خلت القوانين المدنية العربية - ما عدا القانونين الموريتاني والسعودي - من أي إشارة لتنظيم المرحلة السابقة على التعاقد وما يترتب عليها من التزامات متبادلة بين أطراف التفاوض، وأخصها الالتزام بالإعلام والسرية في ظل عدم سريان مبدأ حسن على مرحلة التفاوض واقتصاره على مرحلة التنفيذ.
وفي المقابل، جاءت الاتجاهات القانونية الحديثة، كتعديلات المشرع الفرنسي للقانون المدني في عام 2016 وما سبقها من مبادئ (اليونيدروا) المتعلقة بعقود التجارة الدولية؛ لتحقق طفرة تشريعية واسعة في تنظيم مرحلة التفاوض، من خلال سريان مبدأ حسن النية على كافة المراحل (التفاوض – الإبرام - التنفيذ) وما ينتج عنها من آثار، مع اعتبار النص قاعدة آمرة بعدم الجواز على الاتفاق على مخالفتها.
وفي ظل كلا الاتجاهين - سواء على مستوى القوانين العربية أو على مستوى الاتجاهات القانونية الحديثة - جاءت الدراسة لتقف على مدى حاجة القوانين العربية لتعالج هذا الفراغ التشريعي المتعلق بغياب تنظيم مرحلة التفاوض؛ حيث يتبين أن هناك أثراً اقتصادياً لوجود نصوص تنظم المرحلة السابقة على التعاقد وخصوصاً على مستوى عقود التجارة الدولية، كما أن الأثر الاقتصادي يستتبعه أثر ثان يتمثل في الأثر القانوني لتنظيم المفاوضات من خلال توفير الأمان التعاقدي لكافة الأطراف، وهو ما يساهم تالياً في حماية المراكز القانونية واستقرارها؛ ليحقق التوازن العقدي ويحيط كافة مراحل العقد بسياج من الوقاية والحماية.
وخلصت الدراسة، إلى حاجة القوانين العربية المدنية - ما عدا القانونين السعودي والموريتاني - لتبني نص خاص ينظم المرحلة السابقة على التعاقد بمبدأ حسن النية، على أن يتضمن النص قاعدة آمرة بعدم الجواز على الاتفاق على مخالفتها، وذلك على غرار ما أخذ به القانون المدني الفرنسي بنص المادة 1104 في تعديلاته الحديثة، والتي تنص على أنه: "يجب التفاوض على العقود وإبرامها وتنفيذها بحسن نية. يعتبر هذا الحكم من النظام العام".
شهدت السنوات الأخيرة العديد من التطورات التشريعية في العديد من الدول في تنظيم المرحلة السابقة على التعاقد، من خلال نصوص قانونية صريحة تنظم مرحلة التفاوض بين كافة الأطراف من خلال إعمال مبدأ حسن النية على مستوى المفاوضات، وعدم الاكتفاء بسريان مبدأ حسن في مرحلة تنفيذ العقد كما هو معمول به في العديد من تشريعات القانون اللاتيني، ومنها القوانين العربية ما عدا القانونين السعودي والموريتاني.
ومن خلال هذه الدراسة، يتناول الباحث في إطار تحليلي مقارن وفي ضوء ما توصل إليه الفقه وأحكام القضاء، مدى الأثر القانوني الذي تشكله حاجة القوانين العربية - ما عدا القانونين السعودي والموريتاني – إلى تنظيم قانوني ينظم عمل مرحلة التفاوض، وهي المرحلة السابقة على التعاقد والتي تشهد مناقشات ومراسلات وتبادل للمنافع المعرفية والأسرار التجارية؛ خصوصا على مستوى عقود التجارة الدولية ذات الأهمية الاقتصادية.
ولذلك، تتناول الدراسة ابتداء من خلال المبحث الأول التنظيم القانوني لمرحلة التفاوض على العقد بالوقوف على مفهوم وأحكام التفاوض على العقد؛ متضمنا دراسة مبدأ حسن النية كمبدأ أساسي يحكم علاقة أطراف التفاوض، علاوة على المسؤولية القانونية التي تترتب على جزاء الإخلال من أحد الطرفين في مرحلة المفاوضات.
ونظرا للحاجة لمعرفة الاتجاهات القانونية الحديثة للمفاوضات التمهيدية، تتناول الدراسة التعديلات الحديثة للمشرع الفرنسي في تنظيمه لأول مرة لمرحلة التفاوض على العقد، والالتزامات التي رتبها وأخصها الالتزام بواجب الإعلام والالتزام بالسرية، ومن ضمن الاتجاهات القانونية الحديثة ما توصلت إليه مبادئ ((اليونيدروا)) الدولية الصادرة عام 2010، ونظام المعاملات المدنية السعودي الصادر عام 2023.
وفي ظل تلك الاتجاهات القانونية، تحاول الدارسة تناول مدى الأثرين الاقتصادي والقانوني لتنظيم مرحلة التفاوض على العقد ومدى حاجة القوانين العربية لتعديلات تشريعية تنظم المرحلة السابقة على التعاقد في ظل ما تعانيه من فراغ تشريعي من خلال اقتصارها لمبدأ حسن النية على مرحلة تنفيذ العقد.
أهمية البحث:
تنبع أهمية موضوع المرحلة السابقة على التعاقد من خلال كونها الانطلاقة الحقيقية التي تجسد إرادة الأطراف بالتعاقد من عدمه في ظل مبدأ الحرية التعاقدية؛ إلا أن ذلك يتطلب أن تكون هذه المرحلة – المفاوضات - ذات تنظيم قانوني صريح؛ حفاظا على استقرار المراكز القانونية لكافة الأطراف.
وعليه، في ظل وجود تنظيم قانوني لمرحلة التفاوض، مؤداه ستترتب التزامات متبادلة على الطرفين؛ سيكون لها الأثر في مرحلة تنفيذ العقد وما تنتج عنها من آثار، علاوة على مساهمة التنظيم القانوني للتفاوض في التقليل من نشوء أي نزاع بين الطرفين والقدرة على تفسير بنود العقد التي كانت محلا للتفاوض.
وتكمن الأهمية لمرحلة تنظيم التفاوض على مستوى عقود التجارة الدولية ذات التشابكات الواسعة والمراحل المتعددة التي تأخذ وقتا كبيرا من التفاوض والمناقشات والمراسلات وتبادل للأسرار التجارية، وهي مرحلة تتطلب أن يقابلها تنظيم قانوني صريح.
دراسات سابقة:
المفاوضات وأثرها على التوازن العقدي، دراسة مقارنة للدكتور هاني عبد العاطي الغيتاوي، منشورة في مجلة كلية الشريعة والقانون بطنطا، العدد 34، الجزء الثالث، 2019م.
إشكالية البحث:
وبناء عليه؛ فإن مشكلة البحث الرئيسة تتمثل في مدى حاجة القوانين العربية لوجود تنظيم قانوني خاص وصريح لمرحلة المفاوضات السابقة على التعاقد يتضمن قواعد آمرة على أطراف التفاوض، ويرتب فيما بينها التزامات متبادلة؛ كالالتزام بواجب الإعلام والالتزام بالسرية والجدية وفق مقتضيات الأمانة والنزاهة والشفافية تحت مظلة مبدأ حسن النية، وبحيث يترتب على الإخلال جزاء قانونيا.
