما تمت الإشارة - لم تتضمن مبدأ الالتزام بالمطابقة صراحة، ولكنها ضمنته فيما يسمى بعدم التنفيذ، وذلك في المادة 7-1-1 من مبادئ (اليونيدروا)، على أنه: "يقصد بعدم التنفيذ كل إخلال من أحد الأطراف في تنفيذ أي شيء من التزاماته الناتجة عن العقد، ويشمل الإخلال التنفيذ المعيب أو التنفيذ المتأخر". أي إن البائع - إن خالف التزاما مفروضا عليه في العقد، ويتمثل في عدم مطابقة العين المتعاقد عليها - فيكون للمشتري مواجهته جراء ذلك الإخلال.
وفيما يتعلق بالقانون القطري؛ فقد نص المشرع في الالتزامات التي تقع على عاتق البائع على مبدأ الالتزام بالتسليم36، ولكنه لم ينص على مبدأ الالتزام بالمطابقة صراحة، ونص عليه في مواضع متفرقة في عقد البيع37 وفي قانون حماية المستهلك (وسيتم تناول تنظيمه تفصيلا في المبحث القادم). وهذا على عكس تنظيم اتفاقية فيينا؛ فالمشرع القطري فصل بين الالتزام بالتسليم والالتزام بالمطابقة، في تنظيم مستقل لكل منهما كما تمت الإشارة، فالأول (الالتزام بالتسليم) ضمنه من التزامات البائع في عقد البيع ولم يفرد له قاعدة مستقلة بذاتها، والآخر (الالتزام بالمطابقة) قد جعله أيضا في مواضع متفرقة ولم ينص عليه كقاعدة عامة.
وعليه، يخلص إلى نتيجة تتمثل في أن الالتزام بالتسليم يسبق الالتزام بالمطابقة، ولا يمكن الجزم بتحقق الالتزام بالمطابقة إلا بعد إتمام التسليم، والتسليم يكون بوضع البضائع تحت تصرف المشتري، بيد أن المطابقة تأتي لتلزم البائع بأن يقوم بإعطاء هذه البضائع والمستندات الخاصة بها، فضلا عن موافقة تلك البضائع للمواصفات من ناحية العقد، ومن ناحية الغرض الذي تستعمل فيه، أي أن تتوفر المطابقة بأضلاعها الثلاثة، حيث تكون القاعدة هي المطابقة المادية، أما المطابقة القانونية والمطابقة المستندية فهما الضلعان الآخران38.
الطبيعة القانونية للالتزام بالمطابقة والمسؤولية الناشئة عن الإخلال به
يتناول هذا المطلب الطبيعة القانونية للالتزام بالمطابقة، والذي يختلف - بناء عليها - الأثر المترتب على الإخلال بها؛ مما يقتضي استعراض الأثر القانوني المترتب على الإخلال بهذا الالتزام، وذلك وفق التالي بيانه:
الطبيعة القانونية للالتزام بالمطابقة
قد يكون الالتزام المدني التزاما بتحقيق نتيجة، أو التزاما ببذل عناية. فأين يقع الالتزام بالمطابقة من هذين النوعين؟ وبعبارة أخرى، ما طبيعته؟ أهو التزام بتحقيق نتيجة، أم التزام ببذل عناية؟
وفي إطار الإجابة على هذا التساؤل، وأخذا بتعريفات الالتزام بالمطابقة السالف الذكر، وما نصت عليه اتفاقية فيينا39، وما نص عليه القانون المدني القطري40، بالإضافة لما ورد من نصوص خاصة في القانون رقم 8 لسنة 2008م بشأن حماية المستهلك41، والمادة رقم 57 من المرسوم بقانون رقم 16 لسنة 2010م بإصدار قانون المعاملات الإلكترونية42 يتضح جليا أن الالتزام بالمطابقة يعد التزاما بتحقيق نتيجة43، ويرجع ذلك للأمور التالية:
وبالتالي فهو التزام بتحقيق نتيجة، حيث إن البائع ملزم بمطابقة الشيء المبيع؛ فالهدف الأساسي يتمثل في مطابقة هذا الشيء المبيع لما تم الاتفاق عليه سلفا، ويكون عبء الإثبات فيه أيسر من اعتباره بذل عناية، ففي الحالة الأخيرة سيطلب من المشتري الإثبات بالدليل على تقصير البائع، وهو الأمر الذي لا يتصور حدوثه، فتأكيد عدم المطابقة حين التسليم يكفي لقيام مسؤولية البائع، حيث إن النتيجة لم تتحقق.
المسؤولية الناشئة عن الإخلال بالالتزام بالمطابقة
قبل بحث الأثر المترتب على الإخلال بمبدأ الالتزام بالمطابقة، يجب الوقوف على معنى الإخلال في الاتفاقيات محل الدراسة من جهة، وما يقابله في أحكام القانون القطري من جهة أخرى.
ففيما يتعلق باتفاقية فيينا؛ فقد أطلقت مصطلح "المخالفة الجوهرية" على الإخلال وذلك في المادة 25 منها47، ونظمت ما يتعلق بإخلال البائع بالتزامه في الجزاءات التي يكون للطرف الآخر اللجوء إليها48.
أما بالنسبة لمبادئ (اليونيدروا)؛ فقد أطلقت على الإخلال مصطلح "عدم التنفيذ"، وذلك في المادة 7-1-1 منها49، ويتضح من نص المادة المذكورة أن المبادئ اعتبرت عدم التنفيذ يتضمن جميع أشكال التنفيذ المعيب، أو الفشل في التنفيذ، وكذلك في حالة التعمد أو الإهمال؛ فإن ذلك يعد من قبيل عدم التنفيذ الجزئي50.
