الأحكام القانونية المنظمة للإحلال الطبي في القانون القطري والقانون المقارن

الملخص

يقوم الطبيب بعمل إنساني يتمثل في مساعدة المرضى وتقديم الخدمات الإنسانية للوصول إلى شفاء المريض، وذلك بالقيام بالتشخيص ثم تقديم العلاج المناسب، وتمتاز هذه المهنة بكونها مهنة ذات اعتبار شخصي، فمن ناحية تكون شخصية الطبيب ذات اعتبار بالنسبة للمريض. ومن ناحية أخرى، فإن الضغط الذي يعاني منه الطبيب نتيجة كثرة المرضى والمواعيد وحالات الاستعجال تدفعه أحيانًا نحو إحالة مريض أو أكثر إلى طبيب آخر. مما يثير تساؤلًا حول إمكانية إحالة المريض إلى طبيب آخر، كما يدعو إلى التساؤل حول مدى تأثير هذا الإحلال على مسؤولية الطبيب الأصلي.
وتبرز أهمية البحث من خلال اتصالها بمصالح المجتمع، فكلُّ إنسان مُعرّض للمرض، وكلُّ شخص بحاجة إلى مراجعة طبيب، والواقع العملي مليء بالأطباء الذين يقومون بإحالة مرضاهم إلى أطباء آخرين، والإحلال الطبي بحاجة إلى مزيد من الأبحاث لنتبيّن مدى جواز ذلك أولًا، ثم نبحث في كيفية تقرير المسؤولية في حالة نشوء ضرر طبي.
إضافة إلى ما سبق، فإن قلة الأبحاث في موضوع الإحلال الطبي تُضاعف من أهمية هذا البحث؛ مما دعا الباحث إلى دراسة القوانين المقارنة للوقوف على تجاربهم وأفضل تطبيقاتهم. وقد توصل البحث إلى عدد من النتائج أبرزها اعتبار العقد بين الطبيب والمريض أساسًا لاعتبار الإحلال الطبي عقدًا من الباطن، وزوال العقد الأصلي يترتب عليه زوال العقد من الباطن؛ حيث إن السبب في وجود العقد من الباطن هو تنفيذ التزام العقد الأصلي، ويعتمد جواز الإحلال الطبي من عدمه على الاعتبار الشخصي في العقد، فالعبرة بشخص الطبيب وأهميته بالنسبة للمريض، ذلك أن الاعتبار الشخصي يمنع أن يقوم شخص آخر غير الطبيب الأصلي بالقيام بالمهمة.
كما توصلت الدراسة إلى أن الأصل يتمثل في أن الطبيب الأصلي لا يكون مسؤولًا عن أخطاء الطبيب البديل الذي حلَّ محلَّه؛ ذلك لأنه يمارس عمله باستقلال عن زملائه، إلّا إذا كان الطبيب الأصلي يمارس سيطرة فعلية على عمل الطبيب البديل.
وأخيرًا فقد أوصت الدراسة بإلزام الأطباء بأخذ موافقة من المريض قبل إحالتهم إلى طبيب بديل لاستكمال العلاج؛ ذلك أن موافقة المريض ضرورية ولازمة حتى لا يُساءل الطبيب الأصلي عن أخطاء الطبيب البديل.

المقال الكامل

المقدمة

تعتبر مهنة الطب من أهم المهن على وجه الأرض؛ فالطبيب يقوم بعمل إنساني وهو مساعدة الضعفاء والمرضى وتقديم الخدمات للوصول إلى شفاء المريض أو محاولة شفائه عن طريق معالجته من الأمراض، كما يقوم الطبيب بأعمال الوقاية من الأمراض التي قد تنتقل إلى الإنسان. وتعتبر هذه المهنة من أكثر المهن حساسية وتعقيدًا لما لها من أصول فنية وعلمية مرعية، ولأنها تتعلق بجسم الإنسان الذي تحيط به أسرار إلهية لم تكتشف حتى يومنا هذا. ويُعد هذا المجال من أكثر المسائل التي اختلف بشأنها الفقهاء القانونيون والقضاة المستشارون لما له من تطبيقات معقدة ووقائع متعددة.

وفي المقابل يُعد التعاقد من الباطن من أهم التطبيقات القانونية التي يلجأ المتعاقد إليها حتى يخفف من الالتزامات التي تُلقى على كاهله، ويتضح ذلك في عقود المقاولة من الباطن؛ حيث يصعب على شركة واحدة القيام بمشروع بناء، كذلك قد يلجأ المتعاقد من الباطن إلى هذه العملية القانونية بهدف الربح ويتضح ذلك في الإيجار من الباطن، عندما يستأجر أحدهم منزلًا ويقوم بتقسيمه وتأجيره من الباطن بأجرة أعلى من التي يدفعها.

أولًا: إشكالية البحث:

ولكن تُثار عدة تساؤلات حول مدى إمكانية تطبيق التعاقد من الباطن في المجال الطبي؛ حيث إن الطبيب قد يتوقف عن عمله لسبب أو لآخر أو يتعرض لضغط كبير بسبب كثرة المراجعين والمرضى، وذلك لشهرته أو عدم وجود طبيب غيره بالمنطقة، فيضطر إلى أن يوكل طبيبًا غيره للقيام بالأعمال الطبية التي يفترض أن يقوم بها بنفسه. فهل يمكن للطبيب أن يحل طبيب آخر غيره للقيام بالعمل الطبي بدلًا منه؟ وهل يختلف ذلك في المستشفيات العامة؟ وما الحكم لو أن هناك حالة طارئة تستوجب تدخلًا سريعًا من الطبيب؟ وما مدى تأثير هذا الإحلال على مسؤولية الطبيب الأصلي؟

ثانيًا: أهمية الموضوع:

تنبع أهمية البحث من اتصاله المباشر بمصالح المجتمع، فلا يوجد إنسان لا يمرض، ولا يوجد أحد ليس بحاجة إلى طبيب، فمهنة الطب من أسمى المهن وأهمها، وفي الواقع العملي دائمًا ما يحيل الطبيب مريضه إلى طبيب آخر، إما لأن الطبيب البديل مختص لمعالجة المرض الذي يعاني منه المريض، أو لقيام الطبيب المعالج بأخذ إجازة أو لظرف دعاه إلى التغيب عن الحضور لمعالجة مريضه. وعلى ذلك يكون البحث في مجال الإحلال الطبي ليبين الأحكام المتعلقة به، ومدى جوازية هذه التصرفات من قبل الطبيب، والآثار التي قد تترتب على ذلك.

ثالثًا: منهج البحث:

وقد اتبع الباحث عدة مناهج للوصول إلى أجوبة على الإشكاليات المطروحة في الإحلال الطبي، وهي كالتالي:

أولًا: المنهج الاستنباطي: حيث انطلقنا من استنباط القواعد العامة في القانون المدني لاستخلاص قواعد خاصة في مجال الإحلال الطبي.

ثانيًا: المنهج الاستقرائي: حيث تم الوصول إلى قواعد عامة من خلال استقراء بعض الوقائع الخاصة كالقضايا وآراء الفقه للوصول إلى نتائج عامة في أحكام الإحلال الطبي.

ثالثًا: المنهج المقارن: حيث تم تداول بعض الأحكام القضائية في العديد من الدول المقارنة ومنها الولايات المتحدة الأمريكية وفرنسا وجمهورية مصر العربية، وذلك لافتقار القضاء القطري لأحكام قضائية فيما يتعلق بالإحلال الطبي، لكي نقف على الحلول الفقهية والقضائية التي اتبعتها الدول المقارنة.

رابعًا: خطة البحث:

للإجابة على التساؤلات المتعلقة بالبحث يتعين علينا أن نعرّف مفهوم العقد الطبي أولًا، ثم نبحث إمكانية الإحلال في العمل الطبي، ومن ثم نقف عند مسؤولية الطبيب التي قد تترتب على هذا الإحلال، وذلك في عدة مباحث يتم تقسيمها كالتالي:

مبحث تمهيدي: تحديد العقد الطبي

المبحث الأول: الإحلال الطبي بين المنع والإباحة

المبحث الثاني: المسؤولية المدنية للطبيب في الإحلال الطبي

المبحث التمهيدي

تحديد العقد الطبي

يقصد بالعقد الطبي اتفاق بين الطبيب والمريض على أن يقوم الأول بعلاج الثاني مقابل أجر معلوم(1). ويتجه البعض لتعريف العمل الطبي بأنه: "العمل الضروري والملائم لتحقيق الغرض الاجتماعي الذي يستهدفه الطب كعلم وفن"(2). ويعرفه البعض بأنه: "كل نشاط يرد على جسم الإنسان أو نفسه، ويتفق في طبيعته وكيفيته مع الأصول العلمية والقواعد المتعارف عليها نظريًا وعلميًا في علم الطب، ويقوم به طبيب مصرح له قانونًا به بقصد الكشف عن المرض وتشخيصه وعلاجه لتحقيق الشفاء، أو تخفيف آلام المرض والحد منها، أو منع المرض، أو بهدف المحافظة على صحة الأفراد، أو تحقيق مصلحة اجتماعية، شريطة توفر رضاء من يجري عليه هذا العمل" (3).

