إن نصوص شركة التوصية بالأسهم في التشريعين الأردني والقطري، ومعظم التشريعات العربية - وطوال ما يقارب أربعة عقود - لم تحظَ هذه الشركة بفرصة للتطبيق؛ حيث ظلت نصوصها نظرية فقط وحبرًا على ورق؛ لأنّها لم تُفعّل إجرائيًا وتطبيقيًّا على أرض الواقع العملي، وذلك لعدّة أسباب عديدة ومختلفة بعيدة عن الدراسة والتحليل. وعليه، حاولت هذه الدراسة البحث في الأسباب القانونية والمبررات العملية التي حالت دون تأسيس هذا النوع من الشركات في معظم البلدان العربية.
كما أن الواقع التشريعي والعملي لهذا الشكل من الشركات قد وَلّدَ واقعًا تشريعيًا جديدًا تمثل بعمليات الإلغاء والإبقاء لشكل شركة التوصية بالأسهم، الأمر الذي حدا بنا إلى تقديم قراءة نقدية في جدلية الإبقاء أو الإلغاء لشركة التوصية بالأسهم في ضوء الموجود والمفقود في قوانين الشركات العربية.
وقد خلص البحث إلى العديد من النتائج والتوصيات أساسها عدم التضييق لواسع، وترجيح منطق التعدد لا منطق التضييق والحدّ من أشكال الشركات المتاحة للمستثمرين.
شهد العالم العديد من المتغيرات الاقتصادية المهمَّة؛ والتي كان لها الأثر الكبير على المستويين الوطني والدولي، وقد اقتضى هذا الأمر من مختلف الدول التجنّد من أجل دعم بنيتها الاقتصادية، والعمل على إعـادة النظر في تشريعاتها القانونية خاصة تلك التشريعات المتعلقة بالنشاط التجاري بصفة عامة، والشركـات التجارية بصفة خاصة، حتى تتفاعـل مـع هـذه التحولات وتـكـون قـادرة على استيعاب مختلف المتغيرات الدولية.
وتاريخيًا أَفْرَدَ المشرع أشكالًا متعددة للشركات، بدءًا من التضامن ومرورًا بالتوصية البسيطة ووصولًا إلى شركة التوصية بالأسهم التي سبقت نشأتها شركة المساهمة العامة، لما تتميز به من خصائص لم تتوفر في نظيرتها المساهمة العامة.
وكانت شركة التوصية بالأسهم تعدّ من ضمن الشركات الفاعلة في ممارسة الأعمال التجارية في بلدان العالم أجمع. وبعيدًا عن النظر في الأسباب الناشئة لهذا الشكل من الشركات، والتي سنتطرق إليها لاحقًا؛ فإنّه بالإمكان القول إن المتطلبات القانونية للأشكال الأخرى التي ظهرت لاحقًا من الشركات، أضحت أكثر استخدامًا جراء التخلص من التعقيدات القانونية التي كانت تتضمنها سابقًا، وأضحت بالتالي أكثر تميزًا وجذبًا للمستثمرين لما تحققه من مزايا متنوعة في مجال ممارسة الأعمال التجارية بشتى أنواعها، وهو أمر – في اعتقادنا – ولّد عزوفًا ملحوظًا على شركة التوصية بالأسهم بطريقة واضحة وجليّة للعيان.
لكلّ ما سبق، يُمكننا القول، إنّه رغم السلبيات التي كانت حافة بنظام شركة التوصية بالأسهم، والإيجابيات المتعلقة بالشركات التي ظهرت بعدها من حيث النشأة، قد يسمح للبعض بأن ينادي بإلغائها أو العمل جاهدًا على إلغائها. وعليه، في خضم هذه المفارقة الإشكالية بين التمسك بهذا النوع من الشركات أو إلغائها، تُثار كل الإشكاليات التي سنؤسّس عليها بحثنا هذا. فهو بحث ينظر أساسًا في المبررات القانونية والعملية التي دفعت بالمستثمرين إلى العزوف عن اتخاذها شكلًا لشركاتهم وممارسة أعمالهم، الأمر الذي دفع ببعض المشرعين العرب بالإبقاء من جهة أو المناداة بالإلغاء من جهة أخرى لشركة التوصية بالأسهم. إنّ هذا البحث، يُوجّه النظر أساسًا إلى المبررات وتمحيصها من أجل بيان وجاهة هذا المطلب من عدمه. ولعلّ الأمر يزداد تعقيدًا إذا نظرنا في نظام هذه الشركة الذي ما زال قائمًا في منبته التشريعي الذي نشأ فيه؛ أَلَا وهو التشريع الفرنسي1.
وبناء على ما سبق، تستمدّ هذه الورقة البحثية مشروعيتها من مكانة وأهمية طرح إشكالية شركة التوصية بالأسهم مقارنة بالواقع التشريعي والعملي. وعليه، فإن ما يثور من أسئلة في هذا البحث، هو التالي:
أهمية الدراسة:
تكتسب هذه الدراسة البحثيّة وجهًا من الجِدّة والطرافة؛ جِدّة في التساؤلات المطروحة للبحث والدراسة، وطرافة الموضوع محل الدراسة. ولا غرو إن قلنا إنّ هذه الدراسة تأتي لتغطّي جانبًا له من الأهمية الشيء الكبير في قوانين الشركات العربية؛ وهو ذلك الجانب المُتّصِل أساسًا بشركة التوصية بالأسهم التي ظلّت نُصوصها حبرًا على ورق؛ لأنّها لم تُفعّل إجرائيًا وتطبيقيًّا على أرض الواقع العملي، وذلك لعدّة أسباب عديدة ومختلفة بعيدة عن الدراسة والتحليل.
وعليه، فإنّ هذه الدراسة تُحاول البحث في الأسباب القانونية والمبررات العملية التي حالت دون تأسيس شركات التوصية بالأسهم في ظلّ قانونين هما: قانون الشركات الأردني رقم 22 لسنة 1997 وتعديلاته، وقانون الشركات التجارية القطري رقم 11 لسنة 2015 اللذان جعلنا منهما مرجعًا ومثالًا لنطاق الدراسة، وتكاد لا تختلف عنه بقية التشريعات العربية الأخرى. ونُضِيف إلى ذلك، إنّ هذه الدراسة – فيما نرى – تسمح لنا بالتعرّف على مختلف المزايا والفوائد العملية التي يكتسبها هذا النوع من الشركات، وما إذا كانت تحقّق الغاية المقصودة منها أم لا، عَلَّهُ يتم الأخذ بها بعين الاعتبار، وبذلك لا تظلّ أحكامها أحكامًا نظريةً ليس لها أي تطبيق على أرض الواقع.
إشكالية الدراسة:
إنّ إشكالية هذه الدراسة تكمن أساسًا في مُفارقة أساسها وجود واقع تشريعيٍّ قائم، وواقع عمليّ غائب تمامًا، ذلك أنّ المشرع الأردني أدخل ضِمن تشريعاته شركة التوصية بالأسهم منذ عام 1989، إلَّا أنه لم يسجل منذ ذلك التاريخ - وحتى الآن- أيّ شركة توصية بالأسهم في المملكة الأردنية الهاشمية. وينسحب هذا الواقع التشريعي القائم والعملي الغائب على معظم البلدان العربية التي اتخذت شركة التوصية بالأسهم شكلًا من أشكال الشركات في قوانينها. إنّ هذه الحالة تدفعنا إلى طرح العديد من التساؤلات المشروعة، وهي تساؤلات – في اعتقادنا – قادرة على تعميق النظر في هذه المسألة تحليلًا واستقراءً من جهة، وإعادة بناء من جهة ثانية.
إنّ الأسئلة التي تثور في هذا السياق، هي التالية: هل فعلًا ثمّة مبرّرات لبقاء نصوص هذه الشركة في التشريعات العربية كنصوص مجردة لا تطبيق لها في الواقع العملي؟ وهل من الحكمة بقاء هذه الشركة في نصوص قوانين الشركات العربية طالما أنها لم تسجل؟ أم أنه من الأفضل إلغاؤها، أو على الأقل تعديل أحكامها وتحديثها لتكون قابلة للحياة والاستمرار؟
نطاق الدراسة:
إنّ معرفة مُختلف القضايا والمُشكلات المتعلّقة بشركة التوصية بالأسهم يقتضي منا لزامًا تحديد نطاق بحثيٍّ للدراسة. ولا غرو إن قلنا، إنّ النظر في مختلف التشريعات العربية ذات الصلة بالموضوع الرئيس – وعددها أربعة عشر (14) تشريعًا عربيًا ممن تبنوا هذا الشكل حتى تاريخ هذا البحث - لا يُحقّق أيّ فائدة تُرْجَى؛ لأنها متشابهة ومتطابقة كليًّا فيما بينها. وعليه، فإنّ استحضار مختلف هذه التشريعات يعدّ – فيما نرى – نوعًا من اللغو والتكرار والإسهاب؛ لذلك قصرنا نطاق هذه الدراسة على قانون الشركات التجارية الأردني والقطري الذي رأينا فيهما تشريعًا جامعًا وكافيًا يُعتدّ به للإجابة عن مختلف الإشكاليّات القائمة، والقضايا ذات الصلة بالموضوع. إنّ الفائدة المرجوة ليست استعراض النصوص التشريعية، بل هي تحقيق إجابات معقولة عن مختلف الإشكالات المطروحة.
منهجية البحث:
إنّ الإجابة عن مختلف التساؤلات السالفة الذكر – وغيرها – دفعنا إلى تقسيم هذه الدراسة إلى ثلاثة مباحث: تناولنا في المبحث الأول منها بيان نشأة شركة التوصية بالأسهم وأحكامها القانونية، وبعض الإشكاليات القانونية المتعلقة بهذه الأحكام. وتوقفنا في المبحث الثاني على بيان الأسباب والمبررات القانونية (المطلب الأول) والأسباب العملية (الواقعية) (المطلب الثاني) التي أدت جميعها إلى العزوف عن تأسيس هذا النوع من الشركة. وتقلص دور هذه الشركة وأهميته؛ وهو الأمر الذي أدى إلى عدم اختيارها من قبل المستثمرين، وبالتالي انتهاء أهميتها والعمل على إلغائها أو تعديل أحكامها. ثم خصّصنا المبحث الثالث لعرض قراءة نقدية في جدلية الإبقاء أو الإلغاء لشركة التوصية بالأسهم في ضوء الموجود والمفقود في قوانين الشركات العربية. وخلصنا في نهاية البحث إلى جملة من النتائج والتوصيات وضعناها في الخاتمة.
وللإحـاطة بالإشكالات التي يطرحـهـا هـذا البحث سنعتمد على المنهج الوصفي التحليلي للوقـوف على أهـم جوانب هـذا الموضوع من خلال إيـراد مختلف النصوص القانونية المؤطرة له والآراء الفقهية والأحكام القضائية ذات الصلة، مـع إبراز الثغرات والوقـوف على مكامن القصور والنقص والمحدودية، مـع اللجوء في كثير من الأحيان إلى المنهج المقارن لإبـراز أوجـه التشابه والاختلاف بين التشريع الأردني وباقي التشريعات العربية الأخـرى الناظمة لشركة التوصية بالأسهم، خاصة التشريع القطري.
