تتلخص فكرة البحث وإشكاليته في سؤال، وهو مدى توافق القانون الوضعي مع الفقه الإسلامي في درجة الظن المطلوبة في الإثبات القضائي. وقد تمت معالجة هذه الإشكالية من خلال رصد وتحليل التصور الأصولي للظن واليقين ومحلهما من مراتب الإدراك، والوقوف على موقف الفقه الإسلامي من درجة الظن المطلوبة في الإثبات القضائي في مختلف أنواع الدعاوى في المعاملات والجنايات ومسائل الأسرة، ثم التعريج على موقف كل من مدرستي القانون الوضعي الأنجلوسكسونية واللاتينية من درجة الظن المطلوبة في كل من الدعوى الجنائية والمدنية، وتحليلها على ضوء التصور الأصولي الفقهي لمراتب الإدراك، وانتهاء بالمقارنة بينهما، وبالوقوف على موقف القانون القطري من هذه المسألة. وقد توصلت الدراسة إلى نتائج من أبرزها وجود تقارب بين الفقه الإسلامي ومدرستي القانون الوضعي في درجة الظن المطلوبة في إثبات الدعوى الجنائية، ووجود اختلاف بين المدرسة الأنجلوسكسونية من جهة والفقه الإسلامي والمدرسة اللاتينية من جهة أخرى في درجته في الدعوى المدنية، مع اتسام تنظير المدرسة اللاتينية لهذه المسألة، ومن ضمنها المدرسة القطرية، بنوع من الغموض في مقابل وضوح تنظير الفقه الإسلامي والمدرسة الأنجلوسكسونية.
فالمقصود بدرجة الظن المطلوب في الإثبات القضائي، أو ما يعرف في القانون بمعيار الإثبات، هو درجة العلم التي ينبغي أن تفيدها أدلة الإثبات ليُقضَى لمصلحة المدعي في الدعوى القضائية. ولهذه المسألة أهمية تنعكس على مدى الحماية التي يسبغها النظام القانوني على وضع المدعى عليه، أو المتهم بناءً على أصل البراءة وعدم انشغال الذمة، وهو ما يظهر في قوة الأدلة التي يطلب من المدعي تقديمها أمام القضاء حتى يُقضَى لصالحه، ذلك أنّ ارتفاع درجة الظن المطلوبة، أو معيار الإثبات، ينعكس ارتفاعًا في عبء الإثبات على المدعي وقوة الأدلة التي ينبغي عليه تقديمها، أما انخفاضها فينعكس تخفيفًا عليه من ذلك العبء. وكذلك فإن ارتفاع درجة الظن المطلوبة، أو انخفاضها ينعكس على مدى تشدد القضاة، أو تساهلهم في الإثبات القضائي تبعًا لذلك.
ولما كان لدرجة الظن تلك دور بارز في القانون الوضعي بمدرستيه الأنجلوسكسونية واللاتينية خاصةً في مجال الإثبات الجنائي كان من الأهمية بمكان الوقوف على موقف الفقه الإسلامي من هذه المسألة بعراقته واستمداده من نصوص الوحي الشريف بهيمنته ومعياريته على ما قبله وما بعده من الشرائع والتشريعات وصولًا إلى مدى توافق القانون الوضعي مع الفقه الإسلامي في هذه المسألة وما عسى أن يُوصَى به بناءً على ذلك.
الدراسات السابقة
لم تقف الدراسة على دراسات سابقة تناولت عين الموضوع محل البحث من وجهة نظر مقارنة بين الفقه الإسلامي والقانون الوضعي بمدرستيه، إنما وقفت على دراسات تناولت جوانب من هذا الموضوع، فمن أهم ما له تعلق بموضوع البحث:
وقد استفادت الدراسة من هذه الأبحاث في المبحث الثاني المتعلق بحقيقة موقف كل من مدرستي القانون الوضعي من معيار الإثبات والقوانين والأحكام القضائية المحورية في هذه المسألة، بالإضافة إلى بيان اتجاه المدرسة العربية، وتحليل جميع ذلك في ضوء مراتب الإدراك في أصول الفقه الإسلامي، ثم عقد المقارنة بين اتجاه المدرستين مع اتجاه الفقه الإسلامي في الظن المطلوب في الإثبات القضائي.
ولم يتعرض هذان البحثان لمسألة وجود تفريق من عدمه بين درجات الظن المطلوبة في الدعاوى الجنائية والمدنية في القانون، ولم يقارنا كذلك هذه المسألة مع اتجاه المدرسة الأنجلوسكسونية والفقه الإسلامي في هذا الشأن مما حاول البحث الوقوف عليه في هذه الدراسة.
أهداف البحث
وعلى ما تقدم يهدف هذا البحث إلى تحقيق الأمور الآتية:
منهجية البحث
وقد اعتمد البحث لأجل تحقيق ذلك منهجًا وصفيًا وتحليليًا عمومًا وبخاصة في المبحث التمهيدي والمبحثين الأولين، فاعتمده في الوقوف على حقيقة مصطلح الظن وتمييزه عما يتصل به من مراتب الإدراك لدى الأصوليين، وذلك ليتضح منطلق موقف الفقه الإسلامي من الظن في الإثبات القضائي، وليكون معيارًا لتحليل موقف مدرستي القانون الوضعي. ثم اتّبع ذات المنهج في رصد وتحديد موقف الفقه الإسلامي من درجة الظن المطلوبة في الإثبات القضائي، وتحليل حقيقة ذلك في مختلف أنواع الدعاوى من معاملات وجنايات وقضايا أسرة، ثم في رصد حقيقة درجة الظن المطلوبة في كل من مدرستي القانون الوضعي الأنجلوسكسونية واللاتينية في الدعاوى الجنائية والمدنية وتحليلها على ضوء التصور الأصولي لمراتب الإدراك. ثم اعتمد المنهج المقارن في المبحث الثالث، وذلك بأخذ نتيجة ما تم رصده وتحليله في الفصلين الأولين والمقارنة بين موقف كل من الفقه الإسلامي ومدرستي القانون الوضعي وصولًا إلى مدى قُرب أو بُعد تلك المدرستين عن اتجاه الفقه الإسلامي، وإلى موقف القانون القطري من هذه المسألة.
خطة البحث
وبناءً على ما تقدم فقد جاءت خطة هذا البحث على النحو الآتي:
مبحث تمهيدي: مفهوم الظن وتمييزه عن المصطلحات ذات الصلة
المبحث الأول: موقف الفقه الإسلامي من الظن المطلوب في الإثبات القضائي
المبحث الثاني: الظن المطلوب في الإثبات القضائي في القانون الوضعي
المبحث الثالث: المقارنة بين الفقه الإسلامي والقانون الوضعي في الظن المطلوب في الإثبات القضائي
مفهوم الظن وتمييزه عن المصطلحات ذات الصلة
لما كان موقف الفقه الإسلامي من العمل بالظن في الأحكام القضائية يتفرع عن موقفه من حكم العمل بالظن بشكل عام، وكان هذا الأخير يتفرع عن التصور الأصولي لمفهوم الظن، فعليه نعقد هذا المبحث لنتناول فيه مفهوم الظن عند الأصوليين ولتمييزه عما يتعلق به من مصطلحات، في حدود ما له تعلق بنطاق هذا البحث، وذلك قبل الولوج إلى موقف الفقه الإسلامي من الظن المطلوب في الإثبات القضائي.
مفهوم الظن لغةً واصطلاحًا
يتردد معنى الظن لغة بين الشك واليقين، قال في مقاييس اللغة: "(ظن) الظاء والنون أصل صحيح يدل على معنيين مختلفين: يقين وشك. فأما اليقين فقول القائل: ظننت ظنا، أي أيقنت. قال الله تعالى: ﴿قَالَ الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُم مُّلَاقُو اللَّـهِ﴾ [البقرة: 249] أراد، والله أعلم، يوقنون. ... والأصل الآخر: الشك، يُقال: ظننت الشيء، إذا لم تتيقنه."(1)
وقد ورد الظن في القرآن أيضًا بمعنى الخرص والتخمين والهوى كما في قوله تعالى: ﴿وَقَالُوا مَا هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَا إِلَّا الدَّهْرُ وَمَا لَهُم بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ﴾ [الجاثية:24]، وقوله تعالى: ﴿إِن يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَمَا تَهْوَى الْأَنفُسُ وَلَقَدْ جَاءَهُم مِّن رَّبِّهِمُ الْهُدَى﴾ [النجم:23].
اتفق الأصوليون وغيرهم على معنى الظن الاصطلاحي، وإن اختلفت عباراتهم في تعريفه، فاستقر استعمالهم له على أنه الحكم الراجح غير الجازم.
فمن ذلك تعريف أبي الحسين البصري (436ه) له بأنه: "تغليب بالقلب لأحد مجوَّزين ظاهرَي التجويز."(2) وعرفه الباجي (474ه) بأنه: " تجويز أمرين فما زاد لأحدهما مزيّة على سائرها."(3) وعرفه الآمدي (631ه) بأنه: "ترجح أحد الاحتمالين في النفس على الآخر من غير قطع."(4) وعند ابن الحاجب (646ه) هو: "ما عنه ذكر حكمي يحتمل متعلقه النقيض عند الذاكر بتقديره مع كونه راجحًا."(5) وعرفه الطوفي (716ه) بأنه: "حكم راجح غير جازم."(6) وعرفه الزركشي (794ه) بأنه: "الاعتقاد الراجح من اعتقادي الطرفين."(7) وفي تعريفات الجرجاني (392ه): "الظن: هو الاعتقاد الراجح مع احتمال النقيض ... وقيل: الظن: أحد طرفي الشك بصفة الرجحان."(8)
فقيد الرجحان يخرج الشك والوهم، إذ الشك لا رجحان فيه لجانب على آخر، بل يتساوى فيه طرفا الحكم غير الجازم(9)، وأما الوهم فهو الطرف المرجوح المقابل للطرف الراجح الذي هو الظن.(10) وقيد عدم الجزم، يخرج العلم والاعتقاد الصحيح والجهل المركب، إذ تشترك هذه المراتب الثلاث في كونها حكمًا جازمًا.(11) وقيد عدم الجزم هو ما عبر عنه بعضهم باحتمال الظن للنقيض.
وقد وصف الغزالي (505ه) الظن باعتباره درجة ثالثة بعد اليقين والاعتقاد الجازم بأنه: "أن يكون لها [أي للنفس] سكون إلى الشيء والتصديقِ به، وهي تشعر بنقيضه أو لا تشعر، لكن لو أُشعرتْ به لم ينفر طبعها عن قبوله."(12) فدل قوله على أنه لا يشترط أن يشعر الظانُّ باحتمال نقيض اعتقاده ليسمَّى اعتقاده ظنًا، بل يكفي أنه إن أُشعر بوجود ذلك الاحتمال لم ينفر عن قبوله.
ومن أمثلة الظن "اعتقاد الإنسان فيما يخبر به الثقة أنه على ما أخبر به، وإن جاز أن يكون بخلافه"(13) وكذلك "اعتقاد المجتهدين فيما يفتون به في مسائل الخلاف، وإن جوزوا أن يكون الأمر بخلاف ذلك، وغير ذلك مما لا يقطع به."(14)
بخلاف اليقين والشك فإن الظن عند جمهور الأصوليين(15) لا ينحصر في درجة واحدة، بل هو درجات متفاوتة غير محصورة تبتدئ من الدرجة التي فوق الشك بأدنى ترجح لأحد الطرفين، وتقوى تدريجيًا حتى تصل إلى ما دون اليقين، فإن بلغت اليقين خرجت عن مسمى الظن. قال الباجي: "والظن في نفسه يختلف، فيقوى تارة ويضعف أخرى ما لم يبلغ حد مساواة هذا الوجه لغيره من الوجوه، فيخرج بذلك عن أن يكون ظنًّا."(16)
ولما كانت درجات الظن تتفاوت هذا التفاوت الدقيق بما يصعب معه تحديد كل منها بضابط واضح يميزها عن غيرها؛ فقد اكتفى كثير من أهل العلم بالتفريق بين ما قوي من الظن وغيره، فوصفوا ما قوي بالظن الغالب، ووصفوا ما دونه بالظن فقط. وقد عبر عن ذلك ابن نجيم (970ه) بقوله: "وأما أكبر الرأي وغالب الظن فهو الطرف الراجح إذا أخذ به القلب وهو المعتبر عند الفقهاء."(17) وفرق الآمدي بين الظن وغلبة الظن بقوله: "يفرق بين قول القائل: ظن، وغلبة ظن، ولأن غلبة الظن ما فيه أصل الظن وزيادة."(18) وفرق بينهما الشيرازي (476ه) بأن الأول يحصل بالأمارة الواحدة، وأما الثاني فيحصل بأن "تتزايد الأمارات الموجبة للظن وتتكاثر، ويكون على الحكم دليلان وثلاثة، ويخبره ثقتان وثلاثة وأكثر."(19)
وقد يطلق الفقهاء وصف غلبة الظن ويريدون به مجرد الظن، كما انتقدهم عليه الشيرازي بقوله: "وما يستعمله الفقهاء من التحري في الأواني من قولهم: إذا غلب على ظنه طهارة إناء توضأ به، غير صحيح؛ لأنه لا يعتبر في ذلك غلبة الظن، بل يكفي فيه أن يقع الظن بطهارة بعض الأواني بأمارة واحدة."(20)
وكذلك قد يطلقون وصف اليقين ويريدون به درجة الظن أو درجة غالب الظن تجوّزًا، وذلك باعتباره كاليقين في وجوب العمل به. قال النووي (676ه): "اعلم أنهم يطلقون العلم واليقين ويريدون بهما الظن الظاهر، لا حقيقة العلم واليقين؛ فإن اليقين هو الاعتقاد الجازم، وليس ذلك بشرط في هذه المسألة ونظائرها، وقد قدمنا في هذا الباب بيان هذا؛ حتى لو أخبره ثقة بنجاسة الماء الذي توضأ به فحكمه حكم اليقين في وجوب غسل ما أصابه وإعادة الصلاة، وإنما يحصل بقول الثقة ظن لا علم ويقين، ولكنه نص يجب العمل به."(21)
المصطلحات ذات الصلة بالظن
لما كان الظن يحف طرفيه الشك واليقين، وكانت علاقة الظن بالأخير قد تلتبس بعلاقته بمصطلح القطع، كان لا بدَّ من الوقوف على المعنى الاصطلاحي لهذه المصطلحات لتمييز الظن عنها. وسيكون الحديث عن الشك في المبحث الأول من هذه الدراسة، وفي هذا المبحث سيكون الحديث عن اليقين والقطع مع نوع من التوسع في مصطلح اليقين لأهميته في تحليل موقف مدرستي القانون الوضعي في المبحث الثاني من هذا البحث.
اليقين لغةً هو العلم بالشيء وتحققه وزوال الشك،(22) وأصله من الاستقرار، يقال: يقن الماء في الحوض، إذا استقر فيه.(23)
وعرفه الأصوليون اصطلاحًا بعبارات مختلفة، فمن ذلك تعريف أبي الخطاب (510ه) له بأنه: "وضوح حقيقة الشيء في النفس،"(24) وعرفه ابن قدامة (620ه) بأنه: "ما أذعنت النفس إلى التصديق به، وقطعت به، وقطعت بأن قطعها به صحيح، بحيث لو حُكي لها عن صادق خلافه لم تتوقف في تكذيب الناقل."(25) ومنه تعريف ابن تيمية (728ه) له بأنه: "طمأنينة القلب واستقرار العلم فيه،"(26) وفسره علاء الدين البخاري (730ه) فقال: "يقينًا أي ثبوتًا في ذاته من غير شك."(27)
ويلاحظ من هذه التعريفات أن اليقين مرتبة تتسم بالجزم، وطمأنينة القلب، وأن هذا الجزم يبلغ من القوة ما ينتفي معه كل شك واحتمال، كما قال الغزالي: "لو حكي لها [أي للنفس المتيقنة] عن نبي من الأنبياء أنه أقام معجزة وادعى ما يناقضها فلا تتوقف في تكذيب الناقل، بل تقطع بأنه كاذب، أو تقطع بأن القائل ليس بنبي، وأن ما ظن أنه معجزة فهي مخرقة، وبالجملة فلا يؤثر هذا في تشكيكها، بل تضحك من قائله وناقله."(28)
واليقين - إذ بلغ من الجزم والقطع هذا المبلغ - لا يقبل التفاوت أو التردد بحال، ولا يدخله الشك بوجه من الوجوه، بل هو درجة واحدة يقطع فيها بانتفاء كل احتمال آخر. قال ابن حزم (456ه): "واليقين لا يتفاضل،"(29) وقال ابن عطية: "واليقين أعلى درجات العلم، وهو الذي لا يمكن أن يدخله شك بوجه"(30) وهو ما يفهم من قول الغزالي؛ أنَّه حتى لو "خطر ببالها إمكان أن يكون الله قد أطلع نبيًا على سر به انكشف له نقيض اعتقادها فليس اعتقادها يقينًا،"(31) فمجرد خطور إمكانِ احتمالٍ مغايرٍ يتنافى مع اليقين.
