مما لا شك فيه أن التطور التكنولوجي في أنظمة وتقنيات الذكاء الاصطناعي كان له بالغ الأثر على تطور مستوى جودة المحتوى المرئي والصوتي في البيئة الرقمية ووسائطها المتنوعة، ولكن في الوقت نفسه أدى هذا التطور إلى انتشار ظاهرة التزييف العميق باستخدام أنظمة الذكاء الاصطناعي، بما يشكل خطورة على حقوق الإنسان ومنها الحق في الحصول على المعلومات دون تزييف أو تضليل أو خداع.
وتثير هذه الظاهرة تساؤلاً حول مدى كفاءة القواعد القانونية الحالية في مواجهتها، أم أن الأمر يتطلب قواعد قانونية خاصة تناسب طبيعتها الإجرامية المستحدثة. وتتناول الدراسة مفهوم التزييف العميق وخصائصه وصوره وتمييزه عن جرائم التزييف التقليدية، كما تستعرض الآليات القانونية للمكافحة الجنائية لهذه الظاهرة في ضوء مخاطرها على أمن المجتمع واستقراره، ومدى إمكانية الاعتماد على الأدلة المستمدة من أنظمة الذكاء الاصطناعي في مجال الإثبات الجنائي لتحقيق العدالة الجنائية.
إن التطور التكنولوجي في أنظمة وتقنيات الذكاء الاصطناعي والتعلم الآلي كان له بالغ الأثر على تطور المحتوى المرئي والصوتي في البيئة الرقمية ووسائطها المتنوعة ومنها وسائل الإعلام الرقمي، وأصبح لهذا المحتوى الرقمي القدرة على الانتشار والانتقال بطريقة سريعة وعلى نطاق واسع؛ مما يشكل معه مجالا خصبا من قبل الجناة لنشر الشائعات والأخبار الكاذبة والمحتوى الرقمي المزيف تزييفا عميقا وبدرجة عالية الدقة؛ للتأثير على الرأي العام وتغيير المواقف والاتجاهات حول الموضوعات التي تهم الرأي العام وتؤثر في المناخ الديمقراطي، كذلك استغلالها في مجال حروب الجيل الخامس من المعلومات والبيانات المضللة تجاه دولة ما.
ويرجع ظهور ظاهرة التزييف العميق (deep fake) إلى عام 2017، وذلك عندما قام أحد مستخدمي موقع التواصل الاجتماعي (Reddit) بنشر مقاطع فيديو معدلة لعدد من المشاهير من خلال استخدام خوارزميات أنظمة الذكاء الاصطناعي في تغيير وجه الشخص المتحدث الأصلي)1)، واستبداله بشخص آخر على أنه المتحدث الحقيقي بطريقة محترفة يصعب معها على الشخص العادي التفرقة بين الفيديو المزيف والحقيقي. ثم أعقب ذلك تزايد إصدار العديد من التطبيقات التي تعمل على التزييف العميق للوجه باستخدام خوارزميــات الذكــاء الاصطنـــــــاعي مثل: (Deep fake lab – Jiggy – Face swap live – Reface – Zao)(2)، وهذه التطبيقات جميعها تعتمد على تقنية التعرف الآلي على وجه الأشخاص عن طريق البيانات البيومترية للأفراد، وذلك استنادا إلى المعلومات والسمات السلوكية والبيولوجية المخزنة وذلك باستخدام خوارزميات أنظمة الذكاء الاصطناعي، وبالتالي أصبحت تشكل خطورة على حق الإنسان في حرية الحصول على المعلومات دون أي تزييف أو تضليل أو خداع(3)، وكذلك تمثل تهديدا خطيرا للأمن المعلوماتي السيبراني عن طريق نشر الشائعات عبر الإنترنت والتطبيقات والبرامج عبر الهواتف الذكية من خلال المعلومات والبيانات المضللة والمزيفة عن طريق استخدام تقنيات التزييف العميق؛ مما يهدد أمن واستقرار الدولة ويهدد سلامة المجتمعات.
1. أهمية الدراسة:
مما لا شك فيه أن مقاطع الفيديو ـــ على اليوتيوب، والتيك توك، ومواقع التواصل الاجتماعي عبر الإنترنت، والتطبيقات الإلكترونية على الهواتف الذكية ـــ أصبحت اليوم من أهم الأدوات الجاذبة والمؤثرة في سلوكيات جمهور المشاهدين لها على منصات التواصل الاجتماعية عبر الإنترنت والتطبيقات الإلكترونية المختلفة، وكذلك تناقلها وتداولها بشكل كثيف وكبير فيما بين الأشخاص، إلا أنه في الوقت نفسه ظهرت سلوكيات غير مشروعة تتمثل في التزييف العميق لهذه الفيديوهات ومقاطع الصوت ونشرها على المواقع الإلكترونية المختلفة، وبالتالي ساهم ذلك في انتشار ظاهرة التزييف العميق عبر الفيديوهات المزيفة باستخدام أنظمة الذكاء الاصطناعي، مثل: النظم الذكية الخبيرة والشبكات العصبية الذكية والشبكات التوليدية التنافسية ونظم الخوارزميات الذكية؛ مما يشكل معه ظاهرة إجرامية خطيرة تؤدي إلى تفشي المعلومات والأخبار الكاذبة والشائعات في المجتمع، والتي يكون لها تأثير وخيم على تضليل جمهور المشاهدين لها. مما يوجب على الباحثين تناول ما تثيره هذه الظاهرة الإجرامية من إشكاليات قانونية، وكذلك ضرورة تدخل المشرع بالنص على القواعد القانونية الكافية لمواجهة هذه الظاهرة الإجرامية الخطيرة التي تهدد أمن وسلامة استقرار المجتمع داخل الدول، من خلال اتباع سياسة تشريعية حديثة تتلاءم مع تطورات العصر الحالي، وفي الوقت نفسه تلاحق التقدم التكنولوجي وتقنيات أنظمة الذكاء الاصطناعي المستخدمة في ارتكاب هذا النوع من الجرائم.
2. إشكالية الدراسة:
ترتكز إشكالية الدراسة حول الإجابة عن تساؤل أساسي وهو، ما مدى كفاءة القواعد القانونية التقليدية في القانون الجنائي في مواجهة ظاهرة التزييف العميق باستخدام أنظمة الذكاء الاصطناعي؟ أما نحن ففي حاجة إلى وجود قواعد خاصة لمكافحة هذه الظاهرة الإجرامية المستحدثة؟ وللإجابة عن هذه الإشكالية سوف نستعرض في هذه الدراسة في البداية توضيح ماهية التزييف العميق باستخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي من خلال تحديد مفهوم التزييف العميق وخصائصه وتميزه عن غيره من جرائم التزييف التقليدية، ثم نستعرض الآليات القانونية للمكافحة الجنائية لظاهرة التزييف العميق باستخدام أنظمة الذكاء الاصطناعي في ضوء مخاطر التزييف العميق الخطيرة على أمن المجتمع واستقراره، وخاصة فيما يتعلق بجرائم التزوير والتشهير والتحريض على الكراهية والتمييز العنصري والتضليل الانتخابي عبر تشوية سمعة السياسيين، كل هذه الصورة الإجرامية تتم من خلال التزييف العميق باستخدام أنظمة الذكاء الاصطناعي، خاصة في ظل غياب التشريعات الخاصة لمكافحة ظاهرة التزييف العميق باستخدام الذكاء الاصطناعي في العديد من التشريعات المقارنة.
كذلك نستعرض موقف السياسة التشريعية المقارنة في مواجهة هذه الظاهرة الإجرامية وخاصة موقف المشرع الأوروبي، وذلك في ظل اللائحة الأوروبية للخدمات الرقمية (DSA) والتي دخلت حيز النفاذ في 25 أغسطس 2023؛ حيث تناول المشرع الأوروبي فيها ظاهرة التزييف العميق عبر قسمين وهما على النحو التالي: (عندما تدرك منصة على الإنترنت أن جزءا من المحتوى عبارة عن صورة أو مقطع صوتي أو فيديو تم إنشاؤه أو التلاعب به، ويشبه الأشخاص أو الأشياء أو الأماكن أو الكيانات أو الأحداث الأخرى الحقيقية ويبدو أنه حقيقي؛ فيجب على المنصة أن تعلم المستخدمين أن هذا المحتوى غير أصلي).
وكذلك تناول المشرع الأوروبي للتدابير الوقائية لمواجهة هذه الظاهرة الإجرامية من قبل شركات المنصات عبر الإنترنت، وقد قسم المشرع الأوروبي التزامات هذه الشركات إلى قسمين التزامات الشركات الكبيرة التي تحتوي على أكثر من 45 مليون مشترك، والتزامات الشركات الصغيرة في الالتزام بالتدابير. بالإضافة إلى ذلك فقد أصدر المشرع الأوروبي في 13 يونيو 2024 اللائحة الأوروبية بشأن الذكاء الاصطناعي رقم 1689 لسنة 2024، نص فيها على القواعد المتعلقة بتنظيم الذكاء الاصطناعي في ضوء إنشاء إطار قانوني موحد)4)؛ بحيث تركز على ضمان مستوى عال من حماية وسلامة المجتمع وضمان الحقوق الأساسية للإنسان والمنصوص عليها في ميثاق الحقوق الأساسية للاتحاد الأوروبي، بما في ذلك ضمان مبادئ الديمقراطية وسيادة القانون.
وتأسيسا على ذلك؛ فسوف نحاول في هذه الدراسة الإجابة على التساؤلات التالية:
3. منهجية الدراسة:
تعتمد دراسة موضوع المكافحة الجنائية لظاهرة التزييف العميق باستخدام أنظمة الذكاء الاصطناعي على المنهج العلمي الوصفي من أجل تحديد ماهية التزييف العميق باستخدام أنظمة الذكاء الاصطناعي؛ بحيث نستعرض مفهوم التزييف العميق وخصائصه وصوره، كذلك استخدام المنهج العلمي المقارنة في هذه الدراسة؛ بحيث نقارن ما بين موقف المشرع في الدولة العربية، مثل: المشرع القطري، والمشرع المصري، والمشرع الإماراتي، مع موقف المشرع في الدول الغربية، مثل: المشرع الفرنسي، والمشرع الأمريكي، وكذلك موقف المشرع الأوروبي في مكافحة ظاهرة التزييف العميق باستخدام أنظمة الذكاء الاصطناعي؛ خاصة في ضوء اللائحة الأوروبية الجديدة بشأن الخدمات الرقمية واللائحة الأوروبية بشأن الذكاء الاصطناعي الصادرة في 13 يونيو 2024.