في نشأة شركة التوصية بالأسهم وأحكامها
تمهيد وتقسيم:
يلحظ المتمعن في نشأة شركة التوصية بالأسهم أنها جمعت بين متناقضين رئيسين خاصة فيما يتعلّق بالشركاء فيها: فمن جهة أولى، ضَمّت هذه الشركة شركاء متضامنين لهم مركزهم القانوني المتعارف عليه، والذي يتضمّن أساسًا حقهم بإدارة الشركة، بالإضافة إلى مسؤوليتهم الشخصية والتضامنية المباشرة عن الخسائر والديون المترتبة على الشركة، من جهة. ومن جهة أخرى، يَضمّ هذا النوع من الشركات شركاء مساهمين لا يتدخّلون البتّة في إدارة شؤون الشركة، فتكون مسؤوليتهم بذلك محدودة بمقدار أسهمهم؛ بحيث لا يسألون عن ديون الشركة إلّا بمقدار هذه الأسهم التي شاركوا بها.
يطرح هذا الوضع المتباين المتعلّق بالمراكز القانونية لكل فئة من الشركاء ضمن شركة التوصية بالأسهم، جملة من الصعوبات القانونية والعملية ولّدت عزوفًا لدى الكثيرين عن تأسيسها. إنّ كلّ ما سبق يقودنا إلى دراسة أهم المسائل القانونية المتعلقة بهذه الشركة ضِمن مطلبين رئيسين: أوّلهما، نشأة شركة التوصية بالأسهم وتطورها التاريخي. وثانيهما، خصّصناه لدراسة الأحكام القانونية المتعلقة بهذه الشركة.
قراءة في نشأة شركة التوصية بالأسهم وتطورها التاريخي
يلحظ القارئ من خلال النظر في التطور التاريخي لنشأة شركة التوصية بالأسهم، تلك الأهمية التي كانت تحظى بها في بدايتها لأنّها لم تكن تتطلب الكثير من الوقت والكلفة لتأسيسها، وهو ما ولّد إقبالًا شديدًا عليها زمن ظهورها. وقد عرفت هذه الشركة فترة طويلة نسبيّا من الازدهار- وخاصة في فترة منتصف القرن التاسع عشر - نظرًا إلى خضوع عمليتي تأسيسها وتسجيلها لبعض القيود القانونية الإجرائية - ومنها ضرورة موافقة السلطات المختصة(2) - مقارنة بتأسيس شركات المساهمة العامة. ومن المفيد القول إنّ تأسيس شركات المساهمة العامة كان يقتضي العديد من الإجراءات الطويلة والموافقات المعقدة لتأسيسها، فيما كانت شركة التوصية بالأسهم لا تستوجب مثل هذا الترخيص أو تلك الإجراءات. وقد أورد قانون التجارة الفرنسي لعام 1807(3) هذه الشركة ضمن قانون الشركات الفرنسي، وازداد الإقبال عليها لبساطة إجراءاتها وعدم اشتراط الترخيص المسبق لها، هذا بالإضافة إلى وجود الشركاء المتضامنين - الذين كانوا يتمتعون بثقة المستثمرين والملاءة المالية- وكانوا هم مَن يضمنون ديون الشركة بأموالهم الشخصية وبالتضامن فيما بينهم. وقد كانت أسهم الشركاء في هذه الشركة قابلة للتداول بدون أية قيود(4) ومنذ بداية ظهورها، كانت شركة التوصية بالأسهم وفقًا لرأي أحد الفقهاء: "تكاد تكون شركة مساهمة عامة مصغرة ومطعمة بشركاء متضامنين"(5). والجدير بالذكر أن أحكام شركة التوصية بالأسهم في القانون الفرنسي لسنة 1867 كانت تعتبر الشريعة العامة التي تطبق على الشركة المساهمة العامة على كل ما لم يرد عليه نص.
وبالإمكان القول أيضًا، إنّ الأهداف الأساسية من وجود هذا الشكل من الشركات، هو الحفاظ على الشركات العائلية التي كانت تعاني من صعوبات أساسية خاصة في ظل المنافسة الشديدة التي أحدثتها شركات المساهمة(6). إلّا أنّ هذه الأهمية لم تدم طويلًا؛ حيث أدركت التشريعات مبكرًا الأهمية الكبرى لشركات المساهمة العامة ودورها في تقوية اقتصاد الدولة، فلجأت إلى تسهيل إجراءات تأسيس هذه الشركات وشجعت عليها بإلغاء أو تخفيف القيود المتعلقة بالحصول على التراخيص المطلوبة لتأسيسها، الأمر الذي انعكس سلبًا على شركات التوصية بالأسهم التي سرعان ما بدأت بالتقلُّص والانحسار؛ إذ لم تعد مبررات وجودها تحظى بتلك الأهمية، ولا أدلّ على ذلك من تقلُّص أعداد تسجيل هذه الشركات بشكل كبير في معظم بلدان التشريعات الحديثة.
وقد نظّم القانون القطري أحكام شركة التوصية بالأسهم أول مرة في قانون الشركات القطري رقم 11 لسنة 1981، ثم بعد ذلك ضمن قانون الشركات التجارية رقم 5 لسنة 2002. إن أهم ما يلاحظ على هذا التقنين، أن المشرع القطري أبقى على الأحكام الخاصة بهذا النوع من الشركات ضمن قانون شركات رقم 11 لسنة 2015. ويكون بذلك أسبق من المشرع الأردني الذي نظّم مختلف الأحكام الخاصة بهذه الشركة ضمن قانون الشركات المؤقت رقم (1) لسنة 1989، ومن بعده قانون الشركات الساري رقم (22) لسنة 1997، وتعديلاته7، إلّا أنه لم يتم تسجيل أو تأسيس أي شركة توصية بالأسهم في كلا البلدين منذ صدورهما وحتى هذه اللحظة. ويشير البعض(8) إلى أنه وحسب الإحصائيات الصادرة عن المعهد الوطني للإحصائيات والدراسات الاقتصادية الفرنسي؛ فإنه حتى سنة 1977 سجّلت في فرنسا 221 شركة توصية بالأسهم، مقابل 1540 توصية بسيطة، و 14820 شركة تضامن، و116548 شركة مساهم، و 266454 شركة ذات مسؤولية محدودة، وفيما بين عامي 1974 و1978 تأسست في فرنسا 56 شركة توصية بالأسهم فقط، أما في المغرب وحسب الإحصائيات الرسمية الصادرة عن مصلحة السجل التجاري المركزي بالدار البيضاء، فلم تتأسس منذ تاريخ صدور القانون المغربي رقم 5 لسنة 1996 سوى شركة واحدة في عام 1996 وشركتان اثنتان سنة 1997.
الأحكام القانونية لشركة التوصية بالأسهم
من المعروف أن شركة التوصية بالأسهم هي من الشركات المختلطة التي تجمع بين خصائص شركات الأشخاص وشركات الأموال9، ولذلك نجد أن أحكام الشركة تتراوح بين هاتين الفئتين من الشركات، ومن ذلك:
أولًا: من حيث طبيعة الشركة
تعدّ شركة التوصية بالأسهم المثال الأبرز على الشركات المختلطة في القانونين الأردني والقطري، ذلك أنهما يجمعان بين نوعين من الشركاء، وهما: الشركاء المتضامنون والشركاء المساهمون. وتخضع كل فئة منهما لنظام قانوني مختلف، وهذا الاختلاف يفرض أحكامًا متباينة لكلّ منهما تجعلهما على طرفي نقيض في معظم الأحكام، ومن ذلك مثلًا: أنّ الشريك المتضامن يشترط بلوغه سن الرشد(10) لكي يكون شريكًا متضامنًا، فيما لا يشترط بلوغ سن معينة بالنسبة للشريك المساهم. كما أنّ الشريك المتضامن يكتسب صفة التاجر بمُجرّد دخوله في الشركة كشريك متضامن(11) بينما لا يكتسب الشريك المساهم هذه الصفة، كما أنّ الحق بإدارة الشركة يكون للشركاء المتضامنين فقط(12)، بينما لا يجوز أن يتدخل الشركاء المساهمون بإدارة الشركة، وإذا تدخل أحدهم في الإدارة فإنه يعامل معاملة الشريك المتضامن وفقًا للقانونين الأردني والقطري(13)، هذا بالإضافة إلى أنّ أسماء الشركاء المتضامنين تدخل في عنوان الشركة(14)، بينما لا يجوز إيراد اسم شريك مساهم في عنوان شركة التوصية بالأسهم، وإذا طلب الشريك المساهم إيراد اسمه في العنوان أو قام الشركاء بإيراد اسمه في العنوان مع علمه بذلك ولم يطلب إزالته فإنه يعتبر شريكًا متضامنًا في مواجهة الغير حسن النية(15). وأخيرًا، فإنّ الشركاء المتضامنين يسألون عن ديون والتزامات الشركة مسؤولية شخصية وتضامنية(16) فيما لا يكون الشركاء المساهمون مسؤولين إلا بمقدار أسهمهم فقط(17).
ويلاحظ وجود تشابه بين الشريك المساهم في شركة التوصية بالأسهم والشريك الموصي في شركة التوصية البسيطة، إلّا أنه رغم هذا التشابه فإنّ هناك بعض الاختلافات، وهي: أن جميع الشركاء في شركة التوصية بالأسهم يمتلكون أسهمًا في رأس المال، بينما يمتلك الشركاء في شركة التوصية البسيطة حصصًا في رأس المال(18) وليس أسهمًا(19). ولا بد من الإشارة إلى أن هذه الحصص لم يتم تقييدها من قبل المشرع الأردني والقطري بأي قيد؛ سواء من حيث القيمة أم العدد، عكس ما هو عليه الحال لشركة التوصية بالأسهم في كلا التشريعين. فالتشريع الأردني قيدت أحكامه ملكية الشركاء المساهمين بما لا يزيد عن ثلثي رأس مال الشركة(20). وعلى خلاف ما سبق، أحال التشريع القطري مسألة تقييد ملكية الشركاء في شركة التوصية بالأسهم وفقًا لأحكام شركة المساهمة العامة؛ والذي اشترط على المساهمين ألَّا يكتتبوا بنسبة لا تقل عن 20% ولا تزيد عن 60% من رأسمال الشركة21. ومن المفيد القول أيضًا إن هناك اختلافًا آخر بين شركة التوصية بالأسهم وشركة التوصية البسيطة قوامه الرئيس ذلك المقدار المتعلق برأسمال الشركة؛ ذلك أن الحد الأدنى لرأس المال في شركة التوصية بالأسهم لا يقلّ عن مائة ألف دينار في التشريع الأردني22، ومليون ريال في التشريع القطري23، وهذا تقريبًا ضعف ما اشترطه المشرع الأردني. كما أن رأسمال التوصية بالأسهم بكلا التشريعين يقسّم إلى أسهم متساوية القيمة وقابلة للتداول، بينما لم يحدّد كل من المشرع الأردني والقطري حدًّا أدنى لرأس المال في شركة التوصية البسيطة. إلى جانب ذلك، سمح كلٌّ من القانونين للشركاء في شركة التوصية بالأسهم بتداول أسهمهم والتصرف فيها بحرية ودون أية قيود؛ بحيث يمكنهم التنازل عن ملكية هذه الأسهم إلى أي شخص(24) إلّا إذا كان عقد الشركة أو نظامها الأساسي ينص على بعض القيود25. كما يسمح القانون للشركاء في شركة التوصية بالأسهم بالاتفاق على وجود أنواع من الأسهم تتمتع بقوة تصويتية، أو تتمتع بأفضلية من حيث توزيع الأرباح والخسائر، كما يمكن الاتفاق على وضع حظر على تصرف الشركاء المتضامنين بأسهمهم لمدة معينة(26). وبالإضافة إلى ما تقدم، ينص القانون على وجود مجلس للرقابة(27) في شركة التوصية بالأسهم؛ حيث يقوم الشركاء المساهمون بانتخاب أعضاء مجلس الرقابة من بينهم فقط، ولا يشترك الشركاء المتضامنون في هذا الانتخاب.