ويفهم من التعريفات المتقدمة أن اليقين لا يشترط فيه مطابقة الواقع، كما قال الباجي: "والذي يتميز به اليقين من العلم أن المعتقد يتيقن الشيء وهو على خلاف ما يعتقده، ومحال أن يعلم الشيء، ولا يكون على ما يعلمه."(32) وكذلك لا يشترط أن يكون مبنيًا على مستند، أو دليل، كما قال أيضًا: "العلم يتضمن التيقن، ومن علم شيئًا تيقنه، وقد يتيقن المتيقن بغير علم، وهذا هو الاعتقاد."(33)
فعلى ذلك يمكن تعريف اليقين بأنه: الحكم الجازم الذي ينتفي معه كل احتمال. وعلى هذا القول قد يحصل اليقين في مراتب الإدراك التي تشترك في كونها حكمًا جازمًا، وهي العلم والاعتقاد الصحيح والجهل المركب.(34)
فعلى ما تقدم؛ فإن أهم ما تتميز به مرتبة الظن عن مرتبة اليقين هو:
القطع لغة: أصله من فصل الشيء وصرمه وإبانته.(35)
وللأصوليين اتجاهان، أو استعمالان اصطلاحيان، للقطع، فالاستعمال الأول بمعنى ما لا يكون فيه احتمال أصلًا، والاستعمال الثاني بمعنى لا يكون فيه احتمال ناشئ عن دليل. قال الطوفي: "القاطع يطلق تارة على ما لا يحتمل النقيض، كقولنا: الواحد نصف الاثنين، ويمتنع اجتماع الضدين، وتارة يطلق على ما يجب امتثال موجبه قطعًا..."(36) وقال التفتازاني (793ه): "القطع يطلق على نفي الاحتمال أصلا، وعلى نفي الاحتمال الناشئ عن دليل وهذا أعم من الأول."(37)
وبعض الحنفية يطلقون على ما لا ينتفي معه إلا الاحتمال الناشئ عن دليل مصطلحَ "علم الطمأنينة"، ويجعلون علم الطمأنينة واليقين الذي تنتفي معه كافة الاحتمالات قسيمي العلم القطعي، قال صدر الشريعة (747ه): "واعلم أنّ العلماء يستعملون العلم القطعي في معنيين: أحدهما ما يقطع الاحتمال أصلا كالمحكم والمتواتر، والثاني ما يقطع الاحتمال الناشئ عن الدليل كالظاهر، والنص، والخبر المشهور مثلًا فالأول يسمونه علم اليقين، والثاني علم الطمأنينة."(38)
فعلى المعنى الأول يكون القطع خارجًا عن مرتبة الظن؛ لأنّ الظن لا تنتفي معه كافة الاحتمالات، بل يحتمل النقيض.
أما على المعنى الثاني فقد يكون ثمة تداخل بين القطع والظن؛ إذ كلاهما يشتركان في ورود الاحتمال عليهما. ومع ذلك فقد يفرق بينهما بأنّ الظن حكم غير جازم، بينما القطع حكم جازم – وهذا على افتراض أنّ الجزم لا يلزم منه نفي كافة الاحتمالات(39) -، وقد جعل بعض أهل العلم الجزمَ مرتبةً وسطًا بين الظن وبين اليقين والعلم، كما قال ابن قدامة بعد ذكره تعريف اليقين: "ولنا حالة ثانية، وهي: أن تصدق بالشيء تصديقًا جزميًّا لا تتمارى فيه، ولا تشعر بنقيضه البتَّة، ولو شعرت بنقيضه عسر إذعانها للإصغاء، لكن لو ثبتت وأصغت وحكى لها نقيضه عن صادق أورث ذلك توقفًا عندها. وهذا اعتقاد أكثر الخلق، وكافة الخلق يسمون هذا يقينًا، إلَّا آحادًا من الناس."(40)
ومع ذلك قد يبقى حينها نوع من التداخل بين معنى القطع هذا ومرتبة الظن الغالب الذي يتسم بالقوة ويأخذ به القلب، فقوته وأخذ القلب به واطمئنانه إليه قد يتداخل معناه مع الجزم.
وإذ تبين بما تقدم مفهوم الظن لدى الأصوليين، وتم تمييزه عما يلتبس به من اليقين والقطع، فجدير بنا أن نعرج على الظن الذي يجوز العمل به في الإثبات القضائي في الفقه الإسلامي.
موقف الفقه الإسلامي من الظن المطلوب في الإثبات القضائي
للوقوف على موقف الفقه الإسلامي من العمل بالظن في الإثبات القضائي سيكون الحديث في المطلب الأول من هذا المبحث عن حكم العمل بالظن كأصل عام في الإثبات القضائي في الفقه الإسلامي، وفي المطلب الثاني رصد أنصبة الإثبات التي اعتدوا بها في الإثبات القضائي في مختلف أنواع الدعاوى من المعاملات والجنايات ومسائل الأسرة للوقوف على حقيقة درجات الظن التي اعتمدوها في إثبات تلك الدعاوى.
حكم العمل بالظن في الإثبات القضائي في الفقه الإسلامي
اتفق الأصوليون والفقهاء في الجملة على أصل وجوبِ أو جوازِ العمل بالظن في الأحكام الشرعية العملية، ومنها الإثبات القضائي.(41)
واتفقوا كذلك على أنَّ الظن الذي يجوز العمل به يشترط فيه أن يكون ناشئًا عن دليل؛ فإن لم يستند إلى دليل فلا يجوز العمل به، ويعدُّ من قبيل الوهم أو الشك. قال الغزالي: "الظن عبارة عن أغلب الاحتمالين، ولكن لا يجوز اتباعه إلا بدليل."(42) وقال العز بن عبد السلام (660ه): "لا يجب الأخذ باليقين في الإيجاب والتحريم، ولا الكراهية والندب، ولا الإباحة والتحليل، بل يكفي في ذلك الظن المستند إلى الأسباب الشرعية."(43) وقال الزركشي: "وهو [أي الظن] طريق للحكم إذا كان عن أمارة، ولهذا وجب العمل بخبر الواحد، وبشهادة الشاهدين، وخبر المقومين والقياس، وإن كانت علة الأصل مظنونة."(44) ويفهم من كلامهم أن الدليل إذا لم ينتج رجحانًا في الاعتقاد – الذي هو الظن اصطلاحًا - بل أنشأ اعتقادًا مرجوحًا، أو متساوي الطرفين، فلا يعد دليلًا، ويظل الاعتقاد الناشئ عنه من قبيل الوهم أو الشك، لا الظن الذي يجوز العمل بموجبه.
وقد استدل أهل العلم بأدلةٍ سمعية عديدة على أصل العمل بالظنّ في الأحكام الشرعية، ومن ضمنها الإثبات القضائي، فمن تلك الأدلة: ثبوت التعبد بالحكم بشهادة الاثنين وبيمين المدعي مع نكول المدعى عليه، ومنها حصول التبليغ والتكليف بإنفاذ رسول الله – صلى الله عليه وسلم – آحاد الرُّسل إلى مختلف الأطراف، ومنها إجماع الصحابة على قبول خبر الواحد، كحكم عمر - رضي الله عنه - بدية الجنين غرةً بناء على خبر الواحد، ومنها الإجماع على أنَّ العامي مأمور باتباع المفتي، وكل ذلك إنما يورث الظن الراجح لا القطع والعلم.(45)
ثم إنه إضافة إلى ما تقدم من أدلة سمعية فإنَّ العمل بالظن ثابت من جهة المصلحة والحاجة، وخاصة في الإثبات القضائي، ذلك أنَّ الأصل أن القاضي لا يقضي إلا في وقائع يعلم ثبوتها؛ وطرق ثبوتها عن علم ويقين تنحصر في أحد طريقين: علم القاضي، أي وقوفه بحواسه على الوقائع مباشرة، أو عن طريق التواتر. ولما كان كلا الطريقين نادري إمكانِ الحصول في عالم الإثبات القضائي، وكان في تكليف القضاء بالوقوف على الحقيقة يقينًا مشقة شديدة لا تأتي بمثلها الشريعة، كان لا بد من الاكتفاء بالأدلة الظنية في الإثبات لئلا تتعطل الأحكام وتضيع الحقوق للعجز عن الإثبات، مع وجوب مراعاة الحيطة والحذر والتأكد من توفر مرجحات صدق الدليل الظني على كذبه.(46) وفي هذا المعنى قال العز بن عبد السلام: "ولو اعتبر الشرع اليقين في العبادات والمعاملات وسائر التصرفات لفاتت مصالح كثيرة خوفًا من وقوع مفاسد يسيرة، بل في بعض المصالح ما لو بُني على اليقين لهلك العباد وفسدت البلاد."(47)
فإذا ثبت أصل مشروعية العمل بالظن الناشئ عن دليل فما درجة الظن المطلوبة في الحكم القضائي وفق الفقه الإسلامي؟
درجة الظن في الحكم القضائي في الفقه الإسلامي
يتبين مما تقدم أنَّ الفقه الإسلامي قد عدل عن تطلب اليقين إلى الاكتفاء بغلبة الظن كأصل في الإثبات القضائي، أي الظنِّ الناشئ عن دليل، والذي يأخذ به القلب وينتفي معه التردد وفق ما يفهم من كلام الأصوليين والفقهاء المتقدم بيانه.
ثم إنه مع اعتبار غلبة الظن في الإثبات؛ فإنَّ من أبرز ما يميز الفقه الإسلامي في باب القضاء أنه وضع معايير ومظانّ لتحقق غلبة الظن المطلوبة في الإثبات في كلِّ نوعٍ من أنواع الدعاوى،(48) خاصة فيما يتعلق بوسائل الإثبات المقبولة فيها. ويمكن تقسيم تلك الوسائل إلى مرجحات أولية تفيد ظاهرًا، كالأصل والعرف واليد، وهي تكون في جانب المدعى عليه ابتداءً في العادة، وإلى أدلة يُستفاد منها ثبوت خلاف ذلك الظاهر، كالإقرار والشهادة واليمين الأصلية، وهي التي يكلف المدعي بالإتيان بها.
والذي سيساعدنا في معرفة درجة الظن المطلوبة إنما هو الوسيلة التي يمكن استفادة الحد الأدنى من الظن المطلوب منها بحيث يعتبر من بلغه أو جاوزه قد قام برفع عبء الإثبات عن نفسه، ومن قصر عنه اعتبرت دعواه غير ثابتة. والوسيلة التي يتحقق فيها ذلك في الفقه الإسلامي هي الشهادة؛ إذ هي الوسيلة الوحيدة التي تميزت بورود أنصبة متغايرة لها في النصوص الشرعية، وهو ما تصلح معه لأن يستنبط منها درجة الظن المطلوبة لرفع عبء الإثبات، ذلك أن تحديد عدد معين للشهود يدل بمفهومه على عدم قبول ما دونه، وعلى عدم اشتراط زيادة عليه عددًا أو أدلةً؛ فهو يدل إذًا على الحد الأدنى المطلوب من الظن لرفع عبء الإثبات عن المدعي.(49) ثم إن التغاير في الأنصبة أو عدم تغايرها يدل على تغاير درجة الظن المطلوبة في تلك الأبواب، وهو ما يُلاحَظ اعتبارُ الفقهاءِ له في تفريعاتهم فيها.(50)(51)
ولإن كانت مدرستي القانون الوضعي قد قسمتا معيار الإثبات قسمة ثنائية، فوضعتا معيارًا خاصًا بكل من الدعوى المدنية والدعوى الجنائية؛ فإنه يمكن القول بأن الفقه الإسلامي قام بوضع معيار عام لكل أنواع الدعاوى متمثلًا في الظن الحاصل بشهادة رجلين، ثم اتبع قسمة ثلاثية في وضع معيار خاص لكل من دعاوى المعاملات والجنايات ومسائل الأسرة. وعليه فسنتناول معيار شهادة الرجلين أولًا في المطلب التالي كمعيار عام للإثبات، ثم نعقبه بتناول درجة الظن في كل نوع من أنواع الدعاوى الرئيسة في الفقه الإسلامي في ضوء أنصبة الشهادة المختلفة الواردة فيها.
أولًا: شهادة الرجلين بوصفها معيارًا عامًا
يمكن القول إن شهادة الرجلين تعتبر المعيار الرئيس لدرجة الظن المطلوبة في الإثبات القضائي في الفقه الإسلامي، وأنها المظِنة التي وضعها الشرع لتحقق تلك الدرجة من الظن. فقد تتابعت النصوص الشرعية في اعتباره في إثبات أنواع الحقوق المختلفة، فمن ذلك قوله تعالى في آية الدَّيْن: ﴿وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِن رِّجَالِكُمْ﴾ (سورة البقرة: 282) وذلك في باب الدَّين أو في السلم بالمال، وهو من الأموال. وقوله تعالى: ﴿فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ فَارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِّنكُمْ﴾ (سورة الطلاق: 2) في إثبات الرجعة وانتهاء العدة، وهي من مسائل الأسرة. وقوله ﷺ في حديث القسامة: «تأتون بالبينة على من قتله؟»(52) وفي رواية: «لكم شاهدان يشهدان على قاتل صاحبكم؟»(53) وذلك في باب القصاص.
وإذ شكلت شهادة الرجلين مشتركًا عامًا في النصوص الواردة في باب الإثبات القضائي فقد اتفق الفقهاء على مشروعية الإثبات بها، وأنها حجة شرعية في إثبات جميع الحقوق بشكل عام، ويرتفع بها عبء الإثبات عن المدعي،(54) وأنها تعتبر بينة كاملة؛ أي كافية بذاتها لا تتوقف على انضمام وسيلة أخرى من وسائل الإثبات إليها.(55) قال القرافي (684ه): "ما علمت عندنا ولا عند غيرنا خلافًا في قبول شهادة شاهدين مسلمين عدلين في الدماء والديون."(56) ويستثنى من ذلك الزنا إذ لا يقبل فيها أقل من شهادة أربعة رجال كما سيأتي.(57)
ومع اعتبار الفقه الإسلامي هذا المعيار في تحقق غلبة الظن المطلوبة في الإثبات فقد اشترط الفقهاء شروطًا في الشهود لضمان إفادة شهادتهم غلبة الظن، واحترازًا مما يوهنها من احتمالات، فمن أهم تلك الشروط العدالة(58)، والضبط فيما يشهد به فلا يكون معروفًا بالغفلة، وانتفاء التهمة، أي تهمة جلب منفعة لنفسه أو دفع مضرة عنها بشهادته. وعلى ذلك فقد منع الجمهور شهادةَ الأصول للفروع، والفروع للأصول وشهادةَ الزوج لزوجه، أو الوكيل لموكله، أو العدو على عدوه. وكذلك اشترطوا أن تكون الشهادة عن معاينة ويقين، لا عن حسبان وتخمين، وكذلك اشترطوا اتفاقَ أقوال الشهود.(59)
وقد تلمس الفقهاء الحكمة من اشتراط العدد في الشهادة، فمنها حصول زيادة الطمأنينة بترجح الصدق على الكذب بزيادة العدد، ودفع التهمة، وتقليل احتمالات شهادة الزور، أو الميل والمحاباة، أو العداوة الخفية بين الشهود وطرفي الخصومة.(60) ومنها مراعاة ما يترتب على الشهادة من الإلزام فقابله الشرع زيادة في درجة الظن المطلوبة باشتراط الزيادة في العدد استيثاقًا.(61)
وإذا كانت شهادة الرجلين هي المعيار العام في الفقه الإسلامي لدرجة الظن المطلوبة في الإثبات؛ فإنه قد تخفف من هذا المعيار في أنواع من الحقوق وتشدد فيه في أخرى بما يدل على تغاير درجة الظن المطلوبة فيها. ويمكن القول إن ثمة طرفين ووسط في أنواع الدعاوى باعتبار درجة الظن المطلوبة هذه؛ فدعاوى الأموال وما يؤول إلى مال، أو المعاملات، يتفق الفقه الإسلامي في الجملة على أن مبناها على التخفيف والتوسع في الإثبات، وأن دعاوى الحدود والقصاص في الجملة مبناها التشدد والتضييق فيها. أما مسائل الأسرة فيتردد الفقه الإسلامي فيها بين النوعين الآخرين تشديدًا وتخفيفًا، وهو ما نعرج عليه في المطلب التالي.