أما بالنسبة لأحكام القانون القطري؛ فإن الأمر لا يختلف كثيرا عنه من ناحية المفهوم، حيث نص على القوة الملزمة للعقد (في المواد 171 – 174) من القانون المدني، ومن ناحية الإخلال بتنفيذ العقد سواء تمثل ذلك في عدم التنفيذ بحسن نية، أم التملص من الالتزامات التعاقدية (والتي نظمها المشرع القطري بدوره)؛ أي إن معنى الإخلال في حكم القانون القطري لا يختلف عن الاتفاقيات محل المقارنة.
ولكن السؤال المطروح هو: ما الأساس الذي يقوم عليه الإخلال بالالتزام بالمطابقة؟ وما الأثر المترتب على ذلك الإخلال؟ من ناحية الاتفاقيات محل الدراسة، ومن ناحية أحكام القانون القطري؟ وكيف ينفذ الالتزام في حالة الإخلال؟
وفي إطار الإجابة على ذلك التساؤل، سيتم التعرض للأثر المترتب على الإخلال في تلك الاتفاقيات، ثم لأثر الإخلال في ضوء أحكام القانون القطري، مع بيان الاختلاف بين أحكام كل منهم.
أولا: بالنسبة لأثر الإخلال في ضوء أحكام الاتفاقيات:
من المعلوم أن الأنظمة القانونية التابعة للنظام (الأنجلوسكسوني) قد وضعت مبدأين مهمين حين مخالفة الالتزام بتنفيذ العقود بين الأطراف، ويتمثلان في: الخرق الجوهري، والإخلال المبتسر. وباستقراء نصوص الاتفاقية والمبادئ محل الدراسة، يتوصل إلى أنهما تأثرا بالمبدأين سالفي الذكر، وسيتم التعرض لهما قبل بيان مواطن التأثر والنتيجة التي تحدث حين وجود ذلك الإخلال.
حيث يعرف الإخلال المبتسر بأنه: إعلان المتعهد قبل حلول الوقت الملزم فيه بأداء التزامه التعاقدي، عن نيته في عدم التنفيذ، أو تصرفه بطريقة توحي أنه لن ينفذ (أي ظهور أمارات يستنتج منها أنه لن يؤدي التزامه)51.
أما الخرق الجوهري – وفق القانون الإنجليزي - فإنه يكون على نوعين، إما إخلال جسيم (Major) أو إخلال بسيط (Minor)؛ فالإخلال البسيط يبقي العقد ملزما لأطرافه، مع الأخذ بعين الاعتبار أن الطرف المتضرر له الحق في المطالبة بالتعويض عن الخسارة التي لحقت به (إن وجدت) ويؤخذ بعين الاعتبار أن الطرف المتضرر إن رفض تنفيذ التزامه بسبب خطأ يعتبر بسيطا من الآخر؛ فإنه يعد هو نفسه مذنبا بالتنصل غير المشروع من العقد (wrongful repudiation). أما الإخلال الجسيم، فيعتبر تنصل غير مشروع من الالتزام العقدي من قبل الطرف المخالف، أو إخفاق موضوعي يمتد لجذور العقد، وبالتالي يعطي الطرف الآخر (المتضرر) الحق في التنصل المشروع (rightful repudiation)، وعليه؛ فإن الطرف المتضرر – والمتمثل في المستهلك - له فسخ العقد، ولا يكون ملزما بعد ذلك بتنفيذ التزامه "الرئيس" 52؛ أي إن القانون الإنجليزي يفرق بين نوعي الإخلال، ويرجع ذلك للنظر في مدى إمكانية فسخ العقد من عدمه.
وبالنظر لأحكام اتفاقية فيينا، يتضح أنها أخذت بتنظيم القانون الإنجليزي، حيث إنها نظمت ما يتعلق بالإخلال المبتسر في المواد (71 – 73) بعنوان: الإخلال المبتسر وعقود التسليم على دفعات، وحددت في المادة 71 ما يتعلق بوقف التنفيذ، وفي المادة 72 ما يتعلق بفسخ العقد، والمادة 73 الوفاء على دفعات محددة.
أما مبادئ (اليونيدروا)؛ فقد نصت على القاعدة العامة في الإخلال المسبق بالعقد في المادة 7-3-3 حيث تنص على أنه: "يحق لأي طرف فسخ العقد، إذا تبين، قبل الاستحقاق، أن الواضح هو أن الطرف الآخر سينسب إليه عدم تنفيذ جوهري"، والمادة 7-3-4 نظمت جواز إيقاف التنفيذ عند الظن بأن الطرف الآخر لن ينفذ جزء جوهري من التزامه53.
ومن خلال النصوص السابقة يتضح أن الاتفاقية والمبادئ تسمحان لأحد طرفي العقد بفسخه إذا تبين بوضوح أن الطرف الآخر لن يفي بالتزامه؛ حتى وإن تحقق هذا الاعتقاد قبل موعد استحقاق الالتزام. وهذه الفكرة تعد غريبة على معظم القوانين العربية - إن لم تكن جميعها -؛ فهي لا تسمح للدائن بمقاضاة المدين إلا بعد حلول موعد الاستحقاق وعدم الوفاء بالالتزام. ولا يغير من هذا الوضع إعلان الطرف المخالف عن نيته عدم الوفاء قبل الموعد المحدد، أو صدور مؤشرات عملية تدل على استحالة الوفاء في الوقت المحدد54.