ثانيًا: من حيث الاعتبار الشخصي للشركاء
إنّ الاعتبار الشخصي للشركاء المتضامنين لا جدال فيه، أما فيما يتعلق بالاعتبار الشخصي للشركاء المساهمين فإنّ تمتّعهم بهذه الصفة لا يمنع – من حيث المبدأ - أن يكون لهم بعض الاعتبار الشخصي وإن لم يكن بنفس مستوى الاعتبار الشخصي فيما بين الشركاء المتضامنين28، فليس من المستغرب أن يختار الشركاء المتضامنون أشخاصًا معينين لإدخالهم إلى الشركة كشركاء مساهمين لسبب ما كالملاءة المالية مثلًا. وقد ذهب البعض(29) إلى إنكار وجود الاعتبار الشخصي فيما يتعلق بالشركاء المساهمين مشيرين إلى أنّ هذا الاعتبار غير موجود أصلًا بالنسبة للشركاء المساهمين(30).
ثالثًا: من حيث عدد الشركاء وفئاتهم
اختلفت التشريعات القانونية في تحديد عدد الشركاء المتضامنين والمساهمين في شركة التوصية بالأسهم، فقد تضمنت بعض القوانين أنّ الشركة تتكوّن من شريك واحد متضامن أو أكثر، وشريك واحد مساهم أو أكثر يكتتب فيها بأسهم كالقانون المصري رقم 159 لسنة 1981(31). فيما تضمنت قوانين أخرى بتحديد العدد بشريك واحد متضامن وأربعة شركاء مساهمين كالقانون السعودي(32). فيما ذهبت بعض القوانين إلى أنّ الحد الأدنى لعدد الشركاء المساهمين خمسة مساهمين كالقانون اليمني(33). كما اشترطت قوانين أخرى ألَّا يقل عدد المؤسسين في الشركة عن أربعة شركاء كالقانون البحريني(34). أما في القانون الأردني فقد نص قانون الشركات الأردني المؤقت المُلغى لعام 1989 على أربعة شركاء فقط: اثنان متضامنان واثنان مساهمان(35)، بينما نص قانون الشركات الحالي رقم 22 لسنة 1997 على أن عدد الشركاء هو خمسة: اثنان متضامنان وثلاثة مساهمين(36). بينما نص قانون الشركات القطري أنّ الشركة تتكوّن من شريك واحد متضامن أو أكثر، وشريك واحد مساهم أو أكثر يكتتب فيها بأسهم الشركة37.
رابعًا: من حيث طبيعة رأس مال شركة التوصية بالأسهم وتكوينه
من المفترض أن يتكوّن رأس مال شركة التوصية بالأسهم من حصص فيما يخص الشركاء المتضامنين(38)، إلَّا أن الملاحظ، أن كلًّا من نص المادة (78) من قانون الشركات الأردني ونص المادة 212 من قانون الشركات القطري يشيران إلى أن رأس مال الشركة يقسم إلى أسهم قابلة للتداول(39) دون تحديد فيما إذا كانت هذه الأسهم مملوكة للمتضامنين أو المساهمين40. وهذا يعني أن جميع رأس مال الشركة يتكون من الأسهم، علمًا بأنّ هذا الحكم في كلا التشريعين يتناقض مع نص المادة (82) من قانون الشركات الأردني، ونص المادة (210) من قانون الشركات القطري(41)، واللذان يشيران إلى خضوع الشركاء المتضامنين في شركة التوصية بالأسهم إلى أحكام الشركاء المتضامنين في شركة التضامن، ومن هذه الأحكام امتلاك الشركاء المتضامنين لحصص في رأس المال، والمعلوم أنّ الحصص تختلف عن الأسهم في نقاط كثيرة منها: أن الحصة ليس لها قيمة محددة؛ فقد تكون نصف الشركة أو ربعها أو نسبة معينة منها، كما نلاحظ أيضًا أن نص المادة (78/ أ) من قانون الشركات الأردني يقرر أن قيمة الرأسمال في شركة التوصية بالأسهم ينقسم إلى أسهم متساوية القيمة وقابلة للتداول؛ قيمة السهم الواحد منها دينار واحد غير قابل للتجزئة. والأمر ذاته ضمن التشريع القطري وذلك وفقًا لنص المادة (212) من قانون الشركات القطري. والجدير بالذكر في نفس السياق الناظم، أن التشريع القطري ذهب إلى أبعد من ذلك، ولكنه وقع في التناقض والتضارب؛ خاصة بين نص المادة 212 ونص المادة 209 من ذات القانون؛ حيث منحت المادة الأخيرة الشريك المساهم حصصًا بدل الأسهم، وذلك وفقًا لقراءة نص المادة 209 من قانون الشركات القطري: "شركة التوصية بالأسهم هي الشركة التي تتكون من فريقين، أحدهما يضم شريكًا أو أكثر متضامنين ومسؤولين في جميع أموالهم عن ديون الشركة، والآخر يضم شريكًا أو أكثر غير مسؤولين عن ديون الشركة إلا بقدر حصصهم في رأس المال". إن الإشكال الذي يثور في هذا السياق هو التالي: كيف يجوز للمشرع القطري تقسيم رأسمال الشركة إلى أسهم متساوية قابلة للتداول؛ مما يجعل من مسؤولية الشركاء المساهمين تكون بقدر حصصهم برأسمال الشركة؟
خامسًا: من حيث إدارة شركة التوصية بالأسهم
جاء تنظيم إدارة شركة التوصية بالأسهم في المادة (81) من قانون الشركات الأردني والمواد (223) و(227) والتي جعلت إدارة الشركة بيد الشركاء المتضامنين(42)، وبالتالي فإنّ الإدارة من حق الشركاء المتضامنين فقط، وتسري على سلطاتهم ومسؤوليتهم وعزلهم الأحكام التي تطبق على الشركاء المتضامنين في شركة التضامن، ولا يحق للشركاء المساهمين التدخل في الإدارة، إلَّا أنّ المشرع الأردني لم ينص صراحة على عدم أحقية تدخل الشركاء المساهمين بالإدارة(43) خلافًا للتشريع القطري كما سنبين لاحقًا، بل إن المشرع الأردني أشار في المادة (83) من قانون الشركات إلى أنّ الهيئة العامة44 لشركة التوصية بالأسهم تتألف من جميع الشركاء المتضامنين والشركاء المساهمين (... ويكون لكل منهم حق حضور اجتماعات الهيئة العامة للشركة سواء كانت عادية أم غير عادية ومناقشة الأمور المعروضة عليها والاشتراك في التصويت على القرارات التي تتخذها ويكون له من الأصوات في الهيئة العامة بعدد ما يملكه من أسهم في الشركة)، وهذا النص ليس له إلّا تفسيرٌ واحدٌ، وهو أنّ الشركاء المساهمين يشتركون في الإدارة بطريقة غير مباشرة بحضورهم لاجتماعات الهيئة العامة، ومناقشة أمور الشركة، والتصويت على القرارات فيها بحسب عدد أسهم كل شريك. وفي النص السابق إشارة واضحة إلى أن الشركاء المساهمين لهم دور في الإدارة عن طريق أصواتهم في الهيئة العامة، وهذا يأخذنا إلى تساؤل مهم، وهو: ماذا لو كان الشركاء المساهمون يمتلكون ثلثي أسهم الشركة وهو أمر جائز وفقًا لنص المادة (78) من القانون(45) ؟ هل يعني هذا أن الإدارة ستكون بأيديهم بسبب تملكهم لثلثي أسهم الشركة فيما لا يمتلك الشركاء المتضامنين إلا الثلث فقط؟ ونرى أنه وفقًا لنص المادة (83) المشار إليها، فإنّ الشركاء المساهمين يتولون الإدارة فعلًا، بل قد تكون الإدارة كاملة بأيديهم مما يجعل دور الشركاء المتضامنين ضعيفًا مقارنة بالشركاء المساهمين، وهذا أمر غير مقبول بل إنه يتناقض صراحة مع نص المادة (81/ أ) الذي أعطى حق الإدارة للشركاء المتضامنين فقط.
أما فيما يتعلق بالتشريع القطري، فمن المفيد القول إن موقف المشرع القطري قد جاء مخالفًا لنظيره الأردني، وذلك من خلال النص صراحة وبشكل مباشر على عدم أحقية تدخل الشركاء المساهمين بالإدارة؛ حيث قضت المادة (216) من قانون الشركات على أنه: "لا يجوز للشريك المساهم التدخل في أعمال الإدارة المتصلة بالغير ولو بناء على تفويض، ومع ذلك يكون له الاشتراك في أعمال الإدارة الداخلية في الحدود المنصوص عليها في النظام الأساسي للشركة". والملاحظ كذلك، أن المشرع القطري ذهب إلى أكثر من ذلك، حين رتب عقوبةً على الشريك المساهم في صورة مخالفته للحظر المنصوص عليه في المادة السابقة، ذلك أن هذا الشريك المساهم يكون مسؤولًا في جميع أمواله عن الالتزامات الناشئة عما أجراه من أعمال الإدارة؛ فإذا قام بتلك الأعمال بناء على تفويض من الشركاء المتضامنين، كان من فوضه منهم مسؤولًا معه بالتضامن عن الالتزامات التي تنشأ عن مثل هذه الأعمال. وبكل أسف لا يوجد مثل هذا الحكم في قانون الشركات الأردني.
وفي مجال الإدارة أيضًا، تختص هذه الشركة في التشريعين الأردني والقطري بوجود مجلس للرقابة مكون من ثلاثة أعضاء(46) يتمّ انتخابهم من الشركاء المساهمين فقط دون المتضامنين(47)، وتكون مدة مجلس الرقابة سنة واحدة فقط بالنسبة للتشريع الأردني، في حين صمت التشريع القطري عن مدة مجلس الرقابة لشركة التوصية بالأسهم. وللمجلس مهام أساسية تشابهت في مواضع، وتباينت في مواضع أخرى في كل من التشريعين الأردني والقطري.