ولقد اختلف الفقه حول تكييف العقد الطبي، فمنهم من يذهب بأنه أحد العقود المسماة، ويوجد اتجاه آخر يرى أن العقد الطبي هو أحد العقود غير المسماة ولا يقع ضمن العقود المسماة؛ أي ضمن العقود التي أوجد لها المشرع تنظيمًا خاصًا.

كما اختلف أصحاب الرأي الأول في تكييف العقد؛ فمنهم من يرى أنه عقد وكالة، ومنهم من يذهب بأنه عقد عمل، ويوجد جانب من الفقه يذهب إلى أنه عقد مقاولة، كما سنرى. وبالإضافة إلى ذلك يلزم أن نعرف ما هي الخصائص التي تميز هذا العقد عن غيره من العقود حتى نفهم إمكانية إحلال طبيب غيره لتنفيذ التزامه.

لدراسة هذا المبحث يتعين علينا تقسيمه إلى مطلبين؛ نبحث أولًا مسألة الطبيعة القانونية لهذا العقد، ثم نتعرف على الخصائص التي تميزه عن غيره من العقود وذلك كالآتي:

المطلب الأول: تكييف العقد الطبي

المطلب الثاني: خصائص العقد الطبي

المطلب الأول

تكييف العقد الطبي

اختلف الفقه في مسألة تكييف عقد العمل الطبي؛ فقد اتجه جانب منهم إلى تكييفه كعقد عمل، بينما اتجه جانب آخر إلى اعتباره عقد وكالة، ومن ثم رجحت كفة الرأي الذي يذهب إلى اعتباره عقد مقاولة، بينما اتجه الفقه الحديث إلى اعتباره عقد غير مسمى.

الاتجاه الأول: العقد الطبي هو عقد عمل

اتجه جانب من الفقه إلى أن العقد الطبي عقد عمل، وذلك لأن الطبيب ملتزم بالقيام بعمل وهو بذل عناية لعلاج المريض والمريض يلتزم بدفع الأجر للطبيب. ولقد تعرض هذا الاتجاه للنقد؛ حيث إن عقد العمل يتميز بتبعية العامل لرب العمل وهذا لا يتصور مع مهنة الطب التي يتميز فيها الطبيب باستقلاله التام، فالطبيب يعمل وفق الأصول الفنية التي تقررها مهنته ولا يأخذ تعليمات من المريض، بل وحتى من مدير المستشفى الذي يعمل فيه في أمور مهنته الفنية(4).

الاتجاه الثاني: العقد الطبي هو عقد وكالة

يتميز عقد العمل الطبي بأنه من عقود الاعتبار الشخصي التي تكون فيها شخصية المتعاقد محل اعتبار عند التعاقد، وهذه الميزة دفعت جانبًا من الفقه إلى اعتبار أن العقد الطبي عقد وكالة يلتزم فيه الطبيب بأداء العلاج لمصلحة المريض. وهذا القول مردود عليه؛ حيث إن عقد الوكالة يتميز بأنه ينصب على عمل قانوني وليس عملًا ماديًّا كعمل الطبيب، كما أن الأصل في الوكالة أنها تكون تبرعيَّة أما عقد العمل الطبي فهو بأجر(5).

الاتجاه الثالث: العقد الطبي هو عقد مقاولة

اتجه جانب كبير من الفقه، ومنهم العلامة السنهوري إلى اعتبار العقد الطبي من عقود المقاولة(6). وقد عرف المشرع القطري المقاولة بأنها: "عقد يلتزم بمقتضاه أحد الطرفين أن يصنع شيئًا أو أن يؤدي عملًا للطرف الآخر لقاء أجر، دون أن يكون تابعًا لهذا الطرف أو نائبًا عنه"(7). ويتضح من هذا التعريف أن العقد الطبي ينطبق على عقد المقاولة حيث يؤدي الطبيب عملًا ماديًا وهو معالجة المريض الذي يلتزم بدوره بدفع الأجر للأول دون أن يكون الطبيب تابعًا له.

الاتجاه الرابع: العقد الطبي هو من العقود غير المسماة

الرأي الراجح فقهًا يذهب إلى أن العقد الطبي هو من العقود غير المسماة(8)، وذلك لأنه لا توجد من خصائص العقود المسماة ما ينطبق على هذا العقد، فالعقد الطبي من الصعب تكييفه على أنه عقد مقاولة لعدة أسباب؛ أولها أن الأصل في عقد العمل الطبي أنه يعتبر من عقود الاعتبار الشخصي والتي تكون شخصية المتعاقد محل اعتبار فيها؛ حيث تكون الثقة والشهرة والخبرة التي يملكها الطبيب هي الدافع وراء ذهاب المريض إليه، أما عقد المقاولة فالأصل فيه أنه ليس من عقود الاعتبار الشخصي، وبالتالي يمكن للمتعاقد فيها أن يكل تنفيذ جزء من الالتزام أو كله إلى غيره، ولا ينتهي العقد بموت المقاول وهو ما يتعارض مع طبيعة العقد الطبي، كما أن المقاول في عقد المقاولة يلتزم بتحقيق نتيجة كبناء جسر أو بيت وفق مواصفات معينة، أما التزام الطبيب فهو ببذل عناية، ويلتزم المقاول أيضًا بتسليم العمل في الوقت المتفق عليه ويجب عليه إنهاء العمل وفق الاتفاق وهذا لا يتصور في مهنة الطبيب؛ حيث لا يضمن فيها شفاء المريض(9)، ولقد أخذت محكمة النقض الفرنسية بهذا الرأي(10).

المطلب الثاني

خصائص العقد الطبي

يمكن لنا أن نستخلص من المطلب السابق أن أغلب الفقه يتجه إلى اعتبار أن العقد الطبي أحد العقود غير المسماة، وذلك لتميز خصائصه عن باقي العقود المسماة. وعليه فإن عقد العمل الطبي يتميز بأنه عقد رضائي لا يستلزم القانون شكلًا معينًا لانعقاده، وكذلك عقد معاوضة وملزم للجانبين ويقوم على الاعتبار الشخصي وهو أحد العقود غير المسماة.

أولًا: عقد العمل الطبي يعتبر عقد معاوضة، فكل طرف من أطراف هذا العقد يلتزم بأن يؤدي عوضًا لما يأخذ، فالطبيب يلتزم بأن يبذل عناية للوصول إلى شفاء المريض بغض النظر عن تحقق شفائه؛ لأنه يلتزم وفقًا لرأي أغلب الفقهاء ببذل عناية، فعلى الطبيب أن يبذل العناية الصادقة واليقظة وفقًا للأصول العلمية المستقرة في علم الطب ويكون ذلك في مقابل أجر. أما المريض فيلتزم بدفع الأجر للطبيب وذلك لقاء العناية التي يتلقاها من الطبيب للوصول إلى شفائه من المرض.

ثانيًا: عقد العمل الطبي ملزم للجانبين؛ حيث يرتب التزامات على عاتق الطرفين. ومن أهم التزامات الطبيب التزامه ببذل عناية صادقة ويقظة وفقًا للأصول المقررة في مهنة الطب للوصول إلى شفاء المريض ومتابعة علاجه، كما يلتزم ببذل الدقة في تحرير التذكرة الطبية ووصف العلاج السليم(11).

ثالثًا: يتميز العقد الطبي بأنه أحد عقود الاعتبار الشخصي، والمقصود بالاعتبار الشخصي أن شخصية أحد المتعاقدين أو كليهما تُعدُّ عنصرًا جوهريًا في العقد؛ حيث إنها هي الباعث الدافع للتعاقد، كذلك تكون شخصية الطبيب محل اعتبار عند ابرام العقد(12)، فالمريض عندما يقصد أحد الأطباء بشخصه يكون ذلك إما لأن المريض يثق به كما يحدث عادة عندما يعتاد مريض على ارتياد طبيب معين فلا يذهب لغيره؛ لأنه الأعلم بحالته ووضعه الصحي، أو لأن الطبيب يشتهر بأنه الأفضل في مجال معين لخبرته ولاختصاصه وكفاءته، كأطباء عملية الليزك فمن المعتاد أن يقوم المريض بوضع عينيه تحت يد يثق بها بعد قيامه بالبحث وطرح العديد من الأسئلة والبحوث عن أفضل الأطباء المتخصصين وذوي السمعة في المجال الذي يحتاجه حتى يختار الطبيب الذي سيجري له العملية. ويترتب على كون عقد العمل الطبي أحد عقود الاعتبار الشخصي أن الطبيب لا يستطيع أن يحل طبيب غيره محله لتنفيذ العقد، كما أن العقد ينتهي بموت الطبيب.