وهو ما يقودنا للتساؤل بشكل رئيس، هل تكفي القواعد العامة لتنظيم مرحلة التفاوض على العقد في ظل سريان مبدأ حسن النية على مرحلة تنفيذ العقد فقط؟ أم هناك حاجة للتنظيم القانوني؟
وعليه، يتطلب ذلك طرح مجموعة من التساؤلات الفرعية:
أهداف البحث:
تهدف هذه الدراسة - من خلال اتباعها للمنهج التحليلي المقارن - إلى الاستفادة من الاتجاهات القانونية الحديثة في تنظيم مرحلة التفاوض على العقد، ومنها القانون المدني الفرنسي بتعديلات عام 2016 ومبادئ ((اليونيدروا)) الدولية، وذلك لمعرفة مدى حاجة القوانين العربية لوجود تنظيم قانوني صريح لمرحلة المفاوضات وما يرتبه التنظيم من آثار اقتصادية وقانونية توفر الحماية والوقاية لمرحلة المفاوضات لكافة الأطراف، وما يرتبه تاليا من استقرار للمراكز القانونية وإعمال التوازن العقدي فيما بينهم.
منهج البحث:
تتبع الدراسة المنهج التحليلي المقارن؛ حيث تتناول الدراسة المنهج المقارن من خلال المقارنة بين الاتجاهات القانونية الحديثة في تنظيم مرحلة التفاوض، والمتمثلة بتعديلات القانون المدني الفرنسي عام 2016 ومبادئ (اليونيدروا) الدولية والقانون المدني السعودي الجديد والقانون الموريتاني، بمواجهة التشريعات المدنية العربية التي لم تنظم مرحلة التفاوض، على أن تكون المقارنة من خلال تحليل النصوص القانونية الواردة في كلا الاتجاهين محل المقارنة، وما انتهت إليه أحكام القضاء بهذا الصدد.
خطة البحث:
وفي هذا السياق، سيتم تناول الدراسة من خلال مبحثين؛ حيث يتناول المبحث الأول التنظيم القانوني لمرحلة التفاوض على العقد، على أن يتضمن من خلاله ابتداء، مفهوم وأحكام التفاوض على العقد من خلال الوقوف على تعريف مرحلة المفاوضات ومبدأ حسن النية باعتباره المبدأ الناظم للتفاوض وصولا إلى المسؤولية المترتبة على الإخلال في مرحلة المفاوضات السابقة على التعاقد.
كما يقف المبحث الأول على أبرز ما توصلت إليه الاتجاهات القانونية الحديثة في تنظيم مرحلة المفاوضات السابقة على التعاقد والالتزامات التي رتبتها، كمبادئ ((اليونيدروا)) لعقود التجارة الدولية وتعديلات القانون المدني الفرنسي لعام 2016، ونظام المعاملات المدنية السعودي الصادر عام 2023م.
وتتناول الدراسة، في المبحث الثاني، مدى حاجة القوانين العربية لتنظيم مرحلة التفاوض في ظل ما تكتنفه المفاوضات من أثر اقتصادي في ضوء التطورات الحديثة لعقود التجارة الدولية وأثر قانوني لتنظيم مرحلة التفاوض، في ضوء الاتجاهات القانونية الحديثة.
التنظيم القانوني لمرحلة التفاوض على العقد
لتحديد ماهية التنظيم القانوني لمرحلة التفاوض على العقد، يتطلب تقسيم المبحث الأول، بحيث نتناول في (المطلب الأول) مفهوم وأحكام التفاوض على العقد عبر دراسة تعريف مرحلة المفاوضات وما تتضمنه من مبدأ حسن النية الذي يعتبر هو القيد على التفاوض، على أن يتضمن ذلك المسؤولية المترتبة كجزاء للإخلال بمرحلة التفاوض، ونتناول في (المطلب الثاني) دراسة الاتجاهات القانونية الحديثة في تنظيم المفاوضات التمهيدية وما رتبته من التزامات متبادلة على جميع الأطراف.
مفهوم وأحكام التفاوض على العقد
تمثل مرحلة التفاوض على العقد أهم المراحل في إبرام العقود، وتستمد أهميتها ليس فقط من خلالها مرحلة تكوين العقد ابتداء فحسب، بل أيضا أن أهميتها من منطلق أن هذه المرحلة يكون كلا الطرفين فيها على مسافة واحدة للتفاوض، مع ترتيب كافة الالتزامات والواجبات المفترضة على كل طرف؛ وصولا لمرحلة انعقاد العقد ومن ثم لتنفيذه، وما يترتب عليه لاحقا من آثار.
وفي ظل تلك الأهمية، لا بد من الوقوف على تعريف مفهوم التفاوض على العقد، والذي لا يخرج عن إطار كون أن هذه المرحلة التفاوضية تتعلق بتكوين العقد؛ مما يعني وجود تبادل للاقتراحات بين أطراف التفاوض يتضمنها المساومات للوصول إلى الالتزامات النهائية التي سيتم كتابتها في العقد المبرم بين أطراف التفاوض من دون أن يكون جميع الأطراف ملزمين ابتداء بتتويج مفاوضاتهم بإبرام العقد1.
وفي ظل تعدد تعريفات الفقه لمرحلة التفاوض على العقد2، إلا أن الباحث يتفق مع ما توصلت إليه غرفة التجارة الدولية بباريس بتعريفها للتفاوض3، من كون مرحلة التفاوض "يتعهد من خلالها الطرفان بالتفاوض أو متابعة التفاوض بغرض التوصل إلى إبرام عقد لم يتحدد موضوعه إلا بطريقة جزئية لا تكفي في جميع الأحوال لانعقاد العقد".
علاوة على ذلك؛ فإن التعريف يشير إلى أن مرحلة التفاوض تتضمن تعهدا من كلا الطرفين بالدخول في المفاوضات والسير والمضي فيها لغاية منتظرة تتعلق بإبرام العقد بمقتضيات مبدأ حسن النية، ومتطلبات التفاوض بتميزها كمرحلة عملية تحقق التواصل والمناقشات بين الأطراف لغاية معينة، ما لم تنصرف نية أحدهما إلى انقطاع المفاوضات من دون إبرام العقد4.
وفي الوقت الذي تركت فيه تشريعات القانون اللاتيني - ما عدا التشريع المدني في فرنسا بتعديلاته الحديثة وقانون المعاملات المدنية السعودي الجديد والقانون المدني الموريتاني - فراغا تشريعيا بعدم تنظيم مرحلة التفاوض على العقد، وهو ما سنتناوله بشكل موسع من خلال دراستنا؛ فلا يمكن إغفال مدى الأهمية التي تكتسبها مرحلة المفاوضات باعتبارها مرجعا مهما لتفسير العقد من خلال مرحلة التنفيذ في حال نشوء أي نزاع بين أطراف العقد حول أي شرط أو بند من بنوده5.
ومؤدى ذلك، يرى الباحث أن مرحلة المفاوضات تكشف عن إرادة الأطراف؛ بحيث تتضمن وضع الأطر العامة والخاصة لكافة آليات تنفيذ العقد من خلال المناقشات بين أطراف العقد، بالإضافة إلى الاتفاق - خلال مرحلة المفاوضات - على الجهة المختصة للفصل في أي نزاع بينهما في حال حدوثه؛ سواء كان اللجوء إلى طريق القضاء عبر المحاكم أم عن طريق التحكيم أو أي وسيلة أخرى.
وفي الوقت الذي تعتبر فيه مرحلة المفاوضات كتنظيم قانوني ضمن إطار مرحلة تكوين العقد، فليس هناك أثر قانوني لتلك المفاوضات حتى ينعقد العقد بالإيجاب والقبول، وذلك كون أن جوهر العقد يتضمن وجود اتفاق يتفق فيه الأطراف على إحداث أثر قانوني، وهو ما يتبين من ظروف وملابسات المفاوضات، وتحقق ما يتطلبه العقد من إيجاب وقبول؛ وصولا لإحداث الأثر القانوني عبر إبرام العقد6.