نصت المادة 85 من قانون الشركات الأردني على هذه المهام(48)؛ حيث يستطيع الشركاء المساهمون من خلالها تعطيل أي أمر من أمور إدارة الشركة، فمراقبة أعمال الشركة وإبداء الرأي في الأمور التي يعرضها مدير الشركة، والموافقة على تصرفات وأعمال الشركة، إنما يدخل في باب الإدارة الصريحة(49)؛ مما قد يعيق عمل الشركاء المتضامنين بل قد يدفع بهم إلى رفض الدخول في هذه الشركات، ذلك أنّ الشركاء المتضامنين يرفضون تقييد حريتهم في التصرف أو أن تكون هناك هيئة ذات تأثير على أعمالهم، خاصة وأنهم قد قبلوا تحمل مسؤولية خسارة الشركة بأموالهم الخاصة(50).
ولا بدّ أن نشير أيضًا إلى أن هذا التناقض في اشتراك المساهمين بالإدارة يظهر بصورة واضحة في تطبيق نص المادة (43) من أحكام شركة التوصية البسيطة، والمحال إليه بنص المادة (82) من نصوص شركة التوصية بالأسهم. وبالرجوع إلى نص المادة (43)(51) نجد أنه يتعلق بمنع الشركاء الموصين من المشاركة في الإدارة، ونلاحظ هنا مقدار التناقض بين هذا النص ونصوص المواد (83) و(85) الخاصة بشركة التوصية بالأسهم.
ومن المفيد التنويه في خاتمة هذا العنصر المتعلق بإدارة شركة التوصية بالأسهم، أن المشرع القطري قد قام بتنظيم مهام مجلس الرقابة في متن المادة (221) من قانون الشركات، وهو تنظيم – فيما نرى - يطغى عليه حُسن التبويب والتفريع والدقة مقارنة بنظيره الأردني. فلا غرو إن قلنا إن هذا التنظيم في القانون القطري قد منح مجلس الرقابة مختلف الصلاحيات الرقابية، ومن ذلك في التحقق من إتمام إجراءات تأسيس الشركة وفق أحكام القانون، ومراقبة أعمالها، وله في سبيل ذلك أن يطلب من المديرين تقديم حساب عن إدارتهم، وأن يقوم بفحص دفاتر الشركة ووثائقها ومستنداتها، وجرد أموالها. كما يحق للمجلس أن يبدي الرأي في المسائل التي يعرضها عليه مديرو الشركة، وأن يأذن في إجراء التصرفات التي يتطلب النظام الأساسي للشركة الحصول على إذن للقيام بها.
الأسباب والمبررات القانونية والعملية (الواقعية) للعزوف عن تأسيس شركات التوصية بالأسهم
في القانونين الأردني والقطري
تمهيد وتقسيم
بالنظر إلى المبررات القائمة التي ساهمت بالعزوف عن تأسيس شركات التوصية بالأسهم في القانون الأردني والقانون القطري، سنجد بعضها ما هو قانوني (المطلب الأول)، ومنها ما هو عملي واقعي (المطلب الثاني)، وعليه سنتناول تلك المبررات بنوعيها على النحو التالي:
الأسباب والمبررات القانونية للعزوف عن تأسيس شركات التوصية بالأسهم
في القانونين الأردني والقطري
سبقت الإشارة إلى أن شركة التوصية بالأسهم تجمع بين نوعين من الشركاء: الشركاء المتضامنون والشركاء المساهمون. وقد أشرنا إلى أن المراكز القانونية لكل منهما تختلف اختلافًا كبيرًا عن الأخرى، وهو الأمر الذي جعل من عملية الدمج بينهما في نوع واحد من الشركات يضفي على الشركة بعض الغموض من النواحي القانونية. وسنشير في هذا المطلب إلى أهم الأسباب والمبررات القانونية التي منعت من تأسيس هذه الشركة وتسجيلها، وذلك في الفروع التالية:
خضوع شركة التوصية بالأسهم لمجموعات مختلفة من الأحكام القانونية
نلاحظ أن قانون الشركات الأردني وقانون الشركات القطري أخضعا شركة التوصية بالأسهم لأكثر من مجموعة من أحكام الشركات المختلفة في القانون، وهو الأمر الذي أثار ارتباكًا في أحكام الشركة. وهذه المجموعات التي خضعت لها شركة التوصية بالأسهم، هي:
أولًا: مجموعة النصوص القانونية المنظمة لأحكام شركة التوصية بالأسهم
وردت هذه الأحكام في المواد 77 - 89 من قانون الشركات التجارية الأردني رقم 22 لسنة 1997 وتعديلاته، والمواد 209 – 227 من قانون الشركات القطري. وتعتبر هذه النصوص الناظمة لشركة التوصية بالأسهم في كلا التشريعين قليلة ومختصرة، وتتناول بشكل موجز وغامض بعض الأحكام المتعلقة بهذه الشركة مثل: فئات الشركاء، ورأس المال، وإدارة الشركة، وعنوان الشركة، ومجلس الرقابة، ولكنها لا تغطي بيان الوضع القانوني لهذه الشركة، وعلى وجه الخصوص ما يتعلق بأحكام تأسيس الشركة وإدارتها، وأحكام الهيئة العامة فيها واجتماعاتها، وانقضاء الشركة وتصفيتها. وقد حاول كلا المشرعين - الأردني والقطري - معالجة مشكلة قلة نصوص الشركة وغموض أحكامها عن طريق الإحالة إلى نصوص شركات أخرى كالتضامن، والتوصية البسيطة، والمساهمة العامة، ولكنهما لم يكونا موفقين بهذه الإحالة التي زادت أحكام الشركة غموضًا وإرباكًا.
ثانيًا: مجموعة النصوص القانونية المنظمة لأحكام شركة التضامن
وهي نصوص المواد 9 - 40 من قانون الشركات الأردني فيما يخص الشركاء المتضامنين، وذلك بموجب الإحالة الواردة في المادة 82 من قانون الشركات التجارية الأردني، والتي جاء فيها أنه: (تسري أحكام شركة التضامن المنصوص عليها في هذا القانون على الشركاء المتضامنين في شركة التوصية بالأسهم). وكذلك بموجب نص الفقرة (أ) من المادة (81) من القانون، والتي جاء فيها أن الشركاء المتضامنين (... تسري على سلطتهم ومسؤوليتهم وعزلهم الأحكام التي تطبق على الشركاء المفوضين في شركة التضامن). كما جاء نص المادة (82) بحكم عام يتضمن تطبيق كل أحكام شركة التضامن على الشركاء المتضامنين في شركة التوصية بالأسهم، وباستعراض نصوص شركة التضامن المقرر تطبيقها على الشركاء المتضامنين في شركة التوصية بالأسهم نجد أن تطبيقها بأكملها يُشكّل معضلة قانونية، كما هو الأمر في حالتي وفاة الشريك المتضامن وإفلاسه، والواردتين في المواد 30 و32 من أحكام شركات التضامن(52).
في هذا السياق الناظم نجد أن التشريع القطري لا يكاد يختلف كثيرًا عن التشريع الأردني، إلّا أن الإحالة فيه إلى أحكام شركة التضامن أقل من التشريع الأردني، ذلك أن الإحالة فيه على أحكام نصوص شركة التضامن هي أقل بكثير عن نظيره الأردني. وعليه، المادة (210) من قانون الشركات التجارية القطري نصت على أنه: "تعتبر الشركة بالنسبة إلى الشركاء المتضامنين شركة تضامن". وبالمثل بالنسبة للمدير أو المديرين وسلطاتهم وطريقة تعيينهم وعزلهم؛ حيث أحالت المادة 223 من قانون الشركات القطري إلى أحكام شركة التضامن؛ حيث نصت على أنه: "يدير شركة التوصية بالأسهم شريك متضامن أو أكثر، وتسري على سلطتهم ومسؤوليتهم وعزلهم أحكام المديرين في شركة التضامن".
ثالثًا: بعض النصوص المنظمة لأحكام شركة التوصية البسيطة
لم يقم التشريع القطري بالإحالة تمامًا على أحكام نصوص شركة التوصية البسيطة مقارنة بنظيره الأردني، ذلك أن المشرع الأردني قد أحال على أحكام شركة التوصية البسيطة في مواضع كثيرة، وذلك بموجب المادة (82) من القانون والتي جاء في عجزها أنه: (... وتسري على الشريك المساهم في هذه الشركة الأحكام المنصوص عليها في المادة (43) المتعلقة بشركة التوصية البسيطة). وبالرجوع إلى نص المادة (43) من قانون الشركات التجارية(53)، نجد أنه يمتنع على الشريك الموصي في شركة التوصية البسيطة الاشتراك في إدارة شؤون شركة التوصية البسيطة بأي شكل، كما أنه لا يملك سلطة إلزام الشركة بأي التزام. وتقتصر حقوقه وصلاحياته على الاطلاع على دفاتر الشركة وحساباتها، والسجلات الخاصة بالقرارات المتخذة في سياق إدارتها، والاستيضاح عن حالتها وأمورها، والتداول مع الشركاء الآخرين بشأن الشركة. ونلاحظ أنّ هذا الحكم يتناقض مع طبيعة شركة التوصية بالأسهم، والتي تجعل الشريك المساهم شريكًا في الإدارة بشكل غير مباشر، عن طريق حضوره لاجتماعات الهيئة العامة والتصويت على قرارات الشركة بحسب عدد أسهمه. والظاهر أنه لا يمكن تطبيق هذا الحكم على شركة التوصية بالأسهم، وهو الرأي الأولى بالأخذ به(54).
رابعًا: بعض النصوص القانونية المنظمة لأحكام شركة المساهمة العامة
يكشف كلا التشريعين الأردني والقطري على مواطن كثيرة من الإحالة إلى أحكام نصوص شركة المساهمة العامة، ومنها:
خامسًا: مجموعة الأحكام والقواعد العامة لعقد الشركة والواردة في القانون المدني
ينطبق هذا الأمر على التشريع الأردني دون التشريع القطري؛ حيث إن القانون القطري لم يورد أي إحالات إلى القانون المدني القطري. بينما المشرع الأردني أحال وبشكل كبير إلى القانون المدني الأردني، ومنها نصوص المواد (582 - 611) والتي تتناول عقد الشركة، باعتبار أن هذه النصوص تمثل القواعد العامة لأحكام الشركات عمومًا، والتي تنطبق في حال عدم وجود نص في قانون الشركات الأردني يعالج مسألة معينة في أحكام الشركات.
اشتراط ألَّا يقل الحد الأدنى لعدد الشركاء عن عدد محدد من المتضامنين والمساهمين
يُمكن القول إنّ هذه المسألة قد اختلفت القوانين في شأنها. وقد سبقت الإشارة إلى هذه الاختلافات في المبحث الأول، ذلك أنّ بعض القوانين اقتصرت على اشتراط وُجود شريك متضامن واحد فقط، وبعضها الآخر اشترط اثنين، وهكذا دون أيّ تبرير مقنع. هذا بالإضافة، إلى اشتراط وجود عدد معين من الشركاء المساهمين دون أن يكون هناك أيّ هدف من هذا الاشتراط – إلَّا فيما يخصّ عدد أعضاء مجلس الرقابة لأنّ القانون يشترط ألَّا يقلّ عددهم عن ثلاثة أعضاء(61) – ولا نرى أنّ هذا القيد يصبّ في مصلحة الشركة، بل إنه قد يقف عائقًا أمام الراغبين في تأسيس هذه الشركة.
