يتناول البحث دراسة قانونية متخصصة، وفق منهج تقييمي تطبيقي لمعالجة طبيعة الإشكالات الناتجة عن فعالية الإطار القانوني والمؤسسي وقدرته على استرداد الأموال والعائدات الإجرامية المتأتية من أفعال الفساد؛ سواء على المستوى الداخلي أو الدولي، وذلك من خلال إلقاء الضوء على أهم العقبات والعراقيل التي تواجه عملية استرداد الأموال العامة المنهوبة، وضمان نجاح تحقيق غرضها المأمول، وهو إعادتها إلى مالكيها الشرعيين، وكذلك تقييم دور هيئات مكافحة الفساد وجهات إنفاذ القانون لدى المشرع القطري، بهدف تعزيز الدورين الواقعي والزاجر (الرادع) في استرداد الأموال العامة المنهوبة، بما يؤدي إلى نجاح هذه العملية منذ بدايتها إلى نهايتها؛ بطريقة ناجعة وسريعة وبوسائل غير تقليدية.
وسوف يتوصل البحث إلى عدة نتائج، وعدد من التوصيات، أهمها بالنسبة للمؤسسات العامة الإدارية والرقابية لدولة قطر، أنه يجب إدراك عقبات التعاون الدولي، وبذات الوقت إتقان إمكانات النفاذ إلى الأنظمة القانونية للدول التي توجد بها الأموال المنهوبة؛ من أجل الوصول إلى بناء قدرات خاصة تستطيع الوصول إلى وسائل متطورة تحاكي معطيات الواقع، وتكيف وتتكيف مع الظروف والملابسات التي تختلف باختلاف كل حالة تنتج عن استرداد الأموال العامة المنهوبة، وبما يحقق أكبر قدر ممكن من الفعالية في هذا المجال المتشابك والمعقد بطبيعته.
يعد الفساد المصدر الرئيس لإخفاق مسيرة الحفاظ على حقوق الأفراد وحرياتهم في أي مجتمع من المجتمعات، حيث يلتهم الفساد السواد الأعظم من الموارد المخصصة لتمويل برنامج التنمية وخططها، وتتضاءل في ظله إمكانات الدولة على تحقيق أهدافها التنموية، وتتأثر كذلك قدرتها في تأمين المساواة وتحقيق العدالة بين الأفراد، وهو ما يجعل مخططات الإصلاح والحوكمة الرشيدة فارغة من كل محتوى، نتيجة تراجع مجالات سيادة القانون(1).
ولقد طرحت الاتفاقية الأممية لمكافحة الفساد إطارا قانونيا وإجرائيا لتتبع الأموال المنهوبة وتجميدها ومصادرتها؛ وبالتالي إعادتها إلى بلدانها الأصلية، وقد أكدت الاتفاقية في المادة (51)، على أن إعادة الأصول إلى الدولة الأصلية هو مبدأ أساسي من مبادئ الاتفاقية، وبأن الدول الأطراف مطالبة بتقديم العون والمساندة لبعضها البعض.
وقد حددت الاتفاقية، سلسلة من الآليات في هذا الشأن، بما في ذلك إجراءات استرداد الأموال بالوسيلتين المدنية والجنائية، والتي بموجبهما يمكن تتبع الأموال المهربة وتجميدها ومصادرتها وإعادتها إلى أصاحبها الشرعيين، وأجازت للدول الأعضاء في ذات الوقت عقد اتفاقيات أو ترتيبات ثنائية، وكذلك متعددة الأطراف لتعزيز التعاون فيما بينها في هذا الخصوص.
ونظام استرداد الأموال المنهوبة يحقق العدالة الجنائية على المستويين المحلي والدولي من خلال فرض العقاب على السلوك الفاسد ذاته، كما يؤدي إلى إضعاف شبكات الفساد بسلبهم الموجودات التي يستخدمونها في ارتكاب جرائمهم، كما يشجع ـــ هذا الإجراء ـــ على توفير فرص الاستثمار في البلدان منشأ هذه الأموال؛ الأمر الذي يساهم بشكل فعال في تحقيق النمو الاقتصادي، بما يوفر من مناخ ملائم للتنمية والاستثمار ودفع عجلة التنمية الاقتصادية في الدولة(2).
غير أن المشكلة تظهر في الوقت المعاصر في أن التدابير والآليات العادية هي في حقيقتها غير كافية لمكافحة الفساد بوصفها ظاهرة عالمية، وبالتالي لا بد من وجود استراتيجيات وخطط عملية مدروسة بعناية ودقة واهتمام تأخذ بعين الاعتبار جميع جوانب المشكلة وآفاقها(3)، لا سيما أن كل قضية من ملفات استرداد الأموال المنهوبة بحاجة لجهود مضاعفة وإرادة حقيقية، وتعاون دولي مكثف، من منطلق أن كل حالة من حالات استرداد الأموال المنهوبة؛ تمثل قضية متميزة في نوعها وفريدة في إجراءاتها، ومعقدة في وقائعها وطبيعتها وظروفها وملابساتها الخاصة بها.
انطلاقا من الأسس النظرية الخاصة بآليات استرداد الأموال العامة المنهوبة؛ فقد تم استخدام المنهج التحليلي، لبلورة صيغة قانونية محددة ومنضبطة تضفي التحديد المنطقي على الإطار القانوني والمؤسسي لاسترداد الأموال العامة المنهوبة، وذلك ضمن قراءة علمية تطبيقية تقييمية تكشف عن مظاهر التلاقي والتباعد في هذا المجال الدقيق والحساس، مع اعتماد رؤيا قانونية لواقع الهيئات القطرية المعززة لاسترداد الأموال المنهوبة، وطرح أي فكرة متصل بها الموضوع على بساط النقاش العلمي القانوني؛ لنخرج باستنتاجات متوازنة ضمن ما ندركه من أفكار قانونية متواضعة.
ومن المعروف أن الدراسات التي تناولت آليات استرداد الأموال العامة المنهوبة كثيرة ومتوفرة، كما هو حال الدراسات التي تناولت موضوعات مكافحة الفساد، لكن واقع الدراسات والأبحاث المتخصصة في معالجة الإشكالات الناتجة عن فعالية وقدرة الإطار القانوني والمؤسسي في استرداد الأموال المنهوبة، لم تأت بالقدر الذي يتناسب وأهمية الدور البارز الذي تلعبه الولايات القضائية للدول في تسيير أو تعقيد عملية استرداد الأموال العامة المنهوبة، بالتوازي مع الدور الأساس لاتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الفساد.
ومع قناعتنا التامة بالاستفادة من الأبحاث العلمية النظرية والتطبيقية بمختلف توجهاتها ونطاقها ومخارجها؛ فإن البحث سيستمد معلوماته الأساسية من البحوث والأوراق والنشرات والتقارير العملية، والتي ركزت على النظام القانوني الدولي المنظم لعملية استرداد الأموال المنهوبة، والأهمية الفعلية لاستردادها، وأهم العقبات التي تواجه ذلك محليا ودوليا.
المطلب الأول: الأحكام العامة لاسترداد الأموال المنهوبة وفقا لاتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الفساد
المطلب الثاني: المعوقات التي تواجه عملية استرداد الأموال العامة المنهوبة
المطلب الثالث: دور الهيئات العامة القطرية في استرداد الأموال العامة المنهوبة
ليس للفساد تعريف واحد متفق عليه، وسبب ذلك الطبيعة المعقدة لظاهرة الفساد، وارتباطها بعوامل متعددة، اقتصادية واجتماعية وديمغرافية، وهو ما يعكس صعوبة مكافحة الفساد على الأصعدة كافة(4)، وعلى الرغم من ذلك يوجد بعض التعريفات التي حازت قبولا ملحوظا وأصبحت تستخدم على نطاق واسع(5)، والتي بمعزل عن الخوض في مجال سردها أو إبراز الانتقادات الموجهة إليها؛ فإنه يمكن وصف الفساد بأنه انحراف في الالتزام بالقواعد القانونية؛ مما جعل الإجماع منعقد على أن آثاره مدمرة على القانون وعلى القضاء؛ لكونه ظاهرة عالمية وفردية واجتماعية واقتصادية وقانونية وأخلاقية، يمكن أن يظهر بحالات مختلفة وصور متعددة، منها المنظورة بنتائجها المباشرة، ومنها غير المنظورة بنتائجها غير المباشرة (6).