أما بالنسبة لما يتعلق بالخرق الجوهري؛ فقد اشترطت اتفاقية فيينا وقوع المخالفة الجوهرية لفسخ العقد، حيث نصت المادة 25 منها على أنه: "تكون مخالفة العقد من جانب أحد الطرفين مخالفة جوهرية إذا تسببت في إلحاق ضرر بالطرف الآخر من شأنه أن يحرمه بشكل أساسي مما كان يحق له أن يتوقع الحصول عليه بموجب العقد، إلا إذا لم يكن الطرف المخالف يتوقع مثل هذه النتيجة ولم يكن أي شخص سوي الإدراك من نفس الصلة يتوقع مثل هذه النتيجة في نفس الظروف".
وبناء عليه؛ فللطرف المتضرر بموجب نص المادة 49 أن يستعمل بعض الجزاءات كفسخ العقد، أو سائر الجزاءات بحسب الواقعة محل النزاع، ونص على الجزاءات تلك في الفرع الثالث من الاتفاقية (المواد 45 – 52).
ومن جانب مبادئ (اليونيدروا)؛ فإنها تبنت ذات التنظيم، حيث نظمت الخرق الجوهري في المادة 7-3-1، والتي تنص على الحق في الفسخ من قبل أحد أطراف العقد في حالة عدم التنفيذ الجوهري، حيث تنص على أنه: "1- يجوز لأي طرف فسخ العقد في حالة عدم التنفيذ الجوهري من جانب الطرف الآخر ..."
وتجدر الإشارة إلى أن هذه الفكرة في كل من الاتفاقية والمبادئ أيضا غير معروفة في القوانين العربية، من ناحية المبدأ، ولكنها مضمنة بشكل غير مباشر، وهو الأمر الذي سيتم بيانه.
ومما لا شك فيه أن الأثر المترتب على الإخلال بمبدأ الالتزام بالمطابقة سواء في اتفاقية فيينا أم مبادئ (اليونيدروا)، هو تطبيق الجزاءات المترتبة من ناحية الإخلال الجوهري، لا المبتسر؛ فلن يتبين أي شيء من أوجه عدم المطابقة إلا بعد تسليم البضاعة محل التعاقد، وإذا خالف البائع الشروط المتفق عليها في العقد أو أحدها لم يتحقق التزامه بالمطابقة؛ فإن هذا الأمر يشكل إخلالا جوهريا للعقد، ولكن يشترط لاعتبار تلك المخالفة إخلالا موجبا للفسخ ألا يكون من الممكن تسليم بضائع بديلة للتي تم الاتفاق عليها، وألا يكون من الممكن إصلاح العيب فيها، أو توفير البديل لها55.
وبمراجعة أحكام القانون القطري، يتبين أن مبدأي الإخلال المبتسر والخرق الجوهري لم ينص عليهما صراحة في أحكام ذلك القانون. ففي حالة الإخلال المبتسر، لا يجيز القانون للدائن رفع الدعوى على المدين قبل حلول موعد الاستحقاق، كما أشير سابقا، ومع ذلك، يمكن القول إن هذه المبادئ موجودة بصورة غير مباشرة ضمن أحكام القانون القطري، ويتجلى ذلك بوضوح في عقد المقاولة56، حيث يسمح لرب العمل بطلب فسخ العقد دون انتظار حلول أجل التسليم، ومن باب المقاربة بين مبدأ الإخلال المبتسر وأحكام القانون القطري، يمكن الإشارة إلى مفهوم الحق في الحبس كوسيلة تحفظية تستخدم لحماية مصالح الطرف المتضرر57.
أما بالنسبة لفكرة الإخلال الجوهري فيمكن مقاربتها مع أحكام القانون القطري حيث إنها توجد بشكل غير مباشر في أحكام القانون المدني القطري، فيما يتعلق بالعيب في المبيع (والذي تمت الإشارة له في المطلب السابق).
ومن المعلوم أن الالتزام بضمان ما ينشأ عن العيب الخفي يتمثل في الشروط التالية: 1- أن يكون العيب مؤثرا ، 2- أن يكون قديما ، 3- أن يكون خفيا ، 4- أن يكون غير معلوم للمشتري58،59، وأيضا فيما يتعلق بانحلال العقد، حيث تنص المادة 183 من القانون المدني القطري على أنه: "1- في العقود الملزمة للجانبين، إذا لم يوف أحد المتعاقدين بالتزامه، جاز للمتعاقد الآخر بعد إعذاره أن يطلب فسخ العقد مع التعويض إن كان له مقتض، 2- ويجوز للقاضي أن ينظر المدين إلى أجل يحدده إذا اقتضت الظروف ذلك، كما يجوز له أن يرفض الفسخ، إذا كان ما لم يوف به المدين قليل الأهمية بالنسبة إلى التزاماته في جملتها"60.
وهذا الأمر يتشابه كثيرا مع فكرة الإخلال الجوهري، من حيث إنه يؤثر في انتفاع المشتري من المبيع محل التعاقد، وتتنوع الخيارات – بحسب سلطة القاضي – كما نصت المادة 183 - سالفة الذكر - من جواز الفسخ، أو التعويض، أو رفض كل ذلك إن لم تكن له أهمية.