عدم وضوح الكثير من أحكام الشركة
إنّ أهمّ الملاحظات التي يُمكن تسجيلها في هذا المقام، أنّه لا توجد أحكام محدّدة خاصة بتأسيس شركة التوصية بالأسهم؛ حيث تحيل المادة (89) إلى أحكام الشركة المساهمة في التشريع الأردني. فإذا رجعنا إلى تلك الأحكام نجد أنه لا يمكن تطبيقها كلها، أو أنّ تطبيقها يحتاج إلى مراعاة وضع شركة التوصية بالأسهم. وكذا الأمر فيما يتعلّق بانقضاء الشركة وتصفيتها؛ إذ تطبّق عليها أحكام شركة المساهمة العامة ( م88)، والأمر ذاته فيما يخص إصدار إسناد القرض؛ حيث لا يجوز لشركة التوصية بالأسهم إصدار إسناد قرض كالّتي تصدرها الشركات المساهمة العامة، وهذا ما قرّره ديوان تفسير القوانين الأردني بتاريخ 7/11/1990؛ حيث جاء في قراره أنه: (... وبما أن الأوضاع والظروف الخاصة بشركات التوصية بالأسهم والشركاء فيها تتعارض مع الغايات المقصودة من إسناد القرض تعارضًا تامًا فإن شركات التوصية بالأسهم لا يحق لها إصدار إسناد القرض، هذا ما نقرره بالأكثرية في تفسير المادتين المطلوب تفسيرهما)(62). وذات الأمر فيما يتعلق باجتماعات الهيئة العامة، والتي تضم كل الشركاء المتضامنين والمساهمين حسب نص المادة 83/ أ؛ حيث يستفاد من هذه المادة أنّ للشركاء المساهمين حقَّ الحضور ومناقشة الأمور المعروضة على الهيئة العامة، والتصويت على القرارات التي تتخذها الهيئة العامة، وأن يكون للمساهم عدد من الأصوات يساوي عدد أسهمه(63)، وهذا مناقض لما هو معروف من أن الشريك المساهم لا يتدخل بالإدارة(64). وكذلك هو الأمر بالنسبة لأحكام التوصية بالأسهم في التشريع القطري؛ إذ جاءت بعض النصوص متناقضة مع بعضها البعض كما هو الحال بالنسبة لتطبيق أحكام الشريك المساهم بالنسبة للحصص، في حين أن رأسمال الشركة مقسم إلى أسهم متساوية، وليس إلى حصص كما هو الحال بالنسبة لشركة التضامن، وشركة التوصية البسيطة.
عدم كفاية النصوص القانونية التي تحكم شركة التوصية بالأسهم
يلحظ الباحث أنّ هناك نقصًا واضحًا في نصوص كلا التشريعين الأردني والقطري، والتي تحدّد بدقة طبيعة رأس مال الشركة وتكوينه وتوزيعه على الشركاء، وكذلك ما يتعلق بإدارة الشركة من حيث كيفية الإدارة، ودور كل نوع من الشركاء بهذه الإدارة، ومدى تأثيرهم في القرارات الأساسية التي تتخذها الشركة، وطبيعة العلاقة بين الشركاء المتضامنين والشركاء المساهمين.
تداخل وتناقض بعض نصوص شركة التوصية بالأسهم
من الأمثلة التي يُمكن ذكرها في هذا السياق، ذلك التناقض الحاصل في التشريع الأردني بين نص المادة (78/ أ) الذي أشار إلى أنّ الأسهم قابلة للتداول، وبين نص المادة (82) الذي تضمّن حكمًا عامًا بتطبيق أحكام شركة التضامن على الشركاء المتضامنين في شركة التوصية بالأسهم، وهو الأمر الذي يُضفي بعض الغموض حول إمكانية تداول أسهم الشركاء المتضامنين بحرية، ودون الحاجة إلى موافقة باقي الشركاء. ولعلنا لا نبالغ، إذا قلنا بأنّ إقرار مثل هذا الحكم يترتب عليه نتيجة خطيرة من الصعب قبولها، وهي أنّ الشريك المتضامن الذي يتولّى إدارة الشركة يمكنه الإفلات من مسؤوليته من خلال تداول أسهمه.
الدمج بين خصائص شركات الأشخاص وشركات الأموال
جاء هذا الدمج غير موفق إلى حدّ ما، بسبب الغموض في الكثير من المسائل المتعلقة بالشركة والناتجة عن عدم وضوح الأحكام في كلا التشريعين الأردني والقطري، وبسبب طبيعة رأس مال الشركة الذي يقسم إلى أسهم ولا يراعي وجود حصص يفترض أن يمتلكها الشركاء المتضامنين، وبالتالي فإنّ القول بملكية الشركاء المتضامنين لحصص من الأسهم فيه تداخل يثير الغموض والتساؤل(65).
إنّ كلّ ما تقدّم ذكره من أسباب ومبررات قانونية للعزوف عن تأسيس شركة التوصية بالأسهم، يقودنا بالضرورة إلى استنتاج أساسي قوامه أنّ المشرع لم يُوْلِ أهمية كبيرة لأحكام شركة التوصية بالأسهم، ولم يحرص على تطويرها، أو إعادة النظر فيها من أجل توفير نموذج يواكب كل المتغيرات القانونية والاقتصادية التي تتّسم بالسهولة، وتجعلها قادرة على تلبية متطلبات المستثمرين في ممارسة أنشطتهم التجارية من خلال ذلك النوع من الشركات. وعليه، يمكن القول إنّ الأسباب القانونية أفرزت بالضرورة مختلف الأسباب العملية التي ستكون مدار بحثنا في المطلب التالي (المطلب الثاني).
الأسباب والمبررات العملية للعزوف عن تأسيس شركات التوصية بالأسهم
في القانونين الأردني والقطري
تمهيد وتقسيم
إنّ الدارس لتاريخ ظهور شركة التوصية بالأسهم يلاحظ أن الشركة بدأت بداية قوية استنادًا إلى الفكرة التي أسّست بموجبها، إذ حققت هذه الشركة بتأسيسها أهدافًا مُهمَّة، منها: أنّ تأسيس هذه الشركة كان لا يتطلب الكثير من الشروط والإجراءات، بعكس الشركات المساهمة العامة التي كانت تتطلب الكثير من الإجراءات الطويلة والمعقدة؛ كاشتراط الحصول على تراخيص معينة أو موافقات من جهات محددة لتأسيس شركات المساهمة. إلَّا أنّ إلغاء القيود على تأسيس شركات المساهمة العامة أدّى إلى تقلُّص وانتهاء أهمية شركات التوصية بالأسهم(66)، هذا بالإضافة إلى أن فكرة دمج نوعين متناقضين من الشركات في نوع واحد - وهما شركات التضامن والمساهمة - كانت فكرة جذابة إلى حدّ ما في تلك الفترة؛ إذ إنّ وجود هذا النوع من الشركات كان سيساهم إلى حد كبير بالحفاظ على الشركات العائلية(67) كشركات التضامن وذلك بإدخال نماذج جديدة تتوفر فيها الفرصة لدخول شركاء مساهمين يمتلكون المال والخبرة والتي ستنعكس بدورها على أداء تلك الشركات. أضف إلى ذلك، أنّ دخول شركة التوصية بالأسهم حيز التطبيق أَوْجَدَ الكثير من المشاكل التي رافقت فهم أحكامها وتطبيقها، الأمر الذي أدّى إلى محاولة احتواء هذه التناقضات والصعوبات، وذلك بإضافة النصوص التي تساعد على حلّ المشكلات التي رافقت نشوء هذه الشركة. إلَّا أنّ هذه المحاولات لم تُؤْتِ ثمارها في الإبقاء على دور هذه الشركة لفترة طويلة؛ إذ سرعان ما بدأت هذه الشركات تفقد بريقها، إلى أن وصل الأمر إلى عدم اقتناع المستثمرين بجدوى تأسيسها، وبالتالي عدم اللجوء، أو عدم الرغبة بالدخول في هذا النوع من الشركات. وبناءً على ما تقدم، سنتناول أهم الأسباب العملية والواقعية لتراجع دور شركات التوصية بالأسهم وأهميتها في الفروع التالية:
التخفيف من قيود تأسيس الشركات المساهمة العامة
إنّ صدور التشريعات القانونية التي أطلقت الحرية لتأسيس شركات المساهمة العامة، وإلغاء القيود التي كانت مفروضة عليها، مثل قانون الشركات الإنجليزي لسنة 1844 وقانون الشركات الفرنسي لسنة 1867، أدى إلى تناقص أعداد شركات التوصية بالأسهم مقابل الزيادة في أعداد شركات المساهمة العامة(68)، ولا أدلّ على ذلك من الأعداد الكبيرة من شركات المساهمة العامة التي تؤسس في مختلف الدول دون استثناء، ومن بينها الملكة الأردنية ودولة قطر.
ظهور شركة ذات المسؤولية المحدودة
كان أوّل ظهور لهذه الشركة في القانون الألماني لسنة 1892 - والذي كان سباقًا في ابتداع هذا النوع من الشركات - ومنه انتشرت إلى بقية التشريعات؛ حيث كان ظهورها أول الأمر كشركة حصص فقط، ثم دخلت عليها بعض التطورات كتحويلها إلى أسهم، كما في القانون الإنجليزي لسنة 1908 الذي أوردها تحت اسم (الشركة الخاصة المحدودة) (69). وبعد ذلك انتقلت إلى كثير من التشريعات، ومنها القانون الأردني رقم 12 لسنة 1964 تحت اسم (الشركة المساهمة الخصوصية المحدودة)(70)، إلى أن استقرت أحكامها في القانون الحالي، تحت اسم (شركة ذات المسؤولية المحدودة). وكذلك الأمر بالنسبة للتشريع القطري؛ حيث نظم المشرع القطري أحكام الشركة ذات المسؤولية المحدودة في قانون الشركات التجارية رقم 11 لسنة 1981 بموجب المواد 55 - 84، ومن ثَمَّ نظمها في المواد 225 – 260 من قانون الشركات رقم 5 لسنة 2005. أما قانون الشركات القطري الجديد لسنة 2015، فقد نظم الأحكام الخاصة بالشركة ذات المسؤولية المحدودة في المواد 228 - 263 من الباب الثامن من قانون الشركات التجارية الجديد رقم 11 لسنة 2015.
