تناول البحث نشأة نظام الأمر الجنائي وتعريفه في كل من التشريعين المصري والقطري، وموقف القضاء والفقه تجاهه في كلا التشريعين، واستقرار موقف القضاء في كل من جهورية مصر العربية ودولة قطر، بدستورية هذا النظام مغلقين الباب أمام الشبهات التي لطالما لوح بها الفقه في وجه هذا النظام.
واستقام البحث بالحديث عن سلطتي إصدار الأمر الجنائي، وأولهما سلطة القاضي الجنائي في إصدار الأمر الجنائي والدور المختلف للقاضي في هذه النظام عن دوره في مرحلة المحاكمة العادية، والجرائم المسموح للقاضي النظر فيها بنظام الأمر الجنائي، ونطاق ما ينطق به من عقوبات، وما يقضي به من غير العقوبات، كالتعويضات والمصاريف على اختلاف مواقف المشرعين المصري والقطري، وترجيح أي المواقف أنسب من منظورنا، والحديث عن الدور الاستثنائي الذي أولاه المشرعان للنيابة العامة في هذا النظام من سلطة إصدار الأمر الجنائي والتي تعتبر الفارق في هذا النظام؛ حيث بهذا الاستثناء جمعت النيابة العامة سلطة قضاء الحكم في إصدارها للأمر مع ما تمتلكه بصفة أصلية من سلطات قضائية (الاتهام، والتحقيق) ونطاق الجرائم المسموح لها النظر والفصل فيها بأمر جنائي، ونطاق ما يسمح للنيابة العامة النطق به في منطوق الأمر الجنائي من عقوبات وغيرها، ولما لهذا النظام من ذاتية موضوعية وإجرائية، تطرق البحث لإجراءات إصدار الأمر الجنائي من شكل يتطلب القانون اكتماله وبيانات يعد إيرادها وجوبيا لقيامها مقام التسبيب، وإجراءات إعلان الأمر الجنائي لذوي الشأن فيه وحتى يتسنى لكل صاحب حق ممارسة حقه في الاعتراض.
وأخيرا تناول البحث أهم الضمانات التي أوردها نظام الأمر الجنائي وهو حق الاعتراض، وطبيعة هذا الحق من كونه لا يعد طعنا، والمواعيد المقررة لممارسته وإجراءاته والقيود الواردة عليه، كما تحدث عن الأثر المترتب على ممارسته من سقوط الأمر الجنائي أو ارتداد قوته التنفيذية، وتطرق بشيء من الإيجاز للإشكال في تنفيذ الأمر الجنائي والحالات التي يتوقف عليها قبول هذا الإشكال، وكيفية الطريق الذي رسمه المشرعان المصري والقطري لهذا الإشكال خروجا عن القواعد العامة لإشكالات التنفيذ، وعرج الحديث على حجية الأمر الجنائي في الدعوى الجنائية ومدى حجيته في إغلاق الباب أمام بعث الواقعة التي فصل فيها الأمر الجنائي أمام القضاء الجنائي من جديد، وحجيته في الدعوى المدنية من قوله للحقيقة المطلقة المقيدة للقضاء المدني ومدى الاختلاف في مواقف المشرعين المصري والقطري حيال هذه الحجية.
يقوم أساس الدولة واستقرار أركانها على التزامها الدستوري المتمثل في إقامة العدالة في المجتمع وحماية أفراد هذا المجتمع من أي خطر، وذلك باستخدامها الحق الأصيل لها في معاقبة الجاني، ولا يتوقف التزامها عند هذا الحد، بل أيضا لهذا الأخير حق دستوري يتمثل في صيانة كرامته وحقه في الدفاع عن نفسه، كل ذلك يدور في فلك الدعوى العمومية التي أوكل الدستور لقانون الإجراءات الجنائية تنظيمها.
ومنذ ظهور حق الدولة في العقاب وما يقابله من حقوق للمتهم لم تعرف التشريعات الدعوى الجنائية سوى بنمطها التقليدي وإجراءاتها العادية والمضنية لجهات القضاء وللمتهم نفسه، على كافة المستويات والجرائم ما كان منها يسير وما كان منها جناية يطول أمدها، ويتحمل القضاء مشقة الإجراءات الطويلة والسابقة للنطق بالحكم؛ حتى يتم التوصل بعد ذلك للحكم الفاصل في الدعوى الجنائية.
وذلك ما سار عليه المشرع القطري في فترة سريان القانون رقم 15 لسنة 1971 بإصدار قانون الإجراءات الجنائية، حتى تأثر فيما بعد بفلسفة المشرع المصري وأدخل نظام الأمر الجنائي لأول مره بقانون الإجراءات الجنائية الأخير رقم 23 لسنة 2004، ويعد هذا النظام تطبيقا عمليا للسرعة والإيجاز في إنهاء الدعوى الجنائية بإجراءات وضمانات على رأسها (قرينة البراءة) توافق بين السرعة العملية والعدالة الجنائية.
وجعل الدعوى الجنائية في هذا النظام قاصرة على مرحلتي الاستدلال والتحقيق الابتدائي مع اختزال في مرحلة المحاكمة؛ مما يجعل القاضي يصدر الأمر الجنائي دون التحقيق النهائي أو المرافعة، كما أوكل للنيابة العامة في مواضع مختلفة على سبيل الاستثناء إصدار أمر جنائي، وذلك على ضوء ما أثبتته التطبيقات الجنائية بإمكانية الاستغناء عن الإجراءات المطولة؛ كالتحقيق النهائي والمرافعة في جرائم الجنح البسيطة والمخالفات.
إشكالية الدراسة:
انطلاقا مما تم بيانه للفكرة التي قادت المشرع القطري للأخذ بنظام الأمر الجنائي، تدعو الحاجة لهذا البحث نظرا لمرور زمن على الأخذ بنظام الأمر الجنائي، اتضح فيها بعض القصور التشريعية التي تعيق النظام عن النهوض بالدور المنشود منه على المدى البعيد، وضيق نطاق نظام الأمر الجنائي الذي لم يعد يتناسب مع ازدياد التشريعات العقابية والحاجة إلى العدالة الناجزة، كما أننا على المستوى الشخصي وجدنا أنفسنا في خضم معتركات فقهية بين التضييق والتوسع في نطاق نظام الأمر الجنائي، كل ذلك مع النظر بشكل شمولي في موقف المشرع القطري ونظيره المصري للبحث عن حل أمثل في الجانب القطري تجاه هذا النظام من حيث النطاق والسلطات والإجراءات.
أهمية الدراسة:
تظهر أهمية البحث في تسليطه الضوء على نظام الأمر الجنائي، كأهم نظم الإجراءات المبسطة لإنهاء الدعوى الجنائية، بغير الطرق الإجرائية المعتادة؛ حيث دعت الحاجة لتخفيف العبء عن كاهل القضاء الجنائي في الجرائم البسيطة للأخذ به، وأثار ـــ على الصعيد النظري ـــ عدة تساؤلات تتعلق بدستوريته ونطاقه وإجراءاته التي تعد استثناء على القواعد العامة للإجراءات الجنائية، كما أصبح لزاما البحث عمليا فيما إذا كانت النصوص القانونية الحالية المنظمة لنظام الأمر الجنائي في التشريع القطري، تستطيع تحقيق الغاية المنشودة كما هو الحال في التشريع المقارن.
منهجية الدراسة:
استقام البحث على المنهج التحليلي من خلال تحليل موقف كل من التشريعين المصري والقطري حيال نظام الأمر الجنائي وذلك بدراسة النصوص القانونية والأحكام القضائية المتعلقة بالبحث، كما قام هذا البحث على المنهج المقارن بين التشريعين المصري والقطري.
خطة البحث:
أخذا بالاعتبار الإشكاليات التي يثيرها البحث، والتي نوهنا إليها سلفا؛ فإننا سنعالجها وفق الخطة التالية:
المبحث التمهيدي: ماهية الأمر الجنائي.
المطلب الأول: تعريف الأمر الجنائي نشأته وأسباب الأخذ به.
المطلب الثاني: تكييف الطبيعة القانونية للأمر الجنائي.
المبحث الأول: سلطة إصدار الأمر الجنائي.
المطلب الأول: سلطة القاضي في إصدار الأمر الجنائي نطاقه وإجراءاته.
المطلب الثاني: سلطة النيابة العامة في إصدار الأمر الجنائي نطاقه وإجراءاته.
المبحث الثاني: حق الاعتراض وحجية الأمر الجنائي.
المطلب الأول: حق الاعتراض على الأمر الجنائي إجراءاته وآثاره.
المطلب الثاني: الإشكال في تنفيذ الأمر الجنائي.
المطلب الثالث: حجية الأمر الجنائي.
ماهية الأمر الجنائي
تمهيد وتقسيم:
يعد الأمر الجنائي من أكثر الأنظمة جدلا في تاريخ القانون الجنائي، ويتمركز الجدل في تعريفه ونشأته وتكييفه.
فيعتبره بعض الفقهاء حكما والبعض الآخر يصنفه صلحا، يصدر من قاض وكذلك لوكيل النائب العام إصداره، وملحوظ أنه تارة يصدر من قضاء الحكم، وتارة - على غير المألوف - يصدر من قضاء التحقيق والاتهام ويخرج في إجراءاته عن أصول المحاكمات الجنائية في حضور الخصوم ومواجهة المتهم.
ويقودنا واقع الأمر الجنائي إلى دارسة ماهية الأمر الجنائي ضمن مطلبين رئيسين: (الأول) تعريف الأمر الجنائي نشأته وأهدافه، (الثاني) تكييف الطبيعة القانونية للأمر الجنائي.
المطلب الأول
تعريف الأمر الجنائي نشأته وأسباب الأخذ به
أولا: التعريف والنشأة:
يعرف الأمر الجنائي، بأنه أمر قضائي يصدر بالعقوبة الجنائية من القاضي أو من أحد وكلاء النائب العام بعد الاطلاع على الأوراق وفي غيبة الخصوم بلا تحقيق نهائي ولا مرافعة(1).
ظهر تطبيق الأمر الجنائي للمرة الأولى عام 1846، بعدما أخذ به التشريع الإجرائي الجنائي في بروسيا كنظام يحقق عدالة جنائية بسرعة مع قصد في الإجراءات، وبدأ بالانتشار بين التشريعات الأوروبية وبصفة خاصة: قوانين ألمانيا، النمسا، سويسرا، إيطاليا والاتحاد السوفيتي(2 منتقلا بعد ذلك إلى الوطن العربي.
وأدخل نظام الأمر الجنائي - كأول مرة في الوطن العربي - إلى مصر سنة 1937 بمقتضى قانون تحقيق الجنايات المختلط، ثم اتسع نطاق تطبيقه إلى المحاكم الوطنية بالقانون رقم 19 لسنة 1941 بشأن الأوامر الجنائية، ولم يكن هذا القانون يأخذ بالمخالفات - كمحل لإصدار الأمر الجنائي - اكتفاء بخضوعها لنظام الصلح، واقتصر في تطبيق الأمر الجنائي على الجنح التي يحكم فيها على سبيل التخيير بالحبس أو الغرامة، مستبعدا الجنح التي يقرر لها القانون عقوبات تكميلية؛ حتى صدر قانون الإجراءات الجنائية الحالي رقم 150 لسنة 1950 واشتمل على تغييرات جوهرية وسعت نطاق الأمر الجنائي ليشمل جميع المخالفات والجنح التي لا يعاقب عليها بالحبس أو الغرامة التي يزيد حدها الأقصى على ألف جنيه فضلا عن العقوبات التكميلية والتضمينات (التعويضات) وما يجب رده والمصاريف(3).
كما كانت سلطة إصدار الأمر الجنائي مقتصرة على القاضي، ولم يكن دور النيابة العامة سوى طلب الإصدار من القاضي، وصدر فيما بعد القانون رقم 252 لسنة 1953 والذي أعطى وكلاء النائب العام الحق في إصدار أمر جنائي بشروط وضوابط سنشير إليها في حينها.
ومن جانب المشرع القطري؛ لم يكن يأخذ بنظام الأمر الجنائي في قانون الإجراءات الجنائية رقم 15 لسنة 1971؛ حتى صدور القانون رقم 23 لسنة 2004 بإصدار قانون الإجراءات الجنائية (الحالي) والذي ألغى السابق ونظم للمرة الأولى في تاريخ التشريع الجنائي القطري "الأمر الجنائي" في المواد (247 – 255) مهتديا ببعض من منهجية المشرع المصري.
ثانيا: أسباب الأخذ به:
انصرفت أغلب التشريعات كما أوضحنا – سلفا – إلى الأخذ بنظام الأمر الجنائي، مبررة توجهها هذا، أخذا في الاعتبار الصعوبات والمشاكل العملية، التي تترتب على تحريك الدعوى الجنائية، بكافة الإجراءات وبنفس الصورة والأسلوب أيا كانت جسامة الجريمة أو بساطتها، وأيا كان موقف المتهم أمام القضاء.
ورأت في الأمر الجنائي أنه الحل الأمثل (لعدالة ناجزة وسرعة للفصل في الدعوى الجنائية) ذلك لاستبعاده لكل تلك الشكليات غير الضرورية وغير الأساسية – في الجرائم البسيطة – والتي باتت معها واجبات القضاء، أكثر صعوبة وتعقيدا، كل ذلك دونما إخلال بالضمانات.
ومن أهم تلك الإجراءات التي حد منها نظام الأمر الجنائي تبسيطا لإجراءات الفصل في الدعوى، هو (مواجهة الخصوم)؛ فكان هذا المبدأ يقضي بمواجهة المتهم بكل إجراء يتصل به أثناء سير الخصومة الجنائية كإعلان المتهم بأمر الإحالة وتكليفه بالحضور للجلسة المحددة؛ سواء في الجنح أو المخالفات مهما كان مدى يسر هذه الجريمة، ونتيجة لهذا الحد فقد أسقط عن الأمر الجنائي مشقة الأخذ بكل هذه الإجراءات التي قد تعيق الفصل في الدعوى، بشكل لا يتلاءم مع يسر الجرائم المنظورة، وإن كان أغلب الفقهاء يرى في هذا الحد مخالفة لمبدأ المواجهة، إلا أنها مخالفة تبررها الاعتبارات العملية التي دفعت التشريعات المختلفة لإقرار نظام الأمر الجنائي(4). ومما يخفف من وطأة هذه المخالفة إلى حد يقارب انعدامها هو حق المتهم في الاعتراض كما سنشير إليه بإيجاز في حينه.
ومن الطرق الضامنة لسرعة النظر والفصل بإيجاز في الدعــوى الجنائيـة ما خـولاه المشرعان - المصري والقطري - النيابة العامة من حق تطبيق العقوبة في الجنح البسيطة والمخالفات بإصدار أمر جنائي، والهدف من هذا التوجه هو تخفيف جزء من العبء عن كاهل القاضي الجنائي؛ لتكريس جهد القضاء في الاهتمام بالجرائم التي تقتضي بطبيعتها وقتا، وتتطلب إجراءات محاكمة تفصيلية، وقد انتقد هذا التوجه، لما فيه من تعد على مبدأ (الفصل بين سلطتي الاتهام والحكم)، وإن كان لهذا الانتقاد قيمته، ولكن سرعان ما تضيق حجية هذا الانتقاد وذلك لحصر المشرعين نظام الأمر الجنائي - الصادر من النيابة العامة - في جرائم يسيرة لا تستأهل تطبيق المبدأ السابق؛ مما يكون معه المشرعان قد قيدا تطبيق هذا المبدأ بما ينظمه ويختزنه دون إهدار وبالحدود الضيقة التي تقتضيها العدالة الناجزة(5)، وفي إمعان النظر في هذا الاستثناء، نجد أنه مولى للنيابة العامة التي في حقيقتها هي شعبة أصيلة من شعب القضاء، لطالما برزت في الإشراف على تطبيق صحيح القانون، ولا يعيب المشرع إن أسند إليها من الاختصاصات ما يجده ضروري لتحقيق العدالة الناجزة.
