الإكراه البدني في التنفيذ الجبري يمس حرية الإنسان، ولا شك أن حقوق الإنسان بلغت في الآونة الأخيرة - من حيث اهتمام المجتمع الدولي بها - شأنًا عظيمًا، حتى غدت القضية الأولى في كل المحافل والمؤتمرات على كافة المستويات المحلية والدولية. ويُلاحظ أن المواثيق الدولية اهتمت بالقواعد الموضوعية والقواعد الإجرائية لحماية حقوق الإنسان، ومن أهم آليات حماية حقوق الإنسان وضع قواعد تهدف إلى المحافظة على كرامته وحريته الإنسانية أثناء تنفيذ الأحكام.
للمدين حقوق يجب مراعاتها أثناء التنفيذ الجبري، فلا يهدف التنفيذ الجبري إلى إيلام المدين جسديًا، كما تقتضي الاعتبارات الإنسانية عدم تجريد الإنسان من كل ما يملك، وتركه عالة وعبئًا على المجتمع.
من الملاحظ أن مفهوم الإكراه البدني من منظور التنفيذ الجبري يختلف عن منظوره في المجال الجنائي، خاصة من حيث أهدافه؛ حيث يعتبر الإكراه البدني في المنظور الجنائي عقوبة شخصية عن الجرائم التي يرتكبها الفرد، ويهدف إلى الإصلاح أكثر ما يهدف إلى الإكراه الجسدي، ولكن هذا المفهوم يختلف عندما يُستخدم لإكراه المدين على تنفيذ التزامه المدني أو التجاري، فالإكراه البدني في مجال التنفيذ وسيلة تستعمل للحد من تعنت المدين ومماطلته بهدف إرغامه على الوفاء بالتزاماته.
لقد نظم المشرع القطري الإكراه البدني في المسائل المدنية والتجارية في قانون المرافعات في المواد من 514 إلى 518. فقد نص قانون المرافعات القطري في المادة 514 على أنه إذا امتنع المحكوم عليه عن تنفيذ الحكم النهائي الصادر ضده، جاز للمحكوم له طلب حبسه؛ ويرفع الطلب بتكليف المحكوم عليه الحضور أمام قاضي التنفيذ المختص بالإجراءات المعتادة لرفع الدعوى.
ويدور موضوع البحث حول الإكراه البدني في التنفيذ الجبري للديون المدنية والتجارية من منظور حقوق الإنسان. ونعالج هذا الموضوع في فصلين ويسبقهما مبحث تمهيدي، وذلك على النحو التالي: المبحث التمهيدي: مفهوم الإكراه البدني، والفصل الأول: الإكراه البدني في القانون القطري والقانون المقارن، والفصل الثاني: منظور حقوق الإنسان للإكراه البدني.
بعد أن يظفر صاحب الحق بسنده التنفيذي مستخدمًا حقه في اللجوء إلى قاضيه الطبيعي كحق من حقوق الإنسان(1)، فإنه يبدأ رحلة جديدة لتنفيذ السند، يتكبد من خلالها الكثير من الجهد والوقت والنفقات، وقد يجد الدائن نفسه أمام مدين مماطل ومتقاعس عن الوفاء بما قضى به السند التنفيذي؛ لذا فإن جميع الأنظمة تسعى إلى توفير الوسائل القانونية الفعالة لتنفيذ السندات التنفيذية. ومحاولة من بعض الأنظمة تفعيل نظام التنفيذ؛ فقد نظمت بعض وسائل التنفيذ لإجبار المدين على الوفاء بالتزامه(2)، ومن هذه الوسائل الإكراه البدني(3).
والواقع أن الإكراه البدني في التنفيذ الجبري يمس حرية الإنسان(4)، ولا شك أن حقوق الإنسان بلغت في الآونة الأخيرة - من حيث اهتمام المجتمع الدولي بها - شأنًا عظيمًا، حتى غدت القضية الأولى في كل المحافل والمؤتمرات عَلى كافة المستويات المحلية والدولية(5). ويلاحظ أن المواثيق الدولية اهتمت بالقواعد الموضوعية والقواعد الإجرائية لحماية حقوق الإنسان(6)، ومن أهم آليات حماية حقوق الإنسان وضع قواعد تهدف إلى المحافظة على كرامته وحريته الإنسانية أثناء تنفيذ الأحكام(7. سنشير في هذه المقدمة إلى إشكالية البحث والتساؤلات التي يثيرها، وأهداف البحث ومنهجية وخطة البحث، وذلك في النقاط الآتية:
أولًا: إشكالية البحث وتساؤلاته
تدور إشكالية البحث حول الإكراه البدني كوسيلة فعالة للحد من تعنت المدين وتهريب أمواله لمنع التنفيذ الجبري لالتزاماته ومدى تعارض ذلك مع مواثيق حقوق الإنسان، ولا شك أن تعنت المدين في الوفاء بالتزامه يشكل نوعًا من العنف الاقتصادي تجاه الدائن(8)، في المقابل؛ فإن للمدين حقوقًا يجب مراعاتها أثناء التنفيذ الجبري، فلا يهدف التنفيذ الجبري إلى إيلام المدين جسديًا، كما تقتضي الاعتبارات الإنسانية عدم تجريد الإنسان من كل ما يملك، وتركه عالة وعبئًا على المجتمع(9).
ويثير هذا البحث التساؤلات الآتية: ما هي طبيعة الإكراه البدني، هل هو عقوبة أم وسيلة تهديدية، ومدى أثر ذلك علي حقوق الإنسان؟ وما هي الحالات التي يجوز فيها الإكراه البدني في القانون القطري والمقارن؟ وهل يراعي المشرع حقوق الإنسان أثناء الحكم بالإكراه؟ وما هي شروط الإكراه البدني ونطاقه وآثاره؟ وما هي الإجراءات الواجبة الاتباع وطرق الطعن في القرار الصادر بالحبس؟ وهل يتعارض الإكراه البدني مع الاتفاقيات والمواثيق الدولية لحقوق الإنسان؟ وما هو موقف الفقه القانوني والفقه الشرعي من الإكراه البدني؟
وهذه التساؤلات التي تثار بحاجة إلى الإجابة عليها، وبالتالي يجب علينا التطرق لبحث موقف القانون القطري والقانون المقارن والفقه ومواثيق حقوق الإنسان من الإكراه البدني.
فيما يتعلق بمنهجية البحث، فسوف نستخدم المنهج التحليلي المقارن، وذلك بدارسة وتحليل نصوص القانون في الإكراه البدني كوسيلة تهديدية للمدين في التنفيذ الجبري في النظام القطري والأنظمة المقارنة، كما نحلل آراء الفقه والقضاء في الإكراه البدني، ثم نحلل مدى مخالفة أحكام الإكراه البدني في القانون القطري لنصوص اتفاقيات حقوق الإنسان.
يدور موضوع البحث حول الإكراه البدني في التنفيذ الجبري للديون المدنية والتجارية، من منظور حقوق الإنسان. سنعالج هذا الموضوع في فصلين، ويسبقهما مبحث تمهيدي، وذلك على النحو التالي:
المبحث التمهيدي: مفهوم الإكراه البدني
الفصل الأول: الإكراه البدني في القانون القطري والقانون المقارن
الفصل الثاني: منظور حقوق الإنسان للإكراه البدني
من الملاحظ أن مفهوم الإكراه البدني من منظور التنفيذ الجبري يختلف عن منظوره في المجال الجنائي، خاصة من حيث أهدافه؛ حيث يعتبر الإكراه البدني في المنظور الجنائي عقوبة شخصية عن الجرائم التي يرتكبها الفرد، ويهدف إلى الإصلاح أكثر ما يهدف إلى الإكراه الجسدي، ولكن هذا المفهوم يختلف عندما يستخدم لإكراه المدين على تنفيذ التزامه المدني أو التجاري، فالإكراه البدني في مجال التنفيذ، وسيلة تستعمل للحدّ من تعنت المدين ومماطلته بهدف إرغامه على الوفاء بالتزاماته(10). سنعالج مفهوم الإكراه البدني وذلك في المطلب الأول، أما المطلب الثاني، فيخصص لبحث الطبيعة القانونية للإكراه البدني، وذلك على النحو التالي:
المطلب الأول
تعريف الإكراه البدني
في حقيقة الأمر، ماهية الإكراه البدني في التنفيذ الجبري له خصوصية وطبيعة خاصة به، حيث لا يهدف إلى إيلام المدين جسديًا، ولكنه الضغط على إرادته للوفاء بديون، فبمجرد الوفاء يُخلى سبيله من الحبس.
سنشير إلى التعريف اللغوي للإكراه البدني، ثم التعريف الاصطلاحي، وذلك في الفرعين الآتيين:
يقصد بالإكراه البدني لغويًا: الحبس، ويطلق الإكراه على حال الإرادة عندما تخضع لدوافع معارضة لاستقلالها، إذ يقال أكرهته على كذا... أي حملته على ذلك(11). والحبس لغة، يراد به عدة معانٍ: فقد يراد به المنع، ومنه قولهم حبسه يحبسه حبسًا، أي منعه فهو محبوس، وقد يراد به الاختصاص، كقولهم، احبسوا الشيء بمعنى أنه اختص به نفسه، وقد يراد به العقوبة البدنية التي تنزل بالمحكوم عليه، ومنه القول، حكم بالحبس على فلان(12).
والحبس وهو المنع وأطلق على الموضع أي المكان المعد للحبس(13). لم يرد لفظ الحبس في القرآن الكريم، ولكن ورد لفظ السجن، كقوله تعالى: " إِلَّا أَن يُسْجَنَ أَوْ عَذَابٌ أَلِيمٌ"(14)، وقوله سبحانه وتعالى: " قَالَ رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ"(15)، وقوله تعالى " فَلَبِثَ فِي السِّجْنِ بِضْعَ سِنِينَ"(16).
التعريف الاصطلاحي للإكراه البدني
لم يورد المشرع القطري ولا المشرع الفرنسي والمصري تعريفًا للإكراه البدني، ويرجع ذلك إلى أن المشرع عادة ما يترك التعريفات لأعمال الفقه، وقد تولّى الفقه مهمة التعريف، وقد تعدّدت الآراء حول تعريف فكرة الإكراه البدني.
فقد ذهب بعض الفقه إلى تعريف الإكراه البدني بأنه وسيلة تنفيذ غير مباشرة تتخذ ضد مدين ليس لديه أموال ظاهرة يمكن الحجز عليها للوفاء بالتزاماته(17). ويلاحظ على هذا التعريف أنه قصر الإكراه البدني على حالة إخفاء المدين أمواله، بالرغم من أن الإكراه البدني جائز ضد المدين بصفة عامة سواء أخفى أمواله أم لا، لأن نصوص القانون لم تشترط للحكم بالحبس أن يخفي المدين أمواله(18)، كما هو الشأن في نص المادة 2069 مدني فرنسي، والمادة 76 أحوال مصري والمادة 293 عقوبات مصري. والمادة 514 من قانون المرافعات القطري.
وقد عرفه البعض الآخر بأنه وسيلة تنفيذ يكون للدائن بمقتضاها ملاحقة شخص مدينه للوفاء بما عليه(19)، ويلاحظ على هذا التعريف أنه جاء بألفاظ عامة وواسعة الدلالة وغير مميزة للإكراه البدني عن غيره من وسائل الإجبار على التنفيذ. وقد عرف جانب آخر من الفقه الإكراه البدني بأنه حبس المدين بناء على طلب الدائن الحائز على سند تنفيذي(20). ويلاحظ على هذا التعريف أنه لم يفرق بين المدين المعسر وغيره، وبالرغم من أن المشرع وضع الضوابط التي تفرق بينهم.
وقد عُرف الإكراه البدني بأنه: "هو الإجراءات التي تتضمن حبس المدين الممتنع عن الوفاء بدين بهدف الضغط على إرادته معنويًا وإجباره على الوفاء بالدين"(21). ويلاحظ على هذا التعريف أنّه لم يفرق بين المدين المعسر والمدين الموسر، كما أن هذا التعريف لم يحدد طبيعة الدين الذي يحبس المدين من أجله.
وقد عرف البعض الآخر الإكراه البدني بأنه تقييد حرية المدين خصوصًا في التنقل كمنعه من السفر أو حبسه(22)، في الواقع إن هذا التعريف خلط بين الحبس والمنع من السفر؛ حيث إن المنع من السفر لا يعد إكراهًا بدنيًا، فهو تقييد لحرية التنقل خارج البلاد، مع منحه كافة حقوقه داخل البلاد، أما الحبس فهو الزج بالمدين في السجن فتره معينة، والإكراه البدني مرادف لسجن المدين(23).
وقد ذهب الفقه الفرنسي إلى تعريف الإكراه البدني بأنه، هو طريق للتنفيذ بمقتضاه يملك الدائن تتبع شخص المدين ذاته لإجباره على سداد ما هو مستحق عليه، عن طريق سجنه(24. ومن وجهة نظرنا يمكن تعريف الإكراه البدني بأنه: "وسيلة قانونية تتضمن حبس المدين غير المعسر لإكراهه على الوفاء بدين مدني أو تجاري، بناء على طلب الدائن الذي بيده سند تنفيذي".
المطلب الثاني
الطبيعة القانونية للإكراه البدني وتمييزه
يُثار التساؤل عن الطبيعة القانونية للإكراه البدني في التنفيذ الجبري في قانون المرافعات، فهل الإكراه البدني وسيلة جزائية عن فعل آثم قام به المدين؟ أم هل هو وسيلة تنفيذية؟ أم هو وسيلة تهديدية للمدين، لإجباره على الوفاء بالتزاماته؟ وهل الإكراه البدني في قانون المرافعات، له نفس طبيعة الإكراه البدني الجزائي في القانون الجنائي؟ سنشير إلى الطبيعة القانونية للإكراه البدني، ثم نعالج التفرقة بين الإكراه البدني التهديدي والإكراه البدني الجزائي، وذلك في الفروع الآتية:
الطبيعة القانونية للإكراه البدني
لقد ظهر صراع بين المدرسة اللاتينية والجرمانية في تحديد طبيعة الإلزام ومن ثم مشروعية الإكراه البدني؛ حيث ظهر المذهب الشخصي للالتزام والمذهب المادي للالتزام، فالمدرسة اللاتينية ترى العنصر الأساسي في الإلزام، هو العنصر الشخصي الذي يخول للدائن سلطة على شخص المدين؛ مما يجعلها تقر بالإكراه البدني على خلاف المدرسة الجرمانية التي غلبت العنصر المادي المالي في الالتزام، ولم تقر للدائن بحق حبس المدين بدنيًا لإجباره على تنفيذ الالتزام مادام أن هذا الأخير مجرد عن طرفيه وملتصق بمحله.
لقد اختلف الفقه في تحديد طبيعة الإكراه البدني، وذلك على النحو التالي:
الاتجاه الأول: الإكراه البدني ذو طبيعة مزدوجة
ذهب جانب من الفقه إلى القول بأن للإكراه البدني طبيعة مزدوجة حسب السلطة التي أمرت به(25)، فإذا صدر عن جهة الحكم فهو يعتبر جزاءً جنائيًا يتضمن معنى العقوبة (26، وإذا أمرت به سلطة التنفيذ اعتبر وسيلة تنفيذ وليس جزاء(27).