ويعتبر مبدأ حسن النية المبدأ القانوني الأساسي المنظم لمرحلة المفاوضات قبل التعاقد7، وذلك نظير الأهمية التي يمثلها وجود المبدأ للحفاظ على حالة عدم التوازن التي قد تنشأ نتيجة اختلاف المراكز القانونية لطرفي التعاقد بعد إبرام العقد، وما يرتبه تاليا مبدأ حسن النية من آثار على مستوى حقوق والتزامات طرفي التعاقد خلال تنفيذ شروط العقد.
ويعرف جانب من الفقه مبدأ حسن النية بكونه: واجب أخلاقي يفرضه القانون على المتعاقدين؛ سواء في مرحلة ما قبل التعاقد، أم في مرحلة إبرام العقد أم في مرحلة تنفيذه، أم مرحلة انتهائه، يتعين بمقتضاه على كل متعاقد أن يتعامل مع الآخر بصدق وأمانة ونزاهة، وأن يمتنع عن اتخاذ أي موقف ينبع من سوء نية؛ سواء ترتب على ذلك الإضرار بالمتعاقد الآخر أم لا"8.
ومع تلك الأهمية يلاحظ أن معظم التشريعات ومن بينها تشريعات القانون اللاتيني، التفتت عن وضع تعريف محدد لمبدأ حسن النية على الرغم من الإشارة إليه ضمن تشريعاتها وأخصها التقنينات المدنية؛ رغبة منها بمنح القاضي الوطني سلطة التعامل معه وافتراض وجوده على العلاقة التعاقدية محل المنازعة، وفي المقابل هناك من أنكر وجود المبدأ من أساسه؛ إلا أن المشرع الأمريكي انفرد بوضع تعريف لمبدأ حسن النية؛ حيث جاء تعريف هذا المبدأ على أنه: "الإخلاص في تنفيذ ما تم الاتفاق عليه ومراعاة مصالح الطرف المقابل عند التعاقد".9
ويرى الباحث، أنه ليست هناك حاجة لوضع تعريف محدد لمبدأ حسن النية، وترك الأمر للقاضي الوطني لبحث محل الموضوع طبقا للوقائع والظروف والملابسات بتكييف مبدأ حسن النية حسب بحثه، كون وضع تعريف محدد لأي مبدأ قانوني سيجعل القاضي الوطني مقيدا في إطار كلمات التعريف المنصوص عليه ويغل يده عن التوسع المحمود.
وتظهر أهمية مبدأ حسن النية في مرحلة المفاوضات السابقة على التعاقد، باعتباره قيدا يضبط سلوك الأطراف خلال مرحلة المفاوضات؛ منعا من التعسف؛ فوفقا لمبدأ الحرية التعاقدية فهو الأصل بدءا من مرحلة تكوين العقد بحرية كل طرف الدخول في المفاوضات والاستمرار فيها أو الانسحاب منها دون ترتيب أي مسؤولية ولكن أن يكون ذلك تحت ضابط يتمثل بمبدأ حسن النية10.
وفي ظل تلك الأهمية لمبدأ حسن النية، هناك ما يستدعي السؤال، عن غاية التشريعات التي قصرت مبدأ حسن النية في مرحلة تنفيذ العقد من دون سريان المبدأ على مرحلة المفاوضات؛ فإذا كانت مرحلة تنفيذ العقد لها من الأهمية التي تتطلب وجود مبدأ حسن النية، فكان لزاما أن يكون مبدأ حسن النية حاضرا منذ بداية اتجاه إرادة أطراف التفاوض لانعقاد العقد.11
وفي الوقت الذي تمثل مرحلة المفاوضات أهمية قصوى من حيث كونها مرحلة مؤسسية للعقد نظير ما تمثله مرحلة التفاوض من مناقشات ومراسلات ومساومات على العرض المقدم لكل طرف بقيد يؤسسه مبدأ حسن النية تحت مظلة الحرية التعاقدية؛ إلا أن ذلك يقابله بمسؤولية تترتب على وجود أي إخلال في حال حدوثه بحسب مآل الإخلال.
ومؤدى ذلك؛ أن على مستوى المرحلة التفاوضية الأصل لا وجود لأي أثر قانوني، باعتبار أن كل طرف في المفاوضات لديه الحرية في قطع التفاوض في الوقت الذي يريد ولا مسؤولية على عدل ولا يكلف إثبات أنه قد عدل لسبب جدي فهي – المفاوضات - ليست سوى عملا ماديا.12
وغني عن القول، أن جزاء الإخلال بمرحلة التفاوض سيكون من خلال مسؤوليتين إما العقدية أو التقصيرية؛ فإذا كانت الأولى جزاؤها نتيجة الإخلال بالعقد، فالثانية جزاؤها العمل غير المشروع، فالمسؤولية العقدية تتطلب ابتداء وجود عقد صحيح مبرم بين الطرفين، وفي المقابل فالمسؤولية التقصيرية نتيجة إخلال في مرحلة التفاوض وقبل إبرام العقد وتحقق الإيجاب والقبول.13
وفي هذا الصدد، أن الأصل في مرحلة المفاوضات التي تسبق إبرام العقد أن حرية العدول لكل طرف هو مبدأ أصيل في ظل عدم ترتيب القانون أي أثر لقطع المتفاوض لأسباب تتعلق به؛ إذا ما رأى أن إبرام العقد غير صالح له، وبالتالي من حيث المبدأ، لا مسؤولية على الطرف الذي تراجع خلال المفاوضات.
إلا أن حرية العدول لكل طرف من قطع التفاوض سيترتب عليه مسؤولية؛ إذا كان قطع التفاوض عملا خاطئا تقوم معه المسؤولية التقصيرية على أساس العمل غير المشروع14؛ فهي مرحلة مفاوضات بين مختلف الأطراف لم تصل لنتيجة إبرام العقد التي تتطلب الإيجاب والقبول المتبادل15.
على أن الباحث يرى: الإشكالية الرئيسة في مرحلة المفاوضات وما قد ينشأ عنها من خطأ يستوجب قيام المسؤولية التقصيرية، مقيدة بمقتضيات مبدأ حسن النية وهو قيد على مبدأ الحرية التعاقدية16؛ إلا أن تلك الحدود المرسومة لكلا المتفاوضين في إطار مبدأ حسن النية تتطلب وجود تنظيم قانوني ينظم المرحلة السابقة للتعاقد من خلال الواجبات المفروضة على كل طرف، وهو ما أخذت به الاتجاهات القانونية الحديثة، وهذا ما سنتناوله في المطلب التالي.
الاتجاهات القانونية الحديثة للمفاوضات التمهيدية
شهدت بعض الاتجاهات القانونية الحديثة طفرة تشريعية كبيرة في تنظيم المرحلة السابقة على التعاقد، وذلك من خلال سريان مبدأ حسن النية، ليس على مستوى مرحلتي إبرام وتنفيذ العقد فحسب، بل على مستوى مرحلة التفاوض التي تكون من خلال مرحلة إبرام العقد؛ علاوة على ترسيخ مجموعة من الالتزامات المتبادلة بين الطرفين كمرحلة الالتزام بالإعلام والالتزام بواجب السرية؛ لتصبح مرحلة المفاوضات وفقا لتلك الاتجاهات ذات تنظيم قانوني يتواءم مع الأهمية القانونية للتفاوض.17
وفي الوقت الذي لا زالت تعاني فيه التشريعات العربية عموما18- ما عدا المشرع الموريتاني19- من حالة جمود تشريعي بعدم تنظيم مرحلة المفاوضات السابقة على التعاقد، جاءت الاتجاهات القانونية الحديثة- كمبادئ (اليونيدروا) 2010 "المبادئ المتعلقة بالعقود التجارية الدولية"، وتعديلات القانون المدني الفرنسي 2016، بالإضافة إلى نظام المعاملات المدنية السعودي الصادر حديثا في يونيو 2023- بتنظيم قانوني للمفاوضات التمهيدية.