وبالنسبة لاسترداد الموجودات يمكن وصفها بأنها استراتيجية واعدة يمكن تطبيقها للحد من نتائج الفساد الذي تتعرض له الأموال العامة للدول، يجري تنفيذها في إطار اتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الفساد. والمتتبع لموضوع الفساد في النطاق الدولي يواجه عدة تسميات منها، استرداد الأصول" و"استرداد الموجودات" و"استعادة الأموال المنهوبة، لكن في إطار التطبيق والممارسة نجدها كلها تعبر عن معنى واحد هو مفهوم استرداد الموجودات أي الأموال بالمفهوم الواسع(7)؛ حيث ورد مفهوم "استرداد الموجودات" بحكم يتسم بالعمومية في المادة (51) من الاتفاقية الأممية لمكافحة الفساد(8).
ومصطلح الأصول يأتي أيضا ضمن تعريف مفهوم الملكية؛ بحيث يشمل تعريف الملكية على نطاق واسع فهو: "مجموعة من الأصول، كالأموال التي يتم إيداعها في الحسابات المصرفية، أو على شكل أسهم وسندات، أو مركبات ومنازل، وملكية الشركات والممتلكات الخاصة"(9).
ولم تعرف الاتفاقية المقصود بالاسترداد، وهو نفس المنهج الذي سار عليه المشرع القطري، كما لم يعرف الأخير مصطلح الممتلكات، مكتفيا بالتعريف الوارد في المادة (2) من الاتفاقية(10)، وبالنسبة للعائدات الإجرامية، عرفتها الاتفاقية في ذات المادة الثانية بأنها: "أي ممتلكات متأتية أو متحصل عليها، بشكل مباشر أو غير مباشر، من ارتكاب جرم".
والأموال المنهوبة هي تلك الأموال والأصول أيا كان نوعها التي استولى عليها أي شخص طبيعي أو معنوي (اعتباري) من الأموال العامة للدولة، والناتجة مباشرة أو بطريق غير مباشرة من ارتكاب أي جريمة من جرائم الفساد.
فتأتي عملية الاسترداد كمجموعة من التدابير والوسائل والإجراءات القضائية وغير القضائية لاستعادة الأموال المنهوبة المتأتية من جرائم الفساد، مع ضرورة إثبات أن الأموال محل المصادرة هي فعلا ناتجة عن الجريمة؛ بحيث استحصل عليها الجاني بسبب ارتكابه للفعل غير المشروع، ومن أجل إخفائها؛ قام بتحويلها ونقلها إلى دولة أجنبية(11).
وهنا وقبل تبيان آليات استرجاع الأموال المنهوبة وفقا لاتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الفساد، لا بد أن نشير باختصار إلى الأهميتين النظرية والواقعية لعملية استرجاع الأموال المنهوبة(12).
إذ تعد عملية استرداد الأموال أكبر إجراء رادع لمن يحتل المناصب الوظيفية ويستخدمها في ارتكاب جرائم فساد، أو الضلوع في ممارسات تضر بالمال العام، كما أن هذه العملية تحرم مرتكبي الجرائم الخطيرة والشبكات القوية من استخدام الأموال التي حازوها، والأدوات المستخدمة في جرائمهم.
كما ترسخ عملية استرداد الأموال المنهوبة تطبيق مبدأي العدالة والمساواة على الصعيدين الوطني والدولي، من خلال فرض العقوبة الرادعة على أي سلوك فاسد أو غير لائق، فاسترداد الأموال المنهوبة يعد أمرا حاسما في الصراع من أجل إقامة سيادة القانون من جديد، وإنهاء عقود من الإفلات من العقاب، وتعزيز دولة القانون.
وينظر لعملية استرداد الأموال المنهوبة على أنها تطبيق حي لمجالات التعاون الدولي وتبادل المساعدات القانونية؛ خاصة فيما يتعلق بمواجهة جرائم غسل الأموال؛ كونها ظاهرة إجرامية على درجة عالية من الخطورة، تتم هي وغيرها من الجرائم على يد جماعات إجرامية منظمة عابرة للحدود. وأخيرا تعطي عملية استرداد الأموال المنهوبة إشارات عملية ومؤشرات دولية على قيمة وتأثير التعاون الدولي القضائي من الناحيتين الواقعية والتطبيقية.
وبشأن تدابير وإجراءات استرداد الأموال المنهوبة، يوجد عدد ليس بقليل من المبادرات الدولية والإقليمية التي حرصت على تنظيم عملية استرداد الأموال المنهوبة، وأولت اهتماما بتجاوز العقبات التي تواجهها، ومن أهم هذه المبادرات: مبادرات مكتب الأمم المتحدة المعني بمكافحة المخدرات والجريمة، مبادرة منظمة التعاون والتنمية في الميدان الاقتصادي، مبادرات مجموعة الدول الثمانية، مبادرة أمانة الكومنولث 2003، مبادرة ستار الخاصة باسترداد الموجودات، مبادرات مجموعة البنك الدولي، مبادرات جامعة الدول العربية (إنشاء الشبكة العربية لتعزيز النزاهة ومكافحة الفساد)، مبادرة الإنتربول والأوروبول، مبادرة دول آسيا والمحيط الهادي لمكافحة الفساد(13).
وهذه المبادرات الدولية رغم أهميتها إلا أنها لا يمكن أن تحقق أهدافها دون وجود إرادة حقيقية عند الدول المتضررة، خاصة أن مرتكبي جرائم الفساد يسرعون في إخفاء عائدات الجريمة وأدلتها وأدواتها المتعلقة بها؛ بهدف إحباط جهود إنفاذ القانون الرامية إلى تحديد مكان الأموال واستعادتها(14).
إن الغرض الطبيعي من معرفة وتتبع الأموال المتأتية من جرائم الفساد هو الوصول إليها وإعادتها إلى مصدرها؛ لذلك فإن الاتفاقية وضعت مجموعة من التدابير لتمكن هذه الدول من استرجاع أموالها، وهذه التدابير تم النص عليها في المادة (53) من الاتفاقية على شكل إجراءات وتدابير ملزمة للدول الأطراف، وهذه الإجراءات تتضمن أن تقوم الدول الأطراف في الاتفاقية، وفقا لقانونها الداخلي بما يلي:
ونشير إلى أن الاتفاقية الأممية لمكافحة الفساد حفزت على اتباع مسار الدعوى المدنية، كوسيلة أساسية للاسترداد المباشر للأموال، وهو مسلك لاقى استحسانا ملحوظا؛ لكون هذا النوع من الدعاوى يكون إما مكملا للدعاوى الجنائية، أو بديلا عنها عند الحاجة (الاقتضاء)، وهنا تظهر جدية هذا المسار وأهميته؛ لكون الادعاء المدني يتخذ في دولة لصالح دولة أخرى(15).
تعد المصادرة من العقوبات الفرعية التي قد تكون في صورة عقوبة فرعية تبعية أو في صورة عقوبة فرعية تكميلية(16)، والتي لا يجوز توقيعها إلا إذا نص عليها القاضي في الحكم الصادر من قبله(17)، ويترتب على الحكم بها وجوب تنفيذها جبرا، وهي لا تخضع لنظام وقف التنفيذ لو تم وقف تنفيذ العقوبة الأصلية(18).
وقد تكون جوازية في حالة الأشياء المضبوطة المتحصلة من الجريمة، أو التي استخدمت أو كان من شأنها أن تستخدم في الجريمة، كما تكون وجوبية إذا كانت من المواد التي يعد استعمالها أو تصنيعها أو حيازتها وكذلك التعامل فيها جريمة في ذاتها(19).
