تعد حماية البيئة من الموضوعات المهمة في مجال القانون الدولي العام، لذلك أبرمت العديد من الاتفاقيات والوثائق الدولية لتنظيم المسائل المتعلقة بها، كما تم إقرار نظام المسؤولية الموضوعية لحمايتها من الآثار الضارة المختلفة.
وقد برزت في السنوات الأخيرة الحاجة إلى إقرار قواعد لحماية البيئة أثناء النزاعات المسلحة نتيجة الممارسات التي انتهجتها بعض الدول من خلال استهداف البيئة أو إجراء تعديلات عليها لتحقيق مزايا عسكرية، كما حدث خلال حرب فيتنام (1962–1971)، وهو ما أدى إلى اعتماد اتفاقية حظر استخدام تقنيات التغيير في البيئة لأغراض عسكرية أو عدائية لعام 1976، والبروتوكول الإضافي الأول لاتفاقيات جنيف لعام 1977.
ورغم ذلك، استمرت الانتهاكات الخطيرة ضد البيئة أثناء النزاعات المسلحة، ومن أبرزها حرق آبار النفط خلال حرب الخليج عام 1990، والاستهداف العشوائي للمناطق والأعيان المدنية خلال الحرب اللبنانية عام 2006.
ويهدف البحث إلى بيان مدى جدوى الآليات القانونية الدولية الحالية في توفير حماية فعالة للبيئة أثناء النزاعات المسلحة، وصولاً إلى نتيجة مفادها ضرورة وضع اتفاقية دولية عامة لحماية البيئة أثناء النزاعات المسلحة.
أولًا: موضوع البحث:
تُؤدِّي النزاعات المسلحة بطبيعتها إلى خلق حالة من الفوضى وعدم الأمان والاستقرار السياسي والاقتصادي والاجتماعي، وإلى وجود أزمات إنسانية تدفع الأشخاص إلى النزوح بعيدًا عن مناطق الاشتباكات العسكرية التماسًا للأمان في مناطق أخرى. وقد يلجأ أطراف النزاع المسلح، نتيجة تصاعد وتيرة الاشتباكات العسكرية، إلى استخدام وسائل وأسلحة غير تمييزية1. بغرض إلحاق أذى جسيم بالطرف الآخر، ولكنها تؤدي بشكل غير مباشر- ضمن أمور أخرى - إلى إلحاق أضرار جسيمة بالبيئة المحيطة بالمناطق محل العمليات العسكرية، على نحو يجعلها غير صالحة للحياة لفترة طويلة بعد انتهاء النزاع المسلح2.
ولم يكن موضوع حماية البيئة في زمن النزاعات المسلحة من الموضوعات التي نالت اهتمامًا خاصًا من الدول، عندما عقدت العزم على وضع قواعد وأحكام تنظم سلوك المتحاربين أثناء النزاعات المسلحة، نظرًا إلى أن الأضرار التي تلحق بالبيئة أثناء النزاعات المسلحة، غالبًا ما تكون أمرًا عرضيًا للعمليات العسكرية التي تقوم بها الأطراف المتحاربة.
ومع ذلك، نتيجة التطور العلمي والتكنولوجي، الذي أدَّى إلى ابتكار أنواع غير تقليدية من الأسلحة، من شأنها إلحاق أذى جسيم بالأشخاص والممتلكات، فضلًا عن عدم تمييزها بين المتحاربين والمدنيين، وإمكانية استمرار آثارها السلبية لفترات طويلة؛ حتى بعد انتهاء النزاع المسلح، اهتمت الدول بإقرار قواعد من شأنها تقييد أو تحريم استخدام تلك الأسلحة، نظرًا لآثارها السلبية على المدنيين والممتلكات، ولعدم وجود تناسب بين استخدام تلك الأسلحة، والغاية العسكرية التي يهدف المتحاربون إلى تحقيقها3. لذلك كانت مبادئ وقواعد القانون الدولي الإنساني في بادئ الأمر كفيلة، بشكل غير مباشر، نحو إقرار حماية ملائمة للبيئة في زمن النزاعات المسلحة؛ بمعنى أن حماية البيئة تُستخلص ضمنًا من البنود المتعلقة بتنظيم وسائل الحرب، وأثر النزاع المسلح على الأهداف والممتلكات المدنية4.
وإذا كان الإضرار بالبيئة غالبًا ما ينشأ بشكل عرضي نتيجة استخدام بعض الوسائل والأسلحة أثناء النزاع المسلح؛ فإنه قد يحدث أن يلجأ المتحاربون إلى استخدام وسائل عسكرية تستهدف البيئة بشكل مباشر ومتعمد، في سبيل تحقيق انتصار سريع وبأقل خسائر عسكرية ممكنة، رغم ما يترتب على ذلك من أضرار فادحة تصيب البيئة والسكان المدنيين على المدى الطويل وبصورة واسعة النطاق. لذلك أكدت الجمعية العامة للأمم المتحدة في قراراها رقم 47/37 بشأن حماية البيئة في أوقات النزاع المسلح عام 1993 أن "تدمير البيئة، الذي لا تبرره ضرورة عسكرية وينفذ عمدًا، أمر يتعارض بشكل بيّن مع القانون الدولي القائم"5.
وبسبب الممارسات التي استهدفت الإضرار بالبيئة بشكل مباشر أثناء النزاعات المسلحة، إما لتحقيق ميزة عسكرية أو على سبيل الانتقام من الطرف الآخر في النزاع6، كما كان الوضع في حرب فيتنام وحرب الخليج الأولى والحرب اللبنانية الإسرائيلية، سعت الدول إلى إقرار أنظمة قانونية لحماية البيئة بشكل مباشر في زمن النزاعات المسلحة7.
ثانيًا: أهمية البحث وأهدافه:
أدّى التطور في الأسلحة المستخدمة أثناء النزاعات المسلحة، إلى ابتكار أشكال مختلفة من الأسلحة غير التمييزية، وتحديدًا: الأسلحة الكيماوية والبيولوجية والنووية، والتي يكون لها آثار خطيرة وواسعة النطاق على البيئة الإنسانية. والحقيقة أن الأضرار التي تلحق بالبيئة إذا كانت في بعض الحالات تُعد أضرارًا عرضية نتيجة توجيه هجمات تجاه أهداف عسكرية معينة، دون تعمد تدمير البيئة أو الإضرار بها، إلَّا أنها في حالات أخرى تتم عمدًا من خلال استهداف تدمير البيئة أو الإضرار بها كجزء من العمليات العسكرية، بل يسوق لنا التاريخ حالات قد تم فيها استخدام البيئة كسلاح من خلال استخدام التقنيات الحديثة لإجراء تعديلات عليها، وذلك بغرض الإضرار بالعدو8.
وبسبب الآثار الخطيرة للنزاعات المسلحة على البيئة، فضلًا عن تزايد الاهتمام الدولي بحماية البيئة؛ فقد تم إقرار العديد من القواعد الدولية التي تستهدف حماية البيئة في زمن النزاعات المسلحة. وهذه القواعد إما أنها تستهدف إقرار حماية عامة أثناء النزاعات المسلحة على نحو يُستفاد منه حماية البيئة، وإما أنها قد تم صياغتها بشكل خاص لحماية البيئة أثناء النزاعات المسلحة.
وبالرغم من الحماية المقررة للبيئة بواسطة العديد من المواثيق الدولية، إلَّا أن البيئة ما زالت تقع ضحية للآثار الضارة الناشئة عن النزاعات المسلحة؛ لذلك يهدف هذا البحث إلى مناقشة قواعد للقانون الدولي المتعلقة بحماية البيئة أثناء النزاعات المسلحة بغرض بيان مدى جدواها في إقرار حماية فعالة للبيئة9.
ثالثًا: منهج البحث:
نتبع في هذا البحث المنهج الاستقرائي والمنهج التحليلي، وذلك من خلال عرض نصوص الاتفاقيات الدولية المختلفة التي تقرر حماية للبيئة في زمن النزاعات المسلحة، ثم نفسر ونحلل تلك النصوص في ضوء التطورات الراهنة على الصعيد الدولي.
رابعًا: خطة البحث:
يتم تقسيم هذا البحث إلى مبحث تمهيدي ومبحثين رئيسين:
ونعرض في المبحث التمهيدي للاستهداف المباشر للبيئة أثناء النزاعات المسلحة، وذلك من خلال عرض بعض النزاعات الدولية التي تم خلالها استهداف البيئة بشكل مباشر كوسيلة لتحقيق أحد المتحاربين لنصر عسكري على الطرف الآخر، وأبرز تلك النزاعات المسلحة هي حرب فيتنام، وحرب الخليج 1990 والحرب اللبنانية. ويأتي المبحث الأول لتناول الحماية المباشرة للبيئة في زمن النزاعات المسلحة، بحيث يتم تقسيمه إلى مطلبين؛ يعرض الأول المبادئ العامة لحماية البيئة في زمن النزاعات المسلحة، والثاني يناقش المواثيق الدولية التي تقرر حماية مباشرة للبيئة في زمن النزاعات المسلحة. ونخصص المبحث الثاني لدراسة الحماية غير المباشرة للبيئة في زمن النزاعات المسلحة. ونقسمه إلى مطلبين؛ يُعالج الأول القواعد التي تحظر أو تُقيد استخدام بعض أنواع الأسلحة أو وسائل وأساليب القتال، بينما يتناول الثاني القواعد المتعلقة بحماية الأعيان والممتلكات المدنية وبعض المناطق الخاصة.
الاستهداف المباشر للبيئة أثناء النزاعات المسلحة
قد يعمد أحد الأطراف المتحاربة إلى استهداف البيئة بشكل مباشر، إما لتحقيق ميزة، أو تفوق عسكري، أو للانتقام من الطرف الآخر في النزاع المسلح. والاستهداف المباشر للبيئة لا ينطوي بالضرورة على استخدام أسلحة غير تمييزية؛ إذ قد يتم استخدام وسائل أو أسلحة تقليدية لإلحاق أضرار جسيمة بالبيئة، وذلك بأحد طريقين:
أولًا: استهداف عناصر البيئة المختلفة المتمثلة في الماء والهواء والتربة والنباتات والحيوانات، كما لو تم نثر كمية هائلة من المبيدات أو المواد الحارقة على المناطق الزراعية لإتلاف المزروعات وتلويث التربة وجعلها غير صالحة للزراعة، أو تلويث الهواء ومياه الشرب للإضرار بالعدو، على نحو يرتب أضرارًا خطيرة على صحة وبقاء السكان المدنيين لفترات طويلة. ومن الأمثلة العملية في هذا الإطار، ما قامت به الولايات المتحدة الأمريكية خلال حرب فيتنام من تدمير الغابات وتحفيز هطول الأمطار10، وما قامت به القوات العراقية، أثناء حرب الخليج عام 1990 من إشعال النيران في آبار البترول.
ثانيًا: توجيه ضربات عسكرية ضد منشآت تحمل قوى خطرة، يترتب على إطلاقها إحداث أضرار جسيمة بالبيئة، كما هو الحال بالنسبة لتوجيه ضربات عسكرية على السدود أو المنشآت النفطية أو النووية11، التي تؤدي إلى حدوث فيضانات أو انفجارات وحرائق هائلة أو تسرب مدمر للإشعاعات النووية، ومن أبرز الأمثلة على ذلك الضربة الجوية الإسرائيلية على محطة الطاقة خلال حرب لبنان 2006.