وتظهر فاعلية الأمر الجنائي في سرعة نظر الدعاوى، بما يستتبعه بطبيعة الحال السرعة في الفصل خصوصا وكما ذكرنا؛ فقد جرد الأمر الجنائي، الدعاوى الجنائية من الجمود وجعلها تنقضي بصدوره بصورة سريعة في ظل إجراءات بسيطة(6)، على ضوء طلب النيابة العامة من القاضي إصداره أو حتى - كما أسلفنا - إصدار النيابة العامة للأمر الجنائي مباشرة من تلقاء نفسها(7).
تكييف الطبيعة القانونية للأمر الجنائي
إن تحديد الطبيعة القانونية للأمر الجنائي، يستلزم منا استقراء ما سار عليه فقهاء القانون طلوعا منه إلى ما استقر عليه القضاء عن بصر وبصيرة؛ لذلك سنعرض لتكييف الطبيعة القانونية للأمر الجنائي في فرعين: (الأول) الطبيعة القانونية للأمر الجنائي في آراء الفقهاء، (الثاني) الطبيعة القانونية للأمر الجنائي كما استقر عليها القضاء.
الطبيعة القانونية للأمر الجنائي في آراء الفقهاء
اتفق أغلب الفقهاء كما وضحنا على خصوصية نظام الأمر الجنائي، وأن ما أوجده هي الحاجة الماسة للسرعة في تحقيق العدالة الناجزة دون إخلال بضمانات الدفاع، إلا أن آراء الفقهاء اختلفت في تحديد الطبيعة القانونية للأمر الجنائي، وانقسموا إلى ثلاثة آراء؛ الرأي الأول يرى أن الأمر الجنائي ليس حكما وإنما هو عرض للصلح، والرأي الثاني يخلص إلى أن الأمر الجنائي بمثابة قرار قضائي، والأخير يراه حكما قضائيا، وسنطرح الآراء على النحو التالي:
الأول: الأمر الجنائي عرض للصلح:
يذهب أنصار هذا الاتجاه إلى أن الأمر الجنائي لا يعد حكما ولا حتى أمرا ذا طبيعة قضائية، وإنما هو عرض الصلح الجنائي يستمد مشروعيته من قبول المتهم، إن شاء المتهم ارتضاه وسدد الغرامة ونحوها، وإن لم يقبله فله الاعتراض عليه أمام المحكمة، فيحاكم المتهم وفقا للإجراءات العادية للمحاكمة(8).
ويستند أنصار هذا الرأي على اتفاق الصلح مع الأمر الجنائي، في أن كليهما يطبقان في الجرائم البسيطة – جنح بسيطة ومخالفات – وإن لإرادة المتهم دورا في أثرهما؛ أي إنه متى ما قبل الأمر الجنائي انقضت به الدعوى الجنائية والحال كذلك مع الصلح بقبوله، تتحقق ذات النتيجة.
الثاني: الأمر الجنائي قرار قضائي:
ذهب أصحاب هذا الرأي إلى أن الأمر الجنائي هو (قرار قضائي) صادر من هيئة قضائية مخولة بإصداره، ويفصل في نزاع معين إلا أنه لا يرقى إلى مرتبة الأحكام؛ لأنه ليس صادرا في خصومة جنائية بالمعنى الدقيق(9)، والاستناد في هذا الرأي قائم على كون الحكم الجنائي لا يصدر إلا في خصومة جنائية؛ فإن القرار الذي يصدر في غير خصومة تتوافر فيها الروابط الإجرائية للخصومة الجنائية كالأمر الجنائي فإنه لا يعتبر حكما(10).
الثالث: الأمر الجنائي حكم قضائي:
ذهب أنصار هذا الاتجاه إلى القول بأن الأمر الجنائي بطبيعته يعد حكما قضائيا تجتمع فيه العناصر الموضوعية للحكم، إلا أن الاختلاف دار في الطبيعة القانونية لهذا الحكم، وذهب جانب من الفقه إلى القول بأن الأمر الجنائي (حكم معلق على شرط)؛ مما يعني اختلاف الأمر الجنائي عن الحكم بأنه متوقف على شرطين هما ألا يعترض المتهم على الحكم، أو إن اعترض فلا يحضر الجلسة المحددة لنظر الاعتراض؛ فإذا تحقق أحد الشرطين صار الأمر الجنائي حكما له قوة الأحكام(11).
وهناك من يرى أن الأمر الجنائي يماثل الحكم في أنه صادر من القاضي، بتطبيق القانون على الواقعة المعروضة، فبناء على محضر جمع الاستدلالات أو أدلة الثبوت الأخرى – وفقا للمادتين 323، 325 مكررا من قانون الإجراءات الجنائية المصري(12) – يعلن القاضي أو من يخوله المشرع استثناء سلطة قضاء الحكم مسؤولية المتهم، ويطبق في حدود القانون العقوبة المناسبة(13).
الطبيعة القانونية للأمر الجنائي كما استقر عليها القضاء
استقر القضاء - في مصر- على إضفاء صفة الحكم على الأوامر الجنائية؛ فإن المحكمة العليا (التي كان لها اختصاص المحكمة الدستورية العليا) انتهت بناء على طلب تفسير مقدم من وزير العدل بشأن الطبيعة القانونية للأمر الجنائي، قائلة "وفي ضوء كل ما تقدم فإن الأمر الجنائي، الذي يصدر بتوقيع العقوبة من وكيل النائب العام(14)، يدخل في مفهوم عبارة (حكم قضائي) الواردة في الفقرة الثانية من المادة (66)(15) من الدستور 1971"(16).
وذهبت محكمة النقض المصرية لذات الاتجاه، في حكم لها سابق على حكم المحكمة العليا؛ حيث قررت تعريف الأمر الجنائي بأنه: "قرار قضائي يدخل في مفهوم الحكم القضائي سواء صدر من القاضي أو من النيابة العامة"(17).
من جانب القضاء - في دولة قطر- فلم تبد محكمة التمييز رأيا واضحا جليا في تفسيرها لطبيعة الأمر الجنائي، مع ذلك فإنه يمكننا استنتاج توجه المحكمة بالاطلاع على حكم، أيدت فيه محكمة التمييز الحكم الابتدائي الذي رفض الدعوى المقدمة من قبل النيابة العامة وقضى بعدم اختصاصه في الفصل في المخالفات، والاختصاص يكون للنيابة العامة بموجب أمر جنائي تصدره، فتفصل في الدعوى الجنائية(18)، رغم نعي النيابة العامة على أن مخالفة حكم الفقرة الثانية من المادة 250، لا يتعلق بالنظام العام(19).
سلطة إصدار الأمر الجنائي
تمهيد وتقسيم:
توصلنا - في المبحث السابق - إلى ماهية الأمر الجنائي، وإلى أسباب الأخذ به، وتماشيا مع خطة البحث علينا الآن السير في إجراءات الأمر الجنائي، بداية من السلطة المختصة بإصداره وإلى نطاقه من حيث أنواع الجرائم والعقوبات، وما يرد عليه من قيود حتى لحظة الإصدار، وسنعرض بإيجاز للموضوع في ثلاثة مطالب رئيسة، (الأول) سلطة القاضي في إصدار الأمر الجنائي نطاقه واجراءاته، (الثاني) سلطة النيابة العامة في إصدار الأمر الجنائي نطاقه وإجراءاته، (الثالث) إجراءات إصدار الأمر الجنائي.
سلطة القاضي في إصدار الأمر الجنائي نطاقه وإجراءاته
بحثا في مدى سلطة القاضـي في إصــدار الأمر الجنائــي، نطـــــاق الجرائـــــم التـي سمح المشرعان - المصري والقطري - بأن تكون محلا لإصدار الأمر الجنائي، والعقوبات المسموح بتطبيقها شروطها وضوابطها، سنفرد فرعين: (الأول) عن موقف المشرع المصري تجاه سلطة القاضي في إصدار الأمر الجنائي نطاقه واجراءاته، (الثاني) موقف المشرع القطري تجاه سلطة القاضي في إصدار الأمر الجنائي نطاقه وإجراءاته.
موقف المشرع المصري تجاه سلطة القاضي في إصدار الأمر الجنائي نطاقه واجراءاته
أولا: حالتا إصدار الأمر الجنائي:
أعطى المشرع المصري للقاضي الجزئي (الجنائي) حق إصدار الأمر الجنائي طبقا للمادتين (323، 323 مكررا) من قانون الإجراءات الجنائية، تارة بناء على طلب تقدمة النيابة العامة، وتارة أخرى من تلقاء نفسه.
للنيابة العامة – طبقا لنص المادة 323 – أن تتقدم بطلب للقاضي الجزئي (الجنائي) الذي من اختصاصه نظر الدعوى(20)؛ لتوقيع العقوبة بإصدار أمر جنائي – في الجنح التي سيأتي الحديث عنها فيما بعد – بناء على محضر جمع الاستدلالات أو التحقيق (إذا كان قد جرى ثمة تحقيق ابتدائي) أو أدلة الإثبات الأخرى(21)، دون تحقيق نهائي أو مرافعة، ويكون للنيابة العامة سلطة طلب إصدار الأمر الجنائي وحدها، بصفتها سلطة اتهام، فلا يملك المدعي بالحق المدني حق طلب إصدار هذا الأمر، وإنما له حق الادعاء المدني قبل صدور الأمر الجنائي(22).
وفي هذا المسلك؛ فإن النيابة العامة هي صاحبة – السلطة التقديرية – في تقدير مدى تناسب طلب إصدار الأمر الجنائي من نظر ظروف الجريمة، وإن كان تطبيق عقوبة الغرامة يكفي بالنظر لبساطة الواقعة، ولا تخل سلطتها التقديرية في هذا المقام بما للقاضي الجزئي لاحقا من حق في تقدير قبول الطلب أو رفضه. وإذا قدرت النيابة العامة أن إصدار الأمر الجنائي من القاضي أكثر ملاءمة، وتقدمت بطلب للقاضي بذلك؛ فإن طلبها يعد رفعا للدعوى الجنائية؛ مما يخرجها من حوزتها، فلا يجوز لها بعد ذلك أن تتصرف فيها بالحفظ أو التقرير بالأوجه لإقامة الدعوى أو حتى رفعها بالطرق العادية(23).
أجاز المشرع المصري للقاضي الجزئي (الجنائي)، من تلقاء نفسه وعند نظره إحدى الجنح - التي يجوز إصدار أمر جنائي فيها - أن يصدر أمرا جنائيا من تلقاء نفسه، وذلك عند تغيب المتهم عن الحضور، وسكوت النيابة العامة عن طلب تطبيق أقصى عقوبة(24).
والافتراض في هذه الحالة، أن لدينا دعوى جنائية تمت إحالتها إلى المحكمة المختصة بالطرق العادية، وتم تكليف المتهم بالحضور، ولم يحضر المتهم ولم تكن النيابة العامة طلبت تطبيق أقصى عقوبة، فضلا عن كون الجريمة من الجرائم التي أجاز المشرع فيها إصدار الأمر الجنائي - كما فالمادة 323 -؛ فيجوز في هذه الحالة للقاضي إصدار أمر جنائي فيها بدلا من نظرها بالطرق العادية(25). ويلاحظ أن سلطة القاضي في إصدار الأمر الجنائي - في هذا المسلك - مقيدة بشرطين، الأول: تغيب المتهم عن حضور الجلسة رغم إعلانه، ثانيا: ألا تطلب النيابة العامة توقيع أقصى عقوبة على المتهم.
ثانيا: نطاق الأمر الجنائي الصادر من القاضي من حيث الجرائم والعقوبات وما يقضي به:
حدد المشرع المصري في المادتين (323، 324) من قانون الإجراءات الجنائية نطاق الجرائم محل الأمر الجنائي الصادر من القاضي وما يقضي به من عقوبات، كذلك ما يقضي به من تضمينات (تعويضات) وما يجب رده والمصاريف، على النحو الآتي:
أخذ المشرع المصري في تحديد الجرائم التي تدخل في نطاق إصدار الأمر الجنائي، بتحديد نوع الجريمة ووفقا للعقوبة المقررة لها في القانون؛ فقد خص الأمر الجنائي - الصادر من القاضي - بالجنح التي لا يوجب القانون الحكم فيها بعقوبة الحبس، وعلة استبعاد الجرائم التي أوجب القانون توقيع الحبس فيها تعود لكون الأمر الجنائي لا يجوز أن يقرر الحبس، كما استبعد الجنايات نظرا لجسامتها(26).
هذا، ويستوي أن تكون الجريمة منصوصا عليها في المدونة العقابية – قانون العقوبات – أو في القوانين الجنائية الخاصة(27)؛ حيث إن معيار تحديد الجرائم – محل الأمر الجنائي – موضوعي لا ذاتي. وكان المشرع المصري يأخذ في السابق – في القانون رقم 19 لسنة 1941 بشأن الأوامر الجنائية – بتحديد الجرائم التي يجوز فيها إصدار الأمر الجنائي بشكل ذاتي على سبيل الحصر(28).
ويلاحظ أن طلب إصدار الأمر الجنائي من القاضي الجنائي جوازي في الجنح – كأصل عام كما ذكرنا سابقا – إلا أن المشرع المصري ذهب في حالات استثنائية لفرض "وجوبية" الأخذ بمسلك الأمر الجنائي؛ فقد نص في المادة رقم (76) من قانون الجمارك على: "توقع الغرامة المنصوص عليها في المواد السابقة بأمر جنائي وذلك وفقا للإجراءات المنصوص عليها في قانون الإجراءات الجنائية ..."(29).
حددت المادة (323) من قانون الإجراءات الجنائية المصري نطاق العقوبات التي يقضى بها في الأمر الجنائي، وجلعت للقاضي الجنائي أن يقضي بالغرامة(30) – كعقوبة أصلية – وبالعقوبات التكميلية(31).
ففي العقوبة الأصلية والتي تنحصر في كونها – غرامة مالية – لما تفرضه طبيعة الأمر الجنائي، لم يقيد المشرع المصري سلطة القاضي الجنائي بالأمر بغرامة بحد معين لها؛ فله إن شاء بما استقر في عقيدته أن يأمر بالحد الأقصى للغرامة المنصوص عليها في نص التجريم(32).
كما يجب في حال تعدد الجرائم المسندة للمتهم، أن توقع العقوبات المالية – الغرامة – متميزة بالنسبة لكل جريمة(33)، مع الأخذ بالاعتبار بمبدأ تعدد العقوبات إذا توافرت شروطه(34).
ويجوز للقاضي أن يقضي بوقف تنفيذ العقوبة وفقا للقواعد العامة؛ أي إذا رأى أن أخلاق المحكوم عليه أو ماضيه أو سنه أو الظروف التي ارتكب فيها الجريمة تبعث علي الاعتقاد بأنه لن يعود لمخالفة القانون مرة أخرى(35)، ويجوز للقاضي أن يقضي بالبراءة؛ سواء لأن الواقعة غير ثابته وساور الشك نفس المحكمة بشأن ثبوتها بحق المتهم أم كان القانون لا يعاقب عليها. وبشأن العقوبات التكميلية؛ فقد أجاز المشرع للقاضي إصدارها في منطوق الأمر الجنائي وجوبية كانت أو جوازية – كالغلق أو الإزالة – وجانبا من الفقه قد انتقد هذا التوسع في تطبيق العقوبات التكميلية(36).
بينما برر المشرع المصري في المذكرة الإيضاحية عن سبب أخذه بالعقوبات التكميلية قائلا: "لما كان لا يجوز للقاضي أن يقضي بغير الغرامة والتضمينات؛ مما مفاده أنه لا يجوز القضاء بالعقوبات التكميلية، وهذا من شأنه أن يضيق كثيرا في دائرة العمل بنظام الأوامر الجنائية، وهو نظام أثبت العمل فائدته إذ هو ييسر الفصل في الجرائم قليلة الأهمية، ويخفف العبء عن عاتق القاضي ولقد رؤي لذلك تخويل القاضي حق القضاء في الأمر بالعقوبة التكميلية، ولا ضير على المتهم في ذلك إذ له أن يقبل الأمر أو يعترض عليه بإعلانه عدم قبوله، ويترتب على هذا الإعلان سقوط الأمر واعتباره كأن لم يكن، ونظر الدعوى بالطرق العادية"(37).