ظهور شركة المساهمة الخاصة
بالإمكان القول إنّ ظهور هذا النوع كنوع جديد من الشركات في قانون الشركات الأردني رقم 22 لسنة 1997(71)، وكذلك الحال بالنسبة للتشريع القطري في قانون الشركات رقم 11 لسنة 201572، وكذلك الحال في القانون المُلغى للشركات رقم 5 لسنة 2002؛ كله أدى إلى تحقيق رغبات المستثمرين بإمكانية تأسيس شركة مساهمة متوسطة الحجم تتناسب مع إمكانياتهم، وتخلصهم من القيود المفروضة على شركات المساهمة العامة التي تعتبر شركات ضخمة. هذا بالإضافة، إلى ما تتمتع به هذه الشركة من مزايا بخصوص تكوين رأس المال والإدارة.
اختلاف نظرة المستثمرين إلى الشركات
إنّ هذه النظرة تتحدّد عادة وفقًا لرغبات المستثمرين، فبعضهم قد يرغب بالاشتراك في الإدارة وفي المسؤولية الشخصية والتضامنية فيلجأ إلى تأسيس شركات التضامن، والبعض الآخر قد يرغب بأن تكون مسؤوليته محدودة فيلجأ إلى الدخول في الشركات ذات المسؤولية المحدودة أو المساهمة الخاصة والعامة، ممّا قلل من الرغبة في اللجوء إلى تأسيس شركات التوصية بالأسهم(73). يُضاف إلى ذلك عدم قدرة شركات التوصية بالأسهم على تلبية متطلبات الاستثمار التجاري الذي يعيش ثورة ضخمة تقوم على تأمين التمويل الهائل للمشاريع الصناعية العملاقة التي بدأت تظهر منذ القرن الماضي(74)، إضافة إلى أن هذه الشركة لم تعد مهمة في الواقع العملي بسبب ظهور شركات المساهمة العامة والخاصة، وكذلك ظهور الشركات ذات المسؤولية المحدودة وهذه الأنواع تعد كافية لما تتضمنه من مزايا للمستثمرين(75).
اتجاهات قوانين الشركات الحديثة
إنّ بعض التشريعات أدركت مبكرًا انتهاء أهمية شركات التوصية بالأسهم فلم توردها في قوانينها الحديثة. وهذا ما سنتناوله بالشرح والتفصيل في المطلب الأول من المبحث الثالث.
قراءة نقدية في جدلية الإبقاء أو الإلغاء لشركة التوصية بالأسهم
في ضوء واقع تشريعي قائم وعملي غائب في البلدان العربية
تقسيم
سنوجه هذا المبحث لدراسة مسألتين رئيستين، هما: الواقع التشريعي لشركة التوصية بالأسهم في قوانين الشركات العربية الموجود والمفقود (المطلب الأول)، وجدلية الإبقاء والإلغاء لشركة التوصية بالأسهم في التشريعات العربية (المطلب ثانٍ).
الواقع التشريعي لشركة التوصية بالأسهم في قوانين الشركات العربية
الموجود والمفقود
نحاول في هذا المطلب تقديم عرض إحصائي يشمل مختلف التشريعات العربية، وهو عرض نحاول من خلاله رصد الواقع العملي القائم بخصوص تبني هذا الشكل من الشركات التجارية من عدمه في معظم قوانين الشركات التجارية العربية؛ لأنه سيوضح لنا أيضًا مدى إبقاء المشرع في البلدان العربية على هذا النظام من عدمه.
ومن خلال استعراضنا لقوانين الشركات التجارية العربية في البلدان العربية، ورصد مدى تمسّكها بالإبقاء أو الإلغاء لشركة التوصية بالأسهم كشكل من أشكال الشركات التجارية، نرصد تباينًا حقيقيًّا فيما بينها في هذا المجال. وعليه؛ فإنّه بالإمكان تقسيم هذه البلدان إلى ثلاث مجموعات: المجموعة الأولى، البلدان العربية التي ما زالت تتبنى قوانينها أحكام شركة التوصية بالأسهم. أما المجموعة الثانية، فهي البلدان العربية التي ألغت قوانينها أحكام شركة التوصية بالأسهم. وأخيرًا المجموعة الثالثة، وهي البلدان العربية التي لم تتبنَّ قوانينها أصلًا أحكام شركة التوصية بالأسهم. وبناءً على ما تقدّم، سنُخصّص الفقرات التالية لتناول هذه المجموعات كل على حدة بشيء من البيان والتفصيل.
المجموعة الأولى: وهي البلدان العربية التي ما زالت تتبنَّى قوانينها أحكام شركة التوصية بالأسهم، وتشمل أربع عشرة دولة عربية من أصل اثنتين وعشرين دولة، وهي: المملكة الأردنية الهاشمية76، جمهورية مصر العربية77، دولة فلسطين78، جمهورية لبنان79، دولة قطر80، الكويت81، البحرين82، جمهورية اليمن83، دولة ليبيا84، الجمهورية التونسية85، المملكة المغربية86، الجمهورية الجزائرية الديمقراطية الشعبية87، الجمهوريّة الإسلاميّة الموريتانيّة88، جمهورية جيبوتي89.
إنّ أهمّ ما يُلاحظ في هذه المجموعة من الدول التي أبقت على تنظيم شركة التوصية بالأسهم، أنّ الدوائر المتخصّصة فيها لم تسجل سجلاتها أيّ عملية للتسجيل في هذا الشكل من الشركات (شركة توصية بالأسهم).
أضف إلى ذلك، أنّ الجامع المشترك بين هذه التقنينات أنها تتماثل في الشكل والموضوع. ولا غرو إنْ قلنا، إنّ هذا التماثل في حقيقته؛ هو تماثل شكلي لا يُحقّق للمستثمر نجاعة فاعلة، خاصة في ظلّ توفُّر أشكال أخرى من الشركات وفَّرها المشرع بإجراءات أسهل وأقل تعقيدًا وكلفة مالية بالنسبة للرأسمال. أضف إلى ذلك، أنّ جميع ما تمّ ذكره في المبحث الثاني من سلبيات عمليّة وتطبيقيّة، ينسحب على مختلف التشريعات في معظم البلدان، ذلك أنه بالرغم من وُجود بعض التباينات والاختلافات البسيطة في تشريعات هذه البلدان؛ فإنّ هذا الأمر لا يجعلنا قادرين على القول بأنّ هذا التشريع يُعدّ بحقّ أفضل من ذاك.
ومن المفيد القول أيضًا، إنّ هناك جامعًا آخرَ مشتركًا بين مختلف هذه البلدان؛ حيث إنه لم يتم تسجيل أيّ شركة توصية بالأسهم وفقًا لهذه التشريعات في الدوائر المخصصة لذلك، علاوة على إبقاء هذه الدول على أحكام شركة التوصية بالأسهم في قوانين الشركات فيها، بالرغم من محاولات بعض البلدان كالمغرب على سبيل المثال، التي ثار فيها جدل واسع عند القيام بتعديل قانون الشركات المغربي في وقت ما. إنّ أساس هذا الجدل مرجعه الرئيس، التباين الحاصل بين أعضاء مشروع لجنة القانون حول الإبقاء أو الإلغاء لهذا الضرب من الشركات، في ضوء عدم تقدّم أيّ من المستثمرين للتسجيل في هذا النوع من الشركات، وقد أفاد أحمد رشدي السباعي في هذا السياق:
"أما مشروع الشركات فقد تأثر بهذه الحرب الشعواء التي شنت على وضد هذه الشركة ظلمًا؛ لأن العيب ليس في شكل الشركة بقدر ما هو في أشخاص الشركاء وفي عزوفهم عنها؛ وعند التعامل مع هذا الشكل أو ذاك لا يبرر إلغاءه؛ لأن الأشخاص هم أبناء زمانهم، والزمن يتطور ولا يمكن قيده بالأغلال، فَشَكْلَان خَيْرٌ وَأَفْيَدُ من شكل واحدٍ، وستة أشكال خير من خمسة، ولكل أن يلبس على هواه، وأن يختار من الأشكال أو الهياكل المنظمة للشركات ما يروقه وما يصادف هواه أو طموحه"90.
ويأتي الدكتور السباعي على تعليل المذكرة الإيضاحية لمشروع قانون الشركات بالقول: "تم حذف شركات التوصية بالأسهم عن طريق الحويل داخل أجل سنتين إلى إحدى الشركات التجارية الخاضعة لهذا القانون، وذلك لأنها شكل لم يعرف وجودًا فعليًّا في المغرب (406)"91. ولعلّ المستخلص من الشاهد السابق أنّ الغائيّة من الإبقاء تصبّ في الحقيقة حول ترك الباب مفتوحًا لمختلف الأشكال والأنظمة ترسيخًا لمبدأ التنوع والتعدّد، ودرءًا لمنطق الإقصاء والتضييق.
المجموعة الثانية، وهي البلدان العربية التي ألغت قوانين الشركات فيها أحكام شركة التوصية بالأسهم بعد تبنيها لتلك الأحكام عقودًا من الزمن. وتشمل هذه المجموعة ستة بلدان عربية، وهي على النحو التالي:
الجمهورية العربية السورية: أشارت المادة (5) من قانون الشركات السوري رقم (29) لعام 2011 إلى مختلف الأشكال التي من الممكن أن تتّخذ بتأسيس الشركات التجارية، وهي كالتالي:
إنّ أهمّ ما يُلاحظ على القانون السوري الجديد لسنة 2011 بأنه لم ينظم شكل شركة التوصية بالأسهم، كسلفه القانون المُلغى92 (قانون الشركات رقم ٣ لعام ٢٠٠٨)؛ حيث ألغى هذا القانون تنظيم شكل شركة التوصية المساهمة من التشريع السوري عندما نصت المادة 224 من ذات القانون ((تلغى) أحكام الكتاب الثاني من قانون التجارة الصادر بالمرسوم التشريعي رقم /149/ تاريخ 22/6/1949 وتعديلاته المتعلقة بالشركات التجارية اعتبارًا من تاريخ نفاذ هذا القانون). وبذلك يكون المشرع السوري قد نظَّم شركة التوصية المساهمة حتى تاريخ 01 - 04- 2008 وذلك بموجب المرسوم التشريعي لسنة 194993 المُلغى بمُوجب قانون التجارة الجديد رقم 33 لسنة 2007، على أن يتم سريانه في 01- 04-2008 وهو ذات تاريخ سريان قانون الشركات 2008 المُلغى بمُوجب قانون الشركات رقم لسنة 2011.
جمهورية العراق: تخلَّى المشرع العراقي عن شركة التوصية بنوعيها البسيطة وبالأسهم في قانون الشركات العراقي لسنة 1983 ومن بعده قانون سنة 1997 وتعديلاته. وكان المشرع العراقي قد تبنى بدءًا شركة التوصية البسيطة والتوصية بالأسهم في الباب الثاني من قانون الشركات التجارية رقم (31) لسنة 1957 والمُلغى بموجب قانون الشركات العراقي لسنة 1983؛ حيث تخلَّى المشرع العراقي عن شركة التوصية بنوعيها البسيطة وبالأسهم، وكذلك الأمر في قانون سنة 1997 وتعديلاته. والجدير بالذكر أنّ المشرع العراقي استطاع أن يُعالج الفراغ التشريعي الذي خلّفه قانون 1983، وخاصة ما تعلّق بالمركز القانوني للشركات القائمة بمُوجب المادة 204 من القانون ذاته؛ حيث نصت المادة 204 بأنه: "خلال ستة أشهر من نفاذ هذا القانون، يجب:
أولًا – أن تتخذ المشروعات الاقتصادية المنصوص عليها في المادة (9) من هذا القانون، شكل شركة وعلى الجهات القطاعية المختصة تزويد المسجل بقائمة المشروعات الاقتصادية المسجلة لديها التي يسري عليها هذا النص وذلك خلال المدة الواقعة بين نشر القانون ونفاذه.