في الواقع هذا الرأي محل نقد، وذلك لأنه لا يمكن تصور طبيعتين للإكراه البدني على حسب السلطة التي أصدرته، فالمعيار هنا معيار شكلي لا يمكن الأخذ به، فلو كان التزامًا مدنيًا وحبس المدين للضغط على إرادته للوفاء، فلا يغير من طبيعته أن يكون قرار الحبس صادرًا من القضاء المدني أو الجنائي،، ومهما اختلفت الجهة التي أمرت به أو النص الذي نظم أحكامه، فقد يكون النص مذكورًا في قانون العقوبات ومع ذلك يعتبر إكراهًا بدنيًا وليس عقوبة جنائية متى كان وسيلة للضغط على المدين للقيام بالتنفيذ الجبري.
الاتجاه الثاني: الإكراه البدني وسيلة تنفيذ استثنائية
يرى جانب آخر من الفقه أن الإكراه البدني هو وسيلة تنفيذ استثنائية للضغط على المدين لإجباره على إظهار ما خفي من أمواله بتقييد حريته مدة محددة من الزمن(28، إلى حين وفائه للدين الثابت في ذمته، ويصدر قرار الحبس من السلطة المختصة ضمن شروط محددة في القانون(29).
ويلاحظ على هذا الاتجاه أنه يرى أن حبس المدين هو وسيلة تنفيذية لإجبار المدين على إظهار ما خفي من أمواله(30)، ونرى أن الحبس ليس وسيلة تنفيذية للالتزام، ولكنه وسيلة للإجبار والضغط على المدين، فهو ليس من بين طرق التنفيذ التي نظمها القانون؛ حيث نظم القانون طرق التنفيذ على أموال المدين سواء كان تنفيذًا عينيًا أم تنفيذًا غير مباشر، كما أن هدف الحبس ليس فقط إجبار المدين على إظهار أمواله، ولكن هدفه هو محاربة تعنت المدين، فقد يكون لدى المدين مال ظاهر ولكن لا يمكن الحجز عليه مثل العقارات غير المسجلة، وبالتالي فالحبس يجبر المدين على بيع هذه العقارات للوفاء بدينه.
الاتجاه الثالث: الإكراه البدني هو وسيلة تهديدية
يذهب الرأي الغالب في الفقه إلى أن الإكراه البدني، هو وسيلة يلجأ فيها الدائن إلى تهديد المحكوم عليه في جسمه بتحقيق حبسه إرغامًا له على الوفاء بما هو ملزم به قضاء بموجب السند التنفيذي(31)، وبالتالي فالطبيعة القانونية للإكراه البدني هي طبيعة تهديدية وليست طريقًا من طرق التنفيذ(32)، والحبس التنفيذي ليس بمثابة عقوبة جنائية، وإنما هو أصلًا وسيلة لقهر المدين لتنفيذ ما حكم به عليه(33). وقد ذهبت محكمة النقض المصرية إلى أن "الإكراه البدني ليس فيه أي معنى من المعاني الملحوظة في العقوبة وإنما الغرض منه مجرد إجبار من يحكم عليه بالغرامة على أدائها. فالتنفيذ به بأقصى المدة المحددة في القانون لا يبرئ المحكوم عليه من الغرامة كلها وإنما يبرئه فقط مما يقابل تلك المدة على أساس الحساب المبين في المادة 270 من قانون تحقيق الجنايات"(34).
رأي الباحث من طبيعة الإكراه البدني:
الإكراه البدني في مجال التنفيذ الجبري يهدف إلى جبر المدين على الوفاء بالتزامه، لذا نرى أن الإكراه البدني لا يعد تنفيذًا للالتزام بل وسيلة إجبار على التنفيذ، فهو يعد وسيلة للمساعدة على التنفيذ الجبري، وليس من إجراءات التنفيذ الجبري. وإذا كان تطور الفكر القانوني قد أدى إلى أن المدين يلتزم في ماله لا في جسده، ولكن رغم ذلك لم تختف فكرة حبس المدين المماطل.
ويعتبر الإكراه البدني الوسيلة الاحتياطية التي يلجأ إليها الدائن لإكراه المدين على الوفاء بالتزامه، ويرجع ذلك إلى أنه لا يلجأ إلى الإكراه البدني إلّا إذا كان المدين متعنتًا في الوفاء بالالتزامات المنصوص عليها في السند، ولم يوجد مال ظاهر للمدين رغم قدرته المالية، وحكمة ذلك أن الأصل في التنفيذ أن يكون على مال المدين(35) وليس على شخصه.
ونرى أن الإكراه البدني ليس غاية في حد ذاته، بل هو وسيلة لا يلجأ إليها القضاء إلا إذا تعذر التنفيذ على أموال المدين، لأن الأصل في الإنسان الحرية التي لا يجوز تقييدها، وإن صار هذا فإنه يكون بنص القانون وفي أضيق الحدود، وذلك لأن من المبادئ المستقرة في الفقه الحديث أن مسؤولية المدين تكون في أمواله وليس في شخصه احترامًا لكرامة الإنسان التي لا يمكن هدرها(36). فمواثيق حقوق الإنسان، كالعهد الدولي للحقوق المدنية والسياسية يمنع حبس المدين لدين مدني إلّا في حدود معينة سنشير إليها في الفصل الثاني.
تمييز الإكراه البدني التهديدي عن الإكراه البدني الجزائي
الإكراه البدني في مدلوله العام واحد سواء أكان إكراهًا بدنيًا تهديديًا أم إكراهًا بدنيًا جزائيًا، وهو حبس الشخص عن طريق حجز الحرية الشخصية(37، ويعيش المحبوس نفس الظروف سواء كان الإكراه بسبب عدم وفاء بالدين أم اقتراف جريمة، إلا أن للإكراه البدني التهديدي بعض ما يميزه عن الإكراه الجزائي، وهذا ما يجعله إكراهًا من نوع خاص، حيث يختلف الإكراه البدني التهديدي عن الإكراه البدني الجزائي في النواحي الآتية:
الإكراه البدني التهديدي لا يعدو أن يكون مجرد وسيلة للضغط على إرادة المدين للوفاء، وبالتالي لا يعتبر الحبس التهديدي عقوبة(38، على عكس الحبس الجزائي الذي يعتبر عقوبة، تفرض على الشخص لارتكابه فعلًا مخلًا بالمجتمع.
الإكراه البدني التهديدي وسيلة تهدف إلى حرمان المدين من حريته لمدة مؤقتة لحمله على تنفيذ التزامه(39)، وهو يستعمل للتضيق على المدين الذي يتعذر إظهار ماله وهو قادر على أداء دينه دفعة واحدة أو تقسيطه، وليس المراد منه إنزال العقاب على المدين الذي امتنع عن الوفاء، على عكس الإكراه البدني الجزائي الذي يعد عقابًا على ارتكاب مخالفة أو جريمة(40).
الإكراه البدني التهديدي سببه الامتناع عن الوفاء بالتزام مالي، والغاية منه إجبار المدين على الوفاء(41)، وليس المراد منه إنزال العقاب على المدين الذي لم يقم بالوفاء بالدين(42). أما الحبس الجزائي فسببه ارتكاب الجاني جريمة أخلت بالنظام العام والأمن في المجتمع، والغاية منه هو الزجر الخاص والزجر العام(43).
الإكراه البدني التهديدي وسيلة لحماية حق الدائن المحكوم له، وذلك من خلال الضغط على إرادة المدين للوفاء بالدين، بينما يعني الجزاء في الإكراه البدني الجزائي العقوبة لحماية المجتمع، كما أن حبس المدين إجراء لصالح الدائن، ويملك الإعفاء عن المدين المحبوس، بالمقابل لا يمكن طلب الإفراج عن المجرم في الإكراه البدني الجزائي.
الإكراه البدني التهديدي لا يبرئ ذمة المدين، أما الإكراه البدني الجزائي فهو يبرئ ذمة الجاني من جرم(44)، فحبس المدين لا يبرئ ذمته من الدين العالق به، أي لا يحرم الدائن من التنفيذ من جديد على أموال مدينه. ولذلك نصت المادة 76 من قانون الأحوال الشخصية رقم 1 لسنة 2000، بعد نصها على حبس المدين إلا أنها نصت أيضًا على أنه: "وذلك كله دون الإخلال بحق المحكوم له في التنفيذ بالطرق العادية".
يقصد بذلك أن قواعد الإكراه البدني التهديدي خاضعة للقانون الساري المفعول بتاريخ صدوره حتى ولو كان التشريع الذي نشأ في ظله الالتزام مخالفًا للتشريع الحالي(45، ذلك على عكس الحبس كالعقوبة الجزائية والتي تستوجب تطبيق القانون الأصلح للمتهم عند تنازع القوانين(46).
إذا أوفى المدين بالتزام فلا يحبس، وإذا كان محبوسًا، فإنه يخرج من السجن، ويمكن للدائن أن يطلب الإفراج عن المدين، على عكس الإكراه البدني الجزائي فهو عقوبة، فالمجني عليه لا يملك طلب الإفراج عن الجاني(47).
نخلص مما سبق إلى أن الإكراه البدني هو وسيلة قانونية تتضمن حبس المدين غير المعسر لإكراهه على الوفاء بدين مدني أو تجاري، بناء على طلب الدائن الذي بيده سند تنفيذي، فهو ﻭسيلة ترمي ﺇﻟﻰ ﺇكرﺍﻩ ﺍﻟﻤدين ﻋﻠﻰ تنفيذ تعهداته بحرمانه مؤقتًا من حريته. ﻭﻟﺫﺍ يفرج ﻋﻥ ﺍﻟﻤﺤﻜﻭﻡ ﻋﻠﻴﻪ ﺇﺫﺍ ﻗﺎﻡ بالوفاء، كما ﺃﻥ الإكراه البدني ﻻ يبرئ ﺍﻟﺫمة، ويجوز ﺍﻟﺘﻨﻔﻴﺫ ﻋﻠﻰ مال المدين رغم حبسه.
الفصل الأول
الإكراه البدني في القانون القطري والقانون المقارن
The Physical Coercion in the Qatari Law and in Comparative Law
يُثار التساؤل عن موقف القانوني القطري، والقانون المقارن من الإكراه البدني؟ في الواقع لم تَسِرْ التشريعات المختلفة على وتيرة واحدة فيما يتعلق بتنظيم الإكراه البدني، فالبعض يتقيد من حالاته إلى حد الإلغاء، والبعض من التشريعات يوسع في حالاته. سنشير في هذا المبحث إلى موقف القانون القطري من الإكراه البدني، ثم نعالج موقف القانون المقارن من الإكراه البدني، وذلك في المباحث الآتية:
المبحث الأول
الإكراه البدني في القانون القطري
The Physical Coercion in the Qatari Law
لقد نظم المشرع القطري الإكراه البدني في المسائل المدنية والتجارية في قانون المرافعات في المواد من 514 إلى 518. سنعالج في هذا المبحث، شروط وإجراءات الإكراه البدني، والحد من آثار الحبس، وذلك في المطلبين الآتيين:
لقد ذهبت محكمة التمييز القطرية إلى أن "المقرر- أن مناط اختصاص قاضي التنفيذ بحبس المحكوم عليه الممتنع عن تنفيذ الحكم النهائي الصادر ضده إعمالًا لحكم المادتين (514، 515) من قانون المرافعات هو امتناع المدين عن الوفاء بما حكم به عليه مع يساره الذي تتحقق به مقدرته على هذا الوفاء"(48). سنبحث شروط الإكراه البدني، ثم نعالج إجراءاته وذلك في الفرعين الآتيين:
الفرع الأول
شروط الحكم بالإكراه
يجب للحكم على المدين بالحبس توفر الشروط الآتية:
أولًا: امتناع المدين عن التنفيذ
قد نصت المادة ٥١٤ مرافعات على أنه إذا امتنع المحكوم عليه عن تنفيذ الحكم النهائي الصادر ضده، جاز للمحكوم له طلب حبسه؛ ويرفع الطلب بتكليف المحكوم عليه الحضور أمام قاضي التنفيذ المختص بالإجراءات المعتادة لرفع الدعوى.
في الواقع الذي يبرر قرار الحبس هو امتناع المدين عن الوفاء(49)، ويظهر الامتناع في حالة عدم وفاء المدين للدائن بعد إعلانه بالسند التنفيذي، وأن يأمره القاضي بالوفاء فيمتنع(50)، وبالتالي فلا يكلف الدائن بإثبات سوء نية المدين أو تهربه أو إخفاء أمواله؛ كما لا يكلف الدائن بإثبات اقتدار المدين حتى يحبس، فالأصل يسار المدين، وعلى المدين أن يثبت إعساره. وقد ذهبت محكمة التمييز إلى أن: "المقرر- أن تقدير يسار المحكوم عليه ومقدرته على الوفاء بما حكم به عليه وإن عُد من مسائل الواقع التي يستقل بها قاضي الموضوع، إلا أن ذلك مشروط بأن يقيم قضاءه بشأنه على أسباب سائغة لها أصلها الثابت بالأوراق وتكفي لحمله"(51).
نلاحظ على موقف المشرع القطري، أنه جعل طريق الحبس بديلًا عن كل طرق التنفيذ الجبري، سواء كان الحجز على المنقول أم الحجز على العقار أو حجز ما للمدين لدى الغير، فبمجرد عدم وفاء المدين يمكن أن يلجأ القاضي إلى الحبس، مع أن طريق الحبس نص عليه المشرع في آخر النصوص المتعلقة بالتنفيذ الجبري، ليدل ذلك على أنه طريق احتياطي لا يلجأ إليه إلا إذا لم يجد الدائن أموالًا لدى المدين للوفاء بها، وقد تحرى عن ذلك، وأثبت ما يدل على تحريه. ولذا نرى أنه يفضل أن يشترط المشرع ألَّا يكون للمدين مال ظاهر يمكن الحجز عليه.
ثانيًا: تعلق التنفيذ بحكم واجب النفاذ
يلاحظ على المادة ٥١٤ مرافعات أنها قصرت الحبس على نوع معين من السندات التنفيذية، وهي الأحكام القضائية، فلا يجوز للقاضي أن يأمر بحبس المدين في غير ذلك من السندات(52). وبالتالي فالسندات الأخرى المنصوص عليها في قانون المرافعات لا يجوز إصدار أمر الحبس بشأنها(53). ونرى أن ذلك يؤثر على فاعلية تنفيذ الالتزامات المنصوص عليها في السندات التنفيذية الأخرى. ولا نرى حكمة من قصر الحبس على الأحكام فقط.
ويمكن إصدار أمر بالحبس بشأن أي التزام يتضمنه الحكم، فلا يشترط أن يكون التزام المدين هو التزام بمبلغ من المال أو بالقيام بالعمل أو الامتناع عن عمل، أي يمكن إصدار قرار بالحبس، حتى لو كان التنفيذ بطريق التنفيذ العيني أو بطريق الحجز والبيع.
ثالثًا: صفة المحكوم عليه الممتنع عن الوفاء
يجب أن يكون المدين الذي يحكم عليه بالإكراه البدني أن يكون مدينًا شخصيًّا للمحكوم عليه، وبالتالي لا يجوز حبس خلف المدين سواء كان خلفًا عامًّا أم خاصًّا؛ وذلك لأن المشرع نص في المادة ٥١٤ مرافعات على أنه إذا امتنع المحكوم عليه عن تنفيذ حكم واجب النفاذ فلقاضي التنفيذ إصدار أمر بحبسه، وبالتالي فأمر الحبس يكون موجهًا للمحكوم عليه وليس خلفه، ويمكن التأكد من صفة المحكوم عليه من خلال السند التنفيذي.