من غير العقوبات – الأصلية والتكميلية – فقد أجاز المشرع المصري بذات المادة (232) للقاضي أن يقضي في الأمر الجنائي بالتضمينات (التعويضات)، بناء على ادعاء مدني يقدمه المدعي بالحق المدني إلى مأمور الضبط القضائي أو إلى النيابة العامة أثناء التحقيق – إن قامت به – وقبل رفعها طلب لإصدار الأمر الجنائي من القاضي الجزئي، وهنا يلاحظ أن القاضي غير مقيد في حكمه بحد أقصى للتعويض(38)، وإنما على القاضي أن يفصل في الدعوى المدنية التبعية في الأمر الجنائي، إما أن يقضي للمدعي المدني بكل التعويض أو ببعضه، وله كذلك أن يرفض الادعاء المدني إطلاقا.
وتجدر الإشارة إلى أنه لا يجوز إدخال المسؤول عن الحقوق المدنية عند طلب إصدار الأمر الجنائي، كما لا يجوز أن يصدر الأمر الجنائي بالتعويضات قبل المؤمن لديه لتعويض الضرر الناشئ عن الجريمة؛ لأنه لا مجال لرفع الدعوى المدنية (التبعية) قبل كل من المسؤول عن الحقوق المدنية والمؤمن لديه سوى بالطرق العادية وفقا للقواعد العامة(39).
ويتضح مما تقدم؛ حصر المشرع المصري التعويضات التي يقضي بها في منطوق الأمر الجنائي على ادعاء المدعي بالحق المدني قبل المتهم بما أصابه من ضرر شخصي مباشر ناشئ عن الجريمة، دونما المسؤول عن الحقوق المدنية والمؤمن لديه، ويعود ذلك إلى أن تحديد مسؤولية الأخيرين تثير صعوبات من العسير حسمها عن طريق الإجراءات الجنائية الموجزة(40)، وما يثبت هذا التوجه هو عدم ذكر المشرع للمسؤول عن الحقوق المدنية والمؤمن لديه بين من يعلن الأمر الجنائي إليهم في المادة (326) إجراءات. للقاضي الجنائي كذلك رد ما يجب رده، من مضبوطات تم ضبطها في الواقعة.
وفي ختام نطاق ما يقضى به غير العقوبات، للقاضي الجنائي الأمر في منطوق الأمر الجنائي بتحمل المتهم مصاريف الخصومة الجنائية إن حكم بإدانته، وللقاضي أن يلزم المتهم بتحمل كافة المصاريف أو بعضها أو أن يعفيه منها وفقا للقواعد العامة(41).
ثالثا: إجراءات الأمر الجنائي الصادر من القاضي من حيث القبول أو الرفض:
تطرقنا فيما سبق لسلطة القاضي في إصدار الأمر الجنائي وحالتي إصداره، ونطاقه من حيث الجرائم والعقوبات وما يقضى به في منطوق الأمر الجنائي، وذكرنا أن للقاضي الأمر بالبراءة في منطوق الأمر الجنائي وكذلك له الأمر بوقف تنفيذ العقوبة، وكل ما سبق ذكره في حال قبول القاضي لإصدار الأمر الجنائي لكن؛ ماذا لو أراد القاضي رفض الأمر الجنائي؟
للقاضي رفض إصدار الأمر الجنائي، في الحالتين اللتين حددهما القانون بنص المادة (325) إجراءات:
أولا: ألا يمكن الفصل في الدعوى بحالتها التي هي عليها بدون تحقيق نهائي أو مرافعة(42)، وسلطة القاضي التقديرية في مدى إمكانية الفصل في الدعوى بحالتها من عدمه واسعة النطاق، فتشمل كل وضع يقدر القاضي فيه عدم إمكانيته من استجلاء حقيقة الواقعة وملابساتها، ويغلب على هذه الحالة الصبغة الإجرائية؛ أي إن للقاضي الرفض في الحالات التي لا تكون الدعوى الجنائية مقبولة بطبيعتها، كما لو تبين أن الدعوى سقطت بالتقادم، أو أن طلب إصدار الأمر الجنائي صدر من عضو غير مخول به – كمساعد نيابة –، أو أن الدعوى الجنائية قد سبق الفصل فيها(43).
ثانيا: أن الواقعة - نظرا لسوابق المتهم أو لأي سبب آخر - تستوجب توقيع عقوبة أشد من الغرامة التي يجوز صدور الأمر بها، فالقاضي هنا ينظر لسوابق وشخص المتهم ومدى جسامة الجريمة وبواعثها وغير ذلك من الظروف المحيطة بالمتهم التي يرى القاضي معها تطبيق عقوبة سالبة للحرية(44).
"يصدر القاضي قراره بالرفض بالتأشيرة على الطلب الكتابي المقدم له .."(45).
ويعني ذلك أن التأشيرة بالرفض على الطلب الكتابي – لأي حالة من الحالتين السابقتين – يكفي، وليس هناك ما يوجب على القاضي تسبيب تأشيرة الرفض، كما لم يتطلب القانون قالب أو صيغة معينة لتأشيرة الرفض(46).
ج- أثر الرفض:
الأثر الأول الذي يستتبع الرفض هو "عدم جواز الطعن في هذا القرار"(47)، والأثر الثاني "يترتب على قرار الرفض وجوب السير في الدعوى بالطرق العادية"(48)؛ مما يعني السير في إجراءات المحاكمة وفقا للقواعد العامة(49).
ولما كان الأصل أن الرفض يعيد الدعوى لحوزة النيابة العامة؛ فلها إن شاءت – كما ذكرنا – تحريك الدعوى بالطرق العادية، ولها في المقابل أن لم تجد الأدلة كافية أو اتضح لها فقدان الجريمة ركنا من أركانها أن تأمر بحفظ الأوراق، أو أن تأمر بألا وجه لإقامة الدعوى الجنائية إن كانت أجرت تحقيقا؛ أي لها أن تتصرف فيها حسبما يتراءى لها وفقا للسلطات المخولة لها، عدا إعادة طلبها إصدار الأمر الجنائي الذي لا يمثل تصرفا وفقا للطرق العادية(50).
الفرع الثاني
موقف المشرع القطري تجاه سلطة القاضي في إصدار الأمر الجنائي نطاقه وإجراءاته
أولا: حالة إصدار الأمر الجنائي:
يتضح من مطالعة الباب الرابع المبوب تحت مسمى "الأوامر الجنائية"(51) أن المشرع القطري اقتصر سلطة القاضي في إصدار الأمر الجنائي بناء على طلب النيابة العامة – طبقا لنص المادة 247 –، وهو بذلك يكون سلك ذات الاتجاه الذي سلكه المشرع المصري في سلطة القاضي بإصدار الأمر الجنائي بناء على طلب النيابة العامة استنادا على محضر جمع الاستدلالات، أو على محضر تحقيق النيابة العامة (إذا كان قد جرى ثمة تحقيق ابتدائي) في نوع جرائم معينة وفق معيار موضوعي يأتي ذكرها فيما بعد، ودون تحقيق نهائي أو مرافعة، ولم يأخذ بسلطة القاضي بإصدار الأمر الجنائي من تلقاء نفسه.
كذلك جعل في يد النيابة العامة – السلطة التقديرية – في مدى تناسب طلب إصدار الأمر الجنائي؛ حيث قرر المشرع بنص المادة 247: "للنيابة العامة ... إذا رأت أن الجريمة بحسب ظروفها تكفي فيها عقوبة الغرامة فضلا عن العقوبات التكميلية والمصاريف، أن تطلب من قاضي محكمة الجنح ... أن يوقع العقوبة على المتهم بأمر جنائي"، وممارسة النيابة العامة لسلطتها هنا – في تقدير طلب إصدار الأمر الجنائي – لا تخل في سلطة القاضي في تقدير مدى إمكانية الفصل في الدعوى بحالتها التي هي عليها.
ولطلب إصدار الأمر الجنائي في القانون القطري ذات الأثر الذي قرره القانون المصري، وهو إخراج الدعوى من حوزة النيابة العامة، فليس لها بعد الطلب أن تتصرف في الدعوى بحفظها أو إعادة إحالتها.
ونرى أنه من الأنسب؛ لو أخذ المشرع القطري بذات التوجه المخول للقاضي إصدار الأمر الجنائي من تلقاء نفسه بذات الشروط والضوابط التي أخذ بها المشرع المصري، خصوصا وأن الشرطين اللذين أوردهما المشرع المصري من تغيب المتهم وسكوت النيابة عن طلب توقيع أقصى عقوبة يحققان تناسب توقيع الأمر الجنائي، وإنهاء الخصومة بإجراءات موجزة تغني القاضي عن إصدار حكم غيابي أو حضوري اعتباري يطيل أمد الإجراءات في جرائم أبسط من أن يسلك معها هذا المسلك، ويكون الأمر الجنائي هو الفاصل الأمثل وللمتهم فيما بعد القبول به أو الاعتراض وفقا لقواعد الأوامر الجنائية.
ثانيا: نطاق الأمر الجنائي الصادر من القاضي من حيث الجرائم والعقوبات وما يقضي به:
حدد المشرع القطري في المادتين (247، 248) من قانون الإجراءات الجنائية القطري، نطاق الجرائم محل الأمر الجنائي ونطاق العقوبات، وكذلك نطاق ما يقضي به من غير العقوبات، على النحو الآتي:
أخذ المشرع القطري بذات معيار المشرع المصري في تحديد الجرائم التي تدخل في نطاق إصدار الأمر الجنائي، والذي يحدد الجرائم بالنوع دون تحديد ذاتي على سبيل الحصر.
وأورد ذلك المعيار بنص المادة (247)؛ حيث نصت على أنه: "للنيابة العامة في الجنح التي لا يوجب القانون الحكم فيها بعقوبة الحبس .. أن تطلب من قاضي محكمة الجنح، التي من اختصاصها نظر الدعوى أن يوقع العقوبة على المتهم بأمر جنائي"؛ مما معناه أن أي جريمة تكون بوصفها جنحة ونوع العقاب فيها تخييري للقاضي بين الحبس أو الغرامة يجوز أن تكون محلا لطلب إصدار الأمر الجنائي، إذا رأت النيابة العامة أن ظروف الجريمة تكفي فيها الغرامة، واستبعد المشرع القطري الجنايات من أن تكون محلا لإصدار الأمر الجنائي، وذلك لما تنطوي عليه من إجراءات أثناء مرحلة التحقيق الابتدائي والمحاكمة ماسة بحرية المتهم؛ مما يستدعي الموازنة بين حماية المصلحة العامة في الحفاظ على مصالح المجتمع وحماية حقوق وحريات المتهم.
وبذلك يكون للنيابة العامة أن تمارس سلطتها التقديرية في تقدير مدى تناسب الأمر الجنائي وظروف الجريمة عند طلب إصدار الأمر الجنائي من القاضي؛ فإذا قدرت النيابة تناسب الأمر وطلبت ذلك؛ فإنه لا يخل بسلطة القاضي رفض توقيع الأمر الجنائي إذا توافرت شروطه التي سيأتي الحديث عنها.
وكما رأينا؛ فإن طلب الإصدار في نطاق الجنح التي تكون محلا للأمر الجنائي متروك للنيابة العامة فلم يورد المشرع القطري أي نص يوجب الأخذ بمسلك الأمر الجنائي – كما فعل المشرع المصري – مع بعض الجنح الواردة في قوانين خاصة، وفي تقديرنا أن في إمكانية المشرع القطري جعل الدعوى الجنائية في بعض القوانين الخاصة تحركا وجوبيا وفق نظام الأمر الجنائي لإيقاع العقوبة؛ سواء من القاضي، أم من النيابة العامة – كما سنرى عند الحديث عن سلطة النيابة – وفق القواعد الإجرائية لنظام الأمر الجنائي، وذلك متى ما كان نوع وظروف بعض الجرائم لا حاجة لوضعها في إطار سلطة النيابة التقديرية لكون الاختلاف بين وقائعها لا يكاد يكون ملموسا(52).
في نطاق العقوبات التي يقضي بها في منطوق الأمر الجنائي؛ فقد رسمت المادة (248) نطاق سلطة القاضي بإيقاع العقوبات الأصلية – الغرامة المالية(53) – والعقوبات التكميلية(54).
وفي الحديث عن العقوبة الأصلية التي هي بطبيعة الأمر الجنائي تكون غرامة مالية؛ فقد رأينا – فيما سبق – أن المشرع المصري أطلق سلطة القاضي في تطبيق الغرامة؛ فله إن رأى من ظروف الجريمة أن الحد الأقصى للغرامة هو الأنسب أن يوقعه على المتهم بالأمر الجنائي، أما المشرع القطري؛ فقد أخذ منحا آخر حيث قيد سلطة القاضي في توقيع العقوبة الأصلية بنصف الحد الأقصى لعقوبة الغرامة المقررة للجريمة (55).
وقد يكون توجه المشرع القطري في تقييد القاضي بنصف الحد الأقصى يقصد منه ضبط العقوبة التي يقررها هذا النظام – الأمر الجنائي – القائم على السرعة وتبسيط الإجراءات دون تفريط أو إفراط، إلا أننا نرى أن هذا القيد اختزال لغاية وفلسفة الأمر الجنائي، وقد يضيق العمل به في حالات عدة فمن جانب النيابة العامة؛ فقد ترى أن ظروف الجريمة تكفي فيها عقوبة الغرامة؛ إلا أن هذا التناسب يكون بالحد الأقصى للغرامة أو بما يجاوز النصف، مما تضطر معه النيابة أن تسلك الطرق العادية لتحريك الدعوى الجنائية رغم بساطتها، ومن جانب القاضي كذلك فقد يرى عند نظره للدعوى أن الأنسب الحد الأقصى كعقوبة إما من ظروف الجريمة أو نظرا لأسبقيات المتهم؛ مما يضطر القاضي معه لرفض طلب إصدار الأمر الجنائي.
ونقدر حرص المشرع؛ إلا أنه لا حاجة لهذا الحرص خصوصا وأن نظام الأمر الجنائي رغم سرعته وبساطة إجراءاته إلا أنه محاط بعدة إجراءات ضامنة ومطمئنة، أولها سلطة النيابة في تقدير تناسبه من عدمه، ومن ثم سلطة القاضي عند عرض الدعوى عليه بناء على طلب النيابة؛ فله أن يرفض إن وجد صعوبة في الفصل، وله أن يأمر بالبراءة لو توافرت أسبابها، وآخرها في حالة صدور الأمر الجنائي بالإدانة؛ فإن للمتهم الحق في الاعتراض كما سيأتي الحديث عنه في حينه.
ولما كانت قرينة البراءة محمية بقوة الدستور الدائم لدولة قطر(56)، فلم يغفل المشرع الجنائي عنها؛ حيث أجاز للقاضي متى ما توافرت أسباب البراءة أن يقضي بها في منطوق الأمر الجنائي، كما للقاضي أيضا عند الإدانة أن يأمر بوقف تنفيذ العقوبة طبقا للقواعد العامة.
أما عن العقوبات التكميلية؛ فقد أجاز المشرع القطري للقاضي الجنائي أن يوقعها على المتهم في منطوق الأمر الجنائي، دون تفرقة إن كانت جوازية أو وجوبية كالمصادرة والإزالة والغلق، ودونما قيد، ولم يسلم المشرع القطري هو الآخر من النقد بسبب تبنيه فكرة إعطاء القاضي سلطة توقيع العقوبة التكميلية في منطوق الأمر الجنائي؛ إلا أن المبررات التي أخذ بها المشرع القطري هي ذات ما توصل إليها نظيره المصري، وكغيرها من العقوبات أحاطها المشرع بعدة ضمانات، فللقاضي إن شاء ألا يوقعها وإن شاء إيقاف تنفيذها كما هو الحال في العقوبة الأصلية(57).