ثانيًا – أن تتحول شركات التوصية البسيطة والتوصية بالأسهم القائمة عند نفاذ هذا القانون، إلى نوع من أنواع الشركات المنصوص عليه في هذا القانون.
ثالثًا – أن تعدل الشركات الأخرى، القائمة عند نفاذ هذا القانون، أوضاعها بما يتفق وأحكامه."
وبناءً على ما سبق، نلاحظ بأن المشرع العراقي هو الوحيد الذي عالج المركز القانوني لشركات التوصية بالأسهم المُلغاة، على خلاف البلدان التي أخذت بالإلغاء دون سعي منها إلى معالجة هذا الإشكال الحاصل؛ ممّا ترتّب عنه ترك فراغ تشريعي في قوانين شركاتها.
السعودية: تبنَّى نظام الشركات الصادر بموجب مرسوم ملكي رقم م/6 وتاريخ 22/3/1385هـ (21/07/1965)، شركة التوصية بالأسهم لأول مرة94؛ إلَّا أنّ المشرع السعودي تخلَّى عن شركة التوصية بالأسهم في نظام الشركات الجديد95 الصادر بمرسوم ملكي رقم ) م/ 3) بتاريخ 28/01/1437هـ، (10/11/2015) مُلْغيا بذلك تبنّي أحكام شركة التوصية بالأسهم في نظام الشركات القديم96.
دولة الإمارات العربية المتحدة: أَلغى المشرع الإماراتي أحكام شركة التوصية بالأسهم بمُوجب القانون الاتحادي رقم 2 لسنة 2015 بشأن الشركات التجارية لدولة الإمارات العربية المتحدة؛ حيث إنه لم يدرج شركة التوصية بالأسهم من ضمن أشكال الشركات التي أوجب قانون الشركات التجارية اتخاذها حسب ما ورد في المادة 9 من القانون ذاته97، وذلك بخلاف ما كان عليه الحال في القانون الاتحادي رقم (8) لسنة 1984 في شأن الشركات التجارية والقوانين المعدلة له، والذي نظّم التوصية بالأسهم في الباب الثامن من القانون في المواد (256 - 276).
جمهورية الصومال: تبنَّى المشرع الصومالي شركة التوصية بالأسهم لأول مرة في قانون الشركات التجارية لسنة 1947، وتعديلاته، والذي تمثل بتطبيق أحكام قانون الشركات الهندي لسنة 1913، والمقتبس من قانون الشركات البريطاني 1908. ثم أصدر المشرع الصومالي قانون الشركات رقم 25 لسنة 2004 والمُلغى بمُوجب قانون الشركات الصومالي الجديد رقم 80 لسنة 2018 والذي تبنَّى بدوره أحكام قانون الشركات الأمريكي؛ تاركًا بذلك المشرع الصومالي الإرث الأنجلوسكسوني الذي دام عقودًا من الزمن؛ حيث أَلغى المشرع أحكام شركة التوصية بالأسهم في قانون الشركات الحديث.
جمهورية جزر القمر: تختلف جمهورية جزر القمر عن غيرها من شقيقاتها البلدان العربية؛ حيث لا يوجد لديها قانون شركات تجارية مستقل ينظم أنواع وأحكام الشركات التجارية المتاحة للمستثمرين في جمهورية جيبوتي. فجمهورية جيبوتي عضو في منظمة توحيد قانون الأعمال في أفريقيا، يطلق عليها OHADA. وكلمة OHADA (L’Organisation pour l’HarmonisationenAfrique du Droit des Affaire) هي اختصار للتسمية الفرنسية "المنظمة التنسيقيّة لقانون التجارة الأفريقي"، وهو ما يترجم إلى الإنجليزية بـ "منظمة تنسيق قانون الأعمال في أفريقيا". وقد تمّ إنشاء منظمة OHADA من أجل رفع مستوى التنمية الاقتصادية، وخلق مناخ استثماري لبلدان غرب ووسط أفريقيا يعود عليها وشعوبها بالنفع والنمو98. قامت منظمة OHADA بإصدار عدة قوانين مرتبطة بالنشاطات والأعمال التجارية، كما تم تأسيس محكمة خاصّة بها من أجل توحيد قوانين الدول الأعضاء فيما بينها. كما أصدرتOHADA واعتمدت عدة قوانين أهمها: قانون التجارة، قانون الشركات التجارية، قانون التحكيم، قانون الإعسار، قانون التحكيم. وعليه، لم يتبنَّ قانون الشركات الصادر عن المنظمة التي نحن بصدد الحديث عنها شركة التوصية بالأسهم.
إنّ النظر في مختلف قوانين الشركات للبلدان العربية التي ألغت أحكام شركة التوصية بالأسهم سالفة الذكر، يقتضي لزامًا وجود مذكرات إيضاحية لها تشرح الأسباب الموجبة لهذا الإلغاء؛ إلا أنه – وبحق - لم يتسنَّ لنا العثور على أي منها. ولكن – وباعتقادنا - أن التفسير الموضوعي لهذا الأمر، يجعلنا نميل إلى ترجيح القول بأنّ الأسباب الموجبة لهذا الإلغاء مردّه الرئيس هي تلك الأسباب القانونية والعملية التي عرضناها في المبحث السابق. ومن المفيد القول إنّ هذه الأسباب تعود أصالة إلى اتسام إجراءات تأسيس شركة التوصية بالأسهم بالتعقيد والتداخل، علاوة على عدم المواكبة الآنية لهذا الشكل من الشركات لمختلف التطورات الاقتصادية في العصر الراهن. أضف إلى ذلك، استحداث المشرع لنظم وأشكال جديدة من الشركات التجارية، كانت أكثر فاعلية ومردودية من هذا النظام، وهو ما كان سببًا حقيقيًّا لتعثرها وعدم الإقبال عليها.
المجموعة الثالثة؛ وهي البلدان العربية التي لم تتبنَّ تشريعاتها شركة التوصية بالأسهم أصلًا، وتشمل هذه المجموعة بلدين عربيين، وهما:
سلطنة عمان: لم ينظم المشرع العُماني شركة التوصية بالأسهم في قانون الشركات الجديد رقم (18) لسنة 2019، كما هو حال سلفه قانون الشركات العماني رقم 4 لسنة 1974 وتعديلاته؛ حيث لم يصدر قانون شركات تجارية في سلطنة عمان قبل تاريخ 1974، ويمكننا الاستدلال على ذلك من نص المادة 173 من قانون الشركات التجارية العماني رقم 4 لسنة 1974 وتعديلاته، حيث نصت على أنه:
"إن الشركات التجارية التي يكون جميع أعضائها من رعايا سلطنة عمان تعتبر قائمة على وجه صحيح، حتى ولو لم تتخذ أحد أشكال الشركات التجارية المنصوص عليها في هذا القانون أو حتى لو ناقضت في صك تأسيسها أو نظامها أحكام هذا القانون، شرط أن تثبت لوزارة التجارة والصناعة، بطرق الإثبات الخطية والشفهية المقدمة خلال سنة من تاريخ نشر هذا القانون في الجريدة الرسمية. أنها تأسست وتمارس في عمان نشاطًا تجاريًّا متتابعًا قبل نشر هذا القانون في الجريدة الرسمية. مع مراعاة أحكام الفقرة السابقة تطبق على الشركات المذكورة الأحكام القانونية التي ترعى أقرب شكل من أشكال الشركات المنصوص عليها في هذا القانون".
جمهورية السودان: يمكننا القول بأن قانون الشركات السوداني لسنة 1925، جاء متأثرًا وبشكل كبير بقانون الشركات الإنجليزي لسنة 1908 تحديدًا. وعليه، فإن قانون الشركات السوداني لسنة 1925 لم ينظم هذا النوع من الشركات، كما هو معروف في النظام اللاتيني والبلدان العربية التي تبعته.
إن النظر في المجموعة الثالثة أعلاه؛ والتي لم تتبنَّ أصلًا شركة التوصية بالأسهم، يمكننا القول بالنسبة لسلطنة عُمان أنه كان من الصعب معرفة موقف المشرع العماني؛ حيث - وبعد بذل جهد كبير- لم نوفق بالحصول على أي مذكرات برلمانية، أو فقهية توضح عدم تبنِّي المشرع العماني لشركة التوصية بالأسهم آنذاك. أما بالنسبة للسودان، فإنّ السبب جلِّي وواضح؛ إذ تأثر قانون الشركات لسنة 1925 بالقانون الإنجليزي.
أخيرًا، وبناءً على دراسة اثنين وعشرين قانونًا تشريعيًا عربيًا، نلحظ بأنّ أربعة عشر (14) تشريعًا عربيًا قد أبقت على أحكام شركة التوصية بالأسهم في قوانين الشركات التجارية، في حين أن ستة تشريعات أخرى قد قامت مؤخرًا بإلغاء هذا الشكل من الشركات في تشريعاتها. وهناك تشريعان آخران (سلطنة عمان والسودان) لم يتبنيا هذا النوع من الشركات أصلًا في قوانين الشركات التجارية الخاصة بها.
ممّا لا شك فيه، أنّ الهدف الرئيس لبحثنا في رصد الواقع التشريعي لم تكن غايته اللغو أو الإسهاب، بقدر ما كان هدفه الوقوف على الواقع التشريعي لقوانين الشركات التجارية في البلدان العربية بالشرح والبيان، من أجل فهم جلِّي للجدلية القائمة أساسًا بين إلغاء هذا النوع من الشركات أو إبقائه، وهو ما سنناقشه في المطلب التالي.
جدلية الإبقاء والإلغاء لشركة التوصية بالأسهم في التشريعات العربية
بالإمكان القول بدءًا، إنّ هذه الجدلية تُمثّل مدخلًا حقيقيًا لدراسة واقع هذا الشكل من الشركات، ومُثار هذا الجدل متأتّ أساسًا من الواقع التشريعيّ القائم على الاختلاف والتباين في التشريعات العربية. ومن المفيد القول أيضًا، إنّ البحث في هذه الجدلية القائمة يقتضي – في اعتقادنا – إيجاد إجابة عن الإشكاليات التالية:
بناء على كل ما تقدم ذكره من تساؤلات، يمكننا القول إنّ الأسباب الدافعة إلى إلغاء هذا النظام من الشركات، ما هو إلّا وجه من وجوه التضييق في المتاح من (أشكال الشركات)؛ لأن القاعدة العامة للنشاط التجاري بكافة أنواعه؛ أساسه التنويع وليس الحصر والتضييق. إن عملية الإلغاء لأحكام شركة التوصية بالأسهم مبنية إما على ادعاءات واهية، وإما على مصلحة تغليب نظام قانوني على آخر، وهو أمر نعيبه؛ لأنه يُضّيق من فرص الاستثمار ويحدّ من انتشار الشركات التجارية، وتعزيز مكانتها التجارية وطنيًا وإقليميًا ودوليًا.