ثانيًا: درجة الظن في أنواع الدعاوى
1. درجة الظن في المعاملات
تشمل المعاملات الحقوق المتعلقة بالمال، أو ما يؤول إلى المال. فأما الأموال فهي كالبيع والإجارة وخيار الشرط والرهن والقرض والوديعة ونحوها من الدعاوى التي محلها مال، أما ما يؤول إلى مال فهو كفسخ العقد والوكالة في مال، والوصية فيه، ومال الخلع، وإثبات النسب، أو النكاح إذا لم يقصد منه إلا ثبوت الإرث، وكجناية الخطأ الموجبة للدية، أو الأرش ونحوها.(62)
وقد جاء الشرع بما يدل على التخفيف في قوة الظن المطلوبة في هذا الباب، إذ اتفق الفقهاء على جواز الإثبات فيه بشهادة رجل وامرأتين،(63) واتفق الجمهور على جوازه بشاهد واحد مع يمين المدعي(64) بالإضافة إلى المعيار العام وهو شهادة الرجلين.
أما شهادة الرجل والمرأتين فهي أقل في درجة الظن من شهادة الرجلين، وذلك لما دل عليه النص من نقص ضبطهن في أداء الشهادة(65)؛ إذ أقيمت المرأتان مقام الرجل الواحد ﴿أَنْ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الْأُخْرَى﴾ (البقرة: 282)؛ أي تشهدان معًا لدفعِ أو تقليلِ احتمال نسيان إحداهما بوجود الأخرى لتذكرها. ولا شك أن شهادة من نقُصَ ضبطه أكثر احتمالًا للخطأ، وأقل في قوة الظن الذي تورثه - بغض النظر عن درجة ذلك النقصان - من شهادة الضابط. ولذلك كانت شهادة النساء منفردات عن الرجال لا تقبل في الأصل، وكذلك لا تقبل ولو مع الرجال في الحدود والقصاص كما سيأتي.(66)
وأما الشاهد واليمين فهو أضعف من شهادة الرجل والمرأتين فضلًا عن الرجلين، إذ يمين المدعي لا تقوم مقام الشاهد الآخر كما تقوم المرأتان، بل هي مكملة ومقوية للشاهد الواحد، فلذلك لم تشرع إلا عند عدم وجود الرجلين، أو الرجل والمرأتين. فكأن شهادة الشاهد وإن لم تبلغ رتبة البينة الكاملة إلا أنها أرجح من المرجحات الأولية التي تكون في جانب المدعى عليه، فشرعت اليمين في جانب المدعي؛ لأن اليمين إنما تشرع في حق من كان جانبه أقوى. ولا شك أن في هذا نزولًا بيّـنًا عن المعيار العام للظن المطلوب، ولذلك لم يقبله الجمهور في غير الأموال.(67)
وقد علل الفقهاء قبول شهادة النساء والشاهد واليمين في الأموال بالضرورة، وذلك لكثرة وقوع التصرفات المالية، وكذلك لقلة خطر الأموال بعكس غيرها من أنواع الدعاوى، فقابل الشرع ذلك بالتوسع في طرق الإثبات فيها.(68)
2. درجة الظن في الجنايات
تشمل الجنايات الحدود والقصاص والتعزير. فأما الحدود فالمراد بها اصطلاحًا: العقوبات المقدرة من الشرع حقًا لله تعالى،(69) كحد الزنا والقذف والحرابة والسرقة والردة وشرب الخمر. وأما القصاص فمعناه اصطلاحًا: أن يوقع على الجاني مثل ما فعل،(70) وذلك في جرائم الاعتداء العمد على النفس بالقتل، أو على ما دون النفس بالقطع أو الجرح،(71) وهي عقوبات مقدرة من الشرع حقًا للعباد.(72) أما التعزير: فهو التأديب في كل معصية لا حد فيها ولا كفارة،(73) أي لا تقدير فيها من الشرع، سواء كان الحق فيها لله تعالى أو للعباد.(74) والملاحظ أن الفقه يتسم بالاطراد في التشدد في الحدود والقصاص مع وجود اختلاف في بعض الأحكام الفرعية تبعًا لاختلاف الاعتبارات فيهما، أما التعزير فيظهر أن طرق الإثبات فيه أوسع على ما يأتي:
ويتبين التشديد في درجة الظن في الحدود والقصاص جليًا في وسائل الإثبات المشروعة فيهما؛ إذ أجمع أهل العلم على اشتراط أربعة شهود ذكور في إثبات الزنا(75)، ولم يقبلوا في إثبات سائر الحدود ولا القصاص بأقل من رجلين، كما اتفق أئمة المذاهب الأربعة على عدم قبول شهادة النساء فيها،(76) ولا الشاهد واليمين،(77) كما اتفقوا على أنها تُدرأ بالشبهات.(78) ولعل هذا المبدأ الأخير أبرز مبدأ في الإثبات في باب الحدود والقصاص في الفقه الإسلامي بما يجدر بنا أن نقف معه على حقيقة الشبهات التي تُدرأ بها الحدود ومحلها من درجة الظن في الإثبات.
فقد عُرِّفت الشبهة في الفقه بتعريفات متقاربة، فمنها أنها: "ما يشبه الثابت وليس بثابت،"(79) ومنها أنها: "ما لم يتيقن كونه حرامًا أو حلالًا،"(80) ومنها أنها: "الشيء المجهول تحليله على الحقيقة وتحريمه على الحقيقة."(81) والملاحظ في هذه التعريفات فيما يخص درجة الظن في الإثبات - على ما قد تتسم به من إجمال، أو غموض في جوانب أخرى – تواطؤها على معنى عدم بلوغ اليقين، أو عدم الوصول إلى ثبوت الأمر على الحقيقة وإن كاد يبلغه، حتى إنه ليشبه الثابت، ولكنه ليس بثابت. فالظن المطلوب في الحدود والقصاص هو ظن قوي يكاد يبلغ اليقين حتى إن ورود الاحتمال - ولو لم يبلغ درجة قلب الظن إلى شك أو وهم - كافٍ لدرء العقوبة عن المدعى عليه. ومما يدل على هذا المعنى قول الشاطبي (790ه): "فإن الدليل يقوم هنالك [أي في حالة درء الحدود بالشبهات] مفيدًا للظن في إقامة الحد، ومع ذلك؛ فإذا عارضه شبهة وإن ضعفت؛ غلب حكمها، ودخل صاحبها في حكم العفو."(82)
ومن المسائل التي ظهر فيها اعتبارهم لهذا المعنى في درء الحد اتفاق الفقهاء على عدم توجيه اليمين الأصلية في الحدود للمدعى عليه؛ ومن مآخذ الصاحبين من الحنفية والحنابلة في ذلك أن الاستحلاف إنما هو لأجل النكول، والنكول عندهم إقرار فيه شبهة؛ إذ يحتمل أن يكون النكول لغرض آخر غير قصد الإقرار بالحق، كخوف اليمين، أو الجهل بحقيقة الحال، أو الحياء من الحلف، والحدود تُدرأ بالشبهات فلم يقبل إثباتها باليمين.(83) وقد قاس الحنابلة القصاص على الحدود في ذلك في غير القسامة، فمنعوا توجيه اليمين فيه أيضًا.(84) وقد تعتبر الشبهة أيضًا مأخذًا لعدم قبول الإثبات في هذا الباب بشهادة النساء ولا بالشاهد واليمين للاحتمال فيهما رغم قبولهما في الأموال على ما تقدم بيانه في الفرع السابق.
ثم إن الشبهات التي تُدرأ بها الحدود في الفقه الإسلامي لا تقتصر على جانب ثبوت الفعل بأركانه المادية والمعنوية، بل تشمل أيضًا جانب ثبوت الحكم بالحرمة أو التجريم، فيدخل في الشبهات وجود خلاف معتبر بين الفقهاء في حرمة الفعل ابتداءً من عدمه، وهو ما يُعرف بوجود الشبهة في الجهة لدى الشافعية والحنفية(85)، فالوطء في نكاحٍ عُقد دون ولي مثلًا لا يحد عليه باعتباره زنًا ولو كان الواطئ يعتقد اشتراط الولي، وذلك مراعاةً لخلاف الحنفية الذين لا يرون اشتراطه في صحة عقد النكاح.(86) ويدخل في الشبهات أيضًا عند الحنفية الشبهة في الفعل، أو شبهة الاشتباه، وهو أن يشتبه لدى الفاعل الحل والحرمة، فيظن غير الدليل دليلًا على الإباحة، والحال أنه لا يوجد دليل في السمع يفيد ذلك؛ وحصروها في ثمانية مواضع في الزنا، منها وطء المطلقة ثلاثًا في عدتها ووطء البائن من خلع كذلك.(87)
ولعل السبب في التوسع في مفهوم الشبهات الدارئة للحدود عن دائرة إثبات أركان الجريمة فقط هو اعتبار كونها حقًا لله تعالى لا حقًا للعباد، فيدخل فيها اعتبار الجزم بتأثيم الجاني عند الله تعالى لا في ظن المجتهد، ولذلك اعتبر فيه وجود الخلاف المعتبر، ووجود الاشتباه لدى الجاني في الحل والحرمة، ولذلك أيضًا لم يلزم مِن درءِ الحدِّ بالشبهة في الفقه الإسلامي سقوطُ التعزير في جميع الأحوال، بل إذا وجدت الشبهة لكن تحقق تأثيم الجاني بما هو دون الحد، أو تعلق به حق من حقوق الله الراجعة إلى مصلحة الجماعة أو مصلحة الأفراد، فحينها قد تستبدل بعقوبة الحد عقوبة تعزيرية، وذلك كما في حالة المعاقبة على شرب الخمر بما دون أربعين جلدة إن لم يثبت الحد بشاهدين.(88)
وأما التعازير فقد جرت فيها كتب الفقه على خلاف ما تقدم من التشديد في درجة الظن المطلوب في الإثبات، فمن جهة الدرء بالشبهات فالمشهور في الفقه أن "الشبهة لا تُسقط التعزير"(89) وأن "التعزير يَثبت مع الشبهة،"(90) ومن جهة وسيلة الإثبات فلا يشترط فيه شهادة رجلين، بل "يثبت بما يثبت به المال، ويجري فيه الحلف، ويُقضى فيه بالنكول."(91) ولعل من أسباب عدولهم في التعازير عن حكم الحدود والقصاص في الإثبات عدم خطورتهما بالنسبة إليها من جهة؛ إذ الأصل في عقوبة التعزير أنها أخف من عقوبات الحدود والقصاص، ومن جهة أخرى فإن حق العباد غالب في التعازير بخلاف الحدود.
ومع ذلك فقد ذهب بعض المعاصرين إلى أنه لا مانع شرعًا من درء التعزير أيضًا بالشبهات، مع قصر ذلك على غير الأحوال التي تكون فيها عقوبة التعزير بدلًا للحد الذي دُرئ بالشبهة، أي في الجرائم التي لا عقوبة مقدرة فيها من الشرع ابتداءً، وذلك لأن قاعدة درء الحدود بالشبهات إنما وضعت لتحقيق العدالة وضمان مصلحة المتهمين، وهما أمران مقصودان في جرائم التعزير كجرائم الحدود. ويُضاف إلى ذلك دخول التعازير في عموم قوله ﷺ: «فإن الإمام أن يخطئ في العفو خير من أن يخطئ في العقوبة»(92)، ودرء الحدود بالشبهات إنما هو تطبيق من تطبيقات هذا المبدأ.(93)
3. درجة الظن في مسائل الأسرة
تعرف مسائل الأسرة أيضًا بأحكام الأبدان في الفقه الإسلامي وبالأحوال الشخصية في القانون الوضعي، والمقصود بها كل ما ليس بعقوبة ولا مال، ولا يؤول إلى مال، كالنكاح والطلاق والرجعة والعدة والنسب، والوقف والوصية بغير مال، والتوكيل بغيره.(94) ويتسم هذا الباب في الفقه الإسلامي بالتردد في درجة الظن قوةً وضعفًا بين باب المعاملات وباب الجنايات، ويتجلى ذلك في اختلافهم في وسائل الإثبات المقبولة فيه.
فبعد اتفاقهم على قبول شهادة الرجلين في إثبات مسائل الأسرة نجدهم مختلفين في قبول شهادة الرجل والمرأتين فيها، فذهب المالكية والشافعية والحنابلة إلى عدم قبولها،(95) بينما ذهب الحنفية والحنابلة في رواية والظاهرية إلى قبولها.(96) ومن أدلة القائلين بالمنع التي يظهر فيها اعتبار درجة الظن: قياس حقوق الآدميين على حقوق الله تعالى في التفاوت في الدرجات المستلزم للتفاوت في قوة الإثبات المطلوب، فحقوق الله تعالى أعلاها الزنا الذي لا يثبت إلا بأربعة شهود، وأدناها شرب الخمر الذي لا يثبت إلا بشاهدين؛ فكذلك يجب أن يقع التفاوت في حقوق الآدميين فأعلاها المتعلق بالأبدان فلا يقبل فيها أقل من شاهدين، وأدناها ما يتعلق بالأموال فيقبل فيه ما دون ذلك من طرق الإثبات.(97) أما القائلون بالجواز فمن أدلتهم قياس أحكام الأبدان على الأموال بجامع عدم الدرء بالشبهات في الجميع، بخلاف الحدود والقصاص،(98) وأجيب بارتفاع رتبة الأبدان عن الأموال من جهات أخرى كاشتراط الولاية في النكاح، وعدم دخول الأجل والخيار والهبة فيه.(99)
ومن أدلة مانعي شهادة الرجل والمرأتين فيها أيضًا اعتبار أنَّ الأصل عدم قبول شهادة النساء لقلة الضبط ونقصان العقل، ولهذا لا تقبل شهادتهن منفردات عن الرجال، ولا تقبل في الحدود والقصاص، وإنما قبلت في الأموال استثناءً لورود النص، ولقلة خطرها، ولدعاء الحاجة إليها، فيجب قصر الاستثناء على مورده.(100) وأجيب بأن الأصل قبول شهادة النساء لعدم ورود الدليل على التقييد بالأموال، ولاستواء شهادة الرجل والمرأتين مع شهادة الرجلين في إظهار المشهود به إذ يترجح فيهما جانب الصدق على جانب الكذب بتحقق العدالة، وأما عدم قبولها في الحدود والقصاص؛ فلأنها تُدرأ بالشبهات بخلاف أحكام الأبدان التي تثبت فيها الحقوق ولو مع الشبهة.(101)
وأما الشاهد واليمين فقد ذهب الجمهور من المالكية والشافعية والحنابلة إلى عدم قبولها في مسائل الأسرة أيضًا، ودليلهم الأقوى من النص، وهو حديث عمرو بن دينار عن ابن عباس أن النبي ﷺ قضى باليمين مع الشاهد، قال عمرو: إنما ذاك في الأموال.(102) أما ما له علاقة بدرجة الظن فمَن منع شهادة الرجل والمرأتين في مسائل الأسرة فمنعه الشاهد واليمين فيها من باب أولى لكونه أضعف اتفاقًا.(103) وأما الحنفية فتقدم أنهم لا يرون مشروعية القضاء بالشاهد واليمين ابتداءً. وقد ذهب ابن حزم إلى قبول الشاهد واليمين في هذا الباب، ومأخذه ليس من جهة درجة الظن، وإنما أخذًا بعموم النصوص وإطلاقها، والقياس على الأموال بجامع كون الجميع حقًا.(104)
وثمة مسائل في هذا الباب ظهر فيها مراعاة الفقه للظن الممكن عند تعذر، أو تعسر الإثبات بوسائل الإثبات المعتادة، فمن ذلك قبول شهادة النساء فيه منفردات عن الرجال باتفاق المذاهب الأربعة، وذلك في عيوب النساء وعوراتهن؛ مما لا يطلع عليه الرجال غالبًا.(105) ولعل من علل ذلك أنه لما كان بلوغ غلبة الظن المتحققة بشهادة الرجلين، أو الرجل والمرأتين متعسرًا في الغالب في هذه الأمور، وكانت أمورًا تقع تحت نظر النساء وحدهن غالبًا، فنزل الشرع فيها إلى قبول شهادة النساء منفردات عن الرجال، وأجاز الحكم بناءً عليها استثناءً. ومنها أيضًا قبول شهادة السماع أو الاستفاضة في إثبات النسب؛ "إذ لا سبيل إلى معرفته قطعًا بغيره، ولا تمكن المشاهدة فيه، ولو اعتبرت المشاهدة، لما عرف أحد أباه، ولا أمه، ولا أحدًا من أقاربه" كما قال ابن المنذر (319ه).(106) ومنها قبولها في إثبات إضرار الزوج بزوجته في دعوى التطليق للضرر عند المالكية.(107)
أما اليمين الأصلية فقد ظهر أثر اختلاف النظر في اعتبارات مسائل الباب فيها؛ إذ إنه ورغم اتفاق المذاهب الأربعة على قبول توجيه اليمين الأصلية فيها كأصل عام، إلا أن الحنفية والحنابلة استثنوا سبع مسائل من ذلك، وهي النكاح والرجعة، والفيء في الإيلاء، والنسب والعتق والولاء والاستيلاد، وزاد الحنابلة الطلاق والقذف والقصاص في غير القسامة، واستثنى المالكية النكاح فقط.(108) ومن أدلتهم في استثناء هذه المسائل مما له تعلق بدرجة الظن: القياس على الحدود بجامع كون الجميع لا يثبت إلا بشاهدين.(109) ومنها مراعاة خطورة النتيجة والمآل فيما يتعلق بالأبضاع، فقابلوه تشددًا في الإثبات؛ والقاعدة عند الحنفية والحنابلة أن اليمين إنما تطلب لأجل النكول، ولما كان النكول إقرارًا مشوبًا بالاحتمال - كما تقدم بيانه - لم يقبل توجيهه فيما يحتاط فيه كهذه المسائل.(110) وأجاب القائلون بدخول اليمين فيها بالقياس على سائر حقوق الآدميين، بخلاف الحدود التي هي حق لله تعالى.(111)
وإذ وقفنا على معالم درجة الظن المطلوبة في الإثبات القضائي في الفقه الإسلامي، فنعرج الآن على نظير هذه المسألة في القانون الوضعي مع التحليل في ضوء مفهوم الظن عند الأصوليين ووصولًا إلى الوقوف على مدى اتفاقه مع الفقه الإسلامي، أو افتراقه عنه في المبحث الثالث من هذا البحث.