رابعًا: يتضح لنا من هذه الخصائص أن عقد العمل الطبي يتميز عن سائر العقود المسماة والتي أفرد المشرع لها تنظيمًا خاصًا في القانون ولذلك هو عقد غير مسمى وفقًا للرأي الراجح فقهًا.

المبحث الأول

الإحلال الطبي بين المنع والإباحة

بين ضرورة الإحلال الطبي العملية بين الأطباء يأتي القانون ليضع حدودًا لهذه الضرورة التي قد يعتبرها الأطباء ضرورة ملحة لعملهم، فالبعض قد يعتبرها عقدًا من الباطن والبعض يسبغ عليها قواعد خاصة لا تجيز بأن يتم تكييفها كعقد من الباطن.

وحتى نبحث أصل الموضوع يتوجب علينا أولًا النظر في القواعد القانونية التي تنظم مهنة الطبيب في دولة قطر، ومن ثم نرى إمكانية تكييف الإحلال الطبي كعقد من الباطن.

المطلب الأول: الإحلال الطبي وفقًا للقانون المنظم لمهنة الطب البشري في دولة قطر

المطلب الثاني: الإحلال الطبي والتعاقد من الباطن

المطلب الأول

الإحلال الطبي وفقًا للقانون المنظم لمهنة الطب البشري في دولة قطر

لقد ناقشنا سابقًا ماهية عقد العمل الطبي والاختلافات الفقهية حوله لنبين مدى إمكانية الإحلال الطبي والذي نقصد به اتفاق يحل فيه طبيب من الغير محل الطبيب المتعاقد مع المريض لعلاجه. فهل يمكن للطبيب أن يستفيد من أحكام التعاقد من الباطن بإحلال طبيب محله في تنفيذ التزامه وفقًا للتشريع القطري؟ ولكي نعرف مدى إمكانية ذلك يتعين علينا البحث في القانون المنظم لمهنة الطب البشري في التشريع القطري.

لقد نظم المشرع القطري مهنة الطبيب بالقانون رقم (2) الصادر سنة 1983 في شأن مزاولة مهنتي الطب البشري وطب جراحة الأسنان. وسوف نبحث في هذا القانون عن المواد التي تتعلق بالإحلال الطبي، وذلك في المستشفيات العامة والعيادات الخاصة لنتبين مدى جواز ذلك في كلتا الحالتين، وذلك في مطلبين كالآتي:

الفرع الأول: الإحلال الطبي في المستشفيات العامة

الفرع الثاني: الإحلال الطبي في العيادات الخاصة

الفرع الأول

الإحلال الطبي في المستشفيات العامة

بادئ ذي بدء، لا تثور مشكلة الإحلال الطبي إلا في حالة وجود عقد يجمع طبيب مع مريضه، ويقوم هذا الطبيب بإحلال طبيب آخر لم تتجه إليه إرادة المريض محله لعلاج الأخير أو لأداء عملية جراحية له، فبدون عقد لا حديث عن إمكانية إحلال طبي.

وهذا العقد لا يتوفر في حالة ذهاب المريض إلى مستشفى عام، والذي يحدث عادة أن المريض عندما يذهب لأحد المستشفيات العامة فهو يقصد المستشفى أو المؤسسة الاستشفائية بعينها ولا يقصد طبيبًا معينًا، وكما نعلم أن الرضا أحد أركان العقد بمعنى أن يكون هناك إيجاب وقبول، ويجب أن يقترن الإيجاب بالقبول وهذا غير متصور في هذه الحالة. فالمريض عندما يقصد مستشفى عامًّا لا يعرف الطبيب الذي سيعالجه ولا يختاره، والطبيب لا يعرف المريض ولا يختاره. وعليه لا يتوفر ركن الرضا في هذا العقد، وهو ركن لازم لانعقاد العقد الطبي، بل هو لازم لانعقاد أي عقد.

كذلك لا يمكن القول بأن هناك عقد اشتراط لمصلحة المريض بين الطبيب والمستشفى العام الذي يعمل به؛ لأن علاقة الطبيب بالمستشفى علاقة ليست عقدية، وهذا ما اتجهت إليه محكمة النقض المصرية عندما أثيرت مسألة مسؤولية الطبيب عن خطئه؛ حيث جاء في أحد أحكامها أنه: "لا يمكن مساءلة طبيب المستشفى العام إلا على أساس المسؤولية التقصيرية؛ لأنه لا يمكن القول في هذه الحالة بأن المريض قد اختار الطبيب لعلاجه، حتى ينعقد عقد بينهما. كما لا يمكن القول بوجود عقد اشتراط لمصلحة المريض، بين إدارة المستشفى العام، وبين أطبائها؛ لأن علاقة الطبيب الموظف بالجهة الإدارية التي يتبعها، هي علاقة تنظيمية، وليست تعاقدية. وبذلك لا يكون هناك محل لبحث مسؤولية الطاعن، في دائرة المسؤولية التعاقدية"(13.

وبما أنه لا يوجد عقد بين المريض والطبيب في المستشفى العام فإنه لا تثار أية مشكلة عندما يحل طبيب غيره محله للقيام بعلاج المريض، ذلك أن شخصية الطبيب ليست محل اعتبار عند المريض فهو لا يبالي بشخص الطبيب وخبراته ومؤهلاته، وإنما يهتم بتلقي الخدمة الطبية من أي طبيب يعمل في هذا المستشفى العام.

وبالنظر إلى قانون مزاولة مهنة الطب القطري نجد أنّه لا يوجد أي نص ينظم مسألة الإحلال الطبي في المستشفيات العامة(14، ولكن يمكن أن يُستفاد ضمنًا على جواز إحلال طبيب زميله مكانه لعلاج المريض في هذه المستشفيات من نص المادة (16) من هذا القانون والتي تنص على أنه: "إذا اضطر طبيب إلى التوقف عن علاج أحد المرضى بسبب القيام بإجازة أو لأي سبب آخر، وجب عليه أن يعطي المريض تقريرًا بالمعلومات التي يعتقد أنها ضرورية لاستمرار العلاج بحيث لا يترتب على انقطاع العلاج أي ضرر للمريض".

ويمكن القول إن النص السابق يجيز ضمنًا عملية الإحلال الطبي، بشكل عام؛ حيث يقضي بوجوب إعطاء الطبيب البيانات الضرورية للمريض عند أخذه إجازة أو توقفه عن العمل لأي سبب كان، والعلة في هذا الحكم هو استمرارية العلاج وعدم توقفه حتى لا يتضرر المريض من ذلك، وبطبيعة الحال سوف يقوم طبيب آخر في هذه الحالة بمتابعة العلاج مع المريض؛ مما يفهم منه أن المشرع لم يمنع ذهاب المريض إلى طبيب آخر، فلو اتجهت إرادة المشرع إلى منع الإحلال الطبي في المستشفيات العامة لسارع إلى النص صراحة على ذلك أو امتنع عن نص المادة السابقة.

واتجاه المشرع في ذلك يتفق مع الصواب؛ حيث إن الطبيب في عمله قد يتوقف لأي سبب وقد يخرج في إجازة وذلك لصيانة جسده وأخذ قسط من الراحة من ضغوط العمل التي قد تؤثر على مستوى جودة عمله إذا استمر يعمل ليلًا ونهارًا، وبخاصة في المستشفيات العامة التي تكون أكثر ازدحامًا من غيرها بالمراجعين والمرضى. وبناءً على ذلك فالإحلال الطبي جائز في المستشفيات العامة؛ حيث لا يوجد عقد يكون فيه الاعتبار الشخصي عائقًا لذلك، ولا يوجد نص يمنع ذلك في قانون مزاولة مهنة الطب القطري، إلَّا أن الحكم يختلف عن ذلك في العيادات الخاصة.

الفرع الثاني

الإحلال الطبي في العيادات الخاصة

استنتجنا سابقًا أن عملية الإحلال الطبي جائزة في المستشفيات العامة، وذلك وفقًا لقانون تنظيم مهنة الطب في دولة قطر، ولكن هل يمكننا القول إنها ممكنة أيضًا في العيادات الخاصة؟

الأصل أن الطبيب لا يجوز له أن يتفق مع طبيب آخر على أن يحل محله في علاج المرضى، وذلك لأن شخصية الطبيب محل اعتبار عند التعاقد(15، بخلاف المستشفيات العامة؛ حيث تنص المادة (14) من قانون تنظيم مهنة الطب البشري القطري على أنه: "يجب على الطبيب المرخص له بالعمل في القطاع الخاص إخطار الجهة المختصة بكتاب موصى عليه عند مغادرته البلاد لمدة لا تزيد عن شهرين. كما يجب عليه غلق العيادة مدة غيابه، إلّا إذا قدم طلبًا للترخيص لطبيب آخر رخص للعمل محله أثناء غيابه، وتمت الموافقة على هذا الطلب بإخطار كتابي من الجهة المختصة. وفي حالة إيقاف الطبيب عن عمله لفترة لا يجوز أن يحل محله طبيب آخر في مدة الإيقاف، وتغلق العيادة".