بالإضافة إلى ما سبق سوف نعتمد على المنهج العلمي التحليلي لتوضيح أركان جريمة التزييف العميق باستخدام أنظمة الذكاء الاصطناعي، وكذلك تحديد مع نجاعة آليات المواجهة الجنائية للتزييف العميق باستخدام الذكاء الاصطناعي؛ سواء من خلال التدابير الاحترازية والوقائية لمكافحة هذه الظاهرة الإجرامية أم من خلال التعاون الدولي فيما بين الدول لمكافحتها، كذلك مدى إمكانية الاعتماد على الأدلة الرقمية والذكية في الإثبات أمام المحاكم؛ لتحقيق العدلة الجنائية في ضوء احتمالية تزييفها بواسطة أنظمة الذكاء الاصطناعي.
4. خطة الدراسة:
تنقسم خطة الدراسة إلى مطلبين، وذلك على النحو التالي:
المطلب الأول: ماهية التزييف العميق باستخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي
الفرع الأول: مفهوم التزييف العميق باستخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي في ضوء السياسة الجنائية المعاصرة
الفرع الثاني: صور التزييف العميق باستخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي والتفرقة بينها وبين التزييف التقليدي
المطلب الثاني: أركان جريمة التزييف العميق باستخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي
الفرع الأول: الركن المادي لجريمة التزييف العميق باستخدام الذكاء الاصطناعي
الفرع الثاني: الركن المعنوي لجريمة التزييف العميق باستخدام الذكاء الاصطناعي
الفرع الثالث: آليات المواجهة الجنائية للتزييف العميق باستخدام الذكاء الاصطناعي
ماهية التزييف التعميق باستخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي
في البداية وقبل أن نتناول موضوع المواجهة الجنائية لظاهرة التزييف العميق باستخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي لا بد من توضيح أن هناك العديد من الاستخدامات المشروعة لتطبيقات التزييف العميق باستخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي في مختلف المجالات والتي لا يعاقب عليها القانون، وذلك على النحو التالي)5):
أما بالنسبة لمواجهة للاستخدامات غير المشروعية لتقنيات الذكاء الاصطناعي للتزييف العميق في مجال الخدمات الرقمية؛ فقد نص المشرع الأوروبي في اللائحة الأوروبية للخدمات الرقمية (DSA) والصادرة في يوليو 2022 والتي دخلت حيز النفاذ في 25 أغسطس 2023 على أنه في حالة التزييف العميق المشروع باستخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي لا بد وأن تقوم المنصات الكبيرة عبر الإنترنت(6) بتحديد أن المحتوى الصوتي أو مقطع الفيديو أو الصورة مزيفة بشكل واضح وصريح لمتلقي الخدمات الرقمية(7). وبناء على ذلك يتم منح الإذن بالممارسة المشروعة للتزييف العميق للشركات التي تحتاج إلى القيام بهذه الممارسات، وتطبيقا لذلك؛ فقد تم منح الإذن بمبادلة الوجه في المواد الترويجية والدعاية الإعلانية لشركة (TelcoTelefon) الروسية بشأن الترخيص بهوية بروس ويليس في الحملة الإعلانية لخدماتها الرقمية)8).
في هذا المطلب سوف نستعرض في البداية مفهوم التزييف العميق وخصائصه في الفرع الأول، وفي الفرع الثاني سوف نتناول بالتحديد أوجه الفرق ما بين التزييف العميق باستخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي والتزييف التقليدي.
مفهوم التزييف العميق باستخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي في ضوء السياسة الجنائية المعاصرة
سوف نحدد في البداية مفهوم التزييف العميق باستخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي (أولا)، ثم بعد ذلك نستعرض موقف السياسة الجنائية المعاصرة في مواجهة ظاهرة للتزييف العمق باستخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي (ثانيا)، و(ثالثا) نتناول ـــ بالعرض ـــ خصائص جرائم التزييف العميق باستخدام أنظمة الذكاء الاصطناعي.
أولا: مفهوم التزييف العميق باستخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي:
يقصد بالتزييف العميق بأنه استخدام تقنيات التوليف للوسائط المتعددة من خلال تقنيات الذكاء الاصطناعي، والتي يمكن من خلالها تركيب ملفات الصوت أو الفيديو للملف بطريقة تخالف الحقيقة، فعلى سبيل المثال: تغيير وجه الشخص على مقطع الفيديو أو استبدال صوت الشخص المتحدث بصوت آخر عن طريق إعادة إنتاج صوت الشخص بكلام لم يتحدث به(9). ويقصد بتقنية التزييف العميق بأنه تقنية تعتمد على المزج بين التعلم العميق والتزييف للحقيقة باستخدام تقنيات وخوارزميات الذكاء الاصطناعي، ومثال على ذلك: مقاطع الفيديو التي يتم تزييفها عن طريق التلاعب والاصطناع المفبرك؛ بحيث يتم تصوير أشخاص يقولون ويفعلون أشياء لم تحدث في الحقيقة)10)، وفي هذه الحالة نجد أن تقنية التزييف العميق باستخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي تعتمد بشكل أساسي على الشبكات العصبية للذكاء الاصطناعي التي تقوم بتحليل ومعالجة مجموعة من البيانات والمعلومات الرقمية بطريقة آلية، من أجل تقليد تعبيرات وجه الشخص المعني المراد تزييف صوته وصورته وتصرفاته)11) من خلال إحدى تقنيات أنظمة الذكاء الاصطناعي؛ بحيث تبدو للشخص العادي واقعية وحقيقية على خلاف الواقع.
وعلى العكس مما سبق؛ فقد ذهب جانب من الفقه إلى تبني الاتجاه الموسع في تعريف التزييف العميق باستخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي؛ بحيث يعرفه بأنه كل تلاعب في مقطع فيديو أو صوت من خلال خوارزميات الذكاء الاصطناعي من أجل جعله قابلا للتصديق على أنه حقيقي للشخص العادي، وذلك سعيا من الجناة إلى استخدام التزييف العميق في نشر المعلومات والبيانات المضللة بطريقة أسرع عبر وسائل التواصل الاجتماعي الإلكترونية،(12) وبالتالي التأثير في جمهور المشاهدين والمتابعين؛ مما يؤثر على أمن واستقرار الدول، ومثال على ذلك: أن يقوم الشخص باصطناع أحداث غير حقيقية أو جعل أشخاص حقيقيين يقولون أشياء لم يقولوها أو لم يفعلوها من أجل تشوية سمعة الأشخاص السياسيين، أو تضليل جمهور الناخبين والتأثير على الحياة الديمقراطية ومبدأ سيادة القانون.
وانطلاقا مما سبق؛ فقد نص المشرع الأوروبي في لائحة الخدمات الرقمية (DSA) والتي صدرت في يوليو 2022 ودخلت حيز النفاذ في 25 أغسطس 2023 على تعريف التزييف العميق بأنه)13): "جزءا من المحتوى عبارة عن صورة أو محتوى صوتي أو مقطع فيديو تم اصطناعه أو تم التلاعب به، دون موافقة الشخص المعني، ويشبه بشكل ملحوظ الأشخاص أو الأشياء أو الأماكن أو الكيانات أو الأحداث الأخرى الموجودة؛ بحيث يظهر بشكل خاطئ للشخص العادي على أنه حقيقي على خلاف الواقع". ويتضح من ذلك أن المشرع الأوروبي قد تبني الاتجاه التشريعي الحديث الذي ينظم من خلال القواعد القانونية الخاصة آليات المكافحة لظاهرة التزييف العميق للمحتوى الصوتي أو مقاطع الفيديو أو الصور من أجل توفير الحماية القانونية لمستخدمي المواقع الإلكترونية والتطبيقات ومواقع وسائل التواصل الاجتماعي عبر الإنترنت من أي تزييف للمحتوى يؤدي إلى إيقاع متلقي الخدمات الرقمية في الغلط أو اللبس أو يكون من شأنه أن يؤدي إلى ذلك.
وتأسيسا على ذلك؛ فقد أوجب المشرع الأوروبي على المنصات الكبيرة عبر الإنترنت ضرورة اتخاذ تدابير وقائية لمواجهة هذه الظاهرة الإجرامية والتي تتمثل في الالتزام بتحديد ما إذا كان المحتوى المعروض غير حقيقي ومزيف بطريقة واضحة لمتلقي الخدمات الرقمية، علاوة على ذلك القيام بمحو كل محتوى غير قانوني وهو ما سوف نتناوله بالتوضيح في المطلب الأخير.
ثانيا: موقف السياسة الجنائية المعاصرة من مواجهة ظاهرة التزييف العميق باستخدام أنظمة الذكاء الاصطناعي:
بادئ الأمر؛ كان الشكل المتعارف عليه من الجناة ارتكاب تزييف المحتوى الصوتي أو المرئي من خلال قيامهم باستخدام أدوات للتلاعب في الصورة والصوت بالأساليب التقليدية لتحريف المحتوى؛ مما كان يتطلب من الجناة ـــ مرتكبي هذه الجرائم ـــ التمتع بمهارات فنية عالية لتزييف هذا المحتوى؛ سواء كان مرئيا أم صوتيا، لكن مع ظهور تقنيات وحلول أنظمة الذكاء الاصطناعي أصبح متاحا للأشخاص العاديين من الجناة إمكانية استخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي في التزييف العميق عن طريق إنشاء محتوى مزيف للفيديوهات والصور والصوت من أجل انتحال شخصية أو الهوية الشخصية للغير وتقديم معلومات وبيانات مزيفة عن أنشطتهم وسلوكياتهم أو البيئة المحيطة بهؤلاء الأشخاص محل جريمة التزييف العميق باستخدام خوارزميات الذكاء الاصطناعي دون موافقتهم.