وبالنسبة للشخص الاعتباري فقد نصت المادة ٥١٥ مرافعات على أنه إذا كان المحكوم عليه شخصًا اعتباريًّا خاصًّا صدر الأمر بحبس من يكون الامتناع عن تنفيذ الحكم أو الأمر راجعًا إليه شخصيًّا. ويلاحظ أن المشرع القطري قصر الحبس على الممتنع عن تنفيذ الحكم بالنسبة للشخص الاعتباري الخاص، ولم يتطرق إلى الشخص الاعتباري العام.
وقد ذهبت محكمة التمييز إلى أن: "النص في المادة (514) من قانون المرافعات على أن: "إذا امتنع المحكوم عليه عن تنفيذ الحكم النهائي الصادر ضده، جاز للمحكوم له طلب حبسه...، وفي المادة (515) من ذات القانون على أن: "يجوز لقاضي التنفيذ، إذا ثبت لديه أن المحكوم عليه قادر على الوفاء بما حكم به، أمره بالوفاء فلم يمتثل، أن يأمر بحبسه...، وإذ كان المدين شخصًا معنويًّا خاصًّا، صدر الأمر بحبس من يكون الامتناع راجعًا إليه شخصيًّا، يدل على أن المشرع استوجب إذا ما كان المحكوم عليه الممتنع عن التنفيذ شخصًا معنويًّا خاصًّا أن تكون لديه من الأموال والممتلكات ما يجعله قادرًا على الوفاء بالدين المقضي به وأن يكون الامتناع عن التنفيذ راجعًا لشخص من يكون مخولًا بإدارة هذه الأموال والتصرف فيها"(54).
رابعًا: أن يكون المدين قادرًا على الوفاء
في الواقع النص في المادة 515 من قانون المرافعات على أنه: «يجوز لقاضي التنفيذ إذا ثبت لديه أن المحكوم عليه قادر على الوفاء بما حكم به وأمره بالوفاء فلم يمتثل أن يأمر بحبسه»، يدل على أن الشارع قيد ما رخص به للقاضي من إجابة طلب المحكوم له حبس المحكوم عليه، أن يكون المحكوم عليه قادرًا على الوفاء بما حكم به عليه، ولم يمتثل لأمر القاضي بالوفاء دون أن يغني تحقق أحد الشرطين عن الآخر، بما لازمه أنه إذا تخلف أحد هذين الشرطين امتنع على القاضي الأمر بحبس المدين(55). ويترتب على عدم توفر هذه الشروط بطلان حكم الحبس(56). ونرى أنه إذا تبين للقاضي أن المحكوم عليه لديه مال وقادر على الوفاء، فلماذا لا يأمر بالحجز على هذه الأموال، وقد وضعت إجراءات التنفيذ لحماية الدائن والمدين معًا، وتحقيق توازن بينهما. فقد يكون للمدين مال ولكن لا يجوز الحجز عليه بنص المشرع، كما في حالة أدوات المهنة (م 388 مرافعات).
الفرع الثاني
إجراءات الحكم بالإكراه البدني
أوّلًا: القاضي المختص
ينعقد الاختصاص بإصدار الأمر بحبس المدين طبقًا لنص المادة ٥١٤ مرافعات لقاضي التنفيذ، ويشترط تقديم طلب لقاضي التنفيذ وذلك بالإجراءات المعتادة لرفع الدعوى، وهي بإيداع الصحيفة قلم كتاب محكمة التنفيذ، مع التكليف بالحضور أمام قاضي التنفيذ.
وقد نصت المادة ٥١٥ مرافعات على أنه يجوز لقاضي التنفيذ، إذا ثبت لديه أن المحكوم عليه قادر على الوفاء بما حكم به، وأمره بالوفاء فلم يمتثل، أن يأمر بحبسه، وبالتالي لا يجوز لقاضي التنفيذ أن يأمر بحبس المدين إذا أثبت أنه غير قادر على الوفاء، كما أن لقاضي التنفيذ السلطة التقديرية بالأمر بالحبس إذا ثبت لديه أن المدين قادر على الوفاء؛ لأن المشرع نص في المادة ٥١٥ مرافعات على أنه: "يجوز لقاضي التنفيذ إذا ثبت لديه..." فيدل ذلك على منح القاضي سلطة تقديرية في الحكم بالحبس على المدين الموسر.
ولم ينص المشرع القطري على طريق الطعن من حكم القاضي بحبس المدين، ولذا يطبق القواعد العامة في الطعن بالاستئناف على قرار القاضي بحبس المدين، أي يطعن بالاستئناف أمام المحكمة التي يتبعها قاضي التنفيذ(57)، وذلك لأن المشرع لم يمنع الطعن في حكم القاضي بالحبس، فلو أراد المشرع أن يمنع الطعن لنص علي ذلك صراحة.
ثانيًا: مدة الحبس
نصت المادة ٥١٥ مرافعات على أنه يجوز لقاضي التنفيذ، إذا ثبت لديه أن المحكوم عليه قادر على الوفاء بما حكم به، وأمره بالوفاء فلم يمتثل، أن يأمر بحبسه، ولا يجوز أن تزيد مدة الحبس على ثلاثة أشهر. ولم ينص المشرع على تجديد مدة الحبس إذا لم يقم المدين بالوفاء. ونرى أنه يجب على المشرع أن يجيز للقاضي أن يجدد مدة الحبس بحيث لا تزيد عن عام. وإذا كان المدين ليس له إقامة فيمكن أن تزيد مدة الحبس عن سنة.
الحد من آثار الإكراه البدني في النظام القطري
سنشير إلى حالات المنع من الإكراه البدني أو تأجيله، ثم حالات سقوط أمر الحبس، وذلك في الفرعين الآتيين:
الفرع الأول
حالات المنع من الإكراه البدني أو تأجيله
لقد نصت المادة ٥١٦ مرافعات، على أسباب محددة على سبيل الحصر تؤدي إلى المنع من الحبس أو تأجيله، وتتمثل في الآتي:
أولًا: حالات المنع من الإكراه
يرجع نص المشرع على هذا السن إلى مراعاة أن المدين مازال صغيرًا فلا يقوى على الحبس، أو كان كهلًا فلا يقدر أن يتحمل السجن مما يؤثر على صحته، بالإضافة إلى أنَّ حبس المدين يؤثر سلبًا على حياته المستقبلية لو كان صغيرًا. وبالتالي إذا بلغ المدين سن الثامنة عشرة، ومازال المدين لم ينفذ السند التنفيذي، جاز إصدار قرار بحبسه لزوال المانع. ويلاحظ أن المشرع القطري قد راعى حقوق الإنسان في هذه الحالة، حيث إن المدين صغير السن لا يقوى علي الحبس، وكذلك الأمر بالنسبة للمدين الذي تجاوز سن السبعين من عمره.
لقد راعى المشرع القطري المانع الأدبي في عدم جواز حبس الزوج أو الزوجة بدين في الذمة، أو الابن لأبيه أو جده، مدركًا لأهمية صون الروابط العائلية لما في ذلك من تأثير سلبي على المجتمع والأسرة. ولكن المشرع قد نص على أنه استثناء من ذلك دين النفقة، فيمكن حبس الزوج لدين النفقة. كما أنه إذا انتهت علاقة الزوجية بالطلاق، فيمكن حبس المطلق لدين عليه للمطلقة؛ وذلك لأن سبب المنع قد زال وهو علاقة الزوجية.
إذا قدم المدين كفالة مصرفية أو كفيلًا مقتدرًا قبلته المحكمة فلا يحبس المدين؛ لأن تحصيل الديون يصبح مضمونًا، وبالتالي لم يعد هناك حاجة إلى حبس المدين. ويلاحظ أن المشرع لم يشترط موافقة الدائن على الكفالة أو الكفيل، ولم يمنحه المشرع الحق في المنازعة في الكفالة أو الكفيل، بل أخضع المشرع أمر تقدير الكفالة أو الكفيل للسلطة التقديرية لمحكمة التنفيذ، ونرى أنه من الأفضل أن ينص المشرع على أخذ رأي الدائن في الكفالة، بمعنى لا يشترط قبول الدائن، كما يجب تمكين الدائن من المنازعة في الكفالة. كما نص المشرع على عدم جواز حبس المدين إذا باح بأموال له في قطر تكفي للوفاء بالدين؛ لأن الحبس يهدف إلى إجبار المدين على الوفاء، وبالتالي فلم يعد له حكمة إذا أفصح المدين عن أمواله.
فنظرًا لقلة الدين، وهو مبلغ يقل عن ألف ريال، لذا منع المشرع القاضي من حبس المدين ما لم يكن غرامة أو نفقة.
ثانيًا: حالات تأجيل الأمر بالحبس
كما يجوز لقاضي التنفيذ تأجيل حبس المدين في الحالتين الآتيتين:
لا شك أن المشرع القطري قد راعى الحالة الصحية للمدين في هذه الفروض، وكما راعى حالة الطفل، لذا لا يجوز له أن يأمر بالحبس إلا بعد مرور عامين من الوضع.
الفرع الثاني
حالات سقوط أمر الحبس
نصت المادة ٥١٧ مرافعات على أنه: "يخلى سبيل المحكوم عليه بالحبس، إذا أدى ما حكم به أو أوفاه عنه شخص آخر أو أحضر كفيلًا مقبولًا، أو طلب الدائن إخلاء سبيله".
وبالتالي يسقط أمر الحبس في الحالات الآتية:
يعتبر الحبس وسيلة إكراه للمدين لمصلحة الدائن، فإذا أوفى المدين بالدين، سقط عنه الأمر بالحبس؛ لأنه وسيلة تهديدية وليس عقوبة، كما أن هدف الحبس تحقق بالوفاء، كما يُخلى سبيل المدين إذا انقضى الالتزام الوارد في السند لأي سبب من الأسباب كالإبراء أو التقادم.
وإذا كان وفاء المدين جزئيًّا للدين، فإنه لا يؤدي إلى سقوط أمر الحبس، حيث يفهم من نص المشرع اشتراط الوفاء الكلي للدين، والواقع أنه يفضل أن ينص المشرع تشجيعًا للمدين على الوفاء، أن يسقط أمر الحبس إذا وفّى بجزء من المبلغ وليكن النصف، ويلتزم بتسديد الجزء الباقي في ميعاد معين، وإذا لم يوفِّ فيمكن إعادة حبسه.
إذا كان تقديم الكفالة يمنع من إصدار أمر الحبس، فإن تقديمها بعد تنفيذ الحبس يؤدي إلى سقوط الأمر بالحبس، والكفالة قد تكون تقديم كفيل مقتدر أو ضمان مالي.
ولم يشترط المشرع قبول الدائن للكفالة حتى يسقط أمر الحبس، ونرى أن المقصود بالقبول في نص المادة ٥١٧ مرافعات، قبول المحكمة للكفيل.
إذا تنازل الدائن عن حبس المدين، فإن ذلك يترتب عليه إخلاء سبيل المدين، والواقع أن هذا الإخلاء يمنع من إعادة حبس المدين مرة أخرى. لأن المشرع لم يجز حبس المدين إلا مرة واحدة. ويجب أن تكون موافقة المدين كتابة، سواء كانت في شكل محضر مكتوب في ملف دعوى التنفيذ، أم من خلال موافقة مسبقة مكتوبة تقدم إلى قاضي التنفيذ الذي أصدر أمر الحبس.
ولا يوجد شكلًا معينًا للكتابة، فيمكن بأي شكل، المهم أن يفهم منه رغبة الدائن في إسقاط أمر الحبس، ولا يوجد ميعاد معين لتقديم طلب إسقاط الحبس. والواقع لم ينص المشرع على إثبات إعسار المدين لإخلاء سبيله، ولكننا نرى أنه يُخلى سبيل المدين إذا أثبت إعساره، فإذا أثبت المدين أنه معسر لا يملك أية أموال للوفاء بالدين المقرر بالسند، فإن قرار الحبس يقسط؛ ولأن المشرع في نص المادة ٥١٥ مرافعات أنه لا يحكم بالحبس إلا إذا كان المدين موسرًا(58)، وبالتالي إذا أثبت إعساره بعد الحبس فيخلى سبيله.
المبحث الثاني
الإكراه البدني في القانون المقارن
The Physical Coercion in Comparative Law
قديمًا كان جسم المدين - علاوة على ذمته المالية- هو الضمان العام للدائن، فقد كان الإكراه يباشر قديمًا بواسطة صاحب الحق نفسه الذي يقوم بالقصاص لنفسه بنفسه ضد من قام بالاعتداء على حقوقه(59)، ولكن تطور الأمر في المجتمعات الحديثة، وأصبح الإكراه البدني طبقًا لضوابط وحدود معينة. سنشير إلى الإكراه البدني في القانونين الفرنسي والمصري، وذلك في المطلب الأول، ثم نعالج النص على الإكراه البدني في القانون العماني، وذلك في المطلب الثاني، وذلك على النحو الآتي:
الإكراه البدني في القانونين الفرنسي والمصري
سنشير إلى الإكراه البدني في القانون الفرنسي، ثم نعالج الإكراه البدني في القانون المصري وذلك في الفرعين الآتيين:
الفرع الأول
الإكراه البدني في القانون الفرنسي
قد كانت بعض القوانين مثل القانون الفرنسي(60) تعرف الإكراه البدني في العديد من الحالات، كالحبس في المواد المدنية والتجارية بشروط معينة، فكانت تجيز الحبس في جميع الديون التجارية إذا بلغت 200 فرنك، أما في الديون المدنية إذا اتسمت بالغش(61). وقد تطور نظام الإكراه البدني في التشريع الفرنسي؛ حيث أصبح الحبس لا يجوز كقاعدة عامه في المسألة المدنية في النظام الفرنسي(62). حيث ذهب النظام الفرنسي إلى إلغاء حبس المدين كوسيلة تهديدية في المواد المدنية والتجارية في يوليو 1867، ولم يعد إلا في نطاق المسائل الجنائية. ثم صدر مرسوم يونيه 1960 بقصره على ديون الدولة. إذن في العصر الحديث فقد ندر الالتجاء إلى الإكراه البدني لما فيه من المساس بحرية الإنسان وكرامته، وأصبحت القاعدة أن أموال المدين – لا شخصه – هي التي تضمن الوفاء بالتزامه، ومع هذا، فلا يزال الإكراه بالدني معمولًا به في بعض حالات المتعلقة بديون الدولة.
وبهذا فقد اتجه المشرع الفرنسي إلى إلغاء الإكراه البدني وذلك لتعارضه مع حقوق الإنسان، رغم أنها وسيلة فعالة لتنفيذ الالتزامات.
الفرع الثاني
الإكراه البدني في القانون المصري
في الواقع بعض التشريعات العربية كالتشريع المصري ضيّقت كثيرًا من تطبيقات الإكراه البدني إلى حد إلغائه في الديون المدنية والتجارية(63). ولكن تشريعات أخرى وسّعت في حالات الإكراه البدني في تنفيذ الحقوق البدنية والتجارية. والقاعدة في القانون المصري أن مسؤولية المدين في أمواله فقط، ولكن المشرع أجاز الحبس استثناءً في بعض الحالات المنصوص عليها على سبيل الحصر، وقد أخذ المشرع المصري بمبدأ انحصار الإكراه البدني في المواد الجنائية والأحوال الشخصية.