وسوف نتولى في هذا الإطار بيان أبرز الحروب التي تسببت في إحداث أضرار جسيمة بالبيئة، نتيجة الآليات أو الهجمات العسكرية التي استهدفت البيئة بشكل مباشر، وتحديدًا: حرب فيتنام، وحرب الخليج 1991، وحرب لبنان 2006.
حرب فيتنام
تعد حرب فيتنام من أبرز الأمثلة التي استهدفت فيها الولايات المتحدة الأمريكية البيئة بشكل مباشر، وذلك لسببين رئيسيين:
أولًا: أن البيئة كانت تمثل عائقًا أمام إتمام عملياتها العسكرية، نظرًا لاستخدامها بواسطة المليشيات الفيتنامية لشن حرب عصابات من خلال استخدام الغابات؛ مما كان يمثل عائقًا شديدًا أمام القوات الأمريكية النظامية في تحقيق نصر عسكري، وفقًا للأساليب القتالية التقليدية.
ثانيًا: استخدامها كوسيلة لتحقيق فائدة عسكرية، وذلك من خلال الأضرار بالبيئة المحيطة بالمقاتلين والمدنيين التابعين للعدو، ولمنع وصول الإمدادات إليهم12.
وقد استهدفت الولايات المتحدة الأمريكية البيئة من خلال قيام طائراتها برش ملايين الجالونات من المواد الكيماوية لتجفيف أشجار الغابات وتدمير المزروعات، وكان أخطر تلك المواد على الإطلاق مادة يطلق عليها "اجنت أورانج" Agent orange، نظرًا لتسببها في مخاطر بيئية شديدة وأمراض وراثية للأشخاص الذين تعرضوا لها13، واستمر رش المواد الكيماوية لفترة امتدت من عام 1962 حتى عام 1971، وألحقت أضرار جسيمة بمساحة تمتد إلى 3.6 مليون فدان14.
وترتب على الاستهداف واسع النطاق للبيئة من خلال الاستخدام المفرط للمواد الكيماوية حدوث تلوث شديد للتربة ومياه الشرب؛ مما جعل المنطقة المحيطة غير صالحة للحياة، ووضعت السكان في ظروف معيشية وصحية قاسية، استتبعت هجر السكان قسرًا لمناطق إقامتهم المعتادة المتضررة بيئيًا، سعيًا نحو الفرار بأرواحهم إلى مناطق يتوافر بها أدنى درجات الأمان15.
ويعد استهداف البيئة خلال حرب فيتنام هي المرة الأولى في تاريخ النزاعات المسلحة التي تكون البيئة هي الهدف العسكري والوسيلة لتحقيق ميزة عسكرية، فقبل ذلك الوقت كان الضرر البيئي يتم بشكل عرضي نتيجة استخدام أسلحة معينة، لذلك لفتت تلك التقنيات والأعمال العدائية الموجهة نحو البيئة الإنسانية نظر المجتمع الدولي، فتم العمل الدؤوب على إبرام اتفاقيات دولية تشتمل على نصوص صريحة تحظر استخدام وسائل أو أسلحة من شأنها إحداث أضرار جسيمة، أو واسعة النطاق، أو طويلة الأمد بالبيئة16، مثال ذلك: اتفاقية حظر استخدام تقنيات التغيير في البيئة لأغراض عسكرية أو لأية أغراض عدائية أخرى لعام 1976، والبروتوكول الإضافي الأول لاتفاقيات جنيف الأربع لعام 197717.
حرب الخليج 1991
قامت القوات العراقية بغزو الكويت في 2 أغسطس 1990، استنادًا إلى عدة مزاعم، منها أن الكويت تعد جزءًا من الأراضي العراقية، وأن لها الحق في مواردها وعائداتها18. وترتب على ذلك قيام مجلس الأمن بإصدار عدة قرارات مطالبًا القوات العراقية بالانسحاب غير المشروط من الأراضي الكويتية، وأصدرت القرار رقم 678 في 29 نوفمبر 1990 لترخص للقوات المتحالفة مع الحكومة الكويتية اتخاذ كافة التدابير التي من شأنها إعادة السلم والأمن الدوليين إلى نصابهما، في حالة عدم قيام الحكومة العراقية، قبل 15 يناير 1991، بتنفيذ قرارات مجلس الأمن المتعلقة بالانسحاب غير المشروط من الأراضي الكويتية19، فقامت قوات التحالف بشن هجوم مكثف في اليوم التالي لانتهاء المهلة المحددة للانسحاب؛ مما ألحق خسائر كبيرة بالقوات العراقية، وأجبرها على اتخاذ قرار الانسحاب من الأراضي الكويتية20.
قامت القوات العراقية أثناء انسحابها من الكويت بتطبيق سياسية الأرض المحروقة من خلال تدمير البيئة لكيلا تكون صالحة للحياة مرة أخرى، وتبلورت تلك السياسية في قيام القوات العراقية بتدمير ما يزيد عن 700 بئر نفطي، فتكونت برك من الزيوت النفطية التي ارتشحت من خلال الرمال الصحراوية وأحدثت تلوثًا شديدًا بالمياه الجوفية، وقامت أيضًا بإشعال النيران فيما يزيد عن 600 بئر آخر، فتصاعدت أدخنة وصلت إلى 22 ألف قدم في الجو، وامتدت إلى مسافة 800 ميل، وتسببت تلك الأدخنة في أمطار سوداء في إيران وتركيا، وامتدت في الشرق الأقصى وصولًا إلى الهند21، كما سكبت كميات كبيرة، تتراوح بين 6 إلى 11 مليون برميل، من النفط الخام في مياه الخليج العربي22، وذلك للإضرار بالبيئة البحرية، وإعاقة جهود الحكومة الكويتية في تحلية مياه البحر23.
وقد استمر احتراق آبار النفط لمدة ثمانية أشهر؛ مما ترتب عليها أضرار بيئية جسيمة، متمثلة في التلوث الشديد الذي أصاب الماء والهواء والتربة، وقتل أعدادًا هائلة من الطيور والنباتات والحيوانات24، أضف إلى ذلك الخسائر الفادحة التي نالت من البنية التحتية للكويت25، وقد أشار بعض العلماء إلى أن أثر حرق وسكب المواد النفطية في الكويت يعادل إلى حد بعيد كارثة تشرنوبل، الأمر الذي تسبب في إصابة السكان المدنيين بمخاطر جسيمة بسبب التعرض لهذا التلوث الهائل26، وقد أشار جانب من الفقه إلى أن الحكومة الكويتية قد تعمدت إخفاء البيانات الدقيقة عن حجم التلوث الذي أصاب الدولة، نظرًا إلى رغبتها في إعادة إعمارها، وعودة المواطنين والسكان مرة أخرى، خاصة في ظل فرار ما يزيد عن مليون شخص بعد الغزو العراقي مباشرة27.
حرب لبنان 2006
اندلعت الحرب اللبنانية في 12 يوليو 2006 عندما قامت قوات حزب الله شبه العسكرية بالهجوم على دورية عسكرية داخل الحدود الإسرائيلية، وأسرت اثنين من الجنود الإسرائيليين، طالب حزب الله من إسرائيل الإفراج عن المحتجزين اللبنانيين في السجون الإسرائيلية مقابل الإفراج عن الجنديين المختطَفّين؛ فشنت القوات الإسرائيلية حربًا شاملة بالبر والبحر والجو على الأراضي اللبنانية، استمرت حتى 14 أغسطس 2006. وتعمدت القوات العسكرية الإسرائيلية استخدام القوة المفرطة التي لا يتوافر فيها شرطي التناسب والتمييز بين المدنيين والمحاربين، وبين الأهداف المدنية والعسكرية28؛ حيث استهدفت منازل المدنيين والمدارس والمستشفيات والمناطق الثقافية والسياحية، وغيرها من المنشآت المدنية الحيوية داخل الأراضي اللبنانية؛ مما أدى إلى وفاة ما يزيد عن 1200 شخص وإصابة 4 آلاف شخص آخرين، ووقوع دمار في المنشآت والبنية التحتية للدولة تقدر بحوالي 3.6 مليار دولار29.
ولعل أبرز الأضرار البيئية التي تسببت فيها القوات الإسرائيلية داخل الأراضي اللبنانية هو استهدافها المتعمد لصهاريج تخزين النفط في محطة الطاقة الحرارية في الجية، والتي أدت إلى وجود بقعة نفطية على الشواطئ اللبنانية، تسببت في ضرر خطير للبيئة البحرية وما تحويه من كائنات حية لازمة للوفاء باحتياجات السكان. وترتب على ذلك صدور قرار من الجمعية العامة في 19 ديسمبر 2014 يؤكد على الكارثة البيئية التي تسببت فيها القوات الإسرائيلية على الشواطئ اللبنانية، ويطالب الحكومة الإسرائيلية بتحمل المسؤولية عن الأضرار البيئية التي سببتها ودفع تعويض فوري بلغت قيمته 856,4 مليون دولار، فضلًا عن دفع تعويضات للدول التي تضررت شواطئها من جراء هذا العمل العسكري، ومنها الجمهورية العربية السورية30.
الحماية المباشرة للبيئة في زمن النزاعات المسلحة
هناك مجموعة من المبادئ العامة المستقرة في العرف الدولي وقواعد القانون الدولي الإنساني التي يمكن الاستناد إليها لإقرار حماية مباشرة للبيئة أثناء النزاعات المسلحة. وبالرغم من ذلك انتبهت الجماعة الدولية إلى عدم كفاية تلك المبادئ العامة، وحرصت على إقرار نصوص صريحة لحماية البيئة أثناء النزاعات المسلحة في المواثيق الدولية ذات الصلة.
المبادئ العامة لحماية البيئة في زمن النزاعات المسلحة
تعد المبادئ العامة للقانون الدولي الإنساني من المصادر المستقلة التي تكمل وتدعم مختلف صكوك القانون الدولي الإنساني، وتنطبق بالتالي على جميع الدول31.
ويتعين الانتباه إلى أهمية شرط مارتنز Martens Clause، وهو حكم عام اعتُمد للمرة الأولى في مؤتمر لاهاي لعام 1899، وورد بعد ذلك في ديباجة اتفاقية لاهاي لعام 190732. ويهدف شرط مارتنز إلى مد نطاق المعايير التي تحكم سلوك المتحاربين أثناء النزاعات المسلحة إلى أكثر مما هو منصوص عليه في المعاهدات الدولية المطبقة؛ إذ ينص على أنه: "في حالة عدم وجود قاعدة معينة في القانون التعاهدي، يظل المتحاربون في حمى وتحت سلطة القانون العرفي ومبادئ الإنسانية وما يمليه الضمير العام"33.
ولا غرو أن شرط مارتنز قد أضفى على القانون الدولي الإنساني معيارًا قانونيًا مرنًا غير مقيد من حيث الزمان؛ مما أرسى مبادئ أساسية تتجاوز تلك المقررة في الاتفاقيات الدولية المكتوبة، الأمر الذي يسمح بالتطور المستمر للقواعد بحسب الحاجة لتحقيق المصلحة المشتركة للإنسانية، بسبب التطور العلمي والتكنولوجي والعسكري والاجتماعي والتاريخي، ويتوافق بالتبعية مع الغرض الأساسي للقانون الدولي الإنساني، وهو المحافظة على الإنسانية. وهذا المعنى أكدته محكمة العدل الدولية في رأيها الاستشاري بشأن مشروعية التهديد بالأسلحة النووية أو استخدامها34.