وعليه، فبإسقاط النصوص الواردة في القانون المدني القطري، وقانون حماية المستهلك، وقانون التجارة، وقانون المعاملات والتجارة الإلكترونية، يتضح بأنه حتى تقوم مسؤولية المورد عن الإخلال بالالتزام بالمطابقة يجب أن يتوفر شرطان: أولهما، وجود اختلاف بين المنتج أو الخدمة عما تم الاتفاق عليه، وهذا يعتبر إخلالا بالتزام التسليم المطابق، والثاني أن يكون المستهلك الإلكتروني جاهلا بهذا العيب (بمعنى فحص المنتج وإخطار المزود بعيب المطابقة61)، ومؤدى ذلك أن عيب المطابقة يوجد في كل حالة يتم فيها تسليم منتج أو خدمة لا تتحقق فيها المواصفات المتفق عليها صراحة أو ضمنا، أو كان غير صالح للاستعمال المعتاد أو الخاص الذي تم التعاقد عليه من أجله62، كما يشار إلى أن وقت تسليم المنتج أو الخدمة هو الوقت المعتبر لتقدير المطابقة، حيث إنه قبل هذا الوقت يستطيع المورد تدارك أي عيب أو نقص بإصلاحه، إلا أنه بعد هذا الوقت يحتمل أن يكون عيب عدم المطابقة من غير المورد.
ويظهر بموجب التحليل السابق - وبالمقارنة بين التشريع القطري والفرنسي - في مجال ضمان الالتزام بمطابقة المنتج أو الخدمة تفاوت واضح في مستوى الحماية القانونية المقررة للمستهلك، فبينما يمنح القانون الفرنسي بموجب المادة L.217-7 من تقنين الاستهلاك، مهلة زمنية تصل إلى أربعة وعشرين شهرا تفترض خلالها مسؤولية البائع عن عيوب المطابقة، بينما المشرع القطري قيد هذا الحق بمهلة قصيرة لا تتجاوز خمسة عشر يوما في قانون التجارة، بل إنه قصر تلك المدة فيما يتعلق بالمعاملات الإلكترونية وجعلها ٣ أيام63.
ويؤدي هذا التباين إلى تضييق نطاق الحماية الممنوحة للمستهلك في أحكام القانون القطري، لا سيما في ظل غياب قرائن قانونية تنقل عبء الإثبات إلى المورد، ومع أن الامتداد الزمني في القانون الفرنسي قد ينتج بعض الآثار السلبية على استقرار المعاملات، إلا أنه يعد أكثر توازنا وعدالة؛ إذ يوفر حماية فعالة للمستهلك في مواجهة ممارسات تعاقدية غير متكافئة، وهو ما يدعو إلى الأخذ بتجربة المشرع الفرنسي في هذا التنظيم (من ناحية المدة الزمنية).
وفي حقيقة الأمر؛ إن مقتضيات حماية المستهلك تستوجب الفصل بين تخلف الصفة المتفق عليها وبين العيب الموجب لضمان العيوب الخفية، ويشار في ذلك إلى موقف المشرع الكويتي حيث قرر بأنه إذا لم تتوفر في المنتج أو الخدمة وقت التسليم الصفات التي كفل المورد للمشتري وجودها فيه، كان للمشتري أن يطلب فسخ البيع مع التعويض، أو أن يستبقي المنتج أو الخدمة مع طلب التعويض عما لحقه من ضرر بسبب عدم توفر هذه الصفات؛ أي إن المشرع الكويتي جعل من تخلف الصفة إخلالا بالتزام عقدي مستقل تماما عن ضمان العيب الخفي مع ما يترتب على ذلك من آثار أهمها عدم سقوط دعوى ضمان تخلف الصفة )عدم المطابقة( إلا طبقا للقواعد العامة64.
وفي الختام؛ فإن المشرع الفرنسي في تقنين الاستهلاك، وتحديدا في المادة 217/9 منه، خول المستهلك أن يختار بين: إصلاح المنتج أو الخدمة، أو استبداله، أو رده، أو استبقائه مع تخفيض الثمن – كما تمت الإشارة - ؛ مما يتضح معه جليا أن ثمة اختلافا في الخيارات بين التشريعات القطرية والتشريع الفرنسي، حيث إن المشرع القطري لم ينص على حق المستهلك في استبقاء المنتج أو الخدمة مع تخفيض الثمن، وإنما خول المستهلك لمنتج أو خدمة غير مطابقة للمتفق عليه أن يختار بين: إصلاح المنتج أو الخدمة أو استبداله أو إرجاعه؛ سواء طبقا لقانون حماية المستهلك، أم قانون التجارة.
المبحث الثاني
التنظيمات التشريعية المختلفة للالتزام بالمطابقة
يستعرض هذا المبحث مبدأ الالتزام بالمطابقة وفقا لاتفاقية فيينا، ومبادئ (اليونيدروا)، ثم يليه ببيان موقف القانون القطري من هذا المبدأ، وذلك من خلال مطلبين على النحو التالي بيانه:
الالتزام بالمطابقة من منظور دولي
يتناول هذا المطلب تنظيم كل من اتفاقية فيينا، ومبادئ (اليونيدروا) لمبدأ الالتزام بالمطابقة؛ إذ يبدأ باستعراض أحكام اتفاقية فيينا المتعلقة بهذا المبدأ، ثم ينتقل إلى استعراضه في ضوء مبادئ (اليونيدروا)، وذلك على النحو الآتي:
التنظيم في اتفاقية فيينا
كما تمت الإشارة سابقا؛ فإن مبدأ المطابقة في عقد البيع الدولي يشير إلى التزام البائع بتوفير المنتج أو الخدمة المبيعة وفقا للمواصفات والمعايير المحددة في العقد، ويتعين على البائع تحقيق المطابقة لضمان أن المنتج أو الخدمة يلبي توقعات العميل وتتوافق مع الاحتياجات المحددة في العقد65.