وطبقًا للمادة 293 من قانون العقوبات والمادة 347 من لائحة ترتيب المحاكم الشرعية الملغاة بالمادة 76 مكرر من القانون رقم 1 لسنة 2000، لم يعد الإكراه البدني جائزًا إلا في المسائل الجنائية الخاصة بالمبالغ الناشئة عن الجريمة والمقضي بها للحكومة، وبعض أمور الأسرة مثل مسائل النفقة وأجرة الرضاعة والحضانة أو المسكن. إذن حصر المشرع حالات الإكراه البدني في بعض المسائل وتتمثل في الآتي:
الحالة الأولى: بالنسبة للمسائل الأسرية:
طبقًا لنص المادة 293 من قانون العقوبات والمتعلقة بجريمة هجر العائلة، فقد نصت على كل من صدر عليه حكم قضائي واجب التنفيذ بدفع نفقه لزوجته أو أقاربه أو أصهاره أو أجرة حضانة أو رضاعة أو مسكن وامتنع عن الدفع مع قدرته عليه مدة ثلاثة أشهر بعد التنبيه عليه بالدفع يعاقب بالحبس مدة لا تزيد عن سنة وبغرامة لا تتجاوز خمسمائة جنيه مصري أو بإحدى هاتين العقوبتين، ولا ترفع الدعوى عليه إلا بناء على شكوى من صاحب الشأن، وإذا رفعت بعد الحكم عليه دعوى ثانية عن هذه الجريمة فتكون عقوبة الحبس مده لا تزيد على سنة، وفي جميع الأحوال إذا أدى المحكوم عليه ما تجمد في ذمته أو قدم كفيلًا يقبل صاحب الشأن فلا تنفذ العقوبة.
وطبقًا لنص المادة 76 مكرر من قانون رقم 1 لسنة 2000 إذا امتنع المحكوم عليه عن تنفيذ الحكم النهائي الصادر في دعاوى النفقة والأجور وما في حكمها، جاز للمحكوم له أن يرفع الأمر إلى المحكمة التي أصدرت الحكم أو التي يُجرى التنفيذ بدائرتها، ومتى ثبت لديها أن المحكوم عليه قادر على القيام بأداء ما حكم به، وأمرته بالأداء، ولم يمتثل حكمت بحبسه مده لا تزيد عن ثلاثين يومًا، فإذا أدى المحكوم عليه ما حكم به أو أحضر كفيلًا يقبله المحكوم لصالحه فإنه يُخلى سبيله، وذلك دون الإخلال بحق المحكوم له في التنفيذ بالطرق العادية.
ولا يجوز في الأحوال التي تطبق فيها هذه المادة السير في الإجراءات المنصوص عليها في المادة 293 من قانون العقوبات ما لم يكن المحكوم له قد استنفذ الإجراءات المشار إليها في الفقرة الأولى من هذه المادة، ويلاحظ أنه حتى لا يكون هناك ازدواجية في الجزاء، فإذا نفذ الإكراه البدني على شخص طبقًا لحكم المادة 76 أحوال، ثم حكم عليه بسبب نفس الواقعة ذاتها الحبس طبقًا لنص المادة 293 عقوبات استنزلت مدة الإكراه البدني الأولى من مدة الحبس المحكوم بها، فإذا حكم عليه بالغرامة خفضت عند التنفيذ بمقدار خمسة جنيهات عن كل يوم من أيام الإكراه البدني الذي سبق تنفيذه.
وقد حلت المادة 76 مكرر مكان المادة 434 من لائحة ترتيب المحاكم الشرعية التي كانت تنص على حبس المحكوم عليه بدين النفقة أو رضاعة أو مسكن في حالة امتناعه رغم قدرته المالية على تنفيذ ما حكم به لمدة لا تزيد على 30 يومًا وذلك حتى يؤدي المبلغ المحكوم به أو يحضر كفيلًا. والحبس سواء طبقًا لنص المادة 76 مكرر أم 293 لا يبرئ المدين من دين النفقة ولكنه وسيلة تهديدية للضغط على إرادة المدين حتى يقوم بالوفاء، هكذا فالحبس وسيلة إكراه وليس تنفيذ.
الحالة الثانية: المبالغ الناشئة عن الجريمة أو المقضي بها للحكومة:
قد نصت المادة 511 من قانون الإجراءات الجنائية على جواز حبس لإكراه المدين على الوفاء بالغرامات وما يجب رده والتعويض والمصاريف، ولا يبرئ ذمة المدين بهذه المبالغ بالحبس، ولكن بالنسبة للغرامة المحكوم بها فإنها تستهلك بمقدار خمسة جنيهات عن كل يوم حبس.
كذلك نصت المادة 519 من قانون الإجراءات الجنائية على حبس المحكوم عليه لتحصيل التعويضات المحكوم بها ليغير الحكومة، وذلك لمدة لا تزيد على ثلاثة أشهر، ولا يعتبر المحكوم عليه قام بالوفاء بمجرد الحبس، أي لا يخصم شيء من التعويض مقابل الحبس، ويشترط أن يكون التعويض نشأ عن الجريمة، سواء كان الحكم صادرًا من محكمة جنائية أم مدنية. ولا يشترط أن يكون المدين قادرًا على الدفع حتى يحبس، ولا يجوز الإكراه البدني لمن لم يبلغ 15 عامًا وقت ارتكاب الجريمة(64).
ويلاحظ أن المشرع نص في المادة 514 على أنه إذا تعددت الأحكام، وكانت صادرة في مخالفات أو في جنح، أو في جنايات، يكون التنفيذ باعتبار مجموع المبالغ المحكوم بها، وفى هذه الحالة لا يجوز أن تزيد مدة الإكراه على ضعف الحد الأقصى في الجنح والجنايات ولا على واحد وعشرين يومًا في المخالفات، وأما إذا كانت الجرائم مختلفة النوع، يراعى الحد الأقصى المقرر لكل منها، ولا يجوز بأية حال أن تزيد مدة الإكراه على ستة أشهر للغرامات، وستة أشهر للمصاريف وما يجب رده والتعويضات.
ولا تبرأ ذمة المحكوم عليه من المصاريف وما يجب رده والتعويضات بتنفيذ الإكراه البدني، ولا تبرأ من الغرامة إلا باعتبار خمسة جنيهات عن كل يوم، للمحكوم عليه أن يطلب في أي وقت من النيابة العامة قبل صدور الأمر بالإكراه البدني إبداله بعمل يدوي أو صناعي يقوم به، والمحكوم عليه الذي تقرر معاملته بمقتضى إبداله بعمل يدوي أو صناعي، ولا يحضر إلى المحل المعد لشغله، أو يتغيب عن شغله أو لا يهتم بالعمل المفروض عليه تأديته يوميًّا، ولا يكون لديه عذر تراه جهات الإدارة مقبولًا، يرسل إلى السجن للتنفيذ عليه بالإكراه البدني الذي كان يستحق التنفيذ به عليه ويخصم له من مدته الأيام التي يكون قد أتم فيها ما فرض عليه تأديته من الأعمال.
في الواقع ذهبت بعض أحكام القضاء إلى أن الإكراه البدني ليس فيه أي معنى من المعاني الملحوظة في العقوبة، وإنما الغرض منه مجرد إجبار من يحكم عليه بالغرامة على أدائها. فالتنفيذ به بأقصى المدة المحددة في القانون لا يبرئ المحكوم عليه من الغرامة كلها وإنما يبرئه فقط مما يقابل تلك المدة على أساس الحساب المبين في المادة 270 من قانون تحقيق الجنايات(65). ونخلص من ذلك أن موقف المشرع المصري قريبٌ من المشرع الفرنسي، في مسألة الحد من الإكراه البدني في الديون المدنية والتجارية، وذلك مراعاة لحقوق الإنسان.
موقف القانون العُماني من الإكراه البدني
لقد عالج القانون العماني الإكراه البدني في قانون الإجراءات المدنية والتجارية، ونص على حبس المدين في المادة 408، وقد جاء النص على حبس المدين بصفة عامة إذا امتنع عن تنفيذ أمر قضائي أو حكم(66). سنعالج شروط الإكراه البدني وإجراءاته، والحد من آثار الإكراه البدني، وذلك في الفرعين الآتيين:
الفرع الأول
شروط الإكراه البدني وإجراءاته
سنبحث شروط الإكراه البدني، ثم نعالج إجراءاته ومدة الحبس، وذلك في النقاط الآتية:
يجب للحكم على المدين بالحبس توفر الشروط الآتية:
الشرط الأول: امتناع المدين عن التنفيذ:
لقد نصت المادة 408 من قانون الإجراءات العماني على أنه: "إذا امتنع المحكوم عليه عن تنفيذ أمر قضائي أو حكم واجب النفاذ، فالمحكمة التي أصدرت الأمر ولقاضي التنفيذ إصدار أمر بحبسه. . . "، في الواقع إن الأمر الذي يبرر قرار الحبس هو امتناع المدين عن الوفاء، ويظهر الامتناع في حالة عدم وفاء المدين للدائن بعد إعلانه بالسند التنفيذي(67)، وبالتالي فإنّ الدائن لا يُكلّف بإثبات سوء نية المدين أو تهربه أو إخفاء أمواله، كما لا يكلف الدائن بإثبات اقتدار المدين حتى يحبس، فالأصل يسار المدين، وعلى المدين أن يثبت إعساره(68).
نلاحظ على موقف المشرع العماني، أنه جعل طريق الحبس بديلًا عن كل طرق التنفيذ الجبري، سواء كان الحجز على المنقول أم الحجز على العقار أو حجز ما للمدين لدى الغير، فبمجرد عدم وفاء المدين يلجأ القاضي إلى الحبس، مع أن طريق الحبس نص عليه المشرع في آخر النصوص المتعلقة بالتنفيذ الجبري، ليدل ذلك على أنه طريق احتياطي لا يلجأ إليه إلا إذا لم يجد الدائن أموالًا لدى المدين للوفاء بها، وقد تحرى عن ذلك وأثبت ما يدل على تحريه.
الشرط الثاني: تعلق التنفيذ بأمر قضائي أو حكم واجب النفاذ:
يلاحظ على المادة 408 إجراءات أنها قصرت الحبس على نوعين من السندات التنفيذية، وهي الأوامر القضائية والأحكام القضائية، فلا يجوز للقاضي أن يأمر بحبس المدين في غير ذلك من السندات. وبالتالي فالسندات الأخرى المنصوص عليها في المادة 343 من قانون الإجراءات لا يجوز إصدار أمر الحبس بشأنها(69).
ويمكن إصدار أمر بالحبس بشأن أي التزام يتضمنه السند التنفيذي، فيمكن أن يكون التزام المدين هو التزام بمبلغ من المال أو بالقيام بالعمل أو الامتناع عن عمل، أو تنفيذ مباشر، أي يمكن إصدار قرار بالحبس حتى لو كان التنفيذ بطريق التنفيذ العيني أو بطريق الحجز والبيع.
الشرط الثالث: صفة المحكوم عليه الممتنع عن الوفاء:
يجب أن يكون المدين الذي يحكم عليه بالإكراه البدني مدينًا شخصيًا للمحكوم عليه(70)، وبالتالي لا يجوز حبس خلف المدين سواء كان خلفًا عامًا أم خاصًا، وذلك لأن المشرع نص في المادة 418 من قانون الإجراءات على أنه إذا امتنع المحكوم عليه عن تنفيذ أمر قضائي أو حكم واجب النفاذ فللمحكمة التي أصدرت الأمر ولقاضي التنفيذ إصدار أمر بحبسه، وبالتالي فأمر الحبس يكون موجهًا للمحكوم عليه وليس خلفه، ويمكن التأكد من صفة المحكوم عليه من خلال السند التنفيذي(71).
وبالنسبة للشخص الاعتباري فقد نصت المادة 421 على أنه إذا كان المحكوم عليه شخصًا اعتباريًا خاصًا صدر الأمر بحبس من يكون الامتناع عن تنفيذ الحكم أو الأمر راجعًا إليه شخصيًا، ويلاحظ أن المشرع العماني قصر الحبس على الممتنع عن تنفيذ الحكم بالنسبة للشخص الاعتباري الخاص، ولم يتطرق إلى الشخص الاعتباري العام.
لقد نصت المادة 418 من قانون الإجراءات العماني على أنه: "إذا امتنع المحكوم عليه عن تنفيذ أمر قضائي أو حكم واجب النفاذ، فللمحكمة التي أصدرت الأمر ولقاضي التنفيذ إصدار أمر بحبسه مدة. . . " وطبقًا للقانون العماني، لا يشترط تقديم طلب من الدائن يطلب فيه حبس المدين، بل يمكن للقاضي مباشرة إصدار أمر بالحبس، إذا امتنع المدين عن الوفاء بالدين المقرر في ذمته بموجب سند تنفيذي، وللقاضي سلطة تقديرية في إصدار الأمر بالحبس. والواقع أن المحكمة التي أصدرت الأمر أو الحكم لا يمكن أن تحكم من تلقاء نفسها إلا إذا طلب منها الدائن ذلك، ولكن لقاضي التنفيذ أن يحكم من تلقاء نفسه بالأمر بالحبس.
ونرى أن المشرع العماني قد خلط بين العقوبة التي تحكم بها المحكمة من تلقاء نفسها، وبين الوسيلة التهديدية في التنفيذ التي يجب أن يتقدم بطلب بشأنها من صاحب المصلحة، كما أن التنفيذ لا يتم إلا بناء على طلب، وكذلك طريق التنفيذ سواء على عقار أم منقول أو حجز ما للمدين لدى الغير، فيجب لتحريكه أن يكون هناك طلب، وبالتالي فيكون من الأفضل من وجهة نظره أن يتوقف أمر حبس المدين على تقديم طلب من جانب المحكوم له، ولا يحكم به القاضي من تلقاء نفسه، لأن خصومة التنفيذ ملك لأطرافها.
وقد نصت المادة 419 من قانون الإجراءات على أنه: "للمحكمة قبل إصدار أمر الحبس أن تجري تحقيقًا مختصرًا إذا لم تكفها المستندات المؤيدة للطلب، وعلى المحكمة سماع أقوال المدين كلما أمرت تجديد حبسه أو إذا طلب الدائن بذلك".
ويلاحظ على هذا النص أن المشرع العماني منح للمحكمة سلطة تقديرية في القيام بالتحقيق المختصر إذا كانت المستندات المؤيدة لطلب الحبس غير كافية(72)، والواقع أن هذا النص لا يتفق مع النص السابق بعد التعديل؛ حيث لم يشترط المشرع في المادة 418 تقديم طلب الحبس ولا تقديم مستندات تؤيد الحبس. بل تحكم المحكمة من تلقاء نفسها بحبس المدين، فكان على المشرع أن يعدل هذا النص بما يتفق ويتلاءم مع نص المادة 418 بعد التعديل. فيكون من الأفضل أن ينص المشرع على إلزام المحكمة أن تقوم بالتحقيق قبل إصدار الأمر بالحبس لتتحقق من مَدى إعسار المدين.