وعليه؛ فإن شرط مارتنز يمكن فهمه على أنه يقر، من ناحية أولى، فكرة أن القانون الدولي العرفي يظل ساريًا طالما أنه لم يتم تعديله أو إلغاؤه بموجب الاتفاقيات الدولية، ويؤكد من، ناحية ثانية، أن المبادئ العامة الدولية يمكن أن تكون مصدرًا لقواعد قانونية جديدة عندما تتطور وسائل وأساليب جديدة للحرب في المستقبل35.
ويتمتع شرط مارتنز، الذي يطبق في وقت السلم ووقت النزاعات المسلحة على حد سواء، بأهمية خاصة في مجال حماية البيئة أثناء النزاعات المسلحة، نظرًا إلى أن القواعد القانونية الدولية الحالية المطبقة أثناء النزاعات المسلحة لا تتضمن سوى بضعة مبادئ تهدف إلى حماية البيئة. لذلك؛ فإنه يمكن الاستناد إلى شرط مارتنز لسد ثغرات النظام القانوني الحالية الذي يحكم العلاقة بين النزاعات المسلحة والبيئة. وإذا كان شرط مارتنز يعد من المبادئ الأساسية للقانون الدولي الإنساني؛ فإنه أيضًا يعد من المبادئ الجوهرية التي تحمي البيئة في غياب القواعد الاتفاقية والعرفية 36.
وقد تم التأكيد على شرط مارتنز في اتفاقيات جنيف الأربع لعام 1949، وبروتوكوليها الإضافيين لعام 1977؛ فنصت اتفاقية جنيف الأولى في المادة 63 واتفاقية جنيف الثانية في المادة 62 واتفاقية جنيف الثالثة في المادة 142 واتفاقية جنيف الرابعة في المادة 158 على أنه: "لا يكون للانسحاب من الاتفاقية أي أثر على الالتزامات التي يجب أن تبقى أطراف النزاع ملتزمة بأدائها طبقًا لمبادئ القانون الدولي الناشئة من الأعراف الراسخة بين الأمم المتمدينة، ومن القوانين الإنسانية وما يمليه الضمير العام". كذلك نصت المادة 1(2) من البروتوكول الإضافي الأول على أن: "يظل المدنيون والمقاتلون في الحالات التي لا ينص عليها هذا الملحق "البروتوكول" أو أي اتفاق دولي آخر، تحت حماية وسلطان مبادئ القانون الدولي كما استقر بها العرف ومبادئ الإنسانية وما يمليه الضمير العام"، الأمر ذاته الذي تم تأكيده في ديباجة البروتوكول الإضافي الثاني.
ويشتمل القانون الدولي الإنساني على مجموعة من المبادئ أبرزها: مبادئ التمييز والضرورة العسكرية والتناسب والإنسانية، والتي يمكن أن يكون لها تأثير واضح في حماية البيئة أثناء النزاعات المسلحة.
لا جرم أن مبدأ التمييز يُعد حجر الأساس للقانون الدولي الإنساني؛ فهو المعيار الأول الذي يتعين تطبيقه خلال النزاع المسلح، نظرًا لقيامه على فكرة التمييز بين المتحاربين والمدنيين37، وحظره للهجمات العشوائية والمباشرة ضد الأعيان المدنية38.
وقد ورد التمييز بين المتحاربين والمدنيين للمرة الأولى في إعلان سان بطرسبرج الذي ينص على أن: "الهدف المشروع الوحيد الذي يتعين على الدول أن تسعى إلى تحقيقه أثناء الحرب هو إضعاف القوات العسكرية للعدو"39. ولم تشتمل اتفاقية لاهاي الخاصة باحترام قوانين وأعراف الحرب البرية لعام 1907، على نص صريح بشأن التمييز بين المتحاربين والمدنيين، ومع ذلك يُستفاد هذا المبدأ ضمنًا من مفهوم المادة 25 التي تحظر "مهاجمة أو قصف المدن والقرى والأماكن السكنية أو المباني المجردة من وسائل الدفاع أيا كانت الوسيلة المستعملة". وقد تم تقنين هذا المبدأ في المواد 48 و51 (2) و52 (2) من البروتوكول الإضافي الأول. ووفقًا لنظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية؛ فإن "تعمد توجيه هجمات ضد السكان المدنيين بصفتهم هذه أو ضد أفراد مدنيين لا يشاركون مباشرة في الأعمال الحربية"40، يعد جريمة حرب تدخل ضمن الاختصاص الموضوعي للمحكمة41.
وتعد المادة من البروتوكول الإضافي الأول ذات أهمية خاصة فيما يتعلق بحماية البيئة؛ حيث قصرت الهجمات التي يقوم بها المتحاربون على الأهداف العسكرية فقط. وحرصت تلك المادة على توضيح المقصود بالأهداف العسكرية بأنها تلك التي تتعلق بالأعيان التي "تسهم مساهمة فعالة في العمل العسكري سواء كان ذلك بطبيعتها، أم بموقعها، أم بغايتها، أم باستخدامها، والتي يحقق تدميرها التام أو الجزئي أو الاستيلاء عليها أو تعطيلها في الظروف السائدة حينذاك ميزة عسكرية أكيدة".
وقد أكدت محكمة العدل الدولية في رأيها الاستشاري بشأن مشروعية التهديد بالأسلحة النووية أو استخدامها على أن مبدأ التمييز يعد أحد المبادئ الأساسية في القانون الدولي الإنساني، وأحد مبادئ القانون الدولي العرفي التي لا يجوز انتهاكها42.
ومع ذلك؛ فإن مبدأ التمييز بين المتحاربين والمدنيين قد يثير العديد من الصعوبات عند تطبيقه من الناحية العملية، من ذلك:
وتسلط الصعوبات الناشئة عن تفسير أحكام المادة 52 (2) الضوء على ضرورة التوصل إلى تعريف دقيق للمقصود بالميزة العسكرية الأكيدة أو المباشرة، وذلك لتمييزها عن الميزة العسكرية غير الأكيدة أو غير المباشرة، بهدف منع الهجمات العسكرية التي ينجم عنها أضرار جسيمة وطويلة الأمد بالبيئة.
ثانيًا: مبدأ الضرورة العسكرية:
يعد مبدأ الضرورة العسكرية من المبادئ الأساسية لقانون النزاعات المسلحة، والمقصود بالضرورة العسكرية في معناها العام، القيام بما هو ضروري لتحقيق أهداف الحرب؛ بحيث تكون المبرر للجوء إلى العنف في حدود مبدأ التناسب45، وبالتالي؛ فإن استعمال أساليب العنف والقسوة والخداع خلال النزاع المسلح تقف عن حد قهر العدو وتحقيق الهدف المرجو من الحرب؛ فإذا ما تحقق الهدف من الحرب، تعين التوقف عن التمادي في توجيه الأعمال العدائية ضد الطرف الآخر46؛ أي إنه لا يجوز تجاوز مقتضيات الحرب من خلال توجيه ضربات عسكرية ضد السكان والأعيان المدنية، فضلًا عن الأسرى والمرضى والجرحى47.
وقد انعكس مبدأ الضرورة العسكرية في المادة 23 من اتفاقية لاهاي الخاصة باحترام قوانين وأعراف الحرب البرية لعام 1907، التي نصت على أنه: "يحظر تدمير ممتلكات العدو أو حجزها، إلا إذا كانت ضرورات الحرب تقتضي حتمًا هذا التدمير أو الحجز". وتبدو أهمية هذا الحكم في مجال حماية البيئة، طالما أن ممتلكات العدو قد تشمل المناطق المحمية والعناصر البيئية، من تربة وماء وهواء ونباتات وحيوانات، وغيرها من العناصر اللازمة لاستمرارية الحياة بالنسبة للسكان المدنيين، الأمر الذي يستدعي إقرار حماية غير مباشرة لها.
لا جدال أن مبدأ التناسب يعد من المبادئ الأساسية التي يتعين التقيد بها أثناء النزاعات المسلحة. ويهدف هذا المبدأ إلى الحد من الخسائر وأوجه المعاناة غير المبررة الناتجة عن العمليات العسكرية، سواء بالنسبة إلى الأشخاص أو الأعيان المدنية. وعليه؛ فإنه لا يجوز استخدام الوسائل القتالية التي لا تتناسب مع الميزة العسكرية المرجوة، الأمر الذي تبدو أهميته في مجال حماية البيئة الإنسانية؛ إذ إنه من المحظور شن هجوم مسلح من شأنه أن يؤدي إلى تدمير البيئة، على نحو يتجاوز الأهداف العسكرية المباشرة والأكيدة المرجو تحقيقها من هذا الهجوم48.
واستنادًا إلى مبدأ التناسب الوارد في المادتين 51 (5) (ب) و57 من البروتوكول الإضافي الأول؛ فإن الهجمات غير المتناسبة تشمل تلك التي تعد الأضرار الجانبية الناشئة عنها مفرطة بالنظر إلى الميزة العسكرية المباشرة الناشئة عنها، مثال ذلك: تدمير قرية أو غابة بأكملها من أجل تدمير هدف عسكري ضئيل، خاصة في ظل توافر وسائل عسكرية أخرى أكثر تناسبًا.
وقد أكدت محكمة العدل الدولية، في رأيها الاستشاري بشأن مشروعية التهديد بالأسلحة النووية أو استخدامها، على أهمية مراعاة مبدأي الضرورة والتناسب، عند القيام بهجمات، أو استخدام أسلحة، من شأنها إحداث أضرار واسعة النطاق وطويلة الأمد وجسيمة بالبيئة. وتطلبت المحكمة من الدول أن تأخذ الاعتبارات البيئية في الحسبان، عند تقييم ما هو ضروري ومتناسب لتحقيق الأهداف العسكرية المشروعة، وأن إيلاء العناية الواجبة للبيئة يعد أحد العناصر الهامة عند تقييم ما إذا كان العمل العسكري يتوافق مع مبدأي الضرورة والتناسب. وانتهت المحكمة إلى أنه "إذا كان القانون الدولي الحالي المتعلق بحماية وصيانة البيئة لم يحرم بشكل واضح استخدام الأسلحة النووية، إلَّا أنه حدد عوامل بيئية دقيقة يتعين أخذها في الحسبان في سياق تطبيق مبادئ وقواعد القانون المطبقة في النزاعات المسلحة"49.
ووفقًا لنظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية؛ فإن: "تعمد شن هجوم مع العلم بأن مثل هذا الهجوم سيسبب خسائر عرضية في أرواح المدنيين أو إصابات بين صفوفهم أو أضرارًا بالأعيان المدنية ... ويكون إفراطه واضحًا بالقياس إلى مجمل الميزة العسكرية المتوقعة الملموسة والمباشرة"، يعد جريمة حرب تدخل ضمن الاختصاص الموضوعي للمحكمة50.
وبشكل عام، يمكن اعتبار غالبية الهجمات العسكرية التي تؤدي إلى إلحاق أضرار جسيمة بالبيئة من قبيل الرد غير المتناسب مع التهديد المتوقع، وبالتالي تعد هجمات غير مشروعة قانونًا. لذلك كان هناك شبة إجماع فقهي بأن التلوث البيئي الهائل الذي تسببت فيه القوات العراقية في حرب الخليج الأولى عام 1990، نتيجة حرق حقول النفط وتسريب ملايين الجالونات يعد عملًا غير مشروع بسبب غياب عنصر التناسب بين هذا العمل والهدف العسكري المرجو تحقيقه51.
يقوم هذا المبدأ على تحريم استخدام الأعمال القتالية التي تتسم بالقسوة والوحشية في سبيل إخضاع العدو، كليًا أو جزئيًا، توفيرًا للوقت وحياة الجنود والموارد المستخدمة52، لذا يعد قتل الجرحى والأسرى والاعتداء على النساء والأطفال، أو على المدنيين غير المشاركين في الأعمال القتالية، من الأعمال غير الإنسانية التي تخرج عن إطار الأهداف المشروعة للحرب53، فهذا المبدأ يهدف إلى حماية الحياة الإنسانية ضد كافة أشكال العنف غير المبررة54.
وقد تجسد مبدأ الإنسانية في المادة 23(ه) من اتفاقية لاهاي الخاصة باحترام قوانين وأعراف الحرب البرية لعام على 1907، التي حظرت استخدام أسلحة أو مواد من شأنها إحداث معاناة غير ضرورية، كما أكدت المادة 10 من البروتوكول الإضافي الأول لاتفاقيات جنيف على هذا المبدأ، عندما دعت أطراف النزاع إلى وجوب معاملة الجرحى والمرضى والمنكوبين في البحار معاملة إنسانية، وأن يتم تقديم الرعاية الطبية العاجلة لهم.
ووفقًا لمبدأ الإنسانية؛ فإنه لا يجوز لأحد أطراف النزاع المسلح استخدام التجويع كوسيلة من الوسائل الحربية، أو تسميم آبار المياه، أو تدمير الأراضي الزراعية، أو مهاجمة الأعيان التي لا غنى عنها لبقاء السكان المدنيين؛ إذ إن كافة هذه الأعمال تخرج عن إطار المعاملة الإنسانية التي يتعين التقيد بها أثناء النزاع المسلح55.
وكان من شأن الإشارة الصريحة إلى مبادئ الإنسانية في شرط مارتنز، أن دعا الخبراء إلى القول بأنه يمكن الاستناد إلى مبادئ الإنسانية وما يمليه الضمير العام56، لإقرار حماية فعالة للبيئة في زمن النزاعات المسلحة، حال غياب القواعد الاتفاقية اللازمة في هذا الصدد57.
وإذا كانت المبادئ السابقة تلقى قبولًا عامًا من جانب الدول، إلَّا أنه ما زال هناك جدل حول كيفية تطبيقها من الناحية العملية؛ لذلك يقع على عاتق الجهات القضائية والهيئات الدولية مهمة تعيين الحدود المسموح بها للمتحاربين أثناء النزاعات المسلحة، ومن ثم الوصول إلى تعزيز حماية البيئة وفقًا لمضمون تلك المبادئ58.
المواثيق الدولية التي تقرر حماية مباشرة للبيئة في زمن النزاعات المسلحة
توجد وثيقتان رئيستان، على المستوى الدولي، أقرتا الحماية المباشرة للبيئة في زمن النزاعات المسلحة؛ هما: اتفاقية حظر استخدام تقنيات التغيير في البيئة لأغراض عسكرية أو لأية أغراض عدائية أخرى لعام 1976، والبروتوكول الإضافي الأول لعام 1977، الملحق باتفاقيات جنيف الأربع لعام 1949.
أولًا: اتفاقية حظر استخدام تقنيات التغيير في البيئة لأغراض عسكرية أو لأية أغراض عدائية أخرى لعام 1976:
تم إبرام هذه الاتفاقية كرد فعل مباشر لتقنيات التعديل في البيئة التي انتهجتها القوات الأمريكية خلال حرب فيتنام، لتحويل البيئة إلى سلاح، بغية تحقيق نصر عسكري، الأمر الذي نجم عنه معاناة إنسانية هائلة، وإلحاق أضرار جسيمة طويلة الأجل بالبيئة59. وتطلبت الاتفاقية من أطرافها عدم استخدام "تقنيات التغيير في البيئة ذات الآثار واسعة الانتشار، أو طويلة البقاء أو الشديدة لأغراض عسكرية أو لأية أغراض عدائية أخرى كوسيلة لإلحاق الدمار أو الخسائر أو الأضرار بأية دولة أخرى"60.
ووفقًا لمفهوم الاتفاقية؛ فإن الضرر البيئي يتعين أن يكون ناجمًا عن التغيير في البيئة وليس في حد ذاته عن التقنية المستخدمة في تغيير البيئة. فعلى سبيل المثال؛ إذا تم استخدام متفجرات بغرض إحداث زلزال عنيف في منطقة معينة أثناء النزاع المسلح؛ فإن العبرة في هذه الحالة بالزلزال الذي وقع وليس بالمتفجرات التي من شأنها أن تسبب ضررًا عرضيًا بالبيئة61.
ويلاحظ على هذه الاتفاقية ما يلي:
ويذهب جانت من الفقه إلى أن الالتزام المقرر بموجب الاتفاقية فيما يتعلق بمنع استخدام تقنيات التغيير في البيئة لم يحظ بمرتبة القاعدة العرفية الدولية، استنادًا إلى عدم وجود توافق بشأن الشروط اللازم توافرها لثبوت الإخلال بهذا الالتزام63.
ونحن من جانبنا نرى - بخلاف ما يذهب إليه الرأي السابق - بأن الالتزام بحماية البيئة أثناء النزاعات المسلحة والذي ينطوي على حظر استخدام تقنيات التغيير في البيئة لأغراض عسكرية يعد من القواعد العرفية التي تسري على الدول غير الأطراف في الاتفاقية. ونستند في تبرير وجهة نظرنا إلى أربع اعتبارات رئيسة:
أولًا: إن هناك توافقًا قضائيًّا وفقهيًّا بأن مسألة حماية البيئة تعد من المسائل التي تهم الجماعة الدولية بأكملها، وهذا ما أكدته محكمة العدل الدولية في قضية المجر وسلوفاكيا بشأن مشروع جابسيكوفو ناجيماروس Gabčíkovo-Nagymaros Project64، وبالتالي؛ فإن استخدام تقنيات التغيير بالبيئة على نحو يلحق بها أضرارًا جسيمة لا يمكن تداركها، يعد أمرًا محظورًا بموجب قواعد القانون الدولي العرفي.
ثانيًا: إن عدم وجود تحديد حاسم للشروط والضوابط المتعلقة بتحديد وقوع الإخلال بالالتزام بعدم استخدام تقنيات التعديل في البيئة أثناء النزاعات المسلحة، لا يعني أن الالتزام بحماية البيئة أثناء النزاعات المسلحة في حد ذاته غير ثابت بموجب قواعد العرف الدولي السارية في الوقت الراهن. بل إن لجنة القانون الدولي قد أشارت في الاستنتاج الحادي عشر من نص مشاريع الاستنتاجات المتعلقة بتحديد القانون الدولي العرفي بأن المعاهدة الدولية يمكن أن ينشأ عنها عرف دولي إذا أفضت إلى "ممارسة عامة ومقبولة بمثابة قانون"65.
ثالثًا: أقرت لجنة القانون الدولي عام 2019 المسودة الأولى من مشروع المبادئ المتعلقة بحماية البيئة أثناء النزاعات المسلحة؛ حيث جاء في مسودة المشروع المبدأ (12) ليقرر بأنه: "في الحالات غير المشمولة بالاتفاقات الدولية، تظل البيئة تحت حماية وسلطة مبادئ القانون الدولي المستمدة من العرف المستقر ومبادئ الإنسانية وما يمليه الضمير العام"66. ويُستفاد من ذلك أن أي فعل من شأنه إلحاق أضرار واسعة الانتشار أو طويلة الأمد أو شديدة يعد محظورًا بموجب قواعد القانون الدولي العرفي. كذلك مشروع المبدأ (19) بشكل خاص على ضرورة امتناع الدول عن استخدام تقنيات التغيير في البيئة وفقًا للمفهوم الوارد في اتفاقية عام 197667.
وأخيرًا: إن إقرار البروتوكول الأول لاتفاقيات جنيف عام 1977 للالتزام بعدم استخدام وسائل قتالية من شأنها إلحاق أضرار لا يمكن تداركها بالبيئة، يؤكد بأن هذا الالتزام قد حظي بمرتبة القاعدة القانونية العرفية.
ثانيًا: البروتوكول الإضافي الأول لاتفاقيات جنيف، لعام 1977
كان من شأن الآثار الجسيمة التي أصابت البيئة، بسبب الوسائل والتقنيات المستخدمة أثناء النزاعات المسلحة، أن لفتت انتباه الدول إلى ضرورة إقرار مزيد من الحماية للبيئة في زمن النزاعات المسلحة، الأمر الذي تمثل في إدراج مادتين في البروتوكول الإضافي الأول من اتفاقيات جنيف.
فجاءت المادة 53 (3) لتنص على أنه: "يحظر استخدام وسائل أو أساليب للقتال، يقصد بها أو قد يتوقع منها أن تلحق بالبيئة الطبيعية أضرارًا بالغة وواسعة الانتشار وطويلة الأمد". وجاءت المادة 55 لتنص على أن: "1. تراعى أثناء القتال حماية البيئة الطبيعية من الأضرار البالغة واسعة الانتشار وطويلة الأمد. وتتضمن هذه الحماية حظر استخدام أساليب أو وسائل القتال التي يقصد بها أو يتوقع منها أن تسبب مثل هذه الأضرار بالبيئة الطبيعية، ومن ثم تضر بصحة أو بقاء السكان. 2. تحظر هجمات الردع التي تشن ضد البيئة الطبيعية".
والفكرة المشتركة بين المادتين السابقتين، هي حظر العمليات العسكرية التي قد تسبب أضرارًا بالغة وواسعة الانتشار وطويلة الأمد للبيئة الطبيعية. وبالرغم من أهمية تطبيق الأحكام الواردة في المادتين بشكل عام؛ فإنه يزال ثمة غموض حول درجة الضرر البيئي التي تمثل انتهاكًا لأحكام القانون الدولي، خاصة إذا ما أخذنا في الاعتبار أن الشروط الثلاثة المنصوص عليها، هي شروط تراكمية، بمعنى أنه لكي يمثل الضرر البيئي مخالفة لقواعد القانون الدولي الإنساني؛ فإنه يتعين أن يكون الضرر البيئي بالغ وواسع الانتشار وطويل الأمد في آن واحد. ويزيد من هذا الغموض عدم إيراد البروتوكول لتعريفات محددة للمقصود باصطلاحات "بالغ وواسع الانتشار وطويل الأمد"68.
وقد ذهب جانب في الفقه إلى أن المادتين 53 (3) و55 لم يفرضا قيودًا حقيقية على عاتق الدول التي تشن حربًا تقليدية، ويبدو أن قواعدهما موجهة في المقام الأول لصناع القرار، بهدف الحد من استخدام وسائل الحرب غير التقليدية، مثل الاستخدام المكثف لمبيدات الأعشاب والعوامل الكيميائية التي يمكن أن تسبب أضرارًا بالغة وواسعة الانتشار وطويلة الأمد للبيئة الطبيعية69.
ولا غرو - والحال كذلك - أن أهمية الأحكام الواردة في المادتين السابقتين، وفعالية الحماية التي توفرهما في الممارسة العملية تبدو محدودة، إذا ما تمت مقارنتهما بما أقرته المادة 11 من اتفاقية حظر استخدام تقنيات التغيير في البيئة لأغراض عسكرية أو لأية أغراض عدائية أخرى لعام 1976، والتي قررت أن انتهاك الدول الأطراف للاتفاقية يتحقق إذا تم "استخدام تقنيات التغيير في البيئة ذات الآثار الواسعة الانتشار أو الطويلة البقاء أو الشديدة لأغراض عسكرية أو لأية أغراض عدائية أخرى كوسيلة لإلحاق الدمار أو الخسائر أو الأضرار بأية دولة طرف أخرى"، وبعبارة أخرى؛ فإنه يكفي تحقق شرط واحد وفقًا لاتفاقية حظر استخدام تقنيات التغيير في البيئة لارتكاب الانتهاك، وذلك بخلاف البروتوكول الإضافي الأول الذي يتطلب تحقق الشروط الثلاثة مجتمعة، الأمر الذي يتعذر تحقيقه من الناحية الواقعية.
الحماية غير المباشرة للبيئة في زمن النزاعات المسلحة
تتمثل الحماية غير المباشرة للبيئة في مجموعة من المبادئ والقواعد المقرر في القانون الدولي الإنساني التي يُستفاد منها ضمنًا حماية البيئة في زمن النزاعات المسلحة. ويرجع السبب في ذلك، أنه حتى بداية فترة السبعينيات من القرن المنصرم، كان الاهتمام الأساسي للقانون الدولي الإنساني هو حماية البشر؛ لذلك لم يتم ذكر البيئة صراحة في الاتفاقيات والمواثيق الدولية التي تم اعتمادها حتى تلك الفترة، كما أن البيئة ذاتها لم تكن محل اهتمام المجتمع الدولي، سوى مع بداية السبعينيات. ومع ذلك اشتملت تلك الاتفاقيات والمواثيق على العديد من الأحكام التي تحظر استخدام أنواع معينة من الأسلحة، وتؤكد على حماية الأعيان المدنية والممتلكات الخاصة، على نحو يؤدي - ولو بطريق غير مباشر - إلى حماية البيئة70.
وتنقسم قواعد القانون الدولي الإنساني التي توفر حماية غير مباشرة للبيئة أثناء النزاعات المسلحة إلى فئتين رئيستين، تحديدًا: القواعد التي تحظر أو تقيد استخدام بعض أنواع الأسلحة، أو وسائل وأساليب القتال، والقواعد المتعلقة بحماية الأعيان والممتلكات المدنية وبعض المناطق الخاصة71.
القواعد التي تحظر أو تقيد استخدام بعض أنواع الأسلحة أو وسائل وأساليب القتال
هناك العديد من الأسلحة والوسائل والأساليب القتالية التي من شأنها أن تلحق أضرارًا جسيمة ودائمة للبيئة، ولذلك؛ فإن من شأن الحد من تطوير واستخدام هذه الأسلحة والوسائل والأساليب، أن يؤدي إلى حماية البيئة بصورة غير مباشرة أثناء النزاع المسلح. ومن أبرز الاتفاقيات الدولية التي تحظر أو تقيد استخدام بعض أنواع الأسلحة أو وسائل وأساليب القتال، ما يلي:
أولًا: اتفاقية لاهاي الرابعة لعام 1907:
لا مراء أنه في الفترة السابقة على اعتماد البروتوكول الإضافي الأول لاتفاقيات جنيف الأربع الخاصة باحترام قوانين وأعراف الحرب البرية لعام 1907، لم يكن ثمة نصوصٌ صريحة في الاتفاقيات الدولية المعنية بالقانون الدولي الإنساني، تقرر حماية للبيئة أثناء النزاعات المسلحة، ومع ذلك، يوجد نصان في اتفاقية لاهاي الرابعة لعام 1907 ينظمان وسائل وأساليب الحرب التي يمكن اعتبارهما ذات صلة بالبيئة؛ حيث تنص المادة 22 على أنه: "ليس للمتحاربين حق مطلق في اختيار وسائل إلحاق الضرر بالعدو". وإذا تم قراءة وتحليل الحكم الوارد في المادة السابقة مع الحكم الوارد في شرط مارتنز الوارد في ديباجة الاتفاقية؛ فإنه يُستفاد منهما ضمنًا أنه يتعين التحوط عند استخدام بعض الأسلحة؛ إذا كان من شأنها إحداث أضرار جسيمة وطويلة الأمد للبيئة الإنسانية72.
ويتعين الانتباه أنه لم يتحقق، حتى وقتنا الراهن، سوى القليل فيما يتعلق بإنفاذ قوانين لاهاي بشأن وسائل وأساليب القتال، كما أن معظم القضايا الدولية التي نظرها القضاء الدولي حتى الآن ركزت في المقام الأول على قانون جنيف الذي يحمي الأشخاص والأعيان المدنية73.
ثانيًا: بروتوكول حظر استعمال الغازات الخانقة والسامة أو ما شابهها والوسائل الجرثومية في الحرب لعام 1925:
قام المجتمع الدولي باعتماد بروتوكول عام 1925 الذي يستند إلى المبادئ العامة للقانون التي تحظر استخدام الأسلحة اللا إنسانية، ولا سيما أساليب الحرب القاسية، كاستجابة جماعية للأهوال والمآسي الناشئة عن استخدام الأسلحة الكيماوية خلال الحرب العالمية الأولى74. وبالنظر إلى أن استخدام الأسلحة الكيماوية من شأنه إحداث أضرارٍ جسيمة للبيئة؛ فإنه يمكن النظر إلى البروتوكول باعتباره يوفر قدرًا من الحماية للبيئة أثناء النزاعات المسلحة.
ومع ذلك؛ فقد تم تقييد هذا البروتوكول من جانبين أساسيين:
أولًا: يحظر البروتوكول فحسب استخدام وسائل الحرب الكيماوية والبيولوجية، ولكنه يسمح بإجراء الأبحاث وتطوير وتخزين وحيازة هذه الأسلحة75.
ثانيًا: يفتقر البروتوكول إلى آليات للمراقبة وأحكام لتحديد المسؤولية عن انتهاك أحكامه؛ مما يحد من قدرته على أن يكون أداة فعالة لردع المخالفين. ولا جرم أنه ثمة ضرورة ملحة لإقرار آليات إنفاذ فعالة لضمان عدم خروج الدول على الحظر المقرر في البروتوكول76.
ثالثًا: اتفاقية حظر استحداث وإنتاج وتخزين الأسلحة البكتريولوجية (البيولوجية) والتكسينية وتدمير تلك الأسلحة لعام 1972:
تهدف اتفاقية الأسلحة البكتريولوجية لعام 1972 إلى إقرار حظر تام على تطوير وإنتاج وتخزين وحيازة العوامل الميكروبية والسموم77، فضلًا عن المعدات والوسائل التي تستخدم تلك العوامل والسموم لأغراض عدائية أو في النزاعات المسلحة، نظرًا للطابع العشوائي لتلك الأسلحة، وما تمثله من خروج صارخ على مبدأ التمييز بين المقاتلين وغير المقاتلين، وبين الأهداف المدنية والأهداف العسكرية78.
وتعهدت الدول الأطراف بتدمير جميع العوامل الميكروبية والأسلحة والمعدات، في مدة لا تتجاوز تسعة أشهر من تاريخ دخول الاتفاقية حيز النفاذ؛ بيد أن الدول ملزمة فقط بتدمير العوامل البيولوجية التي تصل إلى حد الاستخدامات والأغراض غير السلمية79.
ويلاحظ أن الاتفاقية لا تحظر الاستخدام الفعلي للأسلحة البيولوجية؛ حيث إن واضعي الاتفاقية اتخذوا موقفًا يقضي بأن هذا الموضوع ينظمه بروتوكول عام 192580. وإذا كانت الاتفاقية تحظر نقل العوامل البيولوجية إلى دول أخرى، أو منظمات، أو أي مستفيد؛ إلَّا أنها ألزمت الأطراف بتسهيل تبادل المعلومات الفنية للأغراض السلمية والتعاون في هذا الصدد81.
ويؤخذ على الاتفاقية، أنها لم تنشئ آلية للتحقق من الالتزام بتنفيذ أحكامها، على الرغم من أنها تسمح بتقديم الشكاوى إلى مجلس الأمن. وقد تم التخفيف بعض الشيء من حدة هذا القصور عندما قام المؤتمر الاستعراض الثالث عام 1991 بإنشاء فيريكس VEREX، وهي هيئة خاصة من الخبراء الحكوميين أوكل إليها مهمة دراسة تدابير التحقق من وجهة نظر علمية وفنية82.
ولا جدال أن من شأن هذه الاتفاقية حماية البيئة أثناء النزاعات المسلحة، ضد استخدام الأسلحة البيولوجية والسموم التي تؤدي إلى إحداث تدهور بيئي جسيم، لا سيما البيئة الطبيعية اللازمة لاستمرارية حياة الإنسان.
رابعًا: اتفاقية حظر أو تقييد استعمال أسلحة تقليدية معينة يمكن اعتبارها مفرطة الضرر أو عشوائية الأثر لعام 1980:
ورد صراحة في ديباجة اتفاقية حظر الأسلحة التقليدية لعام 1980، أنه: "من المحظور استخدام أساليب أو وسائل حربية يقصد بها أو يتوقع منها أن تلحق بالبيئة الطبيعية أضرارًا واسعة النطاق وطويلة الأجل وشديدة الأثر"83. كذلك نص البروتوكول الثالث الملحق بالاتفاقية بشأن حظر أو تقييد استعمال الأسلحة المحرقة في المادة 24 على أنه: "يحظر أن تجعل الغابات وغيرها من أنواع الكساء النباتي هدف هجوم بأسلحة محرقة إلَّا حين تستخدم هذه العناصر الطبيعية لستر، أو إخفاء، أو تمويه محاربين، أو أهداف عسكرية أخرى، أو حين تكون هي ذاتها أهدافًا عسكرية".
علاوة على ذلك، سعى البروتوكول الثاني الملحق باتفاقية حظر أو تقييد استعمال الألغام والأشراك الخداعية والنبائط الأخرى إلى الحد من الأثر الضار للألغام الأرضية من خلال مطالبة الدول بضرورة اتخاذ تدابير وقائية، متمثلة في تسجيل مواقع الألغام والأشراك الخداعية والنبائط الأخرى، من أجل تسهيل إزالة النبائط غير المنفجرة في وقت لاحق؛ مما يسهل استعادة الظروف البيئية إلى طبيعتها84.
وأخيرًا، يعد البروتوكول الخامس المتعلق بالمتفجرات من مخلفات الحرب، الذي تم اعتماده في نوفمبر 2003، أول وثيقة دولية تعالج مشكلة الذخائر غير المتفجرة والمهجورة؛ حيث اشتمل على العديد من المبادئ التوجيهية التي تهدف إلى حماية البيئة بصورة غير مباشرة من التهديدات التي تعقب النزاعات المسلحة85.
خامسًا: اتفاقية حظر استحداث وصنع وتخزين واستخدام الأسلحة الكيميائية وتدمير هذه الأسلحة لعام 1993:
الغرض الرئيس لهذه الاتفاقية هو حظر استخدام الأسلحة الكيماوية وتطويرها وإنتاجها86، ومن ثم تفرض على الدول التزامًا بتدمير الأسلحة الكيميائية التي تمتلكها، فضلًا عن مرافق إنتاج تلك الأسلحة87. لذلك تضمنت تلك الاتفاقية العديد من الأحكام والقواعد التي تهدف بشكل أساسي إلى تحقيق ما يلي:
أولًا: الحظر التام لاستخدام الأسلحة الكيميائية، سواء كان "استخدام أول" كوسيلة قتالية أثناء النزاع المسلح، أم على سبيل الانتقام؛ ردًا على استخدام الأسلحة الكيميائية أم غيرها من الأسلحة المحظورة دوليًا. ويتعين على الدول الامتناع عن القيام بالاستعدادات العسكرية المرتبطة بهذا الاستخدام، بما في ذلك التخزين88.
ثانيًا: توفير وسائل للتحقق من أن الدول الأطراف لا تشرع أو تستأنف إنتاج الأسلحة الكيميائية وتخزينها. ويتعين أن يتم تسوية حالات عدم الامتثال بالوسائل السلمية، بما في ذلك التعاون والمفاوضات89.
ثالثًا: إعلان وتدمير مخزونات الأسلحة الكيماوية ومرافق الإنتاج القائمة، على أن يبدأ ذلك في غضون سنتين، وينتهي في مدة أقصاها عشر سنوات من دخول الاتفاقية حيز النفاذ90. وفي الحالات الخطيرة التي قد يحدث فيها مخالفة جسيمة تهدد أهداف وأغراض الاتفاقية؛ فإنه يمكن للدول الأطراف اتخاذ التدابير الجماعية تجاه الطرف المخالف، ويمكن أيضًا في هذه الحالات إحالة المسألة إلى الجمعية العامة أو مجلس الأمن لاتخاذ القرارات الملائمة91. وتتولى منظمة حظر الأسلحة الكيميائية - وهي هيئة دولية مستقلة مقرها في لاهاي - مهمة رصد تنفيذ اتفاقية الأسلحة الكيميائية92.
ومن الجدير بالملاحظة، أيضًا، أن اتفاقية الأسلحة الكيميائية تحظر على وجه التحديد تدمير الأسلحة الكيميائية، عن طريق الإغراق في أية منطقة مائية، أو بحرية، أو عن طريق الدفن في الأرض، وبالتالي تضمن، إلى حد بعيد، حماية البيئة ضد الأضرار الناجمة عن التخلص من الأسلحة الكيميائية93. ويمكن القول إن لاتفاقية الأسلحة الكيميائية تأثيرًا إيجابيًا بصدد حماية البيئة الطبيعية أثناء النزاعات المسلحة، طالما أنها تقرر حظر تام على استخدام تلك الأسلحة التي تؤدي إلى إلحاق أضرار شديدة وطويلة الأمد بالبيئة.
سادسًا: اتفاقيات حظر وتقييد تطوير واستخدام الأسلحة النووية:
لا يوجد ثمة شك من أن الأسلحة النووية عشوائية بطبيعتها، نظرًا لقوتها التدميرية الهائلة التي قد لا تقتصر على نطاق مكاني أو زماني محدد؛ إذ إن من شأن آثارها أن تمتد إلى مناطق غير محدودة، وتصيب المدنيين والبيئة بأضرار جسيمة وطويلة الأمد94. ويتمثل أبرز مثال للتدليل على الطبيعة العشوائية لتلك الأسلحة التي يتعذر التحكم في آثارها الضارة، قيام الولايات المتحدة الأمريكية بإلقاء القنبلتين النوويتين على مدينتي هيروشيما ونجازاكي باليابان في أواخر الحرب العالمية الثانية عام 1945؛ مما تسبب في إلحاق أضرار هائلة وطويلة الأمد بالسكان المدنيين والبيئة الإنسانية95.
ويذهب رأي إلى أن حماية البيئة في حد ذاتها لم تكن ضمن الأهداف الصريحة في اتفاقية الأسلحة النووية، إلَّا أن تلك الحماية لا يمكن تحقيقها من الناحية الواقعية إذا لم تتم حماية البيئة التي يعيش فيها الإنسان96، ومن ثم يتفق هذا الاتجاه مع ما أقرته محكمة العدل الدولية في رأيها الاستشاري بشأن التهديد بالأسلحة النووية أو استخدامها من أن استخدام الأسلحة النووية يشكل كارثة بيئية، وأن هناك التزامًا عامًّا يقع على عاتق الدول بعدم الإضرار ببيئة الدول الأخرى عند القيام بأنشطتها المختلفة97.
ويحكم استخدام الأسلحة النووية ثلاث معاهدات رئيسة:
الأولى، هي معاهدة الحظر الجزئي للتجارب النووية لعام 1963، التي تحظر على أطرافها إجراء أية تجارب أو انفجارات نووية في أي مكان يخضع لولايتها أو سيطرتها. وعلى الرغم من أن هذه المعاهدة تتعلق أساسًا بالتجارب النووية التي تقتصر على الغلاف الجوي والفضاء الخارجي والبيئة البحرية؛ فإنها مع ذلك تضمن ألَّا تسبب التجارب النووية ضررًا لتلك المناطق، ولا سيما للبيئة البحرية98.
والثانية، هي معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية لعام 1968، التي لا تحظر صراحة استخدام الأسلحة النووية في الصراعات المسلحة في حد ذاتها، ولكنها تحظر على الدول الأطراف تصنيع أو حيازة أسلحة نووية أو غيرها من النبائط المتفجرة النووية الأخرى. وتهدف هذه الاتفاقية إلى معالجة مشكلة استخدام الأسلحة النووية من خلال إقرار نزع السلاح النووي ومنع انتشاره على نحو تام99.
والثالثة، هي معاهدة الحظر الشامل للتجارب النووية لعام 1996، التي استهدفت وضع حد لجميع تجارب الأسلحة النووية، وغيرها من أشكال التفجيرات النووية. ومن خلال حظر جميع التفجيرات النووية، تشكل المعاهدة تدبيرًا شاملًا لنزع السلاح النووي وعدم الانتشار، على نحو يمكن أن يساهم في حماية البيئة على نحو فعال. ومع ذلك؛ فإن معاهدة الحظر الشامل للتجارب النووية لم تدخل حيز النفاذ حتى وقتنا الراهن، الأمر الذي يضعف من فعالية هذه الاتفاقية في حماية البيئة ضد التجارب النووية؛ مما يؤثر بشكل جسيم على صحة الإنسان وأسلوب حياته100.
ولا يفوتنا في هذا الإطار أن نذكر معاهدات نزع السلاح النووي الإقليمية، ومنها: معاهدة تلاتيلولكو Tlatelolco لعام 1967 لحظر الأسلحة النووية في أمريكا اللاتينية ومنطقة البحر الكاريبي، وهي صك إقليمي رئيس صدقت عليه جميع الدول الثلاثة والثلاثين في أمريكا اللاتينية ومنطقة البحر الكاريبي، ودخلت المعاهدة حيز النفاذ في عام 1969، وتحظر إجراء تجارب أو استخدام أو حيازة أو تصنيع أو إنتاج أو حيازة بأي وسيلة من الوسائل لجميع الأسلحة النووية في هذه المنطقة101. واعتمدت الدول الأعضاء، بموجب المعاهدة، عدة قرارات تتناول التلوث الإشعاعي والبيئة. ومن الصكوك الإقليمية الأخرى معاهدة راروتونغا Rarotonga لعام 1985، التي أنشأت منطقة خالية من الأسلحة النووية في جنوب المحيط الهادئ102، ومعاهدة بانكوك لجنوب شرق آسيا لعام 1995103، ومعاهدة بليندابا Pelindapa الخاصة بأفريقيا لعام 1996104، ومعاهدة سيميبالاتينسك Semipalatinsk الخاصة بآسيا الوسطى لعام 2000، وذلك بالإضافة إلى اتفاقية أنتاركتيكا لعام 1959 واتفاقية قاع البحار لعام 1972، واتفاقية القمر لعام 1979105.
سابعًا: اتفاقيات حظر استخدام الألغام والذخائر العنقودية:
يهدف البروتوكول الثاني لاتفاقية حظر الأسلحة التقليدية إلى الحد من خطر الألغام الأرضية المستمر106، بينما يسعى البروتوكول الخامس إلى معالجة مشكلة الذخائر غير المنفجرة والمهجورة107. بالإضافة إلى ذلك، تحظر اتفاقية أوتاوا بشأن حظر استعمال وتخزين وإنتاج ونقل الألغام المضادة للأفراد وتدمير تلك الألغام لعام 1997، حيازة الألغام المضادة للأفراد واستخدامها، ويتعين على كل دولة طرف، بموجب المادة 5 من الاتفاقية، أن تكفل تدمير جميع الألغام المضادة للأفراد في المناطق الملغومة الخاضعة لولايتها أو سيطرتها في أقرب وقت ممكن، وفي موعد أقصاه عشر سنوات من تاريخ دخول الاتفاقية حيز النفاذ108. بيد أنه إذا لم يتمكن الطرف من ضمان تدمير جميع الألغام المضادة للأفراد خلال تلك الفترة الزمنية؛ فإنه يجوز له أن يطلب من اجتماع للدول الأطراف أو من مؤتمر استعراضي تمديد الموعد النهائي. ويجب أن يتضمن كل طلب، ضمن متطلبات أخرى، "الآثار الإنسانية والاجتماعية والاقتصادية والبيئية للتمديد"109.
بالإضافة إلى ذلك، تمثل المواد 51 (4) و(5) من البروتوكول الإضافي الأول لاتفاقيات جنيف، التي تحظر الهجمات العشوائية، أهمية خاصة، فيما يتعلق بتشجيع الدول على الامتناع عن استخدام الألغام الأرضية في الحروب؛ حيث إن هذه الأسلحة عشوائية بطبيعتها، وتشكل خطرًا شديدًا، على المدى الطويل، على كل من البشر والحيوانات المتواجدة في المناطق المتأثرة بتلك الألغام110.
كذلك؛ فإن من شأن القنابل العنقودية أن تعرض البيئة والحياة الإنسانية لمخاطر جسيمة، لا سيما الذخائر غير المنفجرة في أعقاب النزاعات111، الأمر الذي دعا إلى اعتماد اتفاقية الذخائر العنقودية في مايو 2008؛ حيث نصت مادتها الأولى على أن تلتزم كل دولة طرف بعدم استعمال، أو استحداث الذخائر العنقودية، أو إنتاجها، أو نقلها، أو تخزينها، أو الاحتفاظ بها. وقد ألزمت هذه الاتفاقية أطرافها بضرورة تدمير كل الذخائر العنقودية في مدة لا تتجاوز ثماني سنوات من تاريخ دخول الاتفاقية حيز النفاذ، على أن تتم عملية التدمير وفقًا "للمعايير الدولية الواجبة التطبيق لحماية الصحة العامة والبيئة"112.
ويتعين الانتباه إلى أنه لا توجد معاهدات دولية تحظر صراحة استخدام ذخائر اليورانيوم المستنفد، وغيرها من الأسلحة التي تم تطويرها مؤخرًا، ومع ذلك؛ فإن المادة 36 من البروتوكول الإضافي الأول لاتفاقيات جنيف، قد فرضت على أطرافها بأن تضمن عدم استخدام أية أسلحة أو وسائل أو أساليب حرب جديدة مع قواعد القانون الدولي القائمة، كما أن قواعد القانون الدولي الإنساني تحظر أيضًا استخدام الأسلحة أو الوسائل أو الأساليب التي من شأنها إلحاق إصابات بالغة أو معاناة لا مبرر لها، أو التي يكون لها آثارٌ عشوائية، أو تسبب أضرارًا واسعة النطاق وطويلة الأجل وشديدة للبيئة الطبيعية113. كذلك أصدرت الجمعية العامة القرار رقم 67/36 في 3 ديسمبر 2012 بشأن آثار استخدام الأسلحة والذخائر التي تحوي اليورانيوم المستنفد؛ حيث دعت بموجبه الدول الأعضاء التي قامت باستخدام الأسلحة والذخائر التي تحتوي على اليورانيوم المستنفد في النزاعات المسلحة إلى تزويد السلطات المعنية في الدول المتضررة، بمعلومات مفصلة، قدر الإمكان، عن المناطق التي استخدمت فيها تلك الأسلحة والكميات المستخدمة منها، بهدف تمكينها من معالجة آثار استخدام تلك الأسلحة.
القواعد المتعلقة بحماية الأعيان والممتلكات المدنية وبعض المناطق الخاصة
يدخل ضمن مفهوم الأعيان المدنية كافة الممتلكات أو الأشياء التي لا يتم استخدامها للأغراض العسكرية، ومن ضمنها عناصر البيئة المختلفة. وتشتمل القواعد المتعلقة بحماية الأعيان والممتلكات المدنية على القواعد العامة المقررة في القانون الدولي الإنساني لهذا الغرض، والقواعد المتعلقة بحماية التراث الثقافي، والقواعد المتعلقة بالمنشآت التي تحتوي على قوى خطرة، يضاف إلى ذلك القواعد التي تفرض قيودًا على بعض المناطق التي تتسم بطبيعة خاصة. وسوف نتولى دراسة تلك القواعد تباعًا وفقًا لما هو آت:
أولًا: القواعد العامة لحماية الأعيان والممتلكات المدنية:
لا جرم أن قواعد القانون الدولي الإنساني التي تحكم حماية الأعيان المدنية، يمكن أن توفر أساسًا قانونيًّا فعَّالًا، لحماية البيئة أثناء النزاعات المسلحة. وفيما يلي نبين القواعد والأحكام الواردة في المواثيق والاتفاقيات الدولية المعنية بهذا الموضوع:
تنص قواعد لاهاي الملحقة باتفاقية لاهاي الرابعة لعام 1907، بشأن قوانين وأعراف الحرب البرية، على أنه يحظر تدمير ممتلكات العدو أو الاستيلاء عليها، ما لم يكن هذا التدمير أو الاستيلاء تتطلبه ضرورات الحرب114. وتشمل "ممتلكات العدو" المناطق المحمية والعناصر البيئية والموارد الطبيعية، والتي من شأنها أن تكون مشمولة بالحماية بشكل غير مباشر وفقًا لقواعد لاهاي115.
اتفاقية جنيف الرابعة لعام 1949:
تتعلق اتفاقية جنيف الرابعة لعام 1949 بمعاملة المدنيين والممتلكات أثناء النزاع المسلح والاحتلال، وتقرر هذه الاتفاقية أن "غير المقاتلين" هم من "الأشخاص المحميين" الذين تظل حياتهم وسبل عيشهم آمنة116. وقد أعادت هذه الاتفاقية التأكيد على ما ورد في قواعد لاهاي بشأن ممتلكات العدو، عندما نصت في المادة 147 على أن التدمير الواسع النطاق للممتلكات التي لا تبررها الضرورة العسكرية والقيام بها بصورة غير مشروعة أو تعسفية، يندرج تحت مصاف الأفعال التي تشكل انتهاكات جسيمة" للاتفاقية.
وعلاوة على ذلك، تنص المادة 53 على أنه: "يحظر على دولة الاحتلال أن تدمر أي ممتلكات خاصة ثابتة أو منقولة تتعلق بأفراد أو جماعات، أو بالدولة أو السلطات العامة، أو المنظمات الاجتماعية أو التعاونية، إلَّا إذا كانت العمليات الحربية تقتضي حتمًا هذا التدمير". وبما أن الموارد الطبيعية تعتبر ممتلكات مدنية تخص، بشكل عام، أشخاصًا عاديين؛ فإن تدميرها يمكن اعتباره انتهاكًا للمادتين 147 و53 من اتفاقية جنيف الرابعة، إذا لم تبرره الضرورة العسكرية الحتمية117.
البروتوكول الإضافي الأول لاتفاقيات جنيف الأربع لعام 1977:
اشتملت المادة 48 من البروتوكول الإضافي الأول لاتفاقيات جنيف على القاعدة الأساسية المتعلقة بحماية الأعيان المدنية من آثار الأعمال العدائية، ويمكن أن يستفاد ضمنًا من هذه المادة أنها تقرر حماية غير مباشرة للبيئة في زمن النزاعات المسلحة، وذلك عندما طالبت أطراف النزاع بضرورة "التمييز بين السكان المدنيين والمقاتلين وبين الأعيان المدنية والأهداف العسكرية، ومن ثم توجه عملياتها ضد الأهداف العسكرية دون غيرها، وذلك من أجل تأمين احترام وحماية السكان المدنيين والأعيان المدنية". ويبدو جليًا أن هذه القاعدة الأساسية هي بمثابة تأكيد صريح على مبدأ التمييز، الذي تم إعادة تأكيده في المادة 52 التي أوضحت الفارق بين الأهداف العسكرية والأهداف المدنية118.
كما أن المادة 54 (2) من البروتوكول الإضافي الأول تحمي البيئة بشكل غير مباشر من خلال حظر الهجمات على "الأعيان التي لا غنى عنها لبقاء السكان المدنيين"؛ أي الأشياء ذات الأهمية الأساسية لمعيشة السكان. وقد أوردت المادة السابقة أمثلة على الأعيان والمواد التي لا غنى عنها لبقاء السكان المدنيين، ومنها: المناطق الزراعية والمحاصيل والماشية ومرافق مياه الشرب وأشغال الري119. ويستفاد من ذلك ضمنًا أنه يحظر توجيه هجمات عسكرية تجاه كافة العناصر البيئية الأخرى اللازمة لاستمرارية الحياة بالنسبة للسكان المدنيين.
علاوة على ذلك؛ فإن المادة 54 (3) (ب) تقرر حماية عناصر البيئة الرئيسة، حتى وإن كانت تدعم بشكل مباشر العمل العسكري، إذا كان من شأن تدميرها أن يسبب التجويع أو النقل القسري للسكان المدنيين. ويتمثل أثر هذا الحكم أيضًا في استبعاد انتهاج سياسات الأرض المحروقة التي تتسبب في تدمير بيئي شديد120.
ويعد اتباع سياسة الأرض المحروقة من جرائم الحرب؛ حيث تمت محاكمة وإدانة ألفريد جودل Alfred Jodl أحد القادة النازيين أمام محكمة نورمبرج Nuremburg Tribunal بسبب تدميره للعديد من الأراضي والمناطق خلال انسحابه من النرويج وروسيا. وكان ريندوليك Rendulic قد تم اتهامه أيضًا باتباع سياسة الأرض المحروقة مع جودل أثناء الانسحاب من النرويج وروسيا، ولكن تمت تبرئته أمام محكمة نورمبرج، استنادًا إلى الدفع الذي أثاره بوجود ضرورة عسكرية، استدعت اتباع هذه السياسية، لكي يتمكن من الانسحاب، دون أن يتعرض للمطاردة الشرسة من جانب القوات السوفيتية، ولكن جودل اكتفى بالدفع بأوامر الرؤساء العليا، التي سبق وأن تم استبعادها صراحة بموجب المادة 8 من ميثاق نورمبرج، ولم يدفع بوجود ضرورة عسكرية، لذلك تمت إدانته121.
وأخيرا؛ فإن من شأن التدابير الوقائية الواردة في المادة 57 أن تضيف حماية للبيئة، نظرًا لقيامها على مبدأي التناسب واتخاذ الاحتياطات الواجبة عند الهجوم، للحد من الأعمال العسكرية التي تؤثر بالسلب على البيئة122.
البروتوكول الإضافي الثاني لاتفاقيات جنيف الأربع لعام 1977:
يتناول البروتوكول الإضافي الثاني، على وجه التحديد، مسائل الحماية أثناء النزاعات المسلحة غير الدولية. واشتمل هذا البروتوكول على بعض الأحكام التي تقرر حماية للبيئة بصورة غير مباشرة في زمن النزاعات المسلحة، ومنها: المادة 14 المتعلقة بالأعيان المدنية، والمادة 15 المتعلقة بالمنشآت التي تحتوي على قوى خطرة، والمادة 16 المتعلقة بالأعيان الثقافية وأماكن العبادة. وتحظر المادة 14 تجويع المدنيين كأسلوب من أساليب القتال، كما تحظر أيضًا شن هجمات عسكرية على الأعيان التي لا غنى عنها للسكان المدنيين، بما في ذلك المواد الغذائية والأراضي الزراعية والمحاصيل والماشية ومرافق مياه الشرب وشبكاتها وأشغال الري، ومن ثم فهي تكرر في النزاعات الداخلية الحماية المنصوص عليها في المادة 54 من البروتوكول الإضافي الأول المنطبق على النزاع المسلح الدولي.
ثانيًا: القواعد المتعلقة بحماية التراث الثقافي:
توفر اتفاقية لاهاي لعام 1954 بشأن حماية الممتلكات الثقافية في حالة النزاع المسلح وبروتوكوليها لعامي 1954 و1999، الحماية للموارد البيئية، وذلك بالقدر الذي تدخل فيه تلك الموارد ضمن تعريف الممتلكات الثقافية الوارد في المادة 1 من الاتفاقية123. وتحظر هذه الاتفاقية استخدام الممتلكات الثقافية لأي غرض عسكري يحتمل أن يعرضها للتدمير أو الضرر في حالة نشوب نزاع مسلح، كما تحظر توجيه أي عمل عدائي ضد تلك الممتلكات، بيد أن الاتفاقية قد أوردت استثناء على هذا الحظر في حالة الضرورة العسكرية الحتمية؛ والغرض من هذا الاستثناء هو تحقيق التوازن بين الضرورات العسكرية والاعتبارات الإنسانية124.
وتضمن البروتوكول الثاني لاتفاقية لاهاي لعام 1999 نظامًا جديدًا "للحماية المعززة" للممتلكات الثقافية، وذلك من خلال مطالبة الدول الأطراف باتخاذ تدابير قانونية وإدارية لتوفير أعلى مستوى من الحماية125، كما حددت الاتفاقية مفهوم الانتهاكات الخطيرة التي تستوجب تطبيق عقوبات جنائية، وطالبت الدول بإقامة ولايتها القضائية على تلك الانتهاكات126. ويمكن أن يكون لهذا الحكم أهمية خاصة بالنسبة للمواقع الطبيعية الحالية، والتي يبلغ عددها مائتي وستة، وفقًا لما هو وارد في قائمة التراث العالمي لمنظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة اليونسكو، لا سيما الستة عشر المصنفة على أنها "معرضة للخطر"127.
علاوة على ذلك، يتضمن البروتوكول الثاني أيضًا بعض الأحكام المستحدثة التي يمكن أن تفيد في حماية الموارد البيئية، ومنها اشتراط نظام الإنذار المبكر، وتوضيح مفهوم الضرورات العسكرية القهرية المتعلقة بالأعيان الثقافية128، وقيام المسؤولية الجنائية الفردية129. وتسلط هذه الأحكام الضوء على قدرة البروتوكول الثاني لاتفاقية لاهاي بشأن حماية الموارد الطبيعية أثناء النزاع المسلح إلى الحد الذي تدخل فيه هذه الموارد ضمن تعريف الممتلكات الثقافية بموجب المادة 1 من اتفاقية لاهاي لعام 1954، فعلى سبيل المثال، توجد مناطق ومجارٍ مائية تتمتع بقيمة تاريخية، وتحتوي في الوقت ذاته على كائنات حية وموارد طبيعية، ذات أهمية خاصة لاستخدامات وبقاء سكان المناطق المحيطة؛ حيث إن إقرار حماية مباشرة لتلك المناطق والمجاري المائية في أوقات النزاعات المسلحة، باعتبارها تراثًا ثقافيًا، من شأنه أن يحمي بشكل غير مباشر العناصر البيئية التي تحتوي عليها130.
كذلك؛ فإن من شأن الأحكام الواردة في البروتوكولين الإضافيين لعام 1977 الملحقين باتفاقيات جنيف لعام 1949، أن تعزز حماية الممتلكات الثقافية، وتحديدًا الأحكام الواردة في المواد 38 (1) و53 و85 (4) (د) من البروتوكول الإضافي الأول131، والمادة 16 من البروتوكول الإضافي الثاني132. وعلى الرغم من أن هذه الأحكام لم تذكر اصطلاح "البيئة" صراحة، إلَّا أنه يمكن، مع ذلك، الاستناد إليها لتوفير الحماية القانونية للبيئة الطبيعية أثناء النزاع المسلح.
ثالثًا: القواعد المتعلقة بالمنشآت التي تحتوي على قوى خطرة:
تحظر المادة 56 من البروتوكول الإضافي الأول لاتفاقيات جنيف الهجمات على الأشغال الهندسية والمنشآت التي تحتوي على قوى خطرة مثل السدود والجسور والمحطات النووية لتوليد الطاقة الكهربائية؛ إذ من شأن انطلاقها إحداث خسائر جسيمة للسكان والأعيان المدنية133. ويُلاحظ أن حقول النفط ومصانع البتروكيماويات لم يتم تناولها بشكل واضح في هذه المادة، بل من المحتمل أن يكون قد تم استبعادها عمدًا. ونتيجة لذلك لا تغطي المادة 56 الهجمات على حقول النفط ومرافق البتروكيماويات التي وقعت في حرب الخليج في الفترة ما بين 1990 و1991، وصراع كوسوفو عام 1999، وحرب لبنان عام 2006. بيد أنه يتعين الانتباه إلى أن حقول النفط ومصانع البتروكيماويات يمكن حمايتها بموجب المبدأ العام للتمييز بين الأعيان العسكرية والأعيان المدنية، الوارد في المادة 52 من البروتوكول الإضافي الأول134.
ولا يجوز الهجوم على السدود والجسور والمحطات النووية لتوليد الطاقة الكهربائية؛ حتى وإن استخدمت على نحو منتظم وهام ومباشر لدعم العمليات العسكرية، إلَّا إذا كان هذا الهجوم هو السبيل الوحيد المتاح لإنهاء هذا الدعم135.
وتمد المادة 15 من البروتوكول الإضافي الثاني نطاق الحماية المنصوص عليها في المادة 56 من البروتوكول الأول لكي تشمل النزاعات المسلحة غير الدولية؛ مما يحمي السدود والجسور والمحطات النووية لتوليد الطاقة الكهربائية ضد استهدافها خلال هذه النزاعات أيضًا.
رابعًا: القواعد التي تفرض قيودًا على بعض المناطق الخاصة:
تشمل تلك المناطق الخاصة تحديدًا: الأقاليم المحتلة والأقاليم المحايدة والمناطق منزوعة السلاح، وسوف نعرض للقواعد المتعلقة بتلك المناطق على النحو التالي:
وُضِعت الأحكام الخاصة بالأراضي المحتلة لأول مرة في قواعد لاهاي عامي 1899 و1907، ثم جاءت اتفاقية جنيف الرابعة عام 1949 لتضفي مزيدًا من الحماية على تلك الأراضي. وتنص المادة 55 من اتفاقية لاهاي الرابعة لعام 1907 على قواعد انتفاع السلطة القائمة بالاحتلال؛ حيث أقرت حق سلطة الاحتلال في الانتفاع من الممتلكات المحتلة، ولكن يقع على عاتقها التزام بصيانة تلك الممتلكات، وعدم تدميرها، ما لم يبرر ذلك اعتبارات الضرورة العسكرية136. وبالمثل، حظرت المادة 53 من اتفاقية جنيف الرابعة لعام 1949 تدمير القوة المحتلة لممتلكات سكان الأراضي المحتلة، سواء بصورة فردية أم جماعية، إلَّا في ظروف الضرورة العسكرية الملحة.
ويمكن أن يوفر الوضع الخاص للاحتلال والقواعد المنظمة له، كما هو الحال بالنسبة للأحكام التي تسمح لسلطات الاحتلال بالانتفاع من الأراضي المحتلة، بعض المبادئ التوجيهية للتعامل مع حالات مماثلة في سياق النزاع المسلح غير الدولي. وقد أصبح الإفراط في استخراج واستنزاف الموارد الطبيعية ذات القيمة العالية، سمة شائعة جدا في النزاعات المسلحة غير الدولية؛ حيث إن الإيرادات المتأتية من هذا الاستغلال غير القانوني غالبًا ما يخدم تمويل القوات المسلحة وأسلحتها137. وتبرز الدراسات التي أُجريت مؤخرًا أن ما لا يقل عن ثماني عشرة حربًا أهلية، قد مولتها الموارد الطبيعية على مدى السنوات العشرين الماضية، مثال ذلك الألماس والأخشاب والمعادن والكاكاو التي استغلتها الجماعات المسلحة في ليبريا وأنغولا وجمهورية الكونغو الديمقراطية138.
إذا كان قانون الحياد قد نشأ في ظل أحكام القانون الدولي العرفي، إلَّا أن تلك الأحكام قد تم تقنينها إلى حد بعيد في اتفاقيتي لاهاي الخامسة والثالثة عشرة لعام 1907، ولم تضف الاتفاقيات التي اُعتُمِدت في وقت لاحق سوى القليل من التفصيلات عمَّا كان واردًا في اتفاقيتي لاهاي. وقد أصبحت قواعد الحياد جزءًا من القانون الدولي العرفي، وهي تفرض على الدول المتحاربة التزامًا باحترام وصيانة حرمة الدولة المحايدة، بينما تفرض تلك القواعد على الأخيرة، من ناحية أخرى، التزامًا سلبيًا، مؤداه الامتناع عن دعم الجهود الحربية للأطراف المتحاربة، وعدم التحيز لصالح طرف على حساب الآخر139.
وفيما يتعلق بحماية بيئة الأقاليم والدول التي لا تشارك في النزاعات المسلحة؛ فقد تم إقرار فكرة الحياد في المبادئ التوجيهية للجنة الدولية للصليب الأحمر، بشأن الأدلة والتعليمات العسكرية المتعلقة بحماية البيئة في أوقات النزاع المسلح؛ حيث قررت عدم تأثر الالتزامات المتعلقة بحماية البيئة تجاه الدول التي لا تشارك في النزاع المسلح140.
تخضع المناطق المحايدة أو منزوعة السلاح على النحو الذي تم تحديده رسميًا بين المتحاربين، للحماية المقررة بموجب المادة 15 من اتفاقية جنيف الرابعة والمادة 60 من البروتوكول الإضافي الأول. ويعد انتهاك الحماية المقررة للمناطق منزوعة السلاح خرقًا خطيرًا للقانون الدولي الإنساني، وذلك وفقًا للشروط والضوابط المقررة في المادة 85 (3) (د) من البروتوكول الإضافي الأول141.
كذلك فإن هناك عددًا قليلًا من المناطق الأخرى المحمية بوجه خاص ضد الحرب وآثارها السلبية، مثال ذلك أنتاركتيكا المحمية بموجب معاهدة أنتاركتيكا لعام 1959، والفضاء الخارجي المحمي بموجب معاهدة الفضاء الخارجي لعام 1967.
وبناء على ما تقدم؛ فإن أحد الخيارات المتاحة لتعزيز حماية المناطق المحمية ذات القيمة الخاصة، هو أن يتم تصنيفها رسميًا باعتبارها مناطق منزوعة السلاح. وتحقيقًا لهذه الغاية، دعا الاتحاد الدولي لحفظ الطبيعة والموارد الطبيعية، إلى اعتماد مشروع اتفاقية بشأن حظر الأنشطة العسكرية العدائية في المناطق المحمية142، والذي تم تطويره في أعقاب حرب الخليج 1990-1991، استجابة لتزايد المخاوف بشأن الأضرار البيئية الناجمة عن النزاعات المسلحة143. وينص مشروع الاتفاقية على أن يحدد مجلس الأمن المناطق المحمية التي يتعين تمييزها، باعتبارها مناطق غير مستهدفة أو منزوعة السلاح أثناء النزاعات المسلحة. وعليه؛ فإن تحديد مناطق محمية من شأنه أن يحقق غايتين مُهمَّتين: أولًا، حماية أرواح سكان تلك المناطق بشكل مباشر ضد الأضرار الناشئة عن النزاعات المسلحة، وثانيا، حماية البشرية بشكل غير مباشر من خلال حماية البيئة ضد الأضرار التي تلحق بها من جراء النزاعات المسلحة. ومع ذلك؛ فإن مشروع الاتفاقية لم يحظ حتى الآن بتأييد مجلس الأمن، ولم يتلقَّ دعم أعضاء المجتمع الدولي اللازم لإقراره144.
لا جدال في أن البيئة تعد جزءًا لا يتجزأ من بقاء البشرية واستمراريته، ومن ثم فإن استخدام أي نوع من أنواع الأسلحة، سواء تم توصيفه على أنه من الأسلحة التقليدية أم من أسلحة الدمار الشامل، من شأنه أن يكون له أثرٌ ملموسٌ على البيئة البشرية.
وقد بدأت الجهود الدولية الحثيثة لحماية البيئة أثناء النزاعات المسلحة في فترة السبعينيات من القرن المنصرم، وتحديدًا كاستجابة للانتهاكات التي ارتُكبت ضد البيئة خلال حرب فيتنام. وازداد الاهتمام الدولي بالمسألة على إثر الحريق المتعمد لآبار النفط في دولة الكويت خلال حرب الخليج عام 1990، واستمرت الجهود الدولية من خلال عمل لجنة القانون الدولي في إقرار مجموعة من المبادئ لحماية البيئة أثناء النزاعات المسلحة، لا سيما بعد الحرب اللبنانية عام 2006 عندما تعمدت القوات المسلحة الإسرائيلية استهداف البنية التحتية في الأراضي اللبنانية على نحو تسبب في أضرار بيئية جسيمة.
وقد تبلورت الجهود الدولية في إقرار اتفاقية حظر استخدام تقنيات التغيير في البيئة لأغراض عسكرية أو لأية أغراض عدائية أخرى لعام 1976، فضلًا عن إقرار حماية البيئة في زمن النزاعات المسلحة في البروتوكول الإضافي الأول لاتفاقيات جنيف الأربع لعام 1977145.
وقد عرضنا من خلال هذا البحث للأليات الدولية الراهنة المتعلقة بحماية البيئة أثناء النزاعات المسلحة؛ حيث ناقشنا أوجه القصور التي تعتري القواعد الدولية السارية في توفير حماية فعالة للبيئة أثناء النزاعات المسلحة. وانتهينا إلى مجموعة من النتائج والتوصيات، نجملها فيما يلي:
أولًا: النتائج:
ثانيًا: التوصيات:
أولًا: الكتب والمقالات:
ثانيًا: الاتفاقيات الدولية والقرارات والتقارير الدولية:
المراجع باللغة الأجنبية:
أولًا: الكتب والمقالات:
ثانيًا: الاتفاقيات والوثائق الدولية:
ثالثًا: أحكام القضاء الدولي:
Associate Professor of Public International Law, College of Law, Qatar University.
المشاهدات
التحميلات
الاستشهادات
المؤلفون
إصدار
السنة