إن تزايد القيمة الاقتصادية للأموال المنقولة بنوعيها المادية والمعنوية، ودورها الكبير في دفع العجلة الاقتصادية في البلاد، كان السبب الرئيس وراء إصدار القانون رقم 16 لسنة 2021 بشأن رهن الأموال المنقولة، وذلك على الرغم من وجود أحكام تنظم رهن المنقول في القانون المدني والقانون التجاري.
غير أن هذا القانون جاء لينسجم مع التطور الحاصل على صعيد الأموال المنقولة، فكان لا بد من أحكام قانونية جديدة منسجمة مع تلك التطورات بشأن المنقولات بنوعيها المادية والمعنوية.
وبالتالي فإن هذا البحث يهدف إلى تحليل القواعد القانونية الجديدة ومقارنتها بغيرها من الأنظمة من خلال دراسة تحليلية معمقة تساعد على فهم الغاية من هذا القانون الجديد.
ولما كانت أحكام هذا القانون على درجة من الشمول، فإن هذا البحث يقتصر على دراسة أهم الاتجاهات الجديدة المتعلقة بمحل الرهن.
أهمية الموضوع:
صدر في دولة قطر القانون رقم 16 لسنة 2021 بشأن رهن الأموال المنقولة بهدف تعزيز القدرة الائتمانية للأموال المنقولة بنوعيها المادية والمعنوية، ومراعيا التطور التقني الهائل في مجال المنصات الإلكترونية، بما يسمح برهن الأموال المنقولة دون تجريد الراهن من حيازتها، وبالتالي دون حرمانه من منافع أمواله المنقولة التي رهنها. وقد تضمن هذا القانون أحكاما ذات أهمية بالغة تتعلق بمحل الرهن، سوف نقوم بتحديدها ثم تحليلها.
هدف البحث:
إن إدراك واقع تزايد القيمة الاقتصادية للأموال المنقولة بنوعيها المادية والمعنوية، ودورها الكبير في دفع العجلة الاقتصادية في البلاد، كان السبب الرئيس وراء إصدار قانون خاص بشأن رهن الأموال المنقولة على الرغم من وجود أحكام تنظم رهن المنقول في القانون المدني والقانون التجاري؛ غير أن هذا القانون جاء لينسجم مع التطور الحاصل على صعيد الأموال المنقولة؛ فكان لا بد من أحكام قانونية جديدة منسجمة مع تلك التطورات بشأن المنقولات بنوعيها المادية والمعنوية. وبالتالي؛ فإن تحليل تلك الأحكام الجديدة ومقارنتها بالأنظمة الأخرى هو الدافع لنا لإجراء هذا البحث، من خلال دراسة تحليلية معمقة سوف تساعد على فهم الغاية من هذا القانون الجديد.
حدود البحث:
لما كان هذا القانون يتضمن أحكاما خاصة برهن الأموال المنقولة بطريقة تنظم بشكل شامل هذا النوع من التأمينات العينية؛ فإنه من الاتساع والشمول بحيث يتعذر معه دراسة جميع تلك الأحكام في بحث واحد. ولذلك فقد آثرنا أن يقتصر هذا البحث على دراسة أهم الاتجاهات الجديدة لهذا القانون المتعلقة بمحل الرهن، على أن نتبعه بأبحاث أخرى تغطي كافة المجالات البحثية لهذا القانون المهم.
إشكالية البحث:
فيما يتعلق بحدود البحث (محل الرهن)؛ فقد نصت المادة 2 من قانون رهن الأموال المنقولة على أنه: "تسري أحكام هذا القانون على المعاملات المدنية والتجارية والعقود التي تتضمن شرطا يقضي بضمان الوفاء بالالتزام من خلال ترتیب حق رهن على مال منقول أو دين أو أي حق آخر بما في ذلك ما يلي:
يتضح من هذا النص أن الملكية في الحالتين المنصوص عليهما في الفقرتين 2 و3 من المادة الثانية تكون غير مستقرة؛ ففي الفقرة الثانية تكون الملكية غير منتقلة إلى المشتري قبل سداد الثمن؛ إذ قد يفشل في سداده. وفي حالة الفقرة الثالثة تكون ملكية المشتري وفاء غير مؤكدة؛ إذ قد يتمكن البائع من رد الثمن للمشتري فيسترد ملكيته منه. وفي كلتا الحالتين أجاز هذا القانون ترتيب حق رهن على الحقوق الناجمة عن بيع المال المنقول المملوك ملكية غير مستقرة؛ بحيث يتم استخدام الملكية كوسيلة من وسائل الضمان.
تقسيم البحث ومنهجيته:
بناء على ما ذكرناه في هدف البحث وحدوده وإشكالياته؛ فإننا سنتناول بالتحليل والمقارنة الإشكالية الرئيسة لهذا البحث المتمثلة في أن محل الرهن هو مال منقول مملوك ملكية غير مستقرة، وذلك من خلال المبحثين الآتيين:
المبحث الأول: رهن الحقوق المترتبة على بيع المال المنقول المشروط تأجيل نقل ملكيته.
المبحث الثاني: رهن الحقوق المترتبة على بيع المال المنقول المشروط استرداده.
رهن الحقوق المترتبة على بيع المال المنقول المشروط تأجيل نقل ملكيته
إن النص في الفقرة الثانية من المادة 2 من قانون رهن الأموال المنقولة القطري على إمكانية رهن الحقوق المترتبة على بيع المال المنقول المشروط تأجيل نقل ملكيته إلى حين استيفاء الثمن من شأنه أن يعطي للملكية دورا يتجاوز دورها الأساسي كحق عيني أصلي يمنح صاحبه سلطات الاستعمال والاستغلال والتصرف، ويمنحها دورا تأمينيا، فتغدو الملكية كضمان خاص من بين مجموعة الأدوات التأمينية التي نص عليها المشرع القطري في القانون المدني وقانون التجارة. لكن السؤال الذي يطرح نفسه هل ينسجم النظام القانوني لشرط الاحتفاظ بالملكية مع الدور التأميني لها؟
وللإجابة عن ذلك؛ سوف نحلل في المطلب الأول النظام القانوني لشرط الاحتفاظ بالملكية؛ لكي نصل بعد ذلك إلى الدور التأميني لهذا الشرط في المطلب الثاني.
المطلب الأول
النظام القانوني لشرط الاحتفاظ بالملكية
سوف ندرس في الفرع الأول مشروعية شرط الاحتفاظ بالملكية، ثم نبين في الفرع الثاني أثره على سلطات أطراف العقد، لمعرفة مدى جواز رهن هكذا ملكية بحسب الأصل في القواعد العامة.
الفرع الأول
مشروعية شرط الاحتفاظ بالملكية
إن التنظيم القانوني لشرط الاحتفاظ بالملكية لم يدع مجالا للشك بشأن مشروعية هذا الشرط، على الرغم من أنه يوقف بشكل مؤقت الأثر الرئيس لعقد البيع ألا وهو نقل الملكية، وعلى الرغم – أيضا - من أن الأصل في بيع المنقول - على خلاف البيوع العقارية التي لها سجل عقاري - أنه ناقل للملكية فور التعاقد، وبذلك يمكننا القول إن شرط الاحتفاظ بالملكية لحين سداد الثمن يعد خروجا عن القواعد العامة في بيع المنقول.
على أن انتقال الملكية – وإن كان أهم أثر من آثار عقد البيع – إلا أنه ليس من أركانه، فنقل الملكية – وإن كان من طبيعة عقد البيع – إلا أنه ليس دائما من مستلزماته، كما في بيع الأشياء المستقبلية عندما ينتفي الغرر1. كما أن الأحكام المنظمة للأثر الفوري الناقل للملكية ليست من النظام العام2، فيجوز الاتفاق على خلافها. لذلك يمكن لأطراف عقد البيع تعطيل الأثر الناقل للملكية مؤقتا باعتبار ذلك من قبيل الضمان الخاص الهادف لتأمين حصول البائع على الثمن. وهو أمر ينظر إليه في فرنسا على أنه شكل من أشكال التعاقد الهادفة إلى تأخير نقل الملكية إلى المشتري؛ حتى يتسنى للبائع استرداد الشيء المبيع باعتباره مالكا له عند تخلف المشتري على الوفاء بالثمن3. وكان المشرع الفرنسي قد أقر بصحة شرط الاحتفاظ بالملكية على سبيل الضمان بالقانون رقم 335-80 لعام 1980، وأدخل أحكامه في نصوص القانون المدني (2368 مدني فرنسي). وعنه أخذ المشرع المغربي4 والمصري5 والسوري6 وغيرهم.
وبدوره أجاز المشرع القطري أن يحتفظ البائع في عقد البيع بملكية المبيع إلى حين سداد المشتري للثمن، حتى ولو كان هذا الأخير قد تسلم العين المباعة؛ حيث تنص الفقرة الأولى من المادة 430 مدني قطري على أنه: "إذا كان البيع مؤجل الثمن، جاز للبائع أن يشترط أن يكون نقل الملكية إلى المشتري موقوفا على استيفاء الثمن كله ولو تم تسليم المبيع".
وبالتالي؛ فإن هذا الشرط لا يقدح في صحة عقد البيع، غير أن الأثر الناقل للملكية لعقد البيع يتأخر إلى وقت الوفاء بالثمن. وبالنتيجة يبقى العقد المتضمن لهذا الشرط عقد بيع عادي، إلا أن أحد الأطراف يأتمن الطرف الآخر على إرجاء تنفيذ الالتزام بنقل الملكية إلى فترة محددة7. والقانون القطري يعتبر الملكية في مثل هذه الحالة معلقة على شرط واقف. لكن هذا الشرط الواقف لا يقدح في صحة عقد البيع طالما أن أركانه قائمة، لكن أثره الناقل للملكية يتراخى إلى حين تحقق الشرط الواقف، فإن تحقق انتقلت الملكية من تاريخ إبرام العقد وليس من تاريخ تحقق الشرط.