فمن جهتها، نظمت مبادئ (اليونيدروا) المرحلة السابقة على التعاقد؛ فأكدت ابتداء على مبدأ حرية التعاقد وعدم المسؤولية عن العدول عن التعاقد20، ومؤدى ذلك، أن المبادئ اعتبرت مبدأ حسن النية من النظام العام مع الأخذ بالطبيعة الآمرة لواجب احترام حسن وأمانة التعامل؛ سواء على مستوى مرحلة التفاوض على العقد مرورا بمرحلة تنفيذ العقد.
إلا أن الفقه اعتبر - وهو ما لا يتفق معه الباحث - أن المبادئ رتبت مسؤولية ناشئة بجزاء وفقا لقواعد المسؤولية التقصيرية21 في حالتي التفاوض أو قطع التفاوض بسوء نية عما يلحق الطرف الآخر من أضرار، كما أشارت المبادئ وبشكل صريح – كمثال - إلى سوء نية دخول طرف في التفاوض أو استمراره فيه بالرغم من نيته عدم التوصل إلى اتفاق مع الطرف الآخر.
ويرى الباحث، أن أساس المسؤولية وفقا لمبادئ (اليونيدروا) في مرحلة التفاوض وإن كان مصدرها قواعد مبادئ (اليونيدروا)؛ إلا أنها لا تخضع لقواعد المسؤولية التقصيرية وهي ـــ قطعا ـــ ليست مسؤولية عقدية لعدم وجود عقد مبرم وإن كانت ناتجة قبل مرحلة التعاقد، بل يرى الباحث؛ أن أساس المسؤولية هي مسؤولية استثنائية ذات طبيعة خاصة يعود أساسها إلى المبادئ في ظل ما بينته مبادئ (اليونيدروا) من بيان نوع الأضرار التي لحقت بالطرف الآخر في حال وجود الإخلال.
وغني عن القول، أن عناصر الضرر في المسؤولية التقصيرية مقصورة على الخطأ والضرر والعلاقة السببية بينهما؛ إلا أنه ثمة أضرار لا يجوز التعويض عنها، بما لا يتناسب مع إطار المفاوضات بسوء نية، لذلك يرى الباحث؛ أن تحديد المشرع بالنص على تعويض من نوع خاص يتناسب مع خصوصية الالتزام بالتفاوض بحسن نية، وهو ما أخذت به مبادئ (اليونيدروا) والقانون المدني الفرنسي من خلال نص المادة 111222، وإعمالا بهذا النص يرى الباحث؛ من كون إعمال المسؤولية من حيث كونها مسؤولية استثنائية – ليست تقصيرية أو عقدية بطبيعة الحال – ذلك من حيث كون القطع التعسفي للمفاوضات كمثال يقتصر فيه التعويض على الضرر الفعلي وليس عن ما فاته من كسب23.
ومؤدى ذلك، في ظل ما انتهت إليه المبادئ - لبيان نوع المسؤولية - في تحديد الضرر، فمن خلال المبادئ فإنه: للدائن استرداد النفقات التي تكبدها خلال المفاوضات، ويمكن أيضا التعويض عن ضياع الفرصة لإبرام عقد آخر مع الغير، ولكن عموما لا يسترد الأرباح التي من شأنها أنها أدت إذا تم إبرام العقد الأصلي (التي تسمى أحيانا توقع أو الفائدة الإيجابية)24.
ويلاحظ، أن المبادئ بخلاف القانون الفرنسي الجديد، فقد رتبت التزاما وحيدا على طرفي التفاوض يتمثل بالالتزام بالسرية25 بخلاف التزامي الإعلام والسرية في تعديلات القانون المدني الفرنسي، ونرى أن الالتزام بواجب الإعلام من كلا الطرفين لا يقل أهمية عن التزام السرية.
وهناك رأي أخر26 بهذا الصدد؛ مفاده أن النص دمج بين الالتزام بالسرية وواجب الإعلام على فرضية أنه: "بالتقدم في مرحلة المفاوضات لا بد للأطراف من كشف بعض الوقائع بحيث يقرر الطرف الآخر بجدية وإدراك نحو إكمال المفاوضات عدم الإعلام عن بعض المعلومات؛ مما يضع مسألة إبرام العقد وصحته موضع التساؤل والإعلام قد يعرض الأطراف لخطر إفشاء المعلومات لكونها قد تذهب لمنافس أو تتسرب؛ مما يوجب التقيد بضمانات لعدم إفشاء السر".
ومن الاتجاهات التشريعية الجديدة التي نظمت مرحلة المفاوضات، جاء القانون المدني الفرنسي بتعديلاته 2016 بمجموعة من النصوص القانونية التي تنظم المرحلة السابقة على التعاقد27، فمن جهة العقد كمصدر للالتزام؛ فقد عرفه القانون بأن اتفاق إرادات بين شخصين أو عدة أشخاص يهدف إلى إنشاء التزامات أو تعديلها أو نقلها أو إنهائها، كما نظم القانون الجديد ولأول مرة سريان مبدأ حسن النية على مرحلة التفاوض ليكون واجبا، علاوة على تنظيم القانون للمسؤولية الناشئة عن الأخطاء المرتكبة في مرحلة المفاوضات.
على أن المشرع الفرنسي قبل التعديلات، كان يقتصر مبدأ حسن النية على مرحلة تنفيذ العقد كشأن سائر التشريعات العربية؛ إذ كانت المادة 1134 بالقانون القديم تنص على أن: "تقوم الاتفاقات المبرمة بشكل قانوني مقام القانون بالنسبة إلى من أبرموها، ولا يمكن الرجوع عنها إلا برضاهم المتبادل أو للأسباب التي يجيزها القانون. ويجب أن يتم تنفيذها بحسن نية"28.
ويتبين من واقع تعديلات القانون المدني الفرنسي، أنه قصر التعويض عن المسؤولية كجزاء للإخلال في مرحلة التفاوض على الضرر اللاحق دون الكسب الفائت بوجود خطأ وضرر وعلاقة سببية بينهما29.
ويتفق الباحث مع اتجاه المشرع الفرنسي بتحديد تعويض من نوع خاص يتناسب مع خصوصية الالتزام بالتفاوض بحسن؛ ليكون مؤدى ذلك أن أساس المسؤولية مصدرها القانون وليست مسؤولية عقدية أو مسؤولية تقصيرية بالعودة للقواعد العامة في حال لم ينص القانون عليها.
وتأكيدا على مدى الأهمية التي تكتسبها مرحلة المفاوضات وخصوصا في إطار العقود ذات الطابع التجاري الدولي؛ فقد نظم القانون المدني الفرنسي بتعديلاته الجديدة التزامين مهمين ينظمان مسؤولية التفاوض في إطار مبدأ حسن النية، هما الالتزام بواجب الإعلام والالتزام بالسرية30.
ويلاحظ أن المشرع الفرنسي أولى أهمية قصوى للالتزام بواجب الإعلام بنص فريد من نوعه، ليس على صعيد اعتباره التزاما واجبا على أطراف مرحلة التفاوض وبيان حدوده وعبء إثبات القيام به وجزاء الإخلال بهذا الالتزام فحسب، بل اعتبر الالتزام بواجب الإعلام من جميع الأطراف من النظام العام ورتب جزاء بطلان العقد لاحقا في حال الإخلال به من أحد الطرفين في مرحلة المفاوضات31.
وفي ظل تعديلات القانون المدني الفرنسي، أصبح مبدأ حسن النية ملزما على جميع مراحل التفاوض والإبرام والتنفيذ للعقد؛ بحيث شمل تنظيمه لمرحلة التفاوض بوجود التزامات متبادلة على عاتق الأطراف المتفاوضة تمثل النتيجة الطبيعية والمنطقية لمبدأ حسن النية من خلال التزام قبل التعاقد بالإعلام، والتزام قبل التعاقد بالسرية32.