وقد أجاز المشرع العماني التظلم من قرار الحبس أمام محكمة الاستئناف المختصة، وذلك بعريضة تقدم إليها، أو إلى القاضي الذي أصدر الحكم بالحبس(73)، والذي يجب عليه أن يرفع التظلم إلى محكمة الاستئناف المختصة، لتفصل فيه في غرفة المشورة خلال سبعة أيام من تقديمه، والقرار الصادر يكون نهائيًا، ولا يترتب على التظلم وقف تنفيذ القرار ما لم تأمر محكمة الاستئناف بوقف تنفيذه. ويحبس المدين في السجن بمعزل عن المسجونين بناء على أحكام جنائية، وعلى إدارة السجن أن تهيئ للمدين المحبوس الوسائل الممكنة للاتصال مع الخارج، ليتمكن من تدبير أموره للوفاء بالدين أو إجراء تسوية مع الدائن(74).
لقد فرق المشرع العماني في المادة 420 من قانون الإجراءات بين من له إقامة مستقرة في السلطنة، وبين من لا تتوفر لديه الإقامة المستقرة، فإذا كان للمدين إقامة مستقرة في السلطنة فمدة الحبس له لا تزيد على شهرين، ويجوز تجديدها لمدد أخرى على ألَّا تتجاوز مدة الحبس ستة أشهر متتالية، ويقصد بالإقامة المستقرة من أن تتوفر لديه إقامة قانونية في السلطنة دون أن يحدد المشرع أي مدة لهذه الإقامة المستقرة. وإذا أُخلي المدين سبيله فلا يجوز حبسه إلّا بعد مرور تسعين يومًا على تاريخ إخلاء سبيله إذا استمر في الامتناع عن التنفيذ.
وبالنسبة لمن لم يكن لدية إقامة مستقرة، فإنه يحبس مدة لا تزيد على شهرين، على أنه يجوز تمديدها لمدد أخرى، دون تحديد حد أعلى للتمديد، فالتمديد يكون بدون حد أقصى، وقد ترجع الحكمة إلى الخشية من هروب المدين خارج السلطنة.
ونرى أن هذه التفرقة محل انتقاد؛ حيث اعتبر أن هذا النص فيه جور على شخص المدين، وكان على المشرع أن يحدد مدة كحد أقصى لحبس المدين يُخلَى بعدها سبيله، مع جواز حبسه مجددًا بعد انقضاء مدة معينة على الإفراج عنه، لعله يقوم خلال مدة الإفراج بتوفير المبلغ للوفاء بالالتزام. كما أن المشرع العماني يملك وسيلة أخرى لمنع هروب المدين وتتمثل في منع المدين من السفر، وذلك خشية هروبه خارج السلطنة، وبالتالي فليس هناك حكمة من التفرقة بين من له إقامة مستقرة ومن ليس له إقامة مستقرة.
الفرع الثاني
الحد من آثار الإكراه البدني
سنشير إلى حالات المنع من الحبس، ثم حالات سقوط أمر الحبس، وذلك في النقاط الآتية:
أولًا: حالات المنع من الحبس
لقد نصت المادة 424 من قانون الإجراءات العماني، على أسباب محددة على سبيل الحصر تؤدي إلى المنع من الحبس، وتتمثل في الآتي:
يرجع نص المشرع على هذا السن إلى مراعاة أن المدين مازال صغيرًا فلا يقوى على الحبس، أو كان كهلًا فلا يقدر على أن يتحمل السجن مما يؤثر على صحته، بالإضافة إلى حبس المدين يؤثر سلبًا على حياته المستقبلية لو كان صغيرًا.
ويلاحظ أن المشرع العماني قد راعى سن المدين ولم يراعِ وضعه الصحي، فيمكن أن يكون المدين قد بلغ سن الرشد أو لم يبلغ سن السبعين، ولكنه مريض بحيث لا يمكنه تحمل السجن، ويؤدي حبسه إلى أضرار جسيمة به(75).
راعى المشرع العماني في هذه الحالة الظروف الأسرية للمدين، فالابن الصغير يحتاج إلى رعاية المدين، ولعدم وجود الشريك الآخر في الأسرة بسبب الوفاة أو السجن.
ويشترط لتوفر هذه الحالات الآتي:
نرى أنه يعاب على المشرع العماني، عدم مراعاة الأطفال ذوي الإعاقة الذهنية أو الجسدية؛ حيث ربط المنع بالسن فقط دون أن يراعي الظروف الصحية للأطفال، وخاصة الأبناء ذوي الإعاقة الذهنية أو الجسدية.
لقد راعى المشرع العماني المانع الأدبي في عدم جواز حبس الزوج أو الزوجة بدين في الذمة، أو الابن لأبيه أو جده، مدركًا لأهمية صون الروابط العائلية لما في ذلك من تأثير سلبي على المجتمع والأسرة. وإذا انتهت العلاقة الزوجية بالطلاق أو الوفاة، فيمكن حبس المطلق لدين عليه للمطلقة، سواء كان دين نفقة أم غير ذلك من الديون، وذلك لأن سبب المنع قد زال وهو علاقة الزوجية. ويلاحظ أنه إذا كان الدين للأصول على الفروع، فقد أجاز المشرع أن يحبس الفرع بدين في ذمته لمصلحة الأصل(76).
إذا قدم المدين كفالة مصرفية أو كفيلًا مقتدرًا قبلته المحكمة فلا يحبس المدين، لأن تحصيل الديون يصبح مضمونًا، وبالتالي لم يعد هناك حاجة إلى حبس المدين. ويلاحظ أن المشرع لم يشترط موافقة الدائن على الكفالة أو الكفيل، ولم يمنحه المشرع الحق في المنازعة في الكفالة أو الكفيل، بل أخضع المشرع أمر تقدير الكفالة أو الكفيل للسلطة التقديرية للمحكمة. ونرى أنه من الأفضل أن ينص المشرع على أخذ رأي الدائن في الكفالة، بمعنى لا يشترط قبول الدائن، كما يجب تمكين الدائن من المنازعة في الكفالة.
إذا افصح المدين عن أموال له وموجودة في السلطنة، فلا يحبس، لأن الحبس يهدف إلى إجبار المدين على الوفاء، وبالتالي فلم يعد له حكمة إذا أفصح المدين عن أمواله(77).
ثانيًا: حالات سقوط الحبس
يسقط أمر الحبس في الحالات الآتية:
يعتبر الحبس وسيلة إكراه للمدين لمصلحة الدائن، فإذا تنازل عنها فإن ذلك يترتب عليه إخلاء سبيل المدين، إلا أن ذلك لا يمنع من إعادة حبس المدين مرة أخرى بعد انقضاء تسعين يومًا على تاريخ إخلاء السبيل(78). ولا يوجد شكل معين للكتابة، فيمكن بأي شكل، المهم أن يفهم منه رغبة الدائن في إسقاط أمر الحبس، ولا يوجد ميعاد معين لتقديم طلب إسقاط الحبس.
إذا أوفى المدين بالدين، سقط عنه الأمر بالحبس، لأنه وسيلة تهديدية وليس عقوبة، كما أن هدف الحبس تحقق بالوفاء، كما يُخلَى سبيل المدين إذا انقضي الالتزام الوارد في السند لأي سبب من الأسباب كالإبراء أو التقادم. وإذا كان وفاء المدين جزئيًا للدين، فإنه لا يؤدي إلى سقوط أمر الحبس؛ حيث يفهم من نص المشرع اشترط الوفاء الكلي للدين، والواقع أنه يفضل أن ينص المشرع تشجيعًا للمدين على الوفاء، أن يسقط أمر الحبس إذا وفّى بجزء من المبلغ وليكن النصف، ويلتزم بتسديد الجزء الباقي في ميعاد معين. وإذا لم يوفِّ فيمكن إعادة حبسه.
إذا كان تقديم الكفالة يمنع من إصدار أمر الحبس، فإن تقديمها بعد تنفيذ الحبس يؤدي إلى سقوط الأمر بالحبس، والكفالة قد تكون تقديم كفيل مقتدر أو ضمان مالي. وقد اشترط المشرع قبول الدائن للكفالة حتى يسقط أمر الحبس، والواقع نرى أن المشرع قد خالف الاتجاه السابق المنصوص عليه في المادة 424 والتي نص فيها على عدم اشترط قبول الدائن للكفالة التي يتقدم بها المدين قبل الحبس، والتي تؤدي إلى منع أمر الحبس، ولكن اشترط قبول الدائن للكفالة إذا كان المدين محبوسًا، ولا نرى في هذا التغيير أي حِكْمَة. ونفضل أن ينص المشرع على خضوع الكفالة لتقدير القاضي بعد أخذ رأي الدائن، ولا يشترط قبول الدائن للكفالة.
إذا أثبت المدين أنه معسر لا يملك أية أموال للوفاء بالدين المقرر بالسند، فإنَّ قرار الحبس يَسْقط، ونلاحظ أن المشرع العماني وافق في ذلك ما أخذت به الشريعة الإسلامية من عدم جواز حبس المدين المعسر.
ويمكن للمدين إثبات إعساره بكافة طرق الإثبات، ولا يشترط أن يصدر حكمٌ بإعسار المدين من قاضي الموضوع، ويمكن للدائن أن يثبت يسار المدين حتى يحبس؛ أي إنه يمكن للدائن إثبات عكس ما قدمه المدين من أدلة على إعساره، بل يمكن للدائن في أي وقت أن يثبت الاقتدار، حتى يمكن إصدار قرار جديد بحبس المدين.
الفصل الثاني
منظور حقوق الإنسان للإكراه البدني
لقد أصبحت الحقوق والحريات استحقاقًا لكل الإنسانية، وأصبحت الحرية همًّا للبشرية كافة(79، وأصبحت مصداقية الدول يُقاس معيارها من خلال احترامها لحقوق الأفراد وحرياتهم(80). وقد جاءت المواثيق الدولية والدساتير والقوانين لتُعلي من حقوق وحريات الإنسان(81، ومن ضمن المواثيق الدولية الإعلان العالمي لحقوق الإنسان الصادر عام 1948 والعهد الدولي للحقوق المدنية والسياسية 1966.
في حقيقة الأمر تعد أحكام الشريعة الإسلامية من أهم المصادر التي تستند إليها التشريعات العربية؛ حيث إن أغلب القوانين العربية أخذت بالإكراه البدني استنادًا إلى أحكام الشريعة الإسلامية. وهذا يقتضي بحث موقف فقه الشريعة الإسلامية من الإكراه البدني، وموقف الفقه القانوني، ثم نعالج موقف المواثيق الدولية من الإكراه البدني. سنشير في هذا الفصل إلى المنظور الشرعي والفقهي للإكراه البدني، وذلك في المبحث الأول، ثم نبحث موقف مواثيق حقوق الإنسان من الإكراه البدني، وذلك في المبحث الثاني، وذلك على النحو التالي:
المبحث الأول
المنظور الشرعي والفقهي للإكراه البدني
الإكراه البدني هو مصطلح مستعار من الفقه الغربي وخاصة الفقه الروماني(82، ونلاحظ أن مؤلفات فقهاء الشريعة الإسلامية قد استعمل مصطلح حبس المدين ليدل على الإكراه البدني(83). سنشير إلى موقف فقه الشريعة الإسلامية من الإكراه البدني، وذلك في المطلب الأول، ثم نعالج موقف الفقه القانوني من الإكراه البدني، وذلك في المطلب الثاني، وذلك على النحو التالي:
المطلب الأول
موقف فقه الشريعة الإسلامية من الإكراه البدني
في الواقع لم يهتم فقهاء الشريعة الإسلامية القدامى ببيان طبيعة الالتزام، ولكن شراح الفقه الحديث قد دب بينهم الخلاف حول طبيعة الالتزام(84)، في الواقع حبس المدين في الشريعة الإسلامية يدل على الصبغة الشخصية للالتزام، لأن المدين يكون مسؤولًا عن الدين في شخصه.
لقد فرق فقهاء الشريعة الإسلامية بين المدين المعسر والمدين الموسر. وبالنسبة للمدين الموسر، فقد اختلف الفقه بين مؤيد للحبس ومعارض لحبس المدين، ولكل حججه القانونية. سنشير إلى موقف الفقه من المدين المعسر، ثم نعالج موقف الفقه بالنسبة للمدين الموسر، وذلك في الفرعين الآتيين:
موقف الفقه الإسلامي من المدين المعسر
إن الحبس في الشريعة الإسلامية لا يُصار إليه إلا لحاجة، لما يترتب عليه من الآثار السيئة على المستوى الفردي والجماعي. ففي الحبس تعطيل للقوى الاقتصادية للإنسان، وأضرار اجتماعية على المستوى الأسري، وأضرار صحية على الفرد ذاته. كما أنه تقييد لحرية الإنسان وحقه في التنقل، وقيد على شخص الإنسان، فلا يصار إليه إلا لضرورة تستوجب ذلك.
اتفقت المذاهب الفقهية على منع حبس المدين الفقير المعدوم الذي لا مال له، لأن الحبس قد شرع لأداء الدين لا لعينه(85)؛ حيث إن الحبس ليس هدفًا في حد ذاته وإنما وسيلة لإكراه المدين، ويستند الفقهاء إلى عدم جواز حبس المدين الفقير، إلى الآية الكريمة: "وَإِن كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَىٰ مَيْسَرَةٍ ۚ"(86). وكذلك يستند الفقه إلى حديث الرسول صلى الله عليه وسلم لغرماء المدين الذي كثر دينه: "خذوا ما وجدتم وليس لكم إلا ذلك"(87)، وقوله صلى الله عليه وسلم: "من يَسّر على مُعسر يَسّر الله عليه في الدنيا والآخرة"(88).
والواقع أن حبس المدين المعسر لا فائدة منه(89)؛ حيث لا يؤدي في ذاته إلى براءة ذمة المدين بمجرد الحبس، وإنما هو وسيلة لإكراه المدين على الوفاء(90) ولا مال له فلا يمكنه الوفاء، كما أن مسائل إنظار المعسر إلى أن يوسر أمر معروف في الشريعة الإسلامية لثبوته بالقرآن والسنة النبوية.
ولا شك أن حبس المدين يترتب بطبيعة الالتزام، ففي الواقع يذهب غالبية الفقه الإسلامي إلى الأخذ بالطبيعة المادية للالتزام المالي؛ أي نظروا إلى الالتزام كعنصر أساسي مجردًا عن الرابطة الشخصية(91). ويشهد على ذلك أحوال الدين، ونشوء الالتزام بالإرادة المنفردة، وتضييق مضمون الالتزام بواجبات شرعية ولو على حساب الإرادة، وقد ذهب جانب آخر من الفقه إلى الطبيعة الشخصية للالتزام، وقد عرّف البعض الالتزام على أنه تعهد شخصي لا يسأل عنه غير الملتزم، فكان قاصرًا عليه حال حياته وعلى ما يتركه من أموال بعد وفاته(92).