الظن المطلوب في الإثبات القضائي في القانون الوضعي
ينقسم عبء الإثبات في القانون إلى شقين: عبء إبراز الدليل وعبء الإقناع. فالأول يتعلق بالتكليف بإبراز المدعي البينة على دعواه، والثاني يتعلق بكون الدليل كافيًا لإقناع المحكمة بثبوت الدعوى، وهو الذي له تعلق بدرجة الظن المطلوبة في الإثبات الذي هو محور هذا البحث. ويجري بحث مسألة مدى قيام المدعي بالوفاء بعبء الإقناع في القانون الوضعي تحت عنوان "معيار الإثبات" (Standard of Proof) أو "مقياس الإقناع" (Measure of Persuasion) أو "درجة الاعتقاد" (Degree of Belief). والمقصود بمعيار الإثبات: مقدار الأدلة المطلوب إثباتها لتُعتبر الدعوى أو الواقعة ثابتة أمام القضاء(112)، أو هو درجة الإقناع اللازم بلوغها أمام القضاء.(113)
ونتناول موقف كل من مدرستي القانون الوضعي من معيار الإثبات في مطلبين: المطلب الأول في اتجاه المدرسة الأنجلوسكسونية، والمطلب الثاني في اتجاه المدرسة اللاتينية.
اتجاه المدرسة الأنجلوسكسونية
تفرق المدرسة الأنجلوسكسونية في معيار الإثبات بين الدعوى الجنائية والدعوى المدنية بشكل صريح، ففي الدعوى الجنائية تشترط المدرسة الأنجلوسكسونية للحكم بالإدانة إثباتَ أركان الجريمة "بما يجاوز الشك المعقول" (Beyond a Reasonable Doubt). أما في الدعوى المدنية فيكفي فيها أن تكون الدعوى ثابتة "على ميزان الاحتمالات" (On a Balance of Probabilities) وفق تعبير المدرسة الإنجليزية، أو أن يتوفر "رجحان الأدلة" (Preponderance of the Evidence) وفق تعبير المدرسة الأمريكية. وتضيف المدرسة الأمريكية معيارًا ثالثًا وسطًا بين المعيارين السابقين وهو معيار "الأدلة الواضحة والمقنعة" (Clear and Convincing Evidence) وذلك في خصوص بعض أنواع الدعاوى يأتي ذكرها. وسنشرع في الوقوف على حقيقة كل من هذه المعايير عند المدرسة الأنجلوسكسونية.
أولًا: معيار الدعوى الجنائية: مجاوزة الشك المعقول
لمعرفة حقيقة هذا المعيار الخاص بالدعوى الجنائية علينا أن نقف أولًا على مفهوم "الشك المعقول" لدى المدرسة الأنجلوسكسونية.
يتفق أصحاب هذه المدرسة على أنه لا يقصد من اشتراط انتفاء الشك المعقول بلوغُ اليقين المطلق الذي ينتفي معه كل احتمال مهما كان ضعيفًا، إذ يقرون بأن: "إثبات حقيقة الوقائع المدعاة أمام القضاء هو مسألة احتمالات تتقاصر عن بلوغ اليقين المطلق"(114)، وأن بلوغ الحقيقة المطلقة بمعناها الحسي أو الحسابي غير مطلوب في الإثبات القضائي.(115)
أما بشأن حقيقة مفهوم الشك المعقول فيما وراء ذلك فقد اختلفت عبارات أصحاب المدرسة الأنجلوسكسونية فيه وإن اتفقت في المعنى، ففي إطار القضاء الإنجليزي شرح القاضي ديننغ (Denning) في الحكم الصادر عام 1947م معيار الشك المعقول شرحًا تبعه عليه كثير من قضاة هذه المدرسة(116)؛ إذ قرر أنه:
"لا يلزم أن تصل [مجاوزة الشك المعقول] إلى اليقين، ولكن يجب أن تتضمن درجة عالية من الاحتمال. الإثبات بما يجاوز الشك المعقول لا يعني الإثبات بما يجاوز وجود شبح احتمال آخر. القانون سيفشل في حماية المجتمع إن قبل بتأثير الاحتمالات البعيدة على سير العدالة. إذا كان الدليل ضد الشخص من القوة بحيث لا يبقى إلا احتمال مستبعد لصالحه يمكن صرف النظر عنه بعبارة "بالتأكيد هو ممكن، لكنه غير محتمل أدنى احتمال" فإن الدعوى تكون ثابتة حينها بما يجاوز الشك المعقول، لكن لا شيء دون ذلك كافٍ."(117)
ويشبه ذلك ما هو مقرر في القضاء الأمريكي؛ إذ شرحت المحكمة العليا لولاية ماساشوسِتْس في عام 1850م مفهوم الشك المعقول بقولها إنه: "... فما هو الشك المعقول؟ ... هو تلك الحالة للقضية التي - بعد مقارنةِ واعتبارِ كافة الأدلة - تُبقي أذهان هيئة المحلفين في حالة لا يستطيعون القول فيها بشعورهم باعتقاد جازم إلى حد اليقين المعنوي بكون الاتهام صحيحًا. ... فإنه لا يكفي إثبات الاحتمالية - ولو كانت قوية وفق نظرية الاحتمالات - بأن الواقعة محل الاتهام يغلب أن تكون صحيحة على أن تكون بخلافه، بل يجب أن يُثبت الدليلُ حقيقةَ الواقعة إلى حد اليقين المعقول والمعنوي..."(118)(119)
ونجد شرحًا آخر لهذا المفهوم في النموذج المقترح لتعليمات هيئة المحلفين الجنائية بولاية بنسلفانيا الأمريكية(120) والمقتبس من قانون ولاية بنسلفانيا وآراء المحاكم العليا فيها، والتي تقرر أن: "الشك المعقول هو شك يجعل الشخص العاقل المحتاط بشكل معقول يتردد قبل الإقدام [على أساسه] على تصرف يتعلق بأمر مهم من أموره الخاصة."(121)
التحليل في ضوء قواعد أصول الفقه
يمكن استجلاء عدة أمور متعلقة بحقيقة معيار "مجاوزة الشك المعقول" من النصوص المتقدمة. أولها وضوح واستقرار فكرة عدم تطلب هذا المعيار - فضلًا عن الإثبات القضائي في الجملة - اليقينَ المطلق الحسي أو العقلي المجرد الذي ينعدم معه كل احتمال مهما كان ضعيفًا، وهو أمر متفق عليه بين المدرسة الأنجلوسكسونية واللاتينية كما سيأتي، ويتفق أيضًا مع الإجماع في الفقه الإسلامي على عدم اشتراط اليقين والقطع في الإثبات القضائي.
ومن جهة أخرى يتضح من تأمل تلك النصوص أن عبارة "الشك" (Doubt) في مصطلح "الشك المعقول" لا يترادف مع الشك الاصطلاحي عند الأصوليين الذي يتساوى فيه طرفا الاعتقاد، رغم ترجمته بلفظ "الشك" في بعض الأحكام القضائية العربية المتأثرة بالمدرسة الأنجلوسكسونية،(122) بل هو أقرب في هذا السياق إلى معنى "الاحتمال" المجرد عن درجته من مراتب الإدراك، فهذا "الشك" يوصف بكونه "معقولًا" أو "غير معقول" بخلاف الشك الاصطلاحي. ثم إن هذا "الشك" إن وصف بكونه معقولًا فهو "يجعل الشخص العاقل المحتاط بشكل معقول يتردد قبل الإقدام على تصرف يتعلق بأمر مهم من أموره الخاصة"، وإن اتصف بكونه غير معقول لم يكن يمنعه من الإقدام "بثقة ودون تحفظ أو تردد"، بل إن نُبه إلى وجود ذلك الاحتمال اكتفى بصرفه بكونه احتمالًا مستبعدًا جدًا وإن كان جائزَ الوقوع جوازًا عقليًا محضًا.
فالشك غير المعقول إذًا هو أشبه بالمرادف للوهم، أو الطرف المرجوح في اصطلاح الأصوليين إذا كان من الضعف بحيث لا يقف عنده الإنسان السوي في تدبير أموره المهمة، أما الشك المعقول فهو الاحتمال إذا بلغ من القوة ذلك المبلغ الذي يقف عنده الإنسان السوي، ولو لم يتجاوز حد الوهم أو الطرف المرجوح إلى الشك أو الظن. فيكون مجاوزة الشك المعقول إذًا هو رجحان الاعتقاد الذي لا يبقى في مقابله إلا احتمالٌ أو احتمالات ضعيفة لا يعتد به الإنسان السوي المعتدل في حيطته عند إقدامه على تدبير أمر مهم من شؤونه. ويُلاحظ اشتراط كون بلوغ درجة مجاوزة الشك المعقول ناشئًا عن الأدلة التي طرحت في الدعوى، إذ وصفته الأحكام المتقدمة بكونه ناشئًا عن قوة الدليل وأنه إنما يعتبر "بعد مقارنة واعتبار كافة الأدلة"، وهو الأمر الذي تتفق فيه مدرستا القانون الوضعي مع الفقه الإسلامي الذي لا يعتبر الظن إن لم يكن ناشئًا عن دليل.
وبذلك فإن معيار مجاوزة الشك المعقول يعد مشابهًا لمرتبة القطع على القول بعدم اشتراط أن ينتفي معه إلا الاحتمال غير الناشئ عن دليل، والموسوم بعلم الطمأنينة لدى الحنفية، فالشك المعقول هو أشبه بالاحتمال الناشئ عن دليل، فإذا ثبت الأمر بما ينتفي معه ذلك الاحتمال فهو علم قطعي على هذا المعنى. ومن جهة أخرى فإن مجاوزة الشك المعقول تشابه مرتبة الظن الغالب المقارب لليقين، أو الاعتقادَ الجازم عند الغزالي، فنفور الجازم باعتقاده عن قبول نقيضه إن أُشعر به هو أشبه بمسارعة المُجاوِز للشك المعقول في استبعاده الاحتمال المخالف إن نبّه إليه، وهو النفور الذي قد ينشأ عن اطمئنان من قوي ظنه؛ وذلك بخلاف مرتبة الظن المجرد عند الغزالي التي يورث فيها الإشعارُ بالاحتمال المناقض توقفًا.
1. رجحان الأدلة
يفرق أهل المدرسة الأنجلوسكسونية بشكل صريح بين معيار الإثبات في الدعوى المدنية ومعيار الدعوى الجنائية، فبينما اشترطوا في الدعوى الجنائية الإثبات بما يجاوز وجود شك أو احتمال معقول وفق ما تقدم، اكتفوا بثبوت الرجحان على "ميزان الاحتمالات" (On a Balance of Probabilities)، أو بـ "رجحان الأدلة" (Preponderance of the Evidence) في الدعوى المدنية.
وللوقوف على حقيقة هذا المعيار نرجع إلى حكم القاضي ديننغ المشار إليه سابقًا في إطار القضاء الإنجليزي؛ حيث شرح فيه معيار ميزان الاحتمالات بقوله: "في نهاية نظر الدعوى إذا كانت الأدلة تُرجح الميزان بشكل حاسم في أي اتجاه وجب على الهيئة القضائية أن تحكم بمقتضاها. لكن إذا كانت الأدلة من التساوي في الوزن بحيث لا تستطيع الهيئة أن تحدد نتيجة في أي من الاتجاهين وجب أن يفسر الشك لصالح [المدعى عليه]. ... إذا كانت الأدلة بحيث تستطيع الهيئة أن تقول: "نعتقده محتملًا أكثر منه غير محتمل (More likely than not)،" فقد زال عبء الإثبات [عن المدعي]، لكن إن تساوت الاحتمالات لم يَزُل."(123)
يتبين أن الحكم قسم الرجحان في الدعوى المدنية إلى ثلاثة احتمالات: الاحتمال الأول كون الرجحان واضحًا وحاسمًا لمصلحة أحد الخصوم، فيحكم بمقتضاه بلا إشكال. الاحتمال الثاني هو تساوي الأدلة في الوزن لدى المحكمة بما لا تستطيع معه ترجيح أحد الطرفين، فحينها لا يعتبر المدعي قد أتى بالبينة الكافية لرفع عبء الإثبات عنه ويكون قد خسر دعواه. الاحتمال الثالث هو ما عبر عنه الحكم بكون محل الإثبات "محتملًا أكثر منه غير محتمل"، وهو التفسير الدارج لمعيار الرجحان على ميزان الاحتمالات لدى أتباع هذه المدرسة.(124)
لكن ما درجة هذا الرجحان الذي يكفي ليعتبر محل الإثبات "محتملًا أكثر منه غير محتمل"، وهل يكفي فيه أدنى ترجح؟ يوضح ذلك حكم المحكمة العليا بولاية فيرمونت الأمريكية في حكمها الصادر عام 1947م والذي قررت فيه المحكمة - مقتبسةً تعليمات محكمة أول درجة لهيئة المحلفين ومُقرّةً لها – أنه: "إذا ... كنتم أكثر ميلًا باعتبار الأدلة لاعتقاد أنه [أي المدعي] قد سلم السندات للمدعى عليه، ولو كان اعتقادكم أكبر بأدنى درجة من اعتقادكم أنه لم يفعل، فحكمكم يجب أن يكون لصالح المدعي"، ثم قررت أنه: "لا توجد درجة للرجحان مطلوبة أو معترف بها في القانون. عندما ينهدم تعادل الأدلة وتميل العصا تجاه من عليه عبء الإثبات، مهما كان [الميل] ضئيلًا، فقد وفَّى بالمطلوب قانونًا واستحق أن يُحكم لصالحه. "أدنى رجحان كافٍ، ولو مالت الكفة وزنَ ريشة.""(125)
فيعتبر إذًا بلوغ أدنى درجة من درجات الرجحان ولو ضعف جدًا ما دام مرتفعًا عن تساوي الطرفين في الدعوى المدنية. ولأجل ذلك فقد عبر كثير من الأكاديميين عن هذا المعيار بكونه رجحانًا بما يزيد عن درجة 50%(126)؛ فبمجرد إتيان المدعي في الدعوى المدنية بأدلة ترجح دعواه ولو بنسبة 50,1% يحكم لصالحه.(127)(128)
التحليل في ضوء قواعد أصول الفقه
يتبين مما سبق أن الظن المطلوب في الدعوى المدنية لدى المدرسة الأنجلوسكسونية يكفي فيه رجحان جهة المدعي عن مرتبة الشك التي يستوي فيها الطرفان ولو "بوزن ريشة" حتى يُقضى لصالحه، وهو ما يمكن معه استخلاص تعريف لمعيار رجحان الأدلة بأنه: رجحان الاعتقاد، أو الظن، الناشئ عن الأدلة بكون وقوع محل الإثبات أكثر احتمالًا من عدمه، ولو بأدنى درجات الرجحان؛ أو بعبارة أخرى: هو بلوغ أدنى درجات الظن في الإثبات.(129)
2. الأدلة الواضحة والمقنعة
يعتبر معيار "الأدلة الواضحة والمقنعة" (Clear and Convincing Evidence) معيارًا وسطًا ابتدعه القضاء الأمريكي بين معيار الإثبات الجنائي ومعيار الإثبات المدني المعتاد، وذلك في خصوص بعض أنواع الدعاوى المدنية التي تتسم بنوع من الخطورة.(130) ومن أمثلة الدعاوى التي أدرجها القضاء الأمريكي تحت هذا المعيار: إثبات النسب وإسقاط حقوق الوالدين والحجر وقضايا إسقاط الجنسية والترحيل والإيداع غير الاختياري بالمصحات النفسية. ومنها ما تتعلق خطورته بمخالفته ظاهرًا قويًا كإثبات التأثير غير المشروع على الغير وإثبات الخطأ الكافي لإعادة تكييف أداة التصرف وإثبات ما إذا كان سندُ الملك في حقيقته سندَ رهن عقاري، وغيرها من المسائل.(131)
ففي مثل هذه القضايا جرت المحاكم الأمريكية على وضع عبء للإثبات أكبر من المطلوب في الدعاوى المدنية المعتادة، فلم تكتف فيها ببلوغ الإثبات أدنى درجات الرجحان؛ وإن كانت لم تبلغ بها اشتراط مجاوزة الشك المعقول المطلوبة في الدعوى الجنائية.