وواقعيا؛ فإن وجود تعاون دولي لاسترداد الأموال المتحصلة من جرائم الفساد؛ يقتضي وضع نظام قانوني وفني لتجميد الموجودات المالية، وضبطها، ثم مصادرتها، وهو شرط مسبق وضروري للتعاون الدولي واسترداد الأموال المنهوبة. لذلك نصت المادة (54) من الاتفاقية الأممية لمكافحة الفساد على الآليات الضرورية لتطبيق التعاون الدولي والتي تتمثل عموما في:
يقصد بالتجميد أو الحجز كما ورد بالاتفاقية الأممية لمكافحة الفساد في المادة الثانية منها فقرة (و) بأنه: "فرض حظر مؤقت على إحالة الممتلكات أو تبديلها أو التصرف فيها أو نقلها، أو تولي عهدة الممتلكات أو السيطرة عليها مؤقتا، بناء على أمر صادر عن محكمة أو سلطة مختصة أخرى. ويعد التجميد إجراء تحفظيا خشية التصرف في الأموال من جانب المشتبه فيه أو تحويلها أو نقلها."
وغالبا ما يواجه هذا الإجراء عدة عقبات، لعل من أهمها تعقد وصعوبة عملية التحري والإثبات والتحفظ على هذه الأموال نظرا لإيداعها عادة في حسابات مصرفية سرية أو تم تداولها وغسلها في سوق الأعمال والمشاريع الاستثمارية عن طريق شبكات بالغة التعقيد، وبمساعدة أكبر التنظيمات الإجرامية المختصة في تهريب الأموال؛ مما يجعل من عملية تتبع هذه الحسابات والأرصدة والتحفظ عليها أمرا في غاية الصعوبة(20).
وبموجب القانون رقم (20) لسنة 2019 بإصدار قانون مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب، عرف المشرع القطري التجميد بأنه: "حظر أي انتقال أو تحويل أموال أو معدات أو وسائط أخرى أو التصرف فيها أو تحريكها، استنادا إلى قرار اتخذته سلطة مختصة، وذلك خلال مدة سريان هذا القرار، أو إلى أن يصدر قرار برفع التجميد أو تصدر المحكمة المختصة حكما بالمصادرة".
وهي مرحلة تأتي بعد مرحلة تجميد الأموال. والمصادرة كما نصت عليها المادة الثانية في الفقرة (ز) من الاتفاقية الأممية لمكافحة الفساد، تعني: "التجريد؛ أي الحرمان الدائم من الأموال بأمر صادر عن محكمة أو سلطة مختصة أخرى".
ولأهمية هذا الإجراء نصت الاتفاقية في المادة (55) منها على التعاون الدولي لأغراض المصادرة بأن الدول الأطراف التي تتلقى طلب من دولة أخرى طرف في الاتفاقية؛ إما أن تحيل الطلب إلى هيئاتها المختصة المحلية من أجل استصدار أمر المصادرة، أو أن تحيل إلى هيئاتها المحلية المختصة أمرا بالمصادرة يصدر من الدولة الطالبة والتي تكون طرفا في الاتفاقية.
وهنالك نوع آخر من المصادرة يسمى المصادرة المستعجلة، والتي تتم من الدولة المطلوب منها استرداد الأموال والعائدات المتحصلة من جرائم الفساد، وتتخذ بسبب الوفاة أو كونه فارا من وجه العدالة أو الغياب أو في حالات أخرى مماثلة لا يمكن معها ملاحقة المتهم بجرائم الفساد، وهذه الإجراءات لا تستلزم صدور إدانة قضائية، بل تتم استنادا لطلب مقدم من الدولة الطالبة(21).
وحيث إن المصادرة عقوبة، ولا عقوبة إلا بحكم قضائي؛ فإن الاتفاقية الأممية لمكافحة الفساد - بالرغم من ذلك - أجازت المصادرة بموجب قرار إداري صادر عن سلطة غير قضائية، وهو ما يستخلص من الفقرة السابعة من المادة (31)، وكذلك الفقرة (ر) من المادة الثانية من الاتفاقية، والتي أجازت أن تتم المصادرة بموجب أمر (حكم/ قرار) صادر من محكمة، أو استنادا إلى قرار (قرار إداري) صادر عن سلطة مختصة أخرى(22). وقد ربط المشرع القطري المصادرة بالحكم القضائي حينما بين المقصود بها في القانون رقم (20) لسنة 2019 بإصدار قانون مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب، بأنها: "الحرمان الدائم من الأموال، بناء على حكم قضائي".
وهي المرحلة الأخيرة التي تأتي عند صدور حكم نهائي بالإدانة ضد المتهم بارتكاب جريمة فساد، والذي تم مصادرة أمواله الموجودة في الخارج، ويتم طلب الاسترجاع نتيجة تعاون الدول الأطراف في الاتفاقية، ضمن إجراءات محددة في الاتفاقية الأممية لمكافحة الفساد.
وبهذا القدر المختصر من المعلومات، نكون قد انتهينا من عرض الجوانب النظرية العامة لاسترداد الأموال العامة المنهوبة، لننتقل في المطلب التالي لمناقشة وتحليل طبيعة المعوقات التي تواجه عملية الاسترداد وهي مختلفة ومتعددة؛ سواء في المجال الداخلي أو على المستوى الدولي.
لا يختلف اثنان على أن عملية استرداد الأموال المنهوبة تعد عملية معقدة، فهناك عدة عقبات قانونية وفنية وإدارية وسياسية، تحتاج بدورها لنظام إجرائي متميز يتسم بالخصوصية والفعالية في ملاحقة الفاعلين وتتبع الأموال ومواجهة القدرة على إخفاء أو تمويه مصدرها(23).
فمن الناحية الفنية العملية تعد عملية استرداد الأموال المنهوبة عملية معقدة وحساسة في ذات الوقت، كما أن التحديات التي تواجهها متعددة للغاية، لذلك لا بد من الاستعانة بالمبادرات المحلية والدولية في هذا الشأن؛ لكون استرداد الأموال المنهوبة يعد صورة من صور المساعدة القانونية المتبادلة، التي تهدف بدورها إلى تعقب الأموال المتحصلة من الجرائم والمهربة خارج الدولة؛ لغرض مصادرتها وإعادتها إلى دولة الأصل لتلك لأموال؛ لذلك فإن انتزاع العائدات التي تحصلت من جرائم الفساد من أيدي مرتكبيها واستردادها؛ يعد من أكثر الوسائل القانونية فاعلية لردع مرتكبي جرائم الفساد كما أشرنا سابقا، كذلك يساهم في الوقت ذاته في مكافحة جرائم أخرى لا تقل خطورتها عن جرائم الفساد، كما هو الحال مثلا في جريمة غسل الأموال(24). ويمكن تقسيم المعوقات والعقبات الرئيسة أمام إعادة الأموال إلى بلدانها الأصلية على النحو التفصيلي الآتي:
هناك العديد من العقبات القانونية التي تعترض إعادة الأموال المنهوبة، وهي ترتبط بالدرجة الأولى بصعوبات تنفيذ النظام القانوني وتطبيقه لمنع تحويل عائدات ناتجة عن جرائم الفساد والكشف عنها.
فمن أجل الكشف عن تدفقات هذه الأموال؛ ينبغي أن تتخذ الدول الأطراف في الاتفاقية ما يستدعي ويلزم من إجراءات وفقا لتشريعاتها الداخلية لغايات إجبار المراكز المالية الواقعة ضمن ولايتها القانونية، بأن تجري فحصا دقيقا للحسابات التي يطلب فتحها وتكون تابعة بشكل مباشر أو غير مباشر لأفراد مكلفين أو كلفوا بأداء وظائف حكومية ذات صلاحيات حساسة ومهمة، وكذلك أفراد أسرهم أو أي شخص وثيق الصلة بهم، وينبغي أن يتم هذا الفحص بصورة دورية ودقيقة ومعقولة، بشكل يتيح كشف التحركات والمعاملات المشتبه بها بهدف إبلاغ الجهات المختصة عنها (25).