ومن جهته، جاء نظام المعاملات المدنية السعودي الجديد الصادر عام 2023، ليتضمن تنظيما قانونيا لمرحلة التفاوض على العقد، بالتأكيد على مبدأ الحرية التعاقدية وحرية العدول عن التعاقد دون ترتيب أي التزام، إلا أن ذلك مشروط بألا يكون التفاوض أو إنهاء التفاوض بسوء نية؛ مما يستوجب تعويضا عن الضرر الذي أصاب الطرف الآخر.33
ويلاحظ أن المشرع السعودي وبخلاف مبادئ (اليونيدروا) والقانون الفرنسي بتعديلاته الجديدة لم يشر إلى الالتزامات الواجبة على طرفي التفاوض كواجب الالتزام بالإعلام وواجب الالتزام بالسرية.
إلا أنه بين ـــ على سبيل المثال ـــ جانبا من أحكام التفاوض بسوء نية باعتبار أن مبدأ حسن النية أصبح التزاما واجبا في المرحلة السابقة على التعاقد، مثل عدم الجدية في التفاوض، أو تعمد عدم الإدلاء ببيان جوهري مؤثر في العقد وهو ما يراه الباحث - عبارة عدم الإدلاء ببيان جوهري - تعني ضمنيا الالتزام بواجب الإعلام.
ويتبين من اتجاه المشرع السعودي في ترتيب المسؤولية الناشئة عن الإخلال بمرحلة التفاوض، النص بشكل صريح بالإشارة إلى نوع التعويض عن الضرر الذي أصاب الطرف الآخر، على أن يكون التعويض عن الضرر المحقق فقط ولا يشمل عما فاته من كسب متوقع من العقد محل التفاوض34، على أن يكون أساس المسؤولية - برأي الباحث - هي مسؤولية أساسها القانون ذو طبيعة خاصة وليس عقدية أو تقصيرية.
وفي ظل تطور الاتجاهات القانونية بتنظيمها لمرحلة التفاوض في إطار مبدأ حسن النية، إلا أنه يلاحظ أن المشرع الموريتاني كان له الأسبقية - قياسا على الاتجاهات القانونية الحديثة - في أن تكون جميع التصرفات القانونية بما فيها المرحلة السابقة على التعاقد بسريان مبدأ حسن النية، ويرى فيه الباحث، نصا فريدا من نوعه سبق به المشرع الموريتاني الاتجاهات القانونية الحديثة متجاوزا جمود التشريعات العربية.
وبالوقوف على ما ورد في تنظيم المشرع الموريتاني، فهو لم يكتف بوجوب مبدأ حسن النية في مرحلة المفاوضات بل فرض التزامات متعددة في مرحلة التفاوض، منها التزام الأمانة في التفاوض والالتزام بواجب الإعلام، علاوة على ترتيب جزاء المسؤولية التقصيرية في حال وجود أي ضرر - في ظل عدم تحديده في النص لنوع الضرر؛ مما يستوجب العودة للقواعد العامة - وهو ما أكد عليه اتجاه القضاء الموريتاني35.
ويشير الباحث إلى، أن ثمة خصوصية في أساس المسؤولية في المرحلة السابقة؛ بحيث أصبحت مسؤولية استثنائية ذات طبيعة خاصة مصدرها القانون36؛ سواء على مستوى مبادئ (اليونيدروا) أم على مستوى القانون المدني الفرنسي أم على مستوى المشرع السعودي، وذلك بتحديد تلك التشريعات لنوع الضرر في المسؤولية بمرحلة التفاوض، أما في المسؤولية التقصيرية؛ فالنطاق يكون أوسع وفقا للقواعد العامة؛ لأن وعاء التعويض يكون عن الضرر المتوقع وغير المتوقع.
على أن اتجاه المشرع الموريتاني ومع خلو تنظيمه للمرحلة السابقة على التعاقد لبيان نوع الضرر، جاء متفقا مع اتجاهات التشريعات العربية التي لم تنظم مرحلة التفاوض في الرجوع للقواعد العامة في المسؤولية التقصيرية في المرحلة السابقة على التعاقد.
حاجة القوانين العربية لتنظيم مرحلة التفاوض على العقد
في ظل الفراغ التشريعي للقوانين العربية لعدم تنظيمها لمرحلة التفاوض على العقد وما انتهت إليه الاتجاهات القانونية الحديثة، نتناول في المبحث الثاني حاجة القوانين العربية وذلك بدراسة الأثر الاقتصادي لتنظيم مرحلة التفاوض على العقد (المطلب الأول) من خلال تطورات عقود التجارة الدولية وتعدد وضخامة مراحلها، على أن يقودنا ذلك لدراسة الأثر القانوني لتنظيم مرحلة التفاوض على العقد في (المطلب الثاني).
الأثر الاقتصادي لتنظيم مرحلة التفاوض على العقد
شهدت عقود التجارة الدولية في العقود الأخيرة تطورا واسعا وتوسعا هائلا، ومعه خلقت أنواع كثيرة من العقود تميزت بالتعقيد وتعدد المراحل والجوانب، نظير ما تمثله تلك العقود من قيمة اقتصادية لطرفي العقد، علاوة على ما تمثله تلك العقود بتطوراتها التكنولوجية من انطوائها على مخاطر في جميع مراحل العقد.37
وفي ظل ذلك، باتت تلك العقود بتشعب مراحلها وتكوينها تتطلب أن تكون من خلالها المرحلة السابقة للتعاقد على قدر كاف من الضمانات والالتزامات المتبادلة، نظير أهمية مرحلة التفاوض التي قد تستغرق وقتا من الزمن، لا سيما أن تلك العقود تكون باهظة التكاليف ماليا، وهو ما يستدعي أن يكون الجانب القانوني على قدر من تغطية آثار رحلة التفاوض من مخاطر قانونية قياسا مع أهمية عقود التجارة الدولية.
ومن التطبيقات القانونية، التي أولت اهتماما لعقود التجارة الدولية، اتفاقية الأمم المتحدة لسنة 1980 بشأن عقود البيع الدولي للبضائع38، التي تناولت تنظيم المرحلة السابقة على التعاقد من كافة التصرفات بما فيها سوء نية المتفاوض والالتزامات المترتبة عليه طبقا للعرف الجاري في المعاملات التجارية39.
وغني عن القول، أن عقود التجارة الدولية ونظير أهميتها الاقتصادية الكبيرة؛ فهي لا يتم إبرامها من خلال إيجاب وقبول فوريين، بل إن التفاوض من قبل مختلف الأطراف يأخذ حقه وكفايته ودراسته، ويقابل ذلك فراغ تشريعي من مختلف التشريعات العربية كما ذكرنا بالمبحث الأول بمقابل وجود اتجاهات قانونية حديثة نظمت مرحلة التفاوض والالتزامات الناتجة عن التفاوض على قدر أهمية مرحلة المفاوضات.40
وفي ظل تلك الأهمية لمرحلة التفاوض في إطار عقود التجارة الدولية، وغياب تنظيم تشريعي صريح، فذلك مدعاة أن هذه الحرية التعاقدية قد تكون سببا أو مصدرا لتعسف أحد الطرفين في استغلالها من خلال إتيان بعض التصرفات غير المشروعة كقطع التفاوض وسوء النية41 في ظل وصول مرحلة التفاوض لمرحلة متقدمة.42
ويؤكد الباحث، أن تنظيم مرحلة التفاوض في مختلف أنواع العقود عموما، وعقود التجارة الدولية على وجه الخصوص، تلعب دورا مهما من خلال عدة أوجه، منها خفض احتمال وقوع أي نزاع بين مختلف الأطراف في حال إبرام العقد وتنفيذه وما يترتب عليه من آثار، كون أن مرحلة المفاوضات - بوجود تنظيم قانوني - ستكون منضبطة بكافة البنود التي تؤدي لخفض وقوع أي نزاع.