رأينا فيما سبق؛ كيف أن المشرع القطري جعل من المادة (248) من قانون الإجراءات الجنائية القطري القاعدة العامة لما يقضي به في منطوق الأمر الجنائي من عقوبات وغيرها، وقد استوفينا الحديث عن العقوبات، أما غير العقوبات فلم يسمح المشرع القطري للقاضي بأن يأمر في منطوق الأمر الجنائي بشيء آخر سوى المصاريف(58).
وكما رأينا؛ فإن تحرز المشرع القطري يزداد عند الحديث عما يقضى به غير العقوبات، وعلى عكس نظيره المصري فلم يسمح المشرع القطري للقاضي بالأمر في منطوق الأمر الجنائي بالتعويض في الادعاء المدني إن وجد في الأوراق، ولم يسمح له كذلك برد ما يجب رده من مضبوطات أن وجدت في الأوراق.
ونرى أنه؛ على المشرع القطري تجاوز هذا التحرز، ومد نطاق الأمر الجنائي ليشمل الأمر بالتعويضات بذات الضوابط التي أخذ بها المشرع المصري، خصوصا أن نطاق التعويضات التي أخذ به هذا الأخير في منطوق الأمر الجنائي قاصرة على الادعاء المدني قبل المتهم عن الضرر الشخصي المباشر عن الجريمة، دون إدخال للمسؤول عن الحقوق المدنية أو المؤمن لديه(59)؛ لذلك فإن الأخذ بالتعويضات في منطوق الأمر الجنائي وفي حدود الادعاء المدني قبل المتهم فقط، هو الخيار الأمثل لكون التعويض في الدعوى المدنية التبعية هنا يدور وجوبا وعدما بالدعوى الجنائية والفعل غير المشروع المرتكب فيها(60).
ولا يخلو الادعاء المدني في نظام الأمر الجنائي – الذي أخذ به المشرع المصري – من الضمانات، أولها: سلطة النيابة التقديرية؛ فلها إن رأت أن الادعاء المدني بحاجة لتداول أكثر لا يملكه نظام الأمر الجنائي أن تسلك الطرق العادية لرفع الدعوى الجنائية، ولو رأت الأمر الجنائي كافيا أخذت به، ثانيا: يذهب الفصل في الادعاء المدني لسلطة القاضي الذي متى ما رأى صعوبة الفصل في الادعاء المدني في منطوق الأمر الجنائي رفض الادعاء المدني وفصل في الشق الجنائي، وأخيرا وفي حال وضوح الأمر للقاضي وفصله في الدعوى المدنية تبعا للدعوى الجنائية في منطوق الأمر الجنائي، فللمدعي بالحق المدني قبول الأمر متى ما قضي بجميع طلباته أو الاعتراض عليه لو اختزل جزء من طلباته.
ومما رأيناه؛ فإن تحرز المشرع القطري باستبعاد القضاء بالتعويض في الأمر الجنائي لم يعد له مبررا؛ خصوصا وأن الوضع العملي في التشريع المقارن وتحديدا المصري أثبت فائدة الأخذ به.
وأخيرا؛ رد ما يجب رده من مضبوطات تم ضبطها في الجريمة، فكما تبين لنا من عرض نصوص المادة (248) إجراءات، لم يتطرق المشرع القطري للنص بسلطة القاضي في الرد في منطوق الأمر الجنائي. مما معناه عدم السماح للقاضي الجنائي الأمر بذلك عند نظره لطلب إصدار الأمر الجنائي، وللأسف نرى في هذا التحرز الآخر، اختزال لفوائد نظام الأمر الجنائي.
والافتراض هنا هو وجود مضبوطات في أوراق الدعوى عندما رفع طلب إصدار الأمر الجنائي للقاضي، وهو افتراض يحدث في أرض الواقع، وعند نظر القاضي لطلب الإصدار فليس له أن يفصل في المضبوطات، بل يكتفي في توقيع عقوبة الغرامة فقط، وستعود الدعوى للنيابة العامة كونها صاحبة الإشراف على تنفيذ الأحكام الجنائية، إلا أن المشكلة هنا ستثور في التصرف في المضبوطات، وسوف تضطر النيابة العامة للنظر في التصرف في المضبوطات طبقا للقواعد العامة(61)، ولو توافرت أي من الحالات المحظور على النيابة الرد فيها فسوف تضطر النيابة لرفع الأمر للقاضي المختص في المحكمة الجنائية للفصل في المضبوطات، وبذلك يكون الأمر الجنائي الذي صدر سابقا لم يحقق الغاية المرجوة منه وكل ذلك بسبب التحرز الذي حد المشرع القطري لحظر رد المضبوطات في منطوق الأمر الجنائي.
ومما سبق؛ نرى ضرورة أخذ المشرع القطري بذات ما أخذ به المشرع المصري والسماح للقاضي برد ما يجب رده في منطوق الأمر الجنائي.
ثالثا: إجراءات الأمر الجنائي الصادر من القاضي من حيث القبول أو الرفض:
ذكرنا فيما سبق حالة إصدار الأمر الجنائي بناء على طلب النيابة العامة، وذكرنا نطاقه من حيث الجرائم والعقوبات، ومتى ما توفرت الشروط التي ذكرناها سلفا جاز للقاضي إصدار الأمر الجنائي مما يعد قبولا منه لطلب الإصدار.
ولكن هناك حالتين متى ما توافرت جاز للقاضي رفض إصدار الأمر الجنائي، ونص المشرع القطري على الحالتين في المادة (249) من قانون الإجراءات الجنائية، وهي مطابقة لذات الحالتين اللتين أوردهما المشرع المصري في حالات رفض القاضي لإصدار الأمر الجنائي.
أخذ المشرع القطري ذات ما أخذ به المشرع المصري، بشأن شكل الرفض، فلم يورد المشرعان شكلا معينا ولم يلزما القاضي بتسبيب الرفض، بل جعلا الأمر أكثر مرونة؛ حيث يكفي فيه إشارة القاضي بالرفض.
إلا أن الواقع العملي أثبت لجوء معظم القضاة لكتابة سبب الرفض بشيء من الإيجاز؛ لما تفرضه الأدبيات بين رجال القضاء (القضاة، أعضاء النيابة العامة)، ولوقوف النيابة على سبب الرفض تحديدا.
أما بشأن آثار الرفض؛ فقد اتفق المشرعان على عدم قابلية قرار الرفض للطعن بأي شكل من الأشكال، وعلى عدم إمكانية رفع طلب إصدار أمر جنائي جديد بذات الواقعة، وعلى عودة الأمر لتصرف النيابة العامة. وعلى عكس المشرع المصري، فلم يذكر المشرع القطري عودة الأمر لتصرف النيابة صراحة، بل اكتفى بالقول في نص المادة (249) إجراءات: (ولا يجوز طلب إصدار أمر جديد)؛ مما يستفاد منه ضمنيا عودة الأمر لتصرف النيابة العامة طبقا للطرق العادية.
سلطة النيابة العامة في إصدار الأمر الجنائي نطاقه وإجراءاته
أشرنا في عدة مواضع من بحثنا هذا، إلى موقف المشرعين – المصري والقطري – من إعطاء النيابة العامة سلطة إصدار الأمر الجنائي، كما استقرأنا في أحد المطالب موقف القضاء وإقراره بمشروعية هذه السلطة وسرنا في بحثنا حتى توقف بنا الركب هنا في هذا المطلب أمام سلطة النيابة العامة في إصدار الأمر الجنائي؛ حيث سنبحث في مدى سلطة النيابة العامة في إصدار الأمر الجنائي من حيث الاختصاص ونطاق الجرائم والعقوبات المسموح بتطبيقها شروطها وضوابطها، سنفرد فرعين: (الأول) عن موقف المشرع المصري تجاه سلطة النيابة العامة في إصدار الأمر الجنائي نطاقه وإجراءاته (الثاني) موقف المشرع القطري تجاه سلطة النيابة العامة في إصدار الأمر الجنائي نطاقه وإجراءاته.
الفرع الأول
موقف المشرع المصري تجاه سلطة النيابة العامة في إصدار الأمر الجنائي نطاقه وإجراءاته
أولا: اختصاص إصدار الأمر الجنائي:
أعطى المشرع المصري النيابة العامة سلطة تطبيق العقوبة بموجب أمر جنائي تصدره طبقا لنص المادة (325 مكررا)(62) من قانون الإجراءات الجنائية.
بعدما أعطى المشرع المصري النيابة العامة سلطة توقيع العقوبة بإصدار أمر جنائي، جعل هذا الأمر جائزا لأي عضو من أعضاء النيابة دون المعاونين؛ حيث كان يقرر المشرع صراحة بقوله "لوكلاء النائب العام"؛ مما يجعل حتى مساعد النيابة قادرا على إصدار الأمر الجنائي.
انتقد جانب كبير من الفقه المصري هذا التوسع في إعطاء جميع أعضاء النيابة العامة اختصاص إصدار الأمر الجنائي، ورأوا أن في هذا التوسع هدر لضمانات المتهمين؛ خصوصا أن المشرع جعل أعضاء النيابة الذين قد يكونون أقل خبرة – كمساعد النيابة – مختصين بإصدار الأمر الجنائي. وقد استجاب المشرع المصري لاحقا لهذا النداء، وحصر الاختصاص بإصدار الأمر الجنائي لدى درجتين من أعضاء النيابة العامة فقط، وهاتان الدرجتان: ( رئيس نيابة، وكيل النيابة من الفئة الممتازة )(63).
إلا أن الواقع العملي أثبت أن هذا التحديد والتضييق أحجم كثيرا من أعضاء النيابة من إصدار الأوامر الجنائية رغم توافر الخبرة، التي تؤهلهم لذلك، خصوصا وكيل النيابة من الفئة العادية، وأتبع هذا الإحجام قلة في الاستفادة من نظام الأوامر الجنائية؛ لذلك عدل المشرع المصري عن هذا التضييق وأخذ معيارا لتحديد العضو المختص، وتمثل هذا المعيار بتحديد الدرجة الأدنى لعضو النيابة المسموح له بإصدار الأمر الجنائي(64)، وأصبح بناء على ذلك يجوز لمن هو من درجة "وكيل نيابة" فأعلى إصدار أمر جنائي، ومن هو دون درجة "وكيل نيابة" كمساعد أو معاون النيابة، غير قادر على إصدار أمر جنائي(65).
ثانيا: نطاق الأمر الجنائي الصادر من النيابة العامة من حيث الجرائم والعقوبات وما يقضي به:
أجاز المشرع المصري للنيابة العامة أن تصدر الأمر الجنائي في بعض الجرائم وأوجب عليها إصداره في جرائم أخرى.
- جواز إصدار الأمر الجنائي:
يكون للنيابة العامة طبقا للفقرة الأولى من المادة (325 مكررا) من قانون الإجراءات الجنائية، أن توقع العقوبة بأمر جنائي يصدره العضو المختص – جوازيا – في الجنح التي لا يوجب القانون الحكم فيها بعقوبة الحبس أو الغرامة التي يزيد حدها الأدنى على ألف جنيه. والأمر في هذه الحالة متروك للنيابة العامة وسلطتها التقديرية في اختيار طريق الفصل في الدعوى الجنائية، إن شاءت أصدرت أمرا جنائيا أو لها أن تقرر رفع الدعوى الجنائية بالطرق العادية؛ فلا قيد على سلطانها سوى ما قرره القانون من ضوابط.
- وجوب إصدار الأمر الجنائي:
أوجب المشرع المصري على النيابة العامة طبقا للفقرة الثانية من المادة (325 مكررا) من قانون الإجراءات الجنائية، أن توقع العقوبة بأمر جنائي يصدره العضو المختص؛ حيث نصت الفقرة الثانية على أنه: "يكون إصدار الأمر الجنائي وجوبيا في المخالفات وفي الجنح المعاقب عليها بالغرامة وحدها التي لا يزيد حدها الأقصى على خمسمائة جنيه، والتي لا يرى حفظها"(66)
يكمن الغرض في إلزام النيابة العامة بالفصل في الدعوى الجنائية بأمر جنائي تصدره في الجرائم المعنية بنص الفقرة الثانية من ذات المادة، ألا يشغل وقت القضاء بالجرائم البسيطة، وبذلك تنقضي الدعوى الجنائية من غير محاكمة، وتحقق الأهداف التي من ورائها تبنى المشرع المصري الاتجاه الذي يمنح النيابة العامة سلطة إصدار الأمر الجنائي(67).
حدد المشرع المصري في نص الفقرة الثانية من المادة (325 مكررا) من قانون الإجراءات الجنائية نطاق ما يقضي به في منطوق الأمر الجنائي الصادر من أعضاء النيابة العامة المختصين قانونا؛ حيث ورد نص المادة "ولا يجوز أن يؤمر بغير الغرامة التي لا يزيد حدها الأقصى على ألف جنيه، والعقوبات التكميلية والتضمينات وما يجب رده والمصاريف".
ونرى هنا أن المشرع المصري قيد سلطة النيابة العامة في توقيع العقوبة الأصلية – الغرامة المالية – بحد أقصى، فليس لها أن تأمر في منطوق الأمر الجنائي بما يجاوز الألف جنيه؛ سواء في حالة جواز إصدار الأمر الجنائي أم في حالة وجوبه، بينما أطلق سلطتها في توقيع العقوبة التكميلية، فلها أن تأمر بأي عقوبة تكميلية (المصادرة، الغلق، الإزالة)، ولا محل لأن يتضمن الأمر الجنائي الصادر من النيابة العامة الحكم بالبراءة أو بوقف تنفيذ الغرامة؛ لأنها تملك حفظ الأوراق أو التقرير فيها بألا وجه لإقامة الدعوى الجنائية(68).
أما في الدعوى المدنية التبعية؛ فيكون للنيابة العامة أن تأمر في منطوق الأمر الجنائي بالتضمينات (التعويضات)، وذلك في الأحوال التي يدعي فيها مدنيا قبل المتهم عن الضرر الشخصي المباشر والناشئ عن الجريمة، وذلك بالتقرير بالادعاء في مرحلة جمع الاستدلالات، أو مرحلة التحقيق الابتدائي(69).
وفي ختام ما يقضي به، يكون للنيابة العامة سلطة رد ما يجب رده من مضبوطات في منطوق الأمر الجنائي، كما لها أن تحمل المتهم مصاريف الخصومة الجنائية؛ سواء كافة المصاريف أم بعضها أو أن تعفيه منها وفقا للقواعد العامة.
ثالثا: الرقابة القضائية على إصدار الأمر الجنائي:
رسم المشرع المصري بنص الفقرة الثالثة من المادة (325 مكررا) من قانون الإجراءات الجنائية، طريقا خاصا للرقابة على إصدار الأمر الجنائي؛ إذ أباح للمحامي العام ولرئيس النيابة – حسب الأحوال – في ظرف عشرة أيام من تاريخ صدور الأمر الجنائي، أن يأمر بتعديله أو إلغائه وحفظ الأوراق أو التقرير في الدعوى بألا وجه لإقامتها أو رفعها إلى المحكمة المختصة والسير في الدعوى الجنائية بالطرق العادية، كما قرر المشرع المصري بذات المادة أنه لا يجوز إعلان الأمر الجنائي للخصوم قبل انقضاء هذه المدة التي يجوز فيها إلغاء الأمر الجنائي(70).
والجدير بالذكر هنا، أن المشرع المصري وسع سلطة الرقابة بعد أن كانت مقتصرة على الإلغاء فقط وفي حالة ظهور خطأ في تطبيق القانون، إلى أن أصبح التوسع الأخير يعطي العضو المراقب – سلطة تقديرية – في حق التعديل والإلغاء لخطأ في تطبيق القانون أو لتقدير ظروف الوقعة ولم يعد هناك قيد على سلطة الرقابة سوى ما يتطلبه القانون من وجوب إصدار الأمر الجنائي في بعض الحالات(71)(72).