فالتعامل في أغلب الحالات يتم مع نظم قانونية وقضائية مختلفة؛ سواء من ناحية إجراءات التقاضي والتحقيقات وكذلك إجراءات المحاكمات(26)، ومما يزيد الطين بلة ويضيف للعليل علة، عدم وجود أي معلومات حول هذه الأنظمة، وعدم إتاحة هذه المعلومات من خلال وسائل النشر والتواصل الإلكتروني الحديث، وكذلك عدم إلمام المكلفين بمهام الاسترداد بلغة الدولة متلقية الطلب؛ بغية التواصل السريع مع الأشخاص أو الجهات المختصة(27).
وقد تظهر عقبات قانونية أخرى في مراحل لاحقة من عملية استرداد الأموال المنهوبة، لا سيما بخصوص المساعدات القانونية المتبادلة، وضمن منازعات جنائية بين اختصاص الولاية القضائية (المحاكم) للدولة طالبة الاسترداد والولاية القضائية المتلقية للطلب(28).
كما أن التحريات الدولية والتحقيقات الخاصة باسترداد الأموال المنهوبة، تتطلب إقامة دعاوى قضائية تحكم بتقرير الصاحب الحقيقي قانونا في ملكية الأموال والموجودات، وذلك بعد إجراءات عادة ما تكون معقدة وشائكة ومطولة(29).
وفي ضوء تعدد الصعوبات القانونية وتنوعها، لا يمكن تجنب الإشارة إلى آليات تنفيذ النظام القانوني وإنفاذه لمنع تحويل الأموال المتأتية من جرائم الفساد والكشف عنها، وهو معيار لا يزال معدل الامتثال له من جانب دول العالم المتقدم والدول النامية منخفضا على حد سواء، خلافا للمعيار الأساسي الوارد في المادة (52/1) من الاتفاقية الأممية لمكافحة الفساد، والتي تضمنت التزاما على كل دولة طرف باتخاذ ما يلزم من تدابير وإجراءات، ضمن تشريعاتها الداخلية؛ لإلزام المؤسسات المالية الواقعة ضمن ولايتها القضائية بأن تتحقق من هوية أشخاص المتعاملين (الزبائن)، وبأن تتخذ إجراءات معقولة لتحديد هوية المالكين المنتفعين للأموال المودعة في حسابات عالية القيمة، وكذلك إجراء فحص دقيق للحسابات التي يطلب فتحها أو يحتفظ بها من قبل، أو نيابة عن، أفراد مكلفين أو سبق أن كلفوا بأداء وظائف حكومية ذات صلاحيات مهمة أو أفراد أسرهم أو أشخاص وثيقي الصلة بهم.
لذلك تظهر هذه العقبة مع عقبات قانونية أخرى في مراحل لاحقة من الإجراءات التي تخص القضية محل المتابعة، وتظهر معظمها في سياق المساعدة القانونية المتبادلة في المسائل الجنائية بشأن قضية استرداد الموجودات بين الولاية القضائية الأصلية والولاية القضائية المتلقية. لذلك فشلت عملية الاسترداد في قضايا متعددة، ولأسباب عديدة منها فنية وأخرى لوجستية، تكون فيها الولاية القضائية الطالبة عادة في موقف لا تتمكن معه من جمع البينات والأدلة (30).
وبربط ما تقدم مع انخفاض مستويات الخبرة القانونية في العديد من البلدان، والتباين في توفير المساعدات القانونية المتبادلة بين الدول الطالبة والمطالبة؛ فإن عملية الاسترداد ستصبح مجرد هياكل قانونية فارغة من أي فعالية، خاصة عندما تتراخى الدول المستقبلة للأموال في إرجاعها خوفا من تأثر اقتصادها في حالة إعادة تلك الأموال، وفي ظل الأزمات الاقتصادية التي تعصف ببعض البلدان في الوقت الحالي(31).
لقد شكلت مسألة تحديد مكان وجود الأموال المنهوبة أكبر عقبة أمام عملية الاسترداد(32)، وارتبطت بهذه المسألة عقبات أخرى، مثل سيادة الدولة بما تمثله من الحصانة القضائية والحصانة ضد إجراءات التنفيذ، وأيضا المتطلبات القانونية المتعارضة، وكذلك عدم وجود تنسيق بين الوكالات أو الهيئات المحلية والدولية المختصة بإجراءات الاسترداد، ومحدودية قدراتها في الكثير من الحالات.
وعملية استرجاع الأموال تحتاج إلى أدلة قوية ومقنعة للدول الأخرى ذات العلاقة، ومن ثم أحكام قضائية باتة وقطعية، وهذا يعني ضرورة إيجاد روابط بين الأموال المهربة والجرائم المرتكبة حتى يمكن ردها، وقد لا يكتب لعملية الاسترداد النجاح بسبب الادعاء من الدولة متلقية الطلب بأن التجريم يعود لدوافع غير قانونية، وفي بعض الحالات قد تنشأ هذه الادعاءات بزعم وجود شبهات بأن جهود الاسترداد تكتنفها دوافع سياسية، نظرا لأن كثيرا من البلدان لديها قواعد تحول دون تقديم العون في الجرائم الموصوفة بأنها ذات طابع سياسي(33).
وقد تفتح الأبواب أمام العديد من العوائق بسبب الاختلافات الإجرائية والتشريعية ما بين الدول المعنية، وغير ذلك من العراقيل ذات الصلة، وهذا هو السبب الرئيس في أن العديد من الجهات والولايات القضائية بحاجة إلى أن تبدأ في اتصال نشط مع بعضها البعض منذ انتهاء مرحلة التحقيق؛ حيث يتم تحديد مكان الأموال المنهوبة، مع تجميع الأدلة الخاصة بملكية هذه الأصول والأموال؛ بغية السماح بإصدار أمر حجز ومصادرة بشأنها(34).
وكما ذكرنا سابقا؛ فإن تحديد موقع الأموال المنهوبة تعد من أكبر العقبات التي تواجه مسألة الاسترداد، حتى وإن تم تحديد موقعها؛ فإن استردادها تعترضه مجموعة من العوائق والعقبات الفنية والتقنية والتي يتضمنها النظام المالي ذاته(35).
وهذا ما حصل بشأن استرداد الأموال والأصول المصرية في الخارج، فعدم وجود تحديد دقيق لحجم الأموال المهربة للخارج، فضلا عن عدم توافر آلية فعالة لتحديد مكان هذه الأموال بالدول الأجنبية إضافة إلى توقف المساعدة الأجنبية والدولية في استرداد الأموال المهربة على موقف الدولة محل هذه الأموال. كل هذه العوامل (وغيرها) أدت إلى فشل الجهود الرسمية في استعادة الأموال المصرية من الخارج(36).
وتبقى الإرادة السياسية الداعم والمعزز الأكبر لنجاح عملية استرداد الأموال المنهوبة(37)؛ لأن استرجاع الأموال قائم على توافر وسائل التواصل بين السلطات المعنية كافة والتنسيق بين جهات الولاية القضائية والجهة المعنية التي ارتكبت فيها الجرائم الجنائية، وبين نظرائها حيث يمكن العثور على أدلة وشواهد(38)، وهذا التواصل لا يمكن أن يتم دون وجود مفاوضات ومباحثات مسبقة بين الأطراف المعنية؛ لأن العملية برمتها بدون وجود جهود متبادلة مثمرة؛ ستكون مجرد مساع مطلة على المجهول؛ خاصة لناحية صياغة طلبات المساعدة القانونية أو اختيار أسلوب معين لتقديم الطلب.
تعد السرية المصرفية من أكثر المسائل الفنية المعقدة التي تواجه مبدأ التعاون القائم قانونا بين الدول في مجال استرداد الأموال المتحصلة من جرائم الفساد؛ فالسرية المصرفية عامل مساعد في انتشار جرائم غسل الأموال، مثل الاتجار بالمخدرات أو أي نشاط آخر يدر أرباحا غير مشروعة(39).
ويؤخذ على الاتفاقية الأممية لمكافحة الفساد أنها لم تنص على حالة ضرورة الخروج بصورة فورية عن القواعد السرية إذا ما كانت هنالك دلائل أو إشارات أو إمارات تشير إلى أن مصير تلك الأموال سوف يؤول لتمويل بعض الجرائم الناتجة عن أفعال الفساد(40).