وقد اختلف تعبير المحاكم الأمريكية عن هذا المعيار لتوضيح درجة الإقناع، أو الظن، المطلوبة فيه، فمن تلك التعبيرات أن المطلوب "أدلة واضحة ومرضية ومقنعة بما يجاوز الشك بقدر معتبر" (clear satisfactory and convincing as to be substantially beyond doubt)،(132) "واضحة ومحددة وغير قابلة للتشكيك فيها" (clear, precise and indubitable)،(133) "واضحة وحاسمة" (clear and conclusive)،(134) "مقنعة بما يجاوز النزاع المعقول" (convincing beyond reasonable controversy)،(135) وغيرها. وقد استخلصت بعض تشريعات الولايات من تعبيرات المحاكم تلك مفهومًا لمعيار الأدلة الواضحة والمقنعة كما في قانون الأسرة لولاية تكساس الذي عرفه بأنه: "مقدار أو درجة الإثبات التي يَنتج عنها في ذهن من يَفصل في الوقائع اقتناعٌ ثابتٌ أو راسخٌ بصدق الدعاوى المراد إثباتها."(136) ولم تستقر المدرسة الأمريكية على تحديدٍ أكبر لدرجة الظن المطلوبة في هذا المعيار، وإنما اكتفى كثير من أهل هذه المدرسة بالتعبير عنها بكون محل الإثبات فيها "راجحًا بقوة" أو "ذا احتمال صحة مرتفع" (highly probably true) وذلك في مقابل المعيار المدني المعتاد من جهة، والمعبر عنه بمجرد كونه "راجحًا" أو "يغلب كونه صحيحًا" (probably true)، ومقابل المعيار الجنائي بعدم اشتراط مجاوزة الشك المعقول فيه من جهة أخرى.(137)
التحليل في ضوء قواعد أصول الفقه
الذي يظهر هو دخول هذا المعيار في درجة الظن الغالب؛ إذ كونه "ذو احتمال صحة مرتفع" يناظر تعريف الظن الغالب بأنه الظن القوي. لكن لا يشترط في هذا المعيار بلوغ الظن الغالب درجة مقاربة لليقين كما هو الحال في معيار مجاوزة الشك المعقول.
اتجاه المدرسة اللاتينية)138(
بخلاف المدرسة الأنجلوسكسونية التي تُعتبر درجة الظن المطلوبة في الإثبات مسألة مركزية وحيوية في فقهها وقضائها حتى عرفت بمسألة معيار الإثبات كما تقدم الوقوف عليه؛ فإن هذه المسألة لا تظهر بشكل بارز لدى المدرسة اللاتينية، وإنما تُلاحظ في ثنايا بحثهم عبء الإثبات ومبدأ الاقتناع القضائي،(139) ولظهور التأكيد على ضرورة تحقق الاقتناع القضائي في المدرسة اللاتينية فقد اعتبر كثير من الباحثين هذا المبدأ هو معيار الإثبات المقابل لمعيار المدرسة الأنجلوسكسونية.
أولًا: مبدأ الاقتناع القضائي وعلاقته بمعيار الإثبات
يعرف مبدأ الاقتناع القضائي (فرنسي: intime conviction) أيضًا بمبدأ الاقتناع الشخصي، أو الذاتي، أو الصميم، أو الداخلي، ويعني هذا المبدأ أن للقاضي حرية استمداد اقتناعه من أي دليل يقدم إليه، فلا توجد أدلة يحظر عليه القانون أو يفرض عليه قبولها مقدمًا، ويعني كذلك حريته في تقدير أوزان الأدلة المطروحة عليه، فليس هناك دليل له قوة ذاتية قانونية يلزم بها القاضي، ولا يضفي القانون أوزانًا معينة لأي دليل قوة أو ضعفًا.(140)
ويُلاحظ من هذا التعريف أن مبدأ الاقتناع القضائي إنما يتعلق أساسًا بنظام الإثبات من جهة تقييد حرية القاضي في تقدير الأدلة من عدمه، لا بتحديد درجة الاقتناع أو الظن المطلوب بلوغها في ذلك التقدير للأدلة(141)؛ فهو إنما وضع ابتداءً للمغايرة والمقابلة مع نظام الأدلة القانونية الذي كان سائدًا في التشريعات اللاتينية قبل الثورة الفرنسية، والذي كان ينظم فيه القانون الاقتناع واليقين القضائي عن طريق تقييد القاضي بتحديد أدلة معينة لا يجوز الإثبات بغيرها، كاشتراط عدد معين من الشهود أو اشتراط صفات معينة فيهم كالذكورة أو بلوغ سن معينة، أو كون الشهادة مباشرة لا سماعًا، أو عن طريق تحديد الوزن أو القيمة القانونية للدليل إذا توفرت شروط قبوله، فلا يمكن للقاضي الوصول للاقتناع إن لم تتوفر تلك الأدلة المحددة، ولا يملك منع الحكم إن توفرت ولو لم يصل في الحقيقة للاقتناع، بل يقتصر دوره على مجرد التحقق من قيام تلك الأدلة ومراقبة توفر شروطها القانونية لكي يقرر بعد ذلك اقتناعه أو عدم اقتناعه على ضوء توفرها(142). ويسود نظام الاقتناع القضائي في التشريعات الحديثة في الدعوى الجنائية، أما الدعوى المدنية فيسود فيها نظام مختلط بين نظام الاقتناع ونظام الأدلة القانونية.(143)
وقد ورد ذكر مبدأ الاقتناع القضائي في سياق الدعوى الجنائية في المادة 427 من قانون الإجراءات الجنائية الفرنسي، إذ نصت على أنه: "تثبت الجرائم بجميع طرق الإثبات، ويحكم القاضي تبعًا لاقتناعه الداخلي. وللقاضي أن يبني حكمه فقط على أدلة طرحت أثناء نظر الدعوى ونوقشت من قبل الخصوم بين يديه."(144) وهو المعنى الذي عبرت عنه المادة 302 من قانون الإجراءات الجنائية المصري والمادة 232 من نظيره القطري بأنه: "يحكم القاضي في الدعوى حسب العقيدة التي تكونت لديه بكامل حريته. ومع ذلك لا يجوز له أن يبني حكمه على أي دليل لم يطرح أمامه في الجلسة".
أما في القضاء فقد عبرت محكمة النقض المصرية عن هذا المبدأ بأكثر من طريقة، فمن ذلك ما قضت به من أن القانون فتح للقاضي "باب الإثبات على مصراعيه يختار من كل طرقه ما يراه موصلًا إلى الكشف عن الحقيقة ويزن قوة الإثبات المستمدة من كل عنصر بمحض وجدانه فيأخذ بما تطمئن إليه عقيدته ويطرح ما لا ترتاح إليه ... بغيته الحقيقة ينشدها أنى وجدها ومن أي سبيل يجده مؤديًا إليها، ولا رقيب عليه في ذلك غير ضميره وحده."(145) كما قُضي فيها وفي محكمة التمييز القطرية بأن: "العبرة في الإثبات في المواد الجنائية هي باقتناع المحكمة واطمئنانها إلى الدليل المقدم إليها. فالقانون لم يقيد القاضي بأدلة معينة بل خوّله بصفة مطلقة أن يكوّن عقيدته من أي دليل أو قرينة تقدم إليه"(146)، "ما لـم يقيده القانون بدليل معين ينص عليه".(147)
ولما قد يفتحه مبدأ حرية الاقتناع القضائي من خطر التحكم من قبل القضاة؛ فقد وضعت المدرسة اللاتينية عدة قيود على هذا الاقتناع، من أهمها وجوب أن يكون الاقتناع مبنيًا على أسس عقلية ومنطقية، لا على الهوى أو الحدس أو العاطفة، وأن يكون مبنيًا على أدلة مشروعة طرحت أمام المحكمة في الجلسة.(148)
والمقصود بالدليل الذي يبتني عليه الاقتناع: الذي يحمل بذاته معالم قوته في الإقناع(149). فلا يعني عدم التقيد بأدلة معينة وفق مبدأ حرية الاقتناع فتحَ الباب للتحكم، بل لا بد أن يكون الاقتناع – كما هو مقرر قضاءً -مبنيًا على أسباب وأدلة قدمت في الدعوى سائغةٍ للإيصال للنتيجة التي توصلت إليها المحكمة،(150) غير مجافيةٍ للمنطق أو مخلةٍ بأصول الاستدلال القضائي،(151) مؤدية إلى ما رتبه عليها من نتائج "من غير تعسف في الاستنتاج ولا تنافر مع حكم العقل والمنطق".(152) وأنه يعتبر من العيوب التي تصِم الحكمَ بالفساد في الاستدلال: استنادُ المحكمة في اقتناعها "إلى أدلة غير صالحة من الناحية الموضوعية للاقتناع بها، أو إلى عدم فهم الواقعة التي ثبتت لديها، أو وقوع تناقض بين هذه العناصر كما في حالة عدم اللزوم المنطقي للنتيجة التي انتهت إليها المحكمة بناء على تلك العناصر التي ثبتت لديها."(153) ويتم الرقابة على هذا القيد من قبل محكمة النقض أو التمييز من خلال إلزام المحكمة بتسبيب حكمها.(154)
ويقيد حرية الاقتناع من جهة أخرى قيد آخر هو وجوب أن يبلغ الاقتناع درجة اليقين القضائي، وهو القيد المتفرع عن قاعدة وجوب تفسير الشك لمصلحة المتهم، والمتفرعة بدورها عن قرينة البراءة التي لها دور محوري في مسائل عبء الإثبات في الدعاوى الجنائية في القانون الوضعي.(155) ونتناول حقيقة هذا القيد كمعيار إثبات للمدرسة المدنية في الدعوى الجنائية قبل أن نعرج على حقيقة معيارها في الدعوى المدنية.
ثانيًا: اليقين القضائي ومعيار الدعوى الجنائية
إذا كان الأصل في الإنسان البراءة؛ فإن المقرر في الدعوى الجنائية أنه لا يجوز العدول عن هذا الأصل إلا بيقين، ولا يُسعى وراء تحصيل ذلك اليقين حتى يحوم الشك حول أصل البراءة. لذا كان الهدف من الإثبات في الدعوى الجنائية تمحيص هذا الشك والأدلة التي انبعث عنها لبحث ما إذا أمكن أن ينقلب الشك إلى يقين تُبنى عليه الإدانة(156)، وإلا وجب تفسير الشك المتبقي لمصلحة المتهم، وامتنع القضاء بالإدانة.(157)
لذا كان المستقر عليه قضاءً في المدرسة اللاتينية وجوب "أن تُبنى [الأحكام] على الجزم واليقين من الواقع الذي يثبته الدليل المعتبر، ولا تؤسس على الظن والاحتمال من الفروض والاعتبارات المجردة"(158)، وأنها لا تؤسس على الشك والظن،(159) وأنها يجب أن تُبنى "على حجج قطعية الثبوت تفيد الجزم واليقين لا الظن والاشتباه".(160) كما قرروا أنه: "لا يجوز للقاضي أن يؤسس حكمه بالإدانة على ترجيح ثبوت التهمة، وإلا كان حكمه معيبًا؛ لأن الترجيح لا يشكل بحد ذاته اقتناعًا،"(161) وأن المحكمة إذا "لم تنته من الأدلة التي ذكرتها إلى الجزم بوقوع الجريمة من المتهم، بل رجحت وقوعها منه فحكمها بإدانته يكون خاطئًا واجبًا نقضه."(162)، وأنه "يكفي في المحاكمة الجنائية أن يتشكك القاضي في صحة إسناد التهمة إلى المتهم لكي يقضي له بالبراءة؛ إذ مرجع الأمر في ذلك إلى ما يطمئن إليه في تقدير الدليل مادام الظاهر من الحكم أنه أحاط بالدعوى عن بصر وبصيرة."(163)
ورغم استقرار القضاء اللاتيني على اشتراط الجزم واليقين في الاقتناع القضائي إلا أنه لم يرد فيه تحديد صريح لماهية هذا الاقتناع المطلوب ودرجته من مراتب الإدراك كما هو الحال في المدرسة الأنجلوسكسونية؛ لذا وجب الرجوع إلى الفقه القانوني لتلمس ما يقوله في هذا الشأن.
ففي الفقه توجد عدة اتجاهات للتعريف بماهية الاقتناع القضائي واليقين المطلوب فيه. فالاتجاه السائد يعتبر اليقين المطلوب فيه يقينًا على الحقيقة، ثم يميز بين اليقين القضائي وبين أنواع أخرى من اليقين باعتبار مصدر اليقين في كل نوع، كاليقين الحسابي والحسي الحاصل في علم الرياضيات وعلم الفيزياء، وكاليقين الاستقرائي. فأما اليقين الحاصل عن طريق الإثبات القضائي فهو من جنس ما يُسمى باليقين المعنوي أو اليقين الإقناعي، وهو في درجة أقل من أنواع اليقين المتقدمة.(164) ووُصف هذا اليقين المعنوي بأنه حالة ذهنية تستنتج من الوقائع محل البحث احتمالات ذات ثقة عالية من اليقين نتيجة استبعادِ أسباب الشك بطريقة قاطعة.(165) كما وصف أيضًا بأنه اليقين "الذي يدركه القاضي في ذات اللحظة التي تتلاشى فيها الأسباب النافية؛ بحيث لا يكون بإمكانها أن تزعزع المعنى الذي تفرضه الأسباب المؤيدة،"(166) فتلك هي الدرجة المطلوبة في الاقتناع القضائي.
وثمة اتجاه أكثر تفصيلًا ودقة يذهب إلى أن الاقتناع القضائي ليس بيقين على الحقيقة، وإنما يقع بين الاعتقاد واليقين؛ وهو اتجاه مبني على قسمة معينة لمراتب الإدراك. فالحكم بالثبوت إما أن يُبنى على أسباب شخصية - أو ذاتية - كافية لحمل القاضي وحده على التسليم بالثبوت، أو أسباب موضوعية كافية لتسليم القاضي وغيره.(167) فالتسليم إن كان مبنيًا على أسباب محتملة فهو مجرد "رأي" لا يتحقق به الاقتناع لاستناده على أسباب قاصرة من الناحيتين الشخصية (المتمثلة في عدم الجزم واليقين عند القاضي) والموضوعية (عدم كفاية الدليل لإقناع الغير). وإن كان التسليم مبنيًا على أسباب شخصية تحمل المرء على الإذعان بثبوتها، لكنها لو نظر إليها من الناحية الموضوعية لجاز أن تكون غير كافية لهذا التسليم، فهذه مرتبة "الاعتقاد"، وهي درجة مرفوضة في القضاء للاحتمالية اللانهائية فيها. أما اليقين فهو "حالة ذهنية تلتصق بالحقيقة دون أن تختلط بأي شك، فهي من الناحية الشخصية تتعارض مع الشك، ومن الناحية الموضوعية فوق الجهل أو الغلط،"(168) وهي تختلف بحسب المكنات المعطاة، وأعلاها اليقين المادي القائم على المشاهدة المباشرة للواقعة من القاضي، وهي درجة تمنعه من تولي نظر الدعوى احترامًا لمبدأ الوضعية التي تمنع من قضاء القاضي بعلمه الشخصي.
وبين اليقين والاعتقاد يقع الاقتناع الذي يتسم بقوة التسليم الشخصي أو الداخلي الناتج عن قوة الأدلة الموضوعية، فهو يتفوق على الاعتقاد في ابتنائه على أسباب موضوعية، ويختلف عن اليقين في عدم صرامته في نفي الاحتمالات مائة في المائة، بل يترك وراءه قدرًا من الاحتمال.(169)
وهذا الإقرار الصريح بعدم القطع بانتفاء الاحتمالات في اليقين القضائي وإن كان غير شائع في المدرسة اللاتينية، إلا أنه ليس محل خلاف فيها على الحقيقة، بل يصرح به أحيانًا في مواضع أخرى، فمن ذلك ما صرح به الفقيه الفرنسي نورمان في مقام التفريق بين الحقيقة القضائية والحقيقة الواقعية بقوله: "الوصول إلى اليقين في الدعوى هو الأصلح، ولكن يتعذر ذلك؛ إذ رجحان الدليل هو الذي يتحقق أمام القضاء؛ لأن طبيعة الوقائع القانونية وطبيعة الأدلة القانونية التي يلجأ إليها المدعي لإثبات حقه، وطبيعة البشر أيضًا، تفرض أن تكون الحقيقة القانونية حقيقة نسبية، كما تفرض أن يكون الإثبات القانوني إثباتًا ترجيحيًا لا إثباتًا يقينيًا، فليس ثمة دليل يمكن اللجوء إليه لإثبات الحق إثباتًا يقينيًا."(170)
التحليل في ضوء قواعد أصول الفقه
بتحليل ما سبق من مبادئ قضائية واتجاهات فقهية يمكننا أن نقترب من حقيقة استعمال المدرسة اللاتينية لمصطلحي اليقين والظن وصولًا لتحديد محل الاقتناع الجنائي من مراتب الإدراك. فالاقتناع الجنائي يعتبر متحققًا عند حصول "اليقين" الذي يورث الجزم بثبوت الدعوى، وذلك عن طريق أسباب وأدلة "موضوعية" كافية لإقناع القاضي وغيره، من شأن دلالتها أن توصل "لليقين" والاطمئنان الذي وصلت إليه المحكمة. وهذا اليقين يوصف بكونه "معنويًا"، وهو دون أنواع أخرى من اليقين، ولا ينفي كافة الاحتمالات مائة في المائة. والاقتناع يعتبر غير متحقق عند حصول "الظن" فقط الناتج عن الاحتمال والافتراض العري عن الدليل، ولا يعتبر متحققًا أيضًا عند مجرد ترجح ثبوت الاتهام الناتج عن أدلة أو قرائن "ظنية" أو محتملة ليس من شأنها أن تدل إلا على الاشتباه أو الترجيح دون الجزم و"اليقين".