تنعقد سلطة الرقابة للمحامي العام ورئيس النيابة فقط؛ فهذا الاختصاص استثنائي لا يباشره بصريح نص الفقرة الثالثة من المادة (325 مكررا) أحد غيرهم، ويتقيدان بمدة العشرة أيام لممارسة سلطة الرقابة ويترتب على مضي هذه المدة سقوط حق المحامي العام ورئيس النيابة في ممارسة هذه السلطة(73).
الفرع الثاني
موقف المشرع القطري تجاه سلطة النيابة العامة في إصدار الأمر الجنائي نطاقه وإجراءاته
أولا: اختصاص إصدار الأمر الجنائي:
سلك المشرع القطري مسار نظيرة المصري؛ حيث أعطى النيابة العامة سلطة توقيع العقوبة بموجب أمر جنائي؛ حيث قرر بنص الفقرة الأولى من المادة (250) من قانون الإجراءات الجنائية "لرئيس النيابة أو وكيل النيابة، إصدار الأمر الجنائي .. "
ويستفاد من هذا النص، أن المشرع القطري قد أخذ بمعيار التحديد الذاتي لعضو النيابة المختص بإصدار الأمر الجنائي وقصر هذا الاختصاص على درجتين من أعضاء النيابة (رئيس نيابة، وكيل نيابة)، ويعني ذلك أنه لا يكون لأعضاء النيابة من غير الدرجتين المذكورتين مباشرة اختصاص إصدار الأمر الجنائي بصريح نص الفقرة الأولى من المادة (250) من قانون الإجراءات الجنائية، ولو أراد أحد أعضاء النيابة – غير المختصين – إصدار أمر جنائي؛ فإنه يتعين عليه في هذه الحالة عرض الأمر على عضو النيابة المختص – وكيل نيابة أو رئيس نيابة – ليقوم الأخير بدوره في إصدار الأمر الجنائي(74).
وبناء على ما سبق؛ نرى في توجه المشرع القطري في تقييد اختصاص إصدار الأمر الجنائي لأعضاء نيابة محددين ذاتي ضيق، وتحرز زائد لا تقتضيه الاعتبارات العملية، وليس في هذا التخصيص سوى إحجام لمنافع نظام الأمر الجنائي، وقد أثبتت تجربة الأخذ بهذا المعيار الذاتي في القانون المصري المقارن تعطيله تحقيق أهداف العدالة الناجزة التي ابتغاها المشرع المصري عند أخذه بنظام الأمر الجنائي؛ مما حداه للعدول عن هذا المعيار الذاتي في تحديد عضو النيابة المختص بإصدار الأمر الجنائي.
وإضافة إلى ما سبق، يزداد المعيار الذاتي – الذي أخذ به المشرع القطري – ضعفا وتعطيلا، عند الحديث عن الإضافة الأخيرة التي أوردها المشرع على أعضاء النيابة من زيادة في درجات وظائف أعضاء النيابة العامة(75)؛ مما يستتبع معه تضييق دائرة درجة العضو المختص بإصدار الأمر الجنائي من كونه كان درجتين من أصل سبعة درجات حتى أصبح درجتين من أصل تسعة درجات، وبذلك تضيق منافع هذا النظام؛ حيث يضطر العضو غير المختص بعرض الأمر – لو رأى من الأنسب إصدار الأمر الجنائي – على أحد الأعضاء المختصين الذين بطبيعة الحال أقل عددا؛ مما يعطل هذا الأخير عن القيام بما أسند إليه من مهام، أو يضطر ذاك الأول للعدول عن الأخذ بالأمر الجنائي رغم تناسبه مع الجريمة وظروفها.
ولذلك؛ فإننا نرى أنه من الأنسب لو أخذ المشرع القطري بذات المعيار الأخير الذي أخذ به نظيره المصري، وجعل الدرجة الأدنى لعضو النيابة المسموح له بإصدار الأمر الجنائي تبدأ من درجة "وكيل نيابة مساعد أول" فأعلى، لكون هذه الدرجة – وكيل نيابة مساعد أول – يصل إليها عضو النيابة بعد قضاء ست سنوات من الخبرة فيما سبقها من درجات(76)، وبذلك تتوفر الخبرة المطردة التي تخول صاحبها النظر في إصدار الأمر الجنائي من كافة الجوانب القانونية والموضوعية، مع الأخذ بالاعتبار بالضمانات والسلطات الرقابية التي قررها المشرع لنظام الأمر الجنائي، مما لا يجعل هناك مجال لأن تأخذنا في هذا النظام لومة لائم.
ثانيا: نطاق الأمر الجنائي الصادر من النيابة العامة من حيث الجرائم والعقوبات وما يقضي به:
في الحديث عن نطاق الجرائم التي لرئيس النيابة أو وكيل النيابة توقيع العقوبة فيها بأمر جنائي؛ فإن المشرع القطري أخذ بنطاقين، ففي النطاق الأول أجاز لعضو النيابة المختص إصدار أمر جنائي، بينما أوجب عليه ذلك في النطاق الثاني، وذلك على النحو الآتي:
- جواز إصدار الأمر الجنائي:
يكون للنيابة العامة بموجب الفقرة الأولى من المادة (250) من قانون الإجراءات الجنائية أن توقع العقوبة بأمر جنائي يصدره العضو المختص – جوازيا – في الجنح التي لا يوجب القانون الحكم فيها بالحبس أو الغرامة التي يزيد حدها الأدنى على ألف ريال77.
وهو ذات النطاق الذي أخذ به المشرع المصري – كما رأينا – وله ذات الآثار، من كون السلطة التقديرية للنيابة العامة مطلقة؛ أي إنه متى ما توافرت شروط حالة جواز إصدار الأمر الجنائي يكون للنيابة أن تفصل في الدعوى الجنائية بأمر جنائي تصدره أو أن تختار تحريك الدعوى بالطرق العادية.
ويتضح مما سبق أن الجنح المسموح بتوقيع العقوبة فيها بموجب أمر جنائي لا بد أن تكون تخييرية بشأن عقوبة الحبس، فلا مجال لتوقيع العقوبة بأمر جنائي لو أوجب القانون الحبس؛ لتجافي طبيعة الأمر الجنائي مع العقوبة المقيدة للحرية، أما الشرط الثاني والذي ينص على شرط ألا يكون الحد الأدنى للغرامة التي حددها المشرع في الجنح يزيد على ألف ريال قطري؛ فإن الواقع العملي وتزايد التشريعات العقابية التي يزيد حدها الأدنى على ألف ريال، أصبح من الضروري معه أن يرفع المشرع القطري هذا الحد، بأن يسمح للنيابة أن توقع العقوبة بموجب أمر جنائي في "الجنح التي لا يوجب القانون الحكم فيها بالحبس أو الغرامة التي يزيد حدها الأدنى على خمسة آلاف ريال"، وذلك لإعطاء النيابة العامة حيزا أوسع من سلطة الفصل في الجنح البسيطة التي لا تستدعي حتى طلبا بإصدار الأمر الجنائي من قاضي الجنح لطبيعتها ووضوح أركانها أو حتى لتقدير النيابة قطعية إسنادها لمرتكبها بتعاضد الأدلة بما لا يدع مجالا للشك بنسبتها إلى من نسبت إليه(78).
- وجوب إصدار الأمر الجنائي:
أوجب المشرع القطري على النيابة العامة أن توقع العقوبة بأمر جنائي يصدره العضو المختص في المخالفات دون الجنح(79) وذلك بصريح نص الفقرة الثانية من المادة (250) من قانون الإجراءات الجنائية، والتي نصت: "ويكون إصدار الأمر الجنائي وجوبيا في المخالفات"(80).
وقد ذهبت محكمة التمييز القطرية في حكم لها بهذا الشأن إلى القول: "وكانت الفقرة الثانية من المادة (250) من قانون الإجراءات الجنائية قد نصت على أن إصدار الأمر الجنائي وجوبيا في المخالفات .."؛ فإن هذا النص بصريح لفظه ووضوح عبارته قاطع في الدلالة على وجوب إصدار الأمر الجنائي إذا كانت الواقعة لا تخرج عن كونها مخالفة"(81). وبذلك تكون محكمة التمييز القطرية، حسمت الأمر بانفراد النيابة العامة باختصاص الفصل في المخالفات، بموجب توقيع العقوبة بأمر جنائي، أو التقرير بحفظ الأوراق إن توافرت شروطه، وتجب المراعاة أن هذا الاختصاص الذي أفرده المشرع للنيابة العامة يعد من النظام العام.
حدد المشرع القطري في نص المادة (250) من قانون الإجراءات الجنائية نطاق ما يقضي به في منطوق الأمر الجنائي الصادر من أعضاء النيابة العامة المختصين قانونا؛ حيث حصر نطاق ما يقضي به في (العقوبة الأصلية، العقوبة التكميلية، المصاريف)؛ فمن حيث العقوبة الأصلية، فهي غرامة مالية بحكم الطبيعة القانونية للأمر الجنائي وقد وضع المشرع القطري قيدا على الحد الأقصى المسموح بتوقيعه في منطوق الأمر الجنائي، وفرق في هذا القيد بين ما إذا أصدر الأمر الجنائي في الحالة الأولى – الجوازية – أو كان في الحالة الثانية – الوجوبية – كما تطرقنا لها، أما الحالة الأولى؛ فإن الحد الأقصى المسموح به هو ألف ريال، فلا يجوز أن يوقع العضو المختص العقوبة بأمر جنائي يجاوز الألف ريال، أما الحالة الثانية؛ فإن الحد الأقصى مقيد كما نصت ذات المادة: "ولا يؤمر في هذه الحالة بما يزيد على نصف الحد الأقصى لعقوبة الغرامة المقررة للجريمة".
وبالحديث عن نطاق العقوبة الأصلية في الحالة الأولى – الجوازية – التي حدها الأقصى المسموح به هو ألف ريال، نرى رفع الحد الأقصى إلى خمسة آلاف ريال مزامنة مع رؤيتنا في رفع نطاق الجرائم(82). أما القيد الوارد على نطاق العقوبة الأصلية في الحالة الثانية – الوجوبية – والمتمثل في "ما لا يزيد على نصف الحد الأقصى لعقوبة الغرامة المقررة للجريمة "فإن هذا القيد لا مبرر له ومعطل لسلطة النيابة التقديرية في تناسب العقوبة؛ بحيث لو عرض عليها واقعة – مخالفة – وقدرت أن المتناسب مع وقائعها هو إيقاع الحد الأقصى للعقوبة المقررة للجريمة لتحقق بذلك الإيلام المقصود على مرتكب الجريمة والمتناسب معها(83)؛ فإن هذا القيد لا يمكنها سوى من تطبيق نصف ما تراه مناسبا، وهو ما نراه تدخل من المشرع غير محمود.
وبالحديث عن العقوبة التكميلية؛ فقد سلك المشرع القطري مسلك نظيره المصري؛ حيث أطلق سلطة النيابة العامة في توقيع العقوبة التكميلية؛ فلها أن تأمر بأي عقوبة تكميلية (المصادرة، الغلق، الإزالة)، ولا محل لأن يتضمن الأمر الجنائي الصادر من النيابة العامة الحكم بالبراءة أو بوقف تنفيذ الغرامة؛ لأنها تملك بدلا من الحكم بالبراءة، حفظ الأوراق أو التقرير فيها بألا وجه لإقامة الدعوى الجنائية. وفي ختام ما يقضي به، يكون للنيابة العامة سلطة تحميل المتهم مصاريف الخصومة الجنائية؛ سواء كافة المصاريف أم بعضها أو أن تعفيه منها وفقا للقواعد العامة.
ولم يسمح المشرع القطري للنيابة العامة بالأمر في منطوق الأمر الجنائي بالتعويض في الادعاء المدني إن وجد في الأوراق، ولم يسمح لها كذلك برد ما يجب رده من مضبوطات إن وجدت في الأوراق، على أن هذا المنع الأخير – رد ما يجب رده – لا أثر له كون سلطة النيابة العامة تسمح لها بالأمر برد المضبوطات قبل إصدار الأمر الجنائي وفقا للقواعد العامة لسلطتها في التصرف في الأشياء المضبوطة(84).
وفي الدعوى المدنية التبعية؛ كان من الأجدر لو أخذ المشرع القطري بذات ما أخذ به المشرع المصري من السماح للنيابة العامة أن تأمر في منطوق الأمر الجنائي بالتعويضات، وذلك في الأحوال التي يدعي فيها مدنيا قبل المتهم – دونما المسؤول عن الحقوق المدنية أو المؤمن لديه – عن الضرر الشخصي المباشر والناشئ عن الجريمة، وذلك بالتقرير بالادعاء في مرحلة جمع الاستدلالات، أو مرحلة التحقيق الابتدائي؛ تأسيسا على سلطتها الاستثنائية في هذا النظام كقضاء حكم استثناء أولاها إياه المشرع. خصوصا وأن الجرائم محل الأمر الجنائي واضحة الضرر – سواء المادي أم الأدبي –؛ مما يسمح لعضو النيابة والذي بطبيعته ينتمي لشعبة السلطة القضائية، بتقدير هذا الضرر وتقدير التعويض المناسب(85)، المنهي للدعوى المدنية أسوة بالدعوى الجنائية.
ثالثا: الرقابة القضائية على إصدار الأمر الجنائي:
لم يغفل المشرع القطري عن فرض الرقابة القضائية على الأمر الجنائي الصادر من أعضاء النيابة العامة؛ لضمان صحة إصدار الأمر الجنائي؛ حيث نص على شروط وضوابط هذه الرقابة بنص الفقرة الثالثة من المادة (250) من قانون الإجراءات الجنائية على أن: "للنائب العام والمحامي العام ولرئيس النيابة – حسب الأحوال – أن يلغي الأمر الجنائي لخطأ في تطبيق القانون، خلال عشرة أيام من تاريخ صدوره، ويترتب على ذلك اعتبار الأمر كأن لم يكن".
ونطاق سلطة هذه الرقابة يكون في حال صدور الأمر الجنائي بما يخالف القانون، كما لو صدر الأمر ممن لا يملك الاختصاص في إصداره كمساعد نيابة مثلا، أو صدر في غير نطاق الجرائم التي يجوز الفصل فيها بأمر جنائي تصدره النيابة العامة، أو في حال صدر بغير العقوبة المقررة للأمر الجنائي، أو أي حالة أخرى يظهر فيها خطأ في تطبيق القانون(86)، وتقتصر سلطة الرقابة هنا في الإلغاء فقط؛ فليس لها أن تعدل في الأمر الجنائي كما هو الحال في التشريع المصري المقارن.
واختصاص الرقابة استثنائي لا يباشره بصريح نص الفقرة الثالثة من المادة (250) أحد غير النائب العام أو المحامي العام أو رئيس النيابة، وقد أحسن المشرع القطري بذكر النائب العام كأول المختصين بالرقابة القضائية على الأمر الجنائي؛ حيث إنه إن كان كل من المحامي العام ورئيس النيابة مختصين بالرقابة؛ فمن باب أولى أن يكون النائب العام مختصا بالرقابة امتدادا من صفته الأصلية في مباشرة اختصاصات النيابة العامة(87).
وبالعودة لنطاق سلطة الرقابة؛ نرى أنه من الأنسب أن يضيف المشرع القطري سلطة تقديرية للعضو المراقب حتى تمتد للتعديل دون حاجة لأن يكون هناك خطأ في تطبيق القانون – كما هو الحال في القانون المصري المقارن – وذلك لكون سلطة الرقابة تمارس بتفويض من القانون وأخذا بمبدأ (وحدة النيابة العامة وعدم تجزئتها)، وفي التوسع بسلطة الرقابة تزداد الضمانات المحيطة بنظام الأمر الجنائي(88).
إجراءات إصدار الأمر الجنائي
بعد أن ينتهي القاضي أو وكيل النائب العام – حسب الأحوال – من بحثه في شروط إصدار الأمر الجنائي والعناصر الموضوعية في مسؤولية المتهم ويشرع في تقرير مسؤولية المتهم بإصدار الأمر الجنائي، لا بد أن يتخذ إجراءات معينة تطلبها المشرع في نظام الأمر الجنائي، نفرد لشرحها فرعين: (الأول) شكل وبيانات الأمر الجنائي (الثاني) إعلان الأمر الجنائي.