موقف الفقه الإسلامي بالنسبة للمدين الموسر
في الواقع اختلفت كلمة الفقه الإسلامي من حبس المدين الموسر، بين الإيجاب والرفض للحبس(93). ولقد أقر أغلبية فقهاء الإسلام مبدأ حبس المدين الذي يمتنع عن الوفاء بديونه رغم قدرته ويسره(94). وسنشير إلى الرأي المؤيد للإكراه البدني للمدين الموسر، والرأي المعارض للإكراه البدني للمدين الموسر، وذلك على النحو الآتي:
أوّلًا: الرأي المؤيد للإكراه البدني للمدين الموسر
ذهب جمهور فقهاء الشريعة الإسلامية إلى جواز حبس المدين الغني المماطل(95)، وذلك استنادًا إلى قول الرسول صلى الله عليه وسلم: "مطل الغني ظلم"(96)، وما ورد عن الرسول صلى الله عليه وسلم "لَيُّ الْوَاجِدِ يُحِلُّ عِرْضَهُ وعُقُوبَتَهُ"(97)، ويقصد بذلك امتناع من وجد عنده المال عن الوفاء يؤدي إلى جواز عرضه على المحكمة، وعقوبته تكون بحبسه، ويقصد بلفظي المطل واللي، امتناع المدين عن الوفاء بغير عذر، ولفظ يُحِلُّ عِرْضَهُ، جواز شكايته إلى القضاء، ولفظ يحل عقوبته، يفيد جواز حبسه في الدين، وقد حبس الرسول رجلًا من جهينة كان بينه وبين رجل آخر غلام فاعتقه(98)، ووجه الاستدلال أن المعتق أصبح ملزمًا بدفع مبلغ من النقود إلى الشريك الآخر مقابل حصته في الغلام، فلما امتنع عن الدفع حبسه الرسول صلى الله عليه وسلم. وقد حبس عمر بن الخطاب، رجلًا في دين(99).
وقد وجدت بعض التباين في الآراء بين جمهور الفقه الإسلامي فيما يتعلق بحبس المدين الموسر أو المشتبه في يساره أو إعساره:
في الواقع المدين المشتبه في عسرته، وهو من اشتبه على القاضي حاله في يساره أو إعساره، ولم يقم الدليل عند القاضي على أحدهما وطلب الدائنين حبسه، فقد اختلفت الآراء داخل المذاهب الفقهية الإسلامية؛ حيث ذهب البعض إلى القول بأن المطلوب على حال ولا يحبس، لأن الأصل في بني آدم الفقر، فكان الظاهر شاهدًا للمطلوب، فيحلف اليمين مع قوله(100)، وقد ذهب الفقهاء الأربعة إلى الآتي:
المذهب الشافعي:
الأصل عند الإمام الشافعي لا يجوز حبس المدين طالما كان لديه مال وأمكن للحاكم استيفاء الدين منه، ولكن يجوز حبس من أشكل أمره في العسر واليسر اختيارًا لحاله فإذا ظهر حاله حكمت عليه بموجبه عسرًا أو يسرًا(101)، فإذا تبين للقاضي أن المدين يملك ما لا يكفي للوفاء بالديون فإنه يُخلي سبيله؛ لأن في حبسه استمرارًا لظلمه وظلم غرمائه من حيث تأخير الوفاء بديونهم، ولكن يستوفي من ماله ما يكفي للوفاء بديونه، وإذا تبيّن له عسره، فإنه يطلق سراحه أيضًا حتى يتمكن من الارتزاق، ولا يجوز حبس الوالدين في دين الابن.
ويذهب الشافعية إلى أن مجهول الحال الذي لم يقدم بينه على إعساره وادّعى الدائن يساره، فإذا كان الدين قد لزم المدينين في مقابل مال، فإنه يحبس، وأما إذا كان الدين لزمه ليس في مقابل مال فإنه لا يحبس(102).
المذهب الحنفي:
أجاز الإمام أبو حنيفة حبس المدين إذا ثبت للقاضي دين الدائن ويسار المدين وتأخره عن الوفاء، ويكون الحبس بناء على طلب الدائن، كما يجوز للقاضي أيضًا حبس المدين بناء على طلب الغرماء إذا اشتبه عليه أمره للوقوف على حاله أو التأكد من يساره، أو إعساره، فإذا اتضح للقاضي أنه موسر ولم يقم بالوفاء فإنه يحبسه أبدًا إلى أن يَقضي دينه، وإن اتضح أنه معسر فإنه يُخْلَى سبيله(103).
وعن أبي حنيفة وأبي يوسف، القول قول الطالب فيما بدله مال، لأن المعروف دخول شيء في ملكه فكان القول للطالب، وما لم يكن بدله مالًا كما في الغصب وبدل الخلع وما أشبه ذلك فالقول فيه للمطلوب، لأنه لم يدخل في ملكه شيء، ولم يعرف قدرته على القضاء فيكون متمسكًا بالأصل وهو العسر.
المذهب المالكي:
الأصل عند الإمام مالك أنه لا يجوز حبس المدين إذا كان له مال وأمكن للحاكم استيفاء الدين منه، ولكن يجوز حبسه من أشكل أمره في العسر واليسر اختبارًا لحاله(104)، فإذا ظهر حاله حكم عليه بموجبه عسرًا أو يسرًا(105). فإذا تبين للقاضي أن المدين لا يملك مالًا فإنه يُخْلَى سبيله، لأن حبسه استمرار لظلمه وظلم غرامه من حيث التأخير في الوفاء، وإذا تبين له إعساره فإنه يطلق سراحه أيضًا حتى يتمكن من السعي على نفسه ومن يعولهم.
المذهب الحنبلي:
في الواقع الاتجاه الغالب في الفقه الحنبلي يرى جواز حبس المدين القادر المماطل، وإذا امتنع المدين الموسر عن الوفاء بالدين فإنه يجوز للدائن ملازمته ومطالبته والإغلاظ عليه بالقول فضلًا عن الحبس، بقوله عليه السلام: مطل الغني ظلم، ولقوله صلى الله على وسلم: "أن لصاحب الحق مقالًا"(106). ويجب لحكم القاضي بحبس المدين أن يكون المدين قادرًا على الوفاء، وأن يماطل، وذلك بتأخره عن قضاء الدين ورفضه الوفاء.
وبالنسبة للمدين المجهول الحال، وقد جاء في المغني: "أن الحبس إما أن يكون لإثبات عسرته، أو لقضاء دينه"(107). وقد أخذ الحنابلة بنفس التفرقة التي قال بها الشافعية والأحناف.
ثانيًا: الرأي الرافض للإكراه البدني للمدين الموسر
ذهب بعض فقهاء الشريعة إلى عدم جواز الحبس، فقد ذهب بعض الحنابلة إلى إنكار مشروعية الحبس لأنه من الأمور المستحدثة(108)، كما قد ذهب عمر بن عبد العزيز إلى القول بأن ذهاب المدين ليقضي دينه خير من أن يحبس، ولهذا لا يجوز الحبس في الديون المدينة والتجارية، لأنه لا يوجد تناسب بين الجرم والعقوبة، ويفضل أن يسعى المدين على رزقه عن أن يحبس، وقيل إن الحبس يمنع صلاة الجماعة، وكما قيل بأن حقوق الدائنين في الذمة صادفت عدمًا أو ملئًا وهذا ما ذهب إليه عبد الله بن جعفر والليث بن سعد(109).
ويمكن الرد على حجج الرأي المعارض للحبس على النحو التالي:
ويلاحظ أن الرأي المُؤدي للحبس، هو رأي الجمهور، وله أدلته القوية، واستمر العمل بهذا الرأي في الدولة الإسلامية إلى نهاية عهد الدولة العثمانية، وقد أخذت معظم الدول الإسلامية هذا النظام عن الشريعة الإسلامية.
في الواقع يلاحظ على الاتجاه المعارض للحبس أنه يعبر عن حال المدين الذي لم يجد مالًا ليوفي منه الدين، أي يعبر عن حال المدين المعسر، وليس الموسر، لذلك قيل ذهاب المدين ليقضي دينه خير من أن يحبس، ويفضل أن يسعى على رزقه عن أن يحبس، يدل على أنه ليس لديه مال ومعسر فلا يجوز حبسه. لأن الموسر عنده ماله يمكن التنفيذ على أمواله متى تم التوصل إليها.
وما قيل بأن الحبس يمنع الصلاة في جماعة، فيمكن الرد عليه بأن الحبس قصد منه منع معصيته وظلمه بالامتناع عن الوفاء رغم قدرته. وما قيل بأن الرسول وأبا بكر لم يكن لهما سجن، مردود عليهم بأن الرسول كان يحبس في المسجد أو الدهايز(110). وما نُقل عن عليّ وأبي هريرة وعمر بن عبد العزيز، فقد جاءت في شأن المعسر، وهذا ما أجمع عليه الفقه. والقول بأن عدم التناسب بين العقوبة والجرم، فمردود عليه، فالحبس ليس عقوبة، ولكنه ضغط على إرادة المدين للوفاء بديونه.
المطلب الثاني
موقف فقه القانون من الإكراه البدني
لقد ظهر صراع بين المدرسة اللاتينية والجرمانية، في تحديد طبيعة الإلزام؛ حيث اختلفت الآراء في تحديد طبيعة الالتزام بين الالتزام الشخصي والالتزام المادي، وقد كان لذلك أثر في مشروعية الإكراه البدني أو من عدمها(111). في الواقع الفلسفة التي ينطلق منها نظام الإكراه البدني "La contrainte par corps" تثير جملة من الإشكالات العميقة تتردد بين اعتباره وسيلة للنفاذ للحق مسلَّطة على المدين في جسمه بالحبس لإرغامه على الوفاء لكونه لم يسدد ما عليه، أو سببًا للتعدي على حرية الفرد بتسليط جزاء جنائي لإخلاله بالالتزام مدني انتقامًا منه، ومردُّ هذا التردد يعود إلى الأساس الفلسفي الذي يتبناه كل اتجاه فقهي في تحليله لجوهر الالتزام(112).
لقد انقسم الفقه إلى مؤيد ومعارض لإلغاء الحبس في الديون المدنية والتجارية، ويرجع ذلك إلى الزاوية التي ينظر إليها كل فريق من طبيعة الالتزام، وحقوق الإنسان. سنشير إلى الرأي المؤيد للإكراه البدني، والرأي المعارض له في الفرع الأول، ورأي الباحث من الإكراه البدني في الفرع الثاني، ثم موقف الباحث، وذلك في الفرع الثالث.
الفرع الأول
الرأي المؤيد والمعارض للإكراه البدني
يذهب جانب من الفقه إلى تأييد الأخذ بالإكراه البدني، لأنه وسيلة وقائية تتحاشى إجراءات التنفيذ الجبري ومشاكله، فقد تنجح هذه الوسيلة في حض المدين على الوفاء(113). كما أن لكل تشريع قوة ملزمة لتنفيذ أحكامه وإلا أصبحت أحكام القوانين وما يترتب عليها لا يتم إلا طوعًا، بذلك تفقد قيمتها، والقوة الملزمة إما ترهيبية أو ترغبية(114). ويَرى الفقه أن الإكراه البدني جائز حتى لو التنفيذ عينيًا، ويقتضي تدخلًا شخصيًّا من قِبَل المدين، وذلك لقهر المدين على الوفاء(115). وقد بَنى هذا الجانب من الفقه رأيه في تأييد حبس المدين في الديون المدنية والتجارية(116)، على الاعتبارات الآتية:
لهذا يرى البعض(120) ضرورة الأخذ بوسيلة الحبس في كافة الديون المدنية والتجارية ولمدة لا تزيد عن شهر، ويجب أن يتحمل المدين نفقاته أثناء الحبس، كما لا يجوز حبس المدين الذي بلغ ستين عامًا.
الفرع الثاني
الرأي المعارض للإكراه البدني
لقد ذهب جانب آخر من الفقه(121) إلى رفض الإكراه البدني، مسايرًا ومؤيدًا في ذلك موقف المشرع المصري والفرنسي، في هذا الخصوص بعدم تأييد الإكراه البدني؛ حيث اعتبر أن الحبس في الديون المدنية وسيلة غير مشروعة(122).
وقد ذهب هذا الجانب من الفقه إلى أن فكرة الإكراه البدني حتى باعتبارها وسيلة للضغط على المدين القادر على الوفاء تخالف المبادئ القانونية الحديثة(123، فالمدين ملتزم في ماله لا في شخصه، وجزاء الالتزام تعويض لا عقوبة، فحبس المدين في الدين رجع بفكرة الالتزام إلى عهدها الأول؛ حيث كان المدين يلتزم في شخصه(124)، وحيث كان القانون الجنائي يختلط بالقانون المدني فيتلاقى معنى العقوبة مع معنى التعويض في الجزاء الواحد(125). سنشير إلى الأسانيد القانونية لرفض الإكراه البدني، وانتقاد هذا الاتجاه، وذلك في النقاط الآتية:
أولًا: الأسانيد القانونية لرفض الإكراه البدني
لقد استند الاتجاه الرافض للإكراه البدني إلى الاعتبارات الآتية:
ثانيا: نقد هذا الاتجاه
لقد تصدى بعض الفقه إلى تنفنيد هذا الرأي وذلك على النحو التالي:
بالنسبة للاعتبار القانوني: الذي يقوم على العلاقة بين الدائن والمدين بين ذمتين وليس بين شخصين، يمكن الرد على ذلك بأن الحبس ما هو إلا وسيلة للضغط على إرادة المدين للوفاء بما في ذمته، لأنه ينبغي الضغط على إرادة المدين إذا اقتضى الأمر ذلك، وإلا أصبح ضمان الدائن رهينًا بمشيئة المدين وإرادته(129).
وبالنسبة للاعتبار الإنساني، يمكن الرد عليه بأن الإكراه البدني لا يواجه به إلا المدين القادر والممتنع عن الوفاء رغم قدرته، فيكون قد أهدر كرامته وحريته بإرادته فلا يلومن إلا نفسه، كما أن الفقه الإسلامي ذهب إلى أن حبس المدين المماطل لا ينطوي على أي مساس بالاعتداء على الحرية الشخصية أو تنكيل بأدمتيه إذا كان موسرًا فامتنع عن الوفاء وتم حبسه؛ لأنه يكون قد اختار بنفسه الطريق الذي يوصله إلى الحبس فإن عز عليه ماله فلا يلومن إلا نفسه، كما أن إحساس المدين بأنه سيسجن إذا لم يوفِّ بحق الدائن يدفعه إلى العمل حتى لا يقع أسير هذا الحبس.
وبالنسبة للاعتبار الاقتصادي: يمكن الرد عليه بأن حبس المدين القادر على الوفاء لا يضر دائنه؛ لأنه قادر على الوفاء بالفعل، ولن يؤثر حبسه على قدرته على الوفاء، كما أن الحبس في الديون يقضي نهائيًا على تسويف المدنيين، وقد أثبت حبس المدين فاعلية في الدول التي تأخذ به، والأمر الذي يؤدي في النهاية إلى تحقيق الاستقرار في المعاملات، وكثيرًا ما يسارع المدينون بالوفاء بديونهم في مواعيد استحقاقها خوفًا من الحبس.
الفرع الثالث
رأي الباحث في الإكراه البدني
إذا كان الأصل أنه لا يجوز أن يسلب الإنسان حريته إلا إذا ارتكب جريمة وثبتت عليه بحكم قضائي(130، فالقيد الذي يكون على حرية الشخص تحدده المصلحة العامة في المجتمع، وقد يرى المشرع أن من مصلحة المجتمع حماية طرف ضعيف في مواجهة طرف أقوى في علاقة قانونية؛ لذا أجاز المشرع الوطني المساس بحرية الشخص في سبيل حماية مصلحة الدائن، وذلك بتقييد حرية المدين بحبسه لإجباره على الوفاء بالتزاماته المالية، وخاصة في حالة خشية هروبه أو كانت هناك دلائل على تهريب أمواله.