كما أن تنظيم مرحلة التفاوض له أثر اقتصادي بالوضوح والشفافية؛ حيث يعرف من خلال المرحلة كل طرف الحقوق والالتزامات المتبادلة بينهما والمسؤولية الناتجة عن وجود أي إخلال بمرحلة التفاوض، علاوة على ما يمثله وجود تنظيم قانوني صريح من أن المفاوضات بين مختلف الأطراف تعد بمثابة مرجع أساسي في تفسير العقد خلال مرحلة تنفيذه في حال نشوء أي نزاع حول أي بند من بنود العقد في حال وجود خطابات متبادلة ومناقشات ودراسات ليكون كل طرف على بينة، كما يساعد ذلك الجهة التي تنظر في محل النزاع بين طرفي العقد لتمكينها في الفصل بالنزاع.
ومن نماذج تلك العقود التي تعتبر ذات أهمية قصوى في ميدان التجارة الدولية، هي عقود الشراكة بين القطاعين العام والخاص43 التي تولي لها مختلف دول المنطقة اهتماما خاصا من خلال تشريعات قانونية تنظمها سعيا منها لجذب الاستثمارات44.
ومؤدى ذلك، تعتبر تشريعات تنظيم عقود مشروعات الشراكة بين القطاعين العام والخاص إحدى أهم الركائز الأساسية في جذب الاستثمارات، إلا أن ذلك يتوقف على مدى قدرة نصوصها ومواءمتها بشكل أساسي على تحفيز المستثمر للمضي قدما في العقد بمواجهة القطاع العام، وبلا شك تنظيم مرحلة التفاوض ليست بمعزل عن تلك الأهمية.
ولذلك؛ باتت اليوم مشروعات الشراكة بين القطاعين العام والخاص، تمثل أبرز التحديات القانونية التي تتعلق بالمجال الاقتصادي في مختلف دول العالم؛ ولذلك تتسابق الدول من خلال سن تشريعاتها الخاصة بتنظيم إصدار مشاريع الشراكة بين القطاعين العام والخاص، وشهدنا ذلك في العقدين الأخيرين بقيام العديد من الدول بسن قوانين متعلقة بتنظيم مشاريع الشراكة، ومنها قطر والكويت، وسبقتهم مصر في ذلك.45
وعلى سبيل المثال، فمبدأ توزيع وتقاسم المخاطر يعتبر هو الجوهر الأساسي في خصوصية عقود مشاريع الشراكة بين القطاع العام والخاص، نظرا لضخامة تلك المشاريع الاقتصادية التي تتعلق بمجالات متعددة في المرافق العامة والبنية التحتية، علاوة على الفترة الزمنية طويلة المدى في عقود الشراكة لتصل حتى خمسين عاما مثلما فعل المشرع الكويتي.46
كما أن توزيع وتقسيم المخاطر في مشروعات الشراكة بين القطاعين – في ظل تعريف الشراكة47- والتي تكون غالبا مشاريع ضخمة تتضمن العديد من المراحل العقدية التي تتخللها اتفاقيات، والتي ستكون معرضة لأخطار تنشأ عنها العديد من الصعوبات القانونية48.
وتتمثل الصعوبات القانونية في تحديد المسؤولية عن المخاطر، والكيفية التي يمكن مواجهتها والسيطرة عليها، علاوة على إنهائها حتى يتم إنجاز المشروع كما هو مخطط له49، وهي حيثيات محلها مرحلة التفاوض على العقد على أن تكون منضبطة بتنظيم قانوني صريح ينظم مرحلة التفاوض من خلال الالتزام بعدة واجبات أخصها الإعلام والسرية والجدية في التفاوض.
وفي ظل ذلك، نرى أن الصعوبات القانونية في عقود التجارة الدولية ومنها عقود الشراكة بين القطاعين العام والخاص، تتطلب وجود تنظيم قانوني ينظم كافة الإشكاليات القانونية التي قد تتمخض عن غياب تنظيم مرحلة التفاوض التي ستمكن أطراف العلاقة في العقد من الوقوف على كافة الإشكاليات التي قد تعترض تنفيذ العقد في حال إبرامه وتقليل كافة المخاطر القانونية بدلا من امتداد تأثيرها خلال مرحلة التنفيذ.
ونرى، أن الأثر الاقتصادي لوجود تنظيم قانوني صريح ينظم مرحلة المفاوضات السابقة على العقد إلى مستوى عقود التجارة الدولية التي تسعى من خلالها الدول إلى جذب الاستثمارات، سيكون له أثر قانوني يتمثل في توفير بيئة حمائية ووقائية لأطراف مرحلة التفاوض بوجود ضمانات والتزامات مبتادلة50.
ويرى الباحث، أن القيمة الفنية للأثر الاقتصادي حيث تلعب المفاوضات دورا هاما ومحوريا في حال تنظيمها قانونيا51، من خلال تعزيز العلاقات التجارية الدولية كون أن المفاوضات تساهم في بناء وتعزيز العلاقات بين مختلف الأطراف وضمان أن جميع الأطراف على علم ودراية بكافة الشروط والأحكام المتفق عليها؛ مما يساهم في إدارة المخاطر المحتملة بالعقد وتحديدها وتقييمها، علاوة على مساهمة المفاوضات بتعزيز الابتكار والتطوير من خلال تبادل الأفكار والخبرات بين أطراف التفاوض.
المطلب الثاني
الأثر القانوني لتنظيم مرحلة التفاوض على العقد
في ظل ما يمثله الأثر الاقتصادي بضرورة وجود تنظيم قانوني لمرحلة التفاوض بين أطراف التفاوض قبل إبرام العقد، فذلك - كنتيجة طبيعية - يقودنا إلى الأثر القانوني لتنظيم التفاوض من خلال ما يشكله وجود تنظيم قانوني صريح لمرحلة التفاوض من آثار متبادلة بين مختلف الأطراف، أهمهما الالتزام بواجب الإعلام والالتزام بالسرية.
وتتمثل أهمية مرحلة التفاوض من الناحية القانونية، كون أن تلك المرحلة بقدر ما يكون هناك وضوح من كافة أطراف مرحلة التفاوض، بقدر ما ينعكس ذلك على وضوح تنفيذ العقد والآثار الناتجة عنه؛ فعملية التفاوض هي كلام متبادل تتخلله مناقشات ومراسلات، وبخلاف الوضوح قد ينشأ سوء فهم يتسبب بالغلط أو تغرير من أحد الأطراف وهو ما ينعكس تاليا على آثار العقد52.
وبالتالي، يقتضي الأثر القانوني لتنظيم مرحلة التفاوض من خلال سريان مبدأ حسن النية على المرحلة السابقة على التعاقد؛ كما هو الحال على سريان مبدأ حسن النية في مرحلة تنفيذ العقد بحسب النص الموجود الحالي، والذي تأخذ به أغلب تشريعات النظام اللاتيني وعلى وجه الخصوص القوانين المدنية العربية53.
وغني عن القول، لا يمكن القول من خلال الأخذ بكفاية النص الموجود حاليا لمبدأ حسن النية من حيث المستلزمات ليدخل في إطار مرحلة المفاوضات54، وذلك كون النص ينظم التزام مبدأ حسن النية في مرحلة تنفيذ العقد بوجود عقد مبرم بين الطرفين؛ بخلاف مرحلة التفاوض التي تبقى في إطار مرحلة تكوين العقد وقبل أن ينتقل الأطراف إلى مرحلة الإيجاب والقبول لانعقاد العقد، وبالتالي لا محل هنا للحديث عن تطبيق النص على حالة التفاوض. كما أن الفراغ التشريعي بعدم تنظيم مرحلة التفاوض لدى التشريعات، نتج عنه عدم قدرة التطبيقات القضائية العربية بالتعامل مع مختلف النزاعات المتعلقة بمرحلة التفاوض على العقد، وعدم مواءمة القواعد العامة للتعامل مع الفراغ التشريعي55.