وبالإمكان القول أيضًا، إنّ الإلغاء كان عملًا لا مبررات له، ولم تكن منطلقاته نابعة من حقائق وأسباب واقعية، بل كان – فيما نرى - ضربًا من التسرع وعدم الواقعية، لا سيما وأنّ المهد الأصيل والمنبت الذي نشأ فيه هذا النظام من الشركات لم يقم بإلغائه، وهذه دعامة وجيهة تؤكد ما ذهبنا إليه. لكلّ ذلك، يبقى الإلغاء غير مرغوب فيه في ظل قدرة تشريعية تتمثل بالتعديل والتطوير على نصوص هذا النوع من الشركات بطريقة تجعله خيارًا إضافيًا لما هو موجود. أضف إلى ذلك، تتجلى هذه المفارقة استنادًا إلى ما وقع للتشريع المغربي؛ الذي يعتبر التشريع الفرنسي مهده الأصيل ومصدره التشريعي والروحي، فقد وقع هذا التشريع المغربي في نوع من المفارقة تم ذكرها سابقًا في هذا المبحث99.
إن ما يمكن استنتاجه من إبقاء المهد الأول لنشأة هذه الشركات، علاوة على ما وقع في التشريع المغربي وعدوله عن الإلغاء، يمثل – في اعتقادنا - دعامة أساسية لما ذهبنا إليه، علاوة على كونه تدليلًا على صحة هذه الجدلية ووجاهتها؛ لأنه يعكس هذه المراوحة بين الإبقاء والإلغاء في النظم التشريعية العربية. وعليه، يمكننا القول – وبحق - إن واقع التشريعات العربية الخاصة بالشركات التجارية يعيش في نوع من التباين، يقوم على تضارب صارخ في تقدير حقيقة الإلغاء أو الإبقاء، وهو تقدير يَنبنِي أساسًا على تخبط تشريعي واضح، وعدم معرفة بالمتطلبات الضرورية والمصالح الحقيقية للشركات؛ لذلك يصحّ التساؤل: هل يمثل الإلغاء فتح آفاق لاستحداث نظم جديدة أم أنه طمس لهوية عرفت ولكن تم تجاهلها قصرًا، وتركت دون تطوير وتحديث لتواكب تطورات العصر. لكل ذلك، نقول ألم يكن من الأفضل على المشرع في البلدان التي قامت بإلغاء هذا النظام، أن يعمل على تطوير هذا النظام وتعزيز أحكامه، لتكون خيارًا من ضمن الخيارات المطروحة، بدلًا من سعيه لإلغائه وإقصائه؟ وعليه، يمكن القول إن قناعتنا تتأسس على التنوع والتعدد بما يوفر أشكالًا تتناسب وكافة الاحتياجات، بدلًا من التضييق، لا سيما أنه لا يوجد ضير من ترك خيارات متعددة، بدلًا من الاقتصار والاقتضاب في أشكال الشركات المتاحة.
ومن الوجاهة بمكان أن نقول إن المثالين السابقين يدللان صراحة إلى ما ذهبنا إليه؛ ذلك أن التشريعات والقوانين العربية ذات الصلة بشركة ذات التوصية بالأسهم عرفت حركة مد وجزر عَكَسَا بوضوح حالة التخبط التشريعي بين ثنائية جدلية بامتياز؛ ألَا وهي جدلية الإبقاء أو الإلغاء لشركة التوصية بالأسهم. ذلك أن الإلغاء لا يستمد مشروعيته من الادعاء بصعوبة الإجراءات ذات الصلة بهذا الشكل من الشركات لأن هذا القول مردود على أصحابه؛ لأننا نرى بأن التنوع والتعدد ما هو إلّا تكريس وترسيخ لمبادئ حرية طرق الاستثمار وأشكاله. ولعل ما ذهبت إليه الأنظمة الداعمة للإبقاء إلّا تصديقًا لما ذهبنا إليه.
أضف إلى ذلك، أن الاقتصاديات العالمية الحديثة تسعى جاهدة إلى إيجاد مسوغات مختلفة منظمة للاستثمار المالي والاقتصادي لتعزيز القدرات التنافسية للشركات والمؤسسات التجارية القائمة فيها؛ لذلك حاولت قدر المستطاع المحافظة على أشكال مختلفة من الشركات للدفع بقطار التنمية والاستثمار فيها. إنّ الإلغاء نرى فيه بحق تعطيلًا حقيقيًا لمسار التنمية الحقيقية؛ لأنه يضيق على المستثمر حرية تخير النظام الذي يريد أن يتنظّم فيه.
لكلّ ذلك، يبقى هذا الجدل بين الإلغاء أو الإبقاء رهين رؤية ضيقة هي أشدّ التصاقًا بدوافعها المنشئة لها، ومحتكمة إلى رؤية استراتيجية متعلقة بالفضاء المكاني المرتبطة به. إنّ الانتصار إلى موقف ما والإبقاء عليه أو إلغائه – فيما نرى – يجب أن يتصل بدراسة موضوعية قوامها مدى تحقيق الفائدة من عدمها لهذا الشكل من الشركات.
وعليه، فإنه وفقًا لهذا المبدأ الموضوعي يحق لنا اتخاذ القرار بالإلغاء أو الإبقاء. ويكون الخيار الذي اخترناه ذا نفع. إنّ الفائدة التي يجب أن يوجه إليها النظر هي قياس مدى نفعية وجدوى هذا الشكل من الشركات والعمل على مزيد تدعيمه وتنقيته من الشوائب التي يتضمنها. ولا ضير إن قلنا أيضًا، إنّ إعطاء خيارات متعددة أمام المستثمرين للتنظيم يبقى دعامة أساسية للتنمية وازدهارها. وهذا منحى إيجابي نراه يتميز عن التضييق وحصر أشكال الشركات في نماذج معينة. إن التنوع والتعدد قاطرة التنمية بامتياز، وما التشدد إلّا ضرب من الانغلاق والانحباس في قوالب محدودة.
خاتمة البحث
إنّ ما يمكن أن ننتهي إليه في خاتمة هذا البحث أربع نتائج يمكن أن تكون إضاءات حقيقية تعيد النظر في هذا الشكل من الشركات:
أولًا: هناك أسباب كثيرة قانونية وعملية تؤدي إلى عزوف المستثمرين عن تأسيس شركات التوصية بالأسهم، ولذلك فإنّ الاستمرار بهذا النهج الذي سار عليه المشرع العربي في النص على أحكام الشركة دون إيضاح وتفصيل الأحكام الخاصة بها، جعل اللجوء إليها أمرًا غير مقبول لدى الكثيرين، نتيجة لعدم وضوح أحكام الشركة بالشكل الكافي والمقبول.
ثانيًا: إنّ شركة التوصية بالأسهم تطرح على الباحث جملة من القضايا المُهمة، لعلّ أهمها ذلك الطرح المتعلق بجدلية الإبقاء أو الإلغاء. إنّ المنطلق الرئيس للنظر في هذا الإشكال البحثي يستمدّ مشروعيته من هذا التناقض الحاصل في التشريعات العربية بين مؤيد للإبقاء وآخر مسارع للإلغاء. ويزداد حرج السؤال عندما يكون المهد التشريعي لهذا الشكل من الشركات لم يُقدم على خطوة الإلغاء لإيمانه بمنطق التعدد لهياكل الشركات وأهميته في تعزيز الاستثمار وتنميته.
ثالثًا: إنّ التشريعات العربية التي نادت إلى الإلغاء لم تكلف نفسها عناء البحث عن نقائص أو سلبيات كان قد تضمنها هذا الشكل من الشركات وتحاول إصلاحه أو تعديله وتدفع به قُدمًا ليكون شكلًا متميزًا من أشكال الشركات القائمة مع غيره من الأشكال الأخرى.
رابعًا: إنّ الإلغاء ما هو في الحقيقة إلّا تضييق على المستثمر في اختياراته للشكل الذي يرتئيه لإنشاء شركته. والحال أنّ التعدد هو فسح مجال أرحب لممارسة حق الاختيار من ضمن متعددات وأشكال مختلفة للشركات.
وعليه، فإننا في خاتمة هذا البحث:
أولًا: نهيب بالمشرع العربي في البلدان التي أقدمت على إلغاء أحكام شركة التوصية بالأسهم بضرورة إعادة النظر فيما ذهبت إليه، لا سيما وأنّ المهد التشريعي لهذا الشكل من الشركات (فرنسا) لم يقدم على خطوة الإلغاء.
ثانيا: نهيب بالمشرع العربي في البلدان التي أبقت على أحكام شركة التوصية بالأسهم في قوانينها، العمل على مراجعة ومناقشة كافة النصوص والأحكام المتعلقة بشركة التوصية بالأسهم، وإعادة تشكيلها ضمن إطار قانوني جديد يعمل على حلّ جميع الإشكالات والغموض الذي يحيط بالشركة، ومن ذلك توضيح طبيعة المشاركة بين الشركاء المتضامنين والشركاء المساهمين في الشركة، وبيان دور ومهام كل فئة من الشركاء، والحدود القانونية التي تعمل بها كل فئة من الشركاء، وبيان الفئة المسيطرة على الشركة بوضوح، وهذا يحتاج إلى تضافر الكثير من جهود خبراء قانون الشركات والمستثمرين.
ثالثًا: نهيب بالمشرع العربي الابتعاد ما أمكن عن إيراد النصوص التي تحيل إلى شركات أخرى، والعمل على وضع الأحكام القانونية الخاصة بشركة التوصية بالأسهم بدقة، وبيان الاختلافات الدقيقة التي تخص هذه الشركة حتى وإن كانت هذه الاختلافات تبدو بسيطة في بعض الأحيان.
رابعًا: نهيب بالمشرع العربي العمل على إزالة التناقض بين النصوص القانونية الخاصة بالشركة وطبيعتها القانونية، أو على الأقل الطبيعة المعروفة عنها في التشريعات المختلفة؛ لأنّ هذه الطبيعة متقاربة إلى حدّ كبير.
خامسًا: نهيب بالمشرع العربي عدم المساس بنصوص شركة التوصية بالأسهم أيًّا كان إقبال المستثمرين عليها، وإعطاء الفرصة للجهات المعنية للترويج لها، خاصة بعد تعديل أحكامها بالشكل الذي بيناه في هذه الورقة البحثية.
الكتب:
الرسائل والبحوث:
العفيف. ماجد حسين. "أثر إفلاس شركات الأشخاص على الشركاء "بحث منشور على الموقع الإلكتروني (الدليل الإلكتروني للقانون العربي): . www.Arablawinfo.com
القوانين:
أستاذ القانون المشارك، كلية الحقوق، الجامعة الأردنية
أستاذ القانون التجاري المساعد، كلية الحقوق، جامعة فيلادلفيا، الأردن
المشاهدات
التحميلات
الاستشهادات
المؤلفون
إصدار
السنة