إن تسارع الأحداث الدبلوماسية حول البرنامج النووي الإيراني وحتى الإسرائيلي، زاد من ضرورة إبراز الأوجه القانونية لامتلاك واستخدام الأسلحة النووية في القانون الدولي، مثلما هو الحال للرأي الاستشاري لمحكمة العدل الدولية الصادر بتاريخ 8/7/1996 والمتعلق بمشروعية استخدام أو التهديد باستخدام الأسلحة النووية؛ لذلك تكمن مشكلة هذا التعليق حول بيان ما موقف محكمة العدل الدولية من استخدام أو التهديد باستخدام الأسلحة النووية عبر منطوق رأيها الاستشاري، وكيف ساهم هذا الرأي في تكريس مبدأ حظر انتشار الأسلحة النووية؟
وانتهى التعليق إلى نقد عمل محكمة العدل الدولية في هذا الشأن من منطلق أنها مالت نحو ترجيح الطابع السياسي للمسألة - محل التعليق – تحت ضغوط الدول النووية الكبرى، وهذا ما يعزز نقد الباحث إلى الأمم المتحدة التي تعمل فقط لصالح الدول الكبرى تحت رعاية مجلس الأمن الدولي عن طريق حق الاعتراض (الفيتو). وأوصى التعليق بضرورة تدعيم استقلال محكمة العدل الدولية في عملها عن الاعتبارات السياسية للدول الأعضاء؛ خاصة الكبرى منها كخطوة لترسيخ ودعم الأمن والسلم الدوليين بشكل فعلي في الواقع العملي.
المقدمة
منذ أن نجح الإنسان في استخدام الطاقة الذرية في الأغراض العسكرية، في صورة ما يسمى بالأسلحة النووية أو الذرية، بل واستخدامها بالفعل في نهاية الحرب العالمية الثانية ضد مدينتي (هيروشيما ونجازاكي) اليابانيتين، وما نتج عن ذلك من دمار هائل وخسارة بشرية لعشرات الآلاف من البشر، ثارت مسألة مدى مشروعية استخدام هذا النوع من أسلحة الدمار الشامل، أو التهديد به في العلاقات الدولية، وذلك بالنظر إلى قواعد ومبادئ القانون الدولي العام.
إن تسارع الأحداث الدبلوماسية والإعلامية حول البرنامج النووي الإيراني وحتى الإسرائيلي، زاد من ضرورة إبراز الأوجه القانونية لامتلاك واستخدام الأسلحة النووية في القانون الدولي، سواء أكانت هذه الأوجه تعاقدية أم عرفية أم حتى قضائية، مثلما هو الحال للرأي الاستشاري لمحكمة العدل الدولية الصادر بتاريخ 8/7/1996 والمتعلق بمشروعية استخدام أو التهديد باستخدام الأسلحة النووية، هذه الفتوى الصادرة عن محكمة العدل الدولية عام 1996 أسست لمفاهيم جديدة متعلقة بمشروعية استخدام أو التهديد باستخدام الأسلحة النووية.
المشكلة محل التعليق:
ما موقف محكمة العدل الدولية من استخدام أو التهديد باستخدام الأسلحة النووية عبر منطوق الرأي الاستشاري؟ وماذا ترتب عنه من نتائج قانونية؟ وما الانتقادات الموجهة لهذا الرأي؟ وكيف ساهم هذا الرأي في تكريس مبدأ حظر انتشار الأسلحة النووية؟
أهداف التعليق:
أهمية التعليق:
تتبلور أهمية هذا التعليق في التأكيد على خطورة وجود الأسلحة النووية، وخطورة استخدامها استخداما غير سلمي أو التهديد بها، وكذلك كشف قصور آليات القانون الدولي، وبصفة خاصة محكمة العدل الدولية، في التصدي لهذه المشكلة.
منهجية التعليق:
استخدم الباحث عدة مناهج بحثية هي: المنهج الوصفي والمنهج التحليلي والمنهج النقدي، وذلك من خلال وصف عناصر الموضوع من الرأي الاستشاري محل التعليق والآراء الفقهية بخصوصه وتحليلها والوقوف على عناصرها، ومن ثم نقد هذا الرأي الاستشاري وتفنيد مضمونه.
مخطط التعليق:
سيتم التعليق على الموضوع وفق التقسيم التالي:
المبحث الأول: موقف المحكمة من استخدام أو التهديد باستخدام الأسلحة النووية
المطلب الأول: منطوق الرأي الاستشاري للمحكمة
المطلب الثاني: النتائج المترتبة على الرأي الاستشاري وآراء بعض القضاة
المبحث الثاني: نقد موقف المحكمة من استخدام أو التهديد باستخدام الأسلحة النووية
المطلب الأول: الانتقادات الموجهة للرأي الاستشاري
المطلب الثاني: رأي الباحث الشخصي حول مدى تكريس الرأي الاستشاري
لمبدأ حظر انتشار الأسلحة النووية
المبحث الأول
موقف المحكمة من استخدام أو التهديد باستخدام الأسلحة النووية
لا جدال يذكر حول الدور الفعال الذي تلعبه محكمة العدل الدولية بقيامها بوظيفتها الإفتائية أو الاستشارية، وذلك في بناء قواعد القانون الدولي من جهة، وتفعيل وتطبيق وتفسير قواعده من جهة أخرى، ويرجع ذلك إلى قيمة هذه الفتاوى وتمايز الحكم على إلزاميتها بين الفقه والقضاء والسلوك اللاحق للأجهزة طالبة الفتوى، ولو أنها بصفة عامة لا تتمتع بعنصر الإلزام، غير أنها ذات قيمة قانونية(1).
سنتناول بيان موقف المحكمة من استخدام أو التهديد باستخدام الأسلحة النووية من خلال مطلبين متتاليين؛ الأول نشير فيه إلى منطوق الرأي الاستشاري للمحكمة، وفي الثاني نشير إلى النتائج المترتبة على هذا الرأي الاستشاري.
المطلب الأول
منطوق الرأي الاستشاري للمحكمة
لقد سبق طلب الرأي الاستشاري للجمعية العامة طلب آخر من منظمة الصحة العالمية، في 13 مايو 1993م بموجب اللائحة WHA 4640 الصادرة من طرف الجمعية العامة لهذه المنظمة، تطلب فيه إصدار رأي استشاري حول نص السؤال التالي: "بسبب آثار الأسلحة النووية على الصحة والبيئة، هل يعتبر استخدامها من طرف دولة خلال نزاع مسلح انتهاكا لواجباتها تجاه القانون الدولي ودستور منظمة الصحة العالمية؟"(2).
ثم بعد حوالي سنة ونصف من هذا الطلب، وبالتحديد في 15 ديسمبر 1994، بموجب اللائحة K4975، قدمت الجمعية العامة للأمم المتحدة كذلك طلبا لمحكمة العدل الدولية تطلب فيه إعطاء فتوى في أقرب الآجال حول السؤال التالي: "هل اللجوء للتهديد أو استخدام الأسلحة النووية أمر مسموح به في القانون الدولي في جميع الظروف؟".
وبعد حوالي سنة ونصف من طلب الجمعية العامة للأمم المتحدة، وثلاث سنوات من طلب المنظمة العالمية للصحة؛ ردت المحكمة على الطلبين في نفس اليوم، أي في 8/7/1996(3)، وهذا برفض الإجابة على السؤال الذي طرحته المنظمة العالمية للصحة، على أساس أن هذا السؤال يفهم منه أنه لا يتعلق بمشروعية استخدامه؛ بحيث أن هذا الأمر ليس من اختصاص هذه المنظمة؛ لأن دستورها لا يخول لها ذلك(4).
في حين قبلت المحكمة شكليا الإجابة على سؤال الجمعية العامة للأمم المتحدة، على أساس المادة 96 في فقرتيها الأولى والثانية من ميثاق الأمم المتحدة لعام 1945م، وكذلك المادة 65 من النظام الأساسي لمحكمة العدل الدولية لعام 1946م وتحديدا في الفقرة الأولى منها، حوى هذا الرأي الاستشاري 105 فقرات، صوت القضاة فيها على الفقرة الأخيرة (أي الفقرة 105) التي تلخص جميع الفقرات السابقة، وانقسمت هذه الفقرة بدورها إلى فقرتين فرعيتين صوت القضاة على الفقرة الفرعية الأولى بـ 13 صوتا (نعم) ضد صوت واحد (لا)، أما الفقرة الفرعية الثانية فحوت ست نقاط مقسمة كالآتي(5):
فالتصويت على الفقرة 2/105/هـ بسبعة أصوات مقابل سبعة مع ترجيح صوت الرئيس "بجاوي". دفع ذلك القضاة إلى القيام بتصريحات (بجاوي، هيرشغ، شي، فريشتين، فراري برافو)، وآراء مستقلة (غييوم، رانجيفا، فليشهاور)، وآراء معارضة (شويبل، أودا، شهاب الدين، ويرامانتري، كوروما، هيغينز)(8). إذ ركز القضاة في بلورة آرائهم على نقاط ثلاث هي: النقطة الأولى، هي مدى وجود قاعدة قانونية اتفاقية تحظر اللجوء إلى الأسلحة النووية في ذاتها، والنقطة الثانية، هي مدى وجود قاعدة قانونية دولية عرفية تحظر استخدام أو التهديد باستخدام الأسلحة النووية، وأما النقطة الثالثة؛ فهي استعراض قواعد القانون الدولي الإنساني(9).
وقد تلقت المحكمة أثناء مداولاتها 43 عرضا أو تعليقا خطيا من الدول بهذا الشأن؛ حيث أعلنت 14 دولة منها عدم مشروعية الأسلحة النووية، في حين أيدت بعض الدول - وخصوصا الدول التي تمتلك قدرات نووية - مشروعية تلك الأسلحة محتجين على ذلك بأن ممارسة الدول الفعلية تعد مصدرا للقانون الدولي أكثر من المبادئ القانونية النظرية، ويشيرون إلى أن الدول النووية الأصلية الخمس: الولايات المتحدة الأمريكية، روسيا، المملكة المتحدة، فرنسا، الصين نشرت أسلحة نووية لعقود، وأكدت علنا حقها القانوني باستعمال هذه الأسلحة دفاعا عن النفس، كما أكدت الهند وباكستان علنا حقهما القانوني بامتلاك الأسلحة النووية سنة 1998 وأشير أيضا إلى أن اتفاقية عدم انتشار الأسلحة النووية لسنة 1968 تعترف صراحة بحق الدول النووية الأصلية الخمسة القانوني بامتلاك أسلحة نووية. ويبلغ عدد الدول الأطراف في هذه الاتفاقية أكثر من 170 دولة(10).
وقد عكس الرأي الاستشاري ثلاث وجهات نظر؛ رأت وجهة النظر الأولى أن استخدام الأسلحة النووية غير مشروع؛ لأنه يتعارض مع مبدأ الضرورة العسكرية والتناسب، ومبدأ ضرورة مراعاة مبادئ الإنسانية التي تقوم عليها قواعد القانون الدولي الإنساني المطبقة في النزاع المسلح(11).
أما وجهة النظر الثانية؛ فترى مشروعية استخدام الأسلحة النووية، ويستند أصحابها إلى مبدأ تقليدي من مبادئ القانون الدولي، والذي يقضي بأن للدول أن تقوم بفعل كل ما لم ينص صراحة على تحريمه(12).
في حين جاءت وجهة النظر الثالثة منسقة مع منهجها؛ حين دعت إلى إيلاء اهتمام خاص للدور الواقعي الذي لعبته سياسة واستراتيجية الردع النووي في صون النظام الدولي العام، والحاجة الماسة إلى الربط بين توقعات السلطة والسيطرة والتحكم(13).
المطلب الثاني
النتائج المترتبة على الرأي الاستشاري وآراء بعض القضاة
يمكن أن نخلص إلى عدد من النتائج القانونية المترتبة على هذا الرأي الاستشاري، ولعل أهمها(14):
ولا بد هنا أن نستعرض أهم ما جاء في الآراء والتصريحات والآراء المخالفة للقضاة حتى تكون في الصورة؛ فقد ذكر القاضي فليشياور ـــ كصاحب رأي مستقل ـــ بأن السلاح النووي هو من عدة نواح إنكار للاعتبارات الإنسانية التي تكمن وراء القانون المنطبق في النزاع المسلح؛ فالسلاح النووي لا يمكنه التمييز بين الأهداف المدنية والعسكرية، وإن المعاناة غير المحدودة تعد إنكارا للاعتبارات الإنسانية التي تكمن وراء القانون في النزاع المسلح(15). أما الأستاذ بجاوي - بصفته قدم تصريحات خارج الرأي الاستشاري ـــ؛ فقد قال: بأن الأسلحة النووية على الأقل حاليا بطبيعتها سلاح أعمى؛ تزعزع لهذا السبب استقرار القانون الإنساني الذي ينظم استخدام الأسلحة، والسلاح النووي الشر المطلق، يزعزع استقرار القانون الإنساني وهو قانون أهون الشرين وهكذا؛ فإن وجود السلاح النووي ذاته يشكل تحديا كبيرا لوجود القانون الدولي ذاته(16)، ناهيك عن الآثار الضارة في الأجل الطويل بالبيئة البشرية التي يمكن أن يمارس فيها حق الحياة(17).
في حين صرح القاضي "هيرشغ" بأنه: كان يمكن تضمين الفتوى موجزا أكثر دقة عن حالة القانون الدولي الراهنة فيما يتعلق بالأسلحة النووية. أما القاضي "شي"؛ فقد كان من أكثر الناقمين على بعض المصطلحات السياسية المستعملة في الفتوى بالرغم من أن تصويته كان مؤيدا لفقرات الفتوى؛ ففي رأيه أن الردع النووي أداة سياسية تلتزم بها دول معنية حائزة للأسلحة النووية، وتدعمها الدول القابلة بحماية المظلة النووية، في علاقتها مع دول أخرى، وتدخل هذه الممارسة في إطار العلاقات السياسية الدولية وهي لا تتمتع بأية قيمة قانونية من زاوية تكوين القاعدة العرفية التي تحظر استخدام أسلحة من هذا القبيل. فيما كان تصريح القاضي فيريشتين أنه: لا يمكن اتهام المحكمة بالتردد عندما يكون القانون الذي طلب إليها أن تعلن رأيها على أساسه هو نفسه غامض(18).
فيما جاءت الآراء المخالفة ناقمة على الفتوى، كما هو الحال للرأي المخالف لنائب الرئيس (شويبل) الذي قال: إنه بعد أشهر كثيرة من المعاناة في تقييم القانون، تكشف المحكمة أنه لا يوجد قانون. وحين يتعلق الأمر بالمصالح العليا للدول تنبذ المحكمة ما تحقق من تقدم قانوني في القرن العشرين، وتضع جانبا أحكام ميثاق الأمم المتحدة، وتعلن بعبارات تعبق بسياسة الأمر الواقع حيرتها إزاء أهم أحكام القانون الدولي الحديث. وإذا كان هذا هو قرار المحكمة النهائي؛ فإنه كان من الأفضل لها أن تستند إلى سلطتها التقديرية التي لا ريب فيها ولا تصدر أي فتوى إطلاقا(19).
أما القاضي "أودا"؛ فأشار إلى الإبقاء على نظام معاهدة حظر الانتشار يسلم بوجود فئتين من الدول، الدول الخمس الحائزة للأسلحة النووية، والدول غير الحائزة للأسلحة النووية. وبما أن الدول الخمس الحائزة للأسلحة النووية قدمت مرارا للدول غير الحائزة للأسلحة النووية ضمانات بعزمها على عدم استخدام الأسلحة النووية ضدها(20)؛ فيكاد لا يوجد أي احتمال لأي استخدام للأسلحة النووية في ظل نظرية الردع النووي الراهنة. ولم يقتنع القاضي شهاب الدين - في رأيه المخالف بأن هناك نقصا في القانون أو في الوقائع، يمنع المحكمة من إعطاء إجابة حاسمة بالنسبة للنقطة الجوهرية في المسألة التي طرحتها الجمعية العامة، وفي رأيه أنه كان على المحكمة أن تعطي رأيا حاسما سلبا أو إيجابا، وكان بإمكانها أن تفعل ذلك(21).
في حين أسف القاضي "وبرامانتري" على أن المحكمة لم تقرر عدم مشروعية استخدام أو التهديد باستخدام الأسلحة النووية أيا كانت الظروف؛ مرتكزا في رأيه المخالف على انتهاك الأسلحة النووية للمبادئ الأساسية للقانون الدولي، ويمثل إنكارا صريحا للاهتمامات الإنسانية التي تشكل أساس القانون الإنساني، كما أنه يتعارض مع القانون الاتفاقي وبصفة خاصة بروتوكول جنيف لحظر الغازات لعام 1925 والمادة 23/أ من قواعد لاهاي العام 1907. كما أنه يتعارض أيضا مع المبدأ الأساسي لكرامة وقيمة الإنسان التي يستند إليها القانون بأكمله؛ إضافة إلى أنه يعرض البيئة البشرية للخطر بطريقة تهدد الحياة كلية على كوكب الأرض(22).
المبحث الثاني
نقد موقف المحكمة من استخدام أو التهديد باستخدام الأسلحة النووية
مثلما يقول (لويجي كوندور يللي): بأنه من السهل أن تنتقد بشدة الفتوى التي أصدرتها محكمة العدل الدولية في 8 جويلية 1996 بشأن مشروعية استخدام الأسلحة النووية أو التهديد باستخدامها. ولا يتطلب ذلك شحذ الفكر طويلا على الإطلاق، وإنما يكفي الاختيار بين الانتقادات العديدة - الصارمة للغاية في بعض الأحيان - التي بالإمكان الاطلاع عليها في البيانات والآراء المستقلة أو المعارضة التي حرص القضاة الحاضرون الأربعة عشر على إبدائها؛ سواء كانوا موافقين على مجمل المنطوق أم صوتوا ضد إحدى فقراته(23).
قد يتبين للوهلة الأولى بأن منطوق الرأي الاستشاري لمحكمة العدل الدولية الخاص باستخدام الأسلحة النووية أو التهديد باستخدامها؛ قد فتح الباب لمشروعية امتلاك واستخدام والتهديد باستخدام الأسلحة النووية؛ إلا أنه بنظرة فاحصة يتبين لنا عكس ذلك، فالفتوى قد كرست مبدأ حظر انتشار الأسلحة النووية(24).
وسنتناول بيان نقد موقف المحكمة من استخدام أو التهديد باستخدام الأسلحة النووية من خلال مطلبين متتاليين؛ الأول نشير فيه إلى الانتقادات الموجهة للرأي الاستشاري، وفي الثاني نشير إلى رأي الباحث الشخصي حول مدى تكريس الرأي الاستشاري لمبدأ حظر انتشار الأسلحة النووية.
المطلب الأول
الانتقادات الموجهة للرأي الاستشاري
يمكن تلخيص الانتقادات الموجهة للرأي الاستشاري فيما يلي:
أ) لا يجوز لدولة أن تتذرع بحالة الضرورة؛ لكي تنتهك قاعدة آمرة في ظل شبه الإجماع على أن قواعد القانون الدولي الإنساني المطبقة على المنازعات المسلحة لها صفة القاعدة الآمرة.
ب) حالة الضرورة ليست نظرية واسعة، وإنما هي ضيقة المجال وتستخدم في أضيق مجالاتها؛ حتى لا تحيد عن مفهومها الأصلي(33).
ج) حالة الضرورة استخدمت مرات عدة لتبرير تطاولات على السيادة واستقلال الدول، ما جر بالدول إلى محاولة لجم هذه النظرية حتى لا تتميع مفاهيمها؛ فعمدت إلى استبعاد حالة الضرورة كسبب من أسباب انتهاء المعاهدات، كما لم تقتنع محكمة العدل الدولية في قضية كورفو بحالة الضرورة التي تذرعت بها بريطانيا وأجابت المحكمة بأنه: "لا يمكن للمحكمة أن تستقبل هذه النظرية بين الدول ذات السيادة، واحترام السيادة الإقليمية هو شرط أساسي للعلاقات الدولية"(34).
ونجد أن هذه الأمور تجاهلتها محكمة العدل الدولية؛ إذ بدلا من أن تقوض من مجال هذه النظرية أطلقت العنان لها، وهو ما قد يجعل من فتوى المحكمة مبررا كافيا لاستخدام هذه النظرية في أوسع حالاتها وأطرها.
وبهذا نجد أن المحكمة جانبت الصواب برأيها؛ عندما يهدد من يمتلك القوة دون ضوابط ترتبط بالقانون الدولي الإنساني أو بغيره .
المطلب الثاني
رأي الباحث الشخصي حول مدى تكريس الرأي الاستشاري لمبدأ حظر انتشار الأسلحة النووية
يجد الباحث أن التناقضات المستنبطة من مختلف فقرات الرأي الاستشاري؛ عبرت بطريقة غير مباشرة عن وجهة النظر هذه؛ وهو ما يمكن أن تجيب عنه بعض الأفكار المطروحة في هذا الصدد: فالمحكمة اعتمدت على مبادئ مغرقة في العمومية وطوعتها في آراء وقضايا نظرت فيها، كما أنها لم تستخدم مناهج عملية للتوصل إلى تحريم الأسلحة النووية؛ لكن تهميشها للقواعد العرفية زاد من حدة الانتقادات الموجهة للفتوى؛ مما جعل هذه القواعد ذات الطبيعة العرفية محل نقاشات واسعة تظهر انطباقها على موضوع هذه الفتوى(39). فرفض المحكمة للتوصيات التي تبنتها الجمعية العامة للأمم المتحدة بشأن موضوع الأسلحة النووية يعكس حظرا بموجب القانون العربي، وقد رأت المحكمة بأنه بينما يمكن أن تشكل توصيات الجمعية العامة إعلانات عرفية ذات نفوذ؛ فإن التوصيات المعنية ليس لها هذا الطابع، وجوهر القانون الدولي العرفي هو الممارسة الفعلية، ورأي الدول القانوني، ولا تشكل توصيات الجمعية العامة هذا الرأي القانوني، بالإضافة إلى أنها تتناقض مع ممارسة عدد كبير من الدول(40).
لكن هذا الرأي مردود عليه بحجج قانونية، ينبع أولها من سوء النية للدول النووية التي دافعت بقوة عن عدم انطباق بروتوكول جنيف الأول على الأسلحة النووية عبر إطلاق العديد من التصريحات، كما ظهر سوء نيتها في مواجهة سذاجة الدول غير النووية المنضمة لمعاهدة حظر انتشار الأسلحة النووية؛ إذ لم تنفذ الدول النووية ما ورد في متن المادة السادسة من المعاهدة التي تتعهد فيها بالتوصل بحسن نية إلى نزع شامل للأسلحة النووية عبر قنوات التفاوض، وبالرغم من إغفال المحكمة لسوء نية الدول النووية؛ إلا أنها دعت إلى حظر انتشار الأسلحة النووية، وتوسيع مجال المفاوضات لتحقيق ذلك(41).
وتوضح المحكمة أنه لا يوجد حتى الآن أي اتفاقية تحظر بصورة عامة استخدام الأسلحة النووية، مثل الاتفاقيات التي تحظر الأسلحة الكيميائية والبكتيريولوجية؛ غير أنها لاحظت أن بعض الاتفاقيات، مثل: معاهدة الحظر الكلي للتجارب النووية، ومعاهدة حظر انتشار الأسلحة النووية، والمعاهدات المتعلقة بالمناطق الخالية من الأسلحة النووية، يبدو أنها تدعو إلى تزايد قلق المجتمع الدولي إزاء الأسلحة النووية(42)؛ مما ينبئ بحظر استخدام هذه الأسلحة حظرا عاما. ويتعلق الأمر بهذه الاتفاقية على وجه التحديد، وهي تتميز بالعديد من المراحل الوسيطة التي تبرز من بينها معاهدة الحظر التام للتجارب النووية على الأخص، ومن المهم ألا تكون هذه المراحل مجرد أنشطة بديلة. فالغرض يظل، كما هو محدد في المادة السادسة من معاهدة حظر انتشار الأسلحة النووية، نزع السلاح النووي عموما والإزالة الكاملة للأسلحة النووية، وتذكر محكمة العدل الدولية هذا الغرض بقوة في ختام فتواها؛ إذ إنها تؤكد أن المادة السادسة لا تتضمن مجرد الالتزام بسلوك معين وإنما بالتوصل إلى نتيجة محددة وملموسة(43).
إضافة إلى هذا، فبالرغم من أن المحكمة ظلت تصر على أن عدم وجود قانون اتفاقي، أو عرفي في المجتمع الدولي على نزع السلاح النووي الكامل يعد ركيزة أساسية لإعلامها عدم وجود قانون يحكم الموضوع؛ إلا أننا نستنبط من الفتوى إلى أي حد قد تطورت المبادئ العامة للقانون الدولي الإنساني أو اتسع نطاق قبولها، مادام أن المحكمة اعترفت صراحة بأن الدول الحائزة للأسلحة النووية نفسها قد قبلت انطباق هذه المبادئ"، وهو ما لا يفسر إلا على أنه تضييق من مجال انتشار الأسلحة النووية عبر دراسة استخدامها أو التهديد باستخدامها.
ولقد استنبطت اللجنة الدولية للصليب الأحمر من الفتوى ما ينبئ عن تكريس هذا الرأي الاستشاري لمبدأ حظر انتشار الأسلحة النووية؛ إذ ترى اللجنة أن الآثار المدمرة لهذه الأسلحة لا أحد يريد أن يراها، وأمل اللجنة الدولية أن يعطي رأي المحكمة دفعة جديدة لجهود المجتمع الدولي لتحرير الإنسانية من هذا التهديد المرعب. وفي ظل الأدلة العلمية لطبيعة الأسلحة النووية وقوتها التدميرية تجد اللجنة أنه من الصعب أن تتصور كيف يمكن أن يكون استخدام الأسلحة النووية متوافقا مع قواعد القانون الدولي الإنساني. إذ إن إخفاق المحكمة في تطبيق مبادئ القانون الدولي الإنساني على استخدام أو التهديد باستخدام الأسلحة النووية؛ دفع عدة قضاة إلى الانشقاق عن الفتوى المشتركة(44).
وقد احتج القاضيان: "وبرا مانتري" و"كوروما" كلاهما بأن الخصائص المدمرة على نحو فريد للأسلحة النووية لا بد أن تجعل أي استعمال لهذه الأسلحة غير متفق مع المبادئ العامة للقانون الدولي الإنساني، وأن تسويغ المحكمة الخاص كان لا بد أن يؤدي بها إلى هذا الاستنتاج(45)، وقال القاضي شهاب الدين: إن استنتاج عدم المشروعية في جميع الأحوال كان واضحا أمام المحكمة على أساس الأدلة المعروضة عليها، وبالتالي؛ فإن إعلان المحكمة عدم وجود قانون يحكم الموضوع غير مناسب، بل إن مجرد النص بهذه العبارة هو كفيل للإقرار بحظر انتشار الأسلحة النووية، مادام أن مبدأ حظر انتشار الأسلحة النووية لا يعني بالضرورة استخدامها أو التهديد باستخدامها، ولو أنها مفاهيم تدخل في مقومات مبدأ الحظر بصفة عامة. وفتوى المحكمة مهمة أيضا لتكريس مبدأ حظر انتشار الأسلحة النووية، ومكمن أهميتها هو تحديد مجالات القانون الدولي التي قد يوجد فيها مثل هذا الحظر، والذين كانوا يرون أن استخدام الأسلحة النووية غير مشروع؛ لم يستندوا فقط إلى ميثاق الأمم المتحدة والقانون الدولي الإنساني، وإنما أيضا ـــ وبصورة مستقلة ـــ على حقوق الإنسان وقانون البيئة(46).
غير أن المحكمة اعتبرت أن مشروعية استخدام الأسلحة النووية يجب أن يحدد بالرجوع إلى الميثاق والقوانين المنطبقة في النزاع المسلح". القرار 1653 الدورة (16) الذي أعلنت فيه الجمعية العامة للأمم المتحدة في سنة 1961 - بكلمات عامة للغاية في الحقيقة، في ديباجة الفقرة الثالثة أن استخدام الأسلحة النووية يقع تحت طائلة اتفاقيتي لاهاي السنة 1899 وسنة 1907، وكذلك بروتوكول جنيف لسنة 1925 وفي كل القرارات اللاحقة في سنة 1972 وفي مرات عديدة منذ سنة (1978) التي أدانت فيها الجمعية العامة اللجوء إلى الأسلحة النووية؛ فإنها أشارت إلى القرار 1653. ونتيجة لذلك؛ فإن هناك ـــ في الواقع ـــ ممارسة تؤكد قابلية تطبيق هذه الصكوك على استخدام الأسلحة النووية، ومادام أن حظر انتشار الأسلحة النووية هو مبدأ شامل لمفاهيم حظر استخدام أو التهديد باستخدام الأسلحة النووية، يصبح الأمر هنا بمثابة تأكيد على تكريس الفتوى لمبدأ حظر انتشار الأسلحة النووية(47).
كما تواترت الآراء التي تؤكد تكريس الفتوى لذات المبدأ؛ إذ بالنظر إلى حيثيات معينة؛ فإن الفقرة الفرعية الثانية من الفقرة 105/2/هـ يشوبها التناقض في الواقع، بعدما لاحظت المحكمة أن استخدام الأسلحة النووية من شأنه أن يؤدي إلى إبادة البشرية. كيف يمكن لها أن تتساءل بعدئذ إن كان بإمكان بقاء الدولة المعتدى عليها أن يبرر استخدام سلاح من شأنه أن يؤدي إلى دمار مستعمله؟ وإذا كان اللجوء إلى السلاح النووي يؤدي إلى اختفاء كل حياة على الكوكب، وإذا تم التسليم بأن القانون الدولي ينجم عن إرادة الدول؛ فقد يكون من الغريب أن تتصور أن الدول وافقت على قاعدة من شأنها أن تفضي إلى انتحارها، بما في ذلك الدولة الراغبة في حماية نفسها من الانتحار؛ إن سخافة النتيجة تقضي بنا إلى الرد سلبيا على السؤال الذي طرحته المحكمة على نفسها(48). إذ حتى الحالة القصوى للدفاع عن النفس لا تجيز تبرير استخدام الأسلحة النووية. وليس من الترف اللغوي أو القانوني أن تعلن صراحة بأن تضييق الخناق على استخدام أو التهديد باستخدام الأسلحة النووية عبر مختلف فقرات فتوى محكمة العدل الدولية؛ حتى ولو لم تنص المحكمة على عدم مشروعية استخدام أو التهديد باستخدام هذا النوع من الأسلحة، يعد إنجازا يكرس المبدأ لاعتبار مهم. هو أن المحكمة لم تنص صراحة على عدم مشروعية الأسلحة؛ لكنها بالمقابل أيضا لم تنص صراحة على جواز استخدام أو التهديد باستخدام الأسلحة النووية، وهو ما لا يمكن تفسيره إلا لمصلحة مبدأ حظر انتشار الأسلحة النووية(49).
وعلى أساس ما سبق كله؛ يطرح الباحث تساؤلا مهما وهو: هل حسمت هذه الفتوى الجدل الدائر حول مشروعية استخدام الأسلحة النووية أو التهديد بها؟ وإذا كانت الإجابة بلا، فهل خدمت هذه الفتوى قضية مشروعية هذه الأسلحة أم أساءت إليها؟ وإذا كانت هذه الفتوى لم تحسم قضية المشروعية، فهل كانت هناك ضرورة ملحة من جانب المحكمة لإصدار الفتوى أم كان يتعين عليها الامتناع عن إصدار الفتوى؟
يرى الباحث؛ مجيبا على جميع هذه الأسئلة وغيرها؛ يبدو أن الفتوى الصادرة عن المحكمة لم تحسم بشكل قاطع الجدل الدائر منذ فترة حول مشروعية استخدام الأسلحة النووية، ودليل الباحث على ذلك، ما جاء في منطوق الرأي الصادر عن المحكمة من أنه: "ليس في القانون الدولي العرفي أو القانون الدولي الاتفاقي أي حظر شامل وعام للتهديد بالأسلحة النووية بالذات أو لاستخدامها وأنه بالنظر لحالة القانون الدولي الراهن والعناصر الوقائية التي هي تحت تصرفها، ليس في وسع المحكمة أن تخلص إلى نتيجة حاسمة بشأن ما إذا كان التهديد بالأسلحة أو استخدامها في ظرف أقصى من ظروف الدفاع عن النفس يكون فيه بقاء الدولة ذاتها معرضا للخطر"، ولقد كان ذلك الوضع محل نقد من قبل بعض قضاة المحكمة وبعض الفقهاء كما أسلفنا.
وعليه يقرر الباحث؛ أن الرأي الاستشاري الصادر عن المحكمة لم يحسم قضية مشروعية أو عدم مشروعية استخدام الأسلحة النووية أو التهديد باستخدامها، وكان من الأفضل أن تمتنع المحكمة عن الاستجابة لطلب الفتوى المقدم من الجمعية العامة، والواقع يجده الباحث في أن الرأي الصادر عن المحكمة يضر أكثر مما يفيد قضية مشروعية استخدام هذا النوع من الأسلحة.
ويرى الباحث للأسف؛ أن ما انتهت إليه المحكمة سيبطئ من سرعة نشوء أو اكتمال قاعدة قانونية عامة تحظر اللجوء إلى الأسلحة النووية أو التهديد بها، بل ونكاد نجزم أن الدول الحائزة على مثل هذه الأسلحة، والتي قد ترى أن من مصلحتها استخدامها، ستجد ما تبرر به مثل هذا الاستخدام من فقرات فتوى المحكمة ومنطوقها الختامي، بل وربما كان موقفها القانوني قبل صدور هذه الفتوى أضعف بكثير منه بعد صدورها.
وبالتالي يخلص الباحث إلى أن؛ محكمة العدل الدولية قد فشلت في التغلب على مشكلة الانقسام الذي خلفه وجود الأسلحة النووية بين القانون المطبق على النزاعات المسلحة؛ وخاصة قواعد ومبادئ القانون الدولي الإنساني من جهة، والحق الأصيل في الدفاع عن النفس من جهة أخرى. فخصائص الأسلحة النووية تجعل استخدامها يبدو أمرا لا يمكن التوفيق بينه وبين القانون الإنساني، في الوقت الذي ينتقص فيه انتقاصا شديدا من الدفاع عن النفس؛ إذا استبعد استخدام هذه الأسلحة استبعادا تاما بالنسبة لدولة تكون ضحية هجوم بالأسلحة النووية أو الكيميائية أو البيولوجية؛ مما يشكل تهديدا مميتا لوجودها.
الخاتمة
(النتائج والتوصيات)
يمكن القول: بأن المساهمة التي تقدمها مجمل فتاوى محكمة العدل الدولية لقواعد القانون الدولي؛ هي مساهمة فعالة في ضبط وتفعيل النظام القانوني الدولي، وهو ما نلحظه من الرأي الاستشاري محل التعليق، الذي أعطى تصورات قانونية، وإن أجابت الفتوى على سؤال الجمعية العامة موضوع الفتوى؛ إلا أنها فعلت ذلك بشيء من الغموض والضبابية.
أولا: النتائج:
خلصنا من هذا التعليق النقدي القانوني حول الرأي الاستشاري إلى النتائج النقدية التالية:
ثانيا: التوصيات:
بناء على النتائج النقدية السابقة؛ يقترح الباحث بعض التوصيات كما يلي:
قائمة المصادر والمراجع
أولا: المراجع باللغة العربية:
ثانيا: المراجع الأجنبية:
Ahmed, A. (2023, July 31). Analysis of the Advisory Opinion on the Legality of the Threat or Use of Nuclear Weapons. DLP FORUM.
Teraoka, Tomonori. (2017). Court as the process of signification: legal semiotics of the international court of justice advisory opinion on the legality of the threat or use of nuclear weapons. International Journal for the Semiotics of Law, 30(1), 115–128.
P. Sands, J. Peel, Principles of International Environmental Law, CUP, 2012, p. 191; V. Nanda, G. Pring, International Environmental Law and Policy for the21st Century, Martinus Nijhoff, 2003, p. 21
J. Viñuales, “The Contribution of the International Court of Justice to the Development of International Environmental Law: A Contemporary Assessment”, (2008) 32 Fordham Intl L. J., p. 246.
المشاهدات
التحميلات
الاستشهادات
المؤلفون
إصدار
السنة

هذا العمل مرخص بموجب Creative Commons Attribution-NonCommercial 4.0 International License.