ومؤدى ذلك؛ أن الأثر القانوني لوجود تنظيم قانوني صريح لمرحلة التفاوض، يعد بمثابة وسيلة حمائية ووقائية يتمكن من خلالها أطراف مرحلة التفاوض أن ينخرطوا بالمفاوضات بكل يسر وطمأنينة في ظل وجود التزامات متبادلة أهمها الالتزام بالإعلام والسرية؛ لتحقيق التوازن العقدي ويجعل تلك العلاقة بمنأى عن الوقوع بأي اختلال تعاقدي.56
ويرى الباحث، أن غياب تنظيم قانوني لمرحلة التفاوض بعدم سريان مبدأ حسن النية في ظل ما يشهده العالم من متغيرات اقتصادية؛ أدى إلى وجود تفاوت في المراكز القانونية بين مختلف أطراف العلاقة التعاقدية وغياب التوازن العقدي57.
في حين أن تنظيم عملية التفاوض- علاوة على خلق حالة التوازن العقدي - ستمنع توغل أحد الطرفين على حساب الآخر وإملاء الشروط عليه في ظل غياب الالتزامات المترتبة على كل طرف من سريان مبدأ حسن النية وما يرتبه تاليا من النزاهة والأمانة وواجبي الإعلام والسرية58.
ولو نظرنا إلى الاتجاهات القانونية الحديثة ـــ والتي تناولناها في وقت سابق من دراستنا ـــ نجد أن المشرع الفرنسي بتعديلاته في عام 2016 على القانون المدني حقق طفرة تشريعية واسعة في الأثر القانوني لمرحلة التفاوض، من خلال تنظيم المرحلة السابقة على التعاقد.
ويرى الباحث، أن الاتجاه الحديث للمشرع الفرنسي، أخذ بالأثر القانوني المفترض لتنظيم مرحلة التفاوض، من خلال قواعد آمرة نص عليها، ابتداء من خلال ما نصت عليه المادة 1104 على وجوب أن يكون التفاوض على العقد وإبرامه وتنفيذه بحسن نية، وبذلك أصبح الالتزام بحسن النية واجبا منذ مرحلة التفاوض على العقد إلى تنفيذه، مرورا بمرحلة إبرامه.
كما أن تعديلات المشرع الفرنسي، لم تقف عند هذا الحد، بل أولت اهتماما للمسؤولية المترتبة جزاء الإخلال بالتفاوض بسوء نية من خلال ما نصت عليه المادة 1112 عن المسؤولية الناشئة عن الأخطاء المرتكبة في هذه المرحلة من قبل أطراف مرحلة التفاوض.
ويتفق الباحث مع اتجاه المشرع الفرنسي، بالنص على الالتزامات المترتبة على مرحلة التفاوض ومنها الالتزام بالإعلام59 باعتباره واجبا على أطراف مرحلة التفاوض واعتباره أن الالتزام بواجب الإعلام من جميع الأطراف من النظام العام مع ترتيب جزاء بطلان العقد في حال الإخلال به من أحد الطرفين.
كما أن الالتزام بالسرية لا يقل أهمية وخصوصية في عقود التجارة الدولية كونه أحد أهم عناصر التجارة الدولية؛ حيث بات السر التجاري من المقومات الرئيسة التي تعتمد عليها المشروعات لتحافظ على تفردها في البيئة التنافسية، نظير ما تحمله تلك العقود من معارف فنية سرية؛ حيث تقتضي عملية المفاوضات إفصاح أحد الطرفين للآخر عن أسرار هذه المعارف، ليقف الآخر على نوع الأسرار التجارية وحجم المنافع التي سيتحصل عليها من خلال إبرامه للعقد.60
وعلى نطاق العقود التجارية الدولية، لم يعد من المتصور أن يقوم أحد الأطراف بعرض الأفكار والخدمات وعلى الآخر من دون نقاش وتفاوض للوصول إلى بنود العقد من دون مقتضيات حسن النية وترتيب التزامات متبادلة كالالتزام بالإعلام والالتزام بالسرية.
وغني عن القول، أن مرحلة المفاوضات، كلما كانت محاطة بعناية وبسياج من الضمانات القانونية، كان ذلك مدعاة لاستقرار المراكز القانونية لأطراف مرحلة التفاوض؛ فهي لا تخرج عن كونها مرحلة إعداد للعقد، وكلما جاء العقد محققا وملبيا لمصالح الطرفين انطلاقا من مرحلة التفاوض؛ فذلك يحول دون نشوء أي نزاع بينهم ما أمكن.
ومؤدى ذلك، أن الالتزامات المتبادلة بين أطراف مرحلة التفاوض في ظل تنظيم قانوني صريح، بمثابة مرجع أساسي في تفسير العقد خلال مرحلة تنفيذه؛ حيث سيكون من السهولة الرجوع إلى ما تضمنته مرحلة المفاوضات من مراسلات وخطابات متبادلة ومناقشات، وهو ما يساعد أطراف التفاوض ليكونوا على قدر من الوضوح والبينة، علاوة على مساهمة ذلك في حال نشوء نزاع لبيان ذلك أمام الجهة التي تنظر محل النزاع.61
كما أن، وجود تنظيم قانوني صريح، سيعزز الثقة في المفاوضات وجديتها وحماية كافة الأطراف وتحقيق الأمان التعاقدي؛ فهو التزام ضروري لتسهيل التفاوض وعدم التخوف من التحايل وسوء نية المتعاقد الآخر؛ سواء فشلت المفاوضات أم نجحت وتم إبرام العقد، إضافة إلى احترام جوانب الأمانة والنزاهة من خلال التزام حسن النية62 في هذه المرحلة.63
ويتفق الباحث مع اتجاه المشرع الموريتاني بهذا الصدد من خلال تقنينه المدني بتنظيم مرحلة التفاوض بوجوب مبدأ حسن النية64؛ فهو يتواءم مع الأثر القانوني المنشود بفرض التزامات متعددة منها التزام الأمانة والإعلام وبنص صريح يفرض حسن النية على كل شخص التزام الأمانة في التصرف اتجاه شريكه وخاصة إعلامه على وجه صحيح بالوقائع التي يمكن أن تنعكس على علاقاتهما.
وتطبيقا لأهمية مرحلة المفاوضات وتحقيقا للأثر القانوني المنشود بعد قطع التفاوض بسوء النية من قبل أي طرف؛ فقد أكد القضاء الموريتاني، على أنه: "إذا تم التأكد من توفر المفاوضات وتقدمها، فيتعين أن يظهر من خلال الوقائع وجود تعسف من أحد الطرفين في قطع العلاقة التفاوضية ويحصل ذلك من خلال إثبات تصرف غير مبرر يحمل على القول بوجود سوء نية؛ كأن يتم قطع المفاوضات فترة وجيزة قبل التوقيع لعقد أصبح شبه جاهز على نحو لم يعد يخالج الطرف الآخر شك أنه سيأخذ شكله التعاقدي"65.
ويرى الباحث، أن الأثر القانوني لتنظيم مرحلة التفاوض على التعاقد، كلما كانت المفاوضات محاطة بحمائية ووقاية وفقا لضمانات قانونية صريحة لا ضمنية، ساهمت في خلق حالة من التوازن العقدي، من خلال سريان مبدأ حسن النية؛ فلذلك سيترتب عليه العديد من الالتزامات والواجبات المتبادلة ليس على صعيد عدم الإفشاء بالسرية وواجب الإعلام فحسب، بل بالجدية في التفاوض وبحظر المفاوضات الموازية.