فالملاحظ أن ثمة تجوزًا في استعمالهم مصطلحي الظن واليقين، فاليقين المطلوب ليس هو اليقين الذي تنتفي معه كافة الاحتمالات، بل هو يقين معنوي دون أنواع مختلفة من اليقين. ولما كان اليقين وفق الاصطلاح الأصولي مرتبة واحدة لا تتفاضل؛ فإن حقيقة ما تطلبه المدرسة اللاتينية يدخل في الظن لا اليقين. أما الظن المنفي لديهم جواز ابتناء الأحكام عليه فهو أقرب للمعنى اللغوي أو الفقهي للظن؛ إذ هو أشبه بمعنى مطلق التردد وعدم الجزم سواءً كان الاعتقاد راجحًا أم مرجوحًا، وسواءً لديهم أكان ناشئًا عن غير دليل، أم عن دليل لم ينتف معه التردد، أو يفد الجزم، وذلك بخلاف الظن في اصطلاح الأصوليين الذي يَعتبر مطلق الرجحان لتحقق وصف الظن.
ثم إن في تعبيرهم عن الاقتناع القضائي ما يشبه أوصاف الظن الغالب بشكل عام، فاشتراط الجزم كاشتراط القوة في الظن الغالب بخلاف الظن المجرد، و"اطمئنان وجدان المحكمة" أشبه بأخذ الظن الغالب بالقلب وفق تعبير ابن نجيم، أو بسكون النفس وفق تعبير الغزالي، فهذه المرتبة من الظن داخلة في الجزم المطلوب في الاقتناع القضائي. فإن أضفنا إلى ذلك تأكيدهم يقينية الاقتناع القضائي في الدعوى الجنائية بما يبلغ درجة دون اليقين المادي أو الحسابي خلصنا إلى أن المطلوب لديهم في الدعوى الجنائية هو درجة عالية من الظن الغالب مقاربة لليقين، أو درجة القطع الذي لا تنتفي معه إلا الاحتمالات غير الناشئة عن دليل.
وعلى ذلك فثمة تقارب كبير بين المدرستين المدنية والأنجلوسكسونية فيما يتعلق بمعيار الإثبات الجنائي؛ إذ درجة الظن المقارب لليقين لا تنفي إلا الاحتمالات المستبعدة أو غير المعقولة أو غير المبنية على دليل، وهو ذات ما ينفيه معيار مجاوزة الشك المعقول كما تقدم بيانه.)171( فإذا كان الاقتناع القضائي في حقيقته مقاربًا أو مساويًا لمعيار مجاوزة الشك المعقول الأنجلوسكسوني في الدعوى الجنائية وهو الظن الغالب المقارب لليقين، فهل نجد بينهما ذات التساوي بالنسبة للدعوى المدنية؟
لئن كان نظام الأدلة القانونية في الإثبات قد تُخلي عنه في الجملة في الدعاوى الجنائية لصالح نظام الاقتناع القضائي كما تقدم بيانه، فالنظام الذي يسود في الدعوى المدنية هو النظام المختلط، أي المختلط من نظام الأدلة القانونية الذي يحدد فيه القانون سلفًا عناصر الإثبات المقبولة فيه، ونظام الاقتناع القضائي الذي يترك للقاضي حريته في استمداد اقتناعه من أي دليل.(172) ومع ذلك؛ فإن ذلك التقييد في الدعوى المدنية إنما يتعلق بالدرجة الأولى بشق الاقتناع الخاص بحرية قبول جميع الأدلة ابتداءً، لا بالشق المتعلق بحريته في تقدير تلك الأدلة بعد قبول طرحها عليه، ففي ذلك تتفق الدعوى المدنية في الجملة مع الدعوى الجنائية.(173)
أما درجة الظن المطلوبة في ذلك التقدير للأدلة، والذي هو محل نظر هذا البحث؛ فإن المدرسة المدنية لا تفرق في الجملة بشكل صريح بين معيار الإثبات المطلوب في الدعوى المدنية والمطلوب في الدعوى الجنائية، فالمطلوب في كلا الحالين هو "اقتناع" المحكمة،(174) وذلك رغم وجود اختلاف بين الأنظمة القانونية ضمن المدرسة المدنية في وضوح التعبير عن هذه المسألة.(175) فقد جاءت أحكام المدرسة اللاتينية في الدعوى المدنية بمثل ما جاءت به في الدعوى الجنائية فيما يخص اشتراط اقتناع المحكمة واطمئنانها مع التأكيد على اشتراط كونه مبنيًا على الأدلة السائغة الكافية لحمله، بالإضافة إلى سائر الشروط المتعلقة بدليل الاقتناع التي مرت معنا في المطلب الأول من هذا المبحث.
وعلى ذلك فقد ذهب كثير من الباحثين إلى أن هذا الاقتناع في الدعوى المدنية ينبغي أن يبلغ اليقين المعنوي، أو مجاوزة الشك المعقول،(176) وألَّا يساوره أدنى شك،(177) شأنه في ذلك شأن الدعوى الجنائية. ومما استدلوا به في ذلك ما هو مقرر في جملة الأنظمة المدنية من حجية الأمر المقضي به في الدعوى الجنائية أمام الدعوى المدنية، وذلك أن القاضي المدني يتقيد بالحكم الجنائي بالنسبة للوقائع التي فصل فيها إذا كان فصل الحكم الجنائي فيها ضروريًا؛ فلو قضت المحكمة الجنائية بالإدانة لثبوت واقعة الخطأ الموجب للعقاب لديها، أو بالبراءة لعدم ثبوتها، لكان ذلك حجة على القاضي المدني فيمتنع عليه بحث ثبوت الخطأ من جديد لأجل القضاء بالتعويض مثلًا، بل يتقيد بما انتهى إليه الحكم الجنائي في هذا الشأن ثبوتًا أو نفيًا. قالوا: فلو كان معيار الإثبات في الدعويين مختلفًا - فكانت درجة الظن المطلوبة في الدعوى المدنية أقل منها في الدعوى الجنائية - لكان التقيد بتلك الحجية غير منطقي بالنسبة لأحكام البراءة؛ إذ إن البراءة قد يُقضى بها لعدم ثبوت الإدانة بما يبلغ درجة الاقتناع الجنائي، أو مجاوزة الشك المعقول، ولا يلزم من ذلك عدم بلوغ ثبوتها درجة الاحتمال الراجح المقبول في الدعوى المدنية.(178) فلما تبين أن القانون اعتد بحجية الدعوى الجنائية مطلقًا أمام الدعوى المدنية دلَّ ذلك على أن معيار الإثبات فيهما واحد وهو ذات درجة الاقتناع المطلوبة في الدعوى الجنائية.(179)
واستندوا كذلك إلى عدد من الأحكام القضائية في تأييد هذا الفهم، فمن المدرسة الألمانية استدلوا بحكم محكمة ألمانيا الفيدرالية العليا السابق الإشارة إليه والذي اشترط صراحة بلوغ درجة من اليقين صالحة للحياة العملية تسكت الشك دون أن تستبعده بالكلية.(180) أما من المدرسة اللاتينية الأقل صراحة في تناول هذه المسألة فاستندوا إلى ما قررته محكمة النقض الفرنسية من أن: "الشك وعدم اليقين المتبقي بعد إبراز الدليل لا بد أن يفسر ضد مصلحة الشخص الذي كان عليه عبء الإثبات"(181)، قالوا: فمفهومه وجوب نفي الدليل لكل شك وإلا فسر الشك المتبقي لمصلحة المدعى عليه وحكم لصالحه. كما قررت محكمة النقض الفرنسية أنه لا يكفي القول بمعقولية الواقعة(182) أو كونها عالية الاحتمال(183) لاعتبارها ثابتة، وأن تأسيس الحكم على ذلك مما يستدعي تمييز الحكم. كما قررت محكمة التمييز في بلجيكا أنه لا يكفي أن يثبت المدين أن السداد أو الواقعة التي أدت إلى انقضاء الالتزام راجحة الاحتمال، بل يجب أن يثبت وجودها يقينًا.(184)
أما في إطار القضاء العربي وخاصة القضاء المصري والقطري فقد يُستدل لهذا الرأي بعدد من الأحكام التي استعملت فيها لغة الجزم واليقين في دعاوى مدنية بما قد يُحمل على التسوية في درجة الظن المطلوبة بين الأحكام المدنية والجنائية. فمن ذلك ما قضت به محكمة النقض المصرية من أن إقامة الحكم بعدم نفاذ عقد الإيجار في مواجهة المالك الحقيقي على سند من أن الشواهد التي أحاطت بالمالك الظاهر - الذي تصرف بتأجير العقار - قد تصدر من غير مالك هو إقامة للحكم على "دعامة ظنية تقوم على الشك والترجيح ولا تقوم على الجزم واليقين؛ إذ العبارة التي استعملها الحكم بأن المظاهر قد تصدر من غير مالك لا تنفي أن تلك المظاهر قد تصدر من المالك أيضًا ... مما يعيب الحكم ويوجب نقضه."(185) ومن أنه: "إذا قضت المحكمة برفض دعوى التزوير بناء على أن بصمة الختم الموقع به على السند ولو أنها لا تشبه بصمة الختم الحالي للمدعي إلا أنها قد تكون لختم آخر له؛ إذ ثبت أنه كان له ختم سابق على الختم الحالي وختم آخر لاحق له لم يهتد إلى بصمته؛ فإن هذا السبب لا يصلح لأن يحمل عليه ذلك الحكم؛ إذ الأحكام يجب أن تُبنى على الجزم واليقين ولا يصح أن تُبنى على مجرد الاحتمال والتخمين."(186) كما صدرت عدة أحكام من محكمة التمييز المدنية القطرية تستعمل لغة الاقتناع القضائي - من اشتراط اطمئنان المحكمة واقتناعها - استعمالًا عامًا لا تخص به الدعوى الجنائية كما تقدمت الإشارة إليه.(187)(188)
وثمة اتجاه آخر لدى بعض الباحثين يذهب إلى أن الاقتناع القضائي ليس فيه - كأصل عام - تحديد لمعيار إثبات معين، وإنما غاية ما يتطلبه هو تحقق نتيجة محددة هي الاعتقاد الصميم والاطمئنان الداخلي واليقين المعنوي في نفس القاضي ووجدانه بقطع النظر عن درجة احتمال الأدلة التي يستند إليها أو قطعيتها؛ إذ إن غاية المطلوب من المحكمة هو إبداء الحجج والأسباب والاستدلالات المعقولة والكافية لحمل حكمها وفق العرف الفكري السائد، ولو عُبِّر عن ذلك بلغة الاحتمالات لم يبلغ أكثر من الاحتمال الغالب، لا مجاوزة الشك المعقول. وأن المقصود من اشتراط انتفاء الشك والاحتمال من الأحكام ليس اشتراط مجاوزة الشك المعقول، بل انتفاء التردد في تعبير القاضي عن رأيه؛ فعليه أن يستعمل لغة جازمة لا تردد فيها بثبوت الواقعة سند حكمه ولو كان مستنده في ثبوتها رجحان أدلتها بما لا يبلغ مجاوزة كل شك معقول.(189)
ولعل لهذا الاتجاه حظًا من النظر؛ إذ المتأمل في عبارات الأحكام القضائية من المدرسة اللاتينية المستشهد بها من قبل القائلين بمساواة معيار الإثبات المدني للمعيار الجنائي فيها يجد أن لغتها أقرب للانصباب على منع ابتناء الأحكام على التردد والشك المورث لعدم الجزم منها إلى التأكيد على يقينيتها واشتراط بلوغها درجة اليقين، أو مجاوزة الشك المعقول. فالشك المتبقي بعد إبراز الدليل المشار إليه في حكم النقض الفرنسي إنما هو بقاء التردد لدى المحكمة وعدم قدرتها على الجزم، وليس نفي الدليل لكل احتمال معقول ولو كان ضعيفًا، ومثله القول في حكم النقض المصري. أما منع النقض الفرنسي ابتناء الحكم على مجرد القول بمعقولية الواقعة أو كونها عالية الاحتمال فإنما يتعلق بالإثبات بالفرضيات والاحتمالات المجردة دون إثبات ذي تعلق مباشر بالدعوى الماثلة أمام المحكمة، ومثل ذلك القول في حكم التمييز البلجيكي.
وأما استشهادهم بحجية الحكم الجنائي على المدني فلا يبدو بذاك القوة؛ إذ هو استشهاد بمفهوم النصوص القانونية في مقابل منطوق الأحكام القضائية على الوجه المتقدم بيانه، ولا شك أن الثاني مقدم؛ إذ المنطوق أقوى من المفهوم، والأحكام القضائية معتبرة حيث سكت النص، خاصة وهي متعلقة تعلقًا لصيقًا بمحل البحث - وهو الظن في الإثبات – بخلاف النص المتعلق بمسألة حجية الأحكام القضائية؛ فتلك الحجية للأحكام الجنائية أقرب أن يكون قد لوحظ فيها مراعاة حفظ هيبة قوة الأمر المقضي فيه ومنع تضارب الأحكام القضائية منها إلى مراعاة مسألة الظن في الإثبات غير البارزة أصلًا لدى المدرسة اللاتينية.
وعلى ذلك وإذ تكتفي جملة أحكام المدرسة اللاتينية باشتراط انتفاء التردد وعدم الجزم في الأحكام المدنية دون أن تضيف عليه التأكيد على قوة الجزم واليقين – كما هو الحال في الأحكام الجنائية – فإن الأشبه أن درجة الظن المطلوبة في الدعوى المدنية لديهم إنما هي نظيرة لدرجة الظن الغالب، قارب اليقين أو لم يقارب.
المقارنة بين الفقه الإسلامي والقانون الوضعي في الظن المطلوب في الإثبات القضائي
بعد هذا الفحص لاتجاه الفقه الإسلامي في الظن المطلوب في الإثبات القضائي، واتجاه كل من المدرسة الأنجلوسكسونية واللاتينية من القانون الوضعي، يمكننا أن نقارن بينها من عدة أوجه مع الوقوف على أثر الاختلاف بينها حيث وجد.
أولا: عدم اشتراط اليقين في الإثبات القضائي
تتفق مدرستا القانون الوضعي مع الفقه الإسلامي على عدم اشتراط الإثبات بما يبلغ درجة اليقين الذي يقطع كل احتمال، كالعلم الحاصل من علم القاضي الشخصي أو بالتواتر في الفقه الإسلامي، أو كالعقليات والعلم الحسابي في القانون الوضعي، ويصرح القانونيون أن الحقيقة القضائية إنما هي حقيقة نسبية لا مطلقة.
ثانيًا: لا عبرة بالظن إلَّا بدليل
تتفق مدرستا القانون الوضعي مع الفقه الإسلامي على عدم اعتبار الظن غير المبني على دليل في الإثبات القضائي؛ فقررت المدرسة الأنجلوسكسونية أن تحقق معيار الإثبات إنما يعتبر بعد النظر في الأدلة المقدمة في الدعوى، كما اشترطت المدرسة اللاتينية أن يكون الاقتناع مبنيًا على أسباب وأدلة قدمت في الدعوى سائغةٍ للإيصال للنتيجة التي توصلت إليها المحكمة. وبذلك يتفق القانون مع الفقه الإسلامي أن الظن لا يكون طريقًا للحكم إذا لم يكن عن أمارة ودليل.
ثالثًا: درجة الظن في الإثبات القضائي باعتبار نوع الدعوى
يتفق القانون الوضعي مع الفقه الإسلامي في التمييز بين درجة الظن المطلوبة في الدعوى الجنائية والمطلوبة في الدعوى المدنية، ثم إنه يظهر بعد ذلك التقارب بينهما في درجة الظن المطلوبة في الدعاوى الجنائية، بينما يظهر نوع من التمايز في درجة الظن المطلوبة في الدعاوى المدنية.