يتضح من النص أن الأصل عدم جواز إحلال الطبيب لأحد غيره لعلاج المرضى في العيادات الخاصة عند مغادرته للبلد ويجب عليه غلق عيادته، ولكن استثناءً يجوز ذلك بشروط مبينة في هذا النص وهي:

أولًا: يجب ألَّا تزيد المدة التي سيتغيب فيها عن شهرين، وبالتالي إذا زادت المدة عن ذلك لا يستطيع أن يحل طبيبٌ آخر محله.

ثانيًا: يجب أن يكون الطبيب البديل قد رخص له بمزاولة المهنة وفقًا لقانون تنظيم مهنة الطب البشري.

ثالثًا: يجب على الطبيب الذي سيغادر البلاد تقديم طلب للجهة المختصة للطبيب الآخر المرخص له بمزاول المهنة، والجهة المختصة هي اللجنة الدائمة للتراخيص في وزارة الصحة.

رابعًا: موافقة الجهة المختصة على هذا الطلب وذلك بإخطار كتابي.

ولقد نص المشرع على عدم جواز إحلال الطبيب لغيره في العيادات الخاصة عند إيقافه عن العمل وأوجب على الطبيب الموقوف غلق عيادته.

ويتبين من النص سالف الذكر أن المشرع أحاط الإحلال الطبي في العيادات الخاصة بالكثير من القيود، ولا يستطيع الطبيب أن يحل أحدًا غيره إلّا بعد الحصول على موافقة اللجنة المختصة، ويعني ذلك أن الموافقة على الإحلال الطبي تخضع للسلطة التقديرية لهذه اللجنة حسب معايير تحددها؛ فقد تأخذ بالحسبان خبرة الطبيب البديل وكفاءته ومؤهلاته وقدرته على سد مكان الطبيب الذي سيغادر البلاد.

فالمشرع يدرك أن الاعتبار الشخصي والثقة التي يوليها المريض للطبيب الذي يعمل بهذه العيادة هو الذي يدفع الأول للتردد عليها؛ حيث إن شخصية الطبيب محل اعتبار عند هؤلاء المرضى. وفي المقابل يختلف الأمر عن المستشفيات العامة التي يذهب إليها المريض دون أن يعلم من هو الطبيب الذي سيعالجه؛ حيث يختار المريض الطبيب الذي سيعالجه عند توجهه لهذه العيادة، كما يوجد عقد طبي في هذه الحالة بخلاف المستشفيات العامة.

ولم يمنع المشرع القطري الإحلال الطبي في العيادات الخاصة بشكل مطلق، وذلك اعترافًا بحق الطبيب في حصوله على إجازة ومغادرة البلاد لأخذ قسط من الراحة كأي عامل دون أن يتوقف العمل بالعيادة، ولكن أحاط الإحلال الطبي بالكثير من القيود حماية للمرضى الذين وضعوا ثقتهم به؛ حتى لا يتسبب بضرر لهم نتيجة توقف العلاج أو حلول طبيب آخر يجهل حالة المرضى.

وفي جميع الأحوال، يستطيع الطبيب أن يرتب جدول مواعيده وفقًا للإجازة التي سيتوقف بها ولا يضع مواعيدًا في تواريخ معينة سيغادر بها وعليه أن يغلق العيادة، وإذا كان لا يريد توقف العمل بالعيادة يطلب من أحد الأطباء العمل بالعيادة وفقًا للشروط التي نصت عليها المادة (14) من قانون تنظيم مهنة الطب في قطر.

وتجدر الملاحظة إلى أن المشرع قد منع الإحلال الطبي بشكل كامل في حالة إيقاف الطبيب عن عمله خلال مدة الإيقاف، وقد تكون العلة هي ردع الطبيب بسبب الفعل الذي أدّى لإيقافه، ولحماية المرضى أيضًا؛ لأن شخصية الطبيب كانت محل اعتبار عند تعاقد المرضى معه.

المطلب الثاني

الإحلال الطبي والتعاقد من الباطن

يعرّف التعاقد من الباطن بأنه: "العقد الذي يبرمه المتعاقد المشترك مع شخص أجنبي عن العقد الأصلي يقال له المتعاقد من الباطن، وذلك بهدف تنفيذ العقد الأصلي أو الحصول على منفعة ناشئة عن العقد الأصلي. فالتعاقد من الباطن عملية عقدية تفترض وجود عقدين وثلاثة أطراف، العقد الأول هو العقد الأصلي يبرم بين طرفين يطلق على أحدهما المتعاقد الأصلي وعلى الآخر الذي يبرم العقد من الباطن المتعاقد المشترك، والعقد الثاني هو العقد من الباطن يبرم بين المتعاقد المشترك وشخص أجنبي عن العقد الأصلي هو المتعاقد من الباطن"(16.

والإحلال الطبي هو اتفاق يحل فيه الطبيب طبيبًا غيره لعلاج المريض كما أسلفنا سابقًا. فهل يُعدُّ الإحلال الطبي عقدًا من الباطن؟ للإجابة على هذا التساؤل يتعين علينا أن نبحث حول مدى تأثير الاعتبار الشخصي على عقود العمل الطبيَّة وعلى جواز الإحلال الطبي فيها، والاستثناءات الواردة على ذلك، ثم نرى إمكانية اعتبار الإحلال الطبي عقدًا من الباطن في حالة عدم جواز الإحلال، ونرى إمكانية ذلك في حالة الاستثناء على الأصل؛ أي إمكانية اعتبار الإحلال الطبي عقدًا من الباطن في حالة جواز الإحلال الطبي. وبناءً عليه، نقسم المطلب كالآتي:

الفرع الأول: في الأصل - عدم جواز الإحلال في عقد العمل الطبي

الفرع الثاني: استثناءات على عدم جواز الإحلال الطبي

الفرع الأول

في الأصل - عدم جواز الإحلال في عقد العمل الطبي

إذا نشأ عقد طبي بين طبيب ومريض وكان صحيحًا مستوفيًا لأركانه وشروط صحته؛ فإنه لا يجوز أن يحل فيه الطبيب طبيبًا غيره لعلاج المريض(17. والعلة في ذلك هي أن العقد الطبي من عقود الاعتبار الشخصي؛ حيث تكون شخصية الطبيب محل اعتبار في العقد، وهي الدافع إلى إبرام العقد. فلولا شخص الطبيب لما تعاقد المريض معه؛ فقد اختاره لعلاجه ولم يختر غيره.

فالمريض قد يختار طبيبه على أساس الثقة المتبادلة بينهما؛ كأن يعتاد أن يراجع طبيبًا معينًا لأنه يعلم بعلته وحالته المرضية، وقد يكون اختيار المريض لطبيب معين لمؤهلاته وكفاءته وشهرته في مجال طبي معين، كالأطباء المعروفين في عمليات تصحيح النظر (الليزك)، فالغالب أن يقوم المريض بالاستفسار عن أفضل الأطباء في هذا المجال، فهو يريد أن يضمن سلامة حاسة النظر ولا يريد المخاطرة بها عند أي طبيب آخر.

فإذا فرضنا أن هناك شخصًا تعاقد مع طبيب الليزك من أجل إجراء عملية جراحية في بصره ثم ذهب إلى العيادة لإجرائها، فتفاجَأ بوجود طبيب غير الذي اتفق معه يريد أن يجري له العملية، يكون للمريض الحق في رفض هذه العملية؛ لأنه تعاقد مع طبيب معين مشهود له بالكفاءة في هذا المجال ويثق به، ولا يعرف هذا الطبيب الجديد ولم تنصرف إرادته للتعاقد معه، ولا يستطيع الوثوق به لإجراء هذه العملية في بصره.

بالإضافة إلى ذلك، يؤدي الغلط في عقود الاعتبار الشخصي إلى جعل العقد باطلًا بطلانًا نسبيًا؛ فإذا تعاقد مريض مع طبيب معين لصيته في مجال اختصاصه لإجراء علاج معين، وعندما ذهب لإجراء العملية قام طبيب غيره بإجرائها له يكون العقد باطلًا بطلانًا نسبيًا؛ أي يكون قابلًا للإبطال لمصلحة المريض؛ لأن إرادته لم تنصرف إلى الطبيب الذي أجرى له العملية، ويجوز له التمسك بالبطلان وفقًا للقواعد العامة في القانون المدني القطري(18. فيعد عقد العمل الطبي أحد عقود الثقة؛ حيث تكون شخصية الطبيب عنصرًا جوهريًّا في العقد ويكون الدافع للتعاقد الاطمئنان والثقة التي يوليها المريض لطبيب معين.

ويثار تساؤل حول مدى اعتبار الإحلال الطبي تعاقدًا من الباطن، وهي العملية العقدية التي يبرمها شخص ملتزم بعقد سابق مع شخص من الغير، وذلك بهدف تنفيذ العقد السابق. ومن أحد شروط التعاقد من الباطن أن يكون العقد الأصلي سابقًا في نشوئه عن العقد من الباطن، بل يجب أن يكون العقد الأصلي قائمًا ومستمرًا، فإذا قضي ببطلانه أو تم فسخه يزول معه ما رتبه من عقودٍ من الباطن(19.