ففي البيوع الدولية لا يعاين المشتري في الغالب البضاعة موضوع البيع قبل التعاقد، بل يبرم العقد استنادا إلى أوصاف مذكورة في العقد، وقد تحدد هذه الأوصاف بناء على عينات أو نماذج يرسلها البائع إلى المشتري ليختار منها السلعة التي تتناسب مع احتياجاته، وخصوصا في مجال المعاملات الإلكترونية؛ فهنا يكاد ينعدم خيار الرؤية والمعاينة للمستهلك.
والقاعدة هي أن يضمن البائع مطابقة البضاعة لشروط العقد ابتداء من الكمية أو المواصفات وانتهاء بطريقة الحزم أو التغليف وغيرها من الصفات التي يتضمنها العقد؛ أي إن العقد هو معيار المطابقة؛ فكل ما يشترطه من صفات في البضاعة يعد عنصرا من عناصر ذاتيتها، ويجب أن تتوفر عند تسليمها إلى المشتري، وإلا يكون البائع قد أخل بتنفيذ التزامه.
ولقد ناقشت اتفاقية فيينا مبدأ الالتزام بالمطابقة باستفاضة، حيث نصت المادة 35 من الاتفاقية على أنه: "يلتزم البائع بتسليم البضائع التي تتوافق كميتها ونوعيتها ومواصفاتها مع متطلبات العقد، والمعبأة أو المغلفة بالطريقة التي يقتضيها العقد ..."
ولم تكتف الاتفاقية بهذا القدر، حتى أضافت في الفقرتين الثانية والثالثة من المادة (35) قواعد تكميلية. ومجمل هذه القواعد أنه باستثناء الحالات التي يتفق فيها الطرفان على خلاف ذلك لا تكون البضاعة مطابقة للعقد، إلا إذا توفرت فيها الشروط الآتية:
وعلى عكس المثال السابق، لا ضمان على البائع لصلاحية السيارات للاستعمال الخاص الذي تقصده بعثة للتنقيب في منطقة معينة؛ إذا تبين أن مصانع البائع غير معدة لتزويد السيارات بالأجهزة والآلات التي تمكنها من تحمل أجواء تلك المنطقة وظروف مناخها، كما أن المشتري كان على بينة من هذه الحقيقة، إما لأن البائع أعلمه بها، أو لأنه لم يكن ينبغي له أن يجهلها خاصة إذا سمح البائع لخبراء المشتري بزيارة المصنع قبل إبرام العقد 66.
فإذا تم الاتفاق على طريقة معينة للتعبئة أو التغليف بين المشتري والبائع يجب على البائع الالتزام بها، أما في حالة عدم وجود اتفاق، فيجب على البائع تعبئة البضاعة أو تغليفها بالكيفية التي تحافظ عليها، ومن أمثلة ذلك؛ معلوم أن الأجهزة الكهربائية تحاط بوسائد من الاسفنج الصناعي لحمايتها من الكسر، وتغلف الزهور المعدة للتصدير بورق من السلوفان لحفظها من الذبول، كل ذلك من أجل ألا تصل البضائع للمشتري، وبها تلف أو فساد؛ مما يعوق استعماله لها أو الحد من قدرته على إعادة بيعها مرة أخرى69.
ويشار إلى أن اتفاقية فيينا حذت حذو اتفاقية لاهاي، حيث لم يعد الالتزام بالمطابقة مستقلا، بل اعتبره فرعا من الالتزام بالتسليم، وهو ما ينطبق أيضا على بعض آراء الفقه القانوني، فضلا عن أن اتفاقية فيينا لم تورد كذلك تعريفا خاصا بالالتزام بالمطابقة، واكتفت بتعداد عناصر ذلك المبدأ70.
التنظيم في مبادئ (الينيدروا)
تعد مبادئ (الينيدروا) توحيدا للمبادئ المتفق عليها بين أهم القوانين الوطنية والاتفاقات الدولية ذلك من ناحية، ومن ناحية أخرى جاءت هذه المبادئ بحلول عادلة وأكثر ملاءمة لعقود التجارة الدولية، وعلى الرغم من تأثر مبادئ (الينيدروا) باتفاقية فيينا لعام 1980 بشأن عقد البيع الدولي للبضائع لدرجة أن بعض نصوصها قد تم نسخها حرفيا من هذه الاتفاقية، إلا أن هذه المبادئ تختلف عن الاتفاقية في مجال العمل والطبيعة القانونية؛ ففي حين تنظم اتفاقية فيينا عقد البيع الدولي للبضائع فقط، قامت مبادئ (الينيدروا) بوضع مبادئ لسائر عقود التجارة الدولية، كما لم يشأ معهد روما أن يجعل من هذه المبادئ اتفاقية تصادق عليها الحكومات وتلزمها أو قانونا نموذجيا تسير على هداه الدولة المختلفة، بل أراد من هذه المبادئ أن تطبق بصورة إقناعية71.