وأيًّا كانت تلك الاعتبارات التي أخذ بها الفقه في تأييد أو رفض الأخذ بالإكراه البدني، فإنه لا يعد عقوبة جنائية تقليدية من حيث السبب والغاية، فالحبس في الإكراه البدني سببه الامتناع عن الوفاء والغاية منه إجبار المدين عليه، أما الحبس الجُرميّ فسببه إخلال بالنظام العام والسكينة والأمن، إذن الإكراه البدني ليس بعقوبة بل وسيلة للإكراه على تنفيذ التزام. سنشير إلى الفوائد العملية للإكراه البدني وضوابط الأخذ بالإكراه البدني، وذلك في النقاط الآتية:
أولًا: الفوائد العملية للإكراه البدني
بالرغم من أن الإكراه البدني يمس شخص المدين وحريته وكرامته الإنسانية(131، وحيث إن الدستور أعلى قدر الحرية الشخصية، ومنحها بذلك الرعاية الأوفى والأشمل توكيدًا لقيمتها(132). وإذا كان الإكراه البدني جائزًا في المجال الجنائي، لأن العقوبة تهدف ليكون بطشها بالمتهم تكفيرًا عما أتاه(133)، إلا أن الحبس في المجال المالي لا يهدف إلى تحقيق الإيلام المقصود من الإكراه البدني، بالإضافة إلى وجود خطر تأثر المدين بمذنبين آخرين ربما كانوا أكثر عتوًّا وأفدح إجرامًا. ومع كل هذه الانتقادات، فالواقع العملي يشير إلى أن الإكراه البدني وسيلة فعالة لتنفيذ الأحكام القضائية المالية في الدول التي أخذت به(134)؛ فهو وسيلة فاعلة لتهديد المدين وإجباره على الوفاء بأسرع وقت؛ لذا يميل الباحث إلى الاتجاه الذي يؤيد الأخذ بالإكراه البدني إلى جانب وسائل التنفيذ الأخرى، فالاحتكام إلى الواقع العملي يقف إلى جانب هذا الاتجاه(135)، وهذا لا شك يسهل على الدائن حصوله على حقه، خاصة في المسائل التي تتعلق بمعيشة الإنسان مثل ديون النفقة والتعويضات عن الأضرار الجسدية(136) .
ومن جهة أخرى فإن وسيلة الإكراه البدني ثبت لها فاعليتها ونجاحها في مصر، وخاصة في مسائل الأحوال الشخصية، فعندما ألغى المشرع الإكراه البدني في مسائل الأحوال الشخصية في القانون الجديد رقم1 لسنة 2000، أحدث ذلك اضطرابا في الحياة العملية(137). وقد رصد هذا الأثر السلبي في تنفيذ الأحكام في فرنسا، وذلك بعد إلغاء الإكراه البدني بالنسبة للتعويضات المقضي بها للأفراد في المسائل الجنائية، والأمر الذي أدى إلى حرمان الكثير من أصحاب الحقوق من الحصول على حقوقهم، في الواقع إلغاء الإكراه البدني قد جعل الجناة يسخرن من ضحاياهم.
ثانيًا: ضوابط الأخذ بالإكراه البدني
نرى الأخذ بالإكراه بالبدني، ولكن بضوابط معينة، وتتمثل في الآتي:
المبحث الثاني
موقف مواثيق حقوق الإنسان من الإكراه البدني
في الواقع إن حقوق الإنسان تتطور بتطور الزمن وتطور أنظمة الحكم، وتطور الفكر السياسي والقانوني(138. ويثار التساؤل عن مدى موقف المواثيق الدولية لحقوق الإنسان من الإكراه البدني، ومدى توافق التشريعات التي أخذت بالإكراه البدني مع مواثيق حقوق الإنسان؟ لقد عالج العهد الدولي للحقوق المدنية والسياسية الإكراه البدني، كما عالج الميثاق العربي لحقوق الإنسان الإكراه البدني.
سنشير إلى حظر الإكراه البدني في العهد الدول لحقوق الإنسان المدنية والسياسية والميثاق العربي لحقوق الإنسان، وذلك في المطلب الأول، ثم نعالج انسجام القوانين الوطنية المعنية بحبس المدين مع مواثيق حقوق الإنسان الدولية، وذلك في المطلب الثاني، وذلك على النحو التالي:
المطلب الأول
حظر الإكراه البدني في العهد الدولي لحقوق الإنسان المدنية والسياسية
والميثاق العربي لحقوق الإنسان
لقد تعددت الاتفاقيات والإعلانات الدولية والإقليمية المتعلقة بحقوق الإنسان الموضوعية والإجرائية، حتى غدت حقوق الإنسان شأنًا عالميًا عظيمًا، فقد انتقل الاهتمام بها من ميدان المبادئ الأخلاقية والنظريات الفلسفية والأيديولوجية والسياسية والاجتماعية إلى ميدان الممارسة الواقعية من جانب الأفراد والجماعات البشرية(139). سنشير إلى نطاق حظر الإكراه البدني في العهد الدولي للحقوق المدنية والسياسية، وذلك في الفرع الأول، ثم نعالج نطاق حظر الإكراه البدني في الميثاق العربي لحقوق الإنسان، وذلك في الفرع الثاني.
الفرع الأول
نطاق حظر الإكراه البدني في العهد الدولي للحقوق المدنية والسياسية
نصت المادة 11 من العهد الدولي لحقوق الإنسان المدنية والسياسية الصادر في 16/12/1966 على أنه: "لا يجوز سجن أي إنسان لمجرد عجزه عن الوفاء بالتزام تعاقدي". ويلاحظ على هذا النص أنه يتحدد نطاقه بالآتي:
ويلاحظ أن العهد الدولي قد مال إلى الأخذ بنظرية المادية للالتزام؛ حيث إن الالتزام يكون بين ذمم وليس أشخاصًا، وبالتالي فشخص المدين ليس ضامنًا للوفاء بالتزامه.
وعدم القدرة على الوفاء مصطلح واسع المجال(141؛ حيث لا يشترط أن يكون المدين وصل إلى مرحلة الإعسار أو الإفلاس، بل يكفي عدم القدرة على الوفاء، وذلك نتيجة لظروف مؤقتة حدثت للمدين، مثل انخفاض في قيمة أصوله المالية، فلم يعد قادرًا على الوفاء في الفترة الحالية، ولكن يملك أن يوفِّي مستقبلًا، ففي هذه الحالة لا يحبس المدين.
الفرع الثاني
نطاق حظر الإكراه البدني في الميثاق العربي لحقوق الإنسان
للمواثيق الإقليمية التي صادقت عليها قطر والدول العربية متمثلة في الميثاق العربي لحقوق الإنسان الذي اعتمدته القمة العربية في تونس في أيار/ مايو عام، 2004 ودخل هذا الميثاق حيز التنفيذ في 16/3/2008، وفي حقيقة الأمر هذا الميثاق تطرق وأكد على العديد من الحقوق والحريات للأفراد والتي تم التأكيد عليها في كل المواثيق الدولية المعنية بحقوق الإنسان(142).
وقد أورد الميثاق في البند 18 منه النص على أنه: "لا يجوز حبس شخص ثبت قضائيًا إعساره عن الوفاء بدين ناتج عن التزام تعاقدي"، ومن هنا نجد أيضًا أن الميثاق العربي قد تتطرق لحالة المدين المعسر وأولاه الاهتمام نظرًا لحساسية موقفه ووضعه الإنساني الصعب.
ويتطابق الميثاق العربي مع العهد الدولي للحقوق المدنية والسياسية في المعنى؛ حيث اشترط الميثاق العربي أن يكون المدين معسرًا وأن يكون الالتزام تعاقدي. وبالتالي لو كان مصدر الالتزام غير العقد فيمكن حبس المدين، كما هو الشأن في الديون الناتجة عن الجريمة أو المحكوم بها لصالح الدولة.
ولكن يلاحظ أن الميثاق العربي تطلب أن يكون الإعسار محكوم به قضائيًا، ولم ينص على ذلك المادة 11 من العهد الدولي للحقوق المدنية والسياسية. والإعسار هنا يكون لشخص غير التاجر، أما التاجر فيكون الحكم عليه بالإفلاس، والواقع أن المعنى الذي أوردته المادة 11 من العهد الدولي هو أوسع نطاقًا من البند 18 من الميثاق العربي لحقوق الإنسان، لأن العهد الدولي منع حبس المدين متى كان غير قادر، وبالتالي لا يشترط أن يكون معسرًا، فهذا يتضمن المفلس والمعسر.
ويقصد بالإعسار: زيادة ديون المدين على حقوقه، سواء أكانت مستحقة الأداء أم غير مستحقة الأداء مادامت ديونًا محققة الوجود(143)، ويختلف الإعسار عن الإفلاس في أن الإفلاس يكون للتجار، أما الإعسار فيكون للمدين المدني. وبالتالي في حال ثبوت إعسار المدين من قبل المحكمة فعليها إمهال المدين مدة معقولة ومنطقية، وعدم التنفيذ عليه، وأن تعتبر ذمته المالية مشغولة فقط وليس ذمته الشخصية؛ لأن التنفيذ على المدين المعسر هو ليس إلا قضاء لمدة الحبس داخل أسوار السجن دون تحقيق الغاية من الحبس.
والواقع أن حق الدائن مصون وهو حق أصيل له، وليس للمحكمة إنكاره حتى لو كان المدين معسرًا، ويعجز عن السداد، ولكن إنسانيًا لا بد بإنذار المحكمة للمدين المثبت إعساره قضائيًا لمدة معينة يعاد ويستدعى المدين إلى المحكمة بعدها لكي يؤمن ما استطاع من أموال لسداد دينه؛ لأن حبس المدين اعتداء على حريته الشخصية، واعتداء على حق الإنسان في العمل المنصوص عليه في المادة 23 من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، والتي نصت على أنه: "لكل شخص الحق في الحصول على عمل، وله حرية اختياره بشروط عادلة مرضية كما أن له حق الحماية من البطالة"، ويستنتج من هذه المادة أن المدين المعسر لا سبيل لهذا الإنسان أن يؤمّن قوته ومن يعولهم وأن يسد دائنه إلا إذا عمل وكسب أجرًا على عمله، والحبس يتنافى مع ذلك.
انسجام القوانين الوطنية المعنية بالإكراه البدني مع مواثيق حقوق الإنسان الدولية
الواقع أن أي جهة تشريعية على مستوى العالم لا بد وأن تأخذ بحقوق الإنسان ضمن تشريعها؛ لأن هناك جملة من الحقوق والحريات للإنسان لا يمكن تجاهلها أو إغفالها في أي تشريع وطني، وهذه المعايير الأساسية لحقوق الإنسان نصت عليها المواثيق الدولية لحقوق الإنسان(144). سنشير إلى انسجام بين الأنظمة القانونية المقارنة ومواثيق حقوق الإنسان في حبس المدين، وذلك في الفرع الأول، ثم نعالج الانسجام بين القانون القطري ومواثيق حقوق الإنسان في حبس المدين، وذلك في الفرع الثاني، وذلك على النحو التالي:
الفرع الأول
الانسجام بين الأنظمة القانونية المقارنة ومواثيق حقوق الإنسان في الإكراه البدني
في الواقع قواعد حقوق الإنسان تفرض التزامًا موضوعيًا على جميع الدول دون الخضوع لأي مساومة أو مناقشة، فهي لا تقبل الاستثناء أو التقييد، ولا تخضع لمبدأ المعاملة بالمثل(145). ورغم المعارضة التي واجهت حبس المدين في بعض التشريعات الحديثة، كونه يتنافى مع العدالة والإنسانية، خاصة أن مسؤولية المدين يجب أن تكون في أمواله دون شخصه، فمحل الضمان ليس شخص المدين وإنما ماله، وأيضًا احترامًا للكرامة الإنسانية التي لا ينبغي إهدارها من أجل المال، إلا أن هذا لم يمنع من أخذ بعض التشريعات الحديثة بالإكراه عن طريق الحبس للوفاء ببعض الديون على أساس أن الحبس وسيلة مجدية ضد المدين المماطل وأن التجربة قد دلت دائمًا على أن كثيرًا من المدينين يقومون بالوفاء خوفًا من حبسهم، ومع هذا، فإن الكثير من فقهاء القانون في الدول التي لا تأخذ بنظام الحبس كوسيلة للإكراه وللضغط على المدين، أطلقوا انتقاداتهم لمشرعيهم يطالبونهم الأخذ بنظام حبس المدين المماطل إذا امتنع عن تنفيذ حكم قضائي نهائي، مع وضع الضوابط الخاصة لمنع إساءة استعماله(146).
وكون الحبس يتوافق مع الشريعة الإسلامية، التي تعتبر مصدرًا من مصادر التشريع في بعض الدول العربية، ومصدرًا رئيسًا للتشريع في دول أخرى كمصر، والتي لا تأخذ بنظام حبس المدين، إلا في حالات محدودة وهي: ديون النفقة، والمبالغ الناشئة عن جريمة، والمبالغ المقضي بها للحكومة، وقد يكون المشرع المصري أخذ بحبس المدين في هذه الحالات لخصوصيته، أو لتطبيق قوانين خاصة تمسها مباشرة، وليس اقتناعًا منه بفكرة الحبس، كون المشرع المصري المتأثر بالمشرع الفرنسي ينطلق من فكرة مفادها "أن الوفاء بما على الإنسان من التزامات يضمنه ماله لا شخصه" فالعلاقة بين الدائن والمدين في التشريع الحديث هي علاقة بين ذمتيهما الماليتين، وليست بين شخصيهما، ولذلك إذا امتنع المدين عن الوفاء بالدين فإن الدائن ينفذ على أمواله فقط.
في الواقع الاتجاه العالمي قد هاجم بشدة في العصر الحديث الإكراه البدني في الديون المدنية والتجارية، وذلك ما يتفق مع المادة 11 من العهد الدولي للحقوق المدنية والسياسية، والمادة 18 من الميثاق العربي لحقوق الإنسان، وبالرغم من ذلك فالتشريعات العربية مازالت تأخذ به بشروط وضوابط معينة، ويرجع ذلك في بعض الأنظمة القانونية العربية إلى عدم فاعلية إجراءات التنفيذ في مواجهة المدين المماطل مما يتعارض مع مصلحة الدائنين، ويعرض حقوقهم في كثير من الأحيان إلى خطر عدم الاستيفاء، بالإضافة إلى العديد من الصعوبات التي تواجه إجراءات التنفيذ خاصة ما يتعلق منها بالحجز على العقار، والتي تمثل مشقة للدائن. كما أنه يسهل في الوقت الحاضر تهريب المدين لأمواله؛ مما يصعب على الدائن الحجز على منقولات المدين.