وعلى ذلك يمكن القول إنه في حالة وجود عقد طبي بين طبيب ومريض، ثم تم اتفاق بين الطبيب الملتزم تعاقديًا والطبيب الآخر على علاج المريض الملتزم مع الطبيب الأول، وقبل المريض ذلك يكون الإحلال الطبي عقدًا من الباطن، وذلك لأنه يوجد عقدٌ أصلي بين الطبيب والمريض ويوجد عقدٌ من الباطن بين المريض والطبيب الجديد.

أما في حالة عدم قبول المريض لهذا الاتفاق فله كل الحق في ذلك، ويترتب عليه عدم وجود العقد من الباطن؛ حيث إن هذا العقد، كما ذكرنا، يعد من عقود الاعتبار الشخصي، ويجب أن يقوم به الطبيب بنفسه، وإن أحل غيره محله فللمريض أن يرفض ذلك، ويترتب على رفض الأخير عدم نشوء العقد من الباطن، ويستطيع المريض الرجوع على الطبيب لإجباره بتنفيذ العقد عينيًا أو بمقابل وفقًا للقواعد العامة. أما في حالة وقوع المريض في غلط؛ أي ذهب إلى العيادة وقام بإجراء العملية طبيب آخر غير الذي تعاقد معه، ولم يعلم ذلك فإن للمريض أن يتمسك ببطلان العقد الأصلي، وفقًا لقواعد القانون المدني القطري، وإذا قضي ببطلان العقد يعني زواله وبالتالي يزول العقد من الباطن معه.

وبصفة عامة وجود العقد الأصلي شرط لوجود وبقاء العقد من الباطن ويترتب على زوال العقد الأصلي زوال العقد من الباطن. وبما أن الاعتبار الشخصي حاضر وبقوة في عقد العمل الطبي فإن القاعدة العامة هي عدم جواز الإحلال فيه، وبالتالي لا يمكن القول إن الإحلال يعد عقدًا من الباطن. والحالة الوحيدة التي يكون فيها الإحلال عقدًا من الباطن هي حالة قبول المريض للطبيب الذي لم يتعاقد معه، وتنازل الأول عن الاعتبار الشخصي في هذا العقد.

وفي حالة قبول المريض للطبيب الذي لم يتعاقد معه تترتب على ذلك كافة الآثار القانونية للتعاقد من الباطن، ويكون الطبيب الأصلي ملتزمًا بكافة الالتزامات التي تترتب عليه من العقد الأصلي، ولا يغير وجود عقد من الباطن في شيء بالنسبة له، ويكون العقد من الباطن مستقلًا بين طرفيه، فلا يستفيد الطبيب الآخر باتفاقات المسؤولية العقدية التي في العقد الأصلي، إن وجدت، ويكون الطبيب الأصلي مسؤولًا عن أخطاء الطبيب الآخر في مواجهة المريض إذا توفرت أركانه وشروطه(20.

الفرع الثاني

استثناءات على عدم جواز الإحلال الطبي

لقد ذكرنا سابقًا أن السبب الرئيس في عدم جواز الإحلال الطبي هو الاعتبار الشخصي في عقد العمل الطبي. ولقد تراجع دور الاعتبار الشخصي مع تطور الأعمال الطبية؛ حيث تأسست المستشفيات الخاصة الشهيرة، والمؤسسات الطبية العامة التي تقوم على اختيار أفضل الموظفين بها، وتقدم أفضل الخدمات العلاجية المتطورة(21. فالمريض أصبح يتعاقد مع المؤسسة الطبية أو المستشفى الخاص بغض النظر عن الطبيب الذي سيعالجه، وبالتالي يتراجع دور الاعتبار الشخصي في الطبيب؛ لتكون شخصية المؤسسة الاعتبارية هي العنصر الجوهري في العقد.

وعليه يكون من الصعب اعتبار الإحلال الطبي عقدًا من الباطن في هذه الحالة؛ لأن المريض لم يختر طبيبًا بعينه وإنما رضي بأي طبيب في هذا المستشفى، ولا يوجد عقد أصلي بين المريض والطبيب، بل بين المستشفى الخاص والمريض، وبالتالي لا يمكن القول بوجود عقد من الباطن.

أما في المستشفيات العامة لا وجود للاعتبار الشخصي؛ لأن المريض لا يقوم باختيار طبيب معين، كما أسلفنا، ويترك ذلك لترتيبات وتنظيمات المستشفى العام، وفقًا لاحتياجاته ومتطلباته، وبالتالي لا ينعقد العقد الطبي بين الطبيب والمريض، ويترتب على ذلك عدم إمكانية اعتبار الإحلال الطبي في هذه الحالة عقدًا من الباطن بسبب عدم وجود العقد الأصلي. ولكن قد تثار عدة تساؤلات عند قدوم المريض في حالات الطوارئ أو الحوادث فهو يدخل على الطبيب ولا يعلم إن كان هو الطبيب الأصلي أو البديل، فهل يوجد عقد طبي في هذه الحالة؟ وهل يتصور الإحلال الطبي في هذه الحالة؟

الفرض في هذه الحالة أن يقوم الطبيب بتدخل عاجل لإنقاذ مصاب، أو تكون هناك حالة مستعجلة طارئة ولا تكون هناك فرصة للمريض حتى يعبر عن إرادته، وبالتالي يتخلف أحد أركان العقد وهو الرضا، فلا يمكن القول بوجود عقد بين المريض والطبيب في هذه الحالة(22. وبما أن العقد لا يتوفر فلا مجال للحديث عن الإحلال الطبي الذي يفترض وجود عقد طبي من الأساس، ومن ثم وجود اتفاق على أن يحل طبيب آخر محل الطبيب الملتزم في هذا العقد. وهذه الحالات المستعجلة تتطلب مساعدة عاجلة من أقرب طبيب متواجد في المنطقة، فلا مجال فيها لانتظار الطبيب الخاص بالمريض حتى يصل. وبما أنه لا يوجد إحلال فلا يوجد عقد من الباطن في هذه الحالات؛ لأنه لا يوجد عقد أصلي بين المريض والطبيب، وكما قلنا سابقًا عدم وجود عقد أصلي يعني عدم وجود عقد من الباطن.

المبحث الثاني

مسؤولية الطبيب المدنيَّة في الإحلال الطبي

يثور تساؤل حول تحديد مسؤولية الطبيب في إحلال طبيب غيره لعلاج المريض، ففي حين أن الإحلال الطبي قد يكون ضروريًا أحيانًا لاستمرارية العمل الطبي؛ إلا أن ذلك قد يثير إشكالًا في تحديد المسؤول عن الخطأ الطبي في حالة حدوثه.

يدفعنا التساؤل السابق إلى دراسة مسؤولية الطبيب الذي أحال غيره في علاج مريضه، وحتى لا نطيل البحث في مجال المسؤولية لن نتطرق إلى القواعد العامة في المسؤولية المدنية ونبحث في أركانها لتناولها في العديد من الأبحاث السابقة، وإنما سنقصر البحث في الآتي:

المطلب الأول: إحالة الطبيب للمريض إلى طبيب آخر ذي اختصاص مختلف لحاجة طبية

المطلب الثاني: إحالة الطبيب مريضه إلى طبيب آخر في ذات اختصاصه

المطلب الأول

إحالة الطبيب للمريض إلى طبيب آخر ذي اختصاص مختلف لحاجة طبية

مع تطور العلوم الطبية ووجود أطباء مختصين في مجالات عديدة، قد يحيل الطبيب مريضه إلى طبيب آخر مختص لإكمال علاج المريض لحاجة طبية، ويحدث ذلك كثيرًا في الواقع العملي؛ كأن يقوم طبيب أسنان عام بإحالة مريضه إلى طبيب جراحة أسنان أو طبيب تركيبات، كذلك قد يحيل الطبيب الجراح مريضه إلى طبيب التخدير قبل إجراء العملية الجراحية؛ مما يثير تساؤلًا حول تحديد المسؤول عن الخطأ الطبي في حال حدوثه لدى الطبيب المحال إليه، فهل يسأل الطبيب الأصلي أم الطبيب المحال إليه عن خطأ الأخير؟

على الرغم من أن الطبيب مستقل في ممارسته لمهنته طبقًا لما يمليه عليه ضميره(23)، وأن القاعدة العامة تقضي بأنه لا يلزم باستشارة طبيب آخر أكثر خبرة أو تخصصًا منه، إلَّا أنه توجد حالات استثنائية تستدعي منه ذلك، وبخاصة إذا طلب المريض أو عائلته استشارة طبيب متخصص، ويعد مسؤولًا إذا لم يقم بذلك(24). وبما أن العقد الطبي من العقود ذات الاعتبار الشخصي، كما أشرنا سابقًا، فإن ذلك يستلزم عدم تحويل المريض إلى طبيب آخر دون موافقته(25).