وقد شهد العالم في عام 2014 تحولا كبيرا في مجال تقنيات الذكاء الاصطناعي؛ بحيث أصبح في الإمكان إنشاء مقاطع فيديو وصوت مماثلة للمقاطع الأصلية عن طريق تطوير تقنيات التعلم الآلي العميق والمعقدة بواسطة الشبكات التوليدية التنافسية (Generative adversarial networks)، ونتيجة لذلك؛ فقد استغل الجناة هذه الميزة في ارتكاب جرائم التزييف العميق باستخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي بواسطة إنتاج بيانات ومعلومات جديدة مزيفة لتهديد وابتزاز بعض الأفراد أو التشهير بسمعة السياسيين والأشخاص المشهورين، أو استخدام هذه الفيديوهات في تضليل أفراد المجتمع ونشر الشائعات والبيانات والمعلومات الكاذبة من أجل الإضرار بأمن وسلامة المجتمع عن طريق التلاعب بالرأي العام وتضليله؛ مما يؤثر على الحياة الديمقراطية، أو خلق أدلة مزيفة للتأثير على أحكام المحاكم القضائية)14)، وبالتالي التشكيك في النزاهة والعدالة القانونية ومبدأ سيادة القانون.
وعقب ذلك؛ فقد تم التوسع في استخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي في التزييف العميق، وذلك بشكل أساسي لإنشاء مقاطع فيديو إباحية مزيفة في عام 2017 من أجل الانتقام الإباحي أو الجنسي، وفي إنتاج فيديوهات مزيفة للسياسيين أو الفنانين من ذوي المكانة العالمية، وذلك من أجل تشويه سمعتهم السياسية أو الفنية أو من أجل ابتزازهم للحصول على المال وذلك باستخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي. وفي عام 2019 قامت شركة سامسونج باستخدام نظام يمكنه إنشاء مقاطع الفيديو غير حقيقية لشخص ما، من خلال استخدام صورة واحدة ثابتة وذلك عبر تقنية التعلم الآلي في التمكن من التعرف على تركيب وحركات وجه شخص ما)15)، عقب ذلك يتم تركيب هذا القناع على وجه شخص آخر يتحدث في مقطع الفيديو من أجل اصطناع مقطع فيديو مزيف تزييفا عميقا باستخدام خوارزميات الذكاء الاصطناعي.
ولخطورة هذه الظاهرة الإجرامية؛ فقد تناول تقرير الاتحاد الأوروبي عن الاستخدامات والتجاوزات غير المشروعة للذكاء الاصطناعي بعض التوصيات، ومنها: ضرورة أن يقوم الاتحاد الأوروبي والدول الأعضاء بالنص على المواجهة الجنائية لظاهرة التزييف العميق باعتبارها من الظواهر الإجرامية الحديثة سريعة الانتشار في العصر الرقمي والذكاء الاصطناعي ومن أجل مواكبة المتغيرات التكنولوجية الحديثة، وذلك من خلال اتباع سياسة تشريعية معاصرة وفعالة لمكافحة الاستخدامات غير المشروعة لتقنية التزييف العميق باستخدام خوارزميات الذكاء الاصطناعي على المدى الطويل، دون أي إعاقة لإمكانيات الاستخدام المشروع لهذه التقنية التكنولوجية الحديثة.
وتطبيقا على ذلك؛ فقد أصدرت لجنة الرقمية والثقافية والإعلام في البرلمان البريطاني تقريرا عن مشروع قانون الأمان على الإنترنت في عام 2021، تدعو فيه الحكومة البريطانية إلى سرعة التنظيم القانوني لاستخدامات تقنية التزييف العميق بشكل استباقي)16)، مع التفرقة ما بين الاستخدامات المشروعة لهذه التقنيات والممارسات غير المشروعة التي قد تمثل نوعا من إساءة للتعامل مع الأطفال، أو نوعا من أنواع العنف عبر الإنترنت باعتبارها في النهاية تندرج تحت المحتوى الضار غير القانوني؛ حيث يقتصر التجريم القانوني في التشريع البريطاني على حالة التزييف العميق من أجل الانتقام الإباحي فقط، دون تناول الصور الأخرى لحالات التزييف العميق.
أما بالنسبة لموقف المشرع الأمريكي؛ فنجد أن هناك العديد من الولايات الأمريكية التي نص فيها قانون الولاية على تجريم التزييف العميق مثال ولاية تكساس؛ ففي عام 2019 أصدر مجلس الشيوخ في تكساس قانونا يحظر استخدام تقنية التزييف العميق في المجال السياسي، أما في ولاية فرجينيا؛ فقد تم تعديل القانون لينص على تجريم إنشاء صور أو مقاطع الفيديو غير حقيقية للغير عن طريق تقنية التزييف العميق، بالإضافة إلى النشر أو البيع غير المشروع لصور الغير. أما في ولاية كاليفورنيا ففي عام 2020؛ تم إدخال تعديلات على القانون بحيث أصبح ينص على حظر إنتاج أو نشر مقاطع الفيديو والصور المزيفة تزييفا عميقا باعتبارها إحدى صور جريمة التزييف العميق(17)، ويتضح من ذلك أن المشرع الأمريكي في الولايات الأمريكية قد سعى مبكرا لمواجهة هذه الظاهرة الإجرامية لخطورتها على أمن واستقرار المجتمع الاجتماعي والسياسي.
أما بالنسبة لموقف المشرع المصري فباستقراء القوانين ذات الشأن نجد أن المشرع المصري قد نص على حماية حق الشخص في الصورة والصوت وعدم جواز انتحال هويته الشخصية، وذلك من خلال قانون مكافحة جرائم تقنية المعلومات رقم 175 لسنة 2018؛ حيث نص فيه المشرع المصري على تعريف البيانات والمعلومات الإلكترونية بأنه: "كل ما يمكن إنشاؤه أو تخزينه، أو معالجته أو تخليقه أو نقله، أو مشاركته، أو نسخه بواسطة تقنية المعلومات، مثال على ذلك الأرقام والأكواد والشفرات والحروف والرموز والإشارات والصور والأصوات، وما في حكمها")18). وتأسيسا على ذلك نستطيع القول بأن المشرع المصري يعتبر الصور أو الأصوات التي يتم تزييفها من خلال خوارزميات الذكاء الاصطناعي محل حماية قانونية وفقا لقانون مكافحة جرائم تقنية المعلومات رقم 175 لسنة 2018، باعتبارها صورة من صور جرائم تقنية المعلومات في شكل التزييف العميق. علاوة على ذلك؛ فقد نص المشرع المصري على حماية الحق في البيانات الشخصية من كافة صور الانتهاك، وذلك من خلال القانون رقم 151 لسنة 2020 والذي نص فيه على حماية البيانات الشخصية؛ أي البيانات المتعلقة بالشخص الطبيعي المحدد، أو الذي يمكن تحديده؛ سواء كان ذلك بشكل مباشر أم غير مباشر عن طريق الربط بين هذه البيانات وأي بيانات أخرى كالاسم، أو الصوت أو الصورة، أو رقم تعريفي أو محدد للهوية عبر الإنترنت، أو أي بيانات تحدد الهوية النفسية، أو الصحية أو الاقتصادية، أو الثقافية أو الاجتماعية)19). ويتضح من تعريف المشرع المصري للبيانات الشخصية محل الحماية أن المشرع يحمي حق الشخص في الصورة والصوت ـــ باعتبارهما من البيانات الشخصية ـــ من استغلالهما في ارتكاب الجرائم، ومنها جريمة التزييف العميق باستخدام خوارزميات الذكاء الاصطناعي محل الدراسة، ولكن حتى الآن لا يوجد نص قانوني واضح ومباشر لمواجهة التزييف العميق باستخدام أنظمة وتقنيات الذكاء الاصطناعي.
أما بالنسبة لموقف المشرع القطري؛ فنجد أنه لم ينص صراحة على تجريم ظاهرة التزييف العميق باستخدام تقنيات وأنظمة الذكاء الاصطناعي، ولكن في نفس الوقت توسع في تعريف الجريمة الإلكترونية؛ فقد نص في قانون مكافحة الجرائم الإلكترونية على تعريفها بأنها: "كل فعل ينطوي على استخدام وسيلة تقنية المعلومات أو نظام معلوماتي أو الشبكة المعلوماتية، بطريقة غير مشروعة، بما يخالف القانون")20). علاوة على ذلك؛ فقد نص المشرع القطري في نفس القانون على تجريم كل تعدي على المبادئ أو القيم الاجتماعية، أو نشر أخبار أو صور أو تسجيلات صوتية أو مرئية تتصل بحرمة الحياة الخاصة أو العائلية للأشخاص، ولو كانت صحيحة، أو تعدي على الغير بالسب أو القذف، عن طريق استخدام الشبكة المعلوماتية أو إحدى وسائل تقنية المعلومات)21). وبالتالي يجب أن يستظهر الحكم توفر محل هذه الجرائم وهي مقاطع الفيديو أو الصور التي يتم نشرها على الشبكة المعلوماتية أو وسائل تقنية المعلومات ويخضع ذلك لرقابة محكمة التمييز.
وتطبيقا لذلك فقد قضت محكمة التمييز القطرية بأنه: "لكي يتحقق النموذج الإجرامي – لهذا الوصف – أن يستظهر الحكم في مدوناته تلك المقاطع – التي هي جوهر الواقعة المسندة للطاعن؛ طبقا لوصف النيابة العامة - حتى تستطيع هذه المحكمة – محكمة التمييز – من مراقبة صحة التطبيق القانوني على الواقعة كما أوردها الحكم، وكان من المقرر أنه يتعين على الحكم الصادر بالإدانة أن يورد واقعة الدعوى على نحو تتحقق به أركان الجريمة التي دان الطاعن بها، وأن يورد مؤدى الأدلة على نحو كاف، وهو ما خلا منه الحكم المطعون فيه؛ بما يوجب تمييزه، والإعادة")22).