وبالنسبة للقانون الفرنسي، فقد ألغى التنفيذ بطريق الإكراه البدني في المواد المدنية والتجارية بالقانون 22 يوليو 1867، ولم يبقَ له تطبيق إلا في بعض الحالات النادرة(147). وقد أيد بعض الفقه الفرنسي اتجاه المشرع إلغاء الإكراه البدني في الديون المدنية، وذلك على أساس أن الإكراه البدني إجراء همجي ويجب هجره؛ لأنه لا يتفق مع حقوق الإنسان(148). ولكن جانبًا آخر من الفقه قد انتقد إلغاء المشرع الفرنسي الإكراه البدني في المسائل المدنية والتجارية، حيث ذهب بعض الفقه الفرنسي إلى عدم فاعلية وسائل التنفيذ الجبري، وأنه يجب اللجوء إلى وسائل لإجبار المدين على الوفاء بالتزامه مثل الإكراه البدني(149). ويلاحظ على موقف المشرع المصري أنه منع الإكراه البدني في الديون المدنية والتجارية، ولم يسمح بالإكراه إلا في حالة ديون النفقة وكان المدين قادرًا على الوفاء بالتزاماته.
ونرى أن أخذ الكثير من الدول العربية الإكراه البدني كوسيلة لإجبار المدين على الوفاء بالتزامه، لا تخالف المادة 11 من العهد الدولي ولا البند 18 من الميثاق العربي لحقوق الإنسان، والتي تمنع الحبس في الديون المدنية والتجارية لمن كان غير قادر على الوفاء، أما إذا كان قادرًا فيمكن حبسه. وفي النظام العماني والكويتي الذي أجاز حبس المدين في دين مدني وتجاري، سواء كان مصدره العقد أم لا، لا يخالف أحكام العهد الدولي ولا الميثاق العربي، وذلك لأن هذه التشريعات قد منعت حبس المدين غير القادر على الوفاء، وهو بذلك يتفق مع أحكام العهد الدولي والميثاق العربي لحقوق الإنسان التي منعت حبس المدين غير القادر على الوفاء.
ونرى أن المشرع المصري لم يخالف المادة 11 من العهد الدولي للحقوق المدنية والسياسية والمادة 18 من الميثاق العربي لحقوق الإنسان فيما يتعلق بحظر الإكراه البدني، وذلك لأن المادة 11 والمادة 18 تمنع الحبس في الديون المدنية والتجارية لمن كان غير قادر على الوفاء، أما إذا كان قادرًا فيمكن حبسه. وبالتالي فإن النظام المصري الذي أجاز حبس المدين في دين النفقة(150)، لأن ديون النفقة مصدرها القانون، لا يخالف أحكام العهد الدولي، كما أن المشرع المصري نص صراحة في المادة 76 أحوال والمادة 293 عقوبات على اشتراط قدرة المدين على الوفاء بالتزامه بالنفقة، ومنع حبس المدين غير القادر على الوفاء، وهو بذلك يتفق مع أحكام العهد الدولي التي منعت حبس المدين غير القادر على الوفاء.
الانسجام بين القانون القطري ومواثيق حقوق الإنسان في الإكراه البدني
صدقت قطر على العهد الدولي للحقوق المدنية والسياسية بمرسوم رقم 40 لسنة 2018، في4/9/218، ونشر في الجريدة الرسمية بتاريخ 21/10/2018. والواقع أن أحكام العهد الدولي التي صدقت عليها قطر تعلو على أحكام القانون وأدنى من أحكام الدستور، كما صدقت قطر على الميثاق العربي لحقوق الإنسان بالمرسوم رقم 66 لسنة 2013.
ويثار التساؤل هل أحكام الإكراه البدني في التشريع القطري تتناسق مع أحكام العهد الدولي للحقوق المدنية والسياسية، والميثاق العربي لحقوق الإنسان؟ الإكراه البدني الذي يتمثل في سجن المدين هو المجال الطبيعي للقانون الجنائي، ولكن لوحظ أن بعض التشريعات أخذت بهذه الوسيلة في العلاقات المدنية(151)، فبالرغم أن الدين مصدره علاقة مدنية وتخرج عن نطاق القانون الجنائي؛ أي تخرج عن أهداف السياسة الجنائية، وما يترتب عليه تحويل مركز المدين إلى متهم، وخضوعه لأحكام القانون الجنائي، ولا شك يمثل ذلك مساسًا بالحريات.
وما نصت عليه المادة 11 من العهد الدولي والمادة 18 من الميثاق العربي من حظر الإكراه البدني جاء بصدد الالتزامات التعاقدية، ولكن إذا كان مصدر الالتزام ليس عقدًا ولكن مصدره القانون، فإن الإكراه البدني يكون جائزًا. فعلى سبيل المثال أجاز المشرع القطري الإكراه البدني في مسائل التعويض عن الجرائم، فنجد أن أساس ذلك هو القانون وليس العقد، وبالتالي فالإكراه البدني في الديون العمومية يحتفظ بكامل شرعيته.
إن شرعية الإكراه البدني في الالتزامات التعاقدية، تقتضي التمييز بين العجز عن الوفاء الذي يمنع فيه الإكراه البدني حسب العهد الدولي والميثاق العربي، والامتناع عن الوفاء مع القدرة عليه الذي لا يقع تحت طائلة المادة 11 من العهد والمادة 18 من الميثاق. وكانت المادة (11) من العهد الدولي للحقوق المدنية والسياسية، إذ نصت على أنه: "لا يجوز سجن إنسان على أساس عدم قدرته على الوفاء بالتزام تعاقدي فقط"، مما مؤداه عدم جواز إنزال عقوبة سالبة للحرية على شخص، لمجرد إخلاله بالتزام تعاقدي، طالما كان قادرًا على الوفاء.
في الواقع نص المادتين 514 و 515 مرافعات قطري مستمد من أحكام الشريعة الإسلامية، التي توجب على المدين الوفاء بديونه من تلقاء نفسه إبراء لذمته؛ فإن امتنع عن ذلك رغم قدرته على الوفاء يكون ظالمًا ويجوز زجره وردعه عن التمادي في ظلمه، وقد شرعت لذلك وسائل تكفل للدائنين الحفاظ على حقوقهم باتباع طريق الحبس، ولا تبرأ ذمة المدين من الدين إلا بالوفاء أو ما يقوم مقامه.
ونرى أن موقف المشرع القطري يتفق مع العهد الدولي وميثاق حقوق الإنسان، كما أنه منح القاضي في المادة 515 مرافعات سلطة تقديرية في الحكم بالحبس؛ حيث نصت هذه المادة على أنه: "يجوز لقاضي التنفيذ، إذا ثبت لديه أن المحكوم عليه قادر على الوفاء بما حكم به، وأمره بالوفاء فلم يمتثل، أن يأمر بحبسه. ولا يجوز أن تزيد مدة الحبس على ثلاثة أشهر".152
خلاصة الفصل الثاني:
لقد عالجنا في هذا الفصل المنظور الشرعي والفقهي للإكراه البدني، وموقف المواثيق الدولية من الإكراه البدني.
لقد اتفق فقهاء الشريعة الإسلامية على عدم حبس المدين المعسر، أما المدين الموسر فقد اختلف الفقه بين مؤيد ومعارض، أما بالنسبة لفقه القانون فقد انقسم إلى مؤيد ومعارض لإلغاء الحبس في الديون المدنية والتجارية، ويرجع ذلك إلى الزاوية التي ينظر إليها كل فريق من طبيعة الالتزام، وحقوق الإنسان. وقد ذهب العهد الدولي للحقوق المدنية والسياسية والميثاق العربي لحقوق الإنسان، إلى عدم جواز حبس المدين في دين مدني تعاقدي متى كان معسرًا.
سنشير إلى بعض النتائج، وبعض التوصيات، والتي تتمثل في الآتي:
- د. أحمد أبو الوفا، إجراءات التنفيذ في المواد المدنية والتجارية، مكتبة الوفاء القانونية، ط 2015.
- د. أحمد أبو الوفا، الحماية الدولية لحقوق الإنسان، دار النهضة العربية، ط1، 2005.
- د. أحمد السيد صاوي، محاضرات في التنفيذ الجبري، بدون دار نشر، 1982.
- د. أحمد خليل، أصول التنفيذ الجبري، دار النهضة العربية، 1992.
- د. أحمد صدقي محمود، حول حبس المدين المماطل في القانون الإماراتي، ط2، 2003، دار النهضة العربية.
- د. أحمد على الخطيب، الحجز على المدين لحق الغرماء في الفقه الإسلامي والقانون المقارن، رسالة حقوق القاهرة.
- د. أحمد مليجي:
- التنفيذ، دار النهضة العربية، 1994.
- الموسوعة الشاملة في التنفيذ.
- حبس المدين في الديون المدنية والتجارية، دراسة مقارنة، بحث منشور في مجلة الدراسات القانونية التي تصدرها كلية الحقوق جامعة أسيوط، العدد الخامس، يونيه 1983، منشور في مكتبة وهبة بالقاهرة 1985.
- د. أحمد هندي، أصول التنفيذ، السند التنفيذي، إشكالات التنفيذ وطرق التنفيذ، دار النهضة العربية، ط1.
- د. إدوارد غالي الذهني، مجموعة بحوث قانونية، ط1، 1987، دار الكتاب الحديث، الجزائر.
- د. أمنية مصطفى النمر، قوانين المرافعات، الكتاب الثالث، دار المعارف، 1982.
- د. حسنين المحمودي بوادي، حقوق الإنسان بين مطرقة الإرهاب وسندان الغرب، دار الفكر الجامعي، 2004.
- د. رمزي سيف، قواعد تنفيذ الأحكام والمحررات الموثقة، 1969، بدون دار نشر.
- د. سيد أحمد محمود، أصول التنفيذ الجبري، ط1، 2005، بدون دار نشر.
- د. شفيق شحاتة، النظرية العامة للالتزام في الشريعة الإسلامية، رسالة دكتوراه، 1936.
- د. شفيق شحاتة، تاريخ حركة التجديد في النظم القانونية في مصر منذ عهد محمد علي، ط1961.
- د. صالح زيد قصيلة، ضمانات الحماية الجنائية الدولية لحقوق الإنسان، دار النهضة العربية، 2009.
- د. طلعت يوسف خاطر:
- أحكام التنفيذ الجبري في سلطنة عمان، دار الكتاب الجامعي، 2016.
- الوسيط في الأحكام وتنفيذ السندات في النظام القطري، كلية الشرطة، 2018.
- د. عادل سالم اللوزي، أصول التنفيذ الجبري في سلطنة عمان، دار النهضة العربية، 2010.
- د. عبد الباسط جميعي، التنفيذ الجبري، 1961، بدون دار نشر.
- د. عبد التواب مبارك، الوجيز في التنفيذ الجبري، وفقًا لقانون الإجراءات المدنية والتجارية العماني، 2015، جامعة السلطان قابوس.
- د. عبد الرزاق السنهوري، الوسيط في شرح القانون المدني الجديد، الجزء الثاني، 1964.
- د. عبد العزيز عامر، التعزير في الشريعة الإسلامية، رسالة دكتوراه، 1976، بند 359.
- د. عزمي عبد الفتاح، الاتجاهات الحديثة في فكرة السندات التنفيذية، وفلسفة قانون التنفيذ الفرنسي الجديد رقم 650/1991 والمرسوم بقانون الإجراءات المدنية للتنفيذ رقم 783/2012 والمستجدات في مجال طرق الحجز، بحث مقدم لندوة التنفيذ الجبري، في سلطنة عمان بتاريخ 2-4/5/2014.
- د. عزمي عبد الفتاح، نظام قاضي التنفيذ في القانون المصري، رسالة دكتوراه، 1977.
- د. عصمت عدلي ود/ طارق إبراهيم الدسوقي، حقوق الإنسان بين التشريع والتطبيق، دار الجامعة الجديد، 2008.
- د. علي الخفيف، تأثير الموت في حقوق الإنسان والتزاماته، مجلة القانون والاقتصاد، جامعة القاهرة، س 11، العدد 5.
- د. فتحي والي، التنفيذ الجبري، دار النهضة العربية، 1980.
- د. محمد شتا أبو السعد، التنفيذ العيني للالتزام والغرامة التهديدية، والإكراه البدني، بدون دار نشر، 1996.
- د. محمود الكيلاني، قواعد الإثبات وأحكام التنفيذ، دار الثقافة، ط1.
- د. محمود هاشم، الحبس في الديون، بحث منشور في مركز البحوث بكلية العلوم الإدارية، جامعة الملك سعود بالرياض، 1408ه -1978م.
- د. مصطفى إبراهيم عابد، الإكراه البدني كوسيلة لاستيفاء الحقوق المالية، رسالة حقوق عين شمس، 2000.
- د. نبيل إسماعيل عمر، الوسيط في التنفيذ الجبري للأحكام، دار الجامعة الجديدة، 2000.
- د. وجدي راغب، النظرية العامة للتنفيذ القضائي، ط2، 1973.
- علي معيض الغياثين، الحبس الاحتياطي، التناقض بين مقتضيات احترام حرية الفرد وسلطة الدولة في العقاب، ط1، 2013، بدون دار نشر.
- فارس بن محمد الشيزاوي، موقف القانون العماني من حبس المدين، بحث لنيل درجة الماجستير في جامعة السلطان قابوس، 2012.
- مبارك محمد عبد المحسن، حبس المدين طرقًا من طرق التنفيذ الجبري، دراسة في القانون الكويتي، 212، دار المنظومة.
- المقابلة التي تمت بين الباحث والشيخ القاضي مازن المعشري رئيس إدارة التنفيذ في سلطنة عمان في مكتب سيادته بوزارة العدل بتاريخ 10/5/2016.
2- الأحكام القضائية
محكمة النقض - مدني - 25/1/1940، الطعن رقم 68، س 9 ق.
محكمة طنطا المستعجلة، 25/1/1940، الطعن رقم 68، س 9ق، مكتب فني 3ع، ص 56، قضية رقم 17 ق لسنة 1959، مجلة المحاماة 42س.
المحكمة العليا، الطعن رقم 1، س 5 ق، 29 - 6 – 1974.
نقض مدني، الطعن رقم 1273، س 49ق، بتاريخ 23/5/1983.
المحكمة الدستورية العليا - الطعن رقم 37 - لسنة 15 قضائية - بتاريخ 3 - 8 - 1996.
محكمة التمييز، مدني، 4 من أبريل سنة 2006، الطعن رقم 5 لسنة 2006.
محكمة التمييز، مدني، 3 من أبريل سنة 2007، الطعن رقم 13 لسنة 2007.
محكمة التمييز، مدني، 3 من ديسمبر سنة 2008، الطعن رقم 102 لسنة 2008،
محكمة التمييز، مدني، 12 من يناير سنة 2010، الطعن رقم 100 لسنة 2009.
محكمة التمييز، 19 من يناير سنة 2010، الطعن رقم 85 لسنة 2009.
نقض مدني، الطعن رقم 7895، س 66ق، بتاريخ 2/2/2009.
محكمة التمييز، مدني، 9 من ديسمبر سنة 2014، الطعن رقم 223 لسنة 2014.
4- المواثيق الدولية
5- مواقع الإنترنت
http://fatwa.islamweb.net/fatwa/index.php?page=showfatwa&Option=FatwaId&Id=317074
http://omanilegal.blogspot.com/2011/05/blog-post_5613.html
http://site.eastlaws.com/GeneralSearch/Home/Index?SearchTxt
http://site.eastlaws.com/GeneralSearch/Home/Index?SearchTxt
أستاذ وباحث في قانون المرافعات والتنفيذ الجبري، ومتخصص في دراسات حقوق الإنسان والإجراءات المدنية والقانون المقارن.
المشاهدات
التحميلات
الاستشهادات
المؤلفون
إصدار
السنة