من خلال دراسة مدى حاجة القوانين العربية لوجود تنظيم قانوني لمرحلة المفاوضات السابقة على التعاقد يتضمن قواعد آمرة على أطراف التفاوض، ويرتب اتجاههم التزامات متبادلة كالالتزام بواجب الإعلام والالتزام بالسرية والجدية وفق مقتضيات الأمانة والنزاهة والشفافية تحت مظلة مبدأ حسن النية، وفي ضوء الاتجاهات القانونية الحديثة، توصلنا إلى النتائج التالية:
أولا: تنظيم مرحلة التفاوض، يعرف من خلالها كل طرف الحقوق والالتزامات المتبادلة بينهما والمسؤولية الناتجة عن وجود أي إخلال بمرحلة التفاوض، علاوة على ما يمثله وجود تنظيم قانوني صريح من أن المفاوضات بين مختلف الأطراف تعد بمثابة مرجع أساسي في تفسير العقد خلال مرحلة تنفيذه في حال نشوء أي نزاع حول أي بند من بنود العقد في حال وجود خطابات متبادلة ومناقشات ودراسات؛ ليكون كل طرف على بينة، كما يساعد ذلك الجهة التي تنظر في محل النزاع بين طرفي العقد لتمكينها من الفصل في النزاع.
ثانيا: لا يمكن القول من خلال الأخذ بكفاية النص الموجود حاليا - في القوانين العربية المدنية بتنفيذ العقد وفقا لمبدأ حسن النية ومنها المادة 172 في القانون القطري من حيث المستلزمات ليدخل في إطار مرحلة المفاوضات -، وذلك كون النص ينظم التزام مبدأ حسن النية في مرحلة تنفيذ العقد بوجود عقد مبرم بين الطرفين بخلاف مرحلة التفاوض التي تبقى في إطار مرحلة تكوين العقد وقبل أن ينتقل الأطراف إلى مرحلة الإيجاب والقبول لانعقاد العقد، وبالتالي لا محل هنا للحديث عن تطبيق النص على حالة التفاوض.
ثالثا: مرحلة المفاوضات، كلما كانت محاطة بعناية وبسياج من الضمانات القانونية، كان ذلك مدعاة لاستقرار المراكز القانونية لأطراف مرحلة التفاوض؛ فهي لا تخرج عن كونها مرحلة إعداد للعقد، وكلما جاء العقد محققا وملبيا لمصالح الطرفين انطلاقا من مرحلة التفاوض؛ فإن ذلك يحول دون نشوء أي نزاع بينهم ما أمكن.
رابعا: على نطاق العقود التجارية الدولية، لم يعد من المتصور أن يقوم أحد الأطراف بعرض الأفكار والخدمات وعلى الآخر من دون نقاش وتفاوض للوصول إلى بنود العقد من دون مقتضيات حسن النية وترتيب التزامات متبادلة كالالتزام بالإعلام والالتزام بالسرية.
خامسا: مبادئ (اليونيدروا) لعقود التجارة الدولية والقانون المدني الفرنسي ونظام المعاملات المدنية السعودي، تضمنت مسؤولية استثنائية ذات طبيعة خاصة في تحديدها لنوع الضرر الناتج عن الإخلال في مرحلة التفاوض وفقا لوعاء محدد من الضرر؛ ليصبح أساس المسؤولية وفقا للقانون وليس تأسيسا على مسؤولية عقدية أو مسؤولية تقصيرية تحتمل الضرر المتوقع وغير المتوقع بالرجوع للقواعد العامة.
وبناء على النتائج السابقة؛ فإن الدراسة توصي بما يلي:
أولا: يوصي الباحث المشرعين في الدول العربية، بتبني نص خاص ينظم المرحلة السابقة على التعاقد بمبدأ حسن النية في جميع مراحل العقود (التفاوض – الإبرام - التنفيذ)، على أن يتضمن النص قاعدة آمرة بعدم الجواز على الاتفاق على مخالفتها، وذلك على غرار ما أخذ به المشرع الفرنسي بتقنينه المدني بنص المادة 1104 بتعديلاته الحديثة، والتي تنص على: "يجب التفاوض على العقود وإبرامها وتنفيذها بحسن نية. يعتبر هذا الحكم من النظام العام"، وما نصت عليه مبادئ (اليونيدروا) عبر المادة 1.7 "1- يلتزم كل طرف بأن يتصرف وفقا لما يقتضيه حسن النية وأمانة التعامل في التجارة الدولية 2- لا يجوز للأطراف استبعاد هذا الالتزام أو تقييده".
ثانيا: يوصي الباحث المشرعين في الدول العربية: بتبني نص خاص ينظم واجب الالتزام بالإعلام والالتزام بالسرية خلال المرحلة السابقة على التعاقد، نظير أهمية هذا الالتزام بما يتضمنه من بيانات جوهرية مؤثرة في العقد مع اعتباره من النظام العام وترتيب جزاء بطلان العقد لمخالفة الالتزام، وذلك على غرار ما أخذ به المشرع الفرنسي بتقنينه المدني من خلال ما نصت عليه المادة: 1112-1 بتنظيم واجب الالتزام بالإعلام والمادة 1112-2 بتنظيمها لعدم إفشاء السرية وفقا للقواعد العامة، وما أخذت به مبادئ (اليونيدروا) لعقود التجارة الدولية، من خلال ما ورد نص المادة 2.1.15 والمادة 2.1.16، وكذلك ما نصت عليه الفقرة الثانية من المادة 41 من نظام المعاملات المدنية السعودي الصادر عام 2023 بالنص على الالتزام بالإعلام أنه: "يعد من سوء النية عدم الجدية في التفاوض، أو تعمد عدم الإدلاء ببيان جوهري مؤثر في العقد".
أولا: باللغة العربية:
هاني عرفات صبحي حمدان، النظام القانوني لعقود الشراكة بين القطاعين الحكومي والخاص (ppp)- دراسة مقارنة، دار النهضة العربية، القاهرة، 2016م.
هاني عبد العاطي الغيتاوي، المفاوضات وأثرها على التوازن العقدي - دراسة مقارنة، مجلة كلية الشريعة والقانون بطنطا، العدد 34، الجزء الثالث، 2019م.
يوسف شندي، دور القضاء الفرنسي في الإصلاحات التشريعية الحديثة في مجال العقود: المرحلة السابقة على التعاقد والالتزام بالإعلام، أبحاث المؤتمر السنوي الرابع لكلية القانون الكويتية العالمية: القانون أداة للإصلاح والتطوير 9-10 مايو 2017م، ملحق خاص، العدد 2، الجزء 2، نوفمبر 2017م.
Second: English sources:
ثالثا: الأحكام القضائية:
محكمة النقض المصرية، الطعن رقم 11706 لسنة 78 قضائية - الدائرة المدنية والتجارية والأحوال الشخصية – جلسة بتاريخ 2018-05-10 مكتب فني 69.
المحكمة العليا في موريتانيا، الحكم رقم 28 لسنة 2013 قضائية بتاريخ 2013-10-27.
أحمد سالم تركي قطامي باحث دراسات عليا (مرحلة الدكتوراه) في كلية القانون بجامعة قطر. تتركز اهتماماته البحثية في القانون المدني، وقانون العقود، والدراسات القانونية المقارنة، والتطورات الحديثة في القانون الخاص.
أحمد يوسف أحمد العمادي باحث دراسات عليا (مرحلة الدكتوراه) في كلية القانون بجامعة قطر. تشمل اهتماماته الأكاديمية القانون المدني، والقانون التجاري، وقانون العقود، والبحوث القانونية المقارنة.
المشاهدات
التحميلات
الاستشهادات
المؤلفون
إصدار
السنة