أما الدعاوى الجنائية؛ فقد ذهبت المدرسة الأنجلوسكسونية إلى تحديد الظن المطلوب فيها بمعيار الإثبات بما يجاوز الشك المعقول؛ أي: رجحان الاعتقاد الذي لا يبقى معه في مقابله إلا احتمالٌ أو احتمالات ضعيفة لا يعتد بها الإنسان السوي المعتدل في حيطته عند إقدامه على تدبير أمر مهم من شؤونه. وتبين مناظرة هذا المعيار لمرتبة الظن الغالب، أو الاعتقاد الجازم في اصطلاح الفقه الإسلامي إذا قارب اليقين، أو القطع على القول بعدم اشتراط أن ينتفي معه إلَّا الاحتمال غير الناشئ عن دليل والموسوم بعلم الطمأنينة لدى الحنفية.
أما المدرسة اللاتينية فمعيار الدعوى الجنائية في القضاء هو "الجزم واليقين" الذي ينتفي معه "الاحتمال والتخمين"، وفي الفقه هو الاقتناع الشخصي للقاضي البالغ حدًا مقاربًا لليقين، أو البالغ ما يوصف بـ "اليقين المعنوي"، والمؤسس على أسباب وأدلة موضوعية تبلغ من القوة والقطع ما من شأنه أن يحدث تلك الدرجة من الاقتناع. وقد تأكد أن الظن الغالب المقارب لليقين الذي تطلبه المدرسة الأنجلوسكسونية هو ذات الدرجة التي تطلبها المدرسة اللاتينية في الدعوى الجنائية، خاصة مع تخصيصها الدعاوى الجنائية – دون الدعوى المدنية - بلغة التأكيد على تطلب الجزم واليقين، لا مجرد "الترجيح"، وأن يكون ذلك الجزم مبنيًا على أدلة "قطعية"، واشتراطها انتفاء الاحتمال والتخمين، وأنه يكفي أن يتشكك القاضي الجنائي في صحة إسناد التهمة لكي يقضي بالبراءة.
وبذلك فثمة تقارب في القانون الوضعي مع درجة الظن التي يتطلبها الفقه الإسلامي في الجنايات، وخاصة في الحدود والقصاص؛ إذ قرر الفقه قاعدة درء الحدود بالشبهات، وأن الشبهة كافية لدرء العقوبة "وإن ضعفت" - وفق قول الشاطبي -، ولو لم تبلغ درجة قلب الظن إلى شك أو وهم، ما دامت مبنيةً على دليل. وهذا نظير لمنع الإدانة مع وجود الاحتمال المعقول لدى المدرسة الأنجلوسكسونية، كما يناظر كفاية تشكك القاضي الجنائي ليقضي بالبراءة لدى المدرسة اللاتينية. وقد وسَّع الفقه الإسلامي من محل تطبيق هذه القاعدة عن الاستعمال المعهود في القانون الوضعي؛ فقرر درء العقوبة بوجود شبهة في ثبوت تحريمِ أو تجريمِ الفعل ابتداءً، أو بوجودها في علم الجاني بالتحريم عند الحنفية وفق الأحوال والضوابط المذكورة في كتبهم. وقد ظهر أثر اعتبار درجة ظن مرتفعة في الجنايات في الفقه الإسلامي على أنصبة الشهادة فيها أيضًا؛ حيث لم يقبلوا فيها بأقل من شهادة رجلين، وخصوا الزنا باشتراط الثبوت بأربعة شهود، ومنعوا شهادة النساء فيها، ولم يقبلوا بتوجيه اليمين الأصلية في الحدود.
أما التعازير فقد تبين مخالفة القانون لاتجاه جمهور الفقهاء في درجة الظن المطلوبة فيها؛ حيث شاع لديهم ثبوتها بمعيار الظن ذاته الذي تثبت به الأموال وبطرق الإثبات نفسها، ولم يطبقوا قاعدة درء الحدود بالشبهات عليها، بل صرحوا بثبوتها مع الشبهة؛ بينما لم يفرق القانون في درجة الظن المطلوبة بين أنواع الجرائم، بل تطلب مجاوزة الشك المعقول أو مقاربة اليقين في الجميع. وقد تبين ذهاب بعض المعاصرين إلى عدم وجود ما يمنع شرعًا من رفع درجة الظن المطلوبة في التعازير؛ بحيث يمكن درؤها بالشبهات لعموم مبدأ "الخطأ في العفو خير من الخطأ في العقوبة"، ولخطورة أمر العقوبات ولضمان مصلحة المتهمين.
أثر هذا الاختلاف
يؤثر هذا الاختلاف على درجة الحماية المعطاة للمتهم على أساس قرينة البراءة؛ فتتفق كل من مدرستي القانون الوضعي مع الفقه الإسلامي في الجملة على عدم جواز قلب تلك القرينة إلَّا بظن يبلغ من القوة ما يحدث في نفس القاضي الجنائي الجزم والاطمئنان، أو بما يأخذ بالقلب ويقارب اليقين، بثبوت الجريمة، وعلى كفاية عروض الشبهة والاحتمال الضعيف المبني على دليل لدرء العقوبة الجنائية.
ومع ذلك؛ فقد أضعف الفقهاء المتقدمون من تلك القرينة في باب التعازير؛ حيث أجازوا إثباتها بظن غالب نظير لما تثبت به الأموال، ولو مع وجود الشبهة. ولعل ذلك إنما كان اعتبارًا لخفة العقوبات التعزيرية في الأصل عن عقوبات جرائم الحدود والقصاص في الفقه الإسلامي، لا إضعافًا لقرينة البراءة بحد ذاتها، وقد تبين ذهاب بعض المعاصرين لعدم منع القواعد العامة للشريعة - ككون الخطأ في العفو خيرًا من الخطأ في العقوبة - من رفع مستوى الظن المطلوب فيها إلى ما يُقارب الحدود والقصاص.
ثمة اختلاف بين المدرسة الأنجلوسكسونية والفقه الإسلامي في درجة الظن المطلوبة في الإثبات في الدعوى المدنية في مقابل تقارب من الفقه مع المدرسة اللاتينية؛ فقد حددت المدرسة الأنجلوسكسونية معيار "رجحان الأدلة" أو "الرجحان على ميزان الاحتمالات" كمعيار للإثبات المدني؛ أي رجحان الاعتقاد، أو الظن الناشئ عن الأدلة بكون وقوع محل الإثبات "محتملًا أكثر منه غير محتمل"، ولو كان الرجحان "بوزن ريشة"؛ وقد تبين مناظرة هذا المعيار لأدنى درجة من درجات الظن وفق اصطلاح الفقه الإسلامي ولو لم تصحبه قوة. وقد تبين أن الفقهاء لا يعتبرون الظن غير القوي الذي لا يأخذ بالقلب ولا تسكن إليه النفس كأصل عام في الإثبات القضائي؛ فلذا لم يُجوّز جمهورُهم القضاءَ بالشاهد الواحد في الأموال إلَّا أن يتقوى بيمين المدعي، مع أن الشاهد الواحد قد يفيد لوحده رجحان جانب المدعي.(190)
أما المدرسة اللاتينية فلم تفرّق بين الدعوى المدنية والدعوى الجنائية بشكل صريح في الظن المطلوب في الإثبات، وإنما اكتفت باشتراط تحقق الاقتناع القضائي في الجميع، فوصفت الظن المطلوب بتحقق اقتناع المحكمة واطمئنانها وانتفاء التردد وعدم الجزم عنها، مع الاشتغال بالتأكيد على ضرورة تحقق شروط سند ذلك الاقتناع من قيامه أساس أدلة وأسباب سائغة وكافية للإيصال للنتيجة التي توصلت إليها المحكمة. وإذ لاحظنا غياب لغة التأكيد على قوة ويقينية سند الأحكام المدنية، خلافًا للأحكام الجنائية؛ فإنه ترجح لنا مناظرة الظن المطلوب فيها لمرتبة الظن الغالب في الفقه الإسلامي دون اشتراط مقاربته اليقين. وبهذا تكون المدرسة اللاتينية متفقة مع اتجاه الفقه الإسلامي في هذا الباب، والذي لم يقبل بأقل من الظن الغالب فيه.
ثم إن القضاء الأمريكي من المدرسة الأنجلوسكسونية تميز بتخصيص بعض المسائل التي تتسم بنوع من الخطورة بمعيار إثبات أعلى من معيار الدعوى المدنية المعتادة وأدنى من معيار الدعوى الجنائية، وهو معيار "الأدلة الواضحة والمقنعة"، والتي يكون الثبوت فيها "راجحًا بقوة"، وإن لم يبلغ درجة مجاوزة الشك المعقول الجنائي؛ وهو ما يعتبر مناظرًا لدرجة الظن الغالب في الفقه. ومن أمثلة تلك المسائل التي خُصت بهذا المعيار إثبات النسب وإسقاط حقوق الوالدين والحجر وقضايا إسقاط الجنسية والترحيل والإيداع غير الاختياري بالمصحات النفسية. والملاحظ تعلُّق كثير من هذه المسائل بأحكام الأبدان أكثر من تعلُّقِها بالأموال – وإن لم يحصره القضاء الأمريكي فيها -، وهو ما يتشابه مع الاتجاه العام للفقه الإسلامي الذي خص أحكام الأبدان ومسائل الأسرة بمرتبة وسط في الظن المطلوب في الإثبات بين المعاملات والجنايات؛ فبينما قبل بعض الفقهاء – كما هو المذهب الحنفي ورواية عند الحنابلة – إثباتها بشهادة رجل وامرأتين إلحاقًا لها بالمعاملات، ذهب الجمهور إلى منع الإثبات بذلك وبالشاهد واليمين فيها إلحاقًا لها بالجنايات. كما منع الحنفية والحنابلة من توجيه اليمين الأصلية فيها في سبع مسائل لخطورتها قياسًا على الحدود. أما المدرسة اللاتينية والقضاء البريطاني من المدرسة الأنجلوسكسونية فلم يخصا تلك المسائل بمعيار إثبات مميز عن سائر أنواع المسائل المدنية.
أثر هذا الاختلاف
يؤثر هذا الاختلاف على درجة حماية المرجحات الأولية للمدعى عليه في هذه الأنظمة؛ فبينما يكفي أدنى رجحان لجانب المدعي لتزول عنه تلك الحماية في المدرسة الأنجلوسكسونية؛ فإن المدعى عليه في المدرسة اللاتينية وفي الفقه الإسلامي يتمتع بدرجة حماية أكبر لوضعه القانوني؛ إذ لا يجوز تغييره بغير ظن غالب.
وكذلك يؤثر هذا الاختلاف في درجة حرص القاضي على الاستيثاق من ثبوت ادّعاء المدعي في الدعوى المدنية، فبينما يكتفي القاضي الأنجلوسكسوني بحدوث أدنى رجحان في نفسه؛ فإن القاضي اللاتيني والإسلامي سيحرصان على نفي التردد الذي قد يصحب ذلك الرجحان بما لديهما من وسائل إثبات، كتوجيه يمين الاستظهار أو تحليف الشهود؛ فإن لم ينتف التردد ويتحقق الاطمئنان وتسكن النفس فلن تقبل دعوى المدعي ولو ترجح جانبه.
رابعًا: وضوح التنظير لمسألة الظن في الإثبات القضائي
يُلاحظ أن لكل من الفقه الإسلامي والمدرسة الأنجلوسكسونية تصورًا واضحًا لمسألة الظن الذي تُبنى عليه الأحكام القضائية؛ فظهر هذا الوضوح في الفقه الإسلامي على شكل وضوح الفارق بين مراتب الإدراك من شك وظن وظن غالب ويقين، ووضوح ما يصح التعويل عليه منها، وكذلك في التفاعل بين تلك المراتب وأنصبة الإثبات ووسائله التي ورد بها الشرع لأنواع الدعاوى القضائية. أما في المدرسة الأنجلوسكسونية فظهر في وضوح واستقرار فكرة أن الإثبات القضائي إنما هو إثبات احتمالي لا يكاد يبلغ القطع، ومن ثم التفريع على ذلك بتحديد درجات الاحتمال المقبولة في الدعاوى الجنائية والمدنية والتحديد الواضح لأوصاف تلك المعايير.
أما المدرسة اللاتينية فرغم الإقرار الموجود في كتب شراح القانون بعدم إمكان بلوغ اليقين القاطع لكل احتمال في الإثبات القضائي إلَّا أن ذلك لم ينعكس إقرارًا بظنيتها ودخول الاحتمال فيها في القانون والأحكام القضائية لهذه المدرسة، فضلًا عن التفريع على ذلك تفريقًا بين الاحتمال المؤثر والاحتمال غير المؤثر، بل حيثما ورد الاحتمال والظن وردا منفيين ومقترنين بالتردد والتخمين والشك، ثم في الدعاوى المدنية يأتي التأكيد على تحقق اقتناع المحكمة واطمئنانها، وفي الدعاوى الجنائية يأتي التأكيد على تحقق الجزم واليقين، وأن مجرد التشكك كافٍ للقضاء بالبراءة.
أثر هذا الاختلاف
ينعكس أثر هذا الاختلاف على وضوح تصور القاضي والمتقاضي لكيفية التعامل مع الاحتمال الذي يرد في الإثبات القضائي؛ فالمدرسة اللاتينية من شأن تعبيرها عن هذه المسألة أن يوقع أتباعها في إنكار وجود الاحتمال أصلًا في الحكم المؤيد لدعوى المدعي لتوهم أن مجرد وجوده يتنافى مع الاقتناع والاطمئنان والجزم واليقين، ومن شأنه كذلك أن يوقع في خطر رفض الدعوى أو القضاء بالبراءة لمجرد الاحتمال المستبعد أو غير المبني على دليل لتوهم دخول ذلك في التشكك أو عدم الاطمئنان الذي ترفض بمثله الدعوى، أو تدرأ بمثله العقوبة. أما كل من الفقه الإسلامي والمدرسة الأنجلوسكسونية فمن شأن تعبيرهما الذي يتسم بالتمييز الواضح بين الظن والاحتمال المؤثر وغير المؤثر أن يدفع هذا التوهم من ذهن أتباعهما.
خامسًا: موقف القانون القطري من الظن في الإثبات القضائي
سلك القانون القطري باعتبار نظامه القانوني من ضمن المدرسة اللاتينية مسلك تلك المدرسة في موقفها من الظن في الإثبات القضائي، وهو اشتراط اقتناع المحكمة واطمئنانها المبني على الأدلة المقدمة في الدعوى والسائغة للإيصال للنتيجة التي توصلت إليها المحكمة، ويُضاف إلى ذلك في الدعوى الجنائية اشتراط ابتناء الأحكام على الجزم المقارب لليقين، المبني على الأدلة المقاربة للقطع بمفردها أو بمجموعها، مع انتفاء التردد والتخمين، وكفاية تشكك المحكمة في صحة نسبة التهمة لتقضي بالبراءة. وقد تبين مناظرة ذلك للظن الغالب في الدعوى المدنية، وللظن الغالب المقارب لليقين، أو للقطع الذي لا تنتفي معه إلا الاحتمالات الناشئة عن دليل، في الدعوى الجنائية.
من خلال هذه المقارنة لاتجاه كل من الفقه الإسلامي ومدرستي القانون الوضعي من مسألة الظن المطلوب في الإثبات القضائي توصلنا إلى عدة نتائج، من أهمها:
التوصيات
في ضوء ما تقدم من نتائج المقارنة بين الفقه الإسلامي ومدرستي القانون الوضعي في درجة الظن في الإثبات القضائي نوصي بالآتي:
الأصفهاني: محمود بن عبد الرحمن أبي القاسم بن أحمد بن محمد، شمس الدين، بيان المختصر شرح مختصر ابن الحاجب، تحقيق: محمد مظهر بقا، (دار المدني: السعودية، ط1، 1406ه/1986).
الآمدي: أبو الحسن سيد الدين علي بن أبي علي بن محمد بن سالم الثعلبي، الإحكام في أصول الأحكام، تحقيق: عبد الرزاق عفيفي، (المكتب الإسلامي: بيروت، د. ط، د. ت).
ابن أمير الحاج: أبو عبد الله شمس الدين محمد بن محمد، ويقال له ابن الموقت الحنفي، التقرير والتحبير في شرح التحرير، (دار الكتب العلمية: د. م، ط2، 1403ه/1983م).
الباجي: أبو الوليد سليمان بن خلف بن سعد بن أيوب بن وارث التجيبي القرطبي الأندلسي، إحكام الفصول في أحكام الأصول، تحقيق: عبد الله محمد الجبوري، (مؤسسة الرسالة: بيروت، ط1، 1409ه/1989م).
..........................................، الحدود في الأصول، تحقيق: محمد حسن محمد حسن إسماعيل، (دار الكتب العلمية: بيروت، ط1، 1424ه/2003م).