وعلى غرار اتفاقية فيينا تناولت مبادئ (الينيدروا) معيارين لمطابقة البضائع، أحدهما شخصي يرتبط بما تم الاتفاق عليه بين طرفي العقد؛ أي إن العقد هو الضابط في تحديد المطابقة، فعلى البائع أن يسلم للمشتري بضائع متفقة لما تم الاتفاق عليه في العقد، وبخلاف ذلك يكون البائع قد أخل بالتزامه بالمطابقة ويكون مسؤولا في مواجهة المشتري، وقد تبنت مبادئ (الينيدروا) لعام 2010 هذا المعيار في المادة 5-1-1 التي نصت على أن الالتزامات التعاقدية بين طرفي العقد قد تكون صريحة أو ضمنية، وهو ما يتيح الفرصة أمام طرفي العقد الاتفاق على جميع الالتزامات وتحديد نوعيتها وكميتها ومواصفاتها وما إلى ذلك، وهذا ما أكدته المادة 5-1-6 من المبادئ التي تضمنت أن نوعية الأداء قد تكون محددة أو قابلة للتحديد بموجب العقد.
أما المعيار الآخر؛ فهو موضوعي يكون في حالة غياب الاتفاق، يحتوي على ضوابط تراعي في حقيقتها توقعات الأطراف فيما يتعلق بالبضائع موضوع العقد؛ إذ تشكل هذه الضوابط مجموعة من الشروط الضمنية التي يتوجب على البائع أن يلتزم بها؛ حتى لا يكون مسؤولا عن العيب في مطابقة المبيع، وقد نصت مبادئ (الينيدروا) على المعيار الموضوعي من خلال المادة 5-1-6 بقولها إذا لم تكن نوعية التنفيذ محددة، أو قابلة للتحديد بالرجوع إلى العقد يلتزم كل متعاقد بأن يكون التنفيذ من نوعية معقولة، لا تقل عن المستوى المتوسط بالنظر إلى ظروف الحال.
وببيان تنظيم مبدأ الالتزام بالمطابقة في كل من اتفاقية فيينا، ومبادئ (اليونيدروا)، يبين المطلب القادم مدى مواءمة ذلك المبدأ لأحكام القانون القطري.
مبدأ الالتزام بالمطابقة في ضوء القانون القطري وتقاطعاته مع اتفاقية فيينا ومبادئ (اليونيدروا)
يتناول هذا المطلب مبدأ الالتزام بالمطابقة في إطار أحكام القانون القطري، ويستعرض أوجه التقارب بينه وبين ما قررته كل من اتفاقية فيينا ومبادئ (اليونيدروا) في هذا الشأن، وذلك من خلال ثلاثة فروع متتابعة.
الالتزام بالمطابقة وفقا لأحكام القانون المدني
بالاطلاع على أحكام القانون المدني القطري، يمكن القول إن المشرع القطري قد أشار إلى هذا المبدأ في مواطن متفرقة، وذلك على خلاف التنظيم الذي ورد في اتفاقية فيينا ومبادئ (اليونيدروا)، حيث إنهما نظماه كمبدأ قائم بنص صريح.
حيث يتبين أن المادة 433 القانون السالف الذكر نصت على ما يلي: "يلتزم البائع بتسليم المبيع للمشتري بالحالة التي كان عليها وقت البيع"72، في حين نصت المادة 464 من ذات القانون على أنه: "إذا لم تتوفر في المبيع وقت التسليم الصفات التي كفل البائع للمشتري وجودها فيه، كان للمشتري إما أن يطلب رد المبيع مع التعويض في حدود ما يقضي به البند (1) من المادة (451)، وإما أن يطلب استبقاء المبيع مع تعويضه عما أصابه من ضرر بسبب عدم توفر تلك الصفات"73، ونصت المادة 422 في البند الأول منها على: "1- إذا كان البيع بالعينة، وجب أن يكون المبيع مطابقا لها ..."74، وأخيرا نصت المادة 684 في البند الأول منها على أنه: "1- إذا التزم المقاول بتقديم مواد العمل كلها أو بعضها، وجب أن تكون هذه المواد مطابقة للمواصفات المتفق عليها، فإذا لم يتفق على مواصفات، وجب أن تكون المواد وافية بالغرض المقصود ... "75.
خلاصة ما ورد في النصوص المشار إليها؛ أنه يجب أن تكون البضاعة أو العمل المتفق عليه مطابقا لما تم الاتفاق عليه، ويجب أن يتم التسليم وفقا للحالة التي كانت عليها حينما تمت معاينتها، وتم الاتفاق عليها76، وإذا خالف المدين (البائع أو المقاول) هذا الالتزام من خلال تسليم ما لا يتطابق مع ما هو متفق عليه، حدث عكس ذلك فإن المسؤولية المدنية في هذه الحالة تقوم لصالح الطرف الآخر، لا سيما أنه تمت الإشارة سابقا إلى أن الالتزام بالمطابقة هو التزام بتحقيق نتيجة وليس بذل عناية، وبناء على ذلك لا يحتاج المشتري إثبات تقصير البائع أو المقاول لقيام مسؤوليته، بل يحتاج فقط إلى إثبات عدم تحقق تلك النتيجة، وتطبيقا لذلك؛ يكفي عدم تحقق المطابقة لما تم الاتفاق عليه لإثبات إخلال البائع أو المقاول بالتزامه بالمطابقة، وبصرف النظر عما بذله من جهد77.
يلاحظ أن المشرع القطري قد وافق الاتفاقية ومبادئ (اليونيدروا) بناء على ما تم بيانه سابقا، من ناحية تعدد الجزاءات المتمثلة في إصلاح العيب، أو الرد، أو التنفيذ، أو الفسخ، ويحال فيما يتعلق بالخيارات لما تمت مناقشته في المبحث السابق، ومقارنة ذلك مع تقنين الاستهلاك الفرنسي، وموقف المشرع الكويتي78.