ويذهب جانب من الفقه إلى أن الطبيب المعالج مسؤول عمّا يصيب مريضه من أضرار في حالة التحويل، فكل خطأ وقع منه قبل تحويل مريضه يكون مسؤولًا عنه، إذا ثبت بأن حالة المريض لم تتدهور بسبب الطبيب الآخر، أما إذا حدث ذلك فتنقسم المسؤولية بينهما، أما بالنسبة للضرر الذي يقع من الطبيب الخلف بعد اكتمال عملية التحويل فإن الأخير هو المسؤول عنه؛ لأن الضرر وقع بعدما انتهت العلاقة القانونية بين الطبيب الأصلي والمريض(26).

بينما يضع بعض الفقه قاعدة عامة مضمونها أنه يعتبر الطبيب مسؤولًا عن أفعال الطبيب الآخر كلما كان تابعًا للطبيب الأول، ولا يمكن مساءلة الطبيب عن خطأ طبيب آخر إلَّا إذا كانت لدى الأول سيطرة فعلية على عمل الأخير(27).

ويرى جانب آخر أنه في حالة إحالة الطبيب مريضه إلى طبيب التخدير يعتبر مسؤولًا عن أي خطأ يصدر من الأخير، عند لجوء الطبيب له، دون الحصول على موافقة المريض على ذلك؛ حيث إنه في هذه الحالة يتبع الطبيب ويقوم بإجراء يعد جزءًا رئيسًا من التزامات الطبيب، أما إذا كان لجوء الطبيب إلى طبيب التخدير بناء على طلب المريض فينشأ عقدٌ بينهما بالإضافة إلى العقد القائم بين المريض والجرّاح، وبالتالي يسأل كل منهما عن تنفيذ عقده مع المريض(28). وقد استقر القضاء على أن الطبيب لم يعد مسؤولًا عن الخطأ الذي يصدر من طبيب التخدير، عند عدم اعتراض المريض على تحويله إليه، لافتراض وجود عقد ضمني بين الطرفين(29).

وفي نفس السياق قضت محكمة لوس أنجلوس في قضية (Royer v. St. Paul Fire an Marine ins. Co) بأن الجرَّاح لم يكن مسؤولًا بالتبعية عن خطأ طبيب الأشعة، عند قيامه بتصوير شريان مريض مما أدى إلى وفاته، وقد قررت بأن طبيب الأشعة لم يكن وكيلًا أو عاملًا أو خادمًا للطبيب الجرَّاح، بل إن كلا الطبيبين يمارسان نوعًا مختلفًا من الطب، ومستقلين تمامًا عن بعضهم البعض(30).

ويثور كذلك تساؤل حول مسؤولية الطبيب عند لجوئه إلى استشارة طبيب آخر أكثر اختصاصًا منه، فعلى الرغم من جوازية ذلك بالنسبة للأطباء غير أنه في حالات استثنائية يلزمون بذلك(31)؛ فإذا وقع خطأ من الطبيب المختص الذي قدم استشارته للطبيب الأول، فهل يسأل الطبيب الأصلي عن خطأ الطبيب الآخر الذي لجأ إليه؟

في الواقع يعتمد ذلك على كل واقعة على حدة، وعلى مدة تزامن العناية المقدمة من كل طرف، ومدى استقلالية كل طرف في عمله، ففي ولاية فرجينيا في قضية (Largess v. Tatem) قام طبيب عام بتحويل مريضة على طبيب جراحة عظام لتعالج كسر في وركها الأيسر، وبعد اجرائِها للعملية الجراحية بنجاح قام بتحويلها مرة أخرى إلى الطبيب العام لتستأنف علاجها الطبيعي، وقد وضع ملاحظة في تقرير إحالتها تفيد بعدم السماح لها بحمل أوزان ثقيلة أو أي عمل شاق على وركها الأيسر، وعند سماح الطبيب العام لها بالخروج من المستشفى أهمل في إخبار المريضة بملاحظات الطبيب المختص؛ مما أدى إلى فشل العملية الجراحية، الأمر الذي استدعى تدخلًّا جراحيًّا آخر لإصلاح الضرر، وبناء على ذلك قضت محكمة فرجينيا بمسؤولية الطبيب العام، رغم عدم وضع ملاحظات محددة بشأن السماح للمريضة بالخروج من المستشفى، وقررت بأنه كان يجب على الطبيب العام أن يعلم - بناء على ملاحظات الطبيب المختص وعلى خبرته في علم الطب - بأن حمل أي أوزان قد يكون خطيرًا على المريضة، وإذا لم يكن متأكدًا من ذلك كان يجب عليه استشارة الطبيب المختص(32).

وإذا كان الطبيب ملزمًا في بعض الأحيان باستشارة زميله؛ فإنه من باب أولى أن يلجأ طبيب غرفة الطوارئ للطبيب المختص بكل حالة مرضية؛ فقد جرت العادة بأن يكون هناك أطباء (On Call) يتم استدعاؤهم عند الحاجة، وفي هذا السياق قضت محكمة بولاية لويزيانا الأمريكية بأن طبيب غرفة الطوارئ والمستشفى مسؤولان بالتضامن بسبب عدم قدرتهما على تشخيص مرض التهاب السحايا - وهو مرض بكتيري - لطفل عمره ست سنوات، ووجدت المحكمة بأن الطبيب قد أهمل؛ لأنه لم يتبع سياسات المستشفى التي تقضي بعدم جواز ترك طفل دون 16 عامًا يخرج من المستشفى دون استشارة طبيب الأطفال، والمستشفى مسؤول؛ لأنه لم يتخذ الاجراءات اللازمة لإرشاد الأطباء نحو هذه السياسات والاجراءات(33).

وقد جرت المحاكم في الولايات المتحدة بعدم مساءلة الأطباء الذين يبحثون عن الاستشارة؛ إلّا إذا كانت هناك سيطرة فعلية من طبيب على آخر، أو إذا أوكل الطبيب غيره بعمل طبي، أو كان كلا الطبيبين قد استمرا بعلاج المريض، أو كان الطبيب الأساسي موجودًا مع الطبيب المختص أثناء العلاج ويمارس بعضًا من السيطرة عليه، كما أن المحاكم تميز بين الاستشارة المتكررة أو الرسمية وبين الاستشارة الودية؛ حيث إن الأخيرة لا توجب المساءلة(34).

ويمكن القول بناء على ما سبق، أن القاعدة العامة تقضي باستقلال الطبيب في عمله؛ فهو يتمتع باستقلال كامل في مهنته(35)، وبذلك يكون مساءلًا عن أي خطأ يصدر منه؛ إلَّا إذا كان بعد إحالته مريضه على طبيب آخر ما زال يمارس سيطرة فعلية على عمله الطبي، فيكون في هذه الحالة مساءلًا عن أخطاء الطبيب المختص.

المطلب الثاني

إحالة الطبيب مريضه إلى طبيب آخر في ذات اختصاصه

من المتصور أحيانًا أن يقوم طبيب بإحلال طبيب آخر محله، لظروف شتى؛ كأن يخرج في إجازة أو يطرأ له ظرف شخصي؛ فيقوم أحد زملائه من الأطباء بالحلول محله في علاج مرضاه مؤقتًا. ويلتزم الطبيب المعالج في هذه الحالة بأن يبلغ مرضاه بأنه سيغيب بعض الوقت وسوف يحل محله زميله، ويلتزم الطبيب الجديد بأن يتابع المرضى كأنهم مرضاه، وبعودة الطبيب الأصلي ينتهي الحلول حتى لا تهتز الثقة القائمة بين الطبيب المعالج ومرضاه(36).

وبطبيعة الحال، يتعين أن يكون الطبيب البديل مرخصًا له بممارسة مهنة الطب البشري، مع مراعاة الخبرة والتخصص، فلا يجوز للأخصائي أن يحيل طبيبًا عامًا محله، وقد قضي بمسؤولية طبيب التخدير الذي أحال محله ممرضة عن الأضرار التي سببتها للمريض(37). ويثير إحلال الطبيب طبيبًا آخر محله لعلاج مرضاه الكثير من التساؤلات حول تحديد المسؤول في حالة حدوث خطأ طبي من الطبيب البديل، فهل يكون الطبيب الأصلي مسؤولًا بالتبعية عن أخطاء الطبيب البديل؟ أم إن الطبيب البديل يساءل باستقلال عن خطئه؟

في الواقع لا يثير إحلال الطبيب طبيبًا آخر محله أي إشكال، فالطبيب البديل يتمتع بالاستقلال التام في عمله، ويكون مسؤولًا عن أخطائه التي تقع منه وحده(38)، ما لم يكن الطبيب الأصلي يمارس سيطرة فعلية على الطبيب البديل، كما أسلفنا. وفي المقابل عندما يكون الإحلال قد وقع أثناء تلقي المريض لعلاجه فقد اختلف الفقه في تقرير المسؤولية فمنهم من يرى أن الفرض لا يختلف عما سبق، فيكون الطبيب البديل مسؤولًا عن أخطائه التي تقع منه، لأن علاقته بالطبيب الأصلي تنتهي بمجرد موافقة المريض على إحلال الطبيب البديل، أما أصحاب الرأي الآخر فيرون أن الطبيب الأصلي مدين دائمًا بالتزامه في عناية المريض، نظرًا للاعتبار الشخصي لعقد العمل الطبي، فيبقى بذلك الطبيب الأصلي مسؤولًا عن أخطاء خلفه(39).