البخاري: عبد العزيز بن أحمد بن محمد، علاء الدين الحنفي، كشف الأسرار شرح أصول البزدوي، (دار الكتاب الإسلامي: د. م، د. ط، د. ت).
البخاري: محمد بن إسماعيل أبو عبد الله الجعفي، صحيح البخاري، تحقيق: محمد زهير بن ناصر الناصر، (دار طوق النجاة: د. م، ط1، 1422ه).
البهوتي: منصور بن يونس بن صلاح الدين بن حسن بن إدريس، كشاف القناع عن متن الإقناع، (دار الكتب العلمية: د. م، د. ط، د. ت).
...........................................، دقائق أولي النهى لشرح المنتهى، (عالم الكتب: د. م، ط1، 1414ه/1993م).
الترمذي: محمد بن عيسى بن سَوْرة بن موسى بن الضحاك أبو عيسى، سنن الترمذي، تحقيق وتعليق: أحمد محمد شاكر (جـ 1، 2) ومحمد فؤاد عبد الباقي (جـ 3) وإبراهيم عطوة عوض (جـ 4، 5)، (شركة مكتبة ومطبعة مصطفى البابي الحلبي: مصر، ط2، 1395ه/1975م).
التفتازاني: سعد الدين مسعود بن عمر، شرح التلويح على التوضيح، (مكتبة صبيح بمصر: د. م، د. ط، د. ت).
ابن تيمية: تقي الدين أحمد بن عبد الحليم الحراني، مجموع الفتاوى، تحقيق: عبد الرحمن بن محمد بن قاسم، (مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف: المدينة النبوية، د. ط، 1416ه/1995م).
الجرجاني: علي بن محمد بن علي الزين الشريف، التعريفات، تحقيق: جماعة من العلماء، (دار الكتب العلمية بيروت: لبنان، ط1، 1403ه/1983م).
ابن جزي: أبو القاسم محمد بن أحمد بن محمد بن عبد الله الكلبي الغرناطي، القوانين الفقهية، (د. ن: د. م، د. ط، د. ت).
الجوهري: أبو نصر إسماعيل بن حماد الفارابي، الصحاح تاج اللغة وصحاح العربية، تحقيق: أحمد عبد الغفور عطار، (دار العلم للملايين: بيروت، ط4، 1407ه/1987م).
ابن حجر الهيتمي: أحمد بن محمد بن علي بن حجر الهيتمي، تحفة المحتاج في شرح المنهاج مع حاشية الشرواني والعبادي، (المكتبة التجارية الكبرى: مصر، د. ط، 1357ه/1983م).
أبو الحسين البصري: محمد بن علي الطيب المعتزلي، المعتمد في أصول الفقه، تحقيق: خليل الميس، (دار الكتب العلمية: بيروت، ط1، 1403ه).
الحموي: أحمد بن محمد مكي، أبو العباس، شهاب الدين الحسيني الحنفي، غمز عيون البصائر في شرح الأشباه والنظائر، (دار الكتب العلمية: د.م، ط1، 1405ه/1985م).
ابن حزم: أبو محمد علي بن أحمد بن سعيد الأندلسي القرطبي الظاهري، المحلى بالآثار، (دار الفكر: بيروت، د. ط، د. ت).
.......................، الإحكام في أصول الأحكام، تحقيق: أحمد محمد شاكر، (دار الآفاق الجديدة: بيروت، د. ط، د. ت).
.......................، مراتب الإجماع في العبادات والمعاملات والاعتقادات، (دار الكتب العلمية: بيروت، د. ط، د. ت).
أبو الخطاب: محفوظ بن أحمد بن الحسن الكَلْوَذَاني الحنبلي، التمهيد في أصول الفقه، تحقيق: مفيد محمد أبو عمشة (الجزء 1 - 2) ومحمد بن علي بن إبراهيم (الجزء 3 - 4)، (مركز البحث العلمي وإحياء التراث الإسلامي بجامعة أم القرى: د. م، ط1، 1406ه/1985م).
الخطيب الشربيني: شمس الدين، محمد بن أحمد الشافعي، مغني المحتاج إلى معرفة معاني ألفاظ المنهاج، (دار الكتب العلمية: د. م، ط1، 1415ه/2994م).
أبو داود: سليمان بن الأشعث بن إسحاق بن بشير بن شداد بن عمرو الأزدي السِّجِسْتاني، سنن أبي داود، تحقيق: شعَيب الأرنؤوط، محَمَّد كامِل قرّة بللي، (دار الرسالة العالمية: د. م، ط1، 1430هـ/2009م).
الدسوقي: محمد بن أحمد بن عرفة الدسوقي المالكي، حاشية الدسوقي على الشرح الكبير، (دار الفكر: د. م، د. ط، د. ت).
الرازي: أبو عبد الله محمد بن عمر بن الحسن بن الحسين التيمي الملقب بفخر الدين الرازي، المحصول، تحقيق: الدكتور طه جابر فياض العلواني، (مؤسسة الرسالة: د. م، ط3، 1418ه/1997م).
الزَّبيدي: محمّد بن محمّد بن عبد الرزّاق الحسيني، أبو الفيض، الملقّب بمرتضى، تاج العروس من جواهر القاموس، تحقيق: مجموعة من المحققين، (دار الهداية: د. م، د. ط، د. ت).
الزركشي: أبو عبد الله بدر الدين محمد بن عبد الله بن بهادر، المنثور في القواعد الفقهية، (وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية: الكويت، ط2، 1405ه/1985م).
.................................................، البحر المحيط في أصول الفقه، (دار الكتبي: د. م، ط1، 1414ه/1994م).
السرخسي: محمد بن أحمد بن أبي سهل شمس الأئمة، المبسوط، (دار المعرفة: بيروت، د. ط، 1414ه/1993م).
السمعاني: أبو المظفر منصور بن محمد بن عبد الجبار ابن أحمد المروزي التميمي الحنفي ثم الشافعي، قواطع الأدلة في أصول الفقه، تحقيق: محمد حسن إسماعيل الشافعي، (دار الكتب العلمية: بيروت، ط1، 1418ه/1999م).
الشاطبي: إبراهيم بن موسى بن محمد اللخمي الغرناطي، الموفقات، تحقيق: أبو عبيدة مشهور بن حسن آل سلمان، (دار ابن عفان: د. م، ط1، 1417ه/1997م).
الشيرازي: أبو إسحاق إبراهيم بن علي بن يوسف، شرح اللمع، تحقيق: عبد المجيد تركي، (دار الغرب الإسلامي: بيروت، ط1، 1408ه/1988م).
.................................................، اللمع في أصول الفقه، (دار الكتب العلمية: د. م، ط2، 1424ه/2003م).
الطوفي: سليمان بن عبد القوي بن الكريم الصرصري، أبو الربيع، نجم الدين، شرح مختصر الروضة، تحقيق: عبد الله بن عبد المحسن التركي، (مؤسسة الرسالة: د. م، ط1، 1407ه/1987م).
ابن عابدين: محمد أمين بن عمر بن عبد العزيز الدمشقي الحنفي، رد المحتار على الدر المختار، (دار الفكر: بيروت، ط2، 1412ه/1992م).
ابن عبد السلام: عز الدين بن عبد السلام بن حسن السُّلمي، شجرة المعارف والأحوال وصالح الأقوال والأعمال، تحقيق: أحمد فريد المزيدي، (بيروت: دار الكتب العلمية، ط1، 1424ه/2003ه).
ابن عطية: أبو محمد عبد الحق بن غالب بن عبد الرحمن بن تمام الأندلسي المحاربي، المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز، تحقيق: عبد السلام عبد الشافي محمد، (دار الكتب العلمية: بيروت، ط1، 1422ه).
الغزالي: أبو حامد محمد بن محمد الطوسي، المستصفَى، تحقيق: محمد عبد السلام عبد الشافي، (دار الكتب العلمية: د. م، ط1، 1413ه/1993م).
........................، المنخول من تعليقات الأصول، تحقيق: محمد حسن هيتو، (دار الفكر المعاصر: بيروت، ط3، 1419ه/1998م).
ابن فارس: أحمد بن فارس بن زكرياء القزويني الرازي، أبو الحسين، معجم مقاييس اللغة، تحقيق: عبد السلام محمد هارون، (دار الفكر: د. م، د.ط، 1399ه/1979م).
الفراهيدي: الخليل بن أحمد بن عمرو بن تميم البصري، كتاب العين، تحقيق: مهدي المخزومي وإبراهيم السامرائي، (دار ومكتبة الهلال: د. م، د. ط، د. ت).
ابن فرحون: إبراهيم بن علي بن محمد برهان الدين اليعمري، تبصرة الحكام في أصول الأقضية ومناهج الأحكام، (مكتبة الكليات الأزهرية: د. م، ط1، 1406ه/1986م).
ابن قدامة: أبو محمد موفق الدين عبد الله بن أحمد بن محمد الجماعيلي المقدسي ثم الدمشقي الحنبلي، روضة الناظر وجنة المناظر في أصول الفقه على مذهب الإمام أحمد بن حنبل، (مؤسسة الريّان للطباعة والنشر والتوزيع: د. م، ط2، 1423ه/2002م).
القرافي: شهاب الدين أحمد بن إدريس، أنوار البروق في أنواء الفروق، (عالم الكتب: د. م، د. ط، د. ت).
ابن القيم: محمد بن أبي بكر بن أيوب بن سعد شمس الدين، الطرق الحكمية، (مكتبة دار البيان: د. م، د. ط، د. ت).
الكاساني: علاء الدين، أبو بكر بن مسعود بن أحمد الحنفي، بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع، (دار الكتب العلمية: د. م، ط2، 1406ه/1986م).
الكفوي: أيوب بن موسى الحسيني القريمي، أبو البقاء الحنفي، الكليات معجم في المصطلحات والفروق اللغوية، تحقيق: عدنان درويش ومحمد المصري، (مؤسسة الرسالة: بيروت، د. ط، د. ت).
المرداوي، الإنصاف في معرفة الراجح من الخلاف، تحقيق: عبد الله بن عبد المحسن التركي، عبد الفتاح محمد الحلو، (هجر للطباعة والنشر والتوزيع والإعلان: القاهرة، ط1، 1415ه/1995م).
ابن المنذر: محمد بن إبراهيم بن المنذر النيسابوري، الإجماع، تحقيق: فؤاد عبد المنعم أحمد، (دار المسلم للنشر والتوزيع: د. م، ط1، 1425ه/2004م).
ابن منظور: محمد بن مكرم بن على، أبو الفضل، جمال الدين ابن منظور الأنصاري الرويفعي الإفريقي، لسان العرب، (دار صادر: بيروت، ط3، 1414ه).
ابن نجيم: زين الدين بن إبراهيم بن محمد المصري، الأشباه والنظائر على مذهب أبي حنيفة النعمان، (دار الكتب العلمية: بيروت، ط1، 1419ه/1999م).
...............................................، البحر الرائق شرح كنز الدقائق، (دار الكتاب الإسلامي: د. م، ط2، د. ت).
النسائي: أبو عبد الرحمن أحمد بن شعيب، السنن الكبرى، تحقيق: مركز البحوث بدار التأصيل، (دار التأصيل: القاهرة، ط1، 1433هـ/2012م).
النووي: أبو زكريا محيي الدين يحيى بن شرف، المجموع شرح المهذب، (دار الفكر: د. م، د. ط، د. ت).
ابن الهمام: كمال الدين محمد بن عبد الواحد السيواسي، فتح القدير، (دار الفكر: د. م، د. ط، د. ت).
أبو يعلى: محمد بن الحسين بن محمد ابن خلف ابن الفراء، العدة في أصول الفقه، تحقيق: أحمد بن علي بن سير المباركي، (د. ن: د. م، ط2، 1410ه/1990م).
المراجع القانونية:
إبراهيم: أحمد، وإبراهيم: واصل علاء الدين أحمد، طرق الإثبات الشرعية، (المكتبة الأزهرية للتراث: د. م، ط4، 2003م).
حسني: محمود نجيب، شرح قانون الإجراءات الجنائية وفقًا لأحدث التعديلات التشريعية، (دار المطبوعات الجامعية :الإسكندرية، ط5، 2017م).
رحال، محمد الطاهر، "القرائن وأثرها في تكوين اقتناع القاضي الجنائي"، مجلة الأمير عبد القادر للعلوم الإسلامية، العدد 36، 2016.
الزلمي: مصطفى إبراهيم، السبعاوي: ياسر باسم ذنون، "الحقيقة القضائية والحقيقة الواقعية بين النسبية والإطلاق: دراسة في ضوء قواعد علم الفلسفة"، مجلة بحوث مستقبلية، العدد 14، 2006.
سرور: أحمد فتحي، الوسيط في قانون الإجراءات الجنائية، (دار النهضة العربية: د. م، ط7، 1993).
أبو عامر: محمد زكي، الإثبات في المواد الجنائية: محاولة فقهية وعملية لإرساء نظرية عامة، (الفنية للطباعة والنشر: الإسكندرية، د. ط، 1985).
عبيد: رؤوف، مبادئ الإجراءات الجنائية في القانون المصري، (دار الجيل للطباعة: مصر، ط17، 1989م).
عودة: عبد القادر، التشريع الجنائي الإسلامي مقارنًا بالقانون الوضعي، (دار الكاتب العربي: بيروت، د. ط، د. ت).
محمد: فاضل زيدان، سلطة القاضي الجنائي في تقدير الأدلة، (دار الثقافة: عمان، ط1، 2006).
Baissus, Jean-Marc. “Common v. Continental: A Reaction to Mr. Evan Whitton's 1998 Murdoch Law School Address.” Murdoch University Electronic Journal of Law, 5, no. 4 (December 1998).
Brook, James. “Inevitable Errors: The Preponderance of the Evidence Standard in Civil Litigation.” Tulsa Law Review 18 (1982).
Clermont, Kevin. “Procedure’s Magical Number Three: Psychological Bases for Standards of Decision.” Cornell Law Review 72 (1987): 1115-1156.
Clermont, Kevin and Emily Sherwin. “A Comparative View of Standards of Proof.” Cornell Law Faculty Publications 50 (2002): 243-275..
Clermont, Kevin. “Standards of Proof in Japan and the United States.” Cornell International Law Journal 37 (2004): 263-284.
Code De Procédure Pénale, art. 427 (Fr.), translated in John Spencer, Code of Criminal Procedure (2006).
Engel, Christoph. “Preponderance Of The Evidence Versus Intime Conviction: A Behavioral Perspective On A Conflict Between American And Continental European Law.” Vermont Law Review 33 (2009):435-467.
John Henry Wigmore, Evidence. 3rd Ed, 1940
Kinsch, Patrick. “Probabilité et certitude dans la preuve en justice.” ACTES de la Section des Sciences Morales et Politiques 12 (2009): 65-103.
McBaine, J. P. “Burden of Proof: Degrees of Belief,” California Law Review 32 (1944): 242-268
O’Malley, K. F., J. E. Grenig and W.C. Lee, (2001) Federal Jury Practice and Instructions. Eagan, MN: Westlaw.
Pennsylvania Suggested Standard Criminal Jury Instructions (PSSCJI) (3d ed. 2016).
Pennsylvania Suggested Standard Civil Jury Instructions (4th ed. 2018).
Schweizer, Mark. “The civil standard of proof—what is it, actually?” The International Journal of Evidence & Proof 20, no. 3 (2016): 217-234.
Shapiro, Barbara J. Beyond Reasonable Doubt and Probable Cause: Historical Perspectives on the Anglo-American Law of Evidence. Berkeley: University of California Press, 1991.
Taruffo, Michele. “Rethinking the Standards of Proof.” The American Journal of Comparative Law 51, no. 3 (Summer, 2003):659-677
Winter, Ralph K. “The Jury and the Risk of Nonpersuasion.” Law & Society Review 5, no. 3 (Wiley, Feb., 1971) 335-344.
Wright, Richard W. “Proving Facts: Belief versus Probability.” IIT Chicago-Kent College of Law (January 2009) 79-105.
"Common law." Britannica Academic, accessed July 15, 2019.
https://0-academic.eb.com.mylibrary.qu.edu.qa/levels/collegiate/article/common-law/108636#.
"Civil law." Britannica Academic, accessed July 15, 2019.
https://0-academic.eb.com.mylibrary.qu.edu.qa/levels/collegiate/article/civil-law/108635.
“Jury unanimous: Simpson is liable.” CNN. February 4, 1997. Accessed August 18, 2019.
http://edition.cnn.com/US/9702/04/simpson.verdict1/index.html
“Standard of Proof.” Merriam-Webster’s Law Dictionary, accessed August 6, 2019.
https://www.merriam-webster.com/legal/standard%20of%20proof
Texas Family Code.
https://statutes.capitol.texas.gov/Index.aspx
مساعد قاض بالمجلس الأعلى للقضاء
المشاهدات
التحميلات
الاستشهادات
المؤلفون
إصدار
السنة