وعلى ضوء ذلك؛ يتضح لنا أن المشرع القطري قد تبنى الاتجاه الموسع في مكافحة الجرائم الإلكترونية؛ فلم يتطلب في هذه النوع من الجرائم تقديم شكوى من أجل تحريك الدعوى الجنائية على خلاف جرائم السب والقذف التقليدية، وتطبيقا لذلك فقد قضت محكمة التمييز القطرية بأن: "المادة الثالثة من قانون الإجراءات الجنائية القطري قد جرى نصها بأنه: "لا يجوز تحريك الدعوى الجنائية إلا بناء على شكوى من المجني عليه، أو من يقوم مقامه في الجرائم المنصوص عليها في المواد أرقام: (....) من قانون العقوبات القطري، وكذلك في الجرائم الأخرى التي ينص عليها القانون"، كما أن المادة (10) منه نصت أيضا على أن لمن قدم الشكوى أن يتنازل عنها في أي وقت إلى أن يصدر حكم بات في الدعوى، ورتب على ذلك انقضاء الدعوى الجنائية بالتنازل. وكان البين من الأوراق أن الجريمتين اللتين قدم بهما الطاعن من النيابة العامة وتم إدانته عنهما معاقب عليهما بالمادتين (9،8) من القانون رقم (14) لسنة 2014 بإصدار قانون مكافحة الجرائم الإلكترونية القطري، وقد خلا القانون المذكور صراحة من تقييد حرية النيابة العامة في تحريك الدعوى عنهما وسائر ما ورد به من جرائم على تقديم شكوى من المجني عليه، كما فعل ببعض الجرائم المنصوص عليها بالمادة (3) من قانون الإجراءات الجنائية سالفة الذكر، والتي لم يقدم الطاعن لمعاقبته وفقا لأي منها، ومن ثم فإن ما يثيره الطاعن في هذا الشأن، بصدد تحريك الدعوى أو انقضائها بالتنازل يكون غير مقبول، ولا على المحكمة إن لم تعرض لدفاعه في هذا الشأن وإن كان الحكم المطعون فيه عرض إليه واطرحه بما يتفق مع هذا النظر السابق")23).
بالإضافة إلى ذلك؛ فقد جرم المشرع القطري كل استخدام للشبكة المعلوماتية أو إحدى وسائل تقنية المعلومات في تهديد أو ابتزاز شخص لحمله للقيام بعمل أو الامتناع عنه)24). ومنها بالتأكيد استخدام مقاطع الفيديو والصور المزيفة تزييفا عميقا باستخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي في التهديد أو الابتزاز الإلكتروني لحمل شخص على القيام بعمل أو الامتناع عنه على غير إرادته.
وتطبيقا لذلك؛ فقد قضت محكمة التمييز القطرية بأنه: "جريمة التهديد وفقا للنص سالف البيان تتطلب أن يستخدم الجاني الشبكة المعلوماتية التي تتمثل في الشبكات الخاصة والعامة أو الشبكة العالمية "الإنترنت" وأن يكون التهديد بغرض حمل شخص على القيام بعمل أو الامتناع عنه على غير إرادته ويجب أن يتوفر الغرض وقت ارتكاب فعل التهديد، ولم يشترط المشرع أن يكون التهديد علانية أمام جمع فيكفي أن يكون في شبكة خاصة بل تقع الجريمة بمجرد استخدام الجاني الإنترنت في ارتكابها - كما هو الحال في الدعوى الحالية - مؤدى ذلك أن استخدام الجاني برنامج "الواتساب" الذي يعمل بالإنترنت في إرسال رسائل التهديد للمجني عليه لإرغامه على التنازل عن دعوى التزوير- المتداولة في ذلك الوقت - تتحقق به جريمة التهديد كما هي معرفة بالمادة سالفة البيان، ولا يغير من ذلك القضاء بالبراءة في قضية التزوير مادامت الجريمة - التهديد - قد وقعت متكاملة الأركان في تاريخ سابق على ذلك القضاء بالبراءة)25). ويتضح من ذلك أن المشرع القطري قد نص على التجريم ليشمل التهديد أو الابتزاز الإلكتروني لمقطع فيديو أو صورة حقيقية أو مفبركة؛ أي تم تزييفها؛ سواء تم هذا التزييف بالطرق التقليدية أم عبر تقنيات وأنظمة الذكاء الاصطناعي.
علاوة على ما سبق؛ فقد نص المشرع القطري في قانون حماية خصوصية البيانات الشخصية رقم 13 لسنة 2016، على حماية البيانات الشخصية والتي تشمل حماية بيانات هويته المحددة، أو التي يمكن تحديدها بصورة معقولة)26)، والتي تشمل حماية الحق في الصورة والصوت من أي صورة من صور الاعتداء عليها، ومنها التزييف العميق باستخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي. وبالرغم مما سبق؛ نستطيع القول بأن المشرع القطري لم ينص صراحة على قواعد خاصة لتجريم التزييف العميق باستخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي، وبالتالي ندعو المشرع إلى ضرورة التدخل للنص على قواعد خاصة لمواجهة جرائم التزييف العميق باستخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي وذلك لخطورتها على أمن وسلامة المجتمع والأفراد، وفي نفس الوقت واختلاف جريمة التزييف العميق باستخدام أنظمة الذكاء الاصطناعي على الصورة التقليدية من التزييف والتزوير الذي يجرم وفقا للقواعد القانونية التقليدية في القوانين الجنائية، وهذا ما سوف نتناوله بالشرح في الفرع الثاني.
ثالثا: خصائص التزييف العميق باستخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي:
تتنوع وتتعدد الخصائص التي تتميز بها ظاهرة التزييف العميق باستخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي، وذلك ما سوف نستعرضه على النحو التالي)27):
وتطبيقا على ذلك؛ فقد أثير في الولايات المتحدة الأمريكية تساؤل حول ما مدى دقة تقارير خبراء الطب الشرعي للوسائط الرقمية أمام المحكمة الفيدرالية الأمريكية بشأن توثيق الأدلة في حالة ما إذا كان هناك تزييف عميق لهذه الوسائط الرقمية، خاصة في ظل عدم وجود تقنية قاطعة بشأن الكشف عن التزييف لدى خبراء الطب الشرعي للوسائط الرقمية)29). وبناء على ذلك تظهر أهمية التنظيم القانوني الخاص لمواجهة هذه الظاهرة الإجرامية لما تمثله من مخاطر جمة على أدلة الإثبات للوسائط الرقمية أمام المحاكم الجنائية.
صور التزييف العميق باستخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي والتفرقة بينها وبين التزييف التقليدي
تتعدد صور التزييف العميق باستخدام تقنيات وأنظمة الذكاء الاصطناعي، وبالتالي سوف نستعرض في البداية لصور التزييف العميق باستخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي "أولا"، ثم بعد ذلك نتناول التفرقة ما بين التزييف التقليدي والتزييف العميق باستخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي "ثانيا"، وذلك على النحو التالي:
أولا: صور التزييف العميق باستخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي:
قبل أن نتناول صور التزييف العميق باستخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي، نوضح أنواع أنظمة الذكاء الاصطناعي؛ فقد نصت المادة 52 من مشروع قانون الذكاء الاصطناعي في فرنسا على ثلاثة أنواع لأنظمة الذكاء الاصطناعي؛ سواء كانت عالية الخطورة أم لا، وهي على النحو التالي(33):
النوع الأول. أنظمة الذكاء الاصطناعي التفاعلية؛ حيث إن هذا النوع من أنواع أنظمة الذكاء الاصطناعي يقوم على أساس التفاعل مع الأشخاص الطبيعيين باستخدام الروبوتات الذكية وأنظمة الذكاء الاصطناعية التفاعلية الأخرى.
النوع الثاني: أنظمة الذكاء الاصطناعي التعبيرية؛ حيث إن هذا النوع من أنواع أنظمة الذكاء الاصطناعي تهدف إلى التعرف على مشاعر التصنيف البيومترية من خلال تقنيات وأنظمة الذكاء الاصطناعي.
النوع الثالث: أنظمة الذكاء الاصطناعي البحثية، وهذا النوع من أنظمة الذكاء الاصطناعي يتعلق بالنشاط البحثي وهو ما يطلق عليه التزييف العميق باستخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي؛ حيث يتم التلاعب في الصورة أو الصوت أو مقاطع الفيديو لجعلها مشابهة للأشخاص الحقيقيين أو الأشياء أو الكيانات أو الأحداث الأخرى من أجل إنشاء محتوى يبدو على خلاف الواقع حقيقيا. ويجوز استخدام التزييف العميق كضرورة لممارسة الحق في حرية التعبير أو الحق في حرية الفنون والعلوم، ولكن في هذه الحالة ومن أجل ضمان مشروعية هذه الأفعال، لا بد وأن يلزم المشرع المطورين ومستخدمي الأعمال والجهات الفاعلة الأخرى في سلاسل قيمة الإدارية، بما يلي)34):
وتطبيقا على ذلك؛ فقد نص المشروع الأوروبي في لائحة الخدمات الرقمية على مواجهة التزييف العميق باستخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي إلى أن عدم الامتثال لأي شرط أو التزام بخلاف ما هو منصوص عليه سابقا يعاقب بعقوبة الغرامة المالية التي تصل إلى 20 مليون يورو، أو إذا كان الجاني شخصا اعتباريا تكون مقدار الغرامة 4% من إجمالي مبيعاته السنوية للسنة المالية السابقة على ارتكاب الجريمة أو 20 مليون يورو أيهما أعلى، ويكون مقدار الغرامة المالية للمؤسسات والوكالات والهيئات التابعة للاتحاد الأوروبي 250,000 ألف يورو.