وفي نفس السياق، قضت محكمة نيويورك بأن طبيب الولادة لا يعد مسؤولًا بالتبعية عن إصابة جنين تم ولادته في حالة صعبة نتيجة مضاعفات بسبب حالة مشيمة لم يتم تشخيصها، فعلى الرغم من أن المحكمة وجدت أن تدخل الطبيب الخلف مفيدًا؛ فإنه كذلك لا توجد علاقة تبعية بينه وبين الطبيب الأصلي لغياب عنصر سيطرة الأخير عليه(40)، وقد قررت المحكمة بأن تغطية الأطباء على عمل بعضهم البعض ضرورية لاستمرار العناية الطبية، كما قضت بأن مساءلة الطبيب الأخصائي لمجرد طلبه عن طريق الهاتف وذهابه للمشاركة في العمل الطبي، سيؤدي إلى عدم تشجيع العمل في بعض التخصصات الطبية وسينتج عنه زيادة مصاريف العناية الطبية، ومسألة تحديد وجود علاقة تبعية أو عنصر سيطرة هي مسألة موضوعية يقدرها قاضي الموضوع(41).

كما يذهب الفقه إلى أنه يمكن مساءلة الطبيب الأصلي عند اختياره لطبيب غير كفء للحلول محله، بسبب إدمانه المخدرات أو الكحوليات أو بسبب الشيخوخة أو لضعف قواه العقلية(42). فأخلاقيات الطبيب المعالج يتعين أن تلزمه باختيار طبيب كفء للحلول محله، ويجب أن يكون في ذات اختصاصه، ولديه من الإمكانيات ما يؤهله لإكمال علاج مرضى الطبيب الأصلي، فالمرضى يضعون كل ثقتهم فيه، ومن غير الملائم اختيار طبيب بديل غير مناسب أو لا يملك من الإمكانيات ما يكفي للقيام بعمل الطبيب الأصلي.

وقد قضت محكمة التمييز الفرنسية بمسؤولية الطبيب الذي ترك مريضه لرعاية مساعد طبيب غير متخصص، وقد رفض الانضمام بعد ذلك إلى زملائه لتشخيص حالة المريض الأمر الذي أدى إلى تأخير علاجه(43). وعلى نفس السياق قررت محكمة كولورادو في قضية (Kitto v. Gilbert) بأن طبيبًا جَرَّاحًا مسؤول عن أفعال طبيب تخدير اختاره لاستكمال إجراءات العملية الجراحية، وقد قضت بأن الإهمال في اختيار طبيب آخر قد يثير مسؤوليته إذا ثبت بأنه يعلم بميول الطبيب البديل الإهمالية ومع ذلك ثبت على اختياره له، وكذلك يمكن مساءلته إذا لم يقم بالاستفسار بشكل معقول عن جدارته لإجراء العمل الطبي(44).

ويمكن الاستدلال بذلك على خصوصية عقد العمل الطبي القائم على الاعتبار الشخصي، فالطبيب يجب أن يكون على قدر من الثقة والأمانة حتى في عملية اختياره لبديله، فالمرضى يأتمنونه على سلامة جسدهم، ويضعون كامل ثقتهم فيه، وبغض النظر عن اختصاص الطبيب البديل يتعين أن يكون على قدر من الأمانة والثقة في اختياره لطبيب آخر.

ولا يقتصر الأمر على إحالة الطبيب مريضه لطبيب آخر في التزامه بالعلاج فحسب؛ حيث إنه في يونيو 2017 قضت المحكمة العليا في ولاية بنسلفانيا بالولايات المتحدة بأن الطبيب لا يمكنه أن يحيل التزامه بالتبصير للحصول على موافقة المريض المستنيرة إلى وسيط - كأن يكون طبيبًا آخر أو ممرضًا أو أي شخص آخر - وقد عبرت المحكمة عن رأيها بالقول إن الطبيب المعالج أو الأصلي وحده من يحمل على عاتقه تبصير المريض بالمعلومات اللازمة والضرورية، ولا يمكن له الاعتماد على مرؤوسيه للحصول على موافقة المريض المستنيرة للبدء في العلاج، وبدون حوار مباشر بين المريض والطبيب المعالج؛ فإنَّ الأخير لا يمكنه التأكد من استيعاب المريض للمعلومات الضرورية(45).

وبذلك يعد سلوك المحكمة العليا في ولاية بنسلفانيا متماشيًا مع التشديد من الاعتبار الشخصي في العقد الطبي، الذي يُعدُّ عقبة أمام الطبيب الذي يريد إحالة مريضه إلى طبيب آخر، الأمر الذي قد يؤدي إلى إمكانية مساءلة الطبيب في حالة إحلال مريضه إلى طبيب آخر لأداء واجب التبصير عنه.

الخـاتـمـة

تعد عقود الأعمال الطبية من أهم العقود التي يبرمها البشر؛ فهي تنطوي على عمل إنساني يتمثل في مساعدة المرضى والضعفاء ومهنة الطب هي أحد أهم المهن التي تحتاجها البشرية. وهذه الأهمية التي تكتسبها هذه المهنة تستدعي النظر في زواياها القانونية.

ويعد التعاقد من الباطن من أهم التطبيقات القانونية التي تهدف لإنقاص الالتزامات وتخفيف الأعباء على المتعاقدين. وللتعاقد من الباطن الكثير من التنظيمات القانونية للعقود المسماة التي خصها المشرع بتنظيم قانوني؛ إما في القانون المدني، أو في قانون تنظيمي خاص.

ويتضح لنا أن المشرع قد وازن بين حقوق المرضى والأطباء؛ حيث إنه نص على عدم جواز أن يحل محله طبيب آخر في حال توقفه عن العمل وتحمل الثقة والمسؤولية التي منحها المريض له؛ إلَّا إذا رخص لطبيب آخر وبقيود كثيرة حماية للمريض. كما اعترف بحق الطبيب في الحصول على راحة وذلك من خلال جواز استمرار العمل بالعيادة خلال فترة تغيبه وذلك عن طريق طبيب مرخص، ولكن أحاط ذلك بقيود كثيرة حماية للمرضى وفقًا للقانون المنظم لمهنة الطب البشري في قطر كما ذكرنا سابقًا.

ويعتمد جواز الإحلال الطبي من عدمه على الاعتبار الشخصي في العقد، فالعبرة بشخص الطبيب وأهميته بالنسبة للمريض؛ حيث إن الاعتبار الشخصي يمنع من أن يقوم شخص آخر غير الذي في العقد بالقيام بالمهمة؛ فالعقد الطبي من عقود الاعتبار الشخصي.

كما أن وجود العقد بين الطبيب والمريض يعتبر أساسًا لاعتبار الإحلال الطبي عقدًا من الباطن. وزوال العقد الأصلي يرتب زوال العقد من الباطن؛ حيث إن السبب في وجود العقد من الباطن هو تنفيذ التزام العقد الأصلي.

وفي حالة اعتبار الإحلال الطبي عقدًا من الباطن، كأن يقبل المريض حلول طبيب آخر غير الذي تعاقد معه، تترتب على ضوء ذلك كافة الآثار القانونية للتعاقد من الباطن.

وكأصل عام لا يكون الطبيب الأصلي مسؤولًا عن أخطاء الطبيب البديل الذي حل محله؛ حيث يمارس كل طبيب عمله باستقلال عن زملائه؛ إلَّا إذا كان الطبيب الأصلي يمارس سيطرة فعلية على عمل الطبيب البديل.

وتوصي الدراسة بإلزام الأطباء بأخذ موافقة من المرضى قبل إحالتهم إلى طبيب بديل لاستكمال العلاج؛ حيث إن موافقة المريض ضرورية ولازمة، حتى لا يُساءل الطبيب الأصلي عن أخطاء الطبيب البديل.