والحقيقة أن الجهود الدولية لتعزيز الشفافية في هذا المجال الفني الدقيق تعوقها عقبات عملية وقانونية، منها عدم وجود اتفاق دولي شامل يتعلق بالفساد وغسل الأموال، في ظل سرعة انتقال الأموال بطرق وأساليب تجعل المعاملات الإلكترونية مجهولة الهوية والمصدر، ويمكن أن يكون تعقبها أمرا في غاية الصعوبة(41).
وحتى في حالة توافر تبليغات عن تدفقات مالية قادمة من مصدر غير مشروع؛ فقد تظهر عقبات قانونية أخرى في مراحل لاحقة وتحديدا في سياق المساعدة القانونية المتبادلة بشأن مسائل جنائية بين الولاية القضائية الأصلية والولاية القضائية المتلقية لطلب استرداد الأموال المنهوبة، ففي كثير من القضايا؛ أخفقت مرحلة التعقب بسبب الشروط الصارمة التي تفرضها الولايات القضائية للدول المتلقية للطلب في مرحلة تكون فيها الولاية القضائية للدولة الطالبة في موقف ضعيف لا تتمكن معها من جمع الأدلة، ومن الأمثلة على ذلك مطالبة الدولة ذات الولاية القضائية الأصلية بتقديمها دليلا كاملا يثبت الصلة الدقيقة بين الموجودات والجريمة، مثل تبيان أسماء أصحاب الحساب في البنوك، أو تحديد الموجودات بدقة(42).
والواقع أن التنسيق الداخلي والدولي هو أساس العمل المثمر لاسترداد الأموال المنهوبة، فليس من مصلحة أي دولة سواء طرف في الاتفاقية الأممية أم ليست كذلك، اتخاذ أي إجراء أحادي الجانب بشكل يؤثر على جمع الأدلة، أو التحقيقات، أو المحاكمة، أو إصدار أحكام قضائية بشأن قضية استرداد أموال، لا سيما عندما تحتاج البلدان إلى إصدار أو إنجاز طلبات خاصة بالمساعدة القانونية المتبادلة(43).
فرغم قلة التجارب الناجحة في استرداد الأموال، وهي تجارب استغرقت وقتا غير قليل لاسترجاع جزء من الأموال المنهوبة، إلا أنها أفرزت قدرا من الخبرات العملية؛ التي ينبغي البناء عليها والاستفادة منها، والأهم من ذلك استيعاب الحقيقة التي لا يمكن إنكارها؛ وهي إن ممارسة الدول المتلقية للأموال في عملية استرداد الأموال المنهوبة، ينبغي ألا يرتبط فقط بوجود تلك الأموال في إقليمها وضمن ولايتها القانونية، بل إن المسألة بالمنطق القانوني السليم ترتبط بالمحافظة على حقوق الإنسان في كل الأوقات وضمن أي اختلاف في الظروف؛ لأن أفراد شعب الدولة في بداية المطاف ونهايته هم من يتحملون تبعات الفساد، بغض النظر عن قدرات هيئات الدولة ومؤسساتها وسلطاتها ومواردها ورغبتها وإمكاناتها(44).
تنقسم هيئات الدولة القطرية ومؤسساتها المعززة والمساندة لعملية استرداد الأموال العامة المنهوبة إلى ثلاث هيئات رئيسة، نتناول كل واحدة منها بالتفصيل الآتي:
أولا: هيئة الرقابة الإدارية والشفافية:
في ضوء سعي دولة قطر لترسيخ حكم القانون وتوسيع مداه، ومن منطلق التزامها بما تضمنته اتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الفساد، لا سيما الفصل الثاني منها، المعنون بـ: "التدابير الوقائية لمكافحة الفساد"، وتحديدا في الفقرة (1) من المادة رقم (6) من الاتفاقية، التي تضمنت بأن تكفل كل دولة طرف، وجود هيئة أو هيئات ـــ حسب الاقتضاء ـــ تتولى منع الفساد. فبناء على ذلك كله، تم إنشاء هيئة الرقابة الإدارية والشفافية بالقرار الأميري رقم (75) لسنة 2011، ومنحها الشخصية المعنوية (الاعتبارية)، وموازنة خاصة بها تلحق بالموازنة العامة للدولة.
كما تم إعادة تنظيم الهيئة، لمواكبة التطورات في مجال الرقابة الإدارية والشفافية، بالقرار الأميري رقم (6) لسنة 2015. وقد شملت إعادة التنظيم خاصة الإشارة الصريحة في ديباجة القرار وفي مواده إلى اتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الفساد.
وبموجب المادة (5) من القرار الأميري رقم (6) لسنة 2015 بإعادة تنظيم الهيئة العامة للرقابة الإدارية والشفافية المعدلة بموجب القرار الأميري رقم 1/2020؛ فإن الهيئة تهدف إلى تحقيق أعلى مؤشرات النزاهة والشفافية في مجالات العمل الحكومي، والعمل على مكافحة الفساد بمختلف صوره وأشكاله كافة. وبشأن استراد الأموال العامة المنهوبة، تسعى للعمل على تنفيذ الالتزامات المترتبة على الدولة الناتجة عن تصديقها على الاتفاقية، وتحقيق فعالية ذلك بالوسائل الواردة في المادة (6/1) من الاتفاقية، وكذلك بناء جسور التعاون مع المنظمات والهيئات والجمعيات الإقليمية والدولية المعنية بمكافحة الفساد، وتبادل المعلومات المعرفية والمشاركة في المؤتمرات والاجتماعات واللقاءات التي تعقد بخصوص هذا الموضوع.
وتجدر الإشارة إلى أن النيابة العامة ـــ كما سنرى ـــ تندرج ضمن الأجهزة العلاجية لظاهرة الفساد، من حيث إنها تحقق في أعمال الفساد وتحيلها إلى القضاء لتوقيع العقوبات المناسبة على مرتكبيها، وذلك على عكس هيئة الرقابة الإدارية والشفافية التي تعد من الهيئات الوقائية الهادفة إلى إعلاء قيم النزاهة والشفافية وجعلها أولوية في سياسات الدولة، وهو الأمر الواضح من خلال اختصاصات الهيئة ومهامها كافة الواردة في المادة (5) من القرار الأميري رقم (6) لسنة 2015 المعدلة بموجب القرار الأميري رقم 1/2020.
ومن أجل تطوير عمل هيئة الرقابة الإدارية والشفافية في استرداد الأموال المنهوبة ومكافحة جرائم الفساد المالي نقترح ما يلي:
أولا: منح صفة الضبط القضائي لموظفي الهيئة بشأن ما يقومون به من أعمال تتعلق بتنفيذ مهامهم، وبما يخولهم الأمر من صلاحيات جمع الاستدلال والتحريات وأخذ الإفادات، على أن يتم تحديد ذلك صراحة بموجب تعديل في القرار الأميري رقم (6) لسنة 2015 الخاص بإعادة تنظيم هيئة الرقابة الإدارية والشفافية.
ثانيا: توسيع صلاحيات الهيئة ومهامها بشأن استرداد الأموال العامة المنهوبة، من ذلك مثلا أن يتم تخويل الهيئة مهمة التنسيق مع الجهات المختصة لتعقب وضبط وحجز واسترداد الأموال والعائدات المتحصلة من جرائم الفساد دون الإخلال بصلاحية المحكمة المختصة بإصدار قرار المصادرة.
ثالثا: إعطاء الهيئة حق تحريك الدعاوى الخاصة بجرائم الفساد المنصوص عليها في اتفاقية الأمم المتحدة، وتخويلها حق مباشرة التحريات والتحقيقات اللازمة لمتابعة أي قضية من قضايا الفساد من تلقاء نفسها خاصة بشأن استرداد الأموال العامة المنهوبة، كل ذلك بما يكفل تحقيق سياسات اتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الفساد والإشراف على تنفيذها وفقا لما نصت عليه الاتفاقية في الفقرة (أ) من المادة (6) منها.