أما بالنسبة لصور التزييف العميق باستخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي؛ فنستطيع تقسيم صور التزييف العميق إلى العديد من الأنواع، وذلك حسب كل معيار للتقسيم، وذلك على النحو التالي:
المعيار الأول لصور التزييف العميق باستخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي؛ حيث ينقسم التزييف العميق حسب معيار محل التزييف إلى ثلاثة أنواع: التزييف العميق للمحتوى المرئي، والتزييف العميق للمحتوى الصوتي، والتزييف العميق الفائق أو المتقدم، وذلك على النحو التالي:
يتمثل هذا النوع من التزييف العميق باصطناع أو تركيب مقاطع فيديو أو صور مفبركة لشخص ما من خلال استخدام خوارزميات أنظمة الذكاء الاصطناعي على خلاف الواقع، مثال على ذلك، إنشاء مقاطع الفيديو والصور المزيفة للمشاهير وللأشخاص السياسيين من أجل ابتزازهم والتشهير بهم أو الإضرار بسمعتهم، وذلك عن طريق أما تبديل وجه الشخص المعني بواسطة خوارزميات الذكاء الاصطناعي؛ حيث يتم في هذه الحالة استبدال وجه شخص محدد من خلال تقنيات فك التشفير وتركيب الخرائط الرقمية للوجه باستخدام الخوارزميات التي تقوم بنفس حركات وتعبيرات وجه الشخص المراد تزييف صوره أو مقطع الفيديو الخاص به، ومثال على ذلك، مقطع الفيديو الشهير للرئيس الأمريكي الأسبق بارك أوباما؛ حيث قام فريق (Buzz Feed) بالاستعانة بأحد الممثلين ليقوم بعملية تقليد حركة وجه وفم بارك أوباما، ثم بعد ذلك بواسطة أحد التطبيقات الإلكترونية التي تعمل بتقنيات الذكاء الاصطناعي تمت عملية معالجة هذه المشاهد المصورة للممثل لتبدو صورة مقبولة لبارك أوباما، أما بالنسبة للصوت فتم الاستعانة بممثل آخر قام بتقليد صوت بارك أوباما وإيماءاته)35)، وفي النهاية ظهر الفيديو المفبرك بصورة تبدو حقيقية بدرجة مرعبه بعد عمليات التزييف العميق باستخدام خوارزميات تقنيات الذكاء الاصطناعي.
أما الحالة الثانية؛ فيتم تزييف المحتوى المرئي تزييفا عميقا من خلال استخدام تقنيات الشبكات التوليدية التنافسية لأنظمة الذكاء الاصطناعي؛ لتغيير ملامح الوجه فقط من خلال تعديل تعبيرات الوجه للشخص المعني ومزامنة ذلك مع حركة الشفاه)36)؛ بحيث يتم إدخال البيانات المزيفة على حركة الشفاه الحقيقية للشخص المعني، ومثال على ذلك، الصور المصطنعة ضمن سلسلة من مجموعة الصور الحقيقية للشخص المعني بشكل تبدو فيها حقيقية وذلك باستخدام تقنيات الشبكات التوليدية التنافسية لأنظمة الذكاء الاصطناعي.
يقوم هذا النوع من التزييف العميق باستخدام أنظمة الذكاء الاصطناعي؛ لتقليد الصوت بطريقة التحكم في نبرة صوت شخص ما تجعل الطرف الآخر الذي يستمع للمحتوى الصوتي يعتقد بأنه الصوت الحقيقي، أو تركيب الصوت وتعديله وذلك عن طريق استحداث ملف صوتي مزيف على خلاف الحقيقة، ومثال على ذلك، في عام 2019 تعرضت شركة ألمانية للطاقة للاحتيال بمبلغ 220 ألف دولار بعد أن تم اصطناع محتوى صوتي مزيف تزييفا عميقا باستخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي لصوت شخصية تنفيذية رفيعة المستوى للشركة يطلب فيه من الموظف القيام بعملية التحويل المالي الفوري للمبلغ)37)؛ حيث إن المحتوى الصوتي المزيف تزييفا عميقا كان قادرا على تقليد الصوت والنغمة وعلامات التوقف الصوتية واللهجة الألمانية بشكل مثالي يدعو للقلق من دقة التزييف للصوت.
المعيار الثاني لصور التزييف العميق باستخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي معيار الغاية؛ حيث ينقسم التزييف العميق حسب معيار الغاية إلى ما يلي:
ثانيا: التفرقة ما بين التزييف العميق باستخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي والتزييف التقليدي:
يقصد بالتزييف بشكل عام بأنه: "إعادة إنتاج أو إعادة تقديم لعمل ما بطريقة غير مشروعة")39). وبناء على ذلك نستطيع القول بأن التزييف العميق باستخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي يعتبر مرادف للتزييف الإلكتروني والذي يقصد به كل فعل من شأنه أن يغير الحقيقة في المحتوى الرقمي أو الإلكتروني؛ سواء كان في شكل محتوى مرئي أم صوت أم دعائم وسائط إلكترونية تشمل بيانات ومعلومات تم معالجتها آليا بواسطة تقنيات الذكاء الاصطناعي، وذلك متى توفرت لدى الفاعل نية استعمالها فيما زيف أو زور من أجله.
أما بالنسبة لتعريف التزييف التقليدي فيقصد به كل فعل يغير الحقيقة في مستند أو محرر من شأنه أن يجعل الشيء المفبرك يظهر بمظهر حقيقي يخالف الواقع، ومثال على ذلك، التمويه الذي يقوم به الجاني على عملة بطلاء يجعلها شبيه بعملة أخرى أكثر منها قيمة أو تغيير الحقيقة في محرر على خلاف الحقيقة أو اصطناعه من الأساس، والتزوير الذي يتم على محرر فيغير الحقيقة فيه عن طريق الاصطناع أو التقليد. وتطبيقا على ذلك؛ فقد جرى قضاء محكمة النقض المصرية في جرائم التزييف التقليدية على أن تحضير الأدوات والسبائك اللازمة للتزييف واستعمالها بالفعل في إعداد العملة المزيفة التي لم تصل إلى درجة من الإتقان تكفل لها الرواج في المعاملة هو في نظر القانون من أعمال الشروع المعاقب عليه قانونا؛ حيث إن الجناة قد تعدوا مرحلة الأعمال التحضرية وانتقلوا إلى مرحلة بدء التنفيذ بحيث لو تركوا وشأنهم لتمت الجريمة في أعقاب ذلك مباشرة)40)، ويلاحظ أن المشرع قد مد الحماية القانونية من جريمة التزييف فعاقب على مجرد الشروع في ارتكابها.
ويتضح مما سبق أن جريمة التزييف العميق باستخدام خوارزميات أنظمة الذكاء الاصطناعي تختلف عن جريمة التزييف التقليدية في أن جريمة التزييف العميق تتميز بأنها سهلة الارتكاب وذلك نتيجة استخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي والتعلم الآلي بما يوفر على الجناة سهولة في ارتكاب هذا النوع من الجرائم على عكس جرائم التزييف التقليدية التي تتطلب من الجناة مهارة وحرفية عالية في التزييف والتزوير للمحررات والمستندات حتى يستطيع ارتكاب الجريمة؛ حيث تتميز بالصعوبة في طريقة ارتكابها. علاوة على ذلك؛ فإن مرتكبي جريمة التزييف العميق باستخدام خوارزميات الذكاء الاصطناعي يتمتعون بالذكاء والقدرة على التعامل مع تقنيات وأنظمة الذكاء الاصطناعي وبرامج معالجة البيانات والمعلومات الإلكترونية على عكس الجناة مرتكبي جرائم التزييف والتزوير التقليدية؛ مما يجعل من الصعوبة معه اكتشاف التزييف في جرائم التزييف العميق باستخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي؛ نظرا لاستخدام مستوى احترافي من التكنولوجيا وخوارزميات الذكاء الاصطناعي في معالجة المحتوى الرقمي بدرجة من التعقيد تجعل من الصعوبة بالأمر الكشف على عملية التزييف. علاوة على ذلك؛ فإن الآثار المترتبة على جرائم التزييف العميق باستخدام خوارزميات الذكاء الاصطناعي ليست محدودة النطاق)41)؛ حيث تمتد آثارها إلى نطاق عابر للحدود الوطنية على عكس جريمة التزييف التقليدية التي غالبا ما تكون آثارها مقتصرة على نطاق جغرافي محصور في الدول محل ارتكاب الجريمة فيها.
بالإضافة إلى ذلك؛ فإن المشرعين المصري والقطري يشترطان لقيام جريمة التزييف التقليدية توفر قصد جنائي خاص يتمثل في نية استعمال العملة المزيفة؛ علاوة على القصد الجنائي العام المتمثل في توفر عنصري العلم والإرادة، وتطبيقا على ذلك؛ فقد قضت محكمة النقض المصرية بأن جريمة التزييف وإن استلزمت – فضلا عن القصد الجنائي العام – قصدا خاصا – هو نية استعمال العملة المزيفة في التداول؛ مما يتعين على الحكم استظهاره إلا أن المحكمة لا تلتزم بإثباته في حكمها على استقلال متى كان ما أوردته عن تحقيق الفعل المادي يكشف بذاته عن توفر تلك النية التي يتطلبها القانون، وذلك ما لم تكن محل منازعة من الجانبين فإنه يكون متعينا حينئذ على الحكم بيانها صراحة وإيراد الدليل على توفر نية استعمال العملة المزيفة)42). وتأسيسا على ما سبق؛ نستطيع القول بأن جريمة التزييف العميق باستخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي تختلف بشكل واضح عن جريمة التزييف التقليدية المتعارف عليها وفقا لقواعد قانون العقوبات، الأمر الذي يستوجب معه استحداث قواعد قانونية خاصة لمكافحة هذه النوع من الجرائم، بحيث تتلاءم مع طبيعتها وخصائصها المتطورة والحديثة وتستهدف الجناة مرتكبي جرائم التزييف العميق باستخدام أنظمة الذكاء الاصطناعي.