الالتزام بالمطابقة وفقا لأحكام قانون التجارة القطري
نصت المادة 111 من قانون التجارة القطري على أنه: "إذا لم يكن المبيع المسلم مطابقا للمواصفات المتفق عليها مثل كميته أو صنفه، كان للمشتري أن يطلب الفسخ، إذا بلغ الاختلاف حدا يجعل المبيع غير صالح للغرض المعد له، وفي غير هذه الحالة يكتفي بإنقاص الثمن أو بزيادته تبعا للنقص أو الزيادة في الكمية أو درجة الصنف، وهذا كله ما لم يوجد اتفاق أو عرف يقضي بغير ذلك"79.
كما نصت المادة 112 من نفس القانون على ما يلي: "على المشتري في الأحوال المبينة في المادة السابقة أن يخطر البائع بوجود النقص أو العيب أو عدم مطابقته خلال خمسة عشر يوما من تاريخ تسليم المبيع إليه تسليما فعليا. ويجوز الاتفاق على إطالة هذه المدة أو تقصيرها أو إعفاء المشتري من مراعاتها، وإذا لم يقم المشتري بهذا الإخطار خلال المدة المحددة في الفقرة السابقة، فلا تسمع دعواه إلا إذا كان النقص أو العيب أو عدم مطابقة المبيع للمواصفات مما لا يمكن الكشف عنه بالطرق المعتادة".
وبمطالعة اتفاقية فيينا ومبادئ (اليونيدروا) ومقاربة القانون القطري لأحكامهما يتبين أن ثمة قواسم مشتركة على عدة مستويات، فعلى مستوى الجزاءات المترتبة على الإخلال بالمطابقة نجد أن هناك اتفاقا في أحكام الفسخ وإنقاص الثمن والأخطار بعدم المطابقة والإعفاء من المسؤولية، كذلك يوجد اتفاق واضح من ناحية معيار اعتبار وجود المطابقة من عدمه، حيث تنص اتفاقية فيينا في المادة 35 منها على أنه: "1- على البائع أن يسلم بضائع تكون كميتها ونوعيتها وأوصافها وكذلك تغليفها أو تعبئتها مطابقة لأحكام العقد، 2- وما لم يتفق الطرفان على خلاف ذلك، لا تكون البضائع مطابقة لشروط العقد إلا إذا كانت: (أ) صالحة للاستعمال في الأغراض التي تستعمل من أجلها عادة بضائع من نفس النوع؛ (ب) صالحة للاستعمال في الأغراض الخاصة التي أحيط بها البائع علما، صراحة أو ضمنا، وقت انعقاد العقد، إلا إذا تبين من الظروف أن المشتري لم يعتمد على خبرة البائع أو تقديره، أو كان من غير المعقول للمشتري أن يعتمد على ذلك؛ (ج) متضمنة صفات البضاعة التي سبق للبائع عرضها على المشتري كعينة أو نموذج؛ (د) معبأة أو مغلفة بالطريقة التي تستعمل عادة في تعبئة أو تغليف البضائع من نوعها، وفى حالة عدم وجود الطريقة المعتادة، تكون التعبئة والتغليف بالكيفية المناسبة لحفظها وحمايتها، 3- لا يسأل البائع، بموجب أحكام الفقرات الفرعية (أ) إلى (د) من الفقرة السابقة عن أي عيب في المطابقة كان يعلم به المشتري أو كان لا يمكن أن يجهله وقت انعقاد العقد".
في حين تنص المادة 7-1-1 من مبادئ (اليونيدروا) على نفس المضمون تحت ما يسمى بعدم التنفيذ، حيث تنص بأنه: "يقصد بعدم التنفيذ كل إخلال من أحد الأطراف في تنفيذ أي من التزاماته الناتجة عن العقد، ويشمل الإخلال التنفيذ المعيب أو التنفيذ المتأخر". وقد نصت المادة 7-1-5 على الإجراءات المتبعة من قبل الدائن إذا ما نفذ المدين التزامه، من حيث الإخطار، والدفع بعدم التنفيذ، والمطالبة بالتعويض".
وعلى الرغم من هذه القواسم المشتركة سالفة الذكر، إلا أنه من الضروري إدخال بعض التعديلات على أحكام القوانين المرتبطة بالموضوع محل البحث، لا سيما قانون حماية المستهلك وقانون التجارة القطري، بما يضمن تعزيز حماية المستهلك، من خلال تفعيل مبدأ الالتزام بالمطابقة بضرورة النص على زيادة المهلة التي تفترض خلالها مسؤولية البائع عن عيوب المطابقة، وكذلك ضرورة الفصل بين تخلف الصفة المتفق عليها وبين العيب الموجب لضمان العيوب الخفية، والنص على حق المستهلك في استبقاء المنتج أو الخدمة مع تخفيض الثمن.
الالتزام بالمطابقة وفقا لقانون حماية المستهلك وقانون المعاملات والتجارة الإلكترونية
ينشئ القانون التزاما بضمان المطابقة على عاتق جميع الأشخاص المهنيين الذين يقومون بتوريد السلع أو الخدمات للمستهلك؛ فهو من يملك من الخبرة الفنية والدراية في شأن سلعته التي يقوم بإنتاجها، وهو من يعرف خصائص المادة المستخدمة في الإنتاج ويتابع عملية الإنتاج في مختلف مراحلها، وفوق ذلك فإنه يملك الوسائل التي تمكنه من رقابة السلعة وكشف ما بها من عيوب أو قصور قد يعتريها قبل طرحها للتداول أو التعامل بها80. ويعد الالتزام بالمطابقة إحدى الركائز والوسائل القانونية الأساسية التي أقرها المشرع القطري لضمان حماية فعالة للمستهلك.