كذلك نقترح ـــ إسوة ببعض التشريعات(45)، وانسجاما مع نص المادة (29) من اتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الفساد ـــ أن يتم النص بعدم خضوع قضايا جرائم الفساد للتقادم، وهذا يعني في مجال بحثنا ألا تسقط بالتقادم ليس فقط الدعاوى والعقوبات المتعلقة بجرائم الفساد، بل أيضا دعاوى استرداد الأموال العامة المنهوبة والتعويضات المتعلقة بها.
ثانيا: ديوان المحاسبة:
تأسس ديوان المحاسبة لأول مرة عام 1973م بموجب القانون رقم (5) لسنة 1973؛ بهدف تحقيق الرقابة على أموال الجهات الخاضعة لرقابته، وهو هيئة تتمتع بالشخصية المعنوية (الاعتبارية)، ويتبع سمو الأمير مباشرة. وفي عام 1995 صدر القانون رقم (4) بشأن ديوان المحاسبة، وتم منح الديوان الاستقلالين المالي والإداري عن أجهزة الدولة كافة، وهو الأمر الذي شكل نقلة نوعية في تاريخ الديوان، وساهم في تطوير عمله وتعزيز مكانته، وفي إطار مواكبة التطورات في المجال الرقابي صدر القانون رقم (3) لسنة 2003 لتعديل أحكام الرقابة السابقة (القبلية) للديوان على الجهات الخاضعة لرقابته.
وفي عام 2016م، صدر القانون رقم (11) لسنة 2016، بشأن ديوان المحاسبة (القانون المعمول به حاليا) وهو تشريع ساهم في تعزيز آليات التدقيق والرقابة على المال العام، ومن أجل ضمان الاستغلال الأمثل للموارد والحفاظ على المال العام، تم منح الديوان أعلى درجات الاستقلالية في ممارسة اختصاصاته ومهامه، وبعد صدور هذا القانون، قام الديوان بإعادة هيكلة شاملة، ووضع خطة استراتيجية ضمن أحدث الممارسات والمعايير الدولية في مجال الرقابة على المال العام.
ووفقا لنص المادة (3) من قانون رقم (11) لسنة 2016 بشأن ديوان المحاسبة؛ فإن الديوان يهدف إلى تحقيق الرقابة على أموال الدولة، وعلى أموال الجهات الأخرى الخاضعة لرقابته، ويهدف بوجه خاص إلى المحافظة على المال العام، والتحقق من صحة البيانات المالية، والمساهمة في تحسين استخدام موارد الدولة لتحقيق التنمية المستدامة ورفاهية المجتمع، وكذلك المساهمة في الارتقاء بمبادئ المحاسبة والشفافية لدى الجهات الخاضعة لرقابة الديوان.
وما يهمنا في هذا الصدد أن الديوان يتولى ـــ في مجالي الرقابة المالية ورقابة الالتزام ـــ تدقيق وفحص ومراجعة الحسابات والأعمال المالية للجهات الخاضعة لرقابته، وعلى وجه الخصوص ما يتعلق بمهام تؤثر وتتأثر بعملية استرداد الأموال العامة المنهوبة، وهي بشكل خاص: التحقق من كفاية أحكام القوانين واللوائح والأنظمة المالية والمحاسبية، وتحديد أوجه النقص والقصور فيها، واقتراح سبل ووسائل معالجتها، وكذلك الكشف عن الاختلاس والإهمال والمخالفات المالية، وبحث أسباب القصور في تطبيق أنظمة الرقابة المالية الداخلية، واقتراح وسائل علاجها(46).
وعلى الرغم من أهمية الاختصاصات الممنوحة للديوان ودورها في المحافظة على المال العام وبالتالي تحقيق الحوكمة المالية، إلا أنها تبقى اختصاصات ذات أثر محدود في استرداد الأموال العامة المنهوبة، والسبب في ذلك أن الآليات والإجراءات العملية الفعالة لتطوير الرقابة والحماية المالية لا بد أن تترجم بشكل فعلي وضمن إطار قانوني محدد؛ لكي يتم تحقيق عملية استرداد الأموال العامة المنهوبة لأهدافها.
نظم القانون رقم (10) لسنة 2002 النيابة العامة، وجاء في المادة الأولى منه النص على إنشاء هيئة قضائية مستقلة اسمها: النيابة العامة تلحق موازنتها بالموازنة العامة للدولة، وتتألف من نائب عام يكون رئيسا لها، يعاونه محام عام أول أو أكثر وعدد كاف من أعضاء النيابة. ويحل أقدم المحامين العامين الأول محل النائب العام في جميع اختصاصاته عند غياب الأخير أو خلو منصبه. ووفقا لترتيب وظائف أعضاء النيابة العامة؛ فإن النائب العام هو الأصيل المكلف بمباشرة الدعوى الجنائية (العمومية)، وسائر أعضاء النيابة العامة ليسوا سوى نوابا عنه يباشرون الدعوى باسمه ويستمدون سلطاتهم منه.
وعليه؛ إذا أمر النائب العام بعدم تحريك الدعوى الجنائية أو عدم استئناف حكم وخالف أحد الأعضاء هذا المنع؛ فإن الدعوى الجنائية لا تكون مقبولة أمام القضاء كما لا يقبل الطعن بالاستئناف. مع العلم أن أعضاء النيابة لا يستمدون سلطتهم من النائب العام إلا فيما يتعلق بسلطة النيابة الأصلية، أي سلطة الاتهام. أما فيما يتعلق بسلطة التحقيق في الجرائم المخولة لهم؛ فإنها سلطة قضائية محضة، وبالتالي غير مستمدة من النائب العام، بل من القانون ذاته.
وحيث إن النيابة العامة هي التي تقدر المصلحة العامة في توجيه الاتهام من عدمه؛ وفقا للمعطيات والملابسات المحيطة بارتكاب الجريمة وبمرتكبها، وبعد موازنة بين مصالح ومضار تحريكها ورفعها، لا سيما أن المشرع عادة لا يحدد أسباب الأمر بألا وجه لإقامة الدعوى، كما جاء في المادة (146) من قانون الإجراءات الجنائية القطري(47).
وهنا ينبغي التشديد على أن دور النيابة العامة في مكافحة الفساد واسترداد الأموال العامة المنهوبة؛ يجب أن ينطلق من تمكين هذه المؤسسة القضائية من ملاحقة جرائم الفساد وتوسيع صلاحياتها في هذا المجال، وإذا كان الأمر يستلزم إنشاء مؤسسات متخصصة في مجال تقني ومعقد (كتعقب الأموال العامة المنهوبة)؛ فإنه يفضل أن تكون هذه المؤسسات مندمجة في الأجهزة القضائية العادية، كمكتب أو دائرة تحقيق مختص في النيابات العامة، بدلا من تشكيل لجان خارجة عن هذه الأجهزة كليا وخاضعة لنظم قانونية أخرى، وتوجهات أخرى(48).
ولغايات تحقيق مطلب الاستجابة الدائمة إلى طلبات الاسترداد المقدمة من الدول المختلفة ضمن أفضل الممارسات المثلى الدولية؛ فإنه لا بد من الارتقاء بالجانب الفني لأعضاء النيابة العامة والنهوض به وتطويره، من خلال مواكبة مستجدات منظومة العمل القضائي في مجال استرداد الأموال المتأتية من الجرائم، وهو ما يساهم في الحد من عمليات نقل الأموال وتهريبها.
وبغية أن يكون بحثنا أكثر واقعية، لا سيما من حيث تفعيل دور الهيئات السابقة في هذا المجال الشائك والمتشعب، وكذلك تقديم بعض الحلول لمعالجة المعوقات التي تواجه عملية استرداد الأموال العامة المنهوبة والتي بيناها سابقا، نورد - في هذا الموضع - بعض المحددات القانونية والإرشادات التطبيقية من جوانب قانونية وإجرائية محددة، لناحية تعزيز الدورين الواقعي والزاجر (الرادع) في استرداد الأموال العامة المنهوبة:
فالإشكالية ليست في عدم وجود مؤسسة تتابع موضع المال المنهوب من الدولة وتسترجعه، أو افتقاد الدولة لهذا الإطار المؤسسي، بل إن الإشكالية الحقيقية تكمن في عدم إدارة هذه المؤسسات في حال وجودها بشكل ينسجم مع مبادئ الحوكمة والإدارة الرشيدة، وبالتالي تسييرها وفق مسار نزيه وشفاف وفعال، يمنع ابتداء سلب المال العام والاستيلاء عليه(49).