قائمة المراجع

أولًا: المراجع العربية

  • أنور حسين، ركن الخطأ في المسؤولية المدنية للطبيب، رسالة دكتوراه، دار الفكر والقانون، المنصورة، 2014.
  • حسن البراوي، التعاقد من الباطن، نسخة مصورة من الطبعة الأولى، دار النهضة، القاهرة، 2015.
  • خالد عبد الرحمن، العقد الطبي ومشكلات مشروعية الحل، مجلة البحوث القانونية والاقتصادية، جامعة المنوفية، مصر، 2003.
  • رمزي رشاد الشيخ، أثر الاعتبار الشخصي على عقد الكفالة، دار الجامعة الجديدة، الإسكندرية، 2015.
  • شريف الطباخ، جرائم الخطأ الطبي والتعويض عنها، دار الفكر والقانون، المنصورة، 2011.
  • عبد الرزاق السنهوري، الوسيط في شرح القانون المدني – الجزء السابع، دار الشروق، الطبعة الأولى، القاهرة، 2010.
  • علي حسين نجيدة، التزامات الطبيب في العمل الطبي، دار النهضة العربية، القاهرة، 1992.
  • محمد السعيد رشدي، عقد العلاج الطبي، دار الفكر الجامعي، الطبعة الأولى، الإسكندرية، 2014.
  • محمد حسن قاسم، إثبات الخطأ في المجال الطبي، دار الجامعة الجديدة، الإسكندرية، 2016.
  • محمد حسين منصور، المسؤولية الطبية، منشأة المعارف، د.ت، الإسكندرية.
  • منير حنا، النظرية العامة للمسؤولية الطبية، دار الفكر الجامعي، الطبعة الأولى، الإسكندرية، 2011.

ثانيًا: المراجع الأجنبية.

Eric A. Feldman & Holly Fernandez Lynch & Steven Joffe, Informed Consent and the Role of the Treating Physician, The New England Journal of Medicine, Health Law, Ethics, and Human Rights, University of Pennsylvania Law School, Research Paper No.19-01, 21 June 2018, at 2433 – 2438. Available on: https://papers.ssrn.com/sol3/papers.cfm?abstract_id=3304813 Last visit 25 Mar. 20.

Marcia M. Boumil & Paul A. Hattis, Medical Liability in a Nutt Shell, West, West’s Law School, USA, 2011

Richard M. Patterson, Harney’s Medical Malpractice, Fifth Edition, LexisNexis, New Jersey, 2011

التشريعات:

قانون رقم (22) لسنة 2004 بإصدار القانون المدني.

قانون رقم (2) لسنة 1983 في شأن مزاولة مهنتي الطب البشري وطب جراحة الأسنان في دولة قطر.

الهوامش

  1. 1 السنهوري، الوسيط في شرح القانون المدني – الجزء السابع، دار الشروق، الطبعة الأولى، القاهرة، 2010، ص 18.
  2. 2 شريف الطباخ، جرائم الخطأ الطبي والتعويض عنها، دار الفكر والقانون، المنصورة، 2011، ص 86.
  3. 3 عبدالرزاق أحمد الشيبان، موافقة المريض في الخضوع للعلاج الطبي: دارسة مقارنة، مجلة القانون والمجتمع، جامعة أدرار، 2017، العدد 9، ص 114.
  4. 4 أشار إليه منير حنا، النظرية العامة للمسؤولية الطبية، دار الفكر الجامعي، الطبعة الأولى، الإسكندرية، 2011، ص 226.
  5. 5 خالد عبد الرحمن، العقد الطبي ومشكلات مشروعية الحل، مجلة البحوث القانونية والاقتصادية، جامعة المنوفية، مصر، 2003، ص 23.
  6. 6 عبد الرزاق السنهوري، مرجع سابق، ص 18 – 20.
  7. 7 انظر: المادة (682) من قانون رقم (22) لسنة 2004 بإصدار القانون المدني في دولة قطر.
  8. 8 علي حسين نجيده، التزامات الطبيب في العمل الطبي، دار النهضة العربية، القاهرة، ص 7.
  9. 9 خالد عبد الرحمن، مرجع سابق، ص 22.
  10. 10 محكمة النقض الفرنسية 13 يوليو 1973، أشار إليه المستشار منير حنا – مرجع سابق، ص 238.
  11. 11 المستشار منير حنا، المرجع السابق، ص 277.
  12. 12 رمزي رشاد الشيخ، أثر الاعتبار الشخصي على عقد الكفالة، دار الجامعة الجديدة، الإسكندرية، 2015، ص 15.
  13. 13 نقض مدني، مصر، جلسة 3/7/1969، طعن رقم 417، س20، 1094.
  14. 14 (( قانون رقم (2) لسنة 1983 في شأن مزاولة مهنتي الطب البشري وطب جراحة الأسنان في دولة قطر.
  15. 15 عبد الرزاق السنهوري، مرجع سابق، ص 18 – 19.
  16. 16 حسن البراوي، التعاقد من الباطن، نسخة مصورة من الطبعة الأولى، دار النهضة، القاهرة، 2015، ص 17.
  17. 17 عبد الرزاق السنهوري، مرجع سابق، ص 18 – 19.
  18. 18 خالد عبد الرحمن، مرجع سابق، ص 24.
  19. 19 حسن البراوي، مرجع سابق، ص 87 – 88.
  20. 20 حسن البراوي، المرجع السابق، ص 129 – 174.
  21. 21 خالد عبد الرحمن، مرجع سابق، ص 27-28.
  22. 22 أنور حسين، ركن الخطأ في المسؤولية المدنية للطبيب، رسالة دكتوراه، دار الفكر والقانون، المنصورة، 2014، ص 58.
  23. 23 محمد حسين منصور، المسؤولية الطبية، منشأة المعارف، د. ت، الاسكندرية، ص 16.
  24. 24 المرجع السابق، ص 39 و40.
  25. 25 علي حسين نجيده، مرجع سابق، ص 307.
  26. 26 علي حسين نجيده، المرجع السابق، ص 307.
  27. 27 Marcia M. Boumil & Paul A. Hattis, Medical Liability in a Nutt Shell, West, West’s Law School, USA, 2011, at 226.
  28. 28 محمد حسين منصور، مرجع سابق، ص 57-58.
  29. 29 انظر: محمد حسين منصور، المرجع السابق، ص 58.
  30. 30 See Marcia M. Boumil & Paul A. Hattis, id, at 226 – Royer v. St. Paul Fire an Marine ins. Co., 502 So.2d 232 (La.App. 1987)
  31. 31 محمد حسين منصور، مرجع سابق، ص 67.
  32. 32 See Marcia M. Boumil & Paul A. Hattis, id, at 226-227, Largess v. Tatem, 291 A.2d 398 (Vt. 1972).
  33. 33 Richard M. Patterson, Harney’s Medical Malpractice, Fifth Edition, LexisNexis, New Jersey, 2011, at 593.
  34. 34 Marcia M. Boumil & Paul A. Hattis, id, at 228.
  35. 35 محمد السعيد رشدي، عقد العلاج الطبي، دار الفكر الجامعي، الطبعة الأولى، الإسكندرية، 2014، ص 40.
  36. 36 علي حسين نجيده، مرجع سابق، ص 290-291.
  37. 37 أشار إليه: علي حسين نجيده، المرجع السابق، ص 293.
  38. 38 علي حسين نجيده، المرجع السابق، ص 296 / Marcia M. Boumil & Paul A. Hattis, id, at 228
  39. 39 انظر: علي حسين نجيده، المرجع السابق، ص 298.
  40. 40 See Marcia M. Boumil & Paul A. Hattis, id, at 228-229, Kavanaugh by Gonzales v. Nussbaum, 523 N.E.2d 284 (N.Y.1988).
  41. 41 See Marcia M. Boumil & Paul A. Hattis, id, at 228-229, Rouse v. Pitt County Mem. Hosp., 470 S.E.2d 44 (N.C. 1996).
  42. 42 علي حسين نجيده، مرجع سابق، ص 293.
  43. 43 أشار إليه: محمد حسن قاسم، إثبات الخطأ في المجال الطبي، دار الجامعة الجديدة، 2016، الإسكندرية، ص 191.
  44. 44 Marcia M. Boumil & Paul A. Hattis, id, at 230. Kitto v. Gilbert, 570 P.2d 544 (Colo. App. 1977).
  45. 45 See Shinal v. Toms, 162, A.3d 429(Pa. 2017) - Eric A. Feldman & Holly Fernandez Lynch & Steven Joffe, Informed Consent and the Role of the Treating Physician, The New England Journal of Medicine, Health Law, Ethics, and Human Rights, University of Pennsylvania Law School, Research Paper No.19-01, 21 June 2018, at 2433 – 2438. Available on https://papers.ssrn.com/sol3/papers.cfm?abstract_id=3304813 Last visit 25 Mar. 20.

إحصائيات الاستخدام

المشاهدات
تحميلات PDF

بيانات المؤلف

عبد الله حمد الخالدي — كلية الشرطة
محاضر، كلية الشرطة، دولة قطر.

 

كيفية الاقتباس

كيفية الاقتباس

الأحكام القانونية المنظمة للإحلال الطبي في القانون القطري والقانون المقارن. (2021). المجلة القانونية والقضائية, 15(2), 71. https://ljj.qa/ojs/index.php/MOJ/article/view/115

المشاهدات

20

التحميلات

5

الاستشهادات

0

المؤلفون

1
ديسمبر 2021
الصفحات 71

إصدار

2

السنة

2021