الفرع الأول
شكل وبيانات الأمر الجنائي
اتفق المشرعان – القطري المصري – في إيراد شروط شكليه عند إصدار الأمر الجنائي، ونص المشرع القطري على هذه الشروط الشكلية في الفقرة الأولى من المادة (251) من قانون الإجراءات الجنائية؛ حيث نصت: "يجب أن يتضمن الأمر، فضلا عما قضى به، اسم المتهم والواقعة التي عوقب من أجلها ونص القانون المطبق"(89)، وتسري هذه الشروط على الأمر الجنائي الصادر من القاضي الجنائي أو وكيل النائب العام.
وكما رأينا ما أورده المشرعان من وجوب ذكر اسم المتهم؛ مما يعني أن الأمر الجنائي الذي يصدره القاضي أو وكيل النائب العام ضد مرتكب الجريمة دون تحديده أو ذكر اسمه يعد منعدما، حاله كحال الأمر الصادر ضد من لا وجود له، على أنه إذا كانت بيانات المتهم ناقصة ذلك النقص اليسير الذي لا يثير شكا أو خطأ في تحديد شخص المتهم؛ فإنه يعد من قبيل الأخطاء المادية ويجوز تصحيحه والتجاوز عنه، كما هو الحال في الأحكام(90).
وبشأن الواقعة الإجرامية؛ فإنه يجب أن يشتمل الأمر الجنائي عليها، ونص المشرعان عليها صراحة بالقول: "والواقعة التي عوقب من أجلها" وفي ذلك يتفق الأمر الجنائي مع الحكم، ومقتضى ذلك بيان أركان الواقعة وظروفها ووصفها وتاريخها بشكل لا يشوبه غموض؛ فإذا تعذر تحديد التاريخ بوجه قاطع فيكفي بيانه على سبيل التقريب(91).
كذلك يجب أن يعين في الأمر الجنائي نص القانون والمادة المطبق، وإلا كان معيبا بالبطلان؛ فإعلان الإدانة يجب أن يكون واضحا لا لبس فيه، فلا يكفي في بيان نص القانون أو المادة المطبق الإشارة إلى مجمل القانون الواجب التطبيق أو الإحالة إلى فصل أو فرع في القانون(92)، وذلك بهدف مراقبة صحة تطبيق القانون.
ولم يتطلب – المشرعان – تسبيب الأمر الجنائي صراحة، إلا أن ما أوجباه من بيان لاسم المتهم والواقعة التي عوقب من أجلها وبيان نص القانون والمادة المطبق هو في حد ذاته تسبيب كاف للأمر الجنائي(93)، وتبدو أهمية هذه البيانات من جانبين، الأول أنها تدل على صدور الأمر الجنائي بعد دراسة لموضوع الدعوى ومدى انطباق القانون عليها، الثاني تكمل فائدته للخصوم وذلك بتعريفهم بمضمون الأمر الجنائي؛ مما يجعلهم على دراية إذا كان من صالحهم قبول الأمر الجنائي أو الاعتراض عليه.
وفي ختام الحديث عن تسبيب الأمر الجنائي وكما أسلفنا بعدم تطلب المشرعين – القطري المصري – صراحة بإيراد الأسباب التي بني عليها الأمر الجنائي؛ فإن موقف المشرع القطري بهذا الشأن ثابت منذ أخذه بنظام الأمر الجنائي، وإنما الاختلاف يكمن في تاريخ هذا النظام لدى المشرع المصري الذي كان يوجب تسبيب الأمر الجنائي صراحة في نص المادة (326) بقوله: "والأسباب التي بني عليها" حتى ألغي هذا الالتزام بموجب المرسوم بقانون رقم 116 لسنة 1957، وذلك لاعتبارات عملية مبناها تسهيل مهمة القاضي أو وكيل النائب العام في إصدار الأمر الجنائي(94)، وقد أحسن المشرعان في ذلك خصوصا وأنه كما أسلفنا؛ فإن البيانات التي أوجبا إيرادها كفيلة بأن تقوم مقام التسبيب اليسير المتماشي مع ظروف بساطة الجرائم محل الأمر الجنائي.
الفرع الثاني
إعلان الأمر الجنائي
يعد الإعلان من الضمانات المهمة التي تحقق علم الخصوم بالأمر الجنائي الذي صدر في مواجهتهم، وذلك لكونه لا مجال لعلمهم به دون إعلان لصدوره في غيبتهم دون تحقيق نهائي ولا مرافعة – كما أشرنا لذلك عند الحديث عن إجراءات إصدار الأمر الجنائي – بالإضافة لكون الإعلان يحدد بدء سريان ميعاد الاعتراض على الأمر؛ مما ينتج الاستقرار القانوني للأمر الجنائي في إنهاء الدعوى الجنائية فيما لو فات ميعاد الاعتراض، أو اعترض الخصم ولم يحضر الجلسة – كما سنرى ذلك عند الحديث عن الاعتراض –، وقد اتفقا المشرعان – المصري والقطري – في وجوب إعلان المتهم واختلفا في غيره من الخصوم، وذلك على النحو الآتي:
أولا: إعلان المتهم:
اتفق المشرعان – المصري والقطري – على إعلان المتهم، وطبقا لنص الفقرتين الثانية والثالثة من المادة (251) من قانون الإجراءات الجنائية القطري(95)، يعلن المتهم بالأمر الجنائي الصادر من القاضي أو من النيابة العامة، على النموذج الذي يقرره النائب العام ويجوز أن يكون الإعلان بواسطة أحد رجال السلطة العامة، ومن البديهي إعلان المتهم وذلك لتمكينه من ممارسة حقه في الاعتراض، ومن ثم السير في الدعوى بالطرق العادية أو القبول بالأمر الجنائي؛ حتى تتحقق للأمر الجنائي قوته التنفيذية وتنقضي به الدعوى الجنائية.
ثانيا: إعلان النيابة العامة:
اتفق المشرعان – المصري والقطري – على عدم وجوب إعلان النيابة العامة، والعلة هنا جلية الوضوح فلا حاجة لإعلان النيابة العامة؛ إذ إنها إما أن تكون من أصدر الأمر الجنائي – في حال صدوره من عضو النيابة المختص –، أو تكون هي من طلبت إصداره في حال صدر من القاضي، وفي جميع الأحوال يتحقق علم النيابة العامة.
ثالثا: إعلان المدعي بالحق المدني:
أوجب المشرع المصري في نص الفقرة الثانية من المادة (326) من قانون الإجراءات الجنائية على إعلان المدعي بالحق المدني، تأسيسا على حقه في الادعاء أولا – قبل صدور الأمر الجنائي – وحقه في الاعتراض أخيرا – عند صدور الأمر الجنائي – على عكس المشرع القطري، الذي قصر الإعلان على المتهم فقط تأسيسا على أن المشرع القطري لم يسمح أساسا للأمر الجنائي بالفصل في الادعاء المدني والدعوى المدنية.
مما نرى معه وجوب أخذ المشرع القطري بذات المسلك – فيما لو – سمح مستقبلا للأمر الجنائي أن يفصل في الدعوى المدنية تبعا للدعوى الجنائية. أما عن القول بأن إعلان المدعي بالحق المدني يؤدي إلى عرقلة الإجراءات بما لا يتوافق وطبيعة نظام الأمر الجنائي(96)، لا أساس له من الصحة؛ حيث إن نظام الأمر الجنائي بما شمل من ضمانات وإجراءات قد أعدت لتتناسب وما يتطلبه هذا النظام من سرعة وإيجاز دونما حاجة لحجب حق من له مصلحة تتصل بما يتضمنه منطوق الأمر الجنائي بأن يعلن به.
وفي ختام الحديث عن إعلان الأمر الجنائي جدير بالذكر أن بطلان إجراءات الإعلان يحول دون بدء سريان ميعاد الآثار المترتبة عليه(97).
حق الاعتراض وحجية الأمر الجنائي
تمهيد وتقسيم:
بعد الحديث عن إجراءات إصدار الأمر الجنائي والسلطات المعنية بإصداره، تقرر النظر في الضمانات المتعلقة بهذا النظام في حال لم يلق ما نطق به الأمر قبولا لدى الخصوم وهو ما قرره المشرعان – المصري والقطري – من حقهم في الاعتراض، وما يسفر عنه من نتائج تسقط الأمر الجنائي أو تعيد له قوته التي بعودتها يصبح للأمر بطبيعة الحال حجية، وعليه سنعرض في هذا المبحث لثلاثة مطالب، (الأول) حق الاعتراض على الأمر الجنائي إجراءاته وآثاره، (الثاني) الإشكال في تنفيذ الأمر الجنائي، (الثالث) حجية الأمر الجنائي.
المطلب الأول
حق الاعتراض على الأمر الجنائي إجراءاته وآثاره
لم يجز المشرعان – المصري والقطري – الطعن على الأمر الجنائي طبقا لقواعد الطعن المقررة للأحكام الجنائية (كالمعارضة، الاستئناف)؛ إلا أنهما لم يغفلا عن تنظيم نظام خاص للاعتراض يتوافق مع ما يتطلبه نظام الأمر الجنائي من سرعة وإيجاز في نظر الدعوى الجنائية، ويعد الاعتراض من أهم الضمانات التي قررت في نظام الأمر الجنائي؛ لذلك سنعرض لحق الاعتراض على الأمر الجنائي إجراءاته وآثاره في ثلاثة فروع (الأول) الطبيعة القانونية للاعتراض، (الثاني) صاحب الحق في الاعتراض إجراءاته ومواعيده، (الثالث) آثار الاعتراض على الأمر الجنائي.
الفرع الأول
الطبيعة القانونية للاعتراض
يثير نظام الاعتراض على الأمر الجنائي جدلا واسعا حول طبيعته القانونية؛ مما جعل الفقه ينقسم في تكييف طبيعة الاعتراض إلى اتجاهين؛ فيرى أصحاب اتجاه الرأي (الأول) أن الاعتراض على الأمر الجنائي هو في الواقع طعنا، ويستند أنصار هذا الاتجاه إلى القول بأن الاعتراض مشابه للطعن بالمعارضة لصدور الأمر الجنائي في غياب الخصوم كما هو الحال في الحكم الغيابي، ومشابه أيضا للطعن بالمعارضة في كونه لا يترتب عليه نقل الدعوى الجنائية إلى قاض أعلى درجة من الذي أصدر الحكم(98).
ويذهب أصحاب الرأي (الثاني) – الغالب من الفقه – إلى القول بأن الاعتراض على الأمر الجنائي يعد بمثابة إعلان الخصم لرغبته في المحاكمة بالطرق العادية(99)، وعدم قبوله بأن تنتهي الدعوى الجنائية المقامة بهذه الإجراءات، ويتنكر أصحاب هذا الاتجاه على إضفاء صفة الطعن على الاعتراض استنادا عن كون الاعتراض يسقط الأمر الجنائي بمجرد التقرير به في الميعاد القانوني100، على عكس الطعن على الحكم الذي لا يسقط الحكم، بل ينقله لقاض آخر إما أن يحكم بتأييد الحكم أو يلغيه.
وقد ذهبت محكمة النقض المصرية صراحة إلى اعتناق الرأي (الثاني) في حكم لها؛ حيث قررت: "أن الاعتراض على الأمر الجنائي لا يعد من قبيل المعارضة في الأحكام الغيابية، ولا يعدو أن يكون إعلانا من المعترض بعدم قبوله إنهاء الدعوى بتلك الإجراءات "(101).
الفرع الثاني
صاحب الحق في الاعتراض إجراءاته ومواعيده
بعد أن بينا الطبيعة القانونية للاعتراض والتي كانت محل جدل واسع في أوساط الفقه الجنائي، نبين من هم أصحاب الحق في الاعتراض؛ فإنه لا يختلف فقهاء القانوني الجنائي على كون الاعتراض من أهم الضمانات والحقوق المقررة للخصوم (المتهم، النيابة العامة، المدعي بالحق المدني)؛ إلا أن هناك تباينا بين المشرعين – المصري والقطري – في تقرير من له حق الاعتراض والقيود، على النحو الآتي:
أولا: صاحب الحق في الاعتراض:
اتفق المشرعان – المصري والقطري – على حق المتهم في الاعتراض على الأمر الجنائي؛ سواء كان صادرا من القاضي الجنائي أم من النيابة العامة(102)، ويشترط لممارسة هذا الحق توافر "شرط المصلحة" فلا يقبل اعتراض المتهم إذا كان الأمر الجنائي صدر مقررا براءته(103)؛ حتى لا يكون المقصود من استعمال ضمانة حق الاعتراض مجرد الهدر لنظام الأمر الجنائي.
وعلى خلاف المشرع المصري – الذي لم يجعل قيدا على حق الاعتراض سوى شرط المصلحة –، أتى المشرع القطري بقيد آخر على حق الاعتراض يتمثل بنص الفقرة الثانية من المادة (252) من قانون الإجراءات الجنائية والتي نصت: "لمن صدر ضده الأمر أن يعترض عليه إذا كان صادرا من القاضي بالغرامة التي تزيد على خمسمائة ريال والمصاريف، أو من النيابة العامة بالغرامة التي تزيد على ثلاثمائة ريال والمصاريف"؛ مما مفاده أنه في حال صدور الأمر الجنائي من القاضي بغرامة خمسمائة ريال فأدنى أو من النيابة العامة بغرامة ثلاثمائة ريال فأدنى، فليس للمتهم حق بالاعتراض.
ونرى أنه؛ من الأنسب أن يجرد المشرع القطري الاعتراض من أي قيد سوى قيد "شرط المصلحة"؛ إذ إن العبرة ليست في ضآلة العقوبة المقررة من عدمه، إنما في كون الأمر الجنائي يشكل إدانة وأسبقية لمن صدر في حقه.
للنيابة العامة حق الاعتراض على الأمر الجنائي الصادر من القاضي، وليس لها أن تعترض على الأمر الجنائي متى ما كان صادرا منها – الذي يفترض أن تكون أصدرته بالجزم واليقين –؛ لأنه ليس من المنطق اعتراض النيابة العامة على تصرفاتها، وذلك ما ذهب إليه المشرعان – المصري والقطري – في النصوص المنظمة لحق الاعتراض.
وقد أعطى المشرع المصري للنيابة العامة حقا مطلقا في تقرير الاعتراض؛ حيث نص بالفقرة الأولى من المادة (327) من قانون الإجراءات الجنائية المصري: "للنيابة العامة أن تعلن عدم قبولها للأمر الجنائي الصادر من القاضي"؛ مما يفيد أن اعتراض النيابة العامة قد يكون لأسباب قانونية كما لو صدر الأمر الجنائي متجاوزا حدود الغرامة المقررة قانونا، أو قضى في منطوقة بعقوبة الحبس، أو أغفل عقوبة تكميلية وجوبية، وكذلك لها الاعتراض لأسباب موضوعية فيما لو قضى بغرامة يسيرة لا تتناسب مع جسامة الجريمة وأسبقيات المتهم(104)، وتجدر الإشارة إلى أن اعتراض النيابة العامة في التشريع المصري يقبل دون قيد – سوى قيد الميعاد القانوني – حتى لو قضى لها في منطوق الأمر بكافة طلباتها.
أما عن المشرع القطري؛ فإنه لم يطلق حق النيابة العامة في الاعتراض – كإطلاق نظيره المصري لحق النيابة في الاعتراض – بل قيدها بنص الفقرة الأولى من المادة (252) من قانون الإجراءات الجنائية؛ حيث نصت: "للنيابة العامة أن تعترض على الأمر الجنائي الصادر من القاضي بالبراءة أو للخطأ في تطبيق القانون"، ولا يسعنا إزاء صراحة النص القول بأن سلطة النيابة في الاعتراض وفق التشريع القطري مطلقة ولها حق الاعتراض حتى لو قضى لها بكافة طلباتها(105)؛ إذ إن نص المادة يقرر صراحة أن اعتراض النيابة لا يكون إلا لأسباب قانونية عند الخطأ في تطبيق القانون كما لو حكم بغرامة تتجاوز الحدد المقرر قانونا، أو لسبب واحد من الأسباب الموضوعية وهو "براءة المتهم"، أما إذا صدر الأمر الجنائي بما طلبته النيابة العامة وصدر وفقا لصحيح القانون فليس لها حق الاعتراض(106).
ونرى أنه؛ من الأنسب إطلاق يد النيابة العامة في الاعتراض؛ إذ إنها في حقيقة الأمر لن تعترض على الأمر الجنائي إلا إذا رأت من واقع الأوراق - عدم تناسب - ضآلة الغرامة مع جسامة الجريمة، أو لأي سبب موضوعي آخر سواء ضد المتهم أم في صالحه، فلا يتناسب هذا القيد الذي قرره المشرع القطري وطبيعة النيابة العامة في البحث وتجلي الحقيقة لتحقيق العدالة المنشودة.
ج- المدعي بالحق المدني:
تباينت مواقف كل من المشرع المصري والمشرع القطري، تجاه حق المدعي بالحق المدني بالاعتراض فلم يسمح المشرع القطري – أساسا – بدخول المدعي بالحق المدني في نظام الأمر الجنائي كما رأينا؛ مما يستتبع عدم الاعتراف له بأي حق تجاه الأمر الجنائي.
أما المشرع المصري؛ فقد سمح للمدعي بالحق المدني أن يعترض وذلك بقوله في نص المادة (327) من ذات القانون: "لباقي الخصوم أن يعلنوا عدم قبولهم للأمر الصادر من القاضي أو من النيابة العامة"؛ مما يجعل المدعي بالحق المدني أحد الخصوم المعنيين بنص المادة وذلك متى ما توافر في الأوراق ادعاء مدنيا، وتجدر الإشارة إلى أن اعتراض المدعي بالحق المدني لا بد أن يتوافر فيه شرط المصلحة – كما هو الحال في حق المتهم –؛ مما يعني عدم قبول اعتراضه إذا كان الأمر قد قضى له بكل التعويض الذي طلبه(107).
مما نرى معه وجوب أخذ المشرع القطري بذات المسلك – فيما لو – سمح مستقبلا بإدخال المدعي بالحق المدني في نظام الأمر الجنائي لذات الأسباب التي سقناها في وجوب إعلان المدعي بالحق المدني، ولما لصاحب الادعاء المدني من مصلحة يستطيع أن ينظمها نظام الاعتراض بسرعة وإيجاز.
ثانيا: إجراءات الاعتراض على الأمر الجنائي ومواعيده:
نظم المشرع المصري إجراءات الاعتراض على الأمر الجنائي، بأن يحصل التقرير بالاعتراض على الأمر الجنائي الصادر من القاضي بناء على طلب النيابة العامة أو الأمر الجنائي الصادر من النيابة العامة نفسها في قلم كتاب محكمة الجنح(108)، أما عن الأمر الجنائي الذي يصدره القاضي من تلقاء نفسه طبقا لنص المادة (323 مكررا) من قانون الإجراءات الجنائية؛ فإن التقرير بالاعتراض في هذه الحالة يكون في قلم كتاب محكمة الجنح المستأنفة، وذلك طبقا لنص المادة (327) من ذات القانون، ويعود التقرير الأخير الذي يحصل بقلم محكمة الجنح المستأنفة لكون المشرع المصري نظر إلى هذا الأمر الجنائي أنه بمثابة حكم ابتدائي(109).
ويتوجب طبقا لنص المادة (327) من ذات القانون أن يكون التقرير بالاعتراض خلال عشرة أيام من تاريخ صدور الأمر بالنسبة للنيابة العامة – لافتراض علمها به منذ صدوره – وبالنسبة لباقي الخصوم – المتهم والمدعي بالحق المدني – يحسب تقادم الميعاد من تاريخ إعلانهم بالأمر(110).
وبعد التقرير في المحكمة المختصة طبقا للمواعيد المقررة، يحدد الكاتب اليوم الذي تنظر فيه الدعوى أمام المحكمة مع مراعاة المواعيد المقررة في المادة (233) من ذات القانون – المعنية بتحديد مواعيد تكليف الخصوم – وينبه على المقرر بالحضور في هذا اليوم، ويكلف باقي الخصوم والشهود بالحضور في الميعاد المنصوص عليه في المادة (400)، وذلك طبقا لنص الفقرة الثالثة من المادة (327) من ذات القانون.
نظم المشرع القطري إجراءات الاعتراض على الأمر الجنائي، بأن يحصل التقرير بالاعتراض على الأمر الجنائي الصادر من القاضي بناء على طلب النيابة العامة أو الأمر الجنائي الصادر من النيابة العامة نفسها في قلم كتاب المحكمة، ولم يشر المشرع لمحكمة معينة تختص بنظر الاعتراض، إنما اكتفى بإيراد كلمة "المحكمة" في نص الفقرة الثانية المادة (252) من قانون الإجراءات الجنائية، ولا بد أن المحكمة المعنية هنا هي محكمة الجنح طبقا للقواعد العامة التي سار عليها نظام الأمر الجنائي(111). كما حدد المشرع القطري ميعاد يتم الاعتراض خلاله – حتى يكون الاعتراض مقبولا شكلا – وهو ثلاثة أيام تحسب بالنسبة للنيابة العامة من تاريخ صدور الأمر، وبالنسبة للمتهم تحسب من تاريخ إعلانه(112).
وإن كان المقصود من موقف المشرع القطري في اختياره ميعادا قصيرا للاعتراض على الأمر الجنائي، هو ما يتطلبه نظام الأمر الجنائي من سرعة وإيجاز، إلا أننا نرى من الأنسب لو تم مد هذه المدة حتى تصبح عشرة أيام – كما هو الحال – في موقف المشرع المصري، لكيلا يكون هذا القصر في الميعاد على حساب الضمان الأكبر للمتهم وهو حق الاعتراض المكفول له. وبعد التقرير في المحكمة المختصة طبقا للمواعيد المقررة، يحدد الكاتب اليوم الذي تنظر فيه الدعوى أمام المحكمة المختصة، وينبه على المعترض بالحضور في هذا اليوم، وتكلف النيابة العامة الشهود بالحضور في الميعاد المحدد، وذلك كله مع مراعاة المواعيد المقررة للتكليف بالحضور.
الفرع الثالث
أثر الاعتراض على الأمر الجنائي
تعرضنا – فيما سبق – لأصحاب الحق في الاعتراض وإجراءاته، ومتى ما صدر الاعتراض على الأمر الجنائي وفق ما ذكرنا؛ فإنه يترتب عليه أثر وهو "سقوط الأمر الجنائي واعتباره كأن لم يكن"(113). وقد يكون هذا الأثر مباشرا أو معلقا على شرط، وما يحدد ذلك هو المركز القانوني الذي قرره المشرعان – المصري والقطري – للخصوم في إعمال حق الاعتراض، وسنعرض لمراكز الخصوم القانونية والأثر المترتب على اعتراض كل منهم على حدة، على النحو الآتي:
أولا: أثر اعتراض المتهم على الأمر الجنائي:
أعطى المشرعان – المصري والقطري – المتهم حق الاعتراض على الأمر الجنائي حتى يسقط الأمر ويعد كأن لم يكن وتتم المحاكمة وفقا للإجراءات العادية؛ إلا أن سقوط الأمر الجنائي ليس مباشرا إنما متوقف على شرط وهو حضور المتهم لجلسة نظر الاعتراض؛ حتى تترتب آثار الاعتراض.
يترتب على حضور المتهم للجلسة المحددة لنظر الاعتراض إثبات جديته في الاعتراض؛ مما يترتب عليه "سقوط الأمر الجنائي واعتباره كأن لم يكن" بشكل نهائي(114)، وتنظر الدعوى في مواجهته وفقا للإجراءات العادية، وتباشر المحكمة جميع الإجراءات الخاصة بالمحاكمة من تحقيق نهائي ومرافعة، ولا ضير في تغيب المتهم عن إحدى الجلسات اللاحقة؛ حيث إن العبرة تكمن في حضور الجلسة المحددة لنظر دعوى الاعتراض على الأمر الجنائي؛ لأن مجرد هذا الحضور يجعل الدعوى منظورة وفقا للإجراءات العادية(115).
ويكون للمحكمة عند نظر الدعوى – وفقا للإجراءات العادية – أن تحكم بعقوبة أشد من الغرامة التي قضى بها منطوق الأمر الجنائي، ويكون الحكم الصادر في الدعوى قابلا للطعن وفقا للقواعد العامة(116)، ويلاحظ خروج سلطة القاضي عند نظر الاعتراض من المبدأ المقرر في نظرية الطعن على الأحكام من أن الطاعن لا يضار بطعنه(117)، وذلك تأسيسا على كون الاعتراض لا يعدو أن يكون إعلانا من المتهم بعدم قبوله إنهاء الدعوى بتلك الإجراءات الموجزة.
إذا اعتراض المتهم على الأمر الجنائي ثم تخلف عن حضور الجلسة المحددة لنظر الاعتراض، يترتب على هذا التخلف اعتبار اعتراض المتهم كأن لم يكن ويسترد الأمر الجنائي قوته ويصبح نهائيا واجب التنفيذ، وقد قرر المشرعان – المصري والقطري – هذا الأثر على تغيب المتهم لعدة أسباب من أهمها، اعتبار التغيب نزولا ضمنيا عن الاعتراض وقبولا للأمر الجنائي، وحماية لنظام الأمر الجنائي من الهدر بالاعتراض الذي لا يكون خلفه دافع جدي(118).
وتجدر الإشارة إلى أن عودة القوة التنفيذية للأمر الجنائي كأثر على تخلف المتهم عن حضور جلسة نظر الاعتراض، يكون بقوة القانون وترتد هذه القوة لذات الأمر دون حاجة إلى التقرير بذلك من القاضي، ومؤدى ذلك أن القاضي عندما يقرر اعتبار الاعتراض كأن لم يكن لا يعد حكما وبالتالي لا يخضع لقواعد الطعن في الأحكام فلا يجوز الطعن عليه(119).
ولم يغفل المشرعان – المصري والقطري – عن تنظيم الاعتراض على الأمر الجنائي الصادر ضد متهمين متعددين، بأن يصبح لكل متهم حق الاعتراض على الأمر الجنائي بشكل مستقل عن الآخر، ومؤدى ذلك أن من اعترض من المتهمين يسقط الأمر الجنائي الصادر ضده؛ بينما يصبح نهائيا واجب التنفيذ لمن لم يمارس حقه من المتهمين في الاعتراض، وكذلك الحال عندما يتعدد المعترضون، وفي اليوم المحدد لنظر الاعتراض يحضر بعضهم بينما يتغيب البعض الآخر، فتنظر الدعوى وفقا للإجراءات العادية لمن حضر وترتد للأمر الجنائي قوته ويصبح نهائيا واجب التنفيذ لمن تغيب(120)، وتعود الحكمة من هذه القاعدة لكون إرادة الطاعن لا يصح أن تفرض على غيره من المتهمين الذين قد لا تكون لهم رغبة في الاعتراض.
ثانيا: أثر اعتراض النيابة العامة على الأمر الجنائي:
لطبيعة اختلاف المركز القانوني للنيابة العامة عن سائر الخصوم؛ فإن الأثر المترتب على تقريرها بالاعتراض في الميعاد هو سقوط الأمر الجنائي واعتباره كأن لم يكن وهو سقوط قطعي ونهائي(121)، تنظر بعده الدعوى وفقا للإجراءات العادية، وعلة هذا السقوط المباشر غير المعلق على شرط الحضور – خلاف اعتراض باقي الخصوم – يعود لكونه ليس من المتصور تغيب النيابة العامة عن الجلسة المحددة لنظر الدعوى فهي بطبيعتها القضائية جزء من تشكيل جلسة المحاكمة، أما أي خصم آخر فإن تغيبه متصور(122).
ثالثا: أثر اعتراض المدعي بالحق المدني على الأمر الجنائي:
ذكرنا التباين بين موقف كل من المشرع المصري والمشرع القطري تجاه حق المدعي المدني في الاعتراض، وخلصنا إلى عدم اعتراف المشرع القطري بأي حق للمدعي بالحق المدني في نظام الأمر الجنائي، على خلاف نظيرة المصري الذي قرر أحقية المدعي بالحق المدني بالاعتراض.
مع مراعاة ذاتية الأمر، يسري على المدعي بالحق المدني ذات ما يسري على المتهم من تعلق سقوط الأمر الجنائي بحضور جلسة نظر الاعتراض؛ مما يعني أن حضوره يسقط الأمر الجنائي وتغيبه يعيد للأمر الجنائي قوته ونفاذه.
إلا أن السؤال يثور في مدى أثر إسقاط الأمر الجنائي واعتباره كأن لم يكن كنتيجة لتقرير اعتراض المدعي بالحق المدني، فهل يشمل الدعويين الجنائية والمدنية – كما هو الحال في اعتراض المتهم – أو أنه مقصور على الدعوى المدنية؟ وأخذا بالفرض الأول؛ فإن القول بأن اعتراض المدعي بالحق المدني مسقط للشقين مفاده قدرة المدعي بالحق المدني على أن يتوصل لتشديد العقوبة على المتهم نظرا لممارسة المحكمة في هذه الحالة لسلطاتها وفقا للإجراءات العادية، وذلك غير جائز؛ إذ إن الأصل عدم انصراف أثر الإجراء الذي يتخذه الشخص إلا إلى حقوقه(123).
ويستفاد من الاستنتاج السابق، أن تقرير المدعي بالحق المدني بالاعتراض يترتب عليه سقوط الأمر الجنائي واعتباره كأن لم يكن في نطاق الدعوى المدنية فقط،(124)، وتنظر وفقا للإجراءات العادية ويكون للمحكمة السلطة المطلقة؛ فلها أن تبقي على التعويض على ما قرره الأمر الجنائي أو تزيده أو تنقصه، كما لها أن ترفضه إطلاقا.
الإشكال في تنفذ الأمر الجنائي
نظم المشرعان – المصري والقطري – الإجراءات المتبعة لتقرير الإشكال في تنفيذ الأمر الجنائي وقوام هذا التنظيم قائم على أنه: "إذا ادعى المتهم عند تنفذ الأمر الجنائي أن حقه في الاعتراض على الأمر لا يزال قائما لعدم إعلانه به، أو لغير ذلك من الأسباب، أو أن مانعا قهريا منعه من الحضور في الجلسة المحددة لنظر الدعوى، أو إذا حصل إشكال آخر في التنفيذ، يقدم الإشكال إلى القاضي المختص ليفصل فيه بغير مرافعة، وإذا رأى عدم إمكان الفصل فيه بحالته أو بدون تحقيق أو مرافعة؛ فيحدد يوما لينظر في الإشكال، وفقا للإجراءات العادية ويكلف المتهم بالحضور في هذا اليوم(125)؛ فإذا قبل الإشكال تجرى المحاكمة وفقا لنص المادة (253) من هذا القانون"(126).
وبناء على ما سبق؛ يتضح أن المشرعين – المصري والقطري – أجازا للمتهم الإشكال في تنفيذ الأمر الجنائي في عدة حالات، الحالة الأولى، تتمثل في ادعاء المتهم – عند التنفيذ – أن حقه في الاعتراض لم ينقض بعد، إما لعدم انقضاء ميعاد حق الاعتراض بعد، أو لعدم إعلانه بالأمر الجنائي، والحالة الثانية، تتمثل في ادعاء المتهم أن سبب تخلفه عن حضور جلسة نظر الاعتراض تعود لسبب قهري حال دون حضوره، والحالة الثالثة يكون فيما لو قام سبب آخر للإشكال تقرره القواعد العامة، كما لو دفع المتهم بأن المحل الذي قرر الأمر الجنائي إغلاقه ليس مملوكا له(127)، أو أن المال الذي قرر الأمر الجنائي مصادرته محمل بحق للغير حسن النية.
ويلاحظ أن المشرعين اتفقا على إيراد نص عام بشأن الإشكال في تنفيذ الأمر الجنائي؛ مما مفاده أن إرادة المشرعين اتجهت لجعل حق الإشكال في تنفيذ الأمر الجنائي يسري على الأمر الصادر من القاضي وكذلك الصادر من النيابة العامة.
ويقدم الإشكال في تنفيذ الأمر الجنائي(128) إلى القاضي المختص، ويفصل في الإشكال دون تحقيق أو مرافعة، وذلك اتساقا مع إجراءات الأمر الجنائي التي تتطلب السرعة والإيجاز، وذلك أساسا ما جعل المشرعين – المصري والقطري – ينظمان طريقا خاصا بالإشكال على الأوامر الجنائية يتماشى وطبيعة هذا النظام، وقد أورد المشرعان استثناء في هذا الإيجاز الذي يتسم به نظر الإشكال في تنفيذ الأمر الجنائي، بأن خولا للقاضي – سلطة تقديرية – فيما لو أثار الإشكال مسائل تجعل الفصل فيها يتطلب السير وفقا للإجراءات العادية(129)، وفي هذه الحالة يحدد القاضي يوما لنظر الإشكال وفقا للإجراءات العادية ويكلف المتهم وباقي الخصوم بهذا اليوم. فإذا قبل الإشكال نظرت الدعوى وفقا للقواعد العامة(130)، ويكون للمحكمة السلطة المطلقة في تشديد العقوبة.
حجية الأمر الجنائي
يعد لقوة الأمر المقضي به حجية، هي جوهر الحكم البات الذي تقرر له الأثر المباشر لانقضاء الدعوى الجنائية سواء صدر هذا الحكم بالبراءة أم الإدانة(131)، على نحو تتحقق به العدالة الجنائية وتنزل فيه المراكز القانونية منزل الاستقرار، استنادا لمبدأ الحماية الاجتماعية الذي يتحقق بحماية المصلحتين الفردية والعامة، وتحقيقا للأمن القانوني للعلاقات القانونية المترتبة على هذا النزاع.
وتأخذ حجية الأحكام الجنائية حيزا واسعا من الاهتمام لدى القوانين الإجرائية كافة، بحسب طبيعتها الماسة بالحقوق والحريات، وهذه الحجية ليست مقصورة على الأحكام الجنائية، بل إنها تثبت للأمر الجنائي كذلك بصفته حكما قضائيا – كما أشرنا في بداية البحث – يصدر من القاضي أو من النيابة العامة تأسيسا للسلطة الاستثنائية التي أعطيت إياها في هذا الصدد.
وللوقوف على هذه الحجية بكافة جوانبها التي تطال الدعويين الجنائية والمدنية؛ لذلك سنعرض لحجية الأمر الجنائي في فرعين: (الأول) حجية الأمر الجنائي في الدعوى الجنائية، (الثاني) حجية الأمر الجنائي في الدعوى المدنية.
الفرع الأول
للاعتراف للأمر الجنائي بحجية يجب أن يكون نهائيا واجب التنفيذ؛ مما يعني اكتسابه للقوة التنفيذية والتي نظم المشرعان المصري والقطري – كما رأينا – كيفية اكتساب الأمر الجنائي لها، في حالتين: الأولى، عند عدم الاعتراض على الأمر الجنائي أو الاعتراض عليه بعد انقضاء الميعاد المحدد لقبوله، والثانية، عندما يعترض المتهم على الأمر الجنائي ويتخلف عن حضور الجلسة المحددة لنظر الاعتراض.
وفي حال توافر إحدى الحالتين يكون للأمر الجنائي كافة الخصائص الموضوعية للأحكام الجنائية وإن كان يختلف مع الأحكام في بعض الشروط الشكلية؛ إلا أن المضمون والجوهر واحد مما يجعل الأمر الجنائي يرتب ذات الآثار القانونية للأحكام(132)، وذلك باكتسابه لقوة الأمر المقضي به(133) بشقيها السلبي والإيجابي.
ويتمثل الشق السلبي لقوة الأمر المقضي به بانقضاء الدعوى الجنائية، ونسبة لهذه القوة المانعة والتي تتمثل في عدم السماح للمحاكم الجنائية الأخرى إعادة بعث الدعوى الجنائية من جديد لأي سبب كان؛ سواء بناء على أدلة جديدة أم على وصف جديد وذلك لسابقة الفصل فيها، ويترتب على هذه الحجية تعلقها بالنظام العام مما يترتب معه، أنه في حال طرح موضوع الدعوى من جديد أمام القضاء الجنائي فيجب على المحكمة أن تقضي بعدم جواز نظر الدعوى لسبق الفصل فيها من تلقاء نفسها(134). وتجدر الإشارة الى أن قوة الأمر المقضي به في شقها السلبي نسبية وليست مطلقة؛ مما يجعلها تتقيد بالخصوم وبوحدة الواقعة التي صدر بإنهائها الأمر الجنائي(135).
وبالحديث عن الشق الإيجابي لقوة الأمر المقضي به؛ فإن أهمية هذا الأخير تتمثل في الحجية التي يلقاها أمام القضاء الجنائي وسائر جهات القضاء، بصحة ما قضى به من حيث حدوث الواقعة ووصفها القانوني ونسبتها إلى فاعلها، كما عبرت عن ذلك محكمة النقض المصرية في حكم لها بقولها: "إن الحكم البات يصبح عنونا للحقيقة، بل أقوى من الحقيقة ذاتها"(136).
وفي ختام الحديث عن حجية الأمر الجنائي في الدعوى الجنائية، تجدر الإشارة والإشادة بموقف المشرع القطري؛ إذ إنه وبتعقب نصوص الباب الرابع المنظم للأوامر الجنائية من قانون الإجراءات الجنائية القطري؛ فقد أورد النص القائل: "وتنقضي به الدعوى الجنائية" في أكثر من موضع(137)، موصدا بذلك الباب أمام أي شك في حجية الأمر الجنائي(138).
الفرع الثاني
حجية الأمر الجنائي في الدعوى المدنية
قبل الحديث عن مدى حجية الأمر الجنائي في الدعوى المدنية، لا بد من الوقوف على القاعدة العامة التي تقضي بأن للأحكام الجنائية – سواء الصادرة بالبراءة أم الإدانة – حجية تلتزم بها المحاكم المدنية في الدعاوى التي لم تكن قد فصلت فيها بحكم بات بعد، وخصوصا فيما يتعلق بوقوع الجريمة وبوصفها القانوني ونسبتها إلى فاعلها(139)، ويعود السبب لنشأة هذه القاعدة هو منع التعارض بين الأحكام الجنائية والمدنية وجعل هذه الأخيرة مسايرة للأولى، فمن غير المستساغ - والمسائل الجنائية من النظام العام - أن يقول الحكم الجنائي شيئا ينقضه الحكم المدني فيما بعد(140).
أما فيما يخص حجية الأمر الجنائي في الدعوى المدنية وفيما إذا كان يحوز حجية من عدمه؛ فقد تباين موقف كل من المشرع المصري ونظيرة القطري.
أولا: موقف المشرع المصري من حجية الأمر الجنائي في الدعوى المدنية:
في بداية الأمر وعند أخذ المشرع المصري بنظام الأمر الجنائي، كان موقفه إزاء حجية الأمر الجنائي في الدعوى المدنية هو السكوت؛ مما مفاده اكتساب الأمر الجنائي للحجية في الدعوى المدنية فيما يتعلق بثبوت التهمة ونسبتها لفاعلها، طبقا للقاعدة العامة ونظرا لأن الأمر الجنائي له حجية الحكم الموضوعية من الناحية الجنائية(141).
إلا أن المشرع المصري أتى فيما بعد وأضاف فقرة أخيرة على المادة (327) من قانون الإجراءات الجنائية المصري تنص صراحة: "ولا يكون لما قضى به الأمر في موضوع الدعوى الجنائية حجية أمام المحاكم المدنية"(142)، ويكون المشرع بذلك قد قيد حجية الأمر الجنائي في الدعوى المدنية استثناء على القاعدة العامة.
ويعول المؤيدين لتوجه المشرع المصري في حجب الأمر الجنائي من التمتع بالحجية أمام القضاء المدني، على طبيعة صدور الأمر الجنائي، كونه يصدر دون تحقيق نهائي أو مرافعة(143)، والجدير بالذكر أنه فيما لو فصل الأمر الجنائي في الدعوى المدنية التبعية؛ فإن هذا الفصل يحوز الحجية أمام القضائي المدني وذلك لسابقة الفصل في الدعوى المدنية، ولتعلق هذا الفصل بالنظام العام.
ثانيا: موقف المشرع القطري من حجية الأمر الجنائي في الدعوى المدنية:
يتضح من مطالعة الباب الرابع المبوب تحت مسمى "الأوامر الجنائية" من الكتاب الثاني من قانون الإجراءات الجنائية، أن المشرع القطري لم يورد نصا بشأن حجية الأمر الجنائي في الدعوى المدنية، وهو كما رأينا ذات التوجه – السكوت – الذي سار عليه نظيره المصري في بداية الأمر.
ولا مجال للقول بأن سكوت المشرع القطري في هذا المقام سهوا أو عدم اعتراف منه بحجية الأمر الجنائي في الدعوى المدنية؛ إذ إنه لو أراد ذلك لقرره صراحة ليخرج الأمر الجنائي من القاعدة العامة(144)، كما فعل نظيره المصري بالقانون رقم 174 لسنة 1998.
وعليه؛ فإن سكوت المشرع القطري عن التطرق لحجية الأمر الجنائي في الدعوى المدنية، ما هو إلا إحالة ضمنية للقواعد العامة، ولما كنا قد خلصنا في بداية بحثنا إلى أن الأمر الجنائي في حقيقته الموضوعية حكم جنائي رغم اختلاف الإجراءات الشكلية، واتساقا مع القواعد العامة؛ فإن حجية الأمر الجنائي تمتد أيضا إلى القضاء المدني، والقول بغير ذلك سيفتح باب تعارض الأحكام على مصراعيه.
وفي نهاية رحلتنا البحثية في نظام الأمر الجنائي بين رحاب التشريعين المصري والقطري، نحط الرحال في الخاتمة لنبين أهم النتائج التي توصلنا إليها، ونقرر التوصيات التي نأمل تحقيقها:
أولا: النتائج:
ثانيا: التوصيات:
أولا: الكتب:
- د. عبد الرزاق أحمد السنهوري، الوسيط في شرح القانون المدني، منشورات الحلبي الحقوقية، لبنان، الطبعة الثالثة: 2022م.
- د. رؤوف عبيد، مبادئ الإجراءات الجنائية في القانون المصري، مكتبة الوفاء القانونية، مصر، الطبعة الأولى: 2015م.
- د. أحمد فتحي سرور، الوسيط في قانون الإجراءات الجنائية، دار النهضة العربية، مصر، الطبعة الحادية عشرة: 2020م.
- د. محمود نجيب حسني، شرح قانون الإجراءات الجنائية تنقيح الدكتورة فوزية عبد الستار، دار النهضة العربية، مصر، 2023م
- د. محمود نجيب حسني، شرح قانون الإجراءات الجنائية، دار النهضة العربية، مصر، الطبعة الثانية: 1985م.
- د. أحمد فتحي سرور، القانون الجنائي الدستوري، دار الشروق، مصر، الطبعة الثانية: 2002م.
- د. حسن صادق المرصفاوي، المرصفاوي في أصول الإجراءات الجنائية، منشأة المعارف، مصر، الطبعة الأخيرة: 1981م.
- د. أشرف توفيق شمس الدين، شرح قانون الإجراءات الجنائية، المؤلف، مصر، الطبعة الرابعة: 2015م.
- د. أحمد فتحي سرور، الوسيط في قانون العقوبات القسم العام، دار النهضة العربية، مصر، 2015م
- د. مأمون محمد سلامة، الإجراءات الجنائية في التشريع المصري، دار النهضة العربية، مصر، طبعة جامعة القاهرة 1992م.
- د. غنام محمد غنام، شرح قانون الإجراءات الجنائية القطري، إصدار كلية القانون جامعة قطر، قطر، 2017.
- محمد بن علي القحطاني، مجموعات النصوص العقابية في التشريعات القطرية من عام 1962 حتى 2021م، دار الوتد، قطر، الطبعة الثانية: 2021م.
- د. بشير سعد زغلول، علما الإجرام والعقاب، دار نشر جامعة لوسيل، قطر، الطبعة الأولى: 2023.
- د. فتحي المصري، قوة الشيء المقضي به في ضوء النصوص القانونية والفقه والقضاء، إصدار نادي القضاة، مصر، الطبعة الثالثة: 2023.
- د. محمود كبيش، الوجيز في شرح قانون الإجراءات الجنائية، دار النهضة العربية، كلية حقوق القاهرة، مصر، 2023.
- مجموعة المبادئ التي قررتها المحكمة العليا والمحكمة الدستورية العليا في أربعين عاما 1969-2009، دار الكتب والوثائق القومية، مصر، 2009م.
ثانيا: الأبحاث والرسائل العلمية:
- د. يسر أنور علي، الأمر الجنائي دراسة مقارنة في نظرية الإجراءات الجنائية الإيجازية، مجلة العلوم القانونية والاقتصادية، كلية حقوق عين شمس، 1974م.
- ربيعة محمود الشمري، النظام القانوني للأمر الجنائي في القانون القطري، رسالة ماجستير، كلية القانون جامعة قطر، 2017.
ثالثا: الأحكام القضائية:
- المحكمة العليا طلب رقم 15 لسنة 8 قضائية، تفسير، جلسة الأول من أبريل سنة 1978م.
- نقض جنائي، الرابع من مايو سنة 1975م، مجموعة أحكام النقض، س26، ق89.
- تمييز جنائي، السابع عشر من فبراير سنة 2020م، طعن رقم 145 لسنة 2019.
- نقض جنائي، الخامس والعشرون من مارس سنة 1946م، رقم 683، س.ق 16.
- تمييز جنائي، السابع من يونيو سنة 2015، طعن رقم 454 لسنة 2015.
- نقض جنائي، العاشر من فبراير سنة 1974، مجموعة أحكام النقض، س26، ق25.
- تمييز جنائي، السادس عشر من مايو سنة 2015، طعن رقم 283 لسنة 2015.
- نقض جنائي، الحادي عشر من يناير سنة 1991، مجموعة أحكام النقض، س17633، ق60.
رابعا: التشريعات:
- دولة قطر:
- الدستور الدائم لدولة قطر.
- قانون الإجراءات الجنائية، قانون رقم 15 لسنة 1971 (ملغى).
- قانون الإجراءات الجنائية، قانون رقم 23 لسنة 2004.
- قانون العقوبات، قانون رقم 11 لسنة 2004.
- قانون النظافة العامة، قانون رقم 18 لسنة 2017.
- قانون الجمارك، قانون رقم 40 لسنة 2002.
- قانون النيابة العامة، قانون رقم 10 لسنة 2002 وتعديلاته (ملغى).
- قانون النيابة العامة، قانون رقم 9 لسنة 2023.
- جهورية مصر العربية:
- دستور جهورية مصر العربية المعدل 2019.
- قانون تحقيق الجنايات المختلط، قانون رقم 57 لسنة 1937 (ملغى).
- قانون الأوامر الجنائية، قانون رقم 19 لسنة 1941 (ملغى).
- قانون الإجراءات الجنائية، قانون رقم 150 لسنة 1950 وتعديلاته.
- قانون العقوبات، قانون رقم 58 لسنة 1937 وتعديلاته.
- قانون الجمارك، قانون رقم 207 لسنة 2020.
- قانون المرافعات المدنية والتجارية، قانون رقم 13 لسنة 1968 وتعديلاته.
- التعليمات العامة للنيابات، الكتاب الأول التعليمات القضائية، القسم الأول في المسائل الجنائية.
خامسا: المواقع الإلكترونية:
أمين سر تحقيق أول – النيابة العامة – دولة قطر.
المشاهدات
التحميلات
الاستشهادات
المؤلفون
إصدار
السنة