وليس ما نستهل به من أفكار نريد بها تعقيد عملية استرداد الأموال العامة المنهوبة بشكل يؤدي إلى الفوضى أكثر ما يؤدي إلى تحقيق الفائدتين العملية والقانونية، بل الغاية هي حماية المصالح المتشابكة الداخلة ضمن تفاصيل هذه العملية المعقدة، بشيء من العدالة النسبية والفهم الواعي والسليم للمصالح المتعارضة لبلدان الولايات القضائية المختلفة.
وهكذا وفي ضوء المدى الذي يسمح فيه بالمشاركة في تبادل المعلومات، ينبغي أن يتحدد المدى الذي يعد معه هذا العنصر أحد العناصر المؤثرة في عملية استرداد الأموال العامة المنهوبة.
ولغرض تجاوز هذه العقبة، يستلزم من الولايات القضائية ألا تربط تقديم المساعدة القانونية المتبادلة مع شرط توجيه الاتهامات الجنائية، ويمكن في مثل هكذا حالات، أن يطلب من الولايات القضائية مقدمة الطلب إبداء ما يسوغ بأن اتهامات وإجراءات جنائية سوف توجه، وينبغي إيلاء الموضوع أهمية. مع الأخذ بعين الاعتبار التفريق بين التجميد المؤقت وطلب التجريد من أصول، وهو إجراء يتسم بالاستدامة، ويتطلب إخطار حائز الأموال في معظم بلدان الولايات القضائية.
وفي كل الأحوال، يمكن تبني آليات تسمح بالتجميد السريع للأصول، وذلك بالسماح لوحدة التحريات المالية أو غيرها من السلطات المختصة بفرض تجميد إداري مؤقت بمدة محددة، أو بالسماح لقاضي التحقيق أو وكيل النيابة بفرض تجميد إذا كان هناك مبرر للاعتقاد بأن أمرا بالمصادرة قد يصدر في النهاية(54).
وأخيرا وليس آخرا، وبما إن نجاح عملية استرجاع الأموال المنهوبة يستلزم إعادتها إلى صاحبها الأصلي وفق الأحكام الواردة في اتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الفساد؛ فإن الضرورة العلمية توجب التطرق لهذه المسألة بشكل محدد ومختصر.
فالهدف المأمول لم يكتب له النجاح في الاتفاقية الأممية لمكافحة الفساد، وهو إعادة الأموال المنهوبة إلى البلد التي تم فيها ارتكاب الجرم الأصلي؛ إذ يلاحظ أثناء الأعمال التحضيرية لإبرام هذه الاتفاقية أنه تم حذف عبارة: "إعادة الأموال المنهوبة إلى بلدان الأصل" من مادتها الأولى، وتم الاستعاضة عنها في المادة (57) بالنص بأن ما تصادره دولة طرف في الاتفاقية من أموال يمكن يتصرف فيها بعدة طرق؛ منها إرجاع هذه الدولة الطرف تلك الأموال، إلى مالكيها الشرعيين السابقين، وفقا لأحكام هذه الاتفاقية والقانون الداخلي لهذه الدولة.
وهذا يدل على أن إعادة الأموال المنهوبة إلى أصحابها ليس هو الطريق الوحيد، بل من الممكن أن يكون هناك طرق وأوجه تصرف أخرى؛ بحيث أصبح للدول الأطراف في الاتفاقية حرية التصرف في تلك الموجودات المصادرة، وليست ملزمة بإعادتها إلى الدولة التي نهبت منها.
فالملاحظ في هذا الخصوص أن عبارة مالكيها الشرعيين قد جاءت بدلا من عبارة بلدان الأصل، والتي كانت موضوعة في الأعمال التحضيرية لاتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الفساد(55)، خاصة أن أوجه التصرف التي جاءت ضمن اختيار تستطيع الدولة تحديده من عدة اختيارات، وهو إعادتها إلى مالكيها الشرعيين السابقين لا يحقق الهدف المقصود من الإعادة إلى المالكين الأصليين؛ أصحاب الحق قانونا، لا سيما أن عبارة "مالكيها الشرعيين السابقين"، قد تتسبب في نشوب نزاعات بين العديد من الأطراف بشأن أي منهم هو المالك الشرعي لتلك الممتلكات، نظرا لما تتضمنه هذه العبارة من تشويش وغموض وارتباك(56).
ولكن ما الحكم القانوني الواجب التطبيق في حال امتناع الدولة التي لديها الأموال المتحصلة عن جرائم الفساد عن تسليمها للدولة المطالبة بها؟
الجواب على ذلك ورد بنص صريح في المادة (66/ 2) من اتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الفساد والتي جاء فيها بعد السعي لتسوية النزاع عن طريق التفاوض بأنه:
"يعرض أي نزاع ينشأ بين دولتين أو أكثر من الدول الأطراف بشأن تفسير هذه الاتفاقية أو تطبيقها، وتتعذر تسويته عن طريق التفاوض في غضون فترة زمنية معقولة، على التحكيم بناء على طلب إحدى تلك الدول الأطراف. وإذا لم تتمكن تلك الدول الأطراف، بعد ستة أشهر من تاريخ طلب التحكيم، من الاتفاق على تنظيم التحكيم، جاز لأي من تلك الدول الأطراف أن تحيل النزاع إلى محكمة العدل الدولية بطلب يقدم وفقا للنظام الأساسي للمحكمة".
وفي هذا الخصوص، وبموجب المرسوم الأميري رقم (17) لسنة 2007؛ فإن دولة قطر صادقت رسميا على الاتفاقية الأممية لمكافحة الفساد، وأصبحت لها قوة (مرتبة) القانون وفقا للمادة (68) من الدستور الدائم لدولة قطر؛ إلا إنه تم التحفظ على أحكام الفقرة (2) من المادة (66) من الاتفاقية، المتعلقة بالتحكيم وإحالة النزاع إلى محكمة العدل الدولية(57). وهو موقف العديد من الدول مثل: سلطنة عمان(58)، والكويت(59)، والبحرين(60) وغيرها من الدول العربية، والتي أبدت تحفظها كنتيجة طبيعية لما أتاحته الاتفاقية ذاتها للدول الأعضاء في الفقرة الثالثة من ذات المادة(61).
ويأتي هذا التحفظ تطبيقا لمبدأ الحصانة القضائية للدولة وهو من المبادئ المستقرة والمعترف بها في القانون الدولي والذي يؤسس على مبدأ السيادة والاستقلال الذي تتمتع به الدولة في مواجهة القضاء التابع للدول الأخرى؛ بحيث تكون التصرفات التي تباشرها الدولة وأشخاص القانون العام المعنوية (الاعتبارية) والتي تتأكد صلتها الوثيقة بالأعمال السيادية للدولة هي وحدها التي يمكن التمسك بشأنها باعتبارات الحصانة القضائية والتي تحول دون عقد الاختصاص بمنازعاتها لغير القضاء الوطني.
على أية حال، لا يسعنا سوى القول في نهاية البحث: إنه ينبغي على المسؤولين المختصين بتنفيذ عملية استرداد الأموال العامة المنهوبة أن يدركوا إدراكا تاما أن تفعيل وانتهاج أسلوب المساعدات القانونية بين الدول غير الرسمية سيكون في كثير من الحالات أفضل من اللجوء للطرق التقليدية، التي لا يمكن استغلال الإمكانات فيها من أجل تعقب الأموال المنهوبة، وجمع التحريات، وتحديد البينات، والوصول إلى أدلة بشأنها، وبالتالي إعادتها إلى مالكيها الشرعيين(62).