أركان جريمة التزييف العميق باستخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي
مما لا شك فيه أن مقاطع الفيديو عبر الإنترنت وخاصة على مواقع التواصل الاجتماعي عبر الإنترنت والتطبيقات الإلكترونية أصبحت اليوم أداة مهمة لجذب جمهور المشاهدين من رواد المنصات الإلكترونية، بل تعددت الوسائل والأساليب التي تعمل على سرعة انتشارها عبر الإنترنت باعتبارها نوعا من الترفيه والتعليم، ولكن أـساء بعض الأشخاص استخدام مقاطع الفيديو والصور لتشويه سمعة الغير من السياسيين أو الفنانين أو غيرهم من الأشخاص العاديين، أو استخدامها في الأعمال المنافية للآداب العامة عن طريق اصطناعي أو تركيب الفيديوهات المفبركة غير الحقيقة عبر التزييف العميق باستخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي.
وبناء على ذلك؛ فسوف نستعرض في هذا المطلب البنيان القانوني لجريمة التزييف العميق باستخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي من خلال ما يلي، في الفرع الأول نتناول ـــ بالتوضيح ـــ الركن المادي لجريمة التزييف العميق باستخدام الذكاء الاصطناعي، وفي الفرع الثاني نستعرض الركن المعنوي لجريمة التزييف العميق باستخدام الذكاء الاصطناعي، وفي النهاية نتناول في الفرع الثالث ـــ بالعرض ـــ الآليات القانونية الجنائية لمواجهة جريمة التزييف العميق باستخدام الذكاء الاصطناعي.
الركن المادي لجريمة التزييف العميق باستخدام الذكاء الاصطناعي
تقوم جريمة التزييف العميق باستخدام الذكاء الاصطناعي على أساس التلاعب بمقاطع الفيديو والصور والصوت بكل إجراء من شأنه التلاعب في المحتوى المرئي أو الصوتي أو كليهما باستخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي، وذلك من أجل تزييف حقيقة الأشياء والأماكن أو الأشخاص وغيرها من البيانات والمعلومات الأخرى؛ بحيث يبدو المحتوى المزيف تزييفا عميقا باستخدام خوارزميات الذكاء الاصطناعي حقيقيا للشخص المعتاد متوسط الخبرة والمعرفة. وبناء على ذلك نستطيع القول بأن محل جريمة التزييف العميق باستخدام الذكاء الاصطناعي يقع على المحتوى المزيف سواء كان المحتوى المزيف مرئيا أم صوتيا، وكذلك نستطيع القول بأن الركن المادي لجريمة التزييف العميق باستخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي يتم من خلال ارتكاب صورة من صور الأنشطة الإجرامية التي تتمثل في اصطناع أو تركيب أو إنشاء من أجل تزييف المحتوى المرئي أو الصوتي، وذلك على النحو التالي:
أولا: تزييف المحتوى المرئي باستخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي في صورة تغيير الحقيقية من خلال (التركيب – الاصطناع – الإنشاء):
حيث يتم في هذه الحالة استخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي في إنشاء محتوى مزيف تزييفا عميقا يتمثل في صور أو مقاطع الفيديو مزيفة تزييفا عميقا، ويتم هذا السلوك الإجرامي من خلال تغيير الحقيقة في المحتوى بإحدى الصور التالية)43):
الحالة الأولى: تزييف المحتوى المرئي عن طريق تغيير الوجه باستخدام خوارزميات أنظمة الذكاء الاصطناعي بواسطة فك التشفير والتشفير لوجه الشخص محل جريمة التزييف المرئي لوضعها على وجه شخص آخر، وذلك بواسطة معرفة تركيب الخريطة الرقمية لمقطع الفيديو أو الصور المراد تزييفها تزييفا عميقا باستخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي. وفي هذه الحالة يتم تغذية تطبيق الذكاء الاصطناعي بالعديد من الصور الحقيقية للشخص محل جريمة التزييف العميق والشخص القائم بعملية التزييف من أجل كشف أوجه التشابه والاختلاف بينهما، وبناء على ذلك تقوم خوارزميات الذكاء الاصطناعي بعمليات المعالجة للبيانات والمعلومات لمقاطع الفيديو والصور والتي ينتج عنها المحتوى المرئي المزيف لمقاطع الفيديو والصور.
الحالة الثانية: تزييف المحتوى المرئي عن طريق التلاعب بالوجه باستخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي؛ حيث يتم تعديل تعابير الشخص محل عملية التزييف العميق ومزامنة حركات الشفاه باستخدام خوارزميات الذكاء الاصطناعي بواسطة الشبكات التوليدية التنافسية، ففي هذه الحالة يتم إدخال بيانات كم من المعلومات والبيانات في تقنية الخوارزميات الذكاء الاصطناعي من أجل القيام بتحويلها إلى صور ومقاطع فيديو بواسطة تقنية الشبكات التوليدية التنافسية، عقب ذلك يتم إضافة الصور ومقاطع الفيديو المصطنعة إلى سلسلة الصور ومقاطع الفيديو الحقيقية للشخص محل عملية التزييف العميق، وبناء على ذلك تقوم تقنية الخوارزميات لأنظمة الذكاء الاصطناعي بتحسين جودة عمليات معالجة هذه المعلومات والبيانات؛ مما يؤدي في النهاية إلى التوصل إلى مقاطع الفيديو والصور المزيفة تزييفا عميقا التي تبدو حقيقية على خلاف الواقع.
ثانيا: تزييف المحتوى الصوتي عن طريق تغيير الحقيقة باستخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي:
حيث يتم في هذه الحالة تزييف المحتوى الصوتي تزييفا عميقا باستخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي عن طريق تركيب الصوت وتعديله من خلال إنشاء ملف صوتي مزيف يتضمن نفس صوت الشخص محل جريمة التزييف العميق ولكن لكلام لم يقله في حقيقة الأمر، أو تغيير نبرة صوته للتلاعب بالحقائق من أجل إظهار قيامه بسلوك غير حقيقي؛ مما يعطي انطباعا مزيفا عنه يخالف حقيقة الأمر وبشكل يضر ويشوه سمعة الشخص محل التزييف العميق، ويتم بعد ذلك نشر هذه المقاطع المزيفة على مواقع التواصل الاجتماعي الإلكترونية وعلى المواقع الإخبارية عبر الإنترنت.
والنتيجة الإجرامية لجريمة التزييف العميق باستخدام خوارزميات الذكاء الاصطناعي تتمثل في نشر المحتوى المزيف للجمهور دون رضاء الشخص المعني؛ حيث يستلزم للعقاب عن هذه الجريمة أن يكون المحتوى المزيف متاحا لعدد غير محدود من الأشخاص؛ مما يعني جعل المعلومات المفبركة سواء كانت في صورة مقاطع فيديو أم صور أو مقاطع صوتية متاحة بسهولة للمتلقي من الجمهور بشكل عام دون اتخاذ أي إجراء آخر من قبل المتلقي التي تقدم إليه هذا المحتوى المزيف، وبغض النظر عما إذا كان هؤلاء الأشخاص يصلون بالفعل إلى هذا المحتوى المزيف. علاوة على ضرورة توفر علاقة السببية بين السلوك الإجرامي المتمثل في توفر صورة من صور التزييف العميق باستخدام أنظمة الذكاء الاصطناعي والتي أدت إلى تحقق النتيجة الإجرامية والمتمثل في التزييف العميق للفيديو أو الصوت ونشره على مواقع التواصل الاجتماعي أو عبر الإنترنت أو التطبيقات الإلكترونية أو غيرها من الوسائل الرقمية والوسائط الإلكترونية المختلفة.
وبناء على ذلك؛ فقد نص المشرع الفرنسي في الفقرة الأولى من المادة 226 – 8 من قانون العقوبات على تجريم كل نشر بأي وسيلة كانت لصوت أو صورة تم التلاعب فيه عن طريق المونتاج دون موافقة الشخص المعني على ذلك، بحيث يعاقب بالسجن لمدة لا تزيد عن سنة وبالغرامة المالية التي لا يزيد مقدارها عن مبلغ 15.000 يورو)44). ولكن موقف المشرع الفرنسي محل انتقاد، وذلك لأن المشرع قصر التجريم عن طريق فعل المونتاج على الصوت أو الصورة، وبالتالي وكنتيجة لمبدأ الشرعية الجنائية لا يمكن التوسع في تفسير النص الجنائي ضد مصلحة المتهم بحيث يشمل التجريم الصور الحديثة للتزييف العميق باستخدام خوارزميات الذكاء الاصطناعي، وبناء على ذلك ففي 4 يوليو 2023 تم تقديم مشروع قانون يتعلق بتأمين وتنظيم الفضاء الرقمي إلى مجلس الشيوخ الفرنسي يهدف إلى مكافحة المحتوى غير القانوني عبر الإنترنت مثال: (مكافحة التحرش عبر الإنترنت – التحكم في عمر جمهور المحتوى الإباحي – تنظيم مواقع التأجير بغرض سياحي – تنظيم قضايا التغييرات في مشغلي العقود السحابية – مكافحة التزييف العميق باستخدام خوارزميات الذكاء الاصطناعي، ... إلخ))45).
وفيما يتعلق بوضع الإطار القانوني للتزييف العميق باستخدام خوارزميات الذكاء الاصطناعي؛ فقد اقترح مشروع القانون إضافة فقرة إلى المادة 226 – 8 من قانون العقوبات الفرنسي تنص على تجريم كل فعل من شأنه نشر لتلاعب أو تغيير الحقيقة بأي وسيلة كانت للمحتوى المرئي أو الصوتي الناتج عن المعالجة الخوارزمية وإعادة إنتاج صورة أو صوت كلمات لشخص ما، دون موافقته، ما لم يكن واضحا للشخص العادي أن المحتوى الصوتي أو المرئي الذي تم إنشاؤه مفبرك من خلال تقنية التزييف العميق باستخدام خوارزميات الذكاء الاصطناعي، وفي هذه الحالة تكون العقوبة الحبس لمدة لا تزيد عن عام والغرامة المالية التي لا تزيد عن 15,000 يورو. بالإضافة إلى ذلك؛ فقد أضاف مشروع القانون فقرة تتعلق بتشديد العقوبة لتصبح السجن لمدة لا تزيد عن عامين والغرامة المالية التي لا يزيد مقدارها عن 45,000 يورو في حالة ما إذا تم نشر المحتوى المرئي أو الصوتي الناتج عن المعالجة الخوارزمية باستخدام خدمة اتصال عامة عبر الإنترنت.
وبموجب هذا النص تم تعريف التزييف العميق باستخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي بأنه: تقنية تركيب أحادية أو متعددة الوسائط تعتمد على الذكاء الاصطناعي؛ بحيث يمكن استخدامه لتركيب أو دمج الصور أو ملفات الفيديو أو الصوت الموجودة على صور أو ملفات فيديو أو صوت، أو لإنشاء محتوى مصطنع حول شخص مستهدف بناء على سلوك الشخص المصدر، أو حتى من أجل إنشاء محتوى مشابه بشكل مصطنع بناء على أوامر نصية(46). وبناء على ذلك؛ فإن الواقع المعاصر يظهر منه الحاجة إلى ضرورة وضع إطار قانوني خاص للتعامل مع الإشكاليات القانونية التي تثيرها تقنيات الذكاء الاصطناعي وخاصة المتعلقة بالتزييف العميق باستخدام خوارزميات الذكاء الاصطناعي من أجل حماية الحقوق الرقمية للشخص خاصة حقه في خصوصية البيانات الشخصية والتي تتمثل في عدم استخدام بياناته الشخصية (الصوت والصورة) دون موافقته، وذلك عن طريق تغيير إرادة المشرع في ضوء السياسة التشريعية المعاصرة لمواجهة هذه الظاهرة الإجرامية الرقمية. علاوة على ذلك؛ حماية الحق في المعرفة وحرية تداول المعلومات للشخص في العالم الافتراضي كحماية للحقوق الرقمية للشخص، وعلى سبيل المثال لذلك؛ مكافحة التضليل الرقمي وانتشار الشائعات لحماية حق الجمهور في التمييز بين ما هو مفبرك وبين ما هو حقيقي من المعلومات والبيانات.
أما بالنسبة لموقف المشرع الأوروبي؛ فنجد أنه كان سباقا منذ عام 2017 في سعيه لوضع الإطار القانوني لأنظمة الذكاء الاصطناعي والروبوتات، وفي سبيل مواجهة المخاطر الناجمة عن استخدامات أنظمة الذكاء الاصطناعي؛ فقد سعى المشرع الأوروبي إلى وضع قانون للذكاء الاصطناعي؛ حيث تمت القراءة الأولى لمشروع اللائحة الأوروبية لتنظيم أنظمة الذكاء الاصطناعي في 14 يونيه 2023، وقد صدرت اللائحة الأوروبية بشأن الذكاء الاصطناعي في 13 يونيه 2024؛ حيث نصت المادة 50 من اللائحة الأوروبية بشأن الذكاء الاصطناعي رقم 1689 لسنة 2024 على مجموعة من الالتزامات بالشفافية التي تقع على عاتق الموردين والناشرين لأنظمة الذكاء الاصطناعي، منها ما يتعلق بمواجهة التزييف العميق باستخدام أنظمة الذكاء الاصطناعي، وهي على النحو التالي)47):
1. الالتزام بوضع علامة يمكن قراءتها بوضوح على مخرجات أنظمة الذكاء الاصطناعي المخصصة للأغراض العامة والتي تولد محتوى اصطناعي من الصوت أو الصورة أو الفيديو أو النص، تفيد أنه مزيف أي ما تم إنشاؤه أو التلاعب بها بواسطة أنظمة الذكاء الاصطناعي غير حقيقي.
2. الالتزام باحترام حق الأشخاص في الخصوصية وكافة القيود المنصوص عليها في الاتحاد الأوروبي لحماية الحق في الحياة الخاصة.
3. الالتزام بإبلاغ الأشخاص المعرضين لأنظمة الذكاء الاصطناعي القادرة على التعرف على المشاعر أو نظم التصنيف البيومتري بتشغيل تلك الأنظمة وأنها تقوم بمعالجة البيانات الشخصية وفقا للوائح وقيود الاتحاد الأوروبي في حماية البيانات سواء الشخصية أم البيانات الأخرى، وفقا للائحة الأوروبية رقم 679 لسنة 2016، واللائحة الأوروبية رقم 1725 لسنة 2018، والتوجيه الأوروبي رقم 680 لسنة 2018.
4. التزام القائمين على نشر نظم الذكاء الاصطناعي بالإشارة إلى أن هذا النظام يقوم بإنشاء أو معالجة الصور أو محتوى الصوت أو الفيديو الذي يشكل تزييفا عميقا إلى أن المحتوى قد تم إنشاؤه أو معالجته بواسطة الذكاء الاصطناعي.
ويستثنى من هذه الالتزامات، عندما يكون الاستخدام مسموحا به بموجب القانون لأغراض منع الجريمة، أو اكتشافها، أو التحقيق فيها، أو ملاحقة مرتكبيها قضائيا، أو عندما يكون المحتوى جزءا من عمل، أو برنامج فني، أو إبداعي، أو ساخر، أو خيالي، أو ما شابه ذلك؛ فتتمتع تلك الالتزامات بالشفافية بطريقة مناسبة لا تتعارض مع عرض العمل أو الاستمتاع به. ويترتب على الإخلال بتلك الالتزامات المتعلقة بالشفافية أن يتم توقيع عقوبة الغرامة المالية الإدارية التي تصل إلى 15 مليون يورو على القائمين بالنشر أو الموردين أو المشغلين لأنظمة الذكاء الاصطناعي أو نسبة 3% من إجمالي مبيعات الشركة السنوية في جميع أنحاء العالم أيهما أكبر)48).
الركن المعنوي لجريمة التزييف العميق باستخدام الذكاء الاصطناعي
تعتبر جريمة التزييف العميق باستخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي من الجرائم العمدية التي تتطلب توفر القصد الجنائي العام بعنصرية العلم والإرادة، بمعنى أن يعلم الجاني بأنه يقوم بإنشاء أو اصطناع أو تركيب مقطع فيديو أو صورة أو محتوى صوتي غير حقيقي للشخص المعني محل جريمة التزييف العميق وذلك باستخدام تقنية من تقنيات أنظمة الذكاء الاصطناعي، وأن إرادته الحرة والواعية قد اتجهت إلى ارتكاب هذا النشاط الإجرامي وإلى تحقيق النتيجة الإجرامية وهي تزييف الحقيقية في المحتوى الصوتي أو المرئي للشخص المعني بدن موافقته؛ أي جعل المحتوى يبدو حقيقيا على خلاف الواقع عن طريق تزييف الصوت أو الصورة أو الفيديو للشخص المعني، وأن يتم ارتكاب هذه الجريمة من أجل نشره دون موافقة أو رضاء المجني عليه.
ويثور التساؤل حول هل جريمة التزييف العميق باستخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي من الجرائم العمدية التي تتطلب بالإضافة إلى قصد جنائي عام توفر قصد جنائي خاص، أم أنه لا يشترط توفر القصد الجنائي الخاص للعقاب عن هذه الجريمة؟ وللإجابة على ذلك التساؤل نستطيع القول بأن جريمة التزييف العميق باستخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي من الجرائم العمدية التي تتطلب قصد جنائي خاص يتمثل في نية استعمال المحتوى الصوتي أو المرئي المزيف تزييفا عميقا. حيث مناط الحماية في جريمة التزييف العميق يتمثل في حماية الحق في الصوت والصورة للشخص باعتبارها من الحقوق الأساسية للفرد، وبالتالي؛ فمن يقوم بارتكاب هذه الجريمة عن طريق إنشاء أو اصطناع أو تركيب أو التلاعب أو أي صورة أخرى من صور التزييف العميق باستخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي، لا بد وأن يتوفر لديه نية خاصة تتمثل في نية استعمال هذا المحتوى المزيف فيما زيف من أجله، فعلى سبيل المثال إذا كان التزييف العميق من أجل الانتقام الجنسي أو الإباحي، فلا بد أن يتوفر لدى الجاني نيه استعمال المحتوى المزيف تزييفا عميقا من أجل التشهير والانتقام الجنسي من المجني عليه عن طريق نشر هذه المقاطع المزيفة على المواقع الاجتماعية والمنتديات الإلكترونية وتطبيقات المراسلة الإلكترونية وغيرها من الصفحات والمواقع عبر الإنترنت.
آليات المواجهة الجنائية للتزييف العميق باستخدام الذكاء الاصطناعي
سوف نستعرض في البداية آليات الكشف عن مقاطع الفيديو والصور والصوت المزيفة تزييفا عميقا باستخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي (أولا)، ثم بعد ذلك نحدد آليات التعاون الدولي في مكافحة جريمة التزييف العميق باستخدام خوارزميات الذكاء الاصطناعي (ثانيا)، عقب ذلك نوضح الضمانات الإجرائية واحترام حقوق الإنسان في جرائم التزييف العميق (ثالثا)، وفي النهاية نستعرض التدابير الوقائية والاحترازية لمواجهة التزييف العميق باستخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي (رابعا)، وذلك على النحو التالي:
أولا: آليات الكشف عن مقاطع الفيديو والصور والصوت المزيفة تزييفا عميقا باستخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي:
في واقع الأمر؛ كما يمكن الاستعانة بخوارزميات الذكاء الاصطناعي من قبل الجناة في ارتكاب الجرائم وخاصة جريمة التزييف العميق، يمكن استخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي والتعلم الآلي في الوقاية من الجرائم وخاصة جريمة التزييف العميق؛ فيمكن لتكنولوجيا الذكاء الاصطناعي والتعلم الآلي من تدعيم السياسة الجنائية المعاصرة للوقاية من الجرائم وخاصة جريمة التزييف العميق محل الدراسة من خلال التبصر المبكر بالسلوك الإجرامي ودقة الاستشعار به، وذلك من خلال تفسير علاماته الدالة عليه وتحليل المعلومات والبيانات بطريقة أكثر موثوقية، علاوة على ذلك؛ فإن الشركات التجارية الكبيرة تقوم بالاستعانة بتقنيات الذكاء الاصطناعي لإدارة المخاطر العالية وكشف عمليات الاحتيال والتزييف والتصدي لها من أجل منع الجرائم والتنبؤ بها لمواجهة الخطورة الإجرامية في المستقبل(49). وتطبيقا على ذلك؛ فقد استعانت شركات منصات وسائل التواصل الاجتماعي الإلكتروني بتقنيات الذكاء الاصطناعي والتعلم الآلي في منع المحتوى غير المشروع والأخبار الزائفة والشائعات وخاصة تلك الناتجة عن مقاطع الفيديو والصور المزيفة تزييفا عميقا بواسطة خوارزميات الذكاء الاصطناعي.
وانطلاقا مما سبق؛ فقد سعى العلماء في مجال التقنيات التكنولوجية والذكاء الاصطناعي للتفرقة ما بين مقاطع الفيديو الأصلية والمقاطع التي تم تزييفها بواسطة التزييف العميق باستخدام الذكاء الاصطناعي؛ فتم الاستعانة بتقنية فوتو بليثيسموغرافي (Photo plethysmography) (PPG)؛ بحيث يتم من خلالها الكشف عن التغيرات في تدفق الدم في الجسم للتفرقة ما بين مقاطع الفيديو الأصلية والمصطنعة باستخدام التزييف العميق؛ حيث قامت شركة أنتل باستخدام نظام (Fake Catcher) لكشف التزييف في مقاطع الفيديو، وبالرغم من نجاح البرنامج في الكشف عن مقاطع الفيديو المزيفة إلا أن هذا النظام محل انتقاد باعتباره غير قادر على تحليل الصوت، وبناء على ذلك؛ فقد صنف هذا النظام بعد مقاطع الفيديو الحقيقية على أنها مزيفة من خلال الاستماع إلى الصوت؛ مما قد يتسبب في مشاكل على اعتبار المقطع في واقع الأمر أصلي وليس مزيفا)50). ونظرا لاستخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي في التزييف العميق بحيث أصبح في الإمكان جعل المحتوى المزيف تزييفا عميقا أقرب إلى المحتوى الحقيقي بشكل يصعب فيه على الرجل المعتاد اكتشاف التزييف العميق، إلا أنه يمكننا وبواسطة تقنيات الذكاء الاصطناعي اكتشاف مقاطع الفيديو والصور المزيفة تزييفا عميقا من خلال ما يلي)51):
علاوة على ما سبق؛ فقد اعتمد موقع جوجل عبر جوجل للصور أداة داتا اكسيف (Exifdata) على تقديم خدمة مجانية يمكن للشخص معرفة ما إذا كان مقطع الفيديو أو صورة مبركة من عدمه، عبر نسخ الصور أو تحميل الرابط الخاص بمقطع الفيديو للتعرف على مصدقة المحتوى المرئي)52)، كذلك خصصت منظمة العفو الدولية روابط يمكن من خلالها التحقق من مصداقية مقاطع الفيديو لمكافحة التضليل البصري الذي يعتمد على عرض محتوى مرئي مزيف تزييفا عميقا باستخدام خوارزميات الذكاء الاصطناعي سواء كان في شكل صور أم مقاطع فيديو مزيفة تزييفا عميقا.
ثانيا. آليات التعاون الدولي في مكافحة جريمة التزييف العميق باستخدام خوارزميات الذكاء الاصطناعي:
نظرا للطبيعة الخاصة لجرائم التزييف العميق باستخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي باعتبارها من الجرائم الإلكترونية التي يتم ارتكابها عن بعد وبطريقة عابرة للحدود الوطنية؛ لذلك فقد شجع مؤتمر الأطراف في اتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الجريمة المنظمة عبر الوطنية الدول الأطراف في عام 2016 على ضرورة الاستفادة من التقنيات التكنولوجية من أجل تسهيل التعاون بين الدول في مكافحة هذا النوع من الجرائم)53). وتطبيقا على ذلك، استخدام تقنيات التكنولوجيا الحديثة والتي تتيح استخدام المنصات الإلكترونية لإدارة طلبات التعاون الدولي للمساعدة القانونية المتبادلة سواء كانت في شكل صادر أم وارد أم تجميع كافة المعلومات والبيانات الإحصائية عن القضايا والاتجاهات وخاصة جريمة التزييف العميق)54)، وذلك على خلاف استخدام الأساليب التقليدية في إدارة طلبات المساعد القانونية من خلال السجلات الورقية؛ مما يوفر الوقت والجهد ويضمن سرعة إرسال واستلام المعلومات والبيانات خاصة في ظل استخدام الجناة للتقنيات التكنولوجية والذكاء الاصطناعي في ارتكاب جرائمهم، وخاصة جريمة التزييف العميق محل الدراسة.
ثالثا: الضمانات الإجرائية واحترام حقوق الإنسان في مكافحة جرائم التزييف العميق:
في واقع الأمر يجب توفير الضمانات الإجرائية واحترام حقوق الإنسان أثناء الإجراءات الجنائية في جريمة التزييف العميق باستخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي، ويتمثل ذلك في تطبيق الضمانات الإجرائية المتعلقة بمدى قبول الأدلة المتحصلة بأساليب التحري والاستدلال أمام المحاكم الجنائية، بما في ذلك الأدلة التي تتطلب استخدام تقنيات التكنولوجيا وخوارزميات الذكاء الاصطناعي، ونستطيع أن نجمل هذه الضمانات على النحو التالي)55):
رابعا. التدابير الوقائية والاحترازية لمواجهة التزييف العميق باستخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي:
تتعدد التدابير الوقائية للحماية من التزييف العميق باستخدام خوارزميات الذكاء الاصطناعي، ويمكن لنا الاعتماد في هذا المجال على موقف المشرع الأوروبي بموجب اللائحة الأوروبية لخدمات الرقمية (DAS) (57)والتي تشمل ما يلي:
التزام مقدمي الخدمات عبر الإنترنت بالحفاظ على قاعدة بيانات ومعلومات محدثة بشكل مستمر، ومنها الالتزام بتقديم البيانات والمعلومات والقرارات وبيان الأسباب في شكل موحد دون تأخير لا مبرر له عندما يطلب منه من قبل السلطات القانونية وفقا للقواعد المنصوص عليها في القانون.
الخاتمة
نخلص في نهاية هذا البحث إلى أن التزييف العميق باستخدام أنظمة الذكاء الاصطناعي يقصد به استخدام تقنيات وخوارزميات الذكاء الاصطناعي التي تعتمد على المزج بين التعلم العميق والتزييف العميق من أجل تغيير الحقيقة في المحتوى الصوتي أو المرئي للشخص ونشره دون موافقته، وفي هذه الحالة نجد أن تقنية التزييف العميق باستخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي تعتمد بشكل أساسي على الشبكات العصبية للذكاء الاصطناعي التي تقوم بتحليل ومعالجة مجموعة من البيانات والمعلومات الرقمية بطريقة آلية، من أجل تقليد تعبيرات وجه الشخص المعني المراد تزييف صوته وصورته وتصرفاته بدون موافقته.
وبناء على ذلك تظهر الحاجة إلى مواجهة الخطورة الإجرامية لظاهرة التزييف العميق باستخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي على أمن واستقرار المجتمع؛ فمما لا شك فيه أن المعلومات والبيانات المزيفة تزييفا عميقا باستخدام خوارزميات الذكاء الاصطناعي لها تأثير خطير على أمن وسلام المجتمع واستقراره، وذلك عبر استخدامها في التهديد والتشهير الإلكتروني لسمعة الأشخاص خاصة الأشخاص السياسيين والمشهورين، كذلك أصبحت تشكل مادة أساسية لحروب الجيل الخامس من نشر الشائعات والبيانات والمعلومات المضللة التي يكون لها تأثير على الرأي العام والديمقراطية في الدول. وقد خلصنا في نهاية البحث إلى مجموعة من النتائج والتوصيات على النحو التالي:
أولا: النتائج:
ثانيا: التوصيات:
قائمة المراجع
أولا: قائمة المراجع باللغة العربية:
https://www.bbc.com/arabic/articles/c0xv408l61go
تاريخ الزيارة 27/8/2024.
https://www.unite.ai/ar/european-and-uk-deepfake-regulation-proposals-are-surprisingly-limited/
تاريخ الزيارة 30 أغسطس 2024.
تاريخ الزيارة 2 سبتمبر 2024.
http://al-ain.com/article/deepfacke-the-futue-of-smart-software-law.
تاريخ الزيارة 2 سبتمبر2024.
ثانيا: قائمة المراجع باللغة الأجنبية:
http://regmedia.co.uk/2019/10/08/deepfake-report.pdf.
https://www.dalloz.fr/documentation/Document?ctxt=0_YSR0MD1EZWVwIEZha2XCp3gkc2Y9c2ltcGxlLXNlYXJjaA%3D%3D&ctxtl=0_cyRwYWdlTnVtPTHCp3MkdHJpZGF0ZT1GYWxzZcKncyRzb3J0PSNkZWZhdWx0X0Rlc2PCp3Mkc2xOYlBhZz0yMMKncyRpc2Fibz1UcnVlwqdzJHBhZ2luZz1UcnVlwqdzJG9uZ2xldD3Cp3MkZnJlZXNjb3BlPUZhbHNlwqdzJHdvSVM9RmFsc2XCp3Mkd29TUENI. V., Le 5 Avril 2024.
Diakopoulos Nicholas, Johnson Deborah, Anticipating and addressing the ethical implications of deepfakes in the context of elections, New media & Society, 2021, Vol, 23, (7).
https://www.dalloz-actualite.fr/flash/vers-un-encadrement-legal-des-deepfakes#results_box, V., Le 11 Sept 2023.
https://doi-org/10.1016/J.chb.2022.107305.
https://www.senat.fr/amendements/2022-2023/778/Amdt_127.html, V., 11 sept 2024.
ثالثا: التقارير والأحكام القضائية:
https://documents-dds-ny.un.org/doc/unidir.innvations-dialogue.com
تاريخ زيارة الموقع الإلكتروني 31 أغسطس 2024.
المشاهدات
التحميلات
الاستشهادات
المؤلفون
إصدار
السنة