ويجد الالتزام بالمطابقة أساسه في أغلب قوانين حماية المستهلك، حيث اتجهت أغلب الدول إلى تنظيم أحكامه بموجب قوانين خاصة وهي قوانين حماية المستهلك، ومن ضمنهم المشرع القطري الذي تضمنت أحكامه الالتزام بالمطابقة، حيث نصت المادة الخامسة من قانون حماية المستهلك على أن: "يلتزم المزود بإرجاع السلعة مع رد قيمتها أو إبدالها أو إصلاحها بدون مقابل في حال اكتشاف عيب فيها أو كانت غير مطابقة للمواصفات القياسية المقررة أو الغرض الذي تم التعاقد عليها من أجله"81.
ولكي يتمكن المستهلك من ممارسة حقه في رفع دعوى وفقا للنص السابق يجب توفر شرطين؛ الأول: ضرورة توفر عيب عدم المطابقة عند تسليم المبيع للمستهلك؛ الثاني: عدم معرفة المستهلك بوجود هذا العيب (أي جهله بالعيب).
وهو الأمر المتفق مع حكم الفقرة الثانية من المادة 46 من اتفاقية فيينا82 والتي تجيز إبدال البضاعة في حالة عدم المطابقة، إن كانت تشكل مخالفة جوهرية من ناحية عدم المطابقة لما تم التعاقد عليه، وكذلك يتفق مع اتفاقية فيينا من ناحية إصلاح العيب في البضاعة، والمنصوص عليه في الفقرة الثالثة من المادة (46)83، وهو الأمر الذي تضمنته أيضا مبادئ (اليونيدروا) في المادة 7-2-3.
وفيما يتعلق بالمستهلك الإلكتروني، فقد نصت المادة 58 من المرسوم بقانون رقم 16 لسنة 2010م بإصدار قانون المعاملات والتجارة الإلكترونية، على أنه: "ما لم يتفق الأطراف على خلاف ذلك، يكون للمستهلك، في حالة إبرام العقود بواسطة الاتصالات الإلكترونية، الحق في فسخ العقد أو إنهائه خلال (3) ثلاثة أيام من تاريخ إبرام العقد، طالما لم يتم تنفيذ العقد من قبل مقدم الخدمة خلال هذه المدة تنفيذا كاملا بصورة تفي بالغرض منه، ولم يقم المستهلك باستخدام المنتجات أو البضائع التي تسلمها أو حصل منها على أي منفعة أو قيمة مادية".
وحيث نصت الفقرة الأولى من المادة 59 من ذات القانون المذكور على أنه: "ما لم يتفق مقدم الخدمة والمستهلك على مدة أخرى للتسليم أو تنفيذ العقد، يجوز للمستهلك إنهاء العقد مع مقدم الخدمة، إذا حدث تأخير في التسليم أو في تنفيذ العقد لمدة تزيد على (30) ثلاثين يوما، واسترداد أي مبالغ قام بدفعها بمقتضى العقد مقابل المنتجات أو البضائع أو الخدمات، أو غيرها من التزامات العقد الأخرى المتأثرة بهذا التأخير ....".
وعليه؛ في ضوء أحكام النصوص - سالفة الذكر - يتضح أن المشرع القطري قد أجاز للمستهلك الإلكتروني فسخ العقد في حال عدم تنفيذ العقد بصورة تفي الغرض منه. ولم يتطرق القانون المذكور لمبدأ عدم الالتزام بالمطابقة بصورة صريحة فيما يتعلق بمجال المعاملات الإلكترونية، وإنما ضمنيا، وهذا الأمر على عكس قانون التجارة، والاتفاقية والمبادئ سالفي الذكر، وكان الأجدر به الأخذ بتلك التجارب، فلو تم الأخذ بها لن يوجد تعارض بشكل صريح للقواعد العامة في المنظومة التشريعية.
ومن باب المقارنة، فالمشرع الجزائري نص على هذا المبدأ صراحة في القانون رقم 5/18 المتعلق بالتجارة الإلكترونية، حيث نصت المادة 23 من القانون المذكور على أنه: "يجب على المورد الإلكتروني استعادة سلعته، في حالة تسليم غير مطابق للطلبية"84، وهذه تجربة تشريعية أخرى كان الأجدر بالمشرع القطري الأخذ بها.
الخاتمة
بنهاية هذا البحث ولله الحمد، تم التوصل لبعض النتائج والتوصيات، والتي يمكن إيجاز أهمها في التالي:
قائمة المراجع
أولا: المراجع العامة:
ثانيا: المراجع المتخصصة:
ثالثا: الدراسات والأبحاث:
خامسا: التشريعات، والاتفاقيات والمبادئ الدولية:
أ- التشريعات القطرية:
ب- التشريعات الأخرى:
ت- الاتفاقيات الدولية والنماذج التشريعية الدولية والعقود النموذجية:
سادسا: المواقع الإلكترونية:
https://uncitral.un.org/sites/uncitral.un.org/files/media-documents/uncitral/ar/v1056999-cisg-a.pdf
https://www.unidroit.org/wp-content/uploads/2021/06/Unidroit-Principles-2010-Arabic-bl.pdf
سابعا: المراجع الأجنبية:
https://papers.ssrn.com/sol3/papers.cfm?abstract_id=1880958.
المشاهدات
التحميلات
الاستشهادات
المؤلفون
إصدار
السنة