لقد تناولنا في هذا البحث أبرز الإشكالات الناتجة عن فعالية الإطار القانوني والمؤسسي وقدرته على استرداد الأموال العامة المنهوبة، وذلك على المستويين الدولي والداخلي، مع التركيز على دور الهيئات العامة القطرية في تسهيل هذه العملية المعقدة؛ لعل في ذلك ما يلقي مزيدا من الضوء على آلية عملها والوقوف مليا أمام اختصاصاتها ومهامها القانونية والعملية، مع إدراكنا المسبق بأن الخوض في مجال تقييم عملية استرداد الأموال العامة المنهوبة، تعد مغامرة علمية، نظرا لكثرة الإشكالات المحيطة بهذا المجال، وإحاطة حلول هذه الإشكالات بالتساؤلات المحيرة والشكوك الغامضة.
وعليه، نبين أهم النتائج التي توصل إليها البحث، في النقاط الآتية:
أولا: تعد مشكلة سرقة الأموال العامة مشكلة إنمائية بالدرجة الأولى، تتعدى خطورة استرجاعها وتتجاوز التكلفة الحقيقية للفساد، بما يؤدي إلى تراجع فعالية الهيئات العامة وعدم الثقة بها، وخاصة المنخرطة في إدارة الأموال العامة وحوكمة القطاع المالي؛ لذلك فإن النهج الذي يفترض اتباعه حيال عملية استرداد الأموال المنهوبة يقتضي أن تدرك البلدان المتلقية للأموال المتأتية من جرائم الفساد أن إعادة الأموال المنهوبة ليست تدبيرا استثنائيا، بل هو بدون شك التزاما أساسيا وجوهريا ينبع من التزاماتها الدولية بتقديم أقصى درجات العون والدعم والمساعدة لغايات تحقيق الهدف المنشود ضمن آفاق مبادئ النزاهة والشفافية والمساءلة.
ثانيا: لعله من الواضح أن كثرة العوائق والعقبات التي أشرنا إليها سابقا، ناتجة بالدرجة الأساسية أولا عن غياب التنسيق بين المؤسسات والإدارات الوطنية المختلفة المكلفة بإنفاذ حكم القانون ومكافحة الفساد، وثانيا عدم تطبيق أو تفعيل قواعد وأحكام استرداد الأموال المنهوبة الواردة في الاتفاقية الأممية لمكافحة الفساد.
ثالثا: رغم أن القانون الدولي قد وفق في ترتيب أحكام المادة (54) من اتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الفساد، من خلال دعوته الدول الأطراف لاتخاذ تدابير تمكن سلطاتها بتجميد الممتلكات أو حجزها، بناء على طلب يوفر أساسا معقولا، كما تم توضيحه سابقا، وذلك من أجل تجاوز السلبيات المرافقة لاشتراط صدور حكم قضائي أو أمر داخلي للقيام بالتجميد أو الحجز، إلا أن التجارب أثبتت وجود اختلاف في الأنظمة القانونية للدول المختلفة فيما يتعلق بالحصول على الأوامر والقرارات الخاصة بالتجميد والمصادرة.
رابعا: يمكن أن نلاحظ من خلال عرض دور الهيئات العامة القطرية في استرداد الأموال العامة المنهوبة، أن الأطر المؤسسية لهذه الهيئات تفتقر إلى الوحدة، ويعوزها الانسجام بين الاختصاصات المختلفة والمحددة لتنفيذ مهام استرداد الأموال العامة المنهوبة، والأهم ـــ وهذا ليس مقتصرا على مشرع بعينه ـــ أن التنسيق بين مختلف الهيئات قد يصعب تحقيقه؛ ما دام أن ترتيب إجراءات عملية الاسترجاع من بدايتها لنهايتها؛ ليست منظمة قانونا من مرحلة إلى مرحلة أخرى؛ أي مثلا من مرحلة جمع الاستدلالات أو المعلومات إلى مرحلة تدقيق البيانات المالية لمرحلة تفعيل التعاون الدولي وهكذا على التوالي.
وقد يساند هذا الاستنتاج، أنه ليس بشرط أن وجود عدد متنوع من الهيئات أو المؤسسات الحكومية المجتمعة حول ذات الهدف أن يكتب حتما لمهمتها النجاح؛ فقد يكون لمساع غير حكومية تنطلق من دوافع نبيلة نحو ترسيخ حكم القانون والمحافظة على المال العام ومكافحة الفساد، خيرا من تظافر غير منظم أو غير مدروس لفريق كبير من الموظفين في هيئات حكومية متعددة مندرجة تحت مسميات وهياكل مختلفة.
وفي ضوء هذه النتائج، ومن أجل اقتراح بعض الحلول النظرية والعملية بشأن الإشكالات التي تم طرحها في مقدمة هذا البحث، نوصي بما يلي:
أولا: تكثيف الجهود القانونية والعملية نحو التمكن من النفاذ إلى الأنظمة القانونية للدول التي توجد بها الأموال العامة المنهوبة؛ من خلال اعتماد إجراءات سريعة ومؤقتة في الوقت المناسب لتجميد الموجودات أو تقييدها في الدول المتلقية لطلبات الاسترداد، وهو ما يتطلب ضرورة اتباع تدابير وطرق غير تقليدية لاسترداد الأموال المنهوبة، من أجل بناء قدرات خاصة تستطيع الوصول إلى وسائل متطورة تحاكي معطيات الواقع، من ذلك مثلا: قيام الدولة بإصدار خطط استرشادية تبسط من خلالها آليات استرداد الأموال المنهوبة لديها، كونها عملية تقنية قانونية بحتة فيها الكثير من الآليات التفصيلية، وهذا الأمر يسهل على المختصين، والجهات المعنية تنفيذ أدوارهم المختلفة، خاصة على صعيد التعاون الدولي.
ثانيا: بلورة إطار قانوني منظم، تكون معالمه واضحة ومعزز بالآليات الفعالة والإجراءات المناسبة من أجل تحقيق التنسيق والتعاون والتوازن بين ديوان المحاسبة القطري بوصفه جهاز الرقابة العليا للمال العام وبين بقية الهيئات والمؤسسات الحكومية الأخرى المشاركة في تحقيق هدف المحافظة على المال العام واسترداد الأموال العامة المنهوبة، بحيث تتكامل الأدوار الوقائية مع الأدوار الزاجرة والرادعة بما يؤدي إلى نجاح عملية استرداد الأموال العامة المنهوبة وضمان فعاليتها في مكافحة الفساد، وهذا الاقتراح يستلزم بالتبعية إيجاد مرجعية حكومية عليا؛ سواء لجنة دائمة أو مجلس أعلى مختص بتحقيق آفاق التعاون المنشود، وكذلك اختصاصه بحل الخلاف في الرأي في حال وقوعه.
ثالثا: عقد دورات متخصصة لتدريب كوادر وطنية حول مشاكل استرداد الأموال المنهوبة، والتعرف على الممارسات الفضلى في هذا المجال. وقد يكون من المفيد إنشاء لجنة دائمة أو مركز حكومي مختص فقط بمهمة استرداد الأموال العامة المنهوبة، وهكذا سيتم توحيد جهود الهيئات والمؤسسات العامة المتفرقة، ومواجهة الصعوبات المتعددة، مع ضرورة تحديد اختصاصاتها ومهامها والضوابط المنظمة لعملها بصورة واضحة وأكثر شمولية.
أولا: الكتب:
ثانيا: الأبحاث والمقالات:
https://jlaw.journals.ekb.eg/article_206944_297e8526d8108dd3ffe9509e20315188.pdf
ثالثا منشورات المؤسسات:
https://www.unodc.org/documents/treaties/UNCAC/Publications/Travaux/Travaux_Preparatoires_-_UNCAC_A.pdf
https://learn.baselgovernance.org/pluginfile.php/2564/mod_resource/content/1/cso_guide_AR.pdf
رابعا: القوانين والاتفاقيات الدولية:
خامسا: المراجع الأجنبية:
الدكتور بهاء الدين مسعود خويرة أستاذ القانون العام المشارك في كلية القانون، جامعة لوسيل، دولة قطر. تتركز اهتماماته البحثية في قانون مكافحة الفساد، والقانون العام، والقانون المقارن، والآليات القانونية لاسترداد الأموال العامة المنهوبة.
المشاهدات
التحميلات
الاستشهادات
المؤلفون
إصدار
السنة