وهنا يبرز السؤال حول الآثار التي يخلفها هذا الشرط على سلطات كل من البائع والمشتري على المنقول محل العقد، وكذلك سلطات دائني الطرفين على هذا المنقول. وهو ما نبينه في الفرع الآتي:
الفرع الثاني
الآثار التي يرتبها شرط الاحتفاظ بالملكية على سلطات المتعاقدين ودائنيهم
ذكرنا سابقا أن اشتراط البائع الاحتفاظ بالملكية إلى حين سداد المشتري للثمن لا يمنع أبدا من تسليم المنقول محل العقد إلى المشتري، فيبقى البائع مالكا له على الرغم من تسلم المشتري للمنقول (م 430 مدني قطري). فإذا لم يف المشتري بالثمن كان للبائع استرداد المبيع من يد المشتري، وهو حكم يقتضيه مضمون الشرط، وتكمن فائدته في أنه يجنب البائع الدخول في حالة التزاحم مع دائني المشتري الذين ربما يكونون قد ألقوا الحجز على ذلك المنقول باعتباره مال في يد مدينهم المشتري. أما إذا تم الوفاء بالثمن؛ فإن الملكية تنتقل إلى المشتري بأثر رجعي؛ أي إن انتقال الملكية يعتبر مستندا إلى وقت البيع (ف3. م430 مدني قطري). ولم يفصل القانون المدني القطري ما وراء ذلك من الآثار8.
غير أن قانون التجارة القطري رقم 27 لسنة 2006 نظم أحكام البيع بالتقسيط بالمواد من 125 إلى 130 من قانون التجارة القطري؛ حيث اعتبرته المادة 125 من البيوع الائتمانية. في حين أجازت المادة 127 من قانون التجارة القطري للبائع الاحتفاظ بملكية المبيع إلى حين الوفاء بكامل الثمن، فنصت على أنه: "إذا احتفظ البائع بملكية المنقول المبيع حتى أداء أقساط الثمن بالكامل، اكتسب المشتري هذه الملكية بأداء القسط الأخير، ويتحمل المشتري تبعة هلاك المبيع من وقت تسليمه إليه. ومع عدم الإخلال بالأحكام المنصوص عليها في باب الإفلاس، لا يكون شرط الاحتفاظ بالملكية نافذا على الغير إلا إذا كان مدونا في ورقة ذات تاريخ ثابت، وسابق على نشوء حق الغير، أو على إجراءات التنفيذ التي يتخذها الدائنون على المبيع". ففصلت هذه المادة في أحكام هذه الملكية، وتبعة الهلاك، ونفاذ الشرط على الغير. كما يستفاد من هذا النص أن المال المباع مع احتفاظ البائع بالملكية لحين سداد الثمن يبقى داخلا في الضمان العام للبائع بشرط الكتابة وثبوت التاريخ؛ وذلك للتأكد من أن تاريخ الشرط سابق على تاريخ نشوء حقوق الغير.
لكن ماذا لو كان دائنو المشتري قد ألقوا الحجز على هذا المنقول باعتباره مال في يد الحائز؟
في السابق، لم يكن القضاء الفرنسي - قبل صدور القانون رقم 335 - 80 لعام 1980 الذي سبقت الإشارة إليه - يعطي شرط الاحتفاظ بالملكية أي أثر تجاه كتلة دائني المشتري الذي كان قد تسلم العين قبل سداد ثمنها، فلم يكن للبائع الذي اشترط الاحتفاظ بالملكية أي سلطة احتجاج بالشرط على دائني المشتري الذي أفلس9. ولكن في عام 1980 صدر قانون دوبانشيه10 بشأن الآثار الناجمة عن شرط الاحتفاظ بالملكية في عقود البيع؛ بحيث أصبح هذا الشرط يحتج به على الغير. ثم توالت بعدها الاجتهادات القضائية التي تقرر مبدأ حجية شرط الاحتفاظ بالملكية وحق الاحتجاج به على دائني المشتري الذي أفلس11. ومن جهتها، فقد قررت المادة 127 من قانون التجارة القطري مبدأ حجية شرط الاحتفاظ بالملكية على دائني المشتري الذي أفلس، ولكن لا يكون شرط الاحتفاظ بالملكية نافذا على الغير إلا إذا كان مدونا في ورقة ذات تاريخ ثابت، وسابق على نشوء حق الغير، أو على إجراءات التنفيذ التي يتخذها الدائنون على المبيع12. وهنا تظهر أهمية شرط الاحتفاظ بالملكية بالنسبة لدائني البائع المشترط، باعتباره آلية لضمان الوفاء بحقوق الدائنين من شأنه طمأنة هؤلاء حول أداء ديونهم. لكن ما هو الحكم لو تصرف المشتري – وهو غير مالك ملكية مستقرة بعد – بالمنقول قبل سداد الثمن؟ كما لو قام برهنه مثلا. أم أن الدور التأميني الذي يلعبه الشرط يتعارض مع قيام المشتري برهن ذلك المنقول؟ هذا ما سنبينه في المطلب الثاني.
المطلب الثاني
الدور التأميني لشرط الاحتفاظ بالملكية
لما نصت الفقرة الثانية من المادة الثانية من قانون رهن الأموال المنقولة القطري على جواز رهن الحقوق المترتبة على بيع المال المنقول المشروط تأجيل نقل ملكيته إلى حين استيفاء الثمن، كانت بذلك تعطي إشارة لا تخفى على المحلل بأن لشرط الاحتفاظ بالملكية دور تأميني يتمثل في ضمان قيام المشتري بالوفاء بالثمن. ومن أجل بيان هذا الدور التأميني، سنقوم في الفرع الأول بتحليل الطبيعة القانونية لشرط الاحتفاظ بالملكية؛ ذلك أن التشريعات التي أجازت هكذا شرط لم تتصد للطبيعة القانونية له، وهو أمر مفهوم، باعتبار أن هكذا مسائل يتولاها الفقه. وسنرى أن لمسألة الطبيعة القانونية لشرط الاحتفاظ بالملكية نتائج عملية تتعلق برهن المنقول المباع بشرط الاحتفاظ بالملكية. وفي الفرع الثاني نوضح نطاق هذا الدور التأميني، من خلال شرح النطاق المادي لرهن الحقوق المترتبة على بيع المال المنقول المشروط تأجيل نقل ملكيته.
الفرع الأول
الطبيعة القانونية لشرط الاحتفاظ بالملكية
إن الالتزام في نظامنا القانوني قد ترد عليه أوصاف عديدة، ومن بين تلك الأوصاف ما يعدل من آثار الالتزام كالشرط والأجل المنظمة أحكامهما في المواد من 285 إلى 296 من القانون المدني القطري. وعلى ذلك، يمكن أن يثور السؤال حول تكييف مسألة البيع بشرط الاحتفاظ بالملكية هل هو بيع بأجل واقف، أم بيع بشرط واقف؟ والفارق بين الأمرين يكمن في الأثر الرجعي لانتقال الملكية؛ فإذا اعتبرناه بمثابة الأجل الواقف؛ فإن الملكية تنتقل بحلول الأجل. وإذا اعتبرناه بمثابة الشرط الواقف؛ فإن الملكية تنتقل بأثر رجعي.
وهذا بدوره مهم لتحديد مسألة بقاء الرهن الوارد على العين محل البيع بشرط الاسترداد من انقضائه. ولأن لهذا التمييز أهمية عملية؛ فقد تختلف التوجهات التشريعية والقضائية13 والفقهية بشأن توصيفه. فهو يعتبر بموجب الفصل 107 من ظهير الالتزامات والعقود المغربي شرطا، بحسبان أن الشرط وفق الفصل 107 هو أمر مستقبل غير محقق الوقوع، يترتب على وقوعه وجود الالتزام أو زواله. ويعتبره جانب من الفقه الفرنسي شرطا واقفا، بحسبان أن الملكية واقفة عند البائع، لا تنتقل إلى المشتري إلا بعد تسديد الثمن14. لكن جانبا آخر من الفقه الفرنسي يعتبر أن البيع مع شرط الاحتفاظ بالملكية، هو بيع لا ينعقد أصلا قبل سداد المشتري الثمن باعتبار أن الملكية لا تنتقل إلى المشتري إلا بعد الوفاء بالثمن، ويدعم رأيه بأنه في حال هلاك المبيع فإنه سيهلك على البائع باعتباره المالك15. وهذا الرأي لا يمكن القبول به على إطلاقه؛ لأن المشتري قد يكون تسلم المبيع قبل سداد الثمن، والتزم البائع بنقل الملكية إليه عند سداد الثمن، وهذا الالتزام سوف يحول بين البائع وبين التصرفات التي من شأنها إعاقة نقل الملكية للمشتري، فعلى أي أساس يمكن تبرير كل ذلك إذا كان العقد غير منعقد أصلا؟!
لكن في جميع الأحوال؛ فإن حق الملكية للمشتري هنا يكون حقا احتماليا معلقا على أدائه للثمن. فإن فشل في ذلك، جاز للبائع استرجاع الشيء المنقول، وهو ما دفع ببعض الفقه إلى القول بأن البيع - والحالة هذه - معلق على شرط فاسخ16. ولا نشاطر كذلك هذا الاتجاه رأيه؛ ذلك أن القول بالفسخ يعني أن الملكية كانت ثابتة للمشتري ثم زالت عنه، وهو وصف ينافي الطبيعة التأمينية للشرط، فمن كانت ثابتة له الملكية على وجه الضمان هو البائع وليس المشتري. لكن الملكية بالنسبة للطرفين البائع والمشتري هي محتملة خلال مدة الشرط؛ إذ من المحتمل أن تزول الملكية عن البائع إذا سدد المشتري الثمن. كما من المحتمل أن تنتقل الملكية إلى المشتري إذا هو أوفى بالثمن.
ولما كان شرط الاحتفاظ بالملكية أساسه ضمان أداء الثمن وليس فسخ العقد عند عدم الوفاء؛ فإن ربط هذا البيع بالأجل الفاسخ يستبعد؛ لأن العقد سينفسخ حتما بحلول الأجل، في حين أن احتمال الفسخ في هذا البيع ليس حتميا. فالملكية سوف تنتقل إلى المشتري عند وفائه بالثمن، وربط الوفاء بالثمن بمرور مدة زمنية ليس مبررا لاعتبار المدة بمثابة أجل فاسخ؛ إذ قد يفي المشتري بالثمن، وهي مسألة احتمالية غير محققة الوقوع، بخلاف الأجل الذي يعتبر متحققا لا محالة. لذلك نرى أن الوصف الأدق هو أن العقد منعقد تحت شرط واقف، يتجلى أثره في وقف انتقال الملكية؛ بمعنى أن هذا الشرط الواقف لا يوقف انبرام العقد، وإنما يوقف أثره بنقل الملكية، وعندما نقول يوقف أثر العقد؛ فذلك يعني أن العقد منبرم وليس متوقف.
أما محكمة النقض الفرنسية؛ فقد بدأت موقفها من مسألة أثر الشرط على العقد بالنظر إليه على أنه يوقف أثر العقد وليس العقد نفسه17، ثم طورت موقفها لتعتبره شكلا من أشكال التأمين العيني18، دون أن تتخلى عن موقفها من أن الشرط لا يؤخر انبرام العقد؛ حيث عادت وأكدت أن البيع المتضمن شرط احتفاظ البائع بالملكية لا يعني أن البيع ليس نهائيا، بل هو بيع تام، وشرط الاحتفاظ بالملكية هو تأمين موقف لأثر العقد، ولا يلقي بظلال الشك على الصفة التامة لعقد البيع19. وقد كان لموقف محكمة النقض الفرنسية الأثر البالغ على المشرع الفرنسي الذي تبنى - في التعديلات التي أدخلها على القانون المدني في عام 2009 - وصف التأمين، فنصت المادة 2367 من القانون المدني الفرنسي على أنه: "يمكـن الاتفـاق علـى الاحتفـاظ بملكيـة مـال علـى سـبيل الضـمان بمقتضـى شـرط الاحتفـاظ بالملكيـة الـذي يوقـف الأثـر الناقـل للعقـد، إلى حين أداء الالتزام المقابل له. وتكون الملكية المحتفظ بها تابعة للحق الشخصي المضمون."20 ومعلوم أن الحق الشخصي الذي تتحدث عنه الفقرة الثانية هو الثمن؛ حيث جعل المشرع الفرنسي هذه الملكية (وهي حق عيني أصلي) تدور وجودا وعدما مع الثمن (وهو حق شخصي). وعلاقة التبعية هذه التي تحدثت عنها الفقرة الثانية من المادة 2367 مدني فرنسي هي من خصائص الحقوق العينية التبعية (التأمينات العينية) التي تميزها عن الحقوق العينية الأصلية. فالتأمينات العينية لم تنشأ إلا لضمان حقوق شخصية. والذي نستطيع تأكيده من خلال تحليل نص المادة 2367 مدني فرنسي أن المشرع الفرنسي اعتبر شرط الاحتفاظ بالملكية بمثابة تأمين عيني تبعي. وهو وصف لم يرد بهذا الوضوح لا في التشريع المغربي ولا في التشريع القطري. وإذا علمنا أن التأمينات العينية ترد في نظامنا القانوني على سبيل الحصر، فمعنى ذلك أن نص المشرع الفرنسي عليها يعتبر من قبيل إدخالها ضمن التأمينات الحصرية. وأن عدم نص المشرع المغربي أو القطري عليها يفيد عدم إدخالها ضمن نظام التأمينات العينية التي مصدرها القانون، والإبقاء عليها كضمان مصدره الاتفاق.
وبالعودة إلى القانون المدني القطري؛ فإن هذا الشرط بحسب المادة 430 مدني قطري يوصف بأنه شرط واقف حيث يتوقف أثر العقد – وهو انتقال الملكية – على تحقق الشرط المتمثل بالوفاء بالثمن. وبذلك؛ فإن شرط الاحتفاظ بالملكية يلعب دورا تأمينيا يضمن الوفاء بالثمن21. والرأي الراجح في الفقه يميل إلى ربط الطبيعة القانونية للبيع مع شرط الاحتفاظ بالملكية مع الوظيفة الرئيسة التي يهدف إليها ألا وهي الضمان22، وذلك عن طريق توظيف الملكية في مجال المعاملات المالية، وهذا ليس سوى نوع من أنواع الضمان الخاص الناشئ عن اتفاق الإرادتين، وهو ضمان عيني؛ لأن محله حق عيني أصلي وهو حق الملكية.
وفي الواقع؛ فإن شرط الاحتفاظ بالملكية يلعب دورا تأمينيا مزدوجا، فمن جهة يضمن للبائع وفاء المشتري بالثمن، ومن جهة أخرى يضمن الملكية للمشتري حال وفائه بالثمن. وهذا الدور التأميني لشرط الاحتفاظ بالملكية لا يقف حائلا أمام إمكانية رهن الحقوق المترتبة على بيع المال المنقول المشروط تأجيل نقل ملكيته؛ فقد نصت الفقرة الثانية من المادة 2 من قانون رهن الأموال المنقولة القطري على جواز رهن الحقوق المترتبة على بيع المال المنقول المشروط تأجيل نقل ملكيته إلى حين استيفاء الثمن، لكنها لم توضح من هو الراهن، ولا الحقوق التي يجوز رهنها. الأمر الذي يقتضي دراسة نطاق هذا الرهن. وهو ما نبحثه في الفرع الآتي:
الفرع الثاني
النطــــــــــاق المادي لرهن الحقوق المترتبة على
بيع المال المنقول المشروط تأجيل نقل ملكيته
إن البائع بشرط الاحتفاظ بالملكية لحين سداد الثمن هو دائن بالثمن، وبهذه الصفة؛ فإن له الحق في رهن هذا الدين، وتنطبق عليه أحكام رهن الدين. واللافت هنا أن المادة 3 من قانون رهن الأموال المنقولة القطري أجازت رهن المنقول أو الدين المملوك للراهن سواء أكان سابقا على تاريخ إنشاء حق الرهن أم متزامنا معه أو لاحقا عليه. والبائع المحتفظ بالملكية هو دائن للمشتري بالثمن، لكن هذا الدين غير ثابت له؛ فالثابت له هو ملكية المنقول الذي باعه مع احتمال انتقال الملكية إلى المشتري عند الوفاء بالثمن؛ حيث يثبت عندها حقه بالثمن. وبالتالي، كان ينبغي القول بعدم إمكانية رهن هذا الدين الاحتمالي. ومع ذلك؛ فإنه بموجب م3 من قانون رهن الأموال المنقولة القطري فإن الرهن يصبح جائزا؛ لأنها تتحدث صراحة عن جواز أن يكون محل الرهن لاحق على عقد الرهن.
لكن أحكام رهن الدين في القانون المدني القطري تستلزم لصحة هذا الرهن أن يكون الدين مما يقبل الحوالة أو الحجز؛ حيث نصت المادة 1159 مدني قطري على أنه: "لا يجوز رهن الدين إذا كان غير قابل للحوالة أو الحجز." في حين أن هذا الدين الناجم عن بيع المنقول المشروط فيه الاحتفاظ بالملكية لحين سداد الثمن، هو دين احتمالي؛ ذلك أن المشتري قد لا يؤدي الثمن فلا تنتقل الملكية إليه، وعقد بيع المنقول لا يتحقق شرطه الواقف، فيزول العقد بأثر رجعي. فيثور بالتالي التساؤل عن مصير الرهن في هذه الحالة؛ هل ينتقل إلى المنقول عينه؟ أم إلى التعويض الذي قد يستحق للبائع بسبب عدم سداد المشتري للثمن؟
كما أن المشتري بشرط عدم التملك إلا بعد سداد كامل الثمن، هو مشتر غير مالك، لكن له الحق بالملكية باعتباره دائنا للبائع بالملكية إذا أدى له الثمن. فملكية كل من طرفي العقد للمنقول هي ملكية غير مستقرة بعد، مع الفارق في أن البائع من المحتمل أن تزول ملكيته عند سداد المشتري للثمن. والمشتري من المحتمل أن تثبت له الملكية إذا سدد للبائع الثمن؛ فهل يجوز له رهن تلك الملكية التي يشوبها احتمال الاستقرار والزوال؟
إن بقاء المال المباع على شرط الاحتفاظ بالملكية ضمن الضمان العام للبائع يقتضي منع المشتري من التصرف به قبل انتقال الملكية إليه صيانة لحقوق البائع التي يقررها له القانون؛ ذلك أن للبائع حق امتياز على المبيع الذي لم يستوف ثمنه بعد؛ فقد نصت الفقرة الأولى من المادة 1182 من القانون المدني القطري على أنه: "ما يستحق لبائع المنقول من الثمن وملحقاته، يكون له امتياز على الشيء المبيع، ويبقى الامتياز قائما ما دام المبيع محتفظا بذاتيته ...."، كما أن المادة 128 من قانون التجارة القطري منعت المشتري من التصرف في المبيع قبل أداء الأقساط بأكملها، إلا إذا وافق البائع على ذلك كتابة. واعتبرت أن كل تصرف يجريه المشتري للغير بالمخالفة لهذا الحكم لا يكون نافذا في حق البائع، إلا إذا أثبت علم المتصرف إليه وقت إجراء التصرف بعدم أداء الثمن بأكمله.
ومن جماع هذه النصوص نستطيع القول: إن سلطة المشتري – في حالة احتفاظ البائع بالملكية لحين سداد الثمن - على الشيء المبيع الذي تم تسليمه إليه تقتصر – بحسب القواعد العامة - على الاستعمال دون الاستغلال والتصرف، ومن حيث النتيجة فالمشتري بهذا الشرط لا يستطيع أن يرتب على تلك العين حق الرهن. لكن القواعد الخاصة في المادتين 2 و3 من قانون رهن الأموال المنقولة القطري تجيز للمشتري رهن الملكية غير المستقرة له وقت إنشاء الرهن. وتجيز للبائع رهن دينه بالثمن على المشتري بالرغم من أن هذا الدين غير مستقر له وقت إنشاء الرهن. لكن يجب القول إن مصير الرهن يتوقف على مصير الحق المرهون (محل الرهن)، فإن استقر في ذمة الراهن نفذ الرهن بأثر رجعي.
وبالعودة إلى الفقرة 2 من المادة 2 من قانون رهن الأموال المنقولة القطري، نجد أنها أجازت ترتيب حق رهن على الحقوق المترتبة على بيع المال المنقول المشروط تأجيل نقل ملكيته إلى حين استيفاء الثمن. وقد يكون المقصود بتلك الحقوق أنها تلك الناجمة عن عقد البيع نفسه الذي تضمن شرط الاحتفاظ بالملكية. وقد يكون المقصود بها تلك الحقوق الناجمة عن بيع ذلك المنقول مرة ثانية؛ بمعنى أنه بعد البيع الأول جرى بيع المال المنقول المشروط تأجيل نقل ملكيته مرة ثانية؛ سواء أكان المتصرف هو البائع أم المشتري، ثم نتج عن هذا البيع حقوق مالية؛ فإن هذه الحقوق تخضع لقانون رهن الأموال المنقولة، وبالتالي يجوز رهن تلك الحقوق.
وعلى الرغم من أن ظاهر النص يشير إلى استبعاد التفسير الثاني؛ إلا أن هذا التفسير لا يمكن تجاهله بالكلية، خاصة وأن التشريعات الأخرى التي تتضمن نفس نص الفقرة الثانية من المادة 2 من قانون رهن الأموال المنقولة القطري، كالتشريع المغربي والتشريع الفرنسي تتحدث عن هذا المعنى. فقد أجاز المشرع المغربي للمشتري بشرط الاحتفاظ بالملكية بأن يتصرف بالمبيع ببيعه ثانية ولو قبل أدائه الثمن23. وبدوره فإن المشرع الفرنسي – على الرغم من عدم تنظيمه لهذه المسألة بشكل مباشر كما فعل المشرع المغربي – إلا أنه نص على أنه في حال تصرف المشتري بالمنقول فللبائع المحتفظ بالملكية حق الأفضلية على الثمن من المشتري الأول (البائع الثاني)24. والحقيقة أن المشرع الفرنسي من خلال هذا الحكم الذي أدخله في القانون المدني عام 2021 وجعله نافذا اعتبارا من الأول من يناير 2022، كان قد تبنى موقفا سابقا لمحكمة النقض الفرنسية أقرت بموجبه للبائع بالحق على ما اكتسبه مدينه (المشتري) بموجب مبدأ الحلول العيني25؛ بمعنى أن تصرف المشتري صحيح، لكن يحل ما حصل عليه المتصرف (المشتري) محل التزامه بأداء الثمن حلولا عينيا.
وبتحليل هذه المواقف التشريعية؛ فإننا نعتقد بضرورة عدم التمسك بالقواعد العامة القاضية بعدم سريان تصرف المشتري الذي لا يزال قبل أداء الثمن غير مالك، وكان الأصل ألا يسري تصرفه على البائع باعتباره مازال محتفظا بملكية المنقول محل التصرف. إلا أن الفلسفة التي بني عليها شرط الاحتفاظ بملكية المبيع – وهي ضمان وفاء المشتري بالثمن - تقتضي الخروج على القواعد العامة؛ إذ من الأفضل السماح للمشتري بالتصرف ليحصل من خلال هذا التصرف على المال الكافي للوفاء بالثمن. ولذلك نرى أن المشرع الفرنسي عندما قصر حق البائع على الثمن الذي حصل عليه المشتري سواء من الرهن أم من البيع قد حقق الغاية المنشودة من البيع مع الاحتفاظ بالملكية كوسيلة لضمان وفاء المشتري بالثمن.
فهل من الممكن الأخذ بهذا التفسير في قانون رهن الأموال المنقولة القطري؟
إن القواعد العامة تتعارض مع هذا التفسير؛ فهذا البيع الذي يتحدث عنه هذا النص لم يحدد فيه من هو البائع؛ فقد يكون هو البائع الذي احتفظ بالملكية في عقد البيع الأول ضمانا للوفاء بالثمن، وقد يكون البائع هو المشتري الذي لم يف بالثمن بعد. فإن كان البائع هو من اشترط الاحتفاظ بالملكية (أي إنه هو البائع الأول)؛ فإنه يكون قد تصرف فيما يملك، لكن تصرفه هذا يتنافى مع التزامه بنقل الملكية إلى المشتري عند سداد هذا الأخير للثمن؛ فملكيته إذن غير مستقرة؛ لأن الأصل أن تنتقل الملكية إلى المشتري عند الوفاء بالثمن؛ فإذا قام ببيع المال ذاته لمشتر ثان، فإنه يكون – بحسب القواعد العامة لعقد البيع - قد تعرض للمشتري الأول تعرضا شخصيا، خلافا لالتزامه بضمان التعرض الشخصي26، فمن عليه الضمان يمتنع عليه التعرض. فإذا تم البيع الثاني ونجم عنه حقوق مالية؛ فإن هذه الحقوق – بحسب الفقرة 2 من المادة 2 من قانون رهن الأموال المنقولة - يمكن رهنها والاحتجاج بالرهن على المشتري الأول الذي لم يسدد ثمن المبيع بعد. وهذا أيضا يعد صورة من صور التعرض القانوني الصادر من الغير في مواجهة المشتري التي ينبغي على البائع الأول الذي باع المبيع ثانية أن يضمنها للمشتري.
أما إذا كان البائع هو المشتري الذي تسلم العين من البائع الأول الذي احتفظ بالملكية؛ فإن هذا البائع يكون قد تصرف فيما لا يملك. ومعلوم أن القواعد العامة في الرهن تقتضي أن يكون الراهن أهلا للتصرف بالمرهون ومالكا له27؛ بحيث يملك سلطة التصرف فيه؛ حيث نصت الفقر 2 من المادة 1060 من القانون المدني القطري في باب الرهن الرسمي على وجوب أن يكون مقدم الرهن مالكا للعقار المرهون، وأهلا للتصرف فيه. غير أنه في الأحكام المتعلقة برهن المنقول رهنا حيازيا أجازت الفقرة الثانية من المادة 1152 من القانون المدني القطري للمرتهن، إذا كان حسن النية، أن يتمسك بحقه في الرهن ولو كان الراهن لا يملك التصرف في الشيء المرهون.
ونعتقد بأنه ينبغي الأخذ بهذا التفسير والسماح للمشتري – الذي لم تنتقل إليه الملكية بعد - برهن أو بيع المنقول الذي احتفظ البائع بملكيته لحين الوفاء بالثمن؛ لأن من شأن تطبيق القواعد العامة واعتبار أن المشتري تصرف فيما لا يملك تفويتا للصفقة الأساسية، والحد من سلطة المشتري من الاستفادة من القيمة الائتمانية للمنقول الذي يملكه على سبيل الاحتمال. في حين أن تعزيز هذه القدرة الائتمانية للمشتري من شأنه أن يسير بالصفقة الأولى إلى نهايتها دونما إضرار بحقوق البائع الذي يعول أصلا على الثمن وليس على العين، فما احتفاظه بالملكية إلا لكي يضمن وفاء المشتري بالثمن.
فإذا أخذنا بهذا التفسير؛ فإننا نستطيع القول إن المشرع القطري أراد من خلال حكم الفقرة 2 من المادة 2 من قانون رهن الأموال المنقولة القطري أن يوسع من نطاق المحل في الرهن؛ بحيث يتسع ليشمل حقوقا مالية ناجمة عن تصرفات قانونية بعضها قد تكون صدرت بخلاف القواعد العامة كما في الحقوق الناجمة عن التصرف في الملكية المؤجل نقلها بالشكل الذي بيناه آنفا؛ حيث تكون ملكية المتصرف غير مستقرة نهائيا. ومن المفيد هنا التذكير بأن القواعد العامة في هذه الحالة تحمي المرتهن إذا كان حسن النية، يجهل الوضع القانوني لتلك التصرفات. ومن المهم في هذا الصدد الإشارة إلى المادة 1062 من القانون المدني القطري التي تنص على أنه: "يبقى قائما لمصلحة الدائن المرتهن الرهن الصادر من المالك الذي تقرر إبطال سند ملكيته أو فسخه أو إلغاؤه أو زواله لأي سبب آخر، إذا كان هذا الدائن حسن النية في الوقت الذي أبرم فيه الرهن."28 وعلى الرغم من أن هذا النص ورد بشأن الرهن الرسمي؛ بمعنى أنه رهن غير حيازي ويرد على عقار، إلا أنه ينطبق على رهن المنقول وذلك بالإحالة التي قررتها المادة 1130 من القانون المدني القطري إلى أحكام رهن العقار رهنا رسميا. وربما تكون الفائدة العملية من تطبيق هذا الحكم الوارد بشأن الرهن الرسمي على جميع أنواع الرهون هي الحد من الآثار الناجمة عن زوال الملكية بأثر رجعي حماية للدائن المرتهن حسن النية29. لكن الفقرة 2 من المادة 2 من قانون رهن الأموال المنقولة لم تشترط حسن النية فيمن ارتهن تلك الحقوق الناجمة عن تصرفات ترد على ملكية غير مستقرة. وحبذا لو أنه اشترط ذلك؛ إذ إنه سيكون في هذا الحالة أكثر انسجاما مع القواعد العامة في القانون المدني.
ونشير إلى أن المشرع القطري كان قد تنبأ بحدوث تطورات بشأن المنقولات بما يسمح بتوسعة وعاء الرهن بشكل يشمل حقوقا لا تشملها قواعد القانون المدني؛ فنص في المادة 1156 مدني قطري على أنه: "تسري الأحكام المتقدمة بالقدر الذي لا تتعارض فيه مع أحكام القوانين التجارية، والقوانين التي تقرر أحكاما خاصة في رهن المنقول."
إذا كان رهن الحقوق المترتبة على بيع المال المنقول المشروط تأجيل نقل ملكيته، يعد رهنا لحقوق مترتبة على ملكية معلقة على شرط واقف، وهي ملكية غير مستقرة مصبوغة بطابع الاحتمال؛ فإن رهن الحقوق المترتبة على بيع المال المنقول المشروط استرداده يعد رهنا لحقوق مترتبة على ملكية معلقة على شرط فاسخ، وهي أيضا ملكية غير مستقرة مهددة بالزوال، وهو ما سنبحثه في المبحث الثاني.
رهن الحقوق المترتبة على بيـــــع
المال المنقول المشروط استرداده
إنه من خصائص الملكية في القانون المدني القطري عدم جواز اقترانها بأجل؛ فلا يصح الاتفاق على أن يكتسب المتصرف إليه الشيء لمدة محددة؛ بحيث إذا انقضت المدة أعاد المشتري الشيء نفسه إلى مالكه السابق الذي تلقى منه الملكية، فهذا الاتفاق يقع باطلا؛ حيث نصت المادة 474 مدني قطري على أنه: "إذا احتفظ البائع عند البيع بحق استرداد المبيع وقع العقد باطلا"؛ لأنه يتنافى مع طبيعة الملكية التي يجب أن تنتقل على سبيل التأبيد. ومن ثم يبطل شرط إضافة الملكية إلى أجل؛ لأن المشرع القطري عده من قبيل بيع الوفاء الهادف لاستخدام الملكية كضمان، فخشي أن يخفي بيع مثل هذا رهنا مع شرط تملك المرهون، فيستتر القرض المتضمن لفوائد ربوية فاحشة بستار البيع مع شرط الاسترداد30.
وموقف المشرع القطري من شرط استرداد الملكية المعروف ببيع الوفاء لا يثير بحد ذاته إشكالية؛ ذلك أن التشريعات اختلفت فيما بينها بشأن الموقف منه (المطلب الأول). لكن مع صدور قانون رهن الأموال المنقولة القطري رقم 16 لعام 2021 محل هذه الدراسة، ونص الفقرة 3 من المادة الثانية منه على جواز أن تكون الحقوق المترتبة على بيع المال المنقول المشروط استرداده أو إعادة شرائه عند النكول عن الوفاء بالالتزامات محلا للرهن؛ فإن الإشكالية تثور؛ ذلك أن محل الرهن – بموجب هذا النص الخاص – قد يكون ناجما عن تصرف باطل بموجب القاعدة العامة المنصوص عنها في المادة 474 من القانون المدني القطري، وذلك إذا ما تم تكييف البيع المتضمن لشرط الاسترداد على أنه بيع وفاء (المطلب الثاني).
المطلب الأول
الاتجاهات التشريعية بشأن شرط استرداد الملكية
اختلفت مواقف التشريعات من شرط استرداد الملكية بين مجيز متحفظ ومانع؛ فمن أجازه تمسك – على ما نعتقد – بمبدأ الملاءمة كما سنبينه لاحقا، ومن أبطله تمسك بمبدأ المشروعية. وسوف نعرض بإيجاز لهذه المواقف في الفرعيين الآتيين:
الفرع الأول
مبدأ الملاءمة كأساس لإجازة شرط استرداد الملكية
يعد القانون المدني الفرنسي من أبرز التشريعات التي أجازت شرط استرداد الملكية في عقد البيع؛ حيث أفرد له تنظيما كاملا وضح فيه شروطه وأحكامه. وعنه أخذت بعض التشريعات العربية كقانون الموجبات والعقود اللبناني الذي يسميه بيع الوفاء31، وقانون الالتزامات والعقود المغربي الذي يسميه بيع الثنيا32. لكن المادة 1660 من القانون المدني الفرنسي نصت على أنه لا يمكن اشتراط خيار الاسترداد لمدة تتجاوز الخمس سنوات33. وإذا اشترط لفترة أطول، خفضت إلى هذا الأجل. وهذه المدة - بحسب المادة 1661 مدني فرنسي– هي مدة إلزامية لا يمكن للقاضي تمديدها. وفي حالة عدم قيام البائع بممارسة إجراءات إعادة الشراء خلال المدة المحددة، يظل المشتري مالكا ملكية لا رجوع عنها (م1662 مدني فرنسي).
وفيما يتعلق بالتكييف القانوني للبيع مع شرط الاسترداد؛ فقد اعتبرت محكمة النقض الفرنسية أن خيار الاسترداد يشكل شرطا فاسخا يعيد الأطراف إلى حالة ما قبل التعاقد34. وهذا التكييف ذاته يمكن استنتاجه من نص الفصل 589 من قانون الالتزامات والعقود المغربي الذي ينص على أنه: "إذا باشر البائع حقه في الاسترداد، فإن الشيء المبيع يعتبر كأنه لم يخرج عن ملكه أصلا."
أما بشأن سلطة المالك (المشتري بشرط الاسترداد) على العين التي يملكها خصوصا فيما يتعلق بإمكانية رهنها؛ فإن القانون المدني الفرنسي لم يفصل بشأنها، إلا أن المادة 1664 مدني فرنسي نصت على أنه: "يمكن للبائع بشرط الاسترداد أن يسترده من مشتر ثان، حتى لو لم يكن الحق في الاسترداد معلنا في العقد الثاني." وبموجب هذا النص؛ فإن حق البائع في استرداد العين مقدم على حق المشتري الثاني؛ حتى ولو كان هذا الأخير حسن النية لا يعلم بوجود شرط الاسترداد. وعلاوة على ذلك؛ فإن البائع عندما يمارس حق الاسترداد؛ فإنه يسترد العين المباعة مطهرة من الحقوق التي رتبها المشتري بعد انتقال الملكية إليه في عقد بيع الوفاء، وهو ما نصت عليه المادة 1673 مدني فرنسي35. ونستطيع أن نستنتج من هذا النص أن التصرفات المنشئة لحقوق عينية التي أجراها المشتري – كالرهن - لا تسري على البائع. لكن المشرع اللبناني فصل في سلطات المشتري؛ حيث نصت الفقرة الثانية من المادة 476 من قانون الموجبات والعقود: "...... وفي كل حال يتمتع المشتري بالمبيع كمالك إلى أن تنتهي المهلة أو إلى أن يستعمل البائع حق الاسترداد مع مراعاة أحكام المادتين 482 و485 فيحق له أن يجني ثمار المبيع وأن يقيم كل دعوى مختصة به على شرط ألا يرتكب احتيالا." وكذلك فعل المشرع المغربي ففصل بشأن سلطات المشتري؛ حيث نص في الفصل 588 من قانون الالتزامات والعقود المغربي: "للمشتري بشرط الاسترداد، خلال الأجل المحدد له، أن ينتفع بالشيء المبيع باعتباره مالكا له، مع عدم الإخلال بما هو مقرر في الفصل 595 وله أن يقبض ثماره، وأن يباشر كل الدعاوى المتعلقة به، بشرط أن يحصل ذلك منه بغير غش .... ."
وفي سياق تبرير ملاءمة شرط الاسترداد للواقع الاقتصادي والقانوني، يرى الفقه في فرنسا أن شرط الاسترداد هو حل مناسب للسماح للأشخاص الذين يواجهون صعوبات مالية ودعاوى قضائية؛ حيث يمكنهم من خلاله تجنب الحجز القضائي على ممتلكاتهم وبيعها بالمزاد العلني. فهذا الشرط يضمن للبائع الحصول على المال، مع إمكانية إعادة شراء ممتلكاته في وقت لاحق. كما أنه سيكون قادرا على الاستمرار في شغل العقار بصفة مستأجر أو بموجب عقد إشغال36. أما بالنسبة للمزايا التي يتمتع بها المشتري بشرط الاسترداد فتتمثل في أن هكذا بيع يتم عادة بسعر منخفض، الخصم بشكل عام 10٪ إلى 40٪ أقل من قيمة العقار. بالإضافة إلى ذلك، سيحصل المشتري حتى نهاية فترة خيار الشراء على بدل إشغال. وفي نهاية هذه الفترة، إما أن يمارس البائع خيار الشراء ويعيد شراء العقار، أو أنه لا يملك القدرة المالية لإعادة شراء مكان الإقامة ويصبح المشتري هو المالك النهائي للعقار. بالإضافة إلى ذلك، عند ممارسة خيار الاسترداد، يمكن للمستثمر أن يطلب مبلغا إضافيا يقابل مكسبا رأسماليا وهو الفرق بين القيمة السوقية للممتلكات في وقت البيع وتلك في وقت الاسترداد37. وهذه التبريرات المستندة إلى الواقع الاقتصادي التي ساقها الفقه الفرنسي هي التي دعتنا إلى الاعتقاد بأن المشرع الفرنسي اعتمد مبدأ الملاءمة كأساس لتنظيم شرط استرداد المبيع.
الفرع الثاني
مبدأ المشروعية كأساس لمنع شرط استرداد الملكية
أبرز التشريعات المانعة للبيع بشرط الاسترداد هو القانون المدني المصري، وسماه بيع الوفاء38. وهو بذلك خالف صراحة القانون الفرنسي الذي يعتبر مرجع القانون المدني المصري في بنيانه العام ونظرياته الأساسية. فقد عد القانون المدني المصري هذا البيع باطلا في كل صوره39؛ سواء أكان محل العقد عقارا أم منقولا، وسواء قصد بهذا العقد رهن، أم قصد به البيع حقيقة من دون تحايل. وعنه أخذ كل من القانون المدني السوري والقطري وغيرهما.
ووجه المنع أنه كثيرا ما يتخذ بيع الوفاء وسيلة للتحايل على القواعد الآمرة في الرهن التي تقضي ببطلان كل اتفاق يجعل للدائن المرتهن الحق عند عدم استيفاء الدين وقت حلول الأجل في أن يتملك الشيء المرهون في مقابل ثمن معلوم. كما أنه قد يتخذ وسيلة للتحايل على قاعدة تحريم الاتفاق على فائدة يزيد سعرها عن الفائدة القانونية؛ كأن يذكر في عقد بيع الوفاء ثمن للشيء المبيع أكبر من الثمن الذي دفعه المشتري؛ أي أكبر من مبلغ القرض الذي دفعه الدائن المرتهن40. فيتعين في هذه الحالة على البائع أن يدفع الثمن المذكور في العقد إذا أراد استرداد الشيء المبيع (أي المال المرهون). وقد رأت محكمة التمييز القطرية أن المشرع القطري إنما قرر بطلان البيع المتضمن شرط الاسترداد؛ لأنه يعتبر أن هكذا بيع إنما هو رهن يتضمن شرط تملك المرهون، وأنه وإن كان يعد شرطا صحيحا قبل صدور القانون المدني القطري الجديد لعام 2004، إلا أنه مع صدور القانون المدني الجديد؛ فإن المشرع القطري أصبح يعتبره حتما عقد رهن متضمنا لشرط باطل وهو تملك المرهون، لذلك سماه بيع وفاء وأبطل العقد41.
لكن هذا الموقف يستحق المناقشة؛ ذلك أنه وإن كان يستند إلى مبدأ المشروعية، إلا أن مبدأ المشروعية نفسه لا يستلزم بطلان العقد، وإنما يرد البطلان على الشرط وحده، ويتولى القاضي إعادة تكييف العقد على أنه رهن متضمن لشرط تملك المرهون، فيقرر بطلان الشرط المخالف لمبدأ المشروعية وحده. فقد نصت المادة 1080 مدني قطري على أنه: "يقع باطلا كل شرط يجعل للدائن المرتهن الحق، عند عدم استيفاء الدين وقت حلول أجله، في أن يتملك العقار المرهون بالدين أو بأي ثمن كان .... ." وهذا النص وإن كان قد ورد بشأن العقار؛ إلا أنه ينطبق على المنقول وذلك بالإحالة المقررة في المادة 1142 مدني قطري. وواضح أن أحكام الرهن نفسها تلحق البطلان بالشرط وحده دون العقد. وهنا نتساءل إذا كان المشرع القطري يعتبر بيع الوفاء – بحسب رؤية محكمة التمييز القطرية المشار إليه أعلاه - بمثابة رهنا متضمنا شرط تملك المرهون، فلماذا أبطلت عقد البيع؟ طالما أن أحكام الرهن نفسها تبطل الشرط وحده!
فضلا عما سبق؛ فإنه من المهم جدا الإشارة إلى أن القانون 16 لسنة 2021 بشأن رهن الأموال المنقولة القطري نص في مادته السادسة والعشرين على جواز الاتفاق في عقد الرهن على تملك الدائن المرتهن للمال المرهون، فنصت الفقرة الأولى من م 26 على أنه: "للدائن المرتهن ومقدم الضمان الاتفاق في عقد الرهن أو خـلال نفـاذ حق الرهن أو عند استحقاق الدين المضمون، على تملـك الـدائن المرتهن المال المرهون كليا أو جزئيا استيفاء لحقوقه." ونصت الفقرة الأخيرة منها على أنه: "وإذا لم يقدم أي اعتراض على طلب التملك يجوز للدائن المرتهن تملك المال المرهون كليا أو جزئيا استيفاء لحقوقه، أما إذا قبل الاعتراض فيتم التنفيذ على المال المرهون وفقا للإجراءات المقررة في هذا القانون."
فأين أصبح مبدأ المشروعية الذي اتخذ أساسا لتبرير بطلان شرط الاسترداد؟! لذلك نعتقد أن نص الفقرة الثالثة من المادة الثانية من قانون رهن الأموال المنقولة القطري يصطدم بالبطلان الوارد في المادة 474 مدني قطري على النحو الذي سنبينه لاحقا في المطلب الثاني. كما نعتقد أنه كان من الأولى للمشرع القطري ألا يعطي مبدأ المشروعية بعدا يجاوز مداه، والاكتفاء بالتحفظ في حالة بيع الوفاء بتسليط رقابة القاضي على مشروعية بيع الوفاء، كما فعل المشرع العراقي. حيث يعد القانون المدني العراقي من أبرز التشريعات المتحفظة على شرط استرداد الملكية في عقد البيع؛ ذلك أنه يعده تصرفا قانونيا صحيحا، إلا أنه أنزله منزلة الرهن الحيازي؛ حيث عدت المادة 1333 من القانون المدني العراقي بيع الوفاء رهنا حيازيا42. وعلى ذلك يكون البائع وفاء بمثابة الراهن، ويكون المشتري بمثابة المرتهن حيازيا؛ بحيث يتملك الدائن المرتهن (المشتري وفاء) الشيء المباع (المال المرهون) عند عدم رد الراهن (البائع وفاء) الثمن والمصروفات43. وبذلك يصبح تملك الدائن المرتهن (المشتري وفاء) للمرهون عند عدم وفاء المدين الراهن (وهو البائع وفاء) جائزا.
ويعتقد بعض الفقه بأن موقف القانون المدني العراقي من شرط استرداد الملكية في عقد البيع أدى إلى إعطاء المتعاقدين وسيلة للتخلص من آثار بطلان الاتفاق على تملك المرهون، وذلك بإجازته بيع الوفاء وعده رهنا حيازيا، على الرغم من الاختلاف الجوهري بين بيع الوفاء والرهن الحيازي44. وعندما قرر القانون المدني العراقي أن بيع الوفاء يعتبر رهنا حيازيا؛ فإنه يكون بذلك قد حجب عن قاضي الموضوع سلطته في تقدير ما إذا كان البيع وفاء أم رهنا حيازيا، وذلك على خلاف القانون المغربي؛ حيث نص قانون الالتزامات والعقود المغربي في الفصل 600 على أنه: "إذا سمي الاتفاق "بيع الثنيا" مع كونه يتضمن في الحقيقة رهنا؛ فإن آثار هذا الاتفاق تخضع في العلاقة بين المتعاقدين لأحكام الرهن الحيازي للمنقول أو الرهن الرسمي، وفقا لظروف الحال، لكن هذا العقد لا يمكن أن يحتج به على الغير، إلا إذا كان قد أبرم على الشكل الذي يتطلبه القانون لقيام الرهن الحيازي على منقول أو الرهن الرسمي." فعندما استخدم المشرع عبارة: "مع كونه يتضمن في الحقيقة ..."، وعبارة: "وفقا لظروف الحال ..." فهو إنما يترك تقدير ذلك لقاضي الموضوع.
أما في فرنسا التي يجيز قانونها البيع بشرط الاسترداد؛ فإنه - في محاولة للجمع ما بين مبدأي المشروعية والملاءمة - سلط القانون المدني الفرنسي رقابة القاضي على البيع بشرط الاسترداد عن طريق التأكد من عدم إخفاء هكذا بيع الرهن مع شرط تملك المرهون، وإلا أعاد القاضي تكييف العقد وأبطل الشرط. لكن السوابق القضائية على الرغم من أنها راسخة بشأن مخاطر إعادة توصيف البيع مع إعادة الشراء واعتباره بمثابة عقد ضمان45، وبالتالي ربما تعتبره المحاكم شكلا من أشكال إعادة شراء الائتمان المضمون بنقل الملكية العقارية، وهو نفس شرط تملك المرهون الممنوع قانونا، إلا أن احتمال إعادة توصيفه من قبل المحاكم كشرط تملك المرهون ليس بالأمر السهل. مع أنه يمكن استنتاجه من خلال التلازم بين عقد القرض وعقد البيع، ويمكن للمحاكم الاستدلال على هذا التلازم من خلال وقائع مثل: تفاهة الثمن/ إعادة تأجير العقار للبائع/ تكرار عمليات الشراء التي يقوم بها نفس الشخص/ السمة الربوية للعملية .... إلخ. ومع ذلك؛ فقد رفض القضاء الفرنسي في مناسبات عديدة اعتبار البيع بشرط الاسترداد بمثابة رهن حيازي مع شرط تملك المرهون، من ذلك مثلا:
رفض حكم صادر عن محكمة باريس في 10 مارس 2017 توصيف عقد ضمان بشرط تملك المرهون المدعى به، وصدق على عملية إعادة الشراء؛ لأن المدين أقر بكامل إدراكه أنه أراد البيع مع شرط الاسترداد من أجل تجنب الحجز على عقاره وبيعه. ولا يمكن للمدين أن يكون قد أساء فهم نطاق البيع المبرم أمام كاتب عدل في شكل موثق، وهو السند الذي ينص على أن خيار الاسترداد يجب أن يمارس في غضون 5 سنوات. وبدورها أكدت محكمة النقض في غرفتها المدنية الثالثة، بحكم صادر في 4 أكتوبر 2018 رقم 17 - 21.984، في استئناف ضد حكم محكمة الاستئناف في باريس المذكور، على صحة تحليل قضاة الموضوع، معتبرة أن عقد البيع مع خيار الاسترداد لم يظهر أي طبيعة ربوية. في حين أن سعر الاسترداد كان مطابقا لسعر البيع، وتم تحصيل الإيجار مقابل الانتفاع بالمبنى، وهي عملية تمت أمام كاتب عدل بسند موثق. كما رفض حكم آخر لمحكمة النقض (الغرفة الثالثة المدنية) بتاريخ 21 مايو 2014 (12 - 23.607) إعادة تكييف عقد إعادة الشراء كشرط تملك المرهون؛ لأنه لا يمكن استنتاجه من مجرد التوافق بين عقد القرض وعقد البيع؛ فالقرض قابل للسداد بدون فوائد/ سعر الشراء غير بعيد عن قيم سوق العقارات/ كما أن الزيادة التي طرأت على سعر البيع بفعل التكاليف والأعمال الضرورية التي تقابل سلفة الأموال خلال 18 شهرا لم تظهر أنها ربوية46.
نستنتج مما سبق أن مسألة المشروعية ليست بغائبة حتى عن التشريعات التي تجيز شرط الاسترداد، وأن ذهاب المشرع القطري في المادة 474 مدني بمبدأ المشروعية إلى مدى أبعد مما يقتضيه سيضع حكم الفقرة الثالثة من المادة الثانية من قانون رهن الأموال المنقولة القطري في حالة عدم انسجام مع البطلان المقرر في المادة 474 مدني قطري، على النحو الذي سنبينه في المطلب الآتي:
المطلب الثاني
إشكالية جواز رهن حقوق ناشئة عن تصرفات أصلا باطلة
لما نصت الفقرة الثالثة من المادة الثانية من قانون رهن الأموال المنقولة القطري على جواز أن تكون الحقوق المترتبة على بيع المال المنقول المشروط استرداده أو إعادة شرائه عند النكول عن الوفاء بالالتزامات محلا للرهن؛ فإن الإشكالية التي تبرز تتمثل في أن محل الرهن – بموجب هذا النص الخاص – ناجم عن تصرف باطل بموجب القاعدة العامة المنصوص عنها في المادة 474 من القانون المدني القطري. وفي سبيل التصدي لهذه الإشكالية يمكن القول بأن نص الفقرة الثالثة من المادة الثانية من قانون رهن الأموال المنقولة يمكن اعتباره بمثابة نص خاص يقيد النص العام الوارد في المادة 474 مدني قطري في الحدود التي ورد فيها فقط، أي في حدود رهن المنقول. لكن هذا النوع من النقاش - الذي ربما يكون صحيا إذا ما تم تحليل شكل العلاقة بين النصين بشكل مفصل - لا يقدم رؤية متكاملة حول أصل الإشكالية؛ لأننا لا نرى أن الإشكالية تكمن في هذه الحدود الضيقة من العلاقة، بل في أصل البطلان الوارد في المادة 474 مدني؛ لأن هذا البطلان نفسه لا يمكن تفعيله بشكله المطلق في ظل وجود نظريات تبناها القانون المدني نفسه من شأنها أن تحد من إطلاقه، مثل نظرية الشرط الفاسخ (الفرع الأول) ونظرية تحول العقد (الفرع الثاني)؛ بحيث إنه يمكننا القول بأن الإطلاق الموجود في نص المادة 474 مدني لا ينسجم مع هاتين النظريتين. وذلك على النحو الذي سنبينه في الفرعين الآتيين:
الفرع الأول
بيع الوفاء في ظل أحكام الشرط الفاسخ
إذا كان من بين الأوصاف الملحقة ببيع الوفاء أنه بيع معلق على شرط فاسخ يزول بتحققه الالتزام العقدي، وهو وصف أقره أيضا القضاء الفرنسي47؛ فإن التساؤل الذي يطرح نفسه هو أنه طالما أن المشرع القطري أجاز الشرط الفاسخ للعقود ونظم أحكامه48، فلماذا قرر اعتبار البيع بشرط الاسترداد باطل، ولم ينزله منزلة العقد المعلق على شرط فاسخ، كما فعلت تشريعات أخرى؟
لعل عدم إنزال شرط الاسترداد منزلة الشرط الفاسخ هو بسبب الفوارق بينهما، ونعتقد أنه ليس من حسن السياسة التشريعية أن يتم تكييف بيع الوفاء على أنه بيع معلق على شرط فاسخ تلقائيا. فعلى الرغم من أن ظاهر بيع الوفاء يشير إلى أنه بيع معلق على شرط فاسخ بسبب تضمنه شرط الاسترداد؛ إلا أنهما يختلفان من حيث الأساس الذي يقوم عليه كل منهما؛ فالشرط الوفائي يرتبط بالإرادة المنفردة للبائع متى ما أراد فسخه؛ فذلك متوقف على إرادته، بينما الشرط الفاسخ يكون بسبب آخر49. فشرط استرداد المبيع لا يؤدي بالضرورة إلى اعتباره شرطا وفائيا من شأنه أن يبطل البيع. فإذا احتفظ البائع بحق العدول من أجل التروي والتفكير مثلا؛ فإن الشرط والبيع يصحان باعتبار أن الشرط هنا يعد شرطا فاسخا50.
ومعيار التفرقة؛ هو أن الشرط الوفائي يقصد منه أن يسترد البائع المبيع برد الثمن. أما إذا كان القصد أن يأخذ البائع فسحة من الزمن للتروي فلا يعتبر الشرط وفائيا، كما لو تبين من الشرط أنه غير معلق على محض إرادة البائع، وإنما المدة المحددة في العقد هي المدة المطلوب انقضاؤها لإزالة العائق القانوني أمام البائع لنقل ملكية المبيع إلى المشتري. ففي هذا المثال تكون المدة المشترطة غير متعلقة بمحض إرادة البائع، بل خارجة عن إرادته؛ فيكون الشرط هنا فاسخا وليس وفائيا.
ومع ذلك فمن المتصور أن يكون الشرط الفاسخ مرتبطا بإرادة البائع، ويعد – أيضا - شرطا فاسخا، وذلك في فرض تحديد البائع مدة زمنية ليتأكد من رغبته في البيع؛ فهذا يعتبر شرطا فاسخا؛ لأن الشرط الوفائي يقتصر على إرادة البائع باسترداد المبيع من دون أي سبب متى ما رد للمشتري الثمن. وعلى ذلك؛ فإن البائع إذا اشترط في العقد خيار استرداد المبيع ليترك لنفسه فسحة من الوقت أو مجالا للتروي كما في حالة البيع مع الاحتفاظ بحق العدول أو البيع المقترن بخيار الشرط، ففي هذه الحالة يكون الشرط للتروي فيصح الشرط ويصح معه البيع. أما إذا جعل البائع لنفسه حق الفسخ بأمل أن يسترد المبيع برد الثمن، ففي هذه الحالة يكون هذا الشرط شرطا وفائيا، وتبعا لذلك يبطل الشرط ويبطل معه البيع؛ إذ إن الشرط الفاسخ هو الذي يكون للتروي، والشرط الباطل هو ما كان للتمكن من استرداد المبيع على أية حال، أي إنه معلق فقط على محض إرادة البائع.
ولكي يعتبر شرط استرداد المبيع من قبيل بيع الوفاء؛ فإنه يجب أن يتم النص على هذا الشرط في عقد البيع أو في عقد آخر معاصر له51. وفكرة المعاصرة هذه واضحة من صياغة نص المادة 474 مدني قطري التي تقضي بأنه: إذا احتفظ البائع عند البيع بحق استرداد المبيع وقع العقد باطلا. فعبارة "عند البيع" تشير بوضوح إلى أن المعاصرة مطلوبة لاعتبار الشرط وفائيا ولتقرير بطلان البيع بالنتيجة. أما إذا انتفت المعاصرة؛ بحيث تم اشتراط استرداد المبيع بعد تمام عقد البيع؛ فلن يكون البيع وفائيا، ولن يكون من شأنه أن يؤدي إلى إبطاله، إلا إذا تبين للمحكمة أن إرادة الطرفين انعقدت على هذا الشرط وقت البيع وأن هناك ظروفا دعت لتأخير تسجيل هذا الشرط، فالمهم – بحسب محكمة النقض المصرية – أن يثبت للمحكمة أن الاتفاق قد تم على الأمرين معا في وقت واحد، وأن المعاصرة الذهنية بين البيع وحق البائع في الاسترداد تتحقق؛ سواء كانت الورقة سابقة أم لاحقة على البيع52. فإذا كان شرط الاسترداد واردا في ورقة مستقلة عن عقد البيع، ولم تعن المحكمة باستظهار شرط المعاصرة الذهنية التي تربط الشرط بالعقد، ثم حكم القاضي باعتبار الشرط وفائيا؛ فإن حكمه يكون مشوبا بالقصور والخطأ في تطبيق القانون53.
لكن اعتبار بيع الوفاء باطلا - بموجب القاعدة العامة المنصوص عنها في المادة 474 من القانون المدني القطري -، هو ما يستوجب المناقشة؛ لأن الفقرة 3 من المادة الثانية من قانون رهن الأموال المنقولة القطري رقم 16 لعام 2021 تنص على جواز أن تكون الحقوق المترتبة على بيع المال المنقول المشروط استرداده أو إعادة شرائه عند النكول عن الوفاء بالالتزامات محلا للرهن. ومن جماع هذا النص الخاص مع النص العام في المادة 474 من القانون المدني القطري؛ فإن الإشكالية تثور؛ ذلك أن محل الرهن – بموجب هذا النص الخاص – قد يكون ناجما عن تصرف باطل، وذلك إذا ما تم تكييف البيع المتضمن لشرط الاسترداد على أنه بيع وفاء.
وقد أوضحنا فيما سبق أنه لا يمكن اعتبار كل شرط استرداد شرطا وفائيا، فللقاضي دور في الكشف عن نية الأطراف؛ فإذا انتفت المعاصرة وانتفت إرادة الاسترداد المجرد عن أي سبب؛ فإن القاضي يعتبره شرطا فاسخا، فيصح الشرط والعقد. فإذا كان القانون المدني يسمح للقاضي بأن يتدخل لاستكشاف إرادة الأطراف، فلماذا تم منعه من فعل ذلك في بيع الوفاء؟ ألم يكن الأولى أن يعتبر القانون أن البيع صحيح ما لم يلحظ القاضي أن البيع بشرط الاسترداد يخفي رهنا متضمنا شرط تملك المرهون، فيبطل عندها الشرط ويصحح العقد؟ وبذلك تنتفي الإشكالية الناجمة عن احتمال تعارض نص الفقرة 3 من المادة الثانية من قانون رهن الأموال المنقولة القطري رقم 16 لعام 2021 مع البطلان المطلق الوارد في المادة 474 مدني قطري؛ فلا يثور احتمال قيام الرهن على حقوق ناجمة عن تصرفات باطلة عندما يتم اعتبار شرط الاسترداد بمثابة بيع وفاء.
فضلا عما سبق، وفي ظل بطلان البيع مع شرط الاسترداد الوارد في المادة 474 مدني قطري؛ فإن الغموض يلف الفقرة 3 من المادة الثانية من قانون رهن الأموال المنقولة التي تقرر جواز رهن الحقوق المترتبة على بيع المال المنقول المشروط استرداده أو إعادة شرائه عند النكول عن الوفاء بالالتزامات. فإذا كان شرط الاسترداد يؤدي إلى بطلان البيع بطلانا مطلقا، فما الالتزامات التي سيجري النكول عنها؟ وما هذه الحقوق التي ستترتب على هذا النكول إذا كان التصرف أصلا باطل؟!
من أجل تقليل حجم الغموض والتعارض مع حكم المادة 474 مدني قطري، واستكمالا لما سبق وعرضناه آنفا، نعتقد أن حكم الفقرة 3 من المادة الثانية من قانون رهن الأموال المنقولة القطري لا يمكن تطبيقه إلا في الحالة التي لا يتم فيها اعتبار شرط الاسترداد بمثابة بيع وفائي، وإنما عند اعتباره بمثابة شرط فاسخ. ففي هذه الحالة من المتصور نشوء حقوق مترتبة على النكول عن الالتزامات؛ ذلك أن أصل التصرف هنا غير باطل.
ومن المفيد في هذا الصدد الإشارة إلى أن الفقرة الثانية من المادة 1152 مدني قطري تجيز لمرتهن المنقولات المادية رهنا حيازيا أن يتمسك بحقه في الرهن ولو كان الراهن لا يملك التصرف في الشيء المرهون، ولو كان ذلك لاحقا لتاريخ الرهن، لكن على شرط أن يكون حسن النية. ومعلوم أن المالك في بيع الوفاء لا يملك التصرف في الشيء؛ لأنه ملزم برده إذا رد البائع إليه الثمن، وذلك في التشريعات التي تجيز بيع الوفاء مع تسليط رقابة القاضي على هذا البيع للتأكد من عدم تضمنه لرهن مع شرط تملك المرهون عند عدم الوفاء. لكن المشرع القطري يأخذ بحكم مغاير ويعتبر بيع الوفاء باطلا باعتباره يخفي رهنا مع شرط تملك المرهون، باعتبار ذلك افتراضا قانونيا لا يقبل إثبات العكس.
لذلك نعتقد بأن بطلان البيع المتضمن لشرط الاسترداد في المادة 474 مدني قطري لا ينسجم مع السياق العام للقانون المدني القطري الذي يتضمن تنظيما متكاملا للشرط الفاسخ، ويتضمن ضمن الأحكام العامة لرهن المنقول قواعد تجيز للمرتهن حسن النية التمسك بالرهن حتى ولو كان الراهن لا يملك سلطة التصرف بالعين المرهونة. فهذه الأحكام تنسجم أكثر مع إجازة بيع الوفاء وجعله تحت رقابة القاضي.
وإذا لم يكن الحجاج القانوني أعلاه كافيا لدفع المشرع لتعديل موقفه من بطلان بيع الوفاء؛ فإن القاضي بإمكانه تحويل بيع الوفاء الباطل إلى عقد رهن صحيح، وذلك وفقا لنظرية تحول العقد الباطل. وهو ما سنوضحه في الفرع الآتي:
بيع الوفاء في ظل أحكام نظرية تحول العقد الباطل
إن نظرية تحول العقد الباطل التي أخذ بها المشرع القطري تسمح بتجاوز البطلان المقرر في المادة 474 مدني قطري. فقد نصت الفقرة الثانية من المادة 159 من القانون المدني القطري على أنه: "إذا قام سبب الإبطال، وتمسك به من تقرر لمصلحته، تعين على المحكمة القضاء به، ما لم ينص القانون على غير ذلك." وهذه العبارة الأخيرة (ما لم ينص القانون على غير ذلك) تجد تطبيقا لها في نظرية تحول العقد؛ إذ تنص المادة 167 من القانون المدني القطري على أنه: "إذا كان العقد باطلا أو قابلا للإبطال، وتوافرت فيه أركان عقد آخر، فإن العقد يكون صحيحا باعتباره العقد الذي توافرت أركانه، إذا تبين أن نية المتعاقدين كانت تنصرف إلى إبرام هذا العقد." يتضح من هذا النص أن المجال الذي تنتج فيه نظرية تحول العقد مفاعيلها هو العقد الباطل والعقد القابل للإبطال؛ بحيث إن هذا العقد إذا اشتمل على عناصر عقد آخر؛ فإن العقد الباطل أو القابل للإبطال يكون صحيحا باعتباره ذلك العقد الذي توافرت أركانه.
ومن شأن تبني المشرع نظرية تحول العقد صراحة أن يطلق سلطة القاضي في التحري عن نية المتعاقدين من خلال معطيات الدعوى من أجل الوقوف على المراد حقيقة من التصرف بغض النظر عن تسمية الأطراف54. لذلك نعتقد أنه لو تمسك أحد الأطراف ببطلان بيع الوفاء؛ فإن هذا التمسك لا ينبغي أن يحرم القاضي من سلطته في تحويل العقد، إن توافرت الشرائط القانونية لهذا التحويل؛ لأن هدف نظرية التحول أصلا هو التقليل من حالات البطلان عن طريق تصحيح الوصف القانوني. وبالتالي؛ فإن القاضي القطري لديه من السلطة ما يخوله أن يعدل عقد بيع الوفاء المترتب عليه البطلان بنص القانون إلى عقد آخر يرى وجود شروطه أو يستشف من مجمل وقائع العقد المنصرفة إرادة الأطراف إليه أو تنصرف له طبيعة التعاقد؛ إلا أنه ليس له أن يتدخل تدخلا مجحفا بما لا تنصرف إليه إرادة الأطراف ولا يقتضيه طبيعة العقد نفسه.
ومع ذلك، نعتقد بضرورة تعديل نص المادة 474 مدني قطري برفع البطلان عن بيع الوفاء، مع تسليط رقابة القاضي على العقد لمنع التحايل على منع شرط تملك المرهون، وهو ما سيجعل من نص الفقرة الثالثة من المادة الثانية من قانون رهن الأموال المنقولة أكثر انسجاما مع السياق العام للقانون المدني القطري، ويجنبنا مسألة الشك بشأن تقييد النص العام في القانون المدني القطري (م474) بالنص الخاص في قانون رهن الأموال المنقولة، والغموض الذي يشوب هذه الفرضية55. أو على الأقل قصر البطلان الوارد في المادة 474 مدني قطري على العقارات دون المنقولات؛ ذلك أن شمول نص م474 للمنقولات أيضا أصبح يتعارض بوضوح مع الأحكام الواردة في القانون 16 لسنة 2021 بشأن رهن الأموال المنقولة القطري؛ سواء فيما يتعلق بإمكانية رهن الحقوق المترتبة على المنقول المباع بشرط الاسترداد، أم بشأن تملك المنقول المرهون؛ حيث أجازت المادة 26 من قانون رهن الأموال المنقولة شرط تملك المرهون في تعارض واضح مع أحكام القانون المدني المتعلقة برهن المنقول، بما يحتم القول بأن هذا النص الخاص قيد النص العام الوارد في القانون المدني، وأصبح بطلان شرط تملك المرهون قاصرا على العقارات فقط.
نخلص من هذا البحث أنه - بموجب الأحكام القانونية - لا يشترط أن تكون ملكية الراهن للمال المرهون ملكية باتة متحققة للراهن وقت إنشاء الرهن؛ فلا مانع قانوني من أن تكون ملكية الراهن للمال المرهون ملكية غير مستقرة تحتمل البقاء وتحتمل الزوال، وهي الحالة التي تتحقق - كما رأينا - في رهن المنقول المعلقة ملكيته على شرط؛ فقد تكون ملكية الراهن للمنقول الضامن مهددة بالزوال بأثر رجعي.
لذلك رأينا أن الاتجاه الراجح في الفقه يميل إلى ربط الطبيعة القانونية للبيع المتضمن شرط الاحتفاظ بالملكية مع الوظيفة الرئيسة التي يهدف إليها ألا وهي الضمان، وذلك عن طريق توظيف الملكية في مجال المعاملات المالية، وهذا ليس سوى نوع من أنواع الضمان الخاص الناشئ عن اتفاق الإرادتين، وهو ضمان عيني؛ لأن محله حق عيني أصلي وهو حق الملكية.
النتائج الرئيسة:
التوصيات:
أولا: المراجع العربية:
الأبحاث:
اجتهادات المحاكم العربية:
https://www.almeezan.qa/RulingPage.aspx?id=385&language=ar
المراجع باللغة الفرنسية:
اجتهادات المحاكم الفرنسية:
مقالات على الإنترنت:
تاريخ الزيارة 27/8/2023
أستاذ القانون الخاص – جامعة قطر
أستاذ القانون الخاص المساعد – جامعة قطر
المشاهدات
التحميلات
الاستشهادات
المؤلفون